دخولتسجيل الدخول

الاستهداء بأسماء الله الحسنى 08 | استهداء المُتعبين الباحثين عن اللُّطف

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، وعم لطفه كل حي، الرحمن الرحيم، الرؤوف بعباده، اللطيف بخلقه، الرفيق الذي يحب الرفق في الأمر كله. والصلاة والسلام على نبي الرحمة، المبعوث باللطف والرأفة، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

أيها الكرام والكريمات، كلنا نسير في هذه الحياة كالمسافرين في صحراء قاحلة، تلفحنا شمس الابتلاءات، وتدمي أقدامنا أشواك الأقدار، وتنهك قسوة البشر وجفاء الطبائع أرواحنا. هذا السفر يورث في النفس تعباً عميقاً، ويجعل الروح في بحث دائم عن ظل ظليل ونسيم عليل، ويد حانية تمسح على جراحها.

وفي وسط هذا التعب البشري، تتجلى هذه الزمرة العظيمة؛ زمرة المتعبين الباحثين عن اللطف، هذه الزمرة التي تفتح للمتعبين أبواب الرجاء، وتفرش للمكسورين بساط الرحمة. حين يدرك العبد أن إلهه الرحمن الرحيم الذي رحمته أوسع من ذنوبه، والرؤوف الذي لا يعاجله بالعقوبة، واللطيف الذي يسوق إليه الخير من حيث لا يحتسب، والرفيق الذي لا يشق عليه في التكاليف؛ حينما ندرك معاني هذه الزمرة، فإن تعبنا يزول، وأرواحنا تسكن، لنبدأ نأوي إلى ظل هذه الأسماء، ونتعلم كيف نستمد اللطف في عالم قاس، وكيف نكون نحن بأنفسنا أبواباً لرحمة الله في الأرض.

نبدأ بالتعريف بهذه الزمرة، بهذه الأسماء، فنقول: تنتظم هذه الزمرة خمسة أسماء تدور معانيها حول الرحمة والرأفة ودقة العناية والرفق بالخلق؛ الرحمن، الرحيم، الرؤوف، اللطيف، الرفيق. الرحمن والرحيم اسمان مشتقان من الرحمة، الرحمن ذو الرحمة الواسعة الشامله لجميع الخلائق، مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم في الدنيا، وهذا على المعنى الأششهر وإن كان ثم معان أخرى. والرحيم ذو الرحمة الواصلة للمؤمنين خاصة في الآخرة. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2-3].

الاسم الثالث هو اسم الله الرؤوف. الرأفة هي أشد الرحمة وأرقها، فالرؤوف هو شديد الرحمة بعباده الذي يدفع عنهم المكاره ويعطف عليهم في ابتلائهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 143].

اللطيف له معنيان؛ الأول: العالم بدقائق الأمور وخفاياها، والثاني: البر بعباده الذي يسوق إليهم الخير ويعصمهم من الشر بطرق خفية لا يدركونها ولا يتوقعونها. قال تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّما يَشاءُ﴾ [يوسف: 100].

خامساً، الرفيق. الرفق هو اللين والسهولة وضده العنف والقسوة، والله هو الرفيق في أفعالِهِ، لا يعجل بعقوبة العصاة، ورفيق في شرعه أيضاً لا يكلف عباده ما لا يطيقون. ثبت في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله».

وكما اعتدنا، أيها الكرام والكريمات، فإننا نتعلم مراتب الاستهداء باسماء الله الحسنى في أربع مدارج في مراتب الاستهداء؛ الدرجة الأولى: العلم، بأن نعرف دلالات هذه الأسماء الخمسة، وندرك سعة رحمة الله ورأفته ولطفه الخفي ورفقه في التشريع والقدر. ثانياً: الإيمان، بأن يمتلئ القلب باليقين بأن كل قضاء يقضيه الله هو محض رحمة ولطف، حتى وإن بدا في ظاهره مراً، فيه لطف خفي. الثالث: التعبد بالمقتضى، بأن نتخلق بصفات الرحمة والرفق في تعاملنا مع أنفسنا أولاً ومع الخلق، وأن نترك القسوة والعنف. رابعاً: أن ندعو الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء في مواطن الشدة والتعب، كأن نقول يا لطيف الطف بي في تيسير كل عسير، ويا رحمن ارحم ضعفي، وهكذا.

وكما اعتدنا أيضاً بأننا نتناول ثمار هذه الأسماء في مقاصد ثلاثة؛ المقصد الأول: الاستهداء مع الله، الثاني: الاستهداء مع الناس، والثالث: الاستهداء مع النفس.

أما مقصدنا الأول في هذه الزمرة، الاستهداء مع الله: كيف تصحح هذه الأسماء علاقتنا بالله؟ الثمرة الأولى: محبة الله، فالرحمة تورث الحب. ألسنا نرى كيف تميل القلوب لمن يرحمها ويترفق بها؟ التأمل في أسماء الله الرحيم والرحمن والرؤوف يغرس في القلب محبة عميقة لله حين يوقن العبد أن الله أرحم به من أمه التي ولدته، كما في الحديث الصحيح: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها». حين يكون هذا الحال فإنه يعبد الله حبا وشوقا، يطير قلبه إلى الله سبحانه وتعالى، تخف عليه التكاليف لأنه يعبد محبوبه سبحانه.

الثمرة الثانية في الاستهداء مع الله بهذه الأسماء الخمسة: حسن الظن في الابتلاء، اكتشاف اللطف الخفي. كثيراً ما تصيبنا أقدار مؤلمة فنظنها عقوبات محضة، لكن المستهدي باسم الله اللطيف يعلم أن في طيات المحنة منحة خفية، كما لطف الله سبحانه وتعالى بيوسف عليه السلام، أخرجه من غيابات الجب إلى خزائن الأرض عبر سلسلة ممتده من الابتلاءات. يلطف الله بعباده فيسوقهم إلى كمالاتهم عبر آلام لا يفهمونها وقت وقوعها، هذا اليقين يورث حسن ظن دائم بالله.

الثمرة الثالثة من ثمرات هذه الأسماء الخمسة في استهدائنا مع الله: الرجاء وعدم القنوط لأننا نعلم سعة الرحمة. حين تتراكم الذنوب قد يتسلل اليأس إلى القلب، لكن الرحمن الرحيم ينادي عباده: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّه﴾ [الزمر: 53]. استحضار هذه الأسماء يكسر حاجز اليأس ويدفع العبد لتجديد التوبة مهما تكرر الذنب، يقيناً بأن رحمة الله وسعت كل شيء.

الثمرة الرابعة: شكر النعم الخفيه، أو بعباره أخرى أن يكون عندنا وعي باللطف. اللطف في أصله إصال النفع بطريق خفي، كم من حادث سير صرفه الله عنك وانت لا تدري، كم من مرض دفع الله أسبابه عنك وأنت نائم. المستهدي باللطيف يستشعر هذه النعم الخفية التي لا يطلبها ابتداء لأنه لا يعرفها ولم يدركها أصلاً، فيلهج لسانه بالشكر المستمر.

المقصد الثاني: كيف نتعامل مع هذه الأسماء الخمسة في الاستهداء مع الناس؟ كيف تهذب هذه الأسماء تعاملاتنا؟

الثمرة الأولى: التراحم بين الخلق. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». المستهدي بسم الله الرحمن يفيض رحمة على من حوله، يرحم ضعف الصغير وعجز الكبير وجهل المخطئ. الرحمة كمال إنساني مستمد من كمال إلهي، ليست ضعفاً أبداً.

الثمرة الثانية: الرفق في النصح والتوجيه. فيها تخلق باسم الله الرفيق. الغلظة في النصح تنفر القلوب، بينما الرفق يفتح مغاليقها. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». المستهدي باسم الله الرفيق يترفق بأبنائه في التربية، يترفق بطلابه في التعليم، يترفق بمن يخالفه في الرأي، يترفق بمن حوله من أصدقائه ومن أهله. يدرك أن الحق ثقيل يحتاج إلى حامل خفيف لينفذ إلى القلوب.

ومن الرحمة ألا تكون هذه الدروس يومية، يعرف أن طلابه وأحبابه وأصحابه عندهم أشغال ولا يحبون التقصير، ولا يكون مثقلاً عليهم، أو حتى في خطابه لا يكون غليظاً، لا يحسسهم بتأنيب الضمير الدائم. يعني التذكرة موازنة العاقل الحكيم، يدرك أن مقصوده من العباد هو إيقاظهم وليس إرعابهم. اليقظة تحصل بأدنى منبه؛ من الناس من تكون نومته خفيفة فتوقظه بالهمس، ومن الناس من نومته أثقل فيتخذ الإنسان أساليب أخرى، لكن هذا هو الأصل أن يكون الشيخ رفيقا بطلابه، رفيقا بأحبابه في علمه وفي عمله وفي كل أمره.

الثمرة الثالثة: الرأفة بالمخطئين. حين يقع إنسان في معصية أو خطأ، يسارع بعضنا للشماتة والتقريع. وأنا كلما رأيت عبداً فضح في شيء يستحقه -مثلاً، أنا لا أكلم عن مظلوم- لا أجيز لنفسي الشماتة، ولا أجيز لنفسي أن ترى نفسها أعلى من هذا الذي أفتح أمام الناس. أقول في نفسي دائماً: عبد يؤدب، رب يؤدب عبده. ما شأنك أنت يا بدر؟ رب يؤدب عبده! أدبه بهذه الطريقة، ما شأنك أنت؟ ما علاقتك؟ على ماذا تشفق يعني؟ ترى نفسك أعلى منه؟ على ايش أنت مبسوط؟ هذا الزهو الذي في داخلك بأنك لست في موضعه، من أين أتى أساساً؟ من أين أتى؟ رب يؤدب عبده، ما شأنك أنت؟ ما علاقتك؟ هذه الثقة، هذه الشماتة حتى لو كانت خفية بأساليب مختلفه، لماذا؟ على أي شيء بنيته؟ ما علاقتك بين رب وعبد؟ ما شأنك؟ رب يؤدب عبده، ما شأنك أنت يا بدر؟ أقول هذا لأن المستهدي بسم الله الرؤوف ينظر إلى المخطئ بعين الرأفة والشفقة، يرحم العاصي ويدعو له بالهداية، متذكراً أنه لولا فضل الله ورحمته لكان مكانه.

الثمرة الرابعة: اللطف في إيصال النفع وجبر الخواطر. اللطف في التعامل هو أن تنفع الناس دون أن تخدش كرامتهم، أن تنصح المخطئ في السر، تجبر خاطر المنكسر بكلمة عابرة، تتخلق باسم الله اللطيف في تعاملاتك مع الخلق، تتصدق على الفقير بطريقة تحفظ ماء وجهه، وهكذا المعنى الذي تستطيع إيصاله بلطف فلا تجنح لغيره، تثبت الأصل وتجعل الاستثناء استثناء، والله المستعان.

المقصد الثالث هو آثار هذه الزمرة -التي سبق أن قلتها لكم: الرحمن، الرحيم، الرؤوف، اللطيف، الرفيق- على علاقة الإنسان مع نفسه؛ الاستهداء مع النفس: كيف تصلح هذه الأسماء أنفسنا من الداخل؟

الثمرة الأولى: الرفق بالنفس. بعض الناس يقسو على نفسه جلداً وتوبيخاً عند كل زلة حتى يحطم معنوياته؛ يعني يرى أنه لابد أن يحفظ في اليوم كذا وكذا من العلم وإلا ليس طالب علم، فلان الذي لا يقرا ماني عارف كم ساعة يعني هكذا عندهم أشياء خيالية هذا ليس طالب علم، فلان الذي يبتسم يضحك يرفه عن نفسه هذا ليس متديناً. المستهدي بسم الله الرفيق يترفق بنفسه أولاً، ويعلم أنه بشر يخطئ ويصيب، يقوم نفسه برفق، يتوب برفق، ولا يحملها فوق طاقتها. هذا الرفق مع النفس هو أولى خطوات الإصلاح.

ثانياً من الثمرات مع النفس: السكينة النفسية وبرد اليقين. القلق والتوتر في أحواله العارضة ينشأنان من الشعور بالوحدة في مواجهة الحياة، لكن من أدرك أنه في كنف الرؤوف الرحيم غمرت السكينة قلبه، يعلم أن هناك عيناً تحرسه، ويداً تلطف به، ورحمة تسعه، ينام قرير العين هادئ البال.

الثمرة الثالثة: تليين الطباع والتخلص من قسوة القلب. قسوة القلب مرض يحرم الإنسان من لذة العباة ولذه الروابط مع المؤمنين. التأمل في مشاهد رحمة الله ولطفه مع ممارسة الرحمة للضعفاء والأيتام يذيب جليد القسوة ويعيد للقلب ليونته ورونقه. مسكين محروم والله من حرم نفسه أن يلين طباعه للناس.

رابعاً: التوازن في التكاليف. من الثمار في التعامل مع النفس الاستهداء مع النفس التوازن في التكاليف، فهم رفق التشريع، الدين يسر، والله رفيق ما كلف البشر فوق طاقتهم. المستهدي بهذه الأسماء يعبد الله باتزان، لا يغلو ولا يتنطع، ولا يضر جسده ولا يضيع حقوق أهله ولا حقوق نفسه. يفهم أن الله سبحانه وتعالى جعلنا بشراً وأراد منا صلاحاً بهذا التركيب، بشر صالحين، لا يريد منا صلاحاً بلا بشرية فنكون أشبه بالآلات وهكذا ننفي طبيعتنا البشرية وميولنا وأذواقنا واستحساناتنا وما نراه جميلا وكان الصلاح أن تكون جامداً! ولا يريد منا بشرية دون صلاح فيهبط الإنسان في هذه المدارك حتى يصبح كالحيوانات! لا، نريد بهذا التركيب بشر صالحين، البشرية حاضرة ونحن كلنا متورطون ببشريتنا، ويكون مع ذلك ما استطاعه وما أطاقه وما رغبه وما علت همته من الصلاة.

وأنا أمل إن شاء الله أن نختم مسألة فقه التدين سريعاً؛ لأن هناك مفاهيم مهمة جداً في ضبط مفهوم التدين، حتى لا يقع الإنسان في إشكالات يفني عمره فيها ثم يعود ويندم. فأن اقول بأن الثمرة الرابعة من مقاصد الاستهداء بهذه الأسماء الخمسة -الرحمن، الرحيم، الرؤوف، اللطيف، الرفيق- مع النفس، الثمرة الأخيرة هي مسألة أن يتوازن الإنسان في النظر إلى التكاليف.

وحين نتأمل في اقتران هذه الأسماء -لما اخترت هذه الأسماء الخمسة ووضعتها في زمرة واحدة؟- الرحمة مظلة كبرى تسع كل شيء، ثم تاتي الرأفة لتخص حالات الشدة والبلاء بعناية أرق وأشد، ثم يأتي اللطف ليكون رحمة ورأفة مخفية لا يدركها الإنسان إلا بعد حين. فنحن نسبح في بحر من الرحمة الظاهرة (الرحمن الرحيم)، ونحاط بعناية رقيقة في الأزمات (الرؤوف)، ونساق إلى الخيرات بطرق لا تخطر لنا على بال (اللطيف).

فأي تعب يبقى بعد هذا؟ لا وجود للتعب، هذا استهداء المتعبين الباحثين عن اللطف. كم من كلمة سمعناها وكأنها أرسلت إلينا في موقف لم يكن أحد يعلم به، أو كم مرة كررنا في أنفسنا بأن معرفتنا بفلان غيرت مفاهيمنا للحياة، أو غيرت نظرتنا إلى التدين، أو صحبتنا لفلان أو تتلمذنا على يد فلان جعلنا أو جعل للحياة لها ألوان مختلفة بدل أن كان الإنسان جامداً أو له أفق ضيق مثلاً! هذه رحمات وألطاف خفيه تتجلى للانسان في المواقف فيوقن بها، يدرك بأن ما فرضه الله به من هذا الطبع الذي يكرهه هناك موقف سيحمد الله على أن جعل هذا الطبع فيه، هو لا يدري به.

يعني مثلاً بعض الناس عنده قلق وعنده يعني قدر من التحرز الزائد، حين تتامل في حياته تجد أن الله يحميه بهذا الطبع الذي يكرهه، ربما ما يكون من حوله غافلين، فيكون هو بيقضته يعني قد أنقذ هذه الأسرة مثلاً، أو يكون من حوله يستغلونه فلا بد فيه من يقظة، هذه اليقظة ستعبه، لكنها لطف خفي وباب من الخيرات سيق بطرق لا تخطر على بال. كل واحد منا يتأمل حياته بلا شك هكذا، لو جلسنا وتكاشفنا، كل واحد منا عنده طباع لا يحبها، عنده أخلاق يعني في بعض المرات يقول يا الله كيف أخلص من هذا؟ صدقوني، يمر في حياته بمواقف يحمد الله سبحانه وتعالى أن جعل جبلته على هذه الصفة، جعل طبيعته على هذا الوفق.

هذا ما يحتاجه الإنسان؛ أن يوقن بأن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ تأملوا في هذا جيدا، وهو مع المواقف لا يكتشف بأن هذا الطبع كان مناسبا أو غير مناسب، بل سيكتشف بأن الله سبحانه وتعالى حماه، وكان هذا الطبع الذي لا يحبه أشبه بالأشواك التي تكون في ظهر القنفذ. هو هكذا أتصور أنه لا يحبها، لكن هذه الأشواك حمته من أطماع الآخرين. وهكذا في كل طبع، لا أقول للإنسان أن يستسلم لطباعه، لكن أقول طباعه التي لم يستطع تغييرها أو أقْدَارَهُ التي لم تكن على هواه، سيجد في يوم من الأيام بأن ثمَّة لطفاً خفياً يجري في هذا القدر.

ولكننا نستعجل، ولكننا نبارز بالشكوى، ولكن الإنسان كنود؛ يُدَدِّدُ الأشياء التي يكرهها وينسى النعم. هذه طبيعة الإنسان، لكن ثقوا ثقة تامة بالله ثم بأخيكم أن هذه هي الحقيقة؛ الحقيقة التي ينبغي أن نبدأ من اليوم نتأمل في أنفسنا وفي سير حياتنا وفي شريط أيامنا: إنه والله الحمد لله الذي جعلني في هذا المكان وانتمي إلى هذا المكان مثلا، أو جعلني بهذه الطريقة، أو جعلني بهذه الصفة، أو جعلني بهذا الحال. كل ما يكون من مكونات هويتنا فيه لطف خفي، فيه لطف خفي.

وأيضا نتأمل، بعض الناس عنده مباشرة نظر إلى اسم من اسماء الله وحده؛ يعني يبدأ يقول مثلا: كيف يكون رحمنًا رحيمًا ثم يخلق النار ويعذب العصاة مثلا؟ نحن بهذه الطريقة في الاستهداء بأسماء الله الحسنى نأخذ زُمَراً، ونمر على أوجه الأسماء كلها؛ فنحن نقول لا نفصل صفات الله عن بعضها البعض، هو الرحمن الرحيم، ولكنه أيضا العدل الحكيم. الرحمة التي تعفو عن الظالم والقاتل والمجرم دون حساب هي ضعف يتنزه الله سبحانه وتعالى عنها وليست رحمة.

من رحمة الله بالمظلومين أن يعاقب الظالمين، ومن لطفه بالبشرية أن يضع قوانين الثواب والعقاب وتضبط مسار الحياة. المستهدي بأسماء الرحمة لا يغتر بها ليتمادى في معصية، أو يبدأ يحاول الاستطالة والطغيان، بل يرجوها ليتوب، ليحسن من واقعه، ويعلم أن رحمة الله قريب من المحسنين لا من المصرين على هذا الاستكبار.

كيف لنا أن نطبق هذه الأسماء في حياتنا؟ في خلواتنا نناجي ربنا بضعف: يا رحمن ارحم ضعفي، يا لطيف الطف بحالي. في بيوتنا نمارس الرفق مع أسرتنا، نتوقف عن الصراخ، نستبدل ذلك قدر الوسع والطاقة بالتوجيه الهادئ. في طريقنا أيضا نستحضر هذه الزمرة؛ نرحم حيواناً جائعاً، أو طيراً عطشاناً، أو سائلاً يمد يده؛ لعل الله يرحمنا بها. في أزماتنا نبحث عن اللطف الخفي داخل المصيبة، ونسأل أنفسنا: ماذا دفع الله عني بهذا البلاء؟ هذا الأمر يجعلنا نعيش مع أسماء الله الحسنى.

وأنا تعمدت أن تكون الدروس هذه والدروس القادمة خفيفة حتى نطبق، وألا تكون متتالية بطريقة يتداخل بعضها في بعض؛ يعني مثلا لو أن إنسانًا أراد أن يطبق وقال: والله أنا ساجعل عهد الأسبوع مثلا أن أبحث في محيطي عن شخص متعب، مريض، مهموم، مدين مثلا، أقدم له ما يمكن أن أستطيعه، سواء ماديا أو معنويا؛ رسالة جبر خاطر، هدية بسيطة، أيا يكن. مثلا أن أعاهد في هذا الأسبوع أن أتحدث برفق، وسترون لما تتحدث برفق بأن الدنيا لن تفسد؛ يعني عندنا أوهام شيطانية نظن بأن الناس سيدوسون علينا إذا تحدثنا برفق، وأنهم... لا، لن يتغير شيء.

لماذا نرفع أصواتنا عند الغضب؟ لماذا نستخدم كلمات جارحة في النقد؟ لماذا نحاول أن نوصل أكبر مقدار من الأذى للآخرين؟ لو عاهدنا أنفسنا هذا الأسبوع بأن نتخلق باسم الله الرفيق، وأن نكون على قدر من الرفق في تعاملاتنا، وأيضا بأن نردد في... يعني أن نردد دعوات باسماء الله الحسنى؛ مثلا: يا خفي الألطاف ارحمنا برحمتك ونجنا مما نخاف، يا رحمن يا رحيم. وهكذا يعني نفعل هذه الأسماء الحسنى، واتوقع والله أعلم وهذا ما أرجوه من ربي، بأن تفعيل صفات الرحمة والرفق في الواقع حتى يكون العبد قناة تعبر من خلالها يعني المعاني لرحمة الله إلى خلقه، سنستشعر رقة عجيبة في قلوبنا، وسنلاحظ تحسنا كبيرا في علاقاتنا، وسنتذوق حلاوة اللطف الإلهي في تفاصيل يومنا، وهذا أهم شيء.

أظن أن تعامل الإنسان بلطف يجعله أكثر تحسسا للنعم ولطفها من الله سبحانه وتعالى؛ لما يكون الإنسان لطيفا مع الخلق سيصبح أكثر استشعارا لنعم اللطف؛ يعني يمر اليوم وعنده ألف حمد لله من مواقف اليوم مثلا، أما الذي يعني قلبه قاسٍ لا يرى هذا اللطف ولو كان ظاهرا، يقول: والله أنا ما رأيت خيرا، أنا ما ضحكت، ما سعدت، ما أتاني شيء أفرح به منذ أشهر! هذا مستحيل، مهما كان، لابد من ألطاف ولو نسمات تمر على القلب، لكن لأنه لم يفعل هذا اللطف في حياته فيصعب عليه أن يستشعره، ما يعرفه، ما أصبحت بينه وبين هذه المعاني أُلفة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا وأن يهدي بنا. اللهم يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، يا رؤوفاً بعبادك، يا لطيفاً بخلقك، يا رفيقاً تحب الرفق، نسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحم ضعفنا، أن تجبر كسرنا، أن تتولى أمرنا. اللهم يا رحمن ارحمنا رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك. اللهم إن ذنوبنا عظيمة ولكن رحمتك أعظم، وإن تقصيرنا كبير ولكن عفوك أكبر. عاملنا يا رب بما أنت أهله ولا تعاملنا بما نحن أهله، فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة.

اللهم يا لطيف الطف بنا في تيسير كل عسير، الطف بكل من ضاقت به هذه الحياة الدنيا؛ إخواننا في غزة وفي كل مكان، في السودان، وفي كل فوق كل أرض وتحت كل سماء، فإن تيسير العسير عليك يسير يا رب العالمين. اللهم اكفنا واكفهم شر طوارق الليل والنهار، وادفع عنا وعنهم البلاء والوباء، وسُقْ إلينا وإليهم الخير من حيث لا نحتسب. اللهم يا رؤوف أرافت بحالنا في غربتنا، رأف بنا حين لا نستطيع الشكوى، رأف بنا عند سكرات الموت، ورأف بنا عند في يوم العرض عليك.

اللهم يا رفيق ارزقنا الرفق في أقوالنا وأفعالنا، وانزع القسوة والغلظة من قلوبنا. اللهم اجعلنا مفاتيح للرحمة مغالق للشر؛ نرحم من في الأرض لترحمنا يا من علوت في السماء. اللهم اجمعنا في الدنيا على طاعتك، وفي الآخرة في مستقر رحمتك. واجعل هذه الأسماء العظيمة: الرحمن، الرحيم، الرؤوف، اللطيف، الرفيق، اجعلها نوراً في قلوبنا، وهدياً في حياتنا، وشفاعة لنا يوم نلقاك، آمين يا رب العالمين، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54].