دخولتسجيل الدخول

الاستهداء بأسماء الله الحسنى 05 | استهداء المعظمين المنزهين

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي تنزه عن كل نقص وعيب، وتقدس عن كل شبيه وند وقريب. تعالى في كبريائه، فلا يحيط به وصف الواصفين، ولا يبلغ كنه عظمته علم العالمين. والصلاة والسلام على سيد المعظمين، وإمام المنزهين، الذي كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح» فيملأ الله بهذا الكون تسبيحاً. نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، أيها الكرام والكريمات؛ ثمه مرض خفي ينخر في صميم هذا الزمان، لا يرى بالعين ولا يقاس بالأجهزة، ولكن آثاره تملا الأرض؛ إنه مرض الاستهانة بالله. هو ليس كفرا صريحا في الغالب، بل هو شيء أدق وأخطار؛ أن يعيش إنسان ويغيب عنه معنى أن الله أكبر من كل همومه، وأن تجد هذا الإنسان ذاته يتصرف وكأن الله لا يرى ما يخفيه، وتجده أيضا يتحدث عن الله بلغة المألوف المعتاد، تلك اللغة التي فقدت وهجها وروعتها، حتى تصبح عبارة أكبر مجرد انتقال بين أجزاء الصلوات لا زلزالا يعيد رسم خريطة القلب، تصبح حينها سبحان الله كلمة تقال فقط تعليقا على صورة أو استعجابا من كلمة، لا تسبيحا يملا الروح بالخشوع.

في مواجهة هذا المرض العميق، تأتي هذه الزمرة؛ زمرة المعظمين المنزهين، لنعيد للقلب إدراكه المفقود وللروح خشوعها المسروق. هذه الزمره من أسماء الله الحسنى تعلن بجلاء أن الله اعظم مما نتصور، وأقدس مما نتخيل، وأكبر مما نحيط به؛ هذه الأسماء الستة: اسم الله السبوح، اسم الله القدوس، اسم الله السلام، اسم الله المتكبر، اسم الله الكبير، اسم الله العظيم. هي مفاتح الخشوع الحقيقي، وأسس التعظيم الصادق، وأعمدة التنزيه الذي يرسخ الإيمان ويجدد اليقين.

العبد الذي يعلم أن ربه هو السبوح القدوس، يطهر قلبه من كل دنس، لأنه يستحي أن يحمل في قلبه ما لا يليق بالوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى الذي هذه أسماؤه وصفاته. والذي يعرف أن ربه هو السلام، يجد في اسمه سبحانه الأمان والسكينة، ويعلم أن السلام الحقيقي لا يطلب من الخلق بل ينزل من الخالق. والذي يعرف أن ربه هو المتكبر والكبير والعظيم، يصغر في عينيه كل كبير سواه، فيتحرر من عبودية الخوف من الخلق، ويتحرر أيضا من ذل التعلق بهم، ويتحرر من أسر الكبر الذي يحجب عنه هذه العظمة الإلهية.

تعالوا نسير في رحلتنا اليوم مع هذه الأسماء العظيمة، ونتعلم كيف نعظم الله حق تعظيمه، وكيف ننزهه حق تنزيهه، وكيف نجعل هذا التعظيم والتنزيه والتقديس منهج حياة وليس فقط مجرد ألقاب تقال. هذه الأسماء الستة تنتظم في محور واحد، وهو إثبات الكمال المطلق لله، ونفي كل نقص عنه سبحانه. وقد عرفت كل هذه الأسماء بعبارات دقيقة جامعة سنردها الآن حتى نتفهم معانيها.

أولا: اسم الله السبوح. ثبت هذا الاسم في السنة النبوية الصحيحة؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح» رواه مسلم. قال الزجاج رحمه الله: السبوح المنزه من كل سوء، وهو على وزن فعول مما يدل على كمال التنزيه وشموله. فالله سبحانه وتعالى منزه تنزيها مطلقا عن كل عيب وسوء ونقص، تنزيها لا يحاط به. وفي تسبيح الملائكة الدائم المستمر دلالة على أن التسبيح هو الشغل الأبدي لمن عرف الله حق معرفته.

الاسم الثاني هو اسم الله القدوس. ثبت هذا الاسم بالقران الكريم في موضعين؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: 23]، وفي سورة الجمعة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ [الجمعة: 1]. وثبت أيضا في السنة كما تقدم قبل قليل. قال الزجاج: القدوس المبارك. وللاسم معنيان متكاملان؛ الأول: أنه المنزه من كل عيب ونقص، والثاني: أنه المبارك ذو الخير الواسع. قال ابن القيم رحمه الله: القدوس المنزه من كل شر ونقص وعيب. كما قال أهل التفسير: هو الطاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق، وهذا قول أهل اللغه. وقال الشيخ السعدي رحمه الله: فالقدوس كالسلام ينفيان كل نقص من جميع الوجوه، ويتضمنان الكمال المطلق من جميع الوجوه، لأن النقص إذا انتفى ثبت الكمال كله.

الاسم الثالث: السلام. ثبت هذا الاسم في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: 23]. وثبت أيضا في السنة في الدعاء المأثور بعد كل صلاة: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» رواه مسلم. قال الزجاج رحمه الله: السلام البريء من كل عيب ونقص. وقال الخطابي رحمه الله: السلامة العافية؛ فهو سبحانه السالم من كل آفة وعيب، البريء من كل نقص وشيء الذي سلمت ذاته وصفاته وأفعاله من كل قصور سبحانه. وهو الذي ينزل السلام على عباده، فالسلام الحقيقي لا يصدر إلا منه ولا يطلب إلا منه.

الاسم الرابع: الكبير. ثبت هذا الاسم بالقران الكريم في مواضع عدة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الرعد: 9]. وثبت في السنة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه. قال الزجاج رحمه الله: الكبير هو العظيم الجليل. وقال الخطابي: هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن، فصغر دون جلاله كل كبير. وقال السعدي رحمه الله: الكبير في ذاته وأسمائه وصفاته، الذي من عظمته وكبريائه سبحانه أن الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه.

الاسم الخامس: المتكبر. ثبت هذا الاسم في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: 23]. وثبت في السنة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في مسند أحمد وغيره بسند صحيح. قال ابن القيم: الله سبحانه أكبر من كل شيء ذاتا وقدرا وعزة وجلالة، فهو أكبر من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله. والشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، شيخ الإسلام، كان يقول: التكبير مشروع في المواضع الكبار؛ لكثرة الجمع، أو لعظمة الفعل، أو لقوة الحال. ليبين -وهذا هو الشاهد- أن الله أكبر، يستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار. فالمتكبر هو المتعالي بذاته وصفاته عن كل نقص وعيب، المتعظم الذي له الكبرياء وحده لا شريك له فيها.

الاسم السادس هو العظيم. ثبت هذا الاسم بالقرآن الكريم في مواضع كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 129]. وثبت في السنة في أحاديث كثيرة. والعظيم ذو العظمة والجلال في ملكه وسلطانه. قال ابن الأثير: العظيم هو الذي جاوز قدره حدود العقل حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته. وقال السعدي: العظيم الجامع لجميع صفات العظمه والكبرياء والمجد والبهاء، الذي تحبه القلوب وتعظمه الأرواح.

وكما اعتدنا، أيها الكرام والكريمات، بأننا نتكلم عن مراتب الاستهداء في كل زمره من الزمر ونطبقها عليه، حظ المؤمن من هذه الأسماء لا يكتمل إلا إذا ترقى في مراتب الاستهداء الأربع. أولا: العلم؛ أن نعرف معانيها كما تقدم قبل قليل، وأن نعلم يقينا بأن الله منزه سبحانه عن كل نقص مقدس عن كل عيب، وأنه سبحانه عظيم في ذاته وصفاته وأفعاله. أن نتعلم معاني هذه الأسماء ونفهم دلالاتها، لننبني على هذا العلم تعظيما صادقا.

ثانيا: الإيمان؛ هذه الرتبه الثانية، تلاحظون أن هذه الرتب تتكرر معنا في كل درس لترسخ لكننا نبدلها بحسب الزمره؛ الإيمان أن تمتلئ قلوبنا بالتصديق الجازم بأن الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء، واعظم من كل شيء، وأقدس من كل شيء، أن يكون هذا الإيمان راسخا لا يتزعزع أمام مصائب الدنيا ومغرياتها.

ثالثا: التعبد بالمقتضى؛ أن نسبح الله سبحانه وتعالى ونقدسه ونعظمه بألسنتنا وقلوبنا وجوارحنا، وأن ننزهه عما لا يليق به في عقيدتنا وفي كلامنا، وأن نتواضع لعظمته فتصغر في أعيننا كل عظمة سواها.

رابعا: الدعاء؛ من مراتب الاستهداء بالأسماء الحسنى الدعاء، أن نتوسل إليه بهذه الأسماء العظيمة طالبين منه أن يلبسنا لباس التعظيم والخشوع، وأن يطهر قلوبنا بنور تقديسه، وأن ينزل علينا سلامه وطمانينته.

أما المقاصد الثلاثة التي تكون محور حديثنا دائما في الاستهداء بالأسماء الحسنى، فإننا نتعرف في المقصد الأول إلى كيف تصحح هذه الأسماء علاقتنا بالله سبحانه وتعالى. وفي المقصد الثاني: كيف تصحح علاقتنا مع الناس. وفي المقصد الثالث: كيف تصحح علاقتنا مع النفس.

أما هذه الزمرة؛ زمرة المعظمين المنزهين، وهي الزمرة الرابعة، فلها ثمار في علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى. الثمرة الأولى: الخشوع الحقيقي في الصلاة؛ فحين يقف العبد في صلاته ويكبر قائلا: الله أكبر. هذه الكلمه لما نكون مستهدين بأسماء الله الحسنى، تنتقل من كونها مجرد إشارة للبدء إلى إعلان عقدي عظيم؛ أن الله أكبر من كل ما يشغل القلب، أكبر من الهموم، أكبر من الأحزان، أكبر من الأعمال، أكبر من الطموحات، أكبر من الدنيا باسرها. لذا ابن القيم يقول: إن العبد إذا وقف بين يدي الله وقد علم أنه لا شيء أكبر منه وتحقق قلبه ذلك وأشربه، وأشرب سره استحيا من الله، ومنعه وقاره وكبرياؤه أن ينشغل قلبه بغيره. انتهى كلامه. فمن عرف الكبير العظيم سبحانه حق المعرفة خشع في صلاته خشوعا حقيقيا، يعني ينتقل من مرحلة التكلف والاصطناع إلى أن يصبح خشوعا حقيقيا، لأن قلبه مشغول بعظمه من يقف بين يديه فلا يجد فيه الشيطان مدخلا لوساوسه. وهذا الخشوع هو روح الصلاة وجوهرها، وبه تقبل الصلوات وترفع وتنار القلوب.

الثمرة الثانية بتصحيح العلاقة مع الله سبحانه وتعالى: التسبيح الذي يطهر القلب. إن قولنا عموما: سبحان الله، بعد الاستهداء، نطوي مرحله الذكر العابر إلى كونه إعلانا متجددا بأن الله سبحانه وتعالى منزه عن كل ما لا يليق به. والعبد الذي يكثر من التسبيح وهو مستحضر معناه، يجد أن قلبه يتطهر تدريجيا من أدران الغفلة والشهوات. فكلما قال: سبوح قدوس، بقلب حاضر انكشف له نور من أنوار هذا الدين العظيم أضاء ما في قلبه من ظلمات. التسبيح هو الوصف الذي لا يتوقف: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: 1]، يسبح بالمضارع، فالكون كله في تسبيح دائم، والمؤمن حين يسبح يلتحق بهذه القافلة الكونيه العظيمة ويناغم نغمه الوجود الكبرى. ومن أكثر التسبيح وجد في قلبه نقاء وصفاء يعينه على الطاعة ويبعده عن المعصية، لذا لا يبعد إذا كان الانسان في قلبه شيء من الغل على إخوانه، مثلا إذا كان لسانه أو قلبه يميل إلى الحسد أو إلى كراهية الخير للغير، أن يكون من أوراده بأن يكرر قول: سبحان الله، في حضور قلب، ويكرر ذلك أسابيع وأشهرا، حتى بهذا التسبيح يطهر ما في قلبه من أدران.

الثمرة الثالثة: طلب السلام من ينبوعه الحقيقي. كثير منا يبحث عن السلام في المال أو في العلاقات أو في الانجاز ولا نجده، والسبب واضح؛ الله هو السلام وهو الذي ينزل السلام على من يشاء من عباده، وهو الذي يقال له بعد كل صلاة: اللهم أنت السلام ومنك السلام. فمن أراد السلام الحقيقي فليطلبه من السلام، وليفرغ قلبه من التعلق بالخلق، وليملأه بالتعلق بالخالق. إن السلام الذي ينزله الله سبحانه وتعالى على قلب عبده المؤمن لا يشبهه شيء من سلام الدنيا كلها؛ سكينة تغمر الروح وتطمئن الفؤاد حتى في أشد اللحظات ألما وأكثرها اضطرابا.

الثمرة الرابعة: التنزيه العقدي الصحيح. أعظم ما تورثه هذه الأسماء وهذه الزمرة: صحة التنزيه العقدي. المؤمن الذي يعرف أن ربه السبوح القدوس، ينزهه عن كل ما لا يليق به من الصفات، فلا يشبهه بخلقه ولا يعطل صفاته، بل يثبت له ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه من غير تمثيل ولا تكييف. هذا التنزيه يصحح العقيدة، ويرسخ الإيمان، ويحصن القلب من الانحراف. لابد أن نعرف أن ثمره تعلم العقيده ليست مجرد جدالات أو اختلافات تحصل مع المخالفين، وإنما في أصلها توثيق الصلة القائمة على ما يحبه الله سبحانه وتعالى من عقد القلب عليها. الله سبحانه وتعالى يحب أن نعظمه سبحانه، يحب أن ننزيهه تنزيها حقيقيا. لذا هذا المعتقد إذا تعلمناه بهذه الطريقة، فإنه يورث في القلب أنسا بالله وتعظيما وإجلالا. أما من دخل إلى بوابة المعتقد من جهة الردود فقط، فغالبا أنه سيقسو قلبه، سيتضخم ما عنده من شعور، وغالبا هو يطرق الباب الخطأ. وإن كنت لا أنفي بأن نفي ما لا يليق بالله سبحانه وتعالى في هذا المبحث يكون من الجهاد العقدي، لكن في موضعه ولمن تأهل. أما من كان في مبادئ أمره فعليه أن يقرر المعتقد الصحيح ثم يتعلمه بطريقه راسخه، وبعد ذلك يقضي الله له ما يشاء.

المقصد الثاني: الاستهداء مع الناس. نحن تكلمنا عن كيف تؤثر هذه الأسماء في استهداينا بمعرفة الله سبحانه وتعالى، والآن سنتكلم كيف تهذب هذه الأسماء وهذه الزمرة تعاملاتنا. الثمرة الأولى: التحرر من الخوف من الخلق. حين يستقر في قلوبنا أن الله هو الكبير العظيم وأن كل كبير سواه صغير أمام عظمته سبحانه، نتحرر حينها من أسر الخوف من الخلق. كثير من الناس للأسف يسجنون أنفسهم في قفص الخوف من آراء الناس وأحكامهم، يكذبون ليرضوا الناس، ويسكتون عن الحق، ويتنازلون عن عقائدهم وعن مبادئهم وعن ثوابتهم ليقبلوا. لكن من عرف أن الله أكبر من هؤلاء، وأن رضاه أعلى من رضاهم، وأن سخطه اشد من سخطهم، يتحرر من هذا السجن، يقول الحق ولا يخشى إلا الله، ويصمد ويثبت على ثوابته ومبادئه ولا يداهن أبدا. هذا التحرر.

لا يعني الجفاء والغلظة، بل يعني الاستقلالية الروحية التي تجعل الإنسان يتعامل مع الخلق بالحكمة والرفق، لكن دون أن يجعلهم مرجعيته الأولى، ودون أن يعلق قلبه بهم، وينظر كلما صنع عملاً؛ ينظر: رضي الناس؟ وضعوا لي تفاعلات؟ ما وضعوا لي؟ هل ردوا علي؟ هل ما ردوا علي؟ يصبح الإنسان مسترقاً، يصبح الإنسان عبداً لتفاعل الناس.

الثمرة الثانية في تصحيح هذه الزمرة لعلاقتنا مع الخلق: التواضع الحق الحقيقي المستمد من العظمة الإلهية. قد يبدو لمن لا يتأمل هذا الأمر يبدو متناقضاً؛ كيف يولد التعظيم الإلهي التواضع البشري؟ هذا في الحقيقة أعمق أنواع التواضع وأصدقها. الذي يرى عظمة الله حق الرؤيا، يرى نفسه في حجمها الحقيقي، ويرى أنه مخلوق ضعيف محدود القدرة قاصر العلم، محتاج في كل لحظة إلى ربه، مفتقر في كل تفاصيل حياته؛ هذه الرؤية تذيب الكبر من جذوره، لأن الكبر من أين ينشأ؟ ينشأ من توهم الكمال، ومن يرى عظمة الله لا يتوهم في نفسه كمالاً.

ومن تواضع لله رفعه الله؛ فيجد الناس يجلونه ويحترمونه ويحبونه، لا لأنه تكبر عليهم، بل هذا هو النور؛ نور التواضع الصادق الذي تحصل من استحضار أسماء العظمة والتنزيه لله سبحانه وتعالى، فتزين خلقه.

الثمرة الثالثة: نشر السلام وإشاعته. المستهدي باسم الله السلام يجعل من نفسه مصدراً للسلام في محيطه؛ يسلم على من يعرف ومن لا يعرف، يفشي السلام في بيته وفي عمله وفي مجتمعه، يصلح بين المتخاصمين لأنه يتمنى أن يحل السلام، يطفئ نار الفتن قبل أن تتاجج، يقدم يد المصالحه قبل أن تتراكم الأحقاد. أما من أتاه يعتذر؛ يعني تخفف من شروطه، ولو كان في قلبه بقايا، لكن يعني يقبل، يمشي الأمور؛ يعني هذا المؤمن الذي يعلم أن ربه هو السلام يستحيي أن يكون هو مصدر الفتنة والخصومة والشقاق، يريد دائماً أن يكون هو الجسر للتواصل لا حاجز التقاطع، يريد أن يكون هو المصلح للمفسد، يريد أن يكون الباعث للطمأنينة لا مثير القلق.

وفي هذا السعي يجد أنه يقرب نفسه من فهم اسم ربه السلام ويحققه في واقعه معنى وتطبيقا. بعض الناس كلما حل مكاناً تشعر بأنه ينشر الفتنة أينما حل؛ تجد أنه بمجرد جلوسه وبدئه بالنطق إنسان ممتمر، إنسان لا يعرف إلا التذمر؛ راك متصالحاً مع نفسك في مسألة بدأ يشكك فيها، راك راضياً بشيء حاول أن يزعزع ثقتك، راك سعيدا ذكرك بالبؤس؛ هكذا هناك نوع من البشر الله وحده أعلم بهم، لا يطمئنون لوجود السلام فيما بين المسلمين، وأنا لا أتكلم على مستويات كبيرة، أتكلم على مستوياتنا الطبيعية البسيطة.

إذا رأى مثلاً لبساً جميلاً ما يستطيع أن يثني، أم لا يعني هذا السلام يشعره بقدر من النقص، ما طهر قلبه، ما استهدى باسم الله السلام، ما أصبح ذلك المؤمن الفواح الذي كلما دخل مكاناً عبق عطره؛ ما يستطيع أن يكون هذا، ما يستطيع أن يكون محبوباً هنا محبوباً هناك، ما يستطيع أن يكون بعد الله هو الملجأ للناس إذا اضطربوا، ما يستطيع أن يكون هو مصدر السلام، لهذا ما يستطيع أن يكون مصدر السلام؛ يشعر بأنه عنده إشكال في هذا النمط، ويكيف الموضوع بأشياء يتغذى عليها قد لا يراها الناس؛ يتغذى على قلق الناس، يتغذى على ارتباكهم، يتغذى على تذمرهم، يتغذى على كل شيء.

الثمرة الرابعه من ثمار هذه الزمرة من الأسماء في علاقتنا مع الناس: إنكار المنكر بلا تهيب من الخلق. من أعظم ثمرات معرفة أن الله الكبير المتكبر أن يصبح المؤمن شجاعاً في اعتقاده، شجاعاً في إنكار منكره؛ لا يثنيه عن ذلك خوف انتقاص المكانة، ويشعر بأنه من أراد أن يقبلني فليقبلني فأنا هذه مبادئي، من أراد أن يحبني فليحبني بس هذه مبادئي، ما استطيع التنازل عنها حتى اشتري رضاك، وإن كان يعني يداري بعض المواقف بلطف، لكنه لا يداهن، وفرق بين المداراة والمداهنة. المؤمن الذي ملا قلبه تكبير الله لا يجد في قلبه في نفسه مكاناً لتكبير المخلوقين، فينكر المنكر بحكمة وأدب، لكن دون تردد دون مداهنة.

المقصد الثالث: الاستهداء مع النفس. الآن كيف تصلح هذه الأسماء علاقتنا مع أنفسنا؟ الثمرة الأولى من هذا من ثمار هذا المقصد: علاج الكبر من جذوره. الكبر داء عضال، وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بطر الحق وغمط الناس. يعني لا تهولنكم التواضعات اللفظية والقشرية؛ وأنا العبد الضعيف، وفلان، وأنا لست بشيء، وطويل بالعلم؛ الميزان الحقيقي للكبر هو حينما تنصح، حينما يرد عليك فتقبل أو لا تقبل؛ هل تبطر الحق؟ هل تغمط الناس؟ أم هل تطغى عليهم وتستطيل ولا ترضى؟ فهذا هو المعول عليه في هذا الباب، أما الأفاظ فيعني كل يحسنها، يستطيع الإنسان في وقت رضاه أن يقول: أنا العبد الضعيف، طويل بالعلم ولست بشيء، وهكذا يستطيع الإنسان أن يصنعها، لكن الحق يتبدل في مثل هذه المواطن.

والعلاج الجذري لا يكون بمجرد التذكير بعواقب الكبر، وإنما النظر إلى عظمه الله سبحانه وتعالى؛ حين يدرك العبد أن الكبرياء رداء الله وحده، وأن من نازعه هذا الرداء أهلكه الله، يسارع إلى خلع هذا الرداء المغصوب، ينظر في نفسه بعين الحقيقة؛ يرى أنه مخلوق من ماء مهين، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ألا يعلم ما في غده؟ كيف يتكبر؟ كيف يتعالى؟ الكبر في حق الإنسان جهل مركب، لأنه جهل بعظمة الله، وأيضاً هو جهل بحقيقة النفس. ومن عرف الكبير المتكبر حق المعرفه ذاب كبره وتلاشى، وحل محله التواضع الصادق والانكسار المحمود.

الثمرة الثانية: تطهير السريرة من الأدران الخفية. كل نفس بشرية معرضة لأمراض خفية لا يراها الناس؛ هناك حسد كامن، وغل مستتر، ونفاق مقنع، ورياء متسلل، واسم الله السبوح القدوس مرآة صادقة تكشف هذه الأدران وتدفع إلى تطهيرها. العبد الذي يكثر من قول سبوح قدوس بقلب حاضر هو يستحي أن يقدم إلى الله سبحانه وتعالى قلباً مدنساً، يجاهد نفسه في تطهير سريرته، ويسعى لأن يكون ظاهره وباطنه على قدر من الوفاق، وأن تكون علانيته وسريرته بهذه الطهر والجمال؛ هذه المجاهدة المستمرة هي طريق الوصول إلى القلب السليم الذي يلقى به العبد ربه يوم لا ينفع مال ولا بنون.

الثمرة الثالثة: السكينة في وجه الاضطرابات. نعيش كلنا في حالة من القلق المزمن والاضطراب الدائم، حتى إنه يؤثر على نومنا ويكدر صفو حياتنا. ومن علاج هذا القلق، من أسباب علاجه: الاتصال بالله السلام. الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلام الحقيقي، وهو الذي ينزل السكينة على قلوب المؤمنين؛ فمن لجا إليه بصدق وواثق به حق التوكل وجد في قلبه سكينة لا يفسرها الناس ولا الأطباء، ولا يمنحها الدواء. هذه السكينة هي ثمرة الإيمان الحقيقي باسم السلام، وهي النعيم المعجل الذي يعوض المؤمن عن كل ما فقده من متاع الدنيا.

الثمرة الرابعة: الشعور بالصغر أمام العظمة الإلهية. هذه نعمة؛ أن يعرف الإنسان قدره، خاصة أمام العظيم سبحانه، يتحرر من وهم الاكتفاء الذاتي والاستغناء المبالغ فيه، ويدرك أنه محتاج إلى ربه في كل لحظة. هذا الإدراك يولد افتقاراً صادقاً وتضرعاً حقيقياً، يقرب العبد من ربه أكثر من ألف ركعة تصلى بقلب غافل. الله سبحانه وتعالى يحب المتضرعين المنكسرين بين يديه، ومن أقام النظر في عظمة الله وجد نفسه دائماً في حال الافتقار والتضرع، وهذه الحال هي أشرف أحوال العبد وأقربها إلى قبول الله؛ هذا هو الافتقار الحقيقي.

وبعد أن ختمنا النظر في هذه الأسماء العظيمة، نرفع أيدينا فنقول:

اللهم يا سبوح يا قدوس، أنت المنزه عن كل عيب ونقص، المقدس عن كل شبيه وند، نسالك أن تطهر قلوبنا من كل دنس، وأن تنزه سرائرنا من كل خبث، وأن تجعلنا ممن يسبحونك حق التسبيح، ويقدسونك حق التقديس، وينزهونك عما لا يليق بجلالك وكمالك. طهر قلوبنا يا الله، وقدس أرواحنا يا الله، حتى نلقاك بقلوب سليمة ووجوه مشرقة بنور طاعتك.

يا سلام، يا منك السلام وإليك يعود السلام، انزل على قلوبنا سكينتك، وافض علينا طمانينتك، واغلق عنا أبواب القلق والاضطراب، وافتح لنا أبواب الرضا والسلام، واجعل بيوتنا دوراً للسلام، وقلوبنا مصادر للسلام، وعلاقاتنا مبنية على السلام، وادخلنا برحمتك دار السلام حيث لا خوف ولا حزن ولا ألم.

يا كبير يا متكبر، لك الكبرياء وحدك، ولك العظمة وحدك، لا ينازعك فيها أحد من خلقك، نسالك أن تخرج الكبر من قلوبنا، وأن تلبسنا لباس التواضع لك وللخلق، وأن تجعلنا ممن يخشون كبريائك فيتواضعون، ويعرفون عظمتك فيخضعون، وأعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك، وامن علينا بعزة الإيمان التي لا يعطيها أحد إلا أنت.

يا عظيم، يا من أحاط علمه بكل شيء، نسألك أن تكرمنا بمعرفتك، وأن تجعل عظمتك في قلوبنا أكبر من كل ما سواك، وارزقنا الخشوع الحقيقي بين يديك، والانكسار الصادق في محرابك، والتضرع المستمر في دعائنا لك، واجعلنا ممن يعرفون قدرك فيعظمونك، ويعرفون ضعفهم فيلجؤون إليك.

اللهم اجمع قلوبنا على تعظيمك وتقديس، وأحيي في أرواحنا روح الخشوع والاجلال، وتوفنا وأنت راض عنا، وادخلنا في عبادك الصالحين الذين يسبحون بحمدك ويقدسون لك، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54].