دخولتسجيل الدخول

الاستهداء بأسماء الله الحسنى 04 | استهداء الحامدين

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي تفرد بالكمال، وتنزه عن كل نقص ومثال، والصلاة والسلام على من بعث ليتم صالح الأخلاق، ويشرق في النفوس بنور اليقين والوفاق، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

أيها الكرام والكريمات، فيما نمر به في هذه الحياة، وما يحصل للإنسان من شؤونه الخاصة والعامة، تضيق الصدور، وتجف الأرواح، وتغدو النعم المألوفة كأنها حقوق مكتسبة لا ترى ولا تشكر. يصحو الإنسان ويمسي وهو يبحث عن المفقود، ويندب الحظ، ويتسخط على الأقدار، وكأن عينيه قد عميت عن رؤية النور، وكأن قلبه قد تكلس فلا ينبض بالامتنان.

في هذا الجذب الروحي العنيف، تأتي زمرة الحامدين لتغسل القلوب بماء السماء، ولتفتح البصائر على جمال الله وجلاله، ولتعيد صياغة النظر إلى الكون كله؛ فترى في كل نعمة رسالة، وفي كل محنة حكمة، وفي كل نبضة قلب شهادة ناطقة بفضل الله. إننا اليوم في أمس الحاجة إلى أن نرتوي من معاني هذه الأسماء الستة: الحميد، الجميل، الطيب، الشاكر، الشكور، المجيد؛ لنرتقي في مقامات الشكر، ولنتأمل في آثار الجمال الإلهي المكنون في تفاصيل أيامنا، ولنتعلم كيف نشكر الله على القليل فيضاعفه لنا، وكيف نحمده في السراء والضراء فيرضينا.

الذي ينظر في حالنا أجمعين وفي حال البشرية كلها، يجد أن الشقاء ليس سببه قله النعم، بل سببه غياب عين الشاكرين وقلب الحامدين. لقد تكاثرت المادييات في أيدينا وتنوعت وسائل الراحة، ومع ذلك زاد القلق وتضاعف الاكتئاب واستوحشت النفوس. لماذا؟ لأن النعم إذا لم تربط بالمنعم صارت عبئاً، وإذا لم تشكر صارت حسرةً.

ومن هنا تظهر أهمية هذه الزمرة العظيمة؛ زمرة تأخذ بيد العبد من ضيق التسخط إلى سعة الرضا، ومن عتمة الغفلة إلى بصيرة الشكر، ومن قبح المعصية إلى جمال الطاعة. هذه الأسماء الستة منهاج حياة، وطب للقلوب، وبلسم للأرواح. انها تدعونا إلى إعادة اكتشاف التفاصيل من حولنا، وإعادة تقييم علاقاتنا، وإعادة بناء ذواتنا من الداخل.

فمن عرف الحميد لم يفتر لسانه عن شكره، ومن عرف الجميل لم يرض لنفسه إلا بكل خلق جميل، ومن عرف الطيب طهر سريرته، ومن عرف الشاكر والشكور استقل عمله واستعظم أجر ربه، ومن عرف المجيد تواضع لعظم عظمته وسعة كرمه. هذه الأسماء أيها الكرام والكريمات تتجلى عظمة الله سبحانه وتعالى في هذه الزمرة في ترابط معانيها وفي تكامل أنوارها لتشكل عقيدة الشكر والحمد في قلب المؤمن.

وقد عرفها بعض الأئمة، منهم الإمام الزجاج بعبارات دقيقة جامعة، قال مثلاً: الحميد هو فعيل بمعنى مفعول، والله تعالى هو المحمود بكل لسان وعلى كل حال؛ يعني أن الله هو الذي يستحق الحمد المطلق لذاته وصفاته ولافعاله، سواء حمده الحامدون أم غفلوا عنه. فهو المحمود قبل أن يخلق الخلق، والمحمود بعد فنائهم، إن حمده ليس مستمداً حتى نفهم من ثناء خلقه، بل هو محمود في ذاته، محمود في اسمائه وصفاته، محمود في كل ما يقضيه ويقدره.

الاسم الثاني هو اسم الله الجميل. قال الزجاج: الجمال الحسن، والجمال مصدر الجميل والفعل جمولاً، والله سبحانه وتعالى هو الجميل على الحقيقة، جميل في ذاته، جميل في اسمائه وصفاته، جميل في أفعاله. فكل جمال تراه عينيك في هذا الكون الواسع من إشراقة شمس، أو تفتح زهرة، أو حسن وجه، ما هو إلا أثر من آثار جماله سبحانه، وهو الذي يحب الجمال في عباده؛ جمال الظاهر والباطن.

الاسم الثالث هو اسم الله الطيب. إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، الطيب في اللغة العربية هو الخالص من كل خبث، الطاهر من كل دنس. والله سبحانه هو الطيب الذي لا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، أفعاله كلها طيبة، وأقواله كلها طيبة، ولا يقبل من عباده إلا العمل الطيب الخالص لوجه، والمال الطيب الحلال، فهو سبحانه المنزه عن كل نقص، المقدس عن كل عيب.

الاسم الرابع هو اسم الله الشاكر، وهو الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه الكثير من الثواب، وهو الذي يرضى من عبده بالعمل القليل فيتقبله وينميه له. وأما الاسم الخامس فهو اسم الله الشكور؛ الشكور من صفات الله سبحانه وتعالى، معناه أن يزكوا عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء. فهو سبحانه الذي يعطي الكثير على العمل القليل، ويشكر لعبده نيته الصادقة ولو لم يبلغ بها العمل. إن الله الشكور هو الذي لا يضيع عنده سعي ساع، ولا يغيب ولا يخيب عنده رجاء راج، بل يضاعف الحسنات إلى أضعاف كثيرة.

الاسم السادس هو اسم الله المجيد. أصل المجد في كلام العرب الكثرة والسعة، الماجد في اللغة بمعنى الكثير الشرف، فالمجيد هو واسع الكرم، عظيم الصفات، الذي لا يحصى ثناؤه، ولا يحد عطاؤه، ولا يبلغ كنه جلاله وجماله، هو المتضمن لكثره صفات كماله وسعتها، وكثره خيره ودوامه.

أسماء الله سبحانه وتعالى الحميد والشاكر والشكور والمجيد ثبتت بنصوص القرآن الكريم الصريحة، أما أسماء الجميل والطيب فقد ثبتت في السنة النبوية الصحيحة؛ فالجميل ثبت في حديث ابن مسعود في صحيح مسلم: «إن الله جميل يحب الجمال»، والطيب ثبت في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أيضاً: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً»، وقد أثبتهما أئمة السلف من المتقدمين ومن بعدهم.

أما مراتب الاستهداء في هذا الدرس وفي دروسنا كلها فهي على قلب واحد؛ أن نتعاطى مع أي زمره ترد إلينا بهذه الأربع رتب، اللي هي مراتب الاستهداء الأربعة. الأولى: العلم، أن نعرف معاني هذه الأسماء، وأن نعرف يقيناً بأن الله هو مصدر كل نعمة وغايه كل حمد ومنتهى كل جمال، ونتفهم دلالاتها العميقة لنكون على بينة من أمر ربنا.

الرتبة الثانية من مراتب الاستهداء بهذه الأسماء: الإيمان، بأن يمتلئ قلب المؤمن بالتصديق الجازم بأن ما يصيبه من خير فهو من فضله سبحانه، وما يصرف عنه من سوء فهو من رحمته، ونؤمن بان الله سبحانه وتعالى وكل أفعاله تدور بين الفضل والعدل، وأنه لا يقضي قضاء إلا وهو سبحانه محمود عليه.

الرتبة الثالثة من مراتب الاستهداء: التعبد بالمقتضى، أن تلهج ألسنتنا بحمد الله سبحانه وتعالى، وأن تعمل جوارحنا بشكره، وأن نطهر قلوبنا من كل خبث لنليق بين يدي الطيب سبحانه، وأن نتخلق بأخلاق الجمال في تعاملنا، وأن نتصف بالطيب في قولنا وأفعالنا.

الرتبة الرابعة من رتب الاستهداء -وهذه الأربع رتب نحن نكررها في كل درس نجعل لها قالباً ثابتاً، ثم كل زمرة من الأسماء نرى كيف لنا أن نستهدي بعلمها، وبالإيمان بها، وبالتعبد بمقتضاها، وبالدعاء بها- فهي الدعاء، أن نتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء العظيمة لننال المزيد من فضله ولنرزق التوفيق لشكره، أن ندعو دعاء العبادة ودعاء المسألة موقنين بإجابته.

وكما اعتدنا ونريد أن نعتاد أيضاً في كل درس، عندنا ثلاثة مقاصد؛ كيف تغير هذه الأسماء والاستهداء بها تغير علاقتنا مع الله، وعلاقتنا مع الناس، وعلاقتنا مع النفس. أما المقصد الأول فهو الاستهداء مع الله؛ كيف تصحح هذه الأسماء الستة علاقتنا بالله.

الثمرة الأولى: رؤية المنعم من خلال النعمة، حين يدرك القلب أن الله هو الحميد والمجيد، فانه يتجاوز الوقوف عند حدود النعمة المادية ليرى من ورائها آثار المنعم الكريم سبحانه. الإنسان الغافل يفرح بالعطاء وينسى المعطي، يقف عند النعمة وتصبح هي غايته ومبتغاه، أما المستهدي بهذه الأسماء فانه يرى في كسرة الخبز وشربة الماء وعافيه البدن رسائل حب من الله سبحانه وتعالى، فيتحول شكره من مجرد شعور بالرضا الدنيوي إلى حالة من العبادة القلبية العميقة.

إن المؤمن يرى فضل الله سبحانه وتعالى في كل سكنة وحركة فيعلم أن النعمة ما هي إلا دليل على المنعم، وأن هذه النعمة طريق موصل إلى الله سبحانه وتعالى. هذا الاستحضار الدائم يجعل القلب في حالة من الحمد المستمر، فلا ينقطع عن الثناء على ربه مستشعراً قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].

الثمرة الثانية في المقصد الأول -الذي هو الاستهداء بهذه الأسماء في علاقتنا مع الله- هي الطمانينة في أقدار الله المؤلمه. حين يعصف البلاء وتتوالى المحن، قد تتسرب بعض خيوط اليأس إلى قلوبنا الضعيفة، وتثور التساؤلات حول حكمة الله في خلقه، لكن المؤمن الذي عرف أن ربه هو الطيب الذي لا يصدر عنه إلا خير، وأن كل أقضية الله تدور بين العدل والرحمة، فانه يطمئن لحكمته، يعلم أن المنع قد يكون هو عين العطاء، وأن المرض مثلاً قد يكون تطهيراً، فيلهج بالحمد في الضراء كما يلهج به في السراء، موقناً أن الخيرة فيما اختاره الله سبحانه وتعالى. وأن استشعار اسم الحميد في اوقات الشدة يطفئ نار التسخط ويبرد حر المصيبة؛ لأن العبد يوقن أن ربه محمود على كل حال، وأنه سبحانه لا يبتليه ليهلكه بل ليمتحنه ويرفعه.

الثمرة الثالثة: الحياء من التقصير في حق الشكور، حين يتأمل العبد في اسم الله الشكور الذي يضاعف الأجر على العمل القليل ويثيب على النية الصادقة، فانه يذوب حياء من تقصيره. كيف يعصي ربا هذا شأنه، وكيف يتكاسل عن طاعة من يشتري منه القليل بالكثير المخلد؟ هذا الحياء يورث في القلب دافعاً ذاتياً للمسارعة في الخيرات؛ دوافع كثيرة: إما خوفاً من العقاب، وإما رجاء فيما عند الله، وإما حباً وإجلالاً للرب الشكور. واستشعار سعة مجد الله سبحانه وتعالى وكثرة عطائه في مقابل قله عمل العبد وكثرة زلاته، يورث انكساراً محموداً بين يدي الله، واعترافاً بالعجز عن أداء حقه، فيظل العبد يردد: أبوء لك بنعمتي عليك وأبوء بذنبي فاغفر لي، فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

الثمرة الرابعة من ثمرات الاستهداء بهذه الأسماء في علاقتنا مع الله: التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالطيبات. إدراك العبد لاسم الله الطيب يجعله شديد المراقبة لسريرته وعلانيته، فهو يعلم أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فلا يرفع إليه دعاء وقلبه مشحون بالحقد، ولا يتصدق بمال فيه شبهة من حرام، ولا ينطق بكلمه فيها أذى، يسعى دائماً لتزكية نفسه وتطهير ماله وتجويد عمله ليكون أهلاً للقبول عند ربه.

إن التقرب إلى الله لا يكون فقط بالاهتمام بكثره الأعمال، بل بطيبها وخلوصها؛ هذه هي الثمرة لمعرفه اسم الله الطيب: العمل القليل الطيب خير من الكثير الخبيث المشوب بالرياء والسمعة. هذا يورث في العبد حرصاً شديداً على تنقية مقاصده وتصفية نواياه ليرتفع عمله إلى الله نقياً طاهراً. هذا ما يتعلق بالمقصد الأول وكيف لهذه الأسماء الحسنى والاستهداء أن تؤثر على علاقتنا مع الله.

أما المقصد الثاني، فكيف تهذب هذه الأسماء تعاملاتنا في الاستهداء بهذه الأسماء مع الناس. الثمرة الأولى: شكر الناس عادة لنتخذه بوابة لشكر الله سبحانه وتعالى. من استهدى باسم الله الشاكر أدرك أن الجحود لخلق الله جحود لخالقهم؛ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله». المستهدي بهذه الزمرة لا يستكثر كلمة ثناء أو دعاء أو اعتراف لمن أسدى إليه معروفاً، ولا يبخل بالدعاء لمن أحسن إليه، يرى في شكر الناس امتداداً لشكر الله، ويشيع في محيطه ثقافة أن نشكر الناس وأن نقدر أعمالهم، وهذا سيذيب جليداً بين القلوب ويبني على المدى البعيد مجتمعاً متراحماً.

أما من يتعالى عن شكر الناس ويظن بأن في ذلك منقصة من قدره، فهو ما فهم حقيقة الشكر، وما تخلق بأخلاق الشاكرين، وما فهم اسم الله الشاكر والشكور. المؤمن الحق هين لين، يعترف بالفضل لأهله، ويجازي الإحسان بالإحسان.

الثمرة الثانية: التغاضي عن الزلات ورؤية الجميل في كل العلاقات. الإنسانية تكثر الاحتكاكات -نحن ما نستطيع أن نعتزل الناس تماماً- تكثر الاحتكاكات والصدامات، لكن من تخلق بأخلاق اسم الله الجميل واستهدى بها تجده يتدرب على التقاط الجمال في الآخرين والتغاضي عن زلاتهم. ما يقف عند كلمة عابرة، ولا يضخم خطأ غير مقصود، بل يبحث عن الصفات الحسنة في شريكه، في صديقه، في زوجه، في جاره، في شيخه، في تلميذه، في كل العلاقات يبرزها ويثني عليها.

هذا الرقي في التعامل يحول البيوت والأحياء إلى واحات سكن، ويجعل بيئات العمل مساحات للتنافس المحمود والإنتاج لا للصراع. والعين أيها الكرام والكريمات التي اعتادت رؤية الجمال لا تقع على القبح إلا لتستره أو تصلحه، وهذا من أعظم ثمرات الإيمان باسم الله الجميل أن ينعكس هذا الجمال على نظرة الإنسان لمن حوله فيرى فيهم أحسن ما فيهم ويتغافل عن أسوأ ما فيهم.

الثمرة الثالثة: الكلمة الطيبة منهج حياة. نحن نعلم ونتدارس ونتباحث ونستهدي باسم الله الطيب، المستهدي باسم الله الطيب يجعل الكلمة الطيبة شعاره ودثاره، يزن كلماته قبل أن ينطق بها ليتاكد أنها بلسم لا سم، وأنها تبني ولا تهدم، يبتعد عن الغيبة والنميمة والسخرية، ويأتي عوضاً عنها بالتشجيع والمواساه والنصيحة الصادقة، يعلم أن الكلمة الطيبة صدقة، وأنها أسرع طريق لفتح مغاليق القلوب. الكلمة الطيبة كما لا يخفى عليكم أيها الكرام والكريمات شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، والمؤمن الطيب لا يخرج من فمه إلا طيباً كالنحلة لا تأكل إلا طيباً ولا تخرج إلا طيباً.

الثمرة الرابعة: البذل بلا انتظار للمقابل من الخلق. حين يستقر في وجدان المؤمن أن ربه هو الشكور الذي سيوفيه أجره مضاعفاً، تجدونه سيتحرر من عبودية انتظار الشكر من الناس؛ يحسن إلى جاره، ويعين زميله، ويبر والديه دون أن ينتظر منهم جزاء ولا شكوراً؛ إن شكروا فالحمد لله، وإن جحدوا فهو مأجور وأجره محفوظ عند المجيد الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً. هذا التحرر يمنح النفس سلاماً عجيباً ويقيها من كل ما يمكن أن يصنف أنه صدمات الخذلان؛ كثير من الآلام النفسية أيها الكرام...

والكريمات تنشأ من توقع المقابل، ومن انتظار التقدير، ومن رفع السقف. لكن من جعل معاملته لله وابتغى الأجر من الشكور المجيد، فإنه لا يبالي بجحود الجاحدين ولا بنكران الناكرين، بل يستمر في عطائه وإحسانه مستحضرا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9].

وبعد أن طوينا المقصد الأول في علاقتنا مع الله، والمقصد الثاني في علاقتنا مع الناس، نأتي إلى المقصد الثالث: كيف تصلح هذه الزمرة من الأسماء الستة علاقتنا بأنفسنا؟ الاستهداء مع النفس.

الثمرة الأولى: علاج السخط والتذمر الدائم. كثيرا ما نقع بحكم بشريتك في فخ المقارنات، ننظر إلى ما عند الآخرين وننسى ما بين أيدينا، نصاب بقدر من السخط والضيق. تأتي أسماء الله الحميد والمجيد لتعالج هذا المرض حين يديم العبد النظر في نعم الله عليه، ويكثر من الحمد بلسانه وقلبه، تنقلب زاوية رؤيته فيرى الوفرة بدل النقص، ويشعر بالغنى بدل الفقر، وتتحول شكواه إلى رضا عميق يسعد روحه. هذا السخط شعور مؤلم وهو نار تأكل حسناته إذا خرجت من مجرد الشعور إلى الأعمال أيضا تدمر راحته النفسية، بينما الحمد يطفئ هذه النار ويزرع مكانها بساتين الرضا والسكينة. المستهدي باسم الله الحميد يعلم أن ما قسمه الله له هو خير ما يناسبه فيرضى ويقنع ويستريح من عناء التطلع إلى ما في أيدي الناس.

الثمرة الثانية من ثمار هذه الأسماء الحسنى في علاقتنا مع أنفسنا: الارتقاء بالذائقة الجمالية. معرفة اسم الله الجميل تهذب ذائقة الإنسان فلا يميل إلا إلى ما هو راق وطاهر. ينفر من الأسفاف في القول والفعل وتجده يأَنف ويستقبح هذا ويأنف من القبح في الأخلاق وفي المظاهر. يسعى لتجميل باطنه بالإخلاص واليقين وتجميل ظاهره بالنظافة والوقار، يصبح إنسانا متسقا يتناغم جمال روحه مع جمال خلقه ليكون انعكاسا صادقا لعبوديته للجميل سبحانه. إن الجمال الحقيقي كما لا يخفى عليكم أيها الكرام والكريمات ليس في زخرفة الظاهر مع خراب الباطن، بل هي في هذا التناسق بين الظاهر والباطن على مراد الله. المؤمن يتجمل لله بالتقوى، ويتجمل للناس بححسن الخلق، ويتجمل لنفسه بالاستقامة على أمر الله، ويتجمل للجميع بأن يظهر نعم الله عليه وأن يختار أجمل ما يستطيع فيما لا يخرجه عن حد المباح شرعا.

الثمرة الثالثة من ثمار هذه الأسماء الحسنى مع النفس: الثقة بالنفس المستمدة من قبول الله. قد يشعر الإنسان بضالة عمله، أو قلة حيلته، أو ضعف تأثيره، لكن حين نتأمل في اسم الله الشاكر الذي شكر لبغي سقت كلبا فغفر لها، وشكر لرجل أزاح غصن شوك عن الطريق فأدخله الجنة، هنا تتولد ثقة بالله سبحانه وتعالى وأن قيمته ليست بضخامة الإنجازات الدنيوية، بل بصدق النية وحسن التوكل. هذه الثقة بالله سبحانه وتعالى وأنه شكور تدفع المؤمن للعمل المستمر مهما بدا صغيرا في أعين الناس، لكنه موقن أنه كبير عند الشكور.

بل إني قرأت مرة في ترجمة أحد العلماء كان والده يسمى شيخ المطاهر، والده ذكر في الترجمة أنه شيخ المطاهر. ماذا كان يصنع؟ كان يجلس عند المطاهر التي هي مكان الوضوء وكلما مر إنسان لا يحسن الوضوء علمه برفق، فقط لا يصنع شيئا يذكر به إلا أنه يعلم الناس الوضوء. كلنا نعرف كيف نتوضأ، لكنه لما وجد أن هذا العمل سيكون في ميزان الله الشكور أكبر مما هو في أعين الناس استمر عليه إلى آخر عمره. مقاييس البشر أيها الكرام والكريمات تعتمد على الكم والظهور، بينما المعايير الربانية تعتمد على الكيف والإخلاص. هذا يحرر النفس من عقدة النقص ويمنحها دافعا للانجاز والعطاء مهما كانت الإمكانيات محدودة.

النفس البشرية معرضة لأمراض كثيرة، وهذه هي الثمرة الرابعة: التخلص من خبث السرائر. النفس البشرية معرضة لأمراض خفية كالحسد والرياء والعجب، واسم الطيب يعمل مثل الغربال، مثل المنقي الذي ينقي هذه الشوائب. المستهدي بهذا الاسم يراقب قلبه باستمرار ويجاهد نفسه ليتخلص من كل فكرة خبيثة أو نية فاسدة، يعلم أن الله مطلع على خبايا الصدور فيستحيي أن يرى الله في قلبه ما لا يرضيه، ويظل في مجاهده دائمة ليكون قلبه سليما طيبا يلقى به ربه. سلامة الصدر أيها الكرام والكريمات طريق ميسور لمن يسره الله له إلى الدخول إلى الجنة، وهذا نعيم معجل في الدنيا لمن رزقه، والمؤمن الطيب لا يحمل غلا لأحد ولا يبيت وفي قلبه حقد على مسلم بل ينام قرير العين سليم الصدر طيب السريرة.

عهد الأسبوع أيها الكرام، بعد أن ختمنا التأمل في استهداء الحامدين باسماء الله الحسنى السته التي ذكرناها لكم، سيكون عندنا عهد الأسبوع ثم نختم بالدعاء. كنا قد تاملنا في اسم الله الحميد، واسم الله الجميل، واسم الطيب، واسم الله الشاكر، واسم الله الشكور، واسم الله المجيد. أما عهد الأسبوع كان من المفترض أن يكون منذ زمن بعيد، لكن من بدا بمثل هذه الطريقه فانه لن يتركها إلا بإذن الله. الفكرة بأن يفتح الإنسان في هاتفه أو إذا كان يحب الورق يكتب في دفتر مثلا النعم التي تذكره النعم التي مرت به في يومه ويربطها باسم من اسماء الله تجلى له فيها، يعني مثلا لو أن انسانا حصل له موقف لطف الله به فيكتب هذا الموقف ويكتب أمامه اسم الله اللطيف، انسان عمل جهدا بسيطا في مذاكرته فحاز درجات أعلى مما كان يتوقع فيكتب هذا الأمر ويكتب اسم الله الشكور مثلا، وهكذا حتى يصبح يرى النعم ويرى وراءها آثار المنعم سبحانه وتعالى. نحن ننسى، وهذه هي الغفله التي أهلكتنا، ننسى هذه النعم التي هي كقطع الأحجية في يومنا، لكن لا نكملها ولا نرتبها لتكون لوحة كاملة من شكر الله سبحانه وتعالى وحمده، وإلا فستتجلى لنا في مواقفنا اليومية مواقف كثيرة نرى فيها آثار رحمة لله وآثار اسمائه الحسنى، وهذا اقتراح جميل بأن تكون اسم القائمة وقد أحسن بي، فتنظر إلى كل إحسان وإلى كل نعمة، يكتب الموقف ويكتب أمامه اسم الله الذي تجلى له.

أما وقد وصلنا فإنا نرفع أيدينا ونقول: اللهم يا حميد، لك الحمد كله، ولك الشكر كله، واليك يرجع الأمر كله علانيته وسره، فأهل أنت أن تحمد، وأهل أنت أن تعبد. نسالك أن توزعنا شكر نعمتك التي لا نعدها ولا نحصيها، وأن تجعلنا من عبادك الحامدين في السراء والضراء، الذين لا يغفلون عن ذكرك ولا يفترون عن شكرك. يا جميل، يا من أشرقت لجماله الظلمات، جمل بواطننا بالإخلاص، وجمل ظواهرنا بالطاعة، ولا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم، واجعلنا ممن يتجملون لك بطاعتك في كل حال. يا طيب، طهر قلوبنا من كل خبث، ونق سرائرنا من كل غل وحسد، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك، ولا توفنا إلا وأنت راض عنا، وادخلنا برحمتك في عبادك الصالحين الطيبين الطاهرين. يا شاكر، يا شكور، يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير، تقبل منا قليل أعمالنا، وضاعف لنا أجورنا، واشكر لنا سعينا، وتجاوز عن زلاتنا، واجعلنا من الشاكرين لنعمك، الذاكرين لفضلك، الذين يبتغون وجهك الكريم في كل سكنة وحركة. يا مجيد، يا واسع الكرم والعطاء، افض علينا من بركاتك، واشملنا برعايتك، وارفع درجاتنا في المهديين، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولجميع المسلمين، إنك أنت الغفور الرحيم المجيد. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿وَإِن تُطِيعوهُ تَهتَدوا﴾ [النور: 54].