دخولتسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | المجلس 01 | سورة الفاتحة

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله جميعاً في هذا الدرس الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون درساً مباركاً، وأن ينفع به الملقي والمستمع.

أما بالنسبة للمقدمات، فإنا قد كنا مهدنا لهذا كثيراً في مسألة الاستهداء بالقرآن. وتكلمنا بحمد الله سبحانه وتعالى عن أن معنى الاستهداء بالقرآن ليس مجرد فهم القرآن، وإنما نستطيع أن نعبر عنه بلغة أكثر وضوحاً بأن التفسير والتاويل متعلق بالمعنى، وأن من أنواعها الاستهداء؛ فهو مد للفظ لما بعد المعنى. فيقال بأن الاستهداء هنا بمعنى توظيف المعنى القراني والانتفاع به في حياتنا.

ففي درس اليوم إن شاء الله سبحانه وتعالى سنتعلم تأويل سورة الفاتحة؛ أي معناها، وسنتعلم ثلاثين هداية من هدايات سورة الفاتحة التي نستطيع أن نستهدي بها في حياتنا، وهذا هو لب الدرس؛ بأن نُفعِّل القرآن في حياتنا ونستهدي به حتى نحقق مراد الله منا في العبودية.

سنبدأ بإذن الله سبحانه وتعالى بسورة الفاتحة اليوم، ليس عندنا إلا سورة الفاتحة، والأسبوع القادم إن شاء الله سيكون عندنا سورة الحجرات كاملة، وبعدها سورة ق كاملة إن شاء الله سبحانه وتعالى. وسيكون نمطنا في هذا واحداً: أن نأخذ معنى السورة كما هي عند المفسرين، ثم سنستخرج من الهدايات التي تكون فيها ما نستهدي به في حياتنا، فنفعل القرآن وننظر ونقلب الفكرة فيها حتى يحصل لنا الانتفاع التام بالقرآن الكريم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح لنا أجمعين.

نبدأ بسورة الفاتحة ونبدأ بتلاوتها، يتفضل الأخ القارئ.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

أحسن الله إليك، ورفع الله قدرك، وطيب الله أنفاسك على هذه التلاوة الطيبة المباركة. آمين يا رب.

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. يالله بسم الله الرحمن الرحيم. الله وإياكم. هذه مجالس نعقدها إن شاء الله سبحانه وتعالى في تفسير سورة الفاتحة، وهذا المجلس سيكون مختصاً بسورة الفاتحة، ثم سننطلق كما أخبرتكم في السور الأخرى.

سورة الفاتحة التي عزمت عليه والذي وطنت نفسي عليه؛ بأن أفسر كل سورة كأنها هي السورة الوحيدة في القرآن، فأعطيها كل اهتمامي، وعيني على هذه السورة فقط، وكأن هذه السورة هي السورة الوحيدة التي ستمر بي. لما أفعل هذا؟ حتى لا أتجاوز في تقليب النظر فيها بالوجه المعتبر. فهذا المجلس سيكون خاصاً بسورة الفاتحة.

ولسائل أن يتساءل، يقول: لماذا المفسرون دائماً يطيلون الكلام في سورة الفاتحة؟ بعض الناس يظن أن سورة الفاتحة إنما يكون النظر فيها بحسب نشاط المفسر؛ يعني يقولون بأنه والله هو في البدايات ويكون متحمشاً مثلاً فيطيل القول فيها ويفصل وكذا، ثم يبدا في الفتور، وهذا معنى ليس دقيقاً. المفسرون يتعاملون مع سورة الفاتحة على أنها سورة فيها المعاني الكلية للإسلام، بل إن الطاهر بن عاشور رحمه الله فسر سورة الفاتحة، كما في كتاب التحرير والتنوير، فسرها تفسيراً مطولاً، ثم أفرده بالتفسير في موطن آخر في كتاب مستقل.

فإفراد سورة الفاتحة بالحديث دون التفسير، أو إطالتها إذا كانت ضمن التفسير؛ هذا معنى متوارد عليه عند المفسرين، فهم يتعاملون معها كما عبر عنها الطاهر بن عاشور بأنها ديباجة الإسلام؛ أشبه بالديباجة القرآنية، أشبه بالمقدمة التي فيها الخطوط العريضة لمعاني الإسلام، ويكون تفصيلها في مثاني القرآن وفي آياته.

سنتحدث عن سورة الفاتحة باذن الله سبحانه وتعالى حديثاً مفرداً. وقد بحثت في عدد الكتب التي أفردت سورة الفاتحة بالتصنيف؛ يعني جعلت سورة الفاتحة كتاباً مستقلاً، فوجدتها تزيد على المئتين وستين كتاباً، وكلها أفردت سورة الفاتحة بالنظر. وغالبهم يتحدث عنها من جهة المعنى، ثم الطبقة الثانية -يعني كثرة من يتحدث عنها- من جهة مباحثها الفقهية والتجويدية، وبعضهم من جهة القراءات المتعلقة بها، وبعضهم يتعلق بمثلا رسم المصحف وغيرها من علوم القرآن، لكنها هي أكثر سورة أفردت بالحديث في القرآن عند المفسرين.

الحديث عن سورة الفاتحة سيكون في مسائل، وأنا ساحاول الموازنة بين أمرين -وهذه معضلة صعبة بأن يتحدث الإنسان في العلم فيكون ملبياً لاحتياج الناس، وأن يكون مقرباً للمعاني فيتحدث بما يفهم الناس- وسنوازن بين الامرين؛ لن يكون حديثا علميا صرفا فيقل الانتفاع بالدرس، ولن يكون حديثاً خلياً عن العلم فيكون الامر أشبه بمثلا الخواطر العابرة. وأنا لا أحب أن نتعامل مع كتاب الله بهذه الطريقه، بل هو رأس العلوم، وكل ما عندنا من أدوات علمية ومن مهارات في التفكير، لابد -وأشرف ما يمكن أن نستخدمه فيه- في فهم كتاب الله.

سنتحدث عن سورة الفاتحة في مسائل: المسألة الأولى في أسماء الفاتحة. وجدت أسماء للفاتحة، بعض من تكلم في سورة الفاتحة توسع في مسألة أسماء الفاتحة وأدخل فيها صفاتها. فما ساذكره الآن هي ليس فقط اسماء للفاتحة، وإنما اسماء وصفات وجدتها عند المفسرين ومن بعدهم. فبعضها يكون ثابتاً في السنة، وبعضها يكون من قبيل صفات أطلقها عليه المفسرون.

فوجدت أن من اسمائها -أظنها ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين، لا أري ما عدلت- الفاتحة، وفاتحة الكتاب، وأم الكتاب، وأم القرآن، وفاتحة القرآن، والفاتحة، والسبع المثاني، والمثاني، والقران العظيم، وسورة الصلاة، والوافية، والكافيه، والشافية، والكنز، والرقية، والشفاء، والأساس، وسورة الحمد، وسورة الشكر، وسورة السؤال، وسورة الدعاء، وسورة الحمد الأولى، وسورة الحمد القصري، وسورة تعليم المسألة، وسورة المناجاة، وسورة التفويض، وسورة النور، وأم المحامد. هذه الأسماء التي وجدتها عند من تكلم في سورة الفاتحة.

أما المسألة الثانية فستكون في عدتها، أي عدد آياتها. والجمهور على أنها -بل يكاد يكون إجماعاً- على أنها سبع آيات، والحكم عند بعضهم بأنها ست أو بأنها ثمان آيات؛ يمكن الحكم على هذه الاقوال بأنها شاذة. وهي مكية على الصحيح؛ سورة الفاتحة سورة مكية على الصحيح، قال بهذا علي وابن عباس وأبو هريرة وغيره، والأكثر.

المسألة الثالثة في فضلها. ورد في فضل الفاتحه أحاديث كثيرة، قسمتُها إلى أصول، يعني أصول الفضائل على رؤوس المعاني:

الاصل الاول في فضائل الفاتحة: التصريح بفضلها المطلق. ومنها حديث أبي سعيد بن المعلى، قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه. فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي. فقال: «ألم يقل الله: ﴿ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡ﴾ [الأنفال: 24]؟» ثم قال لي: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن»، أعظم السور! «أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد». ثم اخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال -اي النبي صلى الله عليه وسلم-: «الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت». فهذا فيه تصريح مطلق بأفضلية سورة الفاتحة على جميع سور القرآن.

الأصل الثاني: بأن يكون فضلها عن طريق الدلالة على كليتها. ففي صحيح مسلم عن ابن عباس، قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك؛ فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرا بحرف منهما إلا أوتيته. وعن الحسن -كما في شعب الإيمان للبيهقي- قال: أنزل الله عز وجل مائة وأربعة كتب من السماء، أودع علومها أربعة منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ثم أودع علوم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان أودعها الفرقان، ثم أودع علوم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم القران المفصل، وهذا المفصل هو الذي سنتدارسه في هذه الفجريات المباركة، ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب؛ فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة.

الاصل الثالث من اصول الدلالة على فضل الفاتحة: شرف المعاني وتفردها. ومنه حديث أبي هريرة المشهور: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل». ثم أتم الحديث، وهي التي يقول العبد: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، فيقول الله سبحانه وتعالى: حمدني عبي. ويقول العبد: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]، فيقول الله سبحانه وتعالى: أثنى علي عبدي. فهذه دلالة على فضل الفاتحة عن طريق شرف المعاني وتفردها.

الأصل الرابع الذي وجدته من اصول الدلالة على فضل الفاتحة: ربط صحة الأحكام بالفاتحة. وهذه فيها دلالة لمن يتأمل على فضل الفاتحة. فعن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحه الكتاب». فربط صحة الصلاة بفاتحة الكتاب دلالة على فضل الفاتحة.

الأصل الخامس: الحديث عن أثرها في الشفاء وصلاح الأحوال. فعن أبي سعيد -رضي الله عنه- كما في حديث النفر الذين سافروا ونزلوا على حي من أحياء العرب، ثم حصل ما حصل لسيد الحي لما لدغ، فرقوه بسوره الفاتحة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد أصبتم، اقسموا لي واضربوا لي معكم سهماً»، وقال قبلها: «وما يدريك أنها رقية؟».

الأصل السادس من اصول فضائلها: كثره اسمائها وصفاتها وأحكامها. الأسماء والصفات مررنا بها سابقاً وذكرناها لكم. وأما أحكامها فتجد أن أحكام سورة الفاتحة -لما تتأمل في الفقه- أحكامها كثيرة، وهي أكثر سورة فيها أحكام، فهذه دلالة على فضلها. تجد أن حكم القراءة مثلاً بها في الصلاة للإمام والماموم والمنفرد، وتجد أن الفقهاء يتكلمون عن أيضاً عن صلاة اللحان؛ الذي يلحن في سورة الفاتحة ويخطئ فيها. والفقهاء أيضاً تكلموا في مسألة الفاتحة على وجوب الفتح على الإمام بها؛ يعني إذا نسي الإمام أي سورة من سور القرآن، لا يجب على المأموم أن يفتح عليه إلا سورة الفاتحة إذا أخطأ فيها، يجب وجوباً على من ورائه بأن يفتح عليه. وأيضاً تجد أيضاً خارج أحكام الصلاة لها أحكام، بعض الفقهاء يتكلمون عن حكم قراءة الفاتحة على الميت. وهذه أحكام كلها بمجموعها دالة على فضل سورة الفاتحة. فتحصل عندنا ستة أصول لفضائل سورة الفاتحة.

المسألة الرابعة عندنا هي في مقاصدها. اتفاق المفسرين، بل وجميع المسلمين، على كلية سورة الفاتحة وأنها سورة كلية تجمع معاني القرآن في سورة واحدة؛ هذا متفق عليه. لكن كيف عبروا؟ وجدت مسارات مختلفة، وقسمتها حتى تقترب إلى الفهم؛ فبعض المفسرين أتوا بالمسار الأول، وهو ما اسميه النظر الثنائي؛ يعني قالوا: سورة الفاتحة ثناء ودعاء، يعني قسموها إلى ثناء ودعاء، قالوا: القسم الأول ثناء، والثاني دعاء. وأشهر من سار على هذا المسار الشيخ تقي الدين ابن تيميه رحمه الله، هذا مكرر في مصنفاته، يقول: سورة الفاتحة ثناء ودعاء. يقصد أن القسم الأول منها ثناء على الله سبحانه وتعالى، والقسم الثاني دعاء لله سبحانه وتعالى.

المسار الثاني: الوصف العام. ومنه القول بأنها كالديباجه الجامعه والمقدمة الممهدة للقرآن. هذا مسار ثاني في وصف كليه القرآن ومقاصده، وعليه على هذا سار الشيخ عبد الحميد -أو حميد الدين، له اسمان- الشيخ الفراهي الهندي رحمه الله الملقب بالمعلم، قال ما معناه بأن سورة الفاتحة هي أشهب بالمقدمة الممهدة للقرآن وكذا. وأيضاً كما ذكرت لكم، الطاهر بن عاشور -محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله الجميع-.

المسار الثالث -طبعاً قلنا المسار الأول النظر الثنائي، المسار الثاني الوصف العام-: المسار الثالث التفصيل الجزئي. ومنه قول من قال بأن الأسماء الخمسة مرتبة ومرد كل اسم اليها؛ هذا قول وجدته عند كثير من المفسرين. وأقدم من وجدته محمد بن الحسن الشمني، يقول: إن الأسماء مرتبة: اسم الله، الرحمن، الرحيم، رب العالمين، مالك يوم الدين. قال: هذه الأسماء مرتبه، هي وردت في القرآن. قال: إن ترتيبها مقصود، لما قال إن الله سبحانه وتعالى يفيضه هذا المعنى؛ يقول: خلقتك أولاً فأنا إله، ثم ربيتك باسباغ النعم الظاهرة والباطنة فأنا رب، ثم عصيت وسترتها فأنا رحمن، ثم تبت فغفرت لك فأنا رحيم، ثم لابد من إيصال الجزاء فأنا مالك. هذا مقصوده بترتيب الأسماء.

ومنه ما جمعه الحافظ ابن حجر رحمه الله، قال: سميت أم القرآن؛ لماذا سميت سورة الفاتحة أم القرآن؟ قال: لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى، والتعبد بالامر والنهي، والوعد والوعيد، وعلى ما فيها من ذكر الذات والصفات والفعل، واشتمالها على ذكر المبدأ والمعاد والمعاش.

وقال ابن القيم رحمه الله في المدارج -مدارج السالكين-: اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنتها أكمل تضمن؛ فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة اسماء مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها ومدارها عليها، وهي: الله، والرب، والرحمن. وبنيت السورة على الإلهية والربوبية والرحمة؛ ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] مبني على الإلهية، ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] على الربوبية، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة. والحمد يتضمن الأمور الثلاثة؛ فهو سبحانه المحمود في إلهيته وربوبيته ورحمته، والثناء والمجد كمالان لجلاله. وتضمّنت إثبات المعاد وجزاء العباد بأعمالهم حسنها وسيئها. وعلى هذا سار الأكثرون.

وأقول -هذا ما نقلته كان من أقوال العلماء السابقين-: لكني لما تأملت في سورة الفاتحة رايت أنها تضمنت خمس مدارات، خمسة مدارات متقابلة جامعة للهداية وتحقيق العبودية:

المدار الأول: مقابلة الصاعد والنازل؛ يعني هناك ثنائيات، ثنائيات في سورة الفاتحة الصاعد والنازل: من العبد للرب بالثناء ثم الدعاء، ومن الرب بالتذكير بالصفات والنعم؛ فسورة الفاتحة فيها صاعد ونازل، هذا.

المدار الأول أو الثنائية الأولى، المدار الثاني مقابلة الطريق والرفيق، تجد أن في سورة الفاتحة وصفاً للطريق ووصفاً للرفيق، فهذه ثنائية موجودة في سورة الفاتحة. والثنائية الثالثة أو المدار الثالث مقابلة النظر في العاجل والآجل، يعني تجد ثنائية العاجل والآجل، أما العاجل فاستذكار النعم، وأما الآجل فاستحضار اليوم الآخر. المدار الرابع أو الثنائية الرابعة مقابلة حالة الفرد والجماعة، المدار الرابع تحقيق العبودية بمقابلة الرجاء والخوف، تجد في السورة في البداية ما يكون فيه من الرجاء (الرحمن الرحيم)، ثم تجد حديثاً عن الخوف، ففيها مقابلة للرجاء والخوف، وأيضاً فيها مقابلة لحاله الفرد والجماعة. ففي البداية يتكلم الإنسان بحال الفرد، ثم (إياك نعبد) بالنون الدالة على الجمع، ففيها حالة من حالات التعبد الفردي والتعبد الجماعي وسنأتي إلى فوائدها وهداياتها.

ويمكننا القول أيضاً بأنها تضمنت أي سورة الفاتحة ثلاثة مسالك تعبدية كبرى؛ مسلك الإيمان، ومسلك الأحكام، ومسلك المنهج. وبتعبير آخر أقول بأنها حوت رقائق التوحيد وطرائق التعبيد وعوائق التسديد، سورة الفاتحة حوت رقائق التوحيد وطرائق التعبيد وعوائد التسديد. أما المسار الرابع من مسارات العلماء التي تحدثوا بها، فربط معاني الفاتحة بمعاني القرآن، وهذا الذي عليه جل من تكلم في سورة الفاتحة منفرداً عن القرآن يعني عن بقية تفسير القرآن، بأن ينص المفسر على أن معاني القرآن المفصلة مجموعة في الفاتحة، يعني تجد أنه يقول كل معاني القرآن موجودة في الفاتحة، وبعضهم يفصل في هذا. ابن جزي الكلبي في (التسهيل لعلوم التنزيل) في تفسيره ذكر هذا، ومنهم ولي الدين الملوي أو بعضهم يقول الملوي، أرسل رسالة سماها (الوجوه الجميلة في بيان أن أم القرآن حاوية لمعانيه الجليلة)، وهذه رسالة لا زالت مخطوطه اطلعت عليها. قال: جميع ما ذكر في القرآن من التحميد والتمجيد والتقديس والتهليل والتكبير والذكر والثناء والشكر والدعاء فهو تحت كلمة (الحمد).

والآن سيجمع مع مقاصد القرآن، وهذه أيضاً مذكور عند النسفي بعبارة أبسط. قال: إن جميع ما في القرآن من محامد لله سبحانه وتعالى فهو تحت كلمة (الحمد)، وإن جميع ما فيه من ذكر من أسماء الله تعالى الحسنى، جميع ما في القرآن من ذكر الأسماء والصفات والربوبية والالهية والوحدانية والفردانية فهو تحت كلمة (لله رب)، وجميع ما فيه ذكر السماء والأرض والانس والجن والنبيين والمرسلين والمؤمنين والكافرين والملائكة المقربين واهل الملكوت أجمعين والجن والشياطين وطيور الهواء وحيوانات الماء ووحوش الصحراء وحشرات الأرض جميع ما في هذا في القرآن فهو تحت كلمة (العالمين). وجميع ما في القرآن من ذكر الترزيق والانعام والتربيه والاكرام والانظار والامهال والاحسان والاجمال فهو تحت كلمة (الرحمن)، وجميع ما فيه من عفو الأجرام ومحو الآثام وغفران العصيان والتجاوز عن الطغيان واعتاق العصاة والرحمه على الجناة فهو تحت كلمة (الرحيم).

وجميع ما فيه من ذكر القيامة وأسمائها وصفاتها ومواقفها ومقاماتها وعقباتها وعقوباتها وشدائدها وصعوباتها وأفزاعها وأهوالها وحسابها وسؤالها كلها تحت كلمة (مالك يوم الدين)، وجميع ما فيه من ذكر الطاعة والخدمة والعمل والعبادة والخضوع والخشوع والقيام والركوع والسجود والقعود والصلاة والزكاة والصيام والقيام والحج والغزو والاتمار والإنزجار فهو تحت قوله (إياك نعبد)، وجميع ما فيه من سؤال المعونة وطلب النصرة والتماس التوفيق والعصمة وإرادة اللطف وابتغاء الفضل ورجاء الكفاية وأمل الحماية كله تحت قوله (وإياك نستعين). وجميع ما فيه من سؤال الهدايه وخوف الخاتمه واغتنام المعرفه ومدح الإسلام والشريعة وبيان السنة والجماعة فهو تحت قوله (اهدنا الصراط المستقيم)، وجميع ما فيه من ذكر الأنبياء والأولياء والملائكة والاصفياء والصديقين والشهداء والعباد والزهاد والاتقياء فهو تحت قوله (صراط الذين أنعمت عليهم)، وجميع ما فيه أي في القرآن من ذكر المشركين والكافرين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والوثنيين والضالين والمبتدعين فهو تحت قوله (غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين).

هذا ما كان من حديث عن مقدمات سورة الفاتحة، فندخل مباشرة الآن في المسألة الخامسة في تأويلها وذكر معانيها. فبالمجمل أقول: استفتح الله سبحانه وتعالى السورة بخير مفتتح، وهو إظهار الرضا بالمحاسن المستحق له سبحانه الموصوف بالكمال رحمة وقدرة وتصرفاً، وثنى بالدعاء بالهدايه هدايه تنسب إلى الرب المنعم سبحانه مع الاستعاذة من شر الضلال ومسالك الغضب. هذا تأويل سوره الفاتحة بالمجمل، أما على التفصيل: ففي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]. بسم الله؛ الباء للاستعانة أو المصاحبة والملابسة على وجه التبرك، الاسم كلمة دالة على ذات أو حقيقة، الله علم على المعبود الحق سبحانه مشتق من الألوهة، الرحمن والرحيم سيأتي الكلام على هذين الاسميين الجليلين بعد قليل.

الحمد لله، التعريف الذي ارتضيه للحمد هو إظهار الرضا بالمحاسن حباً. والفرق بين الحمد والثناء؛ تكلم كثير من المصنفين خاصة أصحاب الحواشي والتدقيقات دائماً يتكلمون عن هذه المسالة، والذي ارتضيه في هذا بأن الفرق بين الحمد والثناء أن الثناء حمد لكنه مكرر، يعني يثنى مرة بعد مرة، فهو حمد لكنه حمد مكرر، هذا الثناء. أما الفرق بين الحمد والمدح، فالحمد كما قلت لكم إظهار الرضا بالمحاسن حباً، والمدح إخبار بالمحاسن المجردة، يعني قد يكون المدح عن غير حب، قد يمدح الإنسان خوفاً لكنه عن غير حب، فهذا مدح، أما الحمد فإظهار الرضا بالمحاسن حباً. أما الفرق بين الحمد والشكر؛ قلنا الحمد، الفرق بين الحمد والثناء، والفرق بين الحمد والمدح، والآن الفرق بين الحمد والشكر؛ فالحمد أعم من جهة الزمن، والشكر أَلصق بالبعدية، يعني غالباً الشكر يكون بعد حصول النعمة بعد، أما الحمد فيكون قبل وبعد فهو أعم، الحمد أعم من جهة الزمن، لكن الحمد أخص من جهة الآلة، فهو باللسان والقلب، الحمد يكون باللسان والقلب، أما الشكر فهو أعم من جهة الأداة، يكون باللسان والقلب والعمل، فالحمد أخص من وجه وأعم من وجه، والشكر أخص من وجه وأعم من وجه. أما الألف واللام فتكون للعهد؛ أي الحمد المعهود، وتكون للاستغراق؛ أي الحمد كله.

الرحمن الرحيم؛ ورد عن السلف ثمان تفريقات فيما ظهر لي، ورد ثمان تفريقات بينهما. بعض السلف قال: الرحمن الرحيم صفة الذات والفعل، يعني روي عن ابن عباس قال: الرحمن الرقيق، والرحيم العاطف على خلقه بالرزق. وبعض السلف هذا التفريق الثاني قالوا: العام والخاص، قالوا: الرحمن عام والرحيم خاص، هذا التفريق الثاني. وبعضهم قال: الرقيق والأرق، وهذا عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح قال: وهما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر، يعني الرحمن الرحيم. وبعض السلف قال في التفريق بين الرحمن الرحيم قال: يعني أنه مجمل ومفصل، قال: الفعلان من الرحمة، الرحمن الرقيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يضعف عليه عذابه يضعف أو يضعف بنفس المعنى. وبعض السلف قال: لا، التفريق بين الرحمن الرحيم يكون في السماء والأرض، فالرحمن بأهل السماء، والرحيم بأهل الأرض. وبعضهم قال في الدنيا والآخرة، يعني وهذا مروي عن مجاهد قال: الرحمن بأهل الدنيا الرحيم بأهل الآخرة، في الدعاء يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. والتفريق السابع الأصل والمضاعفة، قال عكرمة: الرحمن برحمة واحدة والرحيم بمئة رحمة. والتفريق الثامن والأخير؛ الرحمن والرحيم منح النعمة ومنع النقمة، قال ابن المبارك: الرحمن الذي إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسأل غضب. ومحمد بن عمر الوراق قال: الرحمن بالنعماء وهي ما أعطى وأحبى، والآلاء وهي ما صرف وزوى، فيكون الرحمن بمنح النعمة والرحيم بمنع النقمة.

مالك يوم الدين؛ قرأ مالك عاصم والكسائي ويعقوب وخلف، وقرا ملك نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزه وأبو جعفر. ولا خلاف بأن الملك مشتق من الملك، وأن المالك مشتق من الملك. إياك نعبد، هذه فيها كلام طويل لكن نجملها في سبعة معاني؛ يعني بعضهم قال إن العبادة الخضوع، وبعضهم قال إن العبادة الطاعة، وبعضهم قال إنها ليست الطاعة التقرب بالطاعة، وعلي وابن عباس قال بأن العبادة بمعنى التوحيد، وبعضهم قال إنها بمعنى الدعاء (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) أي يستكبرون عن دعائي، وبعضهم قال إنها التذلل، وبعضهم قال إنها التجريد، وبعضهم قال طلب العون.

اهدنا ثبتنا؛ لها ثلاث معاني بل أكثر نستطيع أن نوصلها إلى خمسة معاني؛ المعنى الأول ثبتنا، والثاني أرشدنا، والثالث وفقنا، والرابع ألهمنا، والخامس عرفنا. أما الصراط ففيه معنيان؛ السبيل المستقيم، ومنه قول جرير: أمير المؤمنين على صراط إذا عوج الموارد مستقيم، والطريق الواضح. وقد ورد فيها معاني بأنه إما القرآن أو إنه دين الاسلام أو إنه الطريق الهادي إلى الإسلام أو إنه طريق الجنة أو إنه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي أن الصراط المستقيم، هذا قول الحسن البصري بأن الصراط المستقيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخيار أهل بيته وأصحابه، وهذا مروي عن الحسن وعن أبي العالية الرياحي.

صراط الذين أنعمت عليهم؛ بعضهم قال أنها الملائكة، بعضهم قال أنها الأنبياء، بعضهم قال أنهم المؤمنون، بعضهم قال أنهم المسلمون، والخامس قالوا بأنهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، أما السادس فقيل أنهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. فان قيل: ما معنى سؤال المسلمين الهداية وهم مهتدون؟ لماذا نقول (اهدنا الصراط المستقيم) مع أنهم لو قلنا بأن الصراط المستقيم هو الإسلام فنحن مهديون إلى الإسلام؟ هناك ثلاث أجابات؛ منها اهدنا لزوم الصراط، يعني نحن على الصراط لكن نريد لزومه، والثاني ثبتنا على الهدى، العرب تقول: قم حتى أتيك، أي اثبت على حالك، فنحن لما نقول اهدنا أي ثبتنا. والمعنى الثالث زدنا هدى، يعني نحن على هداية لكننا نريد الزيادة من هذا. تفسير سورة الفاتحه قد فصلت فيها لأن السورة من السور الكلية، فلابد لابد أن ندرك معانيها، الآن ناتي إلى الهدايات، وعدوا معي من واحد إلى ثلاثين، عدوا في دفاتركم وفي أصابعكم ثلاثين هداية سنأخذها ونهتدي بها من سورة الفاتحة.

بسم الله الرحمن الرحيم، الهداية الأولى: البراءة من الحول والطول قبل العبادة، الاستعانة بسم الله سبقت الثناء، فنحن استعنا بالله سبحانه وتعالى (إياك نعبد وإياك نستعين)، فقبل أن ناتي إلى أي عبادة لابد أن نتبرا من حولنا وطولنا. الخطاب الذي يقول: وأنت تستطيع، ويغذي فيك معاني الاستحقاق وينفخ فيك، هذا ليس خطاباً ربانياً، نحن ندخل إلى الله متبرئين من حولنا وقوتنا، ولا يعلم الإنسان ما يفتح له وما يصد عنه، فالفاتحة تعلمنا وتهدينا إلى البراءة من الحول والطول قبل أي عبادة، قبل أن ننشئ مشاريعنا، قبل أن نبدأ دروسنا، قبل أن يعني نستفتح أي عبادة لابد أن نتبرا من حولنا وطولنا.

الهداية الثانية: التوحيد أساس الدعوة القرآنية، لاحظوا معي بأن في سورة يعني لما ننظر التناظر بين أول المصحف وآخره، ليكون مبتدأ المنهج وخاتمته. في سورة الفاتحة يعني أريد أن نعمل موازنة بين سورة الفاتحة وبين سورة الناس، أول سورة وآخر سورة؛ ففي سورة الفاتحة دعوة لتوحيد الألوهية في قول (الحمد لله)، هذا توحيد الألوهية، في سورة الناس توحيد الألوهية (إله الناس)، فتجد أن التوحيد في أول سورة وفي آخر سورة لابد أن يكون التوحيد هو أساس دعوتنا. وأيضاً توحيد الربوبية في سورة الفاتحة (رب العالمين)، وفي سورة الناس (رب الناس)، وفي الفاتحة أيضاً اثبات لملك الله وجليل صفاته هذا توحيد الأسماء والصفات (مالك يوم الدين)، وهناك في سورة الناس (ملك الناس)، وأيضاً في قراءة يعني (ملك يوم الدين)، فتجد أن التوحيد موجود وهو الدعوة وخاتمتها، لابد أن يكون اهتمامنا الأكبر بأن يهدي الله البشر إلى توحيد الله سبحانه وتعالى.

الهداية الثالثة: فيها أن أكمل الحمد ما حمد الله به نفسه، ومحامد العباد تتفاضل على حسب الحال والأثر. فقولك (الحمد لله) هو أبلغ الحمد، يعني نحن لما تتجدد لنا نعمة أو تندفع عنا نقمة نبدأ نفكر في محامد كثيرة، الأصل أن يكون أساسها (الحمد لله)، لأن هذا هو ما حمد الله به نفسه، هو أكمل المحامد، مهما أتينا من قدرات بلاغية وبيانية، كما حمد الله سبحانه وتعالى به نفسه.

الهداية الرابعة: بعض المفسرين قال (الحمد لله) بمعنى أحمد الله، بل نقل هذا عند بعض المفسرين نقلوا قال يعني السمرقندي يقول إن على هذا جمهور المفسرين. هذه المعنى يفيد تربية النفوس على شكر الجميل وإفشاء الثناء وإظهار أصحاب الفضل، يعني الله سبحانه وتعالى (الحمد لله) على معنى أحمد الله، لابد أن نتربى على شكر الجميل وإفشاء الثناء بيننا. في المسند عن أبي هريرة مسند الإمام أحمد قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». سورة الفاتحة تعلمنا على إفشاء الجميل والثناء، فلان أحسن في شيء جزاه الله خيراً ونفشي ونظهر هذا. لابد أن تكون صنعة النقد عندنا قائمة على إظهار المحاسن أكثر من إظهار المساوئ، أخبروا من حواليكم بأنكم أحسنتم في هذا وأنكم أتقنتم في ذاك وأنكم جميلون في هذا الأمر وأنكم تستحقون الثناء في ذلك وهكذا، وسورة الفاتحة تعلمنا هذا.

الهداية الخامسة: فيه الندب والاستحسان على ذكر المحمود بأعم صفاته وتقديم اسمه العلم قبل وصفه، يعني نقول مثلاً فلان كريم، طبعاً هذا من أين أتينا به؟ من الحمد، (الحمد لله)، هذا اسم الله العلم، (رب العالمين الرحمن الرحيم)، يؤتى بالاسم ثم تؤتى بالاسم العلم ثم تؤتى بالصفات الأخرى، فيقال: فلان الكريم الرحيم، فلان العالم، فلان الطيب وفلان، أي حسن الروح، فلان جميل القلب هكذا، لابد أن نقدم أعم صفات الإنسان لما نريد أن نثني على شخص لا ناتي بصفة جزئية، ناتي بصفة نحاول قدر المستطاع أن نجمعها في كلمة. والهداية السادسة: فيه التقدمة بالاستهلال المناسب بين يدي الحاجات.

الهداية الخامسة: قلنا فيه الندب على ذكر المحمود بأعم صفات إحسانه وتقديم اسمه العلم قبل وصفه. هذه الخامسة، السادسة: فيه التقدم بالاستهلال المناسب بين يدي الحاجات؛ لما تريد أن تدعو الله سبحانه وتعالى قدم بالاسم المناسب لهذه الدعوة، تريد أن تطلب حاجة حتى من الخلق قدم بتقدمة مناسبة لهذا الأمر.

ومن درس البلاغة يعلم أن كثير من المتأخرين يجعل في قسم البديع براعة الاستهلال، وبعضهم يجعله في البيان في قسم البيان. يعني لا يحسن بالانسان مثلاً لما يتكلم في خطبة زواج أن يقول: الحمد لله الذي خلق الموت والحياة مثلاً، هذا استهلال يناسب أن يكون مثلاً في خطبة عزاء، أو مثلاً في مواطن الأفراح تقول مثلاً: الحمد لله الذي خلق الذكر الأنثى. فبين يدي هذه الحاجات لابد أن تكون هناك تقديمه مناسبة.

الهداية السابعة: فيه أن القرآن طريق الهداية. وهذا معنى مستقر، من أين استنبطته؟ من وجهين على قول من قال بأن الصراط المستقيم هو القرآن، وأيضاً الوجه الثاني: التناسب بين قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ وما بعده في سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آمين، ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. فالهداية مرتبطة بالقرآن.

الهداية الثامنة: فيه الجمع بين الترغيب والترهيب لسوق النفوس إلى ربها، فقد شرع بذكر نعوت الرحمة ثم تلاها بذكر يوم القيامة، وهذا لابد أن يكون في حياتنا، أنه يكون هناك موازنة بين الترغيب والترهيب.

الهداية التاسعة: فيه أن الإيمان بالله رأس الأدب. المؤمن ينسب الأنعام إلى الله يقول: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ينسب الأنعام إلى الله سبحانه وتعالى، ويرد الغضب إلى صيغة المفعول دون ذكر الفاعل: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: غضبت عليهم. فهذا فيه أدب مع الله سبحانه وتعالى، والإيمان بالله رأس الأدب، الإيمان بالله رأس الأدب كما سياتي في سورة الحجرات.

الهداية العاشرة: في نون ﴿نَعْبُدُ﴾، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيه دلالة على أن كمال الذل بأن نسوق أنفسنا للعظيم سبحانه جماعة منكسرين. لما ناتي إلى الله سبحانه وتعالى جماعة هذا فيه دلالة على أن الانكسار يكون بالاجتماع، فنحن ناتي إلى الحج ناتي إلى الصلاة جماعة، ناتي جماعة، أوقاتنا في الدعاء جماعة، يعني أهل البلد الواحد لهم اوقات يكون فيها منكسرين جماعة، آخر ساعة من الليل أقصد ثلث الليل الآخر، ساعة الجمعة، ففيه أن في تحقيق الحاجات لابد أن نكون إذا أردنا أن نحقق كمال الذل أن ناتي جماعة، ناتي إلى العظيم جماعة، وأنت ترى هذا حتى يعني في معاملة العباد؛ إذا دخل الإنسان إلى عظيم منكسراً ليس كما أن ياتي بأهله وولده وياتي بهم جماعة منكسرين، فهذا أبلغ في الذل.

الهداية الحادية عشرة: في نون ﴿نَعْبُدُ﴾ فيه الاستعانة بالانتظام في سلك العابدين، وفيه يسر التأله مع الجماعة، لما نكون في جماعة نكون مع صحبة صالحة، نكون في رفقة طيبة، نستعين بهذا على العبادة. ويعجبني في هذا الإامام أحمد بن حنبل رحمه الله، سئل عن الرجل ينشط للعبادة إذا كان مع رفقته، فإذا كان وحده كان أقل نشاطاً، ما قال هذا رياء وهذه سمعة وهذا أعوذ بالله ما هذه الخلوات، انظر إلى الفقيه الحق، قال: تلك بركة الصالحين. يعني لما نكون مع بعضنا نتكاثف ونستعين بالله على هذه الأمور ببركة بعضنا، بركة الاجتماع على الطاعة، لما نقرا كتاباً مع بعضنا مع مجموعة من أصدقائنا نجد أننا نعان أكثر من إعانتنا مع أنفسنا، لما نتوارد على برنامج معين بأن نتواصى فيه نعان عليه أكثر من أن نعان وحدنا، هذا في نون ﴿نَعْبُدُ﴾.

وفي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه محبة الخير للغير. تخيل الآن لو أن إنساناً عنده إحسان فهو يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ما قال: إياك أعبد وما يهمني الناس، إياك أعبد وصراحة المقصر ذنبه على جنبه ما قيل هذا، فيه محبة الخير للغير، كلنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، نعبدك يا الله مع بعضنا هكذا، محبة، ندخل لله بتفاوت درجاتنا ورتبنا بلفظ العبادة لتشملنا كلنا، يعني هؤلاء العباد يقولون: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فتشملنا نحن المقصرين، وهذا من محبة الخير للغير، هذا تربينا سورة الفاتحة على هذا.

أيضاً الهداية الثالثة عشرة: في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه حث على تقديم حق الله على حق النفس والعباد في الاهتمام، ﴿إِيَّاكَ﴾ يا الله ﴿نَعْبُدُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، الاستعانة يستعين هذا العبد، والعبادة يعبد الله سبحانه وتعالى، فنقدم حقوق الله على حقوق العباد.

الهداية الرابعة عشرة: فيه أن من أدب الدعاء استحضار الأمور المحورية العظمى. الدعاء بالهداية في هذا الموطن أليق بنا، لأن بها صلاح الدنيا والآخرة، أما الدعاء بحاجات الدنيا التفصيلية فمنه ما يكون مباحاً ومنه ما يكون اعتداء ومنه ما يكون فيه أوجه تحرم وأوجه تباح كما يعني من مفردات مذهب الإامام أحمد. لكن إذا الإنسان وفق إلى القيام في مواطن الاستجابات فعليه أن يدعو بالامور الكبرى، يستحضر الأمور المحورية العظمى، فنحن في سورة الفاتحة ندعو بالهداية لأننا نعلم أن هذه الهداية تتحقق بها خيرية الدنيا والآخرة، فهذا أمر عظيم.

الهداية الخامسة عشرة: في تكرار الدعاء: اهدنا اهدنا اهدنا اهدنا في كل ركعة، ما يدل على أن المؤمن يحمل هم الهداية والثبات طوال عمره، ما يغتر ولا يفتر، ما يقول والله أنا بلغت رتبه أنا اصبحت كذا أنا يعني ختمت كذا أنا لا، أنت في كل أحوالك ولو بلغت ما بلغت تكرر اهدنا اهدنا اهدنا، هذا يعطيك معنى بأن المؤمن لابد أن يحمل هم الهداية والثبات ويخشى من التردي والانتكاس طوال عمره، ما يقول هذا أمر طويل وانتهى وملف أغلق، لا لا، سيظل الإنسان خائفاً بأن يقلب الله قلبه على غير الهداية حتى يموت عياذاً بالله.

الهداية السادسة عشرة: في تكرار الفاتحة بمعانيها الكلية. نحن الآن نكرر الفاتحة بمعانيها الكلية في كل ركعة، فيه إشارة إلى استحباب التذكير الدائم بالقضايا الكبرى. الآن الفاتحة قضيتنا الكبرى، فيه قضايانا الكبرى، ومع هذا نحن نكررها، ففيه استحباب أن يكون عند الإنسان قضايا كبرى يكررها، لا يقول سيمل الناس، وليس شرطاً أن تحرص على الاتيان بجديد دائماً، لا لا، قضايانا الكبرى لابد أن نكررها وأن نذكر الناس وأن نذكر أنفسنا بها كما هدتنا سورة الفاتحة، قضايانا الكبرى نكررها، نكرر التذكير بها، نكرر الجهر بها كما في سورة الفاتحة، وليس شرطاً أن تأتي بجديد، ليس شرطاً لست بائعاً لتأتي بجديد دائماً، هذا قانون الدعوة أنه لابد في الإصلاح والهداية أن تكرر قضاياك الكبرى.

الهداية السابعة عشرة: في إفراد الصراط وتعريفه بمعرفين اللام والإضافة. يعني ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ ما قال: اهدنا صراطاً، قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾، وأيضاً عرفه بالإضافة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فيه إضافة، فيه دلالة على وحدة المنهج، اهدنا الصراط لا أريد أن تهديني صراطاً فيكون هناك الحق متعدد، لا، الأعيان فيها هدم لدعوات التعددية الفكرية المائعة، المصيب واحد والمخطئون إما معذور وإما مأزور، لكن في النهاية الصراط واحد، المنهج واحد، الإسلام واحد. نحن نتكلم عن القضايا الكبرى، لا نتكلم عن الفروع، نتكلم عن القضايا الكبرى أن لا تقول في نفسك والله الكل مصيب ما دام يسير إلى الله إلى غير هذه الكلمات المجمله، لا، لو كان هذا لقال: اهدنا صراطاً، أي صراط، الصراط الأول الثاني الثالث، لا لا، يوجد اهدنا الصراط المستقيم هذا معلوم، الصراط هذا هو اهدنا هذا الصراط.

الهداية الثامنة عشرة: في ذكره في ذكر صفات المنعم عليهم، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فيه أمارة على أهمية الأخ الصالح، الرفيق أعون على الطريق، الرفيق أعون على الطريق، الرفيق أعون على الطريق.

الهداية التاسعة عشرة: في الاتصال بالدعاء بأهل الدين المنعم عليهم ولو بعد زمانهم وغبرت أجيالهم. فيه حث على ضبط الانتماء للحق وأهله، نحن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، طيب هؤلاء الذين أنعمت عليهم قد يكونوا معنا في الزمن المعاصر، وقد يكونوا قبل مئة عام، وقد يكونوا قبل ألف عام، وقد يكون قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون وقد يكون وقد يكون من أيام آدم عليه السلام، ففيه ضبط للانتماء، نحن ننتمي إلى الحق وأهله، النسب الديني مقدم على النسب الطيني إذا تعارضت، النسب الديني مقدم على النسب الطيني، فنحن ننتمي إلى الحق وأهله سواء كانوا في زماننا سواء كانوا قبل مئة عام قبل مئتي عام، نحن ندعو الله سبحانه وتعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في أي زمان ومكان نحن نريد الهداية معهم نريد الانتماء لهم أياً ما كان مكانهم وأياً ما كان زمانهم أحياء أو أموات، نحن ننتمي إلى الحق وأهله في أي مكان وفي أي زمان.

الهداية العشرون: لما تأملت في صفات الصراط في اللغة وجدت أنها فيها خمس صفات، يعني لما يقولوا صراط ما عبر الله بالطريق عبر بالصراط، فالصراط واحد مستقيم واضح يسع الجميع وسهل، هذه معاني لغوية للصراط: واحد مستقيم واضح يسع الجميع سهل. خمس صفات، لما يقول سهل أصلاً يقول كلمة الصراط أصلها من الصراط من الاستراط، لما تأكل اصراط الأكل سريعاً هكذا دون مضغ فهو سهل، صراط، فالصراط لابد أن تكون فيه خمس صفات، وأيضاً دين الله سبحانه وتعالى فيه خمس صفات، فهو واحد ومستقيم وواضح ويسع الجميع وسهل، فصفات الصراط اللغوية هي صفات الدين.

الهداية الحادية والعشرون: في التعبير بالنعمة في طلب الهداية لما نقول: صراط الذين، ما قيل: صراط الذين هديتهم، وإنما قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني أنعمت عليهم بالهداية، فيه ضبط لمفاهيم الفوز والسعادة، الهداية هي غاية الفوز والسعادة حتى لو كان الإنسان قليل المال ضعيف الحال ما دام منعماً ما دام مسلما فهو منعم عليه بهذه الهداية، فنحن الآن نضبط مفاهيمنا في مسألة النعيم والفوز والسعادة بأنها ليست هذه الأشياء الظاهرة وليست هذه الأعراض التي تزول وإنما الإسلام رأس النعم، المؤمن منعم بإسلامه ولو قل ماله وضعف حاله، ما عبر عنهم صراط الذين هديتهم قال صراط الذين أنعمت عليهم، فالتعبير بالنعمة هنا دال على أن الهداية رأس النعم، والهداية للإسلام هي أساس النعم.

الهداية الثانية والعشرون: في تنكير الفاعل لما قيل المغضوب عليهم ما قيل غضبت عليهم، فيه عدة أوجه، الوجه الأول فيه الأدب مع الله كما قلت لكم، وفيه معنى الإعراض مقابل الإعراض، العبارة إذا حذف منها الفاعل يكون هذا المعنى، فهم لما أعرضوا عن الله سبحانه وتعالى أعرض الله عنهم، حتى بالعدم ذكر الفاعل، صراط الذين أنعمت عليهم ذكر الفاعل الله سبحانه وتعالى، ولما أعرضوا عن البعيدون المغضوب عليهم أعرض الله عنهم، فمغضوب عليهم هكذا لم يسمى فاعله، فالإعراض مقابل الإعراض والإقبال مقابل الإقبال، تقبل على الله يقبل الله عليك، تعرض عن الله البعيد يعرض الله عنك. الوجه الثالث في هذا التنكير تنكير الفاعل مد النظر لأسباب الضلالة من هو النفس وسلطه السائد الاجتماعي وغيرها، ما قيل غضبت عليهم فيكون السبب فقط غضب الله عليهم، أحياناً يكون السبب من النفس المغضوب عليهم بسبب أنفسهم وأهوائهم وبسبب رضوخهم للسائد الاجتماعي وبسبب تأويلهم وبسبب فجعل المغضوب بصيغة ما لم يسمى فاعله فيه مد لأسباب النظر في الضلالة، ما جعل سبباً واحداً وإنما جعلت أسباب للضلالة متعددة. الوجه الرابع فيه التودد لله سبحانه وتعالى بالبراءة وذكر اشتراكنا في الغضب عليهم، فهم مغضوب عليهم من الرب ومغضوب عليهم من عباده المؤمنين، فنحن لو قيل في غير القرآن قيل صراط الذين أنعمت عليهم غير الذين غضبت عليهم، فهذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي غضب عليهم لا، نحن نقول مغضوب عليهم، فالله غضب عليهم ومغضوب عليهم من الخلق، فهذا فيه تودد إلى الله بأننا نغضب لمن غضب الله عليه فنحن نشارك في هذا، فيه تودد إلى الله بهذا الاشتراك.

الهداية الثالثة والعشرون: في تقديم المغضوب عليهم على الضالين، تحذير أن زيغ العالم أشد من زلل غيره، غير المغضوب عليهم الذين لم يعملوا بعلمهم، ولا الضالين الذين يعني تعرفون الفرق بين المغضوب عليهم وأنهم اليهود الذين أعرضوا وهم يعلمون، وأن الضالين هم النصارى، فزيغ أهل العلم أكثر من زيغ أهل الجهل في في الأثر، فقدمهم الله غير المغضوب عليهم لأننا نخاف من أن نزل على علم أكثر من خوفنا من الزلل على غير علم، يعني حينما نتحقق بالعلم يكون خوفنا أشد من الزلل هذا المفترض.

الهداية الرابعة والعشرون: في ترتيب مقاصد السورة ما يشير لتقديم تعلم الإيمان والمعتقد على الفقه والأحكام، نجد أنه الحمد لله رب العالمين الرحمن هذه صفات الله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم مالك يوم الدين هذه مباحث معتقد، ثم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالتعبد بالفقه والأحكام، فيقدم تعلم علم المعتقد على العلوم الأخرى، يقدم علم التوحيد على العلوم الأخرى، فهكذا رتبت مقاصد سورة الفاتحة بأن تقدم الأهم في المهم.

الهداية الخامسة والعشرون: من قواعد الرد على الأفكار التركيز على أشد صفات المخالف قبحاً، لما نريد أن نرد على فكرة معينة عند مخالف لنا لا ناتي بصفة ضعيفة وإنما ناتي على ناتي بأشد صفة المخالف قبحاً، فعلى ما في اليهود والنصارى من سيئات فيهم كذب كثير منهم فيهم سرقات مثلاً فيهم زنا فيهم، لكن لا نحن ما ذكرنا هذه الصفات، عمدة وصفهم الذي نذكره أن الله غضب عليهم.

هؤلاء وأضل هؤلاء، يعني لما نصف المخالف، لابد أن نصفه بأعظم صفة تكون فيه، ولا ننشغل بالصفات التي تكون ثانوية مقابل هذه الصفات الكلية. فهذا يهدينا إلى أننا حينما نرد على مخالف، لا ننشغل بالجزئيات وإنما ننظر إلى الأمور الكبرى التي عنده، ننظر إلى الضلالات العظمى، وإلا فنحن نضعف ردودنا حينما نرد على بعض الجزئيات، والجزئيات لا تنتهي. وإنما حينما نقصد الرد على أحد نرد عليه بأعظم ما فيه من شناعات.

هكذا منهج القرآن: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]؛ أعظم صفاتهم أن الله غضب عليهم، وهؤلاء أعظم صفاتهم أن الله أضلهم.

الهداية السادس والعشرون في الفاتحة: اللمح إلى تقديم المناعة على المنع في سياسة النفس وتربية الآخرين. الله سبحانه وتعالى قدم الاستعانة به والامتلاء بالهداية التامة ثم ذكر البراءة مما سواه من اليهود والنصارى، يعني الآن المناعة قبل المنع، يعني لابد أن نحصن أنفسنا قبل أن نمنع أنفسنا، يعني لابد أن تكون عندنا قلاعنا وحصوننا الذاتية قبل أن يكون عندنا خوف من التخوض في الردود على الآخرين. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، نبدأ بالاستعانة والعبادة وتأسيس أنفسنا وضبطها وتربيتها، ثم: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]. الردود على الآخرين مرحلة متأخرة، في البدايه دعونا نضبط أنفسنا، دعونا نتعبد، دعونا نزداد علما، دعونا نؤصل أنفسنا، دعونا نؤسس أرواحنا علما وعملا وتربية، ثم نبدأ في مسألة الردود على الآخرين.

ما يحصل الآن في وسائل التواصل يعني حالة محزنة والله، من تصدر كثير ممن نعلم أنهم ليسوا بأهل لا علما ولا عملا لهذه المقامات. القرآن يعلمك بأن تبدأ بالمناعة قبل المنع، وأن يكون عندك تحصين لنفسك قبل أن يكون هناك ردود على الآخرين.

الهداية السابعة في السورة بالعموم: شفاء من أمات الأمراض الفكرية المعاصرة. تكرار الحمد يشفي من الغفلة، ونحن في زماننا فينا غفلة. تكرار الاستعانه يشفي من العجز، ونحن فينا عجز. وتكرار الاستهداء يشفي من الضلال، وتكرار الولاء يشفي من الفردانية، وتكرار البراء يشفي من السيولة المنهجية. هذه الأمراض المعاصرة شفاؤها في الفاتحة؛ تكرار الحمد يشفي من الغفلة، وتكرار الثناء على الله يشفي من الكبر، وتكرار الاستعانة بالله يشفي من العجز، وتكرار الاستهداء يشفي من الضلال، وتكرار الولاء للمؤمنين الذين أنعم الله عليهم يشفي من الفردانية، وتكرار البراء من الذين غضب الله عليهم وأضلهم يشفي من السيولة المنهجية، هذا التمييع الذي عم، والله المستعان.

الهداية الثامنة: في تقديم الرحمة على مباحث الهداية والإيمان دلالة على أن الرحمة مبتدا العلم. الرحمة مبتدا العلم، لا يمكن أن تدخل إلى العلم وتحصل منه قدرا كبيرا إلا أن تكون بك رحمة للناس. الرحمة مبتدا العلم، الله سبحانه وتعالى بدا قبل الهدايه وقبل الحديث عن العلم قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1-3]. وهذا موجود له نظائر في القرآن سنفصلها في موضعها إن شاء الله، لكن مثلا: ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: 1-2]. طيب، قبل أن يععلم القرآن يعني ما الذي جعلنا نهتدي إلى تعلم القرآن؟ الرحمن سبحانه، لابد أن يكون في أهل العلم رحمة للناس. حتى في آيات أخرى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]، قبلها آتيناه رحمة، هذه في البداية أوتي رحمة، طيب ما الذي حصل لما أوتي رحمة؟ علمناه من لدنا علما.

الرحمة مبتدا العلم، من يدخل إلى الناس وكأنه ملاكم يريد أن يضلل هذا، يريد أن يخرج هذا، ويريد أن يضر هذا ويؤذي ذاك، هذا ما تحقق ولا استقر في قلبه معنى العلم. لا يمكن أن نتحقق بالعلم حقا وصدقا وأن نتلبسه وأن يخالط قلوبنا إلا أن تكون فينا رحمة: ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 3-6]، فقبل أن نعبد الله، قبل أن نتعلم، لابد أن نتحقق بالرحمة حتى نتلبس بالعلم ونكون مستحقين للعلم. ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: 1-3]، هذه ستأتي إن شاء الله لطائفها واستهداءاتها في موضعها، لكن أتيت بها لأنها مسألة مهمة؛ من نزع من قلبه نزعت منه الرحمة نزع منه مفتاح العلم، فتجد أنه لا يفتح الباب وإنما يكسره لأنه ما عنده مفتاح، الرحمة مفتاح العلم.

الهداية التاسعة: في ذكر الدين لما قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]، وهو مالك الدين والدنيا، لكن ذكر الدين فقط فيه أوجه: الوجه الأول لعظمة يوم الدين، يعني فيه إشارة إلى عظمة يوم القيامة، وفيه أيضا وجه آخر لتفرد الله بالملك يومها: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16]. فقد يكون هناك ملك في الدنيا ولو كان ملكا جزئيا، لكن في يوم الدين ليس هناك مالك إلا الله سبحانه وتعالى. الوجه الثالث: فيه تحقير للدنيا بترك ذكرها وأنها لا تساوي شيئا، لا تساوي شيئا، لم يقرنهما، لم يقل مالك يوم الدين والدنيا، فكأن الدنيا هنا مقارنة للدين وكأنهما ثنائية لم تذكر، لم تذكر لأنها لا تساوي شيئا، الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة.

أما الهداية الثلاثون ففي البسمله، وأختم بها معاني وهنا متعلّقة في مسألة البسملة؛ معاني تقديرها أقرأ باسم الله. فيقال لما قيل: بسم الله الرحمن الرحيم ولم يقال بالله الرحمن الرحيم، يعني لم يقال نستعين بالله وإنما بسم الله، فيه تبرك بأسمى الله سبحانه وتعالى الموصوفة بأنها حسنى، وفيه استجابة لأمر الله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]، فنحن ندعو الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى، وفيه صيانة للمقام الإلهي من المخاطبة بما نخاطب به الخلق، فنحن نقول نستعين بفلان بس ما نقول نستعين باسم فلان، هذه مخاطبتنا للخلق نقول نستعين بفلان، لكن في مقام الله سبحانه وتعالى نقول نستعين بسم الله الرحمن الرحيم.

الفائدة الحادية والثلاثون –أعذرتموني على هذه الإطالة- الهداية الحادية والثلاثون في هذا، وهذه ما قراتها لأحد وإنما ظهرت لي، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها حقا. الله سبحانه وتعالى ثبت اليقين في النفوس بسورة الفاتحه من أي وجه؟ من وجه أن عادة البشر شرعا أن يذكر الحمد في نهاية الأعمال وعند تمامها، تكون في النهاية لما ينتهي الإنسان يقول الحمد لله، لما يأكل الحمد لله، لما تمر الفاجعة الحمد لله، الحمد لله، ويستعيذ بالله في البداية، نقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم نلأبدأ بالقراءة.

في القرآن عكس لهذه المنهجية البشرية؛ فبدا بالحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، وختم بالاستعاذة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1]. وهذا فيه معاني جليلة لمن تاملها. الله سبحانه وتعالى يحمد في الابتداء لأن الأمر مقضي عنده سبحانه وتعالى، لما ترى في آيات مباحث القيامة تجد أنها بصيغة الماضي مع أنها لم تقع، فلما عبر عنها بالماضي؟ التعبير عن الماضي يكون كالامر المقضي، يعني ثقة أنه قد قضي، وهذا يحصل أيضا في استعمالنا البشري، لما نقول لفلان مثلا فلان، ولله المثل الأعلى لكن في محادثاتنا اليومية، فلان افعل هذا، قال: انتهى، هو لم ينتهي لكنه يقول اعتبره انتهى، يعني ثق بأنه انتهى أو صار، وهذا يحصل حتى في دارجتنا، نقول يعني مثلا فلان لو ذهبت إلى المكان الفلاني قال: صار، أنت انتهى خلاص، هو لم يصر على الحقيقة، لكن التعبير عنه بصيغة الماضي وأنه قد انتهى بمعنى ثق ثقة تامة بأن هذا سيحصل.

فمن عظمة الله سبحانه وتعالى أنه بدأ بالحمد الذي هو يكون نهاية عند الخلق، وأتى في النهاية بالاستعاذة على صيغة الأمر: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1-3]. فهذه النهاية تلائم بداية للخلق بأنهم دائما يبدؤون بالاستعاذة، لكنها نهاية القرآن فيبدؤون ويعودون إلى تلاوة القرآن، أما البداية فتكون البداية بالحمد.

حاصل هذه الفائدة بأن البشر يبدؤون بالاستعاذة ويختمون بالحمد، الله سبحانه وتعالى بدأ بالحمد وختم بالاستعاذة، لأن الله سبحانه وتعالى بدأ بالحمد الذي هو عادة البشر في أنهم بأنه يكون في الأحوال المنتهية، فالله سبحانه وتعالى قد قضي الأمر عنده وانتهى، فالله سبحانه وتعالى بدأ بالحمد لأنه سبحانه وتعالى قد قضي الأمر عنده.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفهمنا وأن يفقهنا وأن يرزقنا الوصل بكتابه وأن يعلمنا منه علوما وأن يفتح لنا فهوما، وأن يرزقنا دوام الوصل بالقران وألفته وأن لا يحرمنا الفهم عنه، وأيما بلاء ابتلانا بفقد محبوب، أسأل الله سبحانه وتعالى ألا يكون المفقود المحبوب فهم القرآن ومدارسته وحفظه يا رب العالمين. اللهم إن كتبت في سابق علمك وقدرت في سالف أقدارك بأن تحرمنا من محبوبك فلا يكن هذا محبوبك كتابك والفهم عنك وتدبره والاستهداء به يا رب العالمين.

جزاكم الله خيرا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قبل أن أختم، من يسأل عن التسجيل التسجيل سينزل إن شاء الله لكني لا أدري متى لا أعرف متى، لكن بإذن الله سبحانه وتعالى أنه سينزل. وأسأل الله أن يبارك ويتقبل، إن لم يتقبل الله فيا ويلي والله، جزاكم الله خيرا على هذا الحضور المبارك مبارك، أحسن الله إليكم، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.