دخولتسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | المجلس 07 | سورتي القمر والرحمن

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

وان تطيعوه تهتدوا.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أسعد الله صباحكم، وطيب الله أوقاتكم، وحياكم الله في درس جديد من دروس الاستهداء بالقران. وسيكون المقرر عندنا إن شاء الله سبحانه وتعالى سورة القمر، فإن وجدنا وقتا أخذنا أيضا سورة الرحمن، وإن لم نجد اكتفينا اليوم بسورة القمر، وجعلنا سورة الرحمن الأسبوع المقبل إن شاء الله.

نبدأ مع الشيخ القارئ في سورة القمر، فليتفضل.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم.

﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ۖ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ * وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِكْدَّرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * كَذَبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ * إِنَّا مُرْسِلُ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ * فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ * أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبَرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر:

1-55].

بسم الله الرحمن الرحيم.

﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَسْأَلُهُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:

1-78].

عطر الله أنفاسك، وشكر الله لك هذه التلاوة الطيبة، قد حركت القلوب وشوقتنا إلى رمضان، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا إياه في خير وعافية وزيادة في الإيمان وقرب من الأحباب يا رب العالمين.

بسم الله الرحمن الرحيم. كما اعتدنا، سيكون بداية الدرس ناخذ التصور عن المعنى الذي يكون بالتأويل وكشف المعنى مجملا ثم ناخذ الاستهداءات، فلا يجوز ولا يحسن بالمرء أن يقفز إلى الاستهداءات وهو لم يحكم المعنى، وإلا أفسد أكثر مما يصلح. هذه قاعدة أؤكد عليها في كل درس، بأن المستهدي بايات الله سبحانه وتعالى لابد أن ينطلق من تفسير صحيح لا أن يهجم على المعاني بما عن في ذهنه.

سورة القمر، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ أي دنت القيامة، ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً﴾ قريش إن يروا كل آية دالة على معجزة كانشقاق القمر، ﴿يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ أي هذا سحر ذاهب سوف يبطل، ﴿وَكَذَّبُوا﴾ هم كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أتاهم من أخبار الأمم الماضية ما فيه وعظ لو كانوا يعقلون، ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ إما أن تكون الحكمة البالغة هي هذه الأخبار وهذا وجه في التفسير، وإما أن تكون بمعنى القرآن، بأن القرآن هو الحكمة البالغة، قال: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾ أي لا تذهب نفسك عليهم حسرات، يوم يدعو الداعي هو إسرافيل عليه السلام إلى شيء نكر تنكره النفوس وهو قيام الساعة.

﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ ذليلة خاضعة، ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ أي القبور، ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ أي لكثرتهم وما بهم من الحيرة والاضطراب وتفاوت المسير كأنهم جراد لا يدرون أين يذهبون، ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ مسرعين إلى صوت الداع وهو إسرافيل عليه السلام، ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ يوم شديد صعب.

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ قبل قريش، أتى قوم نوح وهم من أوائل الاقوام الذين كذبوا، ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ أي نوحا كذبوه، ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ نلاحظ هنا بان قريشا وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم بفاتحة السورة بالسحر، وهنا قوم نوح وصفوه بالجنون وحاشاهم عليهم السلام، وقالوا: مجنون وازدجر، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ انتصر لي منهم، ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ أي التقى ماء الأرض مع ماء السماء فصار ماء واحدا، ﴿عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ وهو الغرق أي قد قدر لهم وهو الغرق، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ أي حملنا نوحا ومن معه على سفينة ذات خشب عراض حسان ومسامير تشد بها الألواح، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ بمعنى بحفظنا وأماننا وحمايتنا، ﴿جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِكْدَّرٍ﴾ أي أبقينا السفينة حتى أبصرها بعض أوائل هذه الأمة آية يعتبر بها، فهل من مدكر متعظ؟ ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ هذا استفهام تعظيم.

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي سهلناه لمن اقبل عليه تلاوة وحفظا وتدبرا وفهما واستشفاء، ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ وهذا فيه أيضا استدعاء وحظ على الذكر والحفظ لتكون زواجر هذا القرآن حاضرة في النفوس.

﴿كَذَبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ شديدة، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٌّ﴾ أي دائم الشؤم، ﴿تَنزِعُ النَّاسَ﴾ تقلعهم من أماكنهم لانهم كما روي كانوا يدخلون أنفسهم في حفر يندسون فيها فكانت الريح تقلعهم، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ وشبهوا هنا بالنخل لضخامة أجسادهم وطولهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ بالإنذار الذي جاء به نبيهم صالح عليه السلام، ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ﴾ هم يتكلمون عن الكثرة وانه واحد ومنهم فكيف نتبعه وليس بملك وليس بمتفرد عنهم بشيء فيما يرون ويظهر لهم، ﴿إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ أي في خطأ والسعر فسرت بأكثر من تفسير منها بجنون السعر بجنون أو بعذاب، قيل هذا وقيل هذا، ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ أي يكذب في قوله ويتكبر ويَبْطَرُ، ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ وقوله غدا تقريب ليوم الجزاء لهم سواء كان في الدنيا أو في الآخرة.

﴿إِنَّا مُرْسِلُ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ اصطبر على أذاهم، ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ مقسوم بينهم وبين الناقة يوم ويوم لها، ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ * فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾ تناول الناقة فقطع بالسيف فعقرها أي قتلها، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ثم بين عذابهم فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ الرجل الذي يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك والهشيم هو المهشوم المكسور. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ ريحا ترميهم بالحصباء وهي الحصى، ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ أي لوطا وابنتيه، وكل لفظة فيها آل ما بعد آل داخل فيها آل فرعون أي فرعون ومن معه، آل لوط لوط ومن معه، نجيناهم بسحر وهو السدس الأخير من الليل، ﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ أي هذه النجاة وتعذيب من لم يؤمن هو نعمة من الله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم﴾ أي لوطا ﴿بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ شكوا فيها وجادلوا واداروا الكلام على وجه الشك، ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ أي أرادوا سوءا بضيفه وأرادوا أن يفعلوا الفاحشة فطمسنا أعيُنهم فمسحناها صاروا عميا لا يبصرون، ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ أي حل بهم العذاب صباحا، ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.

﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ نذر كثيرة منها موسى وهارون، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ يعني الآيات التسع وهي اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وحل العقدة من اللسان وانفلاق البحر، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ * أَكُفَّارُكُمْ﴾ يا قريش ﴿خَيْرٌ﴾ أي أشد وأعظم ﴿مِّنْ أُولَٰئِكُمْ﴾ الذين ذكروا وأنهم عذبوا، ﴿أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ أي أتضمنون بأن لكم براءة بأن لا يصيبكم ما أصاب القوم السابقين، ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنْتَصِرٌ﴾ أي ممتنع منا العذاب، ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبَرَ﴾ سيهزمون ينصر الله تعالى رسوله ويولون الأدبار، ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أي يقال لهم ذوقوا حر النار، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أي إذا أراد الله أن يحقق شيئا فبكلمة واحدة لا تكرر، ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ أي أشباهكم في الكفر، ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أي متعظ، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ مكتوب، ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الخلق وأعمالهم وآجالهم، ﴿مُّسْتَطَرٌ﴾ أي مكتوب مستور، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ مكان مرضي هؤلاء المقربون عند مليك سبحانه مقتدر قادر لا يعجزه شيء.

هنا أتممنا تأويل الآيات، ثم سندخل في الاستهداءات، وعدوا معي الهداية الأولى في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ذكر الله تعالى انشقاق القمر مع اقتراب الساعه من باب التحدي بعمل النظير، فما يحدث يوم القيامة هو انشقاق للأكوان وزيادة، فهذه عينة لما سيحصل لهم.

الفائدة الثانية والهداية الثانية: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ انظروا كيف هذا الاقتران بين التكذيب واتباع الهوى، غالب التكذيبات التي نراها سببها الهوى، فمن يصرخ ليلا ونهارا بتكذيب الوحي وأنه لم يقنع عقله ليس له محفز غير غلبة الهوى، لذا قرن بينهما، قرن بين التكذيب وغلبه الهوى.

الهداية الثالثة في قوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ على قول في التفسير دليل على أن القرآن على القول الذي ذكرناه هو منتهى الحجج وسقف البراهين.

الهداية الرابعة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ بشرى لكل من أقبل على القرآن بالتيسير والإعانة في تحصيله حفظا وفهما بشرط الصدق والاستمرار، فأين طلابه بحقه؟ أين طلاب القرآن بحقه؟

الهداية الخامسة بين قوله: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِكْدَّرٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ هنا إدكار وهنا ذكر، وبينهما رابط أن الإذكار والموعظة تحصل بالنظر في الكتاب المسطور أي ولقد يسرنا القرآن.

للذكر، فهل من مدكر؟ وفي الكون المنظور، في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنكُم مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 15]. فالعظة تحصل بالقرآن وتحصل بالنظر في الآيات، سواء آيات الكتاب المستور أو آيات الكون المنظور.

الهداية السادسة في قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ [القمر: 10]. لا بد من شكوى إلى الله عند اشتداد البلاء، لا تتجالد على ربك، الله يحب منك هذا الافتقار. أنك إذا غلبت من شخص أو من ظرف أو من أي ما يضيق عليك معيشتك وحياتك، بأن تدعو الله سبحانه وتعالى بالغلبة والنصر، فهذا نبي الله هو من هو في الصبر إلا أنه دعا فأتته الإجابة مباشرة.

وفي قوله هذه الهداية السابعة: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: 13]. صفة للسفينة، ما قال: وحملناها في سفينة، لكن هنا: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: 13]. إنما فصل في أوصافها إظهاراً للعناية به والحفاوة بدعائه، هذا التفصيل فيه حفاوة.

الهداية الثامنة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ من مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17، 22، 32، 40]. تكررت في مواضع في السورة، ومن الأشياء اللطيفه أن تتردّد الآيات التي تتكرر في السور، لابد أن تنظروا في سر تكرارها، ولا بد أن تتأملوا ما يكون قبلها وما يكون بعدها، واين كررت، ولما كررت، حتى تستخرج منها ما يسر وينمي الإيمان في القلب.

هنا في هذا التكرار: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ من مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17، 22، 32، 40]. فيه دلالتان؛ الدلالة الأولى: حاجتنا للتذكير به في كل حين، تذكير بالقرآن حتى لا يتفلت منا حفظه وفهوه. لا بد بين حين وآخر نربي أنفسنا ونتذكر دائما القرآن أولا، القرآن أبدا، هذا التكرار لابد أن يحصل؛ لأن النفوس تغفل ويحصل بها قدر من الانشغال والإنصراف، وإن لم يكن انصرافا كليا ولكن حتى يكون انصرافا عن استحضار أهميته، فهذا التكرار يعلمنا بأن نكرر الحاجة إلى القرآن.

وأيضاً في التكرار المرتبط بالقرآن؛ بأن الهداية والادكار التي تحصل إنما تحصل بالتكرار، تكرار آياته وسوره. وانظروا ذلك في أنفسكم، السورة تقرأها مرة دون أن تتعرض لتفسير، ثم تقرأها مرة أخرى دون تفسير، ثم ثالثة ثم رابعة، تجد نفسك في المرة الرابعة مع التكرار قد فهمت منها ما لم تفهمه في المرة الأولى مع انك لم تعرض لتفسير أبدا، لكن هذا التكرار يتحصل به الفهم والهداية، ويكمل ذلك بالنظر في التفسير.

الهداية التاسعة: يستفاد من قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: 19]، أن قول المرء: هذا يوم نحس، جائز للإخبار، لكنه غير جائز إذا كان للعيب والشتم. فوصف الأيام وصفا واخبارا بما فيها يجوز، لكن إذا كان قصده عيبا وشتيمه فهذا لا يجوز، ويكون من سب الدهر.

الهداية العاشرة في قوله تعالى: ﴿تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20]. هذه فيها دلالة، انظروا إلى لفظة تنزع، فيها دلالة على شدة تمسكهم بالحياة وانغماسهم فيها. ما قال: تخرجهم، إنما تنزع، والنزع فيه شدة، إخراج بشده. لاحظ هذا التعبير، تنزع الناس وكأنهم مغروسون في هذا الطين غرسا، وكذا يكون أصحاب الغفلات تنزعهم الأقدار وتنزعهم لحظات الموت، وإن كانوا مغرقين منغمسين في لذاتهم، سواء كان هذا الانغماس حسيا أو معنويا.

الهداية الحادية عشرة في قوله تعالى: ﴿عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: 30، 37، 39]. أنظروا هنا قال: عذابي، أفرد العذاب، والنذر هي الآيات والدلائل، عددها، النذر جمع نذير، وهذا فيه دلالة على رحمة الله، إذ أفرد العذاب يعني لم يحقق العذاب إلا بعد نذر كثيرة متتالية متنوعة. فتاتيهم الدلالة والنذير بعد النذير بعد النذير، فلم يقل: فكيف كانت عذاباتي، لم ينوع العذاب، إنما هو عذاب واحد، لكن النذر تعددت.

الهداية الثانية عشرة في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: 26]. هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، لم يقل: فارتقب العذاب، قال: فارتقبهم، مع أن الارتقاب هنا ارتقب عذابهم، لكن فيه حسن الخطاب والتأدب، والتأدب مع أصحاب الفضل، والتحرز من شنيع القول. فعدل هنا في غير القرآن كـ فارتقب عذابهم، فانتظر عذابهم، لا، قال: فارتقبهم، حتى لا يكون اسم النبي صلى الله عليه وسلم فيه أيضا أنه ينتظر العذاب فيكون مشمولا ولو باللفظ وحاشاه.

الهداية الثالثة عشرة في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ﴾ [القمر: 24]. من طرق الاستدلال عند الكفار أجمعين وأصحاب الضلال، عندهم طرائق في القياس غريبة، هم ينظرون يرون إلى تشابه الظاهر، يعني يقولون بأنه هو بشر ونحن بشر، وانتهى الموضوع. كما في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ﴾ [القمر: 24]، وأيضاً: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: 34]. عندهم مشكلة بأن ظاهره مثلنا، فهذا أدعى بأن لا نستجيب له، مع أن الشان في تفاوت ما في القلوب من إيمان ويقين، والأنبياء قد حازوا من ذلك عظيم القدر، فالشان ليس في الظاهر، هو بشر مثلنا إذا لن نتبعه ما دام الأمر كذلك، فهم يكذبون لأنهم يقيسون على الظاهر. أما في البواطن فهم لا ينظرون، نحن نتبع الأنبياء لما في قلوبهم من صدق وإيمان ويقين، فنتبعهم لأننا متفاوتون في ذلك ولا نبلغ شانهم ولا شاوهم.

الهداية الرابعة عشرة في قوله تعالى: ﴿أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: 25]. فيه أن الاصطفاء مظنة الحسد، من اصطفاه الله لخير من خيرات الدنيا والآخرة لا يستطيع غيره أن يبلغه، فليتنتظر أن يحسده الناس ظاهرا أو باطنا.

الهداية الخامسة عشرة في قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: 29]. انظروا هنا: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: 29]. سياق الآية على أن عاقر الناقة واحد، في آيات أخرى تدل على أن من عقر الناقة مجموعة، فعقروا الناقة كما في الأعراف، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشعراء: 157] أي مجموعة، وهنا فعقر واحد. وهذا فيه معاني أن الإثم للفاعل والراضي، الاشتراك يكون للفاعل والراضي، وهذا أمر مخيف.

في سنن أبي داود قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها -وقال مرة: غاب عنها فرضيها- كمن شهدها». أي أنه نجا من الإثم ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها عياذا بالله، وهذا أمر مخيف، لو أذنمتم لي أن أنبه عليه نفسي واياكم.

أحيانا تكون هناك أمور تاريخية مر عليها مئات السنين، مما حصل للأجداد أو مما حصل في التاريخ البعيد، فيكون الانسان في هذه الخطيئة التي عملت قبل مئات السنين، فلان قتل فلانا مثلا أو فلان كان اجداده يقطعون الطريق أو يسرقون، فهو يتفاخر بهم، هنا هذا الانسان لم يشهد هذه الخطيئة ولم يشهد هذا المنكر لكنه رضيها، فبنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها»، أي في الإثم. احذروا من هذا، نحذر جميعا من هذا، بعضنا قد يتفاخر بأقوام سابقين فيشترك معهم في الإثم دون أن يعرف.

طيب يا اخي، ما كان أغناك عن هذا! ما كان أغناك عن هذا شيء عوفيت منه، ما كان أغناك عن هذا! بعض من يشارك في وسائل التواصل يعافيه الله من الدم، يعافيه الله من الزنا، يعافيه الله من كثير من الخطيئات، لكنه يدعم اصحاب هذه الخطيئة ويظهر لهم الرضا، وهو غاب عنها يكون شريكهم في الإثم، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها، وهذا مخيف جدا.

واللفته الثانية في جمع فعقروها؛ أن الفاعل دائما الفاعل للخطيئة لا يجرؤ إلا بمعاونة ورضا. انظروا إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾ [القمر: 29]، هذه لفظة المصاحبة دالة على أنهم راضون عنه، على الرضا، صاحبهم، لم يكن عدوهم، وإنما أتوه بالرضا فقط وشجعوه ونادوه، إذا هم شركاؤه في إثم العقر، هو فعلها مباشرة وهم فعلوها أيضا بتشجيعهم ودعمهم.

وانظروا إلى خطيئات بعض من يكون مشتهرا في وسائل التواصل، هو يفعل الخطيئة وحده، فكم من يرضى من جماهيره وممن يتابعه ومن يشجعه على هذا بمختلف ما يكون من دعم التفاهة والخطيئة، فيكون شركاء أيضا معهم في الإثم، فاحذروا من هذا، أمر نجيت منه فاسلم، وسلم نفسك، سلم نفسك من هذه الخطيئات. حتى في التاريخ، حتى في التاريخ بعض الناس عوفي من قتل فلان أو فلان، بعضهم يقرا حتى في تاريخ الصحابه ويبدا يفصل ويتكلم ويؤيد ما جرى بين فلان وفلان ويفصل فيه ويدافع وكذا، فيجد نفسه يوم القيامة ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها، عياذا بالله سبحانه وتعالى.

الهداية السادسة عشرة في ذكر السحر، أي وقت السحر. هم الآن متى اتاهم العذاب؟ ولقد صبحهم، اتاهم العذاب في الصباح، وهم نجوا في السحر، أي قبل الصباح بقليل. في كل مره يتفكر الانسان في مواقف النجاه في حياته، يوقن كم كان قريبا مما يكره، هم لم ينجوا قبل أيام، وإنما قبل ساعات، بل ربما دقائق من نزول العذاب، هذا هو قانون النجاة، أحيانا تنظر في نفسك في المواقف التي نجاك الله فيها، فتجد لا إله إلا الله، كيف أن الإنسان نجا في اللحظات الأخيرة من أمر قد يوبق دنياه وقد يوبق آخرته، وقد يفسد حياته، وقد يفسد معيشته، والفرق بين هذا وهذا دقائق معدودة فقط.

الهداية السابعة عشرة في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر: 35]. وكان السياق في أن الإهلاك، إهلاك الظالمين واهلاك العدو هو من نعمة الله سبحانه وتعالى. ومن هلك عدوه أو عدو أمته فليفرح، ودعوكم من شرطة المشاعر الذين يقولون لكم لا، يعني لا تفرحوا، القادم أسوأ، لا، في لحظات هزيمه العدو أو اهلاكه أو سقوطه المطلوب من المؤمنين العقل أن يفرحوا بتلك اللحظة دون إثم ودون مبالغة، لكن الفرح مطلوب وهو من الشكر: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر: 35].

الهداية الثامنة عشرة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: 37]. مبدأ الشر عند قوم لوط في إطلاق البصر، فجوزوا، وجزاؤهم كان من جنس العمل؛ راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم، لأن العين هي التي ابتدأت بهذه الخطيئة.

الهداية التاسعة عشرة في قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ [القمر: 42]. هنا تنظرون أن نجاة نوح عليه السلام كان بسفينة، ونجاة موسى عليه السلام كانت بطريقة أعجب وأقدر بأن شق له البحر، وهذا فيه تبيان اقتدار الله سبحانه وتعالى في نجاة الصالحين المصلحين الراشدين المرشدين. البدء في المواساه في مواساه النبي صلى الله عليه وسلم من المواساة القوية إلى الاقوى، من العجيب إلى الأعجب، وهذا فيه ترقي.

الهداية العشرون في قوله سبحانه وتعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]. السين هنا لتقريب المستقبل وللتاكيد، أي سيهزم جمعهم مهما استطلنا النصر فسيهزم الجمع. سيهزم قريبا، لأن سوف يكون فيها قدر من التراخي والابتعاد في المدة، أما السين فهي على التقريب والتوكيد.

الهداية الحادية والعشرون قال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: 45]. لم يقل الله سبحانه وتعالى: سنهزم الجمع، أو ستهزمون الجمع. فيها لطائف منها تعدد الأسباب، ربما يهزمون بأيدي المؤمنين، ربما بشيء من أقدار الله سبحانه وتعالى الكونية، من زلازل ومن طوفان ومن أي شيء يكون، وربما يكون بأيدي بعضهم البعض، يدب بينهم شقاق أو يحصل شيء لم نحسب له حساب، سيهزم الجمع بأي سبب؟ بأسباب يقدرها الله كثيرة، وهذا يطلق العنان للذهن لأن يتخيل وأن يرجو من الله سبحانه وتعالى من أسباب النصر ما لا يتوقع.

الهداية الثانية والعشرون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 47]. هنا انظروا إلى الاقتران بين الضلال والشقاء، هو لازم لا ينفك في الدنيا والآخرة، المجرمين في ضلال ومباشرة في سعر، في عذاب، أو على قول بأنه نار، وعلى قول بأنه لهث وتعذيب، فهنا اقتران كل أصحاب الضلالة في شقاء، أخفوا ذلك أو أظهروا، تقدم ذلك أو تاخر. فنسأل الله سبحانه وتعالى الهداية والرشاد.

الهداية الثالثة والعشرون في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: 50]. هنا فيه تمام قدرة الله، كلمته واحدة، والعاجز وحده من يعيد الكلام ولا يستمع له، أما القادر سبحانه وتعالى فواحدة كلمح البصر.

الهداية الرابعة والعشرون في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: 55]. هنا التعبير بالمقعد ولم يعبر بالمجلس، لما المجلس فيه تأقيت مؤقت، والمقعد فيه قدر من المكث؛ لأن القعود جلوس وزياده، يعني فيه جلوس ومكث. حتى في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَقَاعِدُ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121] فيه دلالة على الثبات، لأنهم ثبتوا ومكثوا في أماكنهم وفي ثغورهم، فما قال مجالس، ليس للقتال، المجلس مؤقت يجلس قليلا ثم يذهب، لكن المقاعد يجلس ويمكث، مقاعد للقتال، أي سيمكث ربما شهر، ربما سنة، ربما سنتين، هذا الذي يحصل للمؤمنين: مقاعد للقتال. ففي مقعد صدق، ما قال في مجلس صدق للديمومة.

الفائدة الأخيرة هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54-55]. هذه الآية روى الحافظ ابن عبد الهادي محمد بن أحمد بن عبد الهادي عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بأنه لما اقتربت وفاته كان يختم القرآن كثيراً، وختم القرآن مدة إقامته بالقلعة في سجن القلعة 80 أو 81 ختمة، انتهى في آخر ختمة منها إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54-55]، ثم فاضت روحه.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم الشيخ تقي الدين وأن يحسن لنا ولكم الختام، وأن يقيض لنا أعمالا صالحة قبيل وفاتنا فيقبضنا عليها.

هذا كان تفسير سورة القمر، وندلف إلى سورة الرحمن إن أذنتم وتكرمتم، ناخذ سورة الرحمن سريعا ما دمنا لم نتم الساعة بعد، نأخذها سريعا. ما رايكم نكمل؟ لا زالت النفوس مقبلة.

طيب، إذا بسم الله الرحمن الرحيم، سنأخذ التأويل ثم ناخذ الهدايات، واعتبروا هذا مجلسا استثنائيا يعني بسبب غيابي المره الماضية، فاعتبروا هذا كرما منكم حتى نسير على الجدول، إن شاء الله بارك الله فيكم. الآن سنأخذ تأويل المعاني ثم سنأخذ الهدايات كما اعتدنا على هذا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّامَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: 1-2]، أي الله سبحانه وتعالى علم محمدا صلى الله عليه وسلم.

خلق الإنسان، علمه البيان، والبيان هو الإيضاح والقدرة على التعبير. الشمس والقمر بحسبان أي يجريان بحسبان، بحسب حساب معلوم ومنازل معدودة. والنجم والشجر يسجدان، النجم فيه تفسيران؛ أما أنه ما ليس له ساق من النبات هذا اسمه نجم، أو أنه النجم المعروف الذي في السماء، فهذا قال به جلة من السلف، وهذا قال به أيضا قوم من السلف أجلاء. والشجر ما له ساق، يسجدان. والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، والميزان هي آلة الميزان، والميزان ورد في هذه السورة ثلاث مرات سبحان الله. ألا تطغوا في الميزان، لئلا تتجاوزوا الحد فتقعوا في نقيض العدل وهو الظلم. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان. والارض وضعها للانام، أي وضعها وهياها للخلق الذين بثهم فيها، فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام، والأكمام هي أوعية النخل وهو الطلع، طلع النخل. والحب، كل حب من بر أو شعير أو دخن أو ما يكون من أنواع الحبوب التي امتن الله بها على عباده، ذو العصف والريحان.

الريحان هو كل ما شم من رائحة زكية ومنه العطور، منه ما يستخرج منه العطور. فبأي آلاء ربكما تكذبان.

أما الريحان لا يكون اسما على نوع معين من النباتات، بل كل ما فيه رائحة مستحسنة فهو من الريحان، وإن كان في عرفنا الدارج أصبح الريحان ينصرف الذهن إلى نوع معين يعني مثل الورد مثلا، الورد من الريحان لأنه نبات له رائحة ذكية. وأجمل الورد عندي ولا تسالوني عن السبب هي وردة اسمها وردة الرند، هذا النبات رائحته ذكية ولي في تفضيله سبب. فبأي آلاء ربكما تكذبان، هذه الآية وهذه الجملة كررت إحدى وثلاثين مرة، أي بأي نعم الله وآياته ودلائله تكذبون؟ تكذبان، أي الجن والانس. وهذه السورة هي مما يظهر للإنسان بأنها سورة ثنائيات، فيها كثير من المقابلة بين الجن والانس وغيرهما، وستأتي إن شاء الله معنا.

خلق الإنسان من صلصال من طين يابس كالفخار، الطين الذي أصبح فخارا، الطين المطبوخ الذي أصبح فخاراً. وخلق الجان من مارج من نار، أي من لهب. فبأي آلاء ربكما تكذبان. رب المشرقين ورب المغربين، أي مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. فبأي آلاء ربكما تكذبان. مرج البحرين يلتقيان، أي البحر المالح والعذب يلتقيان لا فصل بينهما لكن بينهما حاجز من قدرة الله سبحانه وتعالى لا يبغيان، لا يختلط المالح على العذب. فبأي آلاء ربكما تكذبان. يخرج منهما، أي يخرج من هذا ومن ذاك من المالح ومن العذب اللؤلؤ والمرجان، واللؤلؤ الدر والمرجان الخرز الأحمر. فبأي آلاء ربكما تكذبان. وله الجواري المنشات في البحر كالأعلام، أي السفن التي رفعت وصارت عظيمة في البحر فما ارساها إلا الله سبحانه وتعالى وجعلها مستقرة. فبأي آلاء ربكما تكذبان. كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، أي كل من على الأرض هالك ويبقى وجه ربك سبحانه الحي الذي لا يموت. وقد ورد عن بعض السلف أنه كان ينهى عن الوقوف على قوله كل من عليها فان، يقول لتوصل بما بعدها حتى يكتمل المعنى بأن المقصود ليس إظهار هلاك الناس فقط وإنما هلاك الناس مع بقاء الله فيكتمل المعنى بهذه الطريقة، فيكمل الإنسان كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال، أي ذو العظمة، والإكرام أن يكرم من يطيعه بالجزاء.

فبأي آلاء ربكما تكذبان. يسأله من في السماوات والأرض، هذا سؤال حاجة، كل من في السماوات والأرض محتاجون إليه مؤمنهم وكافرهم، انسهم وجنهم وغيرهم. يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن، هذه دلالة على التقدير اليومي، الله سبحانه وتعالى له عدة تقديرات، أمور تقدر قبل أن يخلق الإنسان، وأور تقدر في كل عام في ليلة القدر، وأمور تقدر يوميا، كل يوم هو في شأن يحدث أمورا ويجدد أحوالا. فبأي آلاء ربكما تكذبان. سنفرغ لكم، هذا وعيد لهم، وليس المعنى بأن الله سبحانه وتعالى وحاشاه منشغل فيفرغ لهم، لا، بل هذا فيه مزيد وعيد لهم بأن الله سبحانه وتعالى مطلع على تفاصيل أعمالهم ومعدا، سيفرغ لهم أيها الثقلان الجن والانس، وسمي الجن والانس بالثقلين لأمور منها بأنهم مثقلون بالتكليف وبالذنوب. فبأي آلاء ربكما تكذبان. يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، أي تخرجوا إلى جوانب السماوات والأرض هاربين من قضائه فافعلوا اخرجوا، لا تنفذون إلا بسلطان، أي بقوة وقهر، وأنى لكم ذلك مع الله سبحانه وتعالى أنى لكم؟ فبأي آلاء ربكما تكذبان. يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران، لهب بلا دخان ومن نار ونحاس هو الدخان، فلا تنتصران أي لا تمتنعان من دخول وولوج النار عياذا بالله. ثم قال فبأي آلاء ربكما تكذبان.

فإذا انشقت السماء انفرجت فصارت أبوابا لنزول الملائكة فكانت وردة، الوردة قيل فيها معاني منها أنها الوردة المعروفة يعني اصبحت حمراء كوردة، أو قيل بأنه فرس له لون قريب من الحمرة، قال كالدهان، أي كالجلد المدهون. فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيومئذ أي يوم تنشق السماء لا يسال عن ذنبه انس ولا جان، أي لا يسالون، وسيأتي الآن كيف يسالون، ولا يسالون آيات وردت أنهم يسالون وآيات وردت أنهم لا يسالون، وسيأتي الجواب عنها إن شاء الله في الهدايات. قال فبأي آلاء ربكما تكذبان. يعرف المجرمون بسيماهم، أي بسواد الوجه وزرقة العيون، فيؤخذ بالنواصي والأقدام، يجمع بين ناصيته وقدميه من وراء ظهره ثم يلقى في جهنم عياذا بالله. فبأي آلاء ربكما تكذبان. هذه جهنم يقال لهم هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون، يطوفون بينها، أي بين النار يحترقون بها، وبين حميم أن الماء الحار الذي بلغ النهاية والغاية في الحرارة يصب عليهم. فبأي آلاء ربكما تكذبان.

ولمن خاف مقام ربه جنتان، لمن خافه مقامه بين يدي ربه جنتان، ثم بدأ بوصف الجنتين. قال فبأي آلاء ربكما تكذبان. ذواتا أفنان، لها أغصان جمع فن وهو الغصن المستقيم. فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهما عينان تجريان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهما من كل فاكهة زوجان، قيل فيها صنفان رطب ويابس، كل ما تريده موجود، العنب رطب ويابس والتمر رطب ويابس بحسب ما تشتهي النفس، نسأل الله من فضله. فبأي آلاء ربكما تكذبان. متكئين على فرش وهذا حال المتنعم المسترخي، بطائنها من استبرق وهو ما غلظ من الديباج البطانة، وجن الجنتين دان، أي ما يجتنى منها من الثمر قريب للقائم والقاعد والنائم، قريب المتناول يستطيع أن يتناوله من قريب وهو متكئ دون أن يقوم ويحصد أو يقفز أو يتسلق سلماً، لا قريبه. فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهن قاصرات الطرف خافضات الأعين من النظر إلى غير أزواجهن لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. أي لم يمسسهن أحد قبل المؤمنين، كأنهن الياقوت والمرجان في حمرة الوجنة وبياض الوجه وصفائهما. فبأي آلاء ربكما تكذبان. هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ فبأي آلاء ربكما تكذبان.

ومن دونهما جنتان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. مدهامتان، أي قد علا لونها دهمة وسواد من شدة الخضرة والري، الأرض الملتفة بالخضار تصبح كأنها سوداء من شدة التفاف النبات فيها وجماله. فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهما عينان نضاختان تفوران بالماء لا تنقطعان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهما فاكهة ونخل ورمان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهن يعني الجنات الأربع خيرات حسان، خيرات أي خيرات وهذا وصف لحسن خلقهن، حسان لحسن ظاهرهن، فاجتمعت هنا جمال الخلقة وجمال الأخلاق. فبأي آلاء ربكما تكذبان. حور مقصورات في الخيام، أي مخدرات مستورات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. في الخيام أي يبقين في الخيام لا ينتقد قلن أبدا، وإنما هن الماكثات في مكان ما يكون فيه المعيشة. فبأي آلاء ربكما تكذبان. لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. متكئين على رفرف خضر، أي على مساند، رفرف والرفرف كل فرش يرتفع مثل الرف، متكئين على رفرف خضر، أي هذا الفراش مرتفع، وعبقري حسان هي بسط حسان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام، أي تقدس الله سبحانه وتعالى ذي الجلال والإكرام لعباده.

وهنا مسألتان لا تخفى عليكم خاصة على الأخوات؛ بأن المؤمنات إذا دخلنا الجنة فهن أجمل من كل ما وصف من الخيرات الحسان وهذا متقرر عندكم، وأعلم أنكم أعلم مني بهذا. وأيضا المسألة الثانية بأن للرجال وللنساء ما تشتهي الأنفس، هذا ليس مقصورا على الرجال وحدهم وإنما لكل جنس ما يسعده ويؤنسه ويرضيه، فلا يخطر بالبال أحد السؤال الذي يتكرر في بعض المواطن بأن هذا هل هو خاص بالرجال أو لا، وإنما النعيم لكل جنس بحسبه، وهذا متقرر وأحسب أنه معروف عندكم ولا يخفى عليكم، فنسأل الله سبحانه وتعالى من فضله.

سورة الرحمن مكية، وممن نقل الإجماع على أنها مكية الفيروزآبادي. طبعا أنا ما ذكرت لكم موضوع سورة القمر، وموضوع سورة القمر عندي النجاة، روح السورة وموضوعها سورة القمر النجاة، أنواع وأشكال من النجاة مختلفة؛ النجاة من العذاب الدنيوي، النجاة من النار، النجاة من الشقاء. سورة القمر هي سورة النجاة، أما سورة الرحمن فهي سورة النعم الممتدة. الذي علمتني سورة الرحمن أعادة تعريف معنى النعم؛ نحن نحصر النعم في تعاريف ضيقة جدا، لكن النعم الممتدة سترونها في سورة الرحمن. لذا قال الإمام الرُّسعني وهو إمام من أئمة الحنابلة له تفسير، قال: جميع ما يأتيك في هذه السورة فهو إما تحديث بنعمة، أو تحذير من نِقمة، أو إعلام بقدرة باهرة أو عظمة ظاهرة، وجميع ذلك نعم. ثم ضرب مثلا، قال: فإن شخصا لو جاءك منقذا لك من هلكة كنت غافلا عنها لرايتها له نعمة جسيمة ومنة عظيمة. فهذه السورة توسع مداركنا في تعريف النعم، وتمد أنظارنا وتجعلنا نستشعر التفاصيل الدقيقة بصورة فريدة.

نعد دون معي الاستهداءات ثم نختم إن شاء الله، لكني لن أقتصر في الاستهداءات، سآتي بكل استهداءات سورة الرحمن لأننا لن نستطيع أن نقسم السورة على أسبوعين.

الهداية الأولى في البدء بسم الله سبحانه وتعالى، الرحمن دلالة على أن تعلم القرآن رحمة، الرحمن علم القرآن رحمة، وأن خلق الإنسان رحمة، وتيسير البيان رحمة ونعمة، فكلها نعم برحمة الله سبحانه وتعالى. يا صاحب القرآن، يا صاحب القرآن لا تجعل رحمة الله نقمة عليك، الله سبحانه وتعالى علمك القرآن برحمته فلا تعص به ولا تتكبر على خلقه ولا تهجره حتى يتفلت منك، ولا تنظر إلى أنه من كسبك وقوتك وذكائك، إنما هي نعمة من الله سبحانه وتعالى.

الهداية الثانية في تقديم نعمة تعلم القرآن على خلق الإنسان، إيذان بأن القرآن منبع الولادة الحقيقية، وأن وجودنا متحقق بالتعلق به، وأن ولادة أرواحنا بالقران أهم من ولادة أجسادنا وأعظم في ميزان النعم، فقدم نعمة الولادة الروحية بتعليم القرآن على خلق الإنسان والولادة الجسدية.

الثالثة في قوله علم القرآن، دلالة على أن الله علمك، وما علمك الله فلا تظنه بكدك وذكائك بل هو محض فضل الله، وهي نعمة تزاد بالشكر وتمحق بالكبر والمعاصي.

الرابعة في المناسبة، التناسب هنا بين علم القرآن ووضع الميزان، إشارة إلى أن القرآن مرجعية العدل وميزان الأخلاق، وبه نعرف الصواب والخطا والعدل والظلم. هذه آية تشدد وتؤكد على أن معيار المسلم يبتدئ بالوحي، إذا أردت أن تحكم على شيء بأنه حسن أو قبيح انظر إلى القرآن وما يقول فيه، انظر إلى السنة وما تقول فيها، هذا هو ميزان المسلم وليس هواه أو استحساناته الذوقية أو ما يكون من أحوال المجتمعات، لا، المبدأ من القرآن والمنتهى إليه.

خامسا في ذكر آيات الكتاب المستور علم القرآن، ثم آيات الكون المنشور الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان. ومعنى وهو أن الدلائل المحسوسة تكون لمن لم يهتدي للدلائل المعنوية، يعني الأصل في الهدايه هو بالقران، إذا لم يهتدي الإنسان ربما يدل على بعض ما يكون في الكونيات المختلفة وما يكون من عجائب صنع الله، فهي أيضا دلائل في الكون المنشور.

الهداية السابعة في المقابلة بين والسماء رفعها ووضع الميزان، هنا على التفسير بأن الميزان هو آلة الوزن، وانظروا عظام السماء السماء ثم في الأرض آلة الميزان، التقابل هنا يكون بما يتظاهيان في العظمة، فانظر إلى السماء ثم الميزان. هذه الآية فيها دلالة للمتبصر المدقق المركز على شرف العلم، وأن كفة العيون الميزان آلة الوزن ضئيلة الحجم أمام السماوات، فكيف يقرن بها؟ إنما قرن لأن السماوات كما في الحديث قامت بالعدل، والميزان هي آلة العلم بالعدل ومعياره، فالعلم بفضل الله وبنعمه وبما يكون من أوامره ونواهيه وإن قل فهو عظيم عند الله سبحانه وتعالى.

الثامنة في وضع الميزان بعد العلم، دلالة على أن الحق قائم على العلم والعدل، وهذا تراه أيضا في موضع آخر حين قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [البقرة: 213]، يعني الحق والميزان دائما العلم والعدل. شيخ الإسلام بن تيمية تقي الدين يقول: قوام الدين كتاب يهدي وسيف ينصر، نعم الدين علم وعدل، الدين علم وعدل، فالعلم تصور للحق والعدل تطبيق له فهو علم وعمل، العدل هو تطبيق العلم.

الهداية التاسعة في سورة العلق، قدم خلق الإنسان قال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم، يعني قدم خلق الإنسان ثم القرآن اقرأ القرآن، وهنا قدم القرآن على خلق الإنسان فما السبب؟ الوجه والله أعلم أن سورة العلق أول ما نزل، فنعمة القرآن ليست متصوره ولا معلومة يعني لم تكن معلومة بمثل ما حصلت لما نزلت سورة الرحمن وإنما خلق الإنسان، فقدم خلق الإنسان لأنه معلوم، قدمه لمناسبته، ولما تتابع الوحي ونزلت الآيات صار تعليم القرآن هو النعمة الأولى والدليل المقدم حتى على خلق الإنسان.

الهداية العاشرة في قوله تعالى: ﴿وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ وحتى قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فيه دلالة على إباحة الطيبات والانتفاع بما تيسر من الملذات المباحة. وقد استدل بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه على رجل أراد التنسك وترك الدنيا وهجرها تماماً ليس التقلل منها وإنما هجرها تماماً، فوعظه بقوله: والأرض وضعها للأنام، ثم قال: أفترى الله أباح هذه لعباده إلا ليبتذلوه؛ أي ليستخدموه، إلا ليبتذلوه ويحمد الله عليه فيثيبهم عليه، وإن ابتذالك؛ أي استخدامك للنعم، بالفعل خير منه بالقول. يعني أن الطيبات التي تنتفع بها وتستخدمها هذا شكر بالعمل، وهو كما قال أولى من الشكر باللسان، أولى من أن تقول فقط الحمد لله ولا تستستخدمها، فالاستخدام فيه نوع من الشكر بالعمل، وهذا من دقيق فقه رضي الله عنه وأرضاه.

الحادية عشرة في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ذكرت هذه الآية الجملة كررت إحدى وثلاثين، ثمانية منها عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنم، وفيها أن النجاة من النار نعمة. وبعد ذلك بعد هذه السبعة ست عشرة مرة بعد ذكر الجنة، فهي أم النعم ومنتهاها، دخول الجنة هو منتهى النعم وأمها، نسأل الله سبحانه وتعالى من فضله.

الهداية الثانية عشرة في تكرار فباي آلاء ربكما تكذبان، دلالة على أن النعم تنسى ويغفل عنها، وأن تكرار التذكير بها طارد للغفلة ومثبت للحجة.

الهداية الثالثة عشرة في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مُمَارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يعني جعل خلق الإنسان من الصلصال نعمة، وجعل خلق الجان من النار نعمة، فيه أن اختلاف الخلق والخلقة نعمة أحياناً. وما رأيت في حياتي إنساناً كره من نفسه صفة غير منكرة -لا أقول عن كذب عن سرقة، لا أقول عن صفة جبلية- ما رأيت إنساناً كره من نفسه صفة إلا حمدها في موقف ما، فالله سبحانه وتعالى لا يخلق الإنسان إلا لنعمة فيه، فسيحمدها في موطن معين: خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فباي آلاء ربكما تكذبان.

الهداية الرابعة عشرة، سيقت هذه السورة مساق المثاني المزدوجات، فذكر أولاً نعمة الإيجاد الخلق والتعليم نوعي الإيجاد؛ يعني نحن بالخلق وبما نتعلمه من قرآن وبيان، ثم ذكر سراجي العالم الشمس والقمر، ثم ذكر نوعي النبات -يعني ما قام على ساق على تفسير وما لم يقم على ساق النجم والشجر- يعني في ثنائية. وأيضاً لما ذكر العدل والظلم في الميزان وذكر نوعي الخارج من الأرض الحبوب والثمار، وأيضاً نوعي المكلفين الانس والجن، وذكر المشرقين والمغربين أيضاً هذه فيها ثنائية، ثم ذكر البحرين الملح والعذب وهذه فيها ثنائية، فالسورة مليئة بهذه الثنائيات.

الهداية الخامسة عشرة لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ لم يقل فيها، قال: من عليها، لم يقل فيها فان، اليوم عليها؛ أي الأرض، وغدا فيها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحسن ختامنا.

الهداية السادسة عشرة في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ولم يقل فانون؛ يعني جعل الفان بالإفراد لها حكم منها أنها اسم جنس، لكن لها أيضاً لطائف أخرى، منها أن المرء تبدأ وحدته الحقيقية بالموت، تبدأ الوحدة الحقيقية بالموت فيموت وحده، لذا قال: فان مفرد، يبدأ تفرده ووحدته بالموت يموت وحده، ويأتي ربه وحده، ويحاسب وحده، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً.

في قوله تعالى هذه الهداية السابعة عشرة: كل من عليها فان، سؤال: لما قال من عليها ما قال ما عليها، مع أن ما أسمى لتشمل العاقل وغير العاقل؟ قيل فيها حكم، منها أن الوعظ هنا للعقلاء، لن ينتفع إلا العقلاء بهذه الموعظة، فخوطبوا خطاب العقلاء: كل من عليها فان. قال من ولم يقل ما، لأن ما لغير العاقل ومن للعاقل، لكن كل ما على وجه الأرض مع الأرض فان، لكن لا ينتفع بالتخويف إلا العاقل، فخصه سبحانه وتعالى بالذكر.

الهداية الثامنة عشرة في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ فيه أن الوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه، فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات خلقه، فله وجه ليس كوجه عباده، وليس ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

التاسعة عشرة في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ سؤال: أين النعمة هنا؟ يعني الآلاء النعم، أين النعمة في كل من عليها فان؟ طب الآن الموت يكرهه الإنسان فكيف فباي آلاء ربكما تكذبان ما النعمة فيها؟ في إجابات منها: نعمة التسوية بالموت فلا يفر منه أحد، هذه نعمة أن يكون للامير والوزير والحقير والفقير، يكون لجميع الناس هذه المساواة نعمة، أيضاً هذه النعمة هي بداية العدل الأخروي، فهي مساواه في الموت، لا يخبر أحد، لا يعلم به أحد قبل أوانه، فموت فيه عدل، وهذه نعمة. النعمة الثانية: في صحيح مسلم أن الدنيا سجن المؤمن وجنه الكافر، فخروج المؤمن من سجن إلى جنة نعمة، فمصير المؤمن الجنة فنعمة التحرر من هذه الدنيا للمؤمن إلى سعة الجنان نعمة، هذه إجابة ثانية. أيضاً من اللطائف فيها أن الموت نعمة لمن طال بلاؤه أو زاد شوقه إلى ربه، نسأل الله سبحانه وتعالى الشوق إلى لقائه في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، وفيها حكم أخرى.

الهداية العشرون في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ هذه فيها دلالة على التقدير اليومي كما تقدم، فلا تياس من تقلب حالك من يوم إلى يوم، الله سبحانه وتعالى له تقدير تقدير يومي يبدل الاحوال والظروف من حال إلى حال، فلا تياس من حالك مهما بلغت الظروف لا تياس، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الصبر وأن يرزقنا الرضا عنه في كل أحوالنا.

الهداية الحادية والعشرون: كيف نقول هنا يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شان، وقد جفى القلم بالمقادير؟ قلنا بأن المقادير أنواع، وأقول كما أن هذا في التقدير اليومي كما سئل الحسين بن الفضل قال وهي عبارة لطيفة: هو سوق المقادير إلى المواقيت، سوق المقادير إلى المواقيت؛ يعني هي مقدرة وتساق في هذا التوقيت.

الثانية والعشرون في قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانفُذُوا﴾. الآن الله سبحانه وتعالى يكلم الإنس والجن، وخطابه للإنس والجن كان بالمثنى في أغلب السورة، لما أتى بالجمع هنا مع أن غالب سمت السورة هو التثنيه، يظهر والله أعلم أن فيه مزيد تعجيز لهم، لم يقل الله سبحانه وتعالى إن استطعتما؛ لأن إن استطعتما معناها أن استطاع الإنس لوحدهم وإن استطاع الجن لوحدهم، لا، هذا إن استطاكم؛ أي بقوتكم مجتمعين، إن استطعتم مجتمعين أن تنفذوا مع بعضكم بمساعده بعضكم البعض اجمعوا قواكم ولن تستطيعوا.

في قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ وكذا في سورة القصص: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: 78]. كيف الجمع بين آية وآية؟ الحجر مثلاً: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92]، وفي الصافات: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّمُسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]، وفي الأعراف: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6]. كيف نجيب عن هذا؟ الجواب ميسور: أما أن يقال بأن الآخرة فيها مواطن، فلا يسأل في موطن ويسأل في موطن آخر فتتحقق القضيتين، أو يقال -هذا جواب ثاني- أن السؤال ليس سؤال استعلام واسترشاد، بل توبيخ وتبكيت، السؤال ينقسم إلى قسمين: سؤال توبيخ وتقريع وأداته دائماً لما، وسؤال استخبار واستعلام وأداته هل. المثبت هنا هو لما؛ يعني توبيخ فهو سؤال بمعنى التوبيخ وليس بمعنى الاستفهام، مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: 24-25]، ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: 15]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 8] كلها أسئلة لا ينتظر منها اجابات، وإنما هو تبكيت وتقريع وتوبيخ. الجواب الثالث: أن السؤال المنفي هنا أخص من السؤال المثبت، قال: فوربك لنسالنهم اجمعين عما كانوا يعملون، هذا الذي سيسال، والايه هنا فيها تعميم للسؤال في كل عمل، وتلك ليس فيها نفي للسؤال إلا عن الذنوب خاصة. الرابع من المعاني: أنهم يسالون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم فلا يسالون، فهذا فيه معنى، وقيل إجابات أخرى اكتفي بهذه الاجابات.

الهداية الرابعة والعشرون: كل ما ذكر الله سبحانه وتعالى من قوله: كل من عليها فان، هنا مواعظ وزواجر وتهديد وتخويف، وهي كلها نعم للإنسان، انزجار عن المعاصي، لهذا ختم سبحانه وتعالى آيات الزجر والوعيد وايقاظ القلوب بأنها نعمة: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ففيها الصاحب الذي يخوفك بالله عند غفلتك نعمة، الصاحب الذي يوقظ الشعور فيك ولو انزعجت نعمة، بدلالة هذه الآيات كل ما يزيد إيمانك وكل ما يوقظك حتى ولو انزعجت، حتى ولو كرهت ذلك في البدايات، لكنها نعمة. فاللهم أدم علينا الصحبة التي توقظنا عند غفلاتنا وعند أخطائنا وتنصحنا وتوجهنا تبغي زيننا وتبغي أن نجتمع بها في جنات النعيم.

الهداية الخامسة والعشرون في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فيها أمر لطيف، لما قال الله سبحانه وتعالى: يطوفون -يعني المجرمون يطوفون- وهنا في حق أهل النعيم: يطاف عليهم، فمن الشقاء ومزيد الشقاء أنهم هم يطوفون على النار، ومن النعيم ومزيد النعيم أن النعمة تاتي إليهم، فهو يطاف عليهم ليس يطوفون على النعم وإنما يطاف عليهم، فهذه فيه لفته لطيفة.

الهداية التي تليها في قوله سبحانه وتعالى: ولمن خاف مقام ربه، لمن خاف ما قال ولمن خافوا، وإنما أفرد -طبعا هي تحمل على الجنس أنه كل من خاف مقام ربه- لكن فيها دلالة أيضاً بهذا الإفراد على صعوبة هذا المقام، مقام الخوف من الله وقلة الخائفين، أغلبنا تغلب علينا أحوال أخرى غير الخوف، فلقلة الخائفين من الله سبحانه وتعالى والخوف من مقامه سبحانه وتعالى خاصة في الخلوات أفردهم إشارة إلى قلتهم.

الهداية التي تليها: متكئين، ذكر الاتكاء هنا لأنه حالة الاتكاء تكون في حال الصحة وفراغ القلب والتنعم وعدم المبالاه بخلاف من كان مريضا أو مهموما أو كان يشغل باله شيء تجده لا يستقر، لا يستطيع الاتكاء، وإنما الاتكاء هي حال المتنعم. وفي قوله سبحانه وتعالى: قاصرات الطرف، طبعا الدلالة الواضحة تقتصر أنظارهم على أزواجهم، لكن فيها دلالة أيضاً ظهرت لي والله أعلم على حسن المؤمنين، من أين أتيت بها؟ إذ لو لم يكونوا بالحسن الفائق ما اقتصرت العيون عليهم، هذه فيها دلالة على أن حسن المؤمنين فائق، فوصفت أزواجهم بقاصرات الطرف، لو لم يكن حسنهم تاما ما اقتصر طرفهم عليهم وهم في الجنة، فهذا فيه معنى، وإن لم يذكر صراحه لكنه يفهم منه حسن المؤمنين.

وفي قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ طبعا هي تذكر في مقام التهديد وتذكر في مقام الفضل، فعلى حسب المخاطب فيه كمال فضل الله سبحانه وتعالى، سبحانه يحسن بالتوفيق للطاعه ثم يحسن بالجزاء عليها، الاحسان الأول يحسن بالتوفيق للطاعة ثم يحسن بالجزاء عليها بالجنه، ثم يحسن مره ثالثة بأن عد هذه الطاعة إحسانا منه، يعني الله سبحانه وتعالى قال هل جزاء الاحسان أي إحسان المؤمنين، ووصفه لطاعة المؤمنين التي هي من الله وصفه بأنها إحسان، هذا إحسان ثالث، إلا الاحسان، والاستفهام هنا مستعمل في النفي معناه ليس جزاء الاحسان إلا الإحسان، ليس استفهاما إلا بمعنى النفي، وهذا موجود في كتاب الله في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: 70] انهن خيرات الاخلاق حسان الأوجه، فجمعنا بين جمال الظاهر والباطن وحسن الخلق والخلق، وكمال النعمة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا بالاقتران بالحسن الظاهر والباطن، يعني الاقتران بالحسن دون الخير مهما بلغ الحسن لا يكون فيه تنعم، وإنما التنعم بان تكون حسنة المظهر حسنة الخلق.

في قوله سبحانه وتعالى: ﴿مُّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ اشاره في المعنى -وساختم بهذا أطلت عليكم اليوم كثيرا- ساختم بهذه الهداية في قوله سبحانه وتعالى: مقصورات في الخيام، هن قاعدن في الخيام، والآية سيقت مساق النعيم للمؤمنين، فكيف يكون النعيم وهن مقصورات في الخيام أي لا يتحركن؟ فيها دلالة لمن يتفهم ويهتدي بايات الله سبحانه وتعالى، وهو معنى في غاية اللطف أن من نعيم المؤمن قرار المرأة وتنعمها واتيان حاجاتها إليها.

كمل الرجال، كمل الرجال يرون أن مما يسعدهم أن زوجاتهم يكون منعمات، هذا من كمال نعيمهم؛ يعني أن يرى النعمة على زوجته والراحة وعدم التعب واقتصارها في مكان معين، هذه دلالة على النعيم، وأن النعمة تأتي إليها من أرزاق ولذات، ومع هذا سيقت على أنها نعيم لأزواجهم، فمعنى هذا أن كمل الرجال أصفياء القلب من كان عنده هذا السواء النفسي والإيماني يرى أن كل ما ينعم زوجته فهو من نعيمه، يفرح لفرحها، وأنه يرتاح إذا ارتاحت، ويكون نعيمه بحسب ما يكون من وصول الحاجه إليها دون شقائها.

أرجو أن تكون اللفته الأخيرة وضحت، وساختم بها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. هذا اعتذار بإطراق وخجل على الإطالة، لكننا عوضنا الدرس الماضي وأنتم أهل لكل مكرمة وفضل، جزاكم الله عني خيرا، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.