السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الذي خلق فسوى، الحمد لله الذي له ملك السماوات والأرض، الغني الذي لا تنقص خزائنه نفقة، والواسع الذي وسع كل شيء رحمةً وعِلماً. الملك، المالك، المليك؛ الذي دانت له الرقاب وعنت له الوجوه.
والصلاة والسلام على المبعوث بالرحمة المهداة، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أيها الكرام والكريمات؛ أسعد الله صباحكم، وطيب الله أوقاتكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن تكونوا بخير ونعمة وعافية.
جُبِل الإنسان على الفقر والحاجة؛ فهو فقير في نشأته، فقير في بقائه، فقير في عِلْمِه، فقير في صحته. يكدح طوال عمره ليَسُدَّ ثغرات نقصه، ويلهث خلف سراب الغنى في عالم المادة، فإذا به يكتشف أن كل ما جمعه لا يَمْلَأ فراغ روحه، وأن غنى الدنيا محفوف بقلق الزوال.
وفي زحمة هذا الافتقار البشري، تشرق علينا هذه الزمرة العظيمة المباركة، زمرة المفتقرين، وأسماؤها: اسم الله الغني، واسم الله الواسع، واسم الله الملك، واسم الله المالك، واسم الله المليك. هذه الزمرة تنقل العبد من ذل سؤال المخلوقين إلى عِزَّة سؤال الخالق سبحانه.
حين يوقن القلب أن إلهه هو الغني الذي لا يحتاج إلى أحد، وكل أحد محتاج إليه، وأن الله هو الواسع الذي لا يضيق عطاؤه بكثرة السائلين، وأن الله هو الملك والمالك والمليك الذي بيده مقاليد كل شيء؛ إذا علم هذا واستيقنه، فانه يستغني بالله عن كل ما سواه.
في هذا الدرس بإذن الله سبحانه وتعالى من دروس الاستهداء بأسماء الله الحسنى، نأوي إلى ظلال هذه الأسماء، نتعلم كيف نتحرر من عبودية الأشياء، ونبلغ ذروة الغنى حين نعلن تمام افتقارنا لرب الأرض والسماء. وكما اعتدنا بأننا نبدأ بالتعريف بهذه الأسماء فنقول: تنتظم هذه الزمره التي هي زمره استهداء المفتقرين إلى الغنى، تدور معانيها حول الغنى المطلق، والسَّعَة الشاملة، والملك التام.
أول الأسماء هو اسم الله الغني؛ الذي استغنى بذاته عن جميع خلقه فلا يحتاج إليهم في شيء، وهم محتاجون إليه في كل شيء. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
الاسم الثاني هو اسم الله الواسع؛ الذي وسع رزقه جميع خلقه، ووسعت رحمته كل شيء، ووسع عِلْمُه كل معلوم، فلا يضيق عطاؤه عن أحد. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247].
أما الثالث فهو اسم الله الملك، واسم الله المالك هذا الرابع، واسم الله المليك الخامس، وهي أسماء مشتقة من المُلْك أو المَلْك أو المَلِك. فاسم الله الملك هو المتصرف بالأمر والنهي في مُلْكه، والمالك هو الذي له حق التصرف المطلق في الأعيان، والمليك صيغة مبالغة تدل على شدة المُلْك وعظمته. قال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 55]. وفي القراءة المتواترة: مالك يوم الدين، ومُلْك يوم الدين. وفي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: 116]. فهذه الأسماء ثابتة في الكتاب بحمد الله سبحانه وتعالى.
وكما اعتدنا بأن مراتب الاستهداء بأسماء الله الحسنى أربعة -ولن أَمَلّ من تكرار هذه العناصر حتى تترسخ عندنا طريقة الاستهداء بأسماء الله الحسنى-: الأولى العِلْم، والمرتبة الثانية الإيمان، والمرتبة الثالثة التعبد بالمقتضى، والمرتبة الرابعة الدعاء.
فحتى ننتفع بهذه الزمرة المباركة، لابد أن نترقى في مراتب الاستهداء بها: أولاً، العِلْم بأن نعرف دلالات هذه الأسماء، وهذا ما حصل قبل قليل، وندرك أن كل الغنى في هذا الكون هو قطرة من بحر غنى الله سبحانه وتعالى، وأن كل مُلْك هو عارية مؤقتة شيء مستعار ويعاد، ليس مُلْكاً تاماً.
والثاني هو الإيمان -يعني من مراتب الاستهداء الإيمان- بأن تمتلئ القلوب باليقين بأن خزائن السماوات والأرض بيد الغني الواسع، فلا تتعلق بالاسباب وتنسى المسبب.
الثالثة هي المرتبة الثالثة؛ التعبد بالمقتضى، بأن نظهر افتقارنا التام لله سبحانه وتعالى، ونستغني به جل وعلا عن الناس، وأن نجود مما أعطانا الله ولا نبخل.
رابعاً، الدعاء؛ هذه المرتبة الرابعة، بأن ندعو الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء في مواطن الحاجة والفاقة، كأن نقول: يا غني، أغننا بحلالك عن حرامك. ويا واسع، وسع لي في رزقي وفي صدري، وفي قلبي وفي فهمي وفي عتقي وفي صبري وفي أخلاقي، وسع لي في كل شيء؛ هذا اسم الله الواسع.
وكما اعتدنا وألفنا بأن عندنا مقاصد ثلاثة لكل زمرة من هذه الزمر المباركة في أسماء الله الحسنى: الاستهداء مع الله، والاستهداء مع الناس، والاستهداء مع النفس. ونذكر بأن هذه الزمرة هي الزمرة العاشرة من الأسماء، وهي: اسم الله الغني، واسم الله الواسع، واسم الله الملك، واسم الله المالك، واسم الله المليك.
أما المقصد الأول، وهو الاستهداء مع الله؛ كيف تصحح هذه الأسماء علاقتنا بالله؟ الثمرة الأولى: الافتقار التام وتحقيق سر العبودية. حقيقة العبودية هي كمال الافتقار إلى الغني سبحانه. ألسنا نرى كيف يتكبر بعض الناس إذا استغنوا مادياً؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. المستهدي باسم الله الغني يدرك أن غناه الدنيوي لا ينفي فقره الذاتي، هذا الفقر لله، فيسجد بقلبه قبل قالبه معلناً: أنا الفقير إليك في كل أحواله. فهذه ثمرة أولى، وهي تحقيق الافتقار التام وسر العبودية.
الثمرة الثانية: اليقين في الدعاء؛ فأنت تسأل تسأل الله الواسع حين يضيق الرزق. قد يتردد بعضنا في سؤال أشياء كبيرة -يعني لا أقول إنه ييأس، لكن كأنه يشعر بأن هذه الامور كبيرة فعلا- لكن المستهدي باسم الله الواسع يعلم أن سؤال العباد جميعاً لا ينقص من مُلْك الله شيئاً: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسالته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر». هذا في الحديث القدسي. هذا اليقين يجعل سقف الدعاء عالياً لا يحده شيء، ما يحده شيء. وكذا أحياناً الإنسان -أنا لا أقول إن هذا حياء، لكن عندنا حالات من العجز نستعظم فيها الأمور- لكننا لا نستعظم قدرة الله سبحانه وتعالى؛ فيشعر الإنسان بأن هذا الأمر كبير جداً، لكن الله أكبر سبحانه وتعالى.
الثمرة الثالثة من ثمار هذه الزمرة المباركة بالاستهداء مع الله؛ الإخلاص في العمل. لأن الله سبحانه وتعالى غني عن الشرك؛ الله الغني عن عباداتنا، لا تنفعه طاعاتنا ولا تضره معاصينا. هذا الوعي واليقين والإيمان يورث الإخلاص. يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». المستهدي بهذا الاسم -اسم الله الغني- يطهر قلبه من الرياء، لأنه يعلم أن الغني سبحانه لا يقبل عملاً فيه شرك.
الثمرة الرابعة من ثمرات الاستهداء بهذه الأسماء بعلاقتنا مع الله سبحانه وتعالى؛ الرضا بالقدر، لأننا نؤمن بحكمة المالك. حين يأخذ الله منك شيئاً: مالاً، صحة، أو عزيزاً؛ قد تتألم النفس، لكن استحضار اسم الله المالك يهدئ الروع. أخذ ما يملك وأعطى ما يملك؛ العبد وما في يده مُلْك لله يتصرف فيه كيف يشاء بحكمته. هذا اليقين يورث الرضا والتسليم المطلق لأقدار الله الملك سبحانه.
أما في عنصرنا الثاني والمقصد الثاني؛ الاستهداء مع الناس، كيف تهذب هذه الأسماء تعاملاتنا البشرية بيننا البين؟ ونذكر بأن هذه الزمرة العاشرة هي في اسم الله الغني والواسع والملك والمالك والمليك.
الثمرة الأولى: الاستغناء عن الناس، هذا فيه عِزَّة للنفس. النبي صلى الله عليه وسلم في المروي عنه يقول: «شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس». المستهدي بسم الله الغني لا يريق ماء وجهه على أبواب المخلوقين، يسأل الله الذي بيده خزائن كل شيء، ويُتعفف عن سؤال من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، لأنه عبد لله الغني.
الثمرة الثانية: الجود والكرم والتخلق بالسعة. الذي يعبد الله الواسع لا يعرف البخل طريقاً إلى قلبه، يعلم أن ما ينفقه سيخلفه الواسع بأضعاف مضاعفة، وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين سبحانه. البخل في حقيقته سوء ظن بالله، لذا تجد بأن كما أن الكرم حسن ظن بالواسع الغني، تجد أن هذا الأمر يصل حتى في تعاملاتنا البشرية؛ لا تجد بخيلاً إلا وفيه سوء ظن بالناس، ليس فقط سوء ظن بالله -هذا مُسَلَّم- لكن أيضاً حتى فيه سوء ظن بالناس، يظن أن الناس لما يأتونه أو يتعرضون له بأنهم يريدون استغفاله أو أخذ ماله أو الاحتيال عليه وهكذا. وأيضاً تجد الكريم حسن الظن بالله وحسن الظن بالناس، يقول: ما أتاني فلان هذا الضيف إلا لتقدير مقامي عنده، وأنه قد تعب في المجيء إلي، فوالله لأكرمنه. هكذا يكون الكرم؛ حسن ظن شامل بالله وبالناس وهكذا.
الثمرة الثالثة: التواضع وعدم التعالي. من آتاه الله مُلْكاً ولو جزئياً -يعني منصب، جاه، مال، أي شيء- قد يتسرب الكبر إلى قلبه، لكن المستهدي بسم الله الملك يعلم أن ما يملكه مجرد شيء سيسترَدّ، أما بالموت أو بالعزل أو بالزوال أو بالاستلاب أو بأي ما يكن. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تشَاء﴾ [آل عمران: 26]. تاملوا معي في لفظة وتنزع؛ هذه اللفظة موحية فيها بلاغة باهره، موحية بأن الإنسان إذا تملك شيئاً لا يمكن أن يتخلى عنه إلا بنزع، والنزع في المتبادر إلى أذهاننا يكون لنزع الروح؛ فكان الإنسان إذا ملك شيئاً بخل به، فلا يمكن أن يخرجه إلا بفعل يوازي نزع الروح، ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تشَاء﴾. هذا الوعي يجعل العبد المستهدي بهذه الأسماء متواضعاً لله سبحانه، ومتواضعاً لخلقه، يعني يكون رفيقاً يحسن التعامل معهم، لا متسلطاً عليهم.
الثمرة الرابعة: عدم الحسد -نحن نتكلم الآن عن الاستهداء مع الناس؛ كيف تغير هذه الأسماء زمرة هذه الأسماء بانطباعنا وأخلاقنا- فذكرنا لذلك عدة معاني، من ضمنها ما ذكرناه قبل قليل مما يتعلق بأخلاقنا وتعديلاتها. لكن هناك الأمر الرابع، وهو لطيف ويحتاج إلى دقة؛ لأن الإنسان لا يحسد لأن خزائن الله واسعة؛ هذه الثمرة الرابعة. الحسد ينشا من ضيق النظرة، وكأن رزق الآخرين أُخِذَ من طريقك، لكن المستهدي بسم الله الواسع يطهر القلب من الحسد، هذا قلبه سيطهر من الحسد، يعلم أن فضل الله واسع، وأن من أعطى فلاناً قادر على أن يعطينا بدلاً عوضاً. من أن يحسد يقول: اللهم إني أسألك من فضلك الواسع، اللهم يا رازق عبادك ارزقني، اللهم يا مفهم عبادك فهمني، اللهم يا مصلح الصالحين أصلحني، اللهم يا محفظ المتقنين حفظني، وهكذا لكل إنسان حاجته.
أما المقصد الثالث، فهو الاستهداء مع النفس؛ كيف تصلح هذه الأسماء أنفسنا من الداخل؟ وأذكر بأن زمرتنا العاشرة هي في اسماء الله الحسنى: الغني، والواسع، والملك، والمالك، والمليك.
الثمرة الأولى: غنى النفس والقناعة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الغنى عن كثرة العرَض، ولكن الغنى غنى النفس». المستهدي بسم الله الغني يرزقه الله قناعة تملا قلبه، لا يلهث خلف كل جديد ولا تقطعه الحسرات على ما فاته، يرضى بما قسم الله له فيكون أغنى الناس.
والثمرة الثانية: التخلص من قلق المستقبل، لأنه في أمان السَّعَة. الخوف من الفقر والمستقبل الأشياء المجهولة مرض بشري، لكنه ازداد مع هذا العصر، ومن أوى إلى ركن الله الواسع تخفف أو تخلص من هذا القلق؛ يعلم أن الذي رزقه في بطن أمه حيث لا حيلة له، لن يضيعه في مستقبل أيامه. هذا اليقين سيورثنا سكينة نفسية عجيبة.
أيضاً الثمرة الثالثة: تحرير النفس من عبودية الأشياء. هناك عندنا تعلق مفرط بالأشياء: هاتف، سيارة، أشيائنا التي نملكها عندنا تعلق شديد بها، حساباتنا في وسائل التواصل؛ عندنا تعلق مفرط بهذه الأشياء، بصراحه تجعل الإنسان عبداً لها. المستهدي باسم الله المالك يحرر نفسه من هذه العبودية؛ يستخدم الأشياء ولا تستخدمه، يملكها في يده ولا تملكه في قلبه.
الثمرة الرابعة: الشجاعة في الحق. هذه الأسماء تغير في أنفسنا مسألة الشجاعة حين يوقن الإنسان ويؤمن بأن الله المليك هو المتصرف الأوحد في الكون، لا يخاف في الله لومة لائم، لا يداهن على حساب دينه خوفاً على رزق أو منصب أو غضب من أحد؛ لأن كل شيء بيد الله المقتدر. إذا القى الله على عبده قبولاً من رفعه الله لا يضعه الخلق، من جعل الله له مهابة ومودة في القلوب والله لو بدل الناس ما بذلوا على أن يزيلوها ما استطاعوا. هذه ثمرات خفية تكون للانسان إذا استهدى بهذه الأسماء في علاقته مع نفسه.
وإن سالتموني في مسألة الاقتران؛ لماذا جعلت هذه الزمره بهذا الترتيب؟ أقول: بعد التأمل -بعد أن شرفني الله بتأمل هذه الأسماء- ارتضيت أن يكون هناك ترتيب: فالغني هو الذي لا يحتاج لأحد، ولكن الغني قد يكون بخيلا؛ فجاء اسم الله الواسع -يعني أنا أتكلم عن المعاني اللغوية المجردة؛ الغني هو الذي لا يحتاج لأحد، ولكن قد يكون الغني بخيلا- فجاء اسم الواسع ليؤكد أن الغنى مقترن بسعة العطاء والجود. لكن أيضاً واسع العطاء قد يكون واسع العطاء لكن لا يملك التصرف المطلق؛ فجاءت هذه الأسماء: الملك والمالك والمليك لتثبت تمام السلطان والتصرف في المُلْك. فأنت بين يدي إله لا يحتاج إليك، واسع العطاء لك، بيده مقاليد كل شيء يخصك؛ فأين تذهب عنه؟ لذلك جعلتها في زمرة واحدة.
ونحن حينما نتامل في هذه الزمره يحدث خطأ أحياناً في فهم بعض الناس إلى الخلط بين الافتقار إلى الله وبين الفقر المادي -يعني يظن الإنسان أن الزهد والافتقار لله يتطلب ترك السعي والرضا بالفقر المادي المذموم- التأصيل الصحيح لأن الإسلام فيه استعاذة من الفقر المادي: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وفيه حث على العمل والغنى: نعم المال الصالح للمرء الصالح. لكن الافتقار المحمود هو الافتقار القلبي لله، سواء كان الإنسان واجداً كعثمان بن عفان، أو غير واجد كأبي ذر هو.
افتقار قلبي حاصل. المستهدي بأَسماء الغنى يسعى في الأرض ليكون يداً عليا، لكن قلبه يظل ساجداً، لكن قلبه يظل ساجداً على عتبة الافتقار التام للغني سبحانه.
ونحن هكذا نفكر سريعاً في كيفية العيش مع هذه الأسماء في الدعاء، هذه الأسماء، هذه الزمرة العاشرة؛ استهداء المفتقرين إلى الغنى مع أسماء الله الخمسة: الغني، والواسع، والملك، والمالك، والمليك. أما في معيشتنا اليومية فسيكون الأمر فيه رفع لسقف الطموحات، فنحن نقول: يا واسع الفضل وسع علي في ديني ودنياي. أذكر كان من دعاء بعض أشياخنا وهم مما توارثوه عن بعضهم، كانوا يقولون في السجود: اللهم بيتاً يؤويني، على تقديري اللهم ارزقني بيتاً يؤويني، اللهم إني أسألك بيتاً يؤويني وزوجة تكفيني، واحفظ علي دنياي وديني، هكذا يكررونها كثيراً. وقد سمعت أحدهم، أحد شيوخي، في سجوده يقول هذا وغيره، فهذا مما تواردوا وجربوه.
الإنسان يرفع سقف طموحاته: يا واسع الفضل وسع علي في ديني ودنياي. ولما نذهب إلى العمل يتقن عمله المسلم لكنه يعلق قلبه بالغني؛ لا بالراتب ولا بالمدير ولا برضا أحد. ويعبد الله الغني في المال بأن يتصدق لأنه يريد أن يتخلق بصفة السعة والجود، وفي قلبه يجدد الافتقار كل صباح ومساء: اللهم إني فقير إليك غني بك عن من سواك سبحانك.
من الأشياء التي أحب أن تكون عهداً بيننا، بأن يكون هذا الأسبوع هو أسبوع الاستغناء عن الناس؛ لأننا نعبد الله الغني. أنا أحياناً أعرف أن الاستعانة بالناس فيما يقدرون عليه ليس محرماً، لكننا نريد أن نعود أنفسنا وأن نهذبها وأن نربيها. وسعوا المعنى، فنحن نريد أن نستغني حتى عن تعاطف الناس، أقصد أن أستعطف الناس مثلاً بكتابة منشور أو بتنزيل صورة مثلاً، ممكن هذا فيه تفعيل للعهد أيضاً بأن يستغني عن الناس قدر المستطاع حتى في إحضار الماء أو في مثلاً كتابة بحث أو في فهم شيء، يحاول الإنسان أن يكون معولاً على اسم الله الغني، هو اسم الله الواسع، إذا ضاقت يسأل اسم الله الواسع، يسأل الله الواسع.
فأنا أقول هذا حتى نعتاد على الاستغناء عن الناس، الاستغناء عن الخلق، والإنسان يردد: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عن من سواك». أنا أوقن بأن كبرياء في النفس سينكسر لأنه افتقار حقيقي لله، وأيضاً شخصية الإنسان ستتقوى لأنه ترفع وتسامى عن الاحتياج للخلق، هذا فيه عزة نفس عجيبة، سيلاحظ الإنسان بركة وسعة في وقته ورزقه ما كان يعهدها من قبل.
ونحن إذ نختم هذه المحطة المباركة، الدرس العاشر في استهداء المفتقرين إلى الغنى، وقد ناصفنا السلسلة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن نختمها في خير وعافية وأمان وستر ورضا من الله سبحانه وتعالى، نرفع أيدينا فنقول: اللهم يا غني يا حميد، يا واسع يا عليم، يا ملك يا قدوس، يا مالك الملك، يا مليكاً مقتدرا، نسألك بأسمائك العظيمة التي ملأت أركان كل شيء أن تغنينا بفضلك عما سواك، أن توسع علينا من بركاتك ورحمتك ورزقك.
اللهم يا غني، نحن الفقراء إليك وأنت الغني عنا، فلا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك. اللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عن من سواك. اللهم يا واسع، وسع لنا في أرزاقنا، ووسع لنا في دورنا، وبارك لنا فيما رزقتنا. اللهم وسع مداركنا لفهم كتابك، ووسع صدورنا لتحمل خلقك، ووسع قبورنا إذا صرنا إليها.
اللهم يا مالك الملك، يا من بيده مقاليد السماوات والأرض، ملكنا أنفسنا ولا تجعلنا عبيداً لأهوائنا ولا لشهواتنا ولا لدنيانا. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك. اللهم ارزقنا غنى النفس وقناعة القلب والرضا بما قسمت لنا، واجعلنا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. اللهم ارزق جميع المسلمين الخير، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً. اللهم أغننا بك واجعلنا من المفتقرين إليك.
آمين آمين يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54].
بدر آل مرعي