دخولتسجيل الدخول

الاستهداء بأسماء الله الحسنى 07 | استهداء المتوكلين

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي تكفل بأرزاق عباده وأحوالهم، وأحاط بهم علماً وحفظاً وكفالة، وتولى شؤون من أسلم إليه أمره وتوكل عليه، والصلاة والسلام على إمام المتوكلين وسيد المستعينين، نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال لابن عباس رضي الله عنهما: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، أيها الكرام والكريمات؛ في زمن تتكاثر فيه الأزمات، وتتشابك الأسباب، وتضيق فيه الأبواب أمام الإنسان حتى يكاد يخيل إليه أنه لا مخرج ولا ملاذ، وهذا زمن لمن تأمله فيه تصدع للثقة بالبشر، وفيه هشاشة في الاعتماد على الخلق، ويصبح الناس يتكلمون عن تكشف الأقنعة عن وجوه كانت توهم بالوفاء فإذا هي إلى الخذلان أقرب؛ هذا الزمان نحتاج فيه أن نتأمل في هذه الزمرة المباركة، زمره المتوكلين المستعينين.

هذه الزمرة المكونة من اسم الله الوكيل، واسم الله الولي، واسم الله الحفيظ، واسم الله المقيت، واسم الله الكافي، واسم الله الحسيب؛ هذه الزمرة تعلمنا علمنا أن نسلم قيادنا إلى الله سبحانه وتعالى، ليس فقط من منطلق العجز عن الفعل وهذا حقيقي وحاصل، لكن فعلاً نسلم أمورنا إلى الله لأننا أدركنا أن الله هو الذي يدبرنا، وهو الذي يدبر هذا الكون كله، وانه سبحانه وتعالى يملك الضر والنفع والعطاء والمنع والحفظ والتمكين، وأنه سبحانه وتعالى لما نتأمل في هذه الزمرة نتحرر من الخوف على الرزق، وننعتق من ذل الحاجة إلى الخلق، ونستريح من ثقل التدبير وتسكن روعاتنا، لما نعلم أن الله سبحانه وتعالى وكيل وحفيظ وكافٍ لا يعجزه شيء سبحانه.

هذا زمان القلق المزمن ليس القلق العابر، ونحن بحاجة إلى هذه الزمرة بأن نحمل همومنا منفردين، وأن نفكر في غد بعين التدبير وتركه لله سبحانه وتعالى، وأن أرواحنا إذا أخطات في الحسابات وتعثرت الخطوات لابد أن نلجو إلى الله سبحانه وتعالى. هذه الأسماء الستة من عرفها وعاش فيها يمشي في الحياة بخفة الروح طمأنينة القلب؛ لأنه أدرك أن الله هو الوكيل الذي يكفيه، والولي الذي يتولاه، والحفيظ الذي يصونه، والمقيت الذي يرزقه، والكافي الذي يغنيه، والحسيب الذي يحاسب عنه.

فهذه المحاضرة من هذه السلسلة؛ سلسلة الاستهداء باسماء الله الحسنى، نتأمل فيها هذه المعاني العظيمة، ونتعلم معا يدا بيد كيف نسلم أمرنا لله سبحانه وتعالى حق التسليم، ونتوكل عليه حق التوكل، نعيش حياتنا كما أرادها الله سبحانه وتعالى، وكما أراد لنا أن نعيش بيقين يملأ الصدر، وسكينة تسكن الروح، وثقة بالله سبحانه وتعالى لا تتزعزع.

في البداية، لابد أن نعرف هذه الأسماء حتى يتحقق لنا دور المعرفة، هذه الأسماء تشكل منظومة متكاملة من الكفالة الإلهية الشاملة؛ كل اسم يضيء جانباً من جوانب تولي الله لعبده المؤمن. والإمام الزجاج لما عرف اسم الله الوكيل قال: هو الكافي، وهو الذي يتوكل على من يتوكل عليه فيكفيه، وهذا الاسم ثبت في القرآن في مواضع عدة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 81]، وقوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]. فالوكيل هو الذي يتولى أمور من فوض إليه أمره، ويكفيه ما أهمه، ويدبر شأنه بعلم علمه وحكمته وقدرته، وتوكيل الله ضروري لكل عبد أدرك ضعفه، ونحن مع أخذنا بالأسباب نعتمد اعتماداً قلبياً كاملاً على مسبب الأسباب سبحانه.

أما اسم الله الوكيل فقد قال الزجاج الولي هو الناصر، الاسم الأول الوكيل الثاني الولي، قال الزجاج الولي هو الناصر وقيل هو القريب الذي يتولى أمور عبده، وقد ثبت هذا الاسم في القرآن في مواضع كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: 28]. فالولي هو الناصر المتولي لشؤون عباده، يدافع عنهم ويعزهم ويكرمهم، وولاية الله لعبده تستوجب من العبد الإخلاص والطاعة والتوجه الدائم إلى وليه سبحانه.

أما الاسم الثالث فهو اسم الله الحفيظ؛ قال الزجاج الحفيظ هو الذي يحفظ الأشياء ولا يعزب عنه شيء، وقد ثبت هذا الاسم في القرآن؛ منها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [البروج: 22]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: 57]. فالحفيظ هو الذي يصون عباده من الآفات والمهالك، ويحفظ أعمالهم فلا يضيع منها شيء، ويحفظ الكون كله بقدرته وعلمه، ويحفظهم بحفظين؛ حفظ التوفيق بأن يصون الدين والإيمان لكل عبد من عباده المؤمنين، وحفظ الوقاية ويصون به بدنه ودنياه.

الاسم الرابع المقيت؛ قال الزجاج المقيت هو القادر، وقيل هو الذي يعطي كل شيء قوته، وقد ثبت هذا الاسم في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: 85]. فالمقيت هو الذي يقيت كل مخلوق بما يناسبه، ويقيم وجوده من رزق وقوت وما يحتاجه في حياته، وهو الذي يعلم حاجة كل نفس ويوفيها سبحانه دون نقصان، ويدبر أرزاق الخلائق كلها في آن واحد دون أن يشغله شان عن شان.

أما الاسم الخامس وهو اسم الله الكافي؛ ثبت هذا الاسم بالقرآن في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]، والكافي هو الذي يكفي عبده كلما أهمه ويغنيه عمن سواه، ويسد حاجته ويزيل فاقته، وكفايته سبحانه كفاية في جوانب متعدده في المال، كفاية الروح، كفاية النفس، كفاية الدين؛ يكفي عبده همومه وأحزانه، ويكفيه شر الأعداء والحاسدين، ويكفيه الحيرة والضلال لها جوانب مختلفة.

الاسم السادس هو الحسيب؛ قال الزجاج الحسيب هو الكافي، وهو أيضاً الذي يحاسب عباده على أعمالهم، وقد ثبت هذا الاسم في مواضع من القرآن الكريم؛ منها قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: 6]. فالحسيب يجمع معنيين عظيمين؛ الكفاية والمحاسبة سبحانه وتعالى، فهو الكافي لمن توكل عليه، والمحاسب لمن ظلم غيره، وفي هذا الجمع تسلية للمظلوم وردع للظالم.

أما مراتب الاستهداء بهذه الزمرة فكما اعتدنا بأننا نتكلم عن العلم والإيمان والتعبد بالمقتضى والدعاء؛ والانتفاع بهذه الأسماء الستة لا يكون إلا بمثل هذه الطريقه. لابد أن نترقى من العلم بأن نعرف معاني هذه الأسماء ونفهم دلالاتها، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الوكيل والولي والحفيظ والمقيت والكافي والحسيب، نعرفها بدلالاتها التي تكلمنا عنها.

ثانياً؛ الإيمان بأن يمتلئ القلب بالتصديق الجازم بهذه المعاني، ونعرف أنه مهما أتت الأحداث فلا يتزعزع اليقين، ولا تزيل المحن هذه المعاني من القلوب، أن نؤمن إيماناً حقيقياً بأن الله يتولى أمرنا ويحفظنا ويكفينا ويقيتنا ويحاسب لنا وعلينا.

ثالثاً؛ التعبد بالمقتضى بأن نترجم هذا الإيمان إلى سلوك عملي، وأن نتخلق بهذه الأسماء فنتوكل على الله سبحانه وتعالى في كل أمر، ونسلم إليه قيادنا، ونطمئن لتدبيره سبحانه، ونحسن الظن به سبحانه وتعالى في كل حال، وأن نأخذ بالأسباب كاملة ثم نفوض النتيجة إليه.

أما الدعاء وهذه هي الرتبه الرابعه من مراتب الاستهداء بهذه الزمره؛ أن نتوسل إليه سبحانه بهذه الأسماء العظيمة، فنقول يا وكيل اكفني، يا ولي تولى أمري، يا حفيظ احفظني، يا مقيت اقتني، يا كافي اكفني، يا حسيب حاسب لي؛ موقنين بأنه من دعا الله سبحانه وتعالى باسمائه الحسنى لم يخيب.

أما آثارها ومقاصدها فكما اعتدنا ستكون الاستهداء مع الله، والاستهداء مع النفس، والاستهداء مع الناس؛ كيف تصحح هذه الزمره علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى؟

الثمرة الأولى؛ التوكل الحقيقي، التوكل كل الحقيقي فيه حرية كبرى يبلغها الإنسان أن ندرك أن الله سبحانه وتعالى هو الوكيل الذي يتولى أمرنا، نحن نتحرر من أثقال التدبير، ونتحرر من قلق المستقبل المجهول، ومن ثقل الاعتماد على النفس المحدودة. الإنسان الذي لا يتوكل على الله يحمل على كاهله ثقلاً لا يطاق؛ يدبر لنفسه وأهله ومستقبله ورزق وصحته وأمنه وكلها أمور تتجاوز قدرة الإنسان وعلمه. أما المتوكل على الله فإنه يأخذ بالأسباب كاملة ثم يلقي بحمله كله على الله سبحانه وتعالى، يمشي خفيفاً في هذه الحياة، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، هذه الآية وحدها كافية لتريح القلب من كل قلق، فمن كان الله حسبه فمن يستطيع أن يضره؟ وهذا يجعل القلب متعلقاً بالله سبحانه وتعالى حتى لو كانت الجوارح تعمل في الأرض.

الثمرة الثانية من أثر هذه الزمرة في تصحيح علاقتنا بالله سبحانه وتعالى بعد أن ذكرنا أن تاملها يأتي بالتوكل الحقيقي؛ أن نقول الثمرة الثانية هي الانس بالولاية ألا نشعر بالوحدة أبداً. وكما لا يخفى عليكم أيها الكرام والكريمات بأن الوحدة من أشد ما تعذب به النفس البشرية، كثير من الناس يعيشون وحدة حقيقية وسط الزحام، وحدة روحية تشعرهم بأنه لا أحد يفهمهم ولا أحد يتولاهم، لكن من عرف أن الله هو الولي لا يشعر بالوحدة أبداً؛ لأن وليه سبحانه معه في كل حال.

ولاية الله سبحانه وتعالى حقيقة تشعر بها وقت الشدة؛ حين نجد أن الباب بعد طول انتظار يفتح من حيث لا نحتسب، وحين نجد في اوقات ضعفنا نستغرب أحياناً وهذا يمر بنا أجمعين أنه من أين أتت هذه القوة التي دفعتنا من الداخل، قال كيف صبرت على هذا، كيف ثبتني ما أدري أتتني ما أدري أتتني قوة مختلفة على أنها ليست عادتي؛ هذا هو شعور الولاية، وهذا هو تمثل اسم الله الولي لعباده بأن يشعر بأن هناك قوة تدفعه من الداخل، وأن يجد سكينة في قلبه نزلت دون سبب ظاهر. إنسان يتساءل بعد المصيبة كيف ما انهرت، كيف استطعت أن أثبت، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]؛ هذه الولاية الإلهية تجعل المؤمن يمشي في الحياة بثقة وأمان؛ لأنه يعلم أن وليه سبحانه وتعالى حي قيوم قادر، فتطمئن روحه.

الثمرة الثالثة؛ الاطمئنان والسكينة في وجه المخاوف. إنسان هذا الزمان يعيش في خوف مستمر؛ خوف على الأبناء، خوف على الأموال، خوف على النفس، خوف على المستقبل، خوف من الأمراض، خوف من الحوادث؛ هذا الخوف له ثمنه؛ ينهك الروح، يضعف الجسد، يشتت الذهن، لكن من عرف أن الله هو الحفيظ الذي لا يغفل عن شيء سبحانه يسلم أحبابه وأمواله ومستقبله له إلى حفظ الله يستودعها، يرتاح ويطمئن.

الحفيظ سبحانه يحفظ الجنين في بطن أمه، ويحفظ الطير في كبد السماء، ويحفظ الحبة في ظلمات الأرض، كيف لا يحفظ عبده المؤمن الذي لجأ إليه وتوكل عليه؟ العبد يقول في كل صباح: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم؛ هذا تسليم حقيقي لأمره إلى الله الحفيظ الذي لا يعجزه شيء.

الثمرة الرابعة من علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى؛ اليقين برزق الله. قلق الرزق من أشد الأمراض التي تصيب قلوبنا في هذا الزمان، يفكر الإنسان في رزق غده وبعد غده ويحسب له ألف حساب، وربما إذا ضعف يقدم على ما لا يرضي الله طمعاً في الرزق أو خوفاً من الفقر. لكن من عرف أن الله هو المقيت الذي يقيت كل مخلوق بما يناسبه وأن الرزق مكتوب ومقسوم فإن قلبه يهدا ويطمئن، الدودة في باطن الصخرة الصماء لا ينسى رزقها فكيف بالانسان الذي كرمه الله وسخر له ما في السماوات وما في الأرض؟ قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]. واستشعار اسم الله المقيت يحرر العبد من عبودية القلق على الرزق، ويجعله يعمل بجد واجتهاد دون أن يسيطر عليه الخوف والقلق.

أما مقصدنا الثاني من الحديث عن هذه الزمره في استهدائنا مع الناس؛ كيف تهذب هذه الأسماء تعاملاتنا مع الخلق؟

الثمرة الأولى؛ التحرر من ذل الحاجة إلى الخلق. إنسان يعرف بأن الله سبحانه وتعالى هو الكافي الذي يكفيه ما أهمه واستيقن بهذا لا يذل نفسه بالسؤال والاستجداء والتملق لمن في أيديهم شيء من متاع الدنيا، يتعامل مع الناس بعزة وكرامة؛ لأن حاجته الحقيقية عند الله لا عندهم. هذا يعني أن يكون قلبه معلقاً بالله سبحانه وتعالى وحده، وحتى لو فرح بعطاء أتاه من الدنيا فانه لا ينسيه المعطي الحقيقي، ولا يحزنه بأن الله سبحانه وتعالى حتى لو منع من شيء من الدنيا بأن الله كافيه؛ هذه العزة الحقيقية.

يعني تجعل الإنسان في حالة من حالات التسامي عن الخلق، عدم الذل لهم، تجعل الإنسان مستعلياً استعلاء لا تكبر فيه، لكن لا تكن عينه بما في أيدي الآخرين؛ لأنه مستشعر بأن الله هو الكافي.

الثمرة الثانية؛ الثقة بنصر الله للمظلوم. ما أكثر ما نتعرض لظلم وأذى من الناس، ما نجد من ينصرنا ولا من ينصفنا، وقد يغرينا الشيطان بالانتقام أو الحقد أو اليأس، لكن من عرف اسم الله الحسيب الذي يحاسب الظالمين ولا يضيع حق المظلومين فانه يرتاح ويفوض أمره إلى الله تعالى وهو مطمئن. الحسيب سبحانه لا يغفل عن ظلمة ولو كانوا أقوياء، ولا يضيع دمعة مظلوم ولو سالت في خلوة لا يراها أحد، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: 6]. هذه الكفاية الإلهية تريح المظلوم من ثقل الانتقام وتطهر قلبه من الحقد، تجعله يمضي في طريقه بسلام واثقاً أن الله العدل الحسيب سيحاسب ذلك الظالم لكن في الوقت المناسب.

الثمرة الثالثة من أثر هذه الأسماء في الاستهداء مع الناس؛ التعاون والتكافل. حين يدرك المؤمنون أن الله هو وليهم جميعاً فهذا يوجد رابطه روحية عميقة تجعل هناك تعاون وتكافل، الذين يجمعهم ولي واحد لا يتخلى بعضهم عن بعض ولا يترك أحدهم أخاه وحيداً في مواجهه الصعاب، وهذا يخلف مجتمعاً متماسكاً يشعر أفراده بالمسؤولية تجاه بعضهم، يبادرون إلى نصرة المظلوم، إعانة المحتاج، تفريج كرب المكروب. هذا يجعلنا فعلاً جسداً واحداً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد».

الثمرة الرابعة من الاستهداء مع الناس بهذه الأسماء؛ الأمانة والاتقان. هذه ثمره مهمة وهو مقتضى اسم الله الحسيب؛ من عرف أن الله هو الحسيب يحاسب على الصغير والكبير فانه يتقن عمله ويؤديه.

أمانته كاملة، سواء رآه الناس أم لم يروه. الموظف الذي يعلم أن الله يحاسبه لا يفرط في وقت عمله، ولا يهمل واجباته. والتاجر الذي يعلم أن الله يحاسبه لا يغش ولا يخدع، والمعلم الذي يعلم أن الله يحاسبه لا يهمل طلابه ولا يقصر في أداء رسالته.

وهكذا استشعار اسم الله الحسيب يحول الإنسان من كائن يعمل تحت الرقابة الخارجية إلى كائن يعمل ويحمل في قلبه رقابته في داخله، فيتقن في الخلوة كما يتقن في الجلوة، ويؤدي الأمانة في السر كما يؤديها في العلن. أما مقصدنا الثالث فهو الاستهداء مع النفس؛ كيف تصلح هذه الأسماء أنفسنا من داخل؟ فننظر إلى الثمرة الأولى: علاج القلق المزمن. أنا أتكلم عن الوسواس والقلق المزمن بصفتي حالة عابرة، لا أتكلم عن الحالة المرضية؛ فقد تكلمت في فقه التدين النفسي ما يجب على الإنسان إذا أصيب بمرض مستقر، أنا أتكلم عن الأحوال العارضة الآن.

هناك قلق وجودي نابع من شعور بعدم الأمان وعدم الحماية. الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى الحفيظ الذي يصون ويحمي حين يستقر في القلب، فإن هذا الشعور يتراجع ويخف كثيراً، بل إن الإنسان يستشعر هكذا كما أتوقع بأنه ليس في مواجهة الكون وحيداً، إنما معه الله سبحانه وتعالى. هذا الشعور إذا حلّ، الوحدة تلاشت، وحل محلها السكينة التي لا يعطيها إلا الله سبحانه وتعالى.

الثمرة الثانية: الرضا والقناعة حين تعلم اسم الله المقيت. هذه القناعة تتحقق حينما يدرك الإنسان أن رزقه مكفول من الله، وأن الله المقيت الذي يقيت كل نفس بما يناسبها قد قسم على الخلق أرزاقهم. وهذه الأرزاق معنى عام؛ من أموال، من أخلاق، من جمال، من أقدار، من زواج، من علم، كلها أرزاق قسمها الله سبحانه وتعالى بعلمه وعدله.

فما يعذب الإنسان نفسه بالمقارنة مع الآخرين؟ ويرضى بما آتاه الله لأنه مستشعر لاسم الله المقيت، مع أنه يجتهد في الأسباب، لكن مع هذا المعنى المستقر في قلبه بأن الله المقيت هو الذي يقسم هذه الأرزاق. أنتم تعلمون أن الإنسان القانع، ونراهم في حياتنا، يعيشون في سعة نفسية مختلفة، حتى لو كان في ضيق مادي، لكن حياته طيبة لأنه يرى فيما عنده نعمة من الله، ويشكر الله سبحانه وتعالى ويرضى ويطمئن.

أما الإنسان الجشع فيعيش في ضيق حتى لو كان في سعة مادية؛ لأنه دائماً كيف يكون قانون التفكير عند الجشع؟ إنه ينظر لما زوي عنه، لا فيما أعطي. ما يشكر ما أعطي، وإنما ينظر إلى ما لم يعطَ فيتطلبه، لذلك لا يرضى، ويكون في هذا الضيق النفسي أكثر من الإنسان الرضي. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الرضا.

الثمرة الثالثة: الكفاية الذاتية. من عرف الكافي استغنى. من أعظم ما تورثه هذه الثمرة في النفس الشعور بالاكتفاء الداخلي، حينما يعلم العبد أن الله هو الكافي يكفيه كل شيء، ما يشعر بالنقص والحاجة الذليلة، يمشي في الحياة بقلب ممتلئ لا بقلب فارغ؛ لأن الناس الذين يعيشون فراغاً داخلياً رهيباً يحاولون ملأه بأشياء كثيرة، بالمال، بالجاه، بالمتع إياك، لكن ما يجدون إلا مزيداً من الفراغ. لكن من ملأ قلبه بمثل هذه المعاني بمعرفة أسماء الله وصفاته بالثقة بكفايته وولايته، يجد في نفسه غيناً حقيقياً لا يعطيه المال ولا الجاه. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزُمَر: 36]. والجواب في سياق الآية: بلى والله، إن الله كافٍ عبده.

الثمرة الرابعة: المحاسبة الذاتية قبل أن يحاسبك الحسيب. وهذه ثمرة تصلح في النفس شيئاً كبيراً؛ من عرف أن الله هو الحسيب الذي لا يضيع صغيرة ولا كبيرة، يبادر إلى محاسبه نفسه قبل أن يحاسب. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. هذه المحاسبة نغفل عنها لأننا أحياناً نستكبر أو أحياناً نغفل.

لماذا لا نتأمل آخر اليوم -وهذا الدرس في غالب توقيتاتكم- أنه في آخر اليوم أين أطعنا الله؟ أين قصرنا؟ هل ظلمنا أحداً اليوم؟ هل غرتنا قوتنا أو ذكاؤنا لظلم أحد أو نؤذيه؟ هناك أعذار نستطيع أن نقولها في الدنيا وننجو، لكن هل هذه الأعذار حقيقية أمام الله سبحانه وتعالى؟ ثم نتوب ونستغفر ونعزم على إصلاح حالنا.

وهذه المحاسبة تبقي قلوبنا يقظة، ما تدع الذنوب تتراكم على الإنسان حتى يقسو قلبه. والانسان الذي يتساهل مع ذنوبه يجد حسابه ثقيلاً يوم لا ينفع مال ولا بنون.

لماذا جمعنا هذه الأسماء معاً في زمرة واحدة؟ لماذا؟ تأملت في أسماء الله الحسنى فوجدت هذه الثمرة تصلح أن تكون في درس واحد؛ الوكيل يتولى الأمر بكامله، والولي يحب ويناصر، والحفيظ يصون ويرعى، والمقيت يغذي ويقيت، والكافي يسد الحاجة ويزيل الفاقة، والحسيب يحاسب وينصف. هذه الأمور تجعل في قلب الإنسان استعانة واتكاء وتوكلاً وطمأنينة وسكينة لا مثيل لها، لا مثيل لها.

الله سبحانه وتعالى جعل هذه المعاني لتغطي كل الجوانب. ونحن لما نرى حديث ابن عباس الشهير: «يا غلام، إني أعلمك كلمات» كما في مسند الإام أحمد والترمذي وغيرها، أنا أنظر إليها بعين الاستهداء باسماء الله الحسنى؛ «احفظ الله يحفظك» هذا اسم الله الكافي، «إذا سألت فاسأل الله» هذا اسم الله الكافي، «احفظ الله يحفظك» هذا اسم الله الحفيظ، «إذا سألت فاسأل الله» هذا اسم الله الكافي، «إذا استعنت فاستعن بالله» هذا هو اسم الله الوكيل، واسم الله الولي، «لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك» هذا هو اسم الله المقيت الذي قدر الأرزاق، «لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» هذا هو اسم الله الحسيب الذي لا يضيع شيئا.

فهذا الحديث، هذه الزمرة، لما تأملت في الحديث أنزلت أسماء الله الحسنى المتوازية معها وقلت بأن ذلك سيكون في نسق واحد. نحن نعيش مع هذه الأسماء أيها الكرام والكريمات في الصباح والمساء فنقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وفيه توكل واعتراف بالحاجة إلى الكافي.

وأيضاً لما ننام: باسمك اللهم نموت ونحيا. فيه تسليم كامل للحفيظ الوكيل. وفي دعاء الكرب: حسبي الله ونعم الوكيل، هذا دعاء قاله إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقاله محمد صلى الله عليه وسلم حين قيل له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.

وأيضاً لما نتأمل بدعاء الهم والحزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي.

ونحن حينما نستهدي بهذه الأسماء فانه لا يخفى عليكم بأن الأمر لا بد أن يعم؛ يعني لا ينظر إلى مسألة التوكل على الله سبحانه وتعالى ليس فقط في الرزق، وإنما حتى في روابطنا مع الناس، حتى في صحتنا، حتى في مستقبلنا، حتى لو عاد القلق نذكر القلب بسم الله الوكيل وبسم الله الكافي، ولا نعطي القلق مساحة في عقولنا. لا بد أن نتدرب على التوكل الحقيقي، لا بد لا بد أن نفارق هذه الدنيا ولو مرة وقد شعرنا بخفة القلب وسكينة النفس.

أثقلتنا هذه التفكيرات، عندنا إفراط في التفكير فيما ليس لنا ولا نستطيع أن نؤثر فيه. هذه أعباء حقيقية، وبصراحه في كثير من الأحيان نحن نختار أن نحملها بأنفسنا الضعيفة بدل أن نلقيها على الله سبحانه وتعالى ليدبرها. نحن نختار ألا نعيش هذه الخفة، لكن نسال الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في ختام هذا الدرس إلى أن نحقق هذه المعاني، وأن نشعر بهذا الشعور، وأن يمتعنا به ما حينا.

اللهم يا وكيل، يا من تكفلت بأرزاق عبادك وأحوالهم، ويا من لا يخذل من توكل عليه، ويا من قلت في كتابك: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، نتوكل عليك في أمورنا كلها؛ صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها. اللهم اجعلنا من المتوكلين الذين أخذوا بالأسباب وفوضوا الأمر إليك، ولا تجعلنا من المتواكلين الذين تركوا الأسباب ودعوا التوكل.

اللهم يا ولي، يا من توليت أمور من آمن بك وأطاعك، ويا من قلت: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257]، تولّ أمورنا كلها، واخرجنا من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات المعصية إلى نور الطاعة، ومن ظلمات الغفلة إلى نور الذكر والمراقبة. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك، بل تولنا برحمتك وفضلك.

اللهم يا حفيظ، يا من لا يعزب عنك شيء في الأرض ولا في السماء، احفظنا في أنفسنا وأهلينا وأموالنا وأدياننا وعقولنا، احفظ أبناءنا من كل فتنة وشبهة وشهوة، احفظ بيوتنا من كل شر وبلاء وشقاق، احفظ قلوبنا من الزيغ والضلال، واحفظ أعمالنا من الرياء والعجب والحبوط. يا حفيظ، احفظنا بحفظك الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء.

اللهم يا مقيت، يا من تقيت كل مخلوق بما يناسبه، ارزقنا واقِتنا من رزقك الحلال الطيب، واغننا بفضلك عمن سواك. اللهم لا تجعل رزقنا بأيدي من لا يرحمنا، واجعل رزقنا من حيث لا نحتسب. اللهم اقِت قلوبنا بمعرفتك، وارزق أرواحنا بذكرك، واقِت أبداننا بما أحللت لنا من طيبات رزقك.

اللهم يا كافي، يا من قلت: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزُمَر: 36]، اكفنا ما أهمنا، اكفنا ما لا نعلمه مما يهمنا، اكفنا شر أعدائنا وحسادنا وكل من أراد بنا سوءاً، اكفنا الفقر والمرض والضلال، اكفنا الهموم والاحزان والغموم. اللهم كن لنا كافياً بكل أمر فلا نحتاج إلى أحد من خلقك حاجة تذلنا أو تضعفنا.

اللهم يا حسيب، يا من لا يضيع عنده حق ولا يغفل عن ظلم، حاسب لنا يا حسيب من ظلمنا وانتصر لنا ممن اعتدى علينا، اللهم حاسبنا حساباً يسيراً وتجاوز عن سيئاتنا واقبل حسناتنا. اللهم اجعلنا ممن يحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب في الآخرة، واجعلنا ممن يصلح عمله قبل أن يعرض على الحسيب العليم سبحانه.

اجمعنا في الدنيا على طاعتك، وفي الآخرة في جنتك، واجعل هذه الأسماء العظيمة نوراً في قلوبنا، وهدياً في حياتنا، وشفاعة لنا يوم نلقاك. وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين يا رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وان تطيعوه تهتدوا.