دخولتسجيل الدخول

الاستهداء بأسماء الله الحسنى 06 | استهداء المتحيِّرين الباحثين عن الحكمة

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، الخبير بضمائر القلوب، الحكيم في خلقه وأمره، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي أوتي جوامع الكلم وعلم ما لم يكن يعلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، أيها الكرام والكريمات؛ يعيش الإنسان منا في هذه الحياة محاصرا بالمجهول، يقف حائرا أمام أحداث لا يفهم مغزاها، وأقدار لا يدرك سرها، ومستقبل لا يعلم ما يخبئ له. هذا الجهل البشري المتأصل يولد في النفس قلقا وحيرة، ويجعل العقل في بحث دائم عن المعنى والحكمة. وفي وسط زحام هذه الحيرة تتجلى هذه الزمرة العظيمة؛ زمرة المتحيرين الباحثين عن الحكمة. إنها الزمرة التي تطفئ نار القلق ببرد اليقين، حين يدرك العبد أن أموره كلها بيد العليم سبحانه الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والخبير الذي يعلم دقائق الأمور ولطائفها، والحكيم الذي لا يفعل شيئا عبثا. فإن قلبه يسكن وعقله يهدأ، فتعالوا بنا نتأمل هذه الأسماء ونتعلم كيف نحول هذه الحيرة إلى ططمأنينة، ونغير جهلنا إلى تسليم لعالم الغيب والشهادة سبحانه.

هذه الزمرة تتكون من ثلاثة أسماء، ومعانيها تدور حول الإحاطة التامة والعلم الدقيق ووضع الأشياء في مواضعها. أول اسم من هذه الأسماء هو اسم الله العليم، مشتق من العلم وهو إدراك الشيء على ما هو عليه. والعليم تدل على كمال الإحاطة والشمول، فعلمه سبحانه محيط بكل شيء، يعلم ما في السماوات والأرض وما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها. قال تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29]. وكل شيء هذه يدخل فيها ما لا يخطر لنا على بال؛ إن قسمناه أنه من الواجبات أو المستحيلات أو الممكنات، كل شيء يعلمه الله سبحانه وتعالى.

ثانيا من أسماء الله سبحانه وتعالى في هذه الزمرة: اسم الله الخبير. الخبر هو العلم ببواطن الأمور ودقائقها، فالخبير هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة ولا تغيب عنه الخفايا والأسرار. قال الزجاج: الخبير هو العالم بكنه الشيء وحقيقته. فإذا كان اسم الله العليم يدل على الإحاطة المطلقة، فإن الخبير يدل على العلم بالدقائق والخفايا التي لا تدركها الأبصار. قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103].

ثالثا: اسم الله الحكيم. الحكمة كما لا يخفى عليكم أيها الكرام والكريمات هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، والحكيم هو الذي له كمال الحكم وكمال الحكمة، فلا يخلق شيئا عبثا ولا يشرع شيئا سدى، أفعاله سبحانه دائرة بين الفضل والعدل، وأوامره كلها مبنية على المصلحة والرحمة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الرعد: 18].

وكما اعتدنا بأن عندنا مراتب للاستهداء نريد أن نفهم بها هذه الزمرة من أسماء الله الحسنى، فلكي يؤتي هذا الدرس ثماره لابد من التدرج في مراتب الاستهداء، وهذه المراتب دائما نكررها في كل زمرة: أولا العلم، ثانيا الإيمان، ثالثا التعبد بالمقتضى، رابعا الدعاء. فالعلم بأن نعرف معاني هذه الأسماء وندرك سعة علم الله سبحانه وتعالى وعلمه بما ظهر وما بطن وبكمال حكمته سبحانه وتعالى، نؤمن بها ونعرفها. أما الإيمان وهو المرتبة الثانية من مراتب الاستهداء باسماء الله الحسنى، فانتم تمتلئ قلوبنا باليقين بأن كل ما يجري في هذا الكون وكل ما يصيبنا في هذه الحياة هو بعلم العليم وحكمة الحكيم سبحانه.

أيضا ثالثا: التعبد بالمقتضى. أن تثمر هذه المعرفة في سلوكنا مراقبة لله في السر والعلن، وتسليما لأحكام الله، ورضا بأقداره، وبحثا عن الحكمة في تصرفاته. رابعا: الدعاء. بأن ندعو الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء في مواطن الحيرة والجهل، كأن نقول: اللهم بعلمك الغيب وبحكمتك البالغة دبر لي فاني لا أحسن التدبير. فاصل فقط، يعني هذا الدرس هو المفترض أن يكون الدرس السابع، وكان هناك درس سادس ما أخذناه سناخذه الأسبوع المقبل، وهي لا تؤخذ بالتراتب؛ يعني كل زمرة يمكن أن تؤخذ قبل غيرها والحمد لله.

المقصد الأول من مقاصد النظر في هذه الزمر، هو كما اعتدنا بأن ننظر في زمرة الأسماء الحسنى هذه وكيف لها أن تصحح علاقتنا مع الله، ثم كيف لها أن تصحح علاقتنا مع الناس، ثم كيف لها أن تصحح علاقتنا مع أنفسنا، هكذا كما اعتدنا. فالمقصد الأول هو الاستهداء بهذه الأسماء مع الله. كيف تصحح هذه الأسماء علاقتنا بالله؟ الثمرة الأولى هي في المراقبة الدائمة واستشعار إحاطة العليم. ألسنا نرى كيف ينضبط سلوك الإنسان حين يعلم أنه تحت المراقبة بكاميرات البشر؟ فكيف بمن يوقن أنه تحت نظر العليم الخبير؟ هذا الاستشعار يربي في النفس مقام الإحسان، وهو أن نعبد الله كأننا نراه فإن لم نكن نراه فانه يرانا. ومن أيقن بهذا وأيقن أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، استحيى أن يجعل الله سبحانه وتعالى أهون الناظرين إليه، فهذه ثمرة من ثمرات هذه الأسماء.

أيضا من الثمرات التي يحصلها الإنسان من هذه الأسماء والنظر فيها في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، بأنه سيصبح مسلما لأقدار الله المؤلمه ويثق بالحكيم سبحانه. ونحن كثيرا ما تعصف بنا أقدار مؤلمه لا نفهم سببها، مرض وفقد وفشل، وهنا يبرز اثر اسم الله الحكيم. المؤمن يوقن أن وراء هذا الألم حكمة بالغة قد يقصر عقله البشري عن إدراكها، كما خفيت حكمة خرق السفينة وقتل الغلام على نبي الله موسى، أحيانا نحن أيضا تخفى علينا حكم أقدارنا. هذا اليقين يحول الاعتراض إلى تسليم، والجزع إلى رضا.

الثمرة الثالثة: الاستخارة والافتقار لتدبير العالم سبحانه، العالم بكل شيء عالم الغيب والشهادة هكذا على الإضافة. الإنسان بطبعه قاصر الرؤية لا يعلم مآلات الأمور، لذا شرع لنا العليم صلاة الاستخاره فنحن نقول، وهي تطبيق عملي للاستهداء بهذه الزمرة: اللهم إني استخيرك بعلمك، ثم نقول: فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم. فنحن هنا نعلن افتقارنا وإفلاسنا وحاجتنا من العلم، ونلجأ إلى عالم الغيب سبحانه ليختار لنا ما تقتضيه حكمته.

الثمرة الرابعة: في تعظيم التشريع والأوامر والنواهي والعبادات. أن ننظر بأنه قد يتساءل بعضنا عن علة بعض الأحكام الشرعية أو قد لا يفهم حكمة من حكم بعض العبادات، المستهدي باسم الله الحكيم يدرك أن كل أمر ونهي إلهي مبني على حكمة مطلقة علمناها أم جهلناها، الله سبحانه وتعالى لم يحرم شيئا تضييقا بل حمايه، ولم يوجب شيئا مشقة بل تزكية. هذا الوعي وهذا الفهم يورث انقيادا تاما للشرع دون أي تردد. وغالبا إذا استهدينا بأسماء الله الحسنى وفهمنا معانيها وبدأنا في جولة تطبيقها في حياتنا كما اعتدنا، سيكون لها أثر ليس فقط على مستوى الإيمان الداخلي وإنما حتى على فهمنا لبعض مسائل الفقه، سنفهم بأن هذا الأمر ما دام من عند الله فهو ما شرع إلا لحكمه، فنحن نؤمن باسم الله الحكيم وبمعانيه ولوازمه ومقتضياته وعليه فإنا لن يكون عندنا أي إشكال في أم التساؤل أو يعني رؤية بعض الأمور التي هي ثبتت أنها من التشريع لن ننظر إليها على أنها من العبث.

المقصد الثاني المتعلق بالاستهداء بهذه الزمرة، وهي في الاستهداء مع الناس؛ كيف تهذب هذه الأسماء تعاملاتنا؟ كما قلنا هي اسم الله العليم واسم الله الخبير واسم الله الحكيم، ثلاثة أسماء. الثمرة الأولى: الحكمة في الدعوة والنصح، وضع الكلمه في موضعها. من استهدى باسم الله الحكيم تخلق بالحكمه في تعامله مع الناس: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. الحكمة هنا تعني مخاطبة كل انسان بما يناسب عقله وحاله، فلا يغلظ في موضع اللين ولا يلين في موضع الحزم، الحكيم يزن كلماته قبل أن ينطق بها لتقع في موقعها الصحيح.

الثمرة الثانية من ثمار هذه الأسماء، وهي كما قلنا اسم الله العليم واسم الله الحكيم واسم الله الخبير، نحن نتحدث اليوم عن هذه الثلاثة أسماء. بما أن الله هو الخبير بالسرائر، فالمهتدي بهذا الاسم يكتفي بظواهر الناس ولا ينصب نفسه مفتشا عن نواياهم وبواطنهم. ألسنا نرى كيف تتمزق الروابط بيننا بسبب التهم المعلبة والشكوك؟ المؤمن الذي يدرك اسم الله الخبير وعرف معناه ويستهدي به يترك السرائر للخبير، يقول: أنا درست بأن معنى اسم الله الخبير هو العالم ببواطن الأمور ودقائقها، فإذا نية هذا الإنسان التي لم تظهر هي مما يعلمه الخبير سبحانه، فأنا سأترك السرائر للخبير ونبدأ بمعاملة الناس بظواهرهم، مما ينشر السماحة وحسن الظن في محيطنا وفي مجتمعنا.

ثالثا: من الثمرات المتعلقة بهذه الأسماء الثلاثة، وهي اسم الله العليم واسم الله الخبير واسم الله الحكيم، التواضع العلمي والإقرار بقصور المعرفة. مهما بلغ الإنسان من العلم فإنه يبقى قطرة في بحر علم العليم: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. هذا اليقين يكسر غرورنا حينما نقرأ وندرس ونحفظ ونجرد الكتب ونتثقف ونترجم. التامل في اسم الله العليم يكسر هذا الغرور ويورثنا تواضعا علميا حقيقيا، فلا نستنكف عن قول: لا أدري، ولا نتعالى على من هم أقل منا علما، بل ننسب الفضل كله لله سبحانه وتعالى الذي علمنا لأننا نستهدي بسم الله العليم.

ثم إننا، وهذا أمر حسن جدا أن نتأمله، لن نخجل من جهلني، يعني الإنسان أحيانا ما يمنعه من العلم والتعلم أنه يقول صورتي عند الناس بأني كبير القدر كبير العمر، فاذا عرفوا بأن هذه الأمور التي هي من مبادئ العلوم لا أعرفها سأسقط من أعينهم، لكن المستهدي بسم الله العليم يدرك بأن كل إنسان عنده جوانب جهل، كل إنسان محتاج ومفتقر إلى الله العليم. فإذا صح هذا المعنى في قلبه تجده لا يستنكف ولا يبعد عن التعلم لأنه يخشى بأن يعرف الناس جهله، كلنا عندنا قدر من الجهل، وما أوتي الإنسان من العلم مهما بلغ إلا قليلا. فالاستهداء بسم الله العليم أيضا يريح النفس من هذه الناحية؛ أحيانا بعض العلوم فاتتني أن نسدد فجواتها في بنائنا العلمي والمعرفي، فتأتي دورة أو يأتي درس للمبتدئين ونخشى أننا إذا سجلنا فيها أو إذا علم الناس انضمامنا إليها بأننا سنسقط من أعينهم، لكن الاستهداء بسم الله العليم يربينا على أنه لا يوجد أحد من المخلوقين يعلم كل شيء، فإذا أنا عندي هذا الأمر ناقص وهو عند فلان تام، وفلان عنده هذا الأمر ناقص وعندي أنا تام، هكذا نتبادل أدوار العلم والمعرفة فنحن نقر بقصور معرفتنا فنتواضع علميا.

الثمرة الرابعة: حفظ الأسرار والأمانات، لأن الإنسان يتخلق بصفة الأمين الخبير. من علم أن الله خبير بأسرار خلقه وستير لها، تعلم أن يكون أمينا على أسرار الناس، لا يفشي سرا استؤمن عليه ولا يتتبع عورات المسلمين. ماذا سمينا المتتبع لعورات المسلمين سابقا؟ جعلنا له في درس مسرح العقول أظن اسما أنيقا؛ الباحث في المصادر المفتوحة، هكذا نحسن أن نغلف هذه الاضطرابات عندنا بأسمى أنيقة أنه ناقد اجتماعي، نعم، لكنه على الحقيقة هو متتبع لعورات المسلمين، والعورة كل ما أحب الإنسان ستره. فلا يفشي سرا استؤمن عليه لأنه يؤمن باسم الله الخبير. هذا التخلق يبني مجتمعا آمنا يثق فيه الناس بعضهم ببعض، وبكل صراحه وسائل التواصل الحديثة أحدثت شرخا في هذه الثقة، ما عاد الإنسان ولكم أن تلحظوا هذا، بأن الإنسان كلما دخل برنامجا من البرامج كان في بادئ أمره بريئا مندفعا، ثم تعلمه تجاربه مع الناس بأن يكون متحفظا هكذا، لأن الناس ما يعني في مجمله إلا من رحم الله، ما يتخلق بصفه الأمين الخبير ولا يعرفون كيف يستهدون باسم الخبير، نعم.

المقصد الثالث، وهو الركن الذي اعتدنا عليه، هو الاستهداء مع النفس. كيف تصلح هذه الأسماء أنفسنا من الداخل؟ اسم الله العليم، اسم الله الخبير، واسم الله الحكيم. الثمرة الأولى: طمأنينة القلب، التخلص من قلق المستقبل، الخوف من المستقبل خاصة إذا كان الخوف مجهولا، يعني ليس له معطيات واضحة، هكذا خوف ضبابي، هذا مرض يفتك بالنفوس. لكن المستهدي الذي يعرف أن الله عليم وأنه عالم الغيب، أليس مستقبلنا من الغيب؟ بلا والله، عالم الغيب والشهادة، فنندرك بأن مستقبلنا بيد من يعلم ما يصلحه. لماذا نقلق من غد هو في علم العليم وتدبير الحكيم؟ نحن نؤمن بسم الله العليم وأكثر قلقنا بسبب هذا المجهول الذي لا ندركه، لكننا نثق بحكمة الحكيم سبحانه ونثق بعلم العليم سبحانه، وبتركيب المعلومتين يظهر لنا بأن الاطمئنان هو الطريق الأصوب.

نحن الآن يا كرام ويا كريمات نؤمن بأن علمنا قليل، امسكوا هذه المعلومه بايديكم لأن الله هو العليم. وأيضا نؤمن بأن الله حكيم، امسكوا هذه المعلومة الثانية بأيديكم. فما دمنا لا نعرف ولا نعلم من العلم إلا قليلا وما أوتينا إلا قليلا، فترد ما غاب عنا من المجهولات إلى الحكيم الذي يعلم السر وأخفاه، هو عين الحكمة، هو عين الإيمان، هو عين العقل. أنت ترد علم ما غاب عنك إلى من يعلمه وإلى من يحسن تدبيره سبحانه، فهذا والله تبدد المخاوف العبثية. لابد أن يكون عند الإنسان قدر من المخاوف الطبيعية وهذا طبيعي، لكن أتكلم عن المخاوف المجهولة التي حين تسأل نفسك: لماذا أنا أخاف؟ ولماذا يتبدى هذا الخوف على شكل قلق هكذا ليس له ملامح؟ نحن نريد أن نستهدي بسم الله العليم وباسم الله الحكيم وباسم الله الخبير في إصلاح أنفسنا والتخلص من قلق المستقبل العبثي. الثمرة الثانية في الاستهداء مع النفس: صدق.

النية وإخلاص الطوية، فهو علاج للرياء. أعظم علاج لمرض الرياء هو استحضار اسم الخبير؛ حين تعلم أن الله خبير بما تكنه صدورنا، وأن تلميع هذه الصورة أمام الناس لا يغني عنا شيئاً إذا كانت حقيقتنا عند الله مظلمة. الإنسان الذي يدرك هذا المعنى بأن قلب من ترائيه بيد خالقك، ستتوجه همته لإصلاح باطنه بدلاً أو عوضاً عن تزيين ظاهره، هذا يصلح الإنسان في مقاصده وفي أعمال القلوب.

الثمرة الثالثة: الحكمة في اتخاذ القرارات. قلنا: اسم الله العليم، واسم الله الحكيم، واسم الله الخبير، لها آثار على علاقة الإنسان مع الله وعلاقته مع الناس، والآن في علاقته مع نفسه سيصبح أكثر تروياً وأناةً؛ فالمستهدي باسم الله الحكيم يكتسب صفة الأناة والتروي، ويعلم بأن الانفعالات الطائشة لا تنتج قرارات حكيمة، وأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه. فأنت تضع غضبك في موضعه، وتضع رضاك في موضعه، وتضع فرحك في موضعه، وتضع اهتمامك في موضعه، وتضع مالك في موضعه، وتضع ثقتك في موضعها، وتضع حسرتك وحزنك وكل ما يتعلق بك تضعها في مووضعها. إذاً، أنت ستتخذ قرارات حسنة، حتى ثقتك لما تضعها في موضعها وتستشير من الخلق فأنت أيضاً تهدى إلى قدر من القرارات التي هي أقرب إلى الصواب؛ الإنسان يستخير ويستشير ثم يقدم. الحكمة تمنعه من العجلة المذمومة وتجعله يبصر مآلات الأفعال قبل الإقدام عليها.

الثمرة الرابعة: الرضا بحكمة التوزيع. بعضنا قد يتسخط من شكله أو خلقته أو قدراته أو ظروفه أو مستوى ذكائه أو نسبه، أو أياً ما يكون من عناصر هويته. لكن من استهدى باسم الله الحكيم أدرك أن الله خلقه في أحسن تقويم، وأعطاه من القدرات ما يناسب مهمته في الحياة. هذا الوعي وهذا الفهم يورث تصالحاً وفهماً للحياة، بدلاً من أن نتخذ دائماً أساليب التمرد ودائما عندنا تساؤلات، ودائماً نتلقى كل شيء بالاعتراض، ودائماً ننظر إلى ما لا يعجبنا بعيني: لماذا أنا بالذات؟

لكن المستهدي بأسماء الله سبحانه وتعالى، خاصة العليم والخبير والحكيم، يدرك بأن الله يعلم ظواهر الأمور وباطنها، ويضع الشيء في موضعه فتطمئن نفسه. ولما نتأمل في اقتران هذه الأسماء في العلم؛ العليم، والحكيم، والخبير، وهي أسماؤنا التي نتعاطى الكلام فيها اليوم، ستتبدى لنا بعض الحكم والأنظار في هذا. فالعلم لو قلنا وحده يكون إحاطة بالظواهر، والخبير إحاطة بالبواطن والدقائق، ثم أحياناً إن تكلمت على مستوى البشر العلم والخبرة قد لا يتبعهما تصرف صحيح، فجاء الحكيم ليثبت أن هذا العلم والخبرة ينتجان أفعالاً وأقداراً في غاية السداد والصواب.

لذا أنا جعلتها في زمره واحدة بالنظر لهذه العلائق، فنحن نعبد ربا يعلم حالنا وهو العليم، ويدرك خفايا سرنا وهو الخبير، ويدبر لنا ما يخرجنا من هذه الأزمات بأفضل طريقة وهو الحكيم. فأي طمأنينة أعظم من هذا؟ لا يبلغ الإنسان من فهم أسماء الله الحسنى هذا الفهم إلا وكانت المصائب أخف على قلبه.

ومن المزالق التي يلحظها الإنسان الذي يخالط الناس ويدخل نواديهم ووسائل تواصلهم؛ أن هناك محاولة لإخضاع أحكام الله وأقْداره لمعايير العقل البشري القاصر؛ الذي يوافق عقولنا نقبله، والذي نعجز عن فهم حكمته إما أن نشكك فيه أو أن نرده. لكن هذا المنهج يتصادم تماماً مع الإيمان باسم الله الحكيم؛ نؤمن أن العقل البشري أداة محدودة لا يمكنها الإحاطة بحكمة الله سبحانه وتعالى. فالتسليم للحكيم ليس إلغاء للعقل، وإنما معرفة لحدود هذا العقل، والعقل السليم يدرك أن من تمام الحكمة ألا يدرك كل الحكمة. العقل السليم يدرك أن من تمام الحكمة ألا يدرك كل الحكمة، لذلك المؤمن يبحث عن الحكمه ليزداد إيماناً، فإذا عجز عن إدراكها ازداد تسليماً.

فنحن نتقلب بين أمور تظهر لنا حكمتها فنزداد إيماناً باسم الله الحكيم، وأمور نعجز عن إدراكها فنزداد تسليماً للعليم الخبير، وهذه زمرتنا في هذا اليوم.

عندما كنت أحضر لهذا الدرس وأريد أن أتأمل في بعض المنطلقات التي يمكن أن تطبق ونجعل هذه الأسماء معايشة يومية، نظرت بأن الإنسان يستطيع أن يطبق ذلك في خلوته فيذكر نفسه دائماً بأن الخبير ينظر إلي فتنطفئ نار المعصية في السر، وعند الحيرة أيضاً فنلزم دعاء الاستخاره في شؤوننا كلها كبيراً كان أو صغيراً ونحن نستحضر افتقارنا لعلم العليم، وعند المصيبة نردد بيقين هذا قدر الحكيم، لا يفعل الحكيم إلا خيراً علمته أو جهلته.

وفي حواراتنا أيضاً نمارس الحكمة بضبط ألسنتنا، ولا نتحدث فيما لا نعلم؛ نقول والله لا أدري، هكذا لأننا نستحضر بأن الله هو العليم. والله لا أدري تعطيني فرصة أراجع، المسألة بحاجة إلى بحث، ما في إشكال. وأنا دائماً لما نقول إنك لن تنزل من عين طالبك إذا قلت لا أدري، لا، أنا ضد هذا الأمر، أقول: حتى لو نزلت من عينه لا يهم، أنت له عبودية ولك عبودية، عبوديتك إما أن تبلغ دين الله أو أن تقول هذا الذي أفهمه أو لا أفهمه من دين الله فقط. لك عبودية مختلفة اسمها لا أدري في هذا الموطن، فلا نحتال على أنفسنا بأنه، وصدقني، لن تنزل من أعينهم، لا، حتى لو نزلت من أعينهم، يعني هذا طرح لا أوافه، فكان ماذا لو نزلت من عين فلان باني لا أعرف هذه المساله؟ لا، أنا يكفيني باني فعلت الصواب؛ الصواب إما أن أجيب أو أقول لا أدري.

عينه الشريفه المقدره التي أخشى أن أنزل منها هذه لا تهم، فلا نربط الأمور برضا البشر، هي أصلاً الفكرة النازع الأساسي للإنسان حتى يقول لا أدري هو تقديمه لرضى الله على رضا البشر. فأنت تربطها برضا البشر كمان ليس صواباً، هذا والله ليس صواباً، الصواب أن نخرج رضا البشر من المعادلة كلها، أنت الآن تطلب رضا الله سبحانه وتعالى، فإما أن تجيب فتقول: أرى في المسألة كذا، أو أن تقول: لا أدري، رضي لم يرضَ هذا أمر آخر.

يشبه هذا من وجه، من يحث الناس على الإنفاق بجعل الأخلاف من جنس ما أنفق أمرا لازماً، قد تنفق وقد لا يعود لك، قد تنفق وقد يعود لك؛ أمر آخر هذا مختلف يكون بين الإنسان وبين ربه، للإنسان أحوال مختلفة، فهذا الذي لابد أن يكون عليه الإنسان.

الإنسان الذي يستهدي باسم الله العليم والخبير والحكيم لا يتخذ قرارات مهمة إلا بعد أن يستحضر هذه الأسماء الثلاثة. أنا حينما استخير الله سبحانه وتعالى فإني أعلم علم اليقين بأن الله سبحانه وتعالى عليم، وبأنه حكيم، فإذا علم ما يظهر وما لا يظهر ودبرني بحكمته فإني لهذا قد أصبت عين ما نريد. نحن ننقل الإيمان بعلم الله وحكمته من تنظير إلى تطبيق عملي في قراراتنا وفي علاقاتنا، وهذا يشعر المرء براحه نفسيه عجيبه لرفع عبء التفكير في العواقب وفي النوايا وفيما غاب عنا، نجد بركة وتوفيقاً في قراراتنا التي وكلناها للعليم الخبير سبحانه.

وبهذا يتم ما أراد الحديث عنه من هذه الزمرة المباركة من الاستهداء باسماء الله الحسنى؛ العليم والحكيم والخبير.

اللهم يا عالم الغيب والشهادة، يا عليماً بكل شيء، يا خبيراً بالأسرار والسرائر والضمائر، يا حكيماً في خلقك وأمرك، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تملأ قلوبنا يقينا بك وتسليماً لحكمك ورضا بقضائك.

اللهم يا عليم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. إنا نشكو إليك جهلنا وضعفنا فاهدنا بنورك الذي لا يخبو.

يا خبير طهر سرائرنا، واجعل بواطننا خيراً من ظواهرنا، ولا تفضحنا بخفايا نفوسنا يوم تبلى السرائر.

اللهم يا حكيم آتنا الحكمة ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، ارزقنا الحكمة في أقوالنا وأفعالنا وفي تعاملنا مع خلقك.

اللهم دبر لنا فإنا لا نحسن التدبير، واختر لنا فإنا لا نحسن الاختيار.

اللهم إنا نعوذ بك من حيرة توردنا الشك، ومن جهل يردنا الضلال.

اللهم اجعلنا ممن يستهدون بعلمك في حيرتهم، وبحكمتك في مصائبهم، وبخبرتك في خلواتهم.

اللهم اجمعنا في الدنيا على طاعتك، وفي الآخرة في جنتك، واجعل هذه الأسماء العظيمة نوراً في قلوبنا، وهدياً في حياتنا، وشفاعة لنا يوم نلقاك.

وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾.