بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. حياكم الله جميعاً في درس الاستهداء بالقرآن. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم عنه وأن يرزقنا الأدب في التعامل مع هذه النعم.
درسنا اليوم بإذن الله سبحانه وتعالى سيكون في الاستهداء بسورة الحجرات. ومعلوم أن المفصل وقع خلاف بين العلماء؛ بين من يجعل المفصل يبدأ بسورة ق وبين من يجعل المفصل يبدأ بسورة الحجرات، ولا باس ولا إشكال لأننا بإذن الله سبحانه وتعالى نريد الاستهداء بالقرآن كاملاً إن شاء الله. فلو بدأنا اليوم بالحجرات وثنينا بقاف، فالأمر في ذلك والحمد لله لا باس به، على أن الجمهور يجعلون المفصل يبدأ من سورة ق.
وإنما سمي المفصل لكثرة الفواصل فيه؛ لأن سُوره قصيرة، فعند كل انتهاء سورة يفصل بينهما بالبسملة. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتربون على المفصل أولاً؛ لأن ما فيه هو خلاصة القرآن وخلاصة مفاهيمه ومعانيه.
وستكون طريقة درسنا إن شاء الله بأن نسمع القرآن كاملاً، نسمع السورة كامله هكذا مرة واحدة ليست مققطعة. وهذا عين الاستهداء؛ بأن نبدأ بالاستماع، كما قلت لكم في الاستهداء بسورة الفاتحة بأن الأصل في الهداية هو الاستماع. سنستمع إلى سورة الحجرات كاملة، ثم نأخذ المعنى المجمل، ثم نستهدي بسورة الحجرات في ثلاثين فائدة. وبهذا نتم إن شاء الله سبحانه وتعالى سورة الحجرات كاملة اليوم. لو أذن الشيخ القارئ بأن يبدأ مستعيناً بالله سبحانه وتعالى.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وُرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ * قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنَّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات:
1-18].
طَبّ الله أنفاسك وأحسن إليك وجزاك خيراً على هذه التلاوة الطيبة المباركة. لو اخذنا بعض المعاني الكلية المتعلقة بسورة الحجرات؛ قال الله سبحانه وتعالى، كما سبق أن قلنا لكم سابقاً بأن الاستهداء لا يكون إلا بعد معرفة المعنى، فلا يقفز الإنسان إلى استنباط المعاني دون أن يدرك مراد الله من هذه الآية والا صار عبثاً أو صار هوى.
وهذا من أكبر المداخل التي تدخل في تحريف كتاب الله وتحريف تأويله؛ بأن لا يحسن الإنسان تفسير القرآن، ثم هو يقفز ويتقحم إلى استنباط الهدايات والمعاني. فسناخذ معنى مجملاً حتى يتصور تفسير الآيات، ثم نأخذ الفوائد والاستهداءات المتعلقة بسورة الحجرات.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. هذه الآية وردت فيها عدة أسباب للنزول، منها ما يمكن أن يقال بان يكون معناها: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وقيل: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي عليه الصلاة والسلام في الأضحى. وقيل: لا تصوموا قبل صومه. والمعنى المجمل: لا تسبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يكون هو الذي يأمركم به. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: 1] أي في مخالفة أمره. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [الحجرات: 1] لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1] بأحوالكم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]. وقد وردت فيها أيضاً عدة أسباب للنزول، أشهرها أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان ذا صوت مرتفع، وربما كان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فينادي بصوته، فأمروا بغض الصوت عند مخاطبتيه. ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2] أي لا تنزلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة بعضكم من بعض فتقولوا يا محمد، ولكن خاطبوه بالنبوة والرسالة والسكينة والاعظام. ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: 2] أي كي لا تبطل حسناتكم ﴿وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2] أي بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بما يخالف الأدب.
وقد روي هنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بعد هذه الآية لا يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار، أي كأنه يخبره بسر كأنه يساره من شدة خفضه لصوته حتى لا يقع في هذا الوعيد، فانزل الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: 3] أي اختبرها وأخلصها للتقوى.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وُرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: 4] قد وردت أنها نزلت بعدة روايات، منها أنها نزلت في وفد تميم لما أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفاخروه، فنادوا على الباب يا محمد اخرج إلينا فإن مدحنا زين وإن ذمنا شين، فقال الله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4] أي أنهم جهال، ولو عقل قالوا لما فخروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [الحجرات: 5] من إيذائهم إياك بالنداء على بابك. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 5] لمن تاب منهم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] نزلت في الوليد بن عقبة؛ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً إلى قوم كانت بينه وبينهم حقد ومشاكل في الجاهلية، فالنبي صلى الله عليه وسلم ارسله إليهم لياخذ الصدقات والزكوات فقالوا، فقال إنهم منعوا الصدقة وقصدوا قتلي. فذلك قوله: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] أي فاعلموا صدقه من كذبه ﴿أَن تُصِيبُوا﴾ [الحجرات: 6] أي الا تصيبوا ﴿قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أن يغزوهم حتى تبين لهم طاعتهم في قصة طويلة.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 7] فلا تقولوا الباطل، فإن الله سبحانه وتعالى يخبره. ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: 7] أي لو اطاع مثل هذا المخبر الذي اخبره بما لا أصل له لعنتهم أي لاثمتم وهلكتم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ [الحجرات: 7] فانتم تطيعون الله ورسوله فلا تقعون في العنت. وهذا خطاب للمؤمنين المخلصين ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: 7-8] أي الفضل من الله عليهم.
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] وقد نزلت في جمعين من الأنصار كان بينهما قتال بالأيدي والنعال. قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] بالدعاء إلى حكم كتاب الله. ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ [الحجرات: 9] أي تعدت وطغت ﴿فَقَاتِلُوا﴾ [الحجرات: 9] أي فقاتلوا الباغي حتى يرجع إلى سواء الأمر والخطاب. ﴿فَإِن فَاءَتْ﴾ [الحجرات: 9] هذه الطائفة ورجعت ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] أي بأن يحملوا على الإنصاف ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9] اعدلوا.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] هذا أصل جامع؛ المؤمنون إخوة في الدين والولاية. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10] إذا اختلفا واقتتلا أو حصل بينهما ما ينافي هذه المودة والأخوة والولاية. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: 10] تقوى عامة وتحمل أيضاً على التقوى في إصلاح ذات البين ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10] أي كي ترحموا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: 11] قد نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بعامه أن يسخر بعضهم من بعض. ﴿عَسَى أَن يَكُونُوا﴾ [الحجرات: 11] أي أن يكون المسخور منهم خيراً منهم، خيراً من الساخر. ومعنى السخرية هنا الازدراء والاحتقار. ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: 11] أي لا يعب بعضكم بعضاً. ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11] وهي الدعوة باللقب المكروه. نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك. ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11] أي إن السخرية واللمز والتنابز فسوق بالمؤمنين، وهذا معيب بعد الإيمان، من جرب حلاوة الإيمان يعيب به ولا يحسن، بل يقبح كثيراً بأن يكون نازلاً إلى هذا المستوى.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12] وهو أن يظن السوء بأهل الخير وبمن لا يعلم منه فسق. ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12] أي لا تطلبوا عورات المسلمين وما خفي منهم، والعورات اسم جامع لكل ما خفي مما يكون حسناً أو يكون قبيحاً، أي العورات لفظة مرادف لما نسميه نحن في لساننا المعاصر الحياة الشخصية؛ ما يكون من قبيل هذه الخصوصية الشخصية والأسْرار. ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12] أي لا تذكروا أحدكم بشيء يكرهه وإن كان في هذا الشيء. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12] أي إن ذكرك أخاك على غيبه بسوء كاكل لحمه وهو ميت لا يحس، فكرهتموه أي إن كرهتم أكل لحمه ميتاً فاكرهوا ذلك بسوء، أي اكرهوا غيبتهم.
وقد شبه الله سبحانه وتعالى ذكر الغائب بأكل لحم الميت لحكم، منها أن الميت لا يدفع عن نفسه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، وكذلك الغائب لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، وكذا الميت له حرمته والمؤمن له أيضاً حرمته. وأيضاً هنا لم يقل أن تقطع لحم أخيك أو أن تقطعه لا تأكله، يعني هناك عدة خطوات بأن تقطع وتؤذي وتأكله وتبتلعه، فهذه صورة غاية في القبح ناسبت غاية القبح التي تكون في هذا الفعل المستقذر وهو الغيبة. وكما أن أكل لحم الميت يأباه أصحاب الفطر السليمة والإيمان التام، فكذا الغيبة. بل إن بعض الصالحين كان إذا جلس في مجلس غيبة خرج منه وتقيأ واستفرغ هكذا كأنه أكل لحماً ميتاً، كأنه باشر بحسه ما يكون مستقذراً.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: 13] أي كلكم بنو أب واحد وأم واحدة. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ [الحجرات: 13] رؤوس القبائل ﴿وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات: 13] وهي دون الشعوب ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13] أي ليعرف بعضكم بعضاً لا لتفاخروا. قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] وهذا هو المعيار الحقيقي للتفاضل.
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: 14] نزلت في نفر من بني أسد قدموا المدينة وأظهروا الشهادة ولم يكونوا مؤمنين في السر. وقال الله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14] أي لم تصدقوا بقلوبكم لكنكم أظهرتم الطاعة مخافه القتل أو السبيل. ولما يدخل الإيمان في قلوبكم؛ إذا دخل الإيمان في قلوبكم لم يدخل، لكنه سيدخل إن شاء الله، ففيه احتمال. والفرق بين لم ولما، أن لم تحمل على النفي، ولما تحمل على النفي الذي يرجى أن يتحقق خلافه.
قال: ﴿لَا يَلِتْكُم﴾ [الحجرات: 14] أي لا ينقصكم ﴿مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: 14] أي من ثواب أعمالكم شيئاً. ثم بعد ذلك بين حقيقة الإيمان والمؤمن فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15] أي هؤلاء الذين صدقوا في إيمانهم لا من أسلم خوفاً أو رجاء وطمعاً. ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات: 16] أي أتعلّمونه بما أنتم عليه وهو يعلم ذلك سبحانه.
﴿يَمُنَّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: 17] وذلك أنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالعيال والأثقال طوعاً ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان. فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17] أي أنكم مؤمنون إن كنتم صادقين في إيمانكم، أي فلله المنة إن صدقتم في إيمانكم لا لكم.
هذا تفسير وتأويل سورة الحجرات. أما بالنسبة للاستهداءات، فعدوا معي من واحد إلى ثلاثين، نحن نريد الآن هدفنا في هذا الاستهداء بأن ننظر إلى رسائل السورة ونبدا في أن نحقق هداياتها في أنفسنا، فعدوا معي من واحد إلى ثلاثين وقد نزيد بحسب الوقت. فالسورة مليئه بالاداب، وهي سورة كان يسميها بعض العلماء سورة الأدب الشريف. هذه السورة تعلمنا، وساذكر لكم ثلاثين طريقة من طرق تعلم الأدب والتربية على الأدب.
فقط من سورة الحجرات، نحن الآن هدفنا أن نخرج من سورة الحجرات وقد تعلمنا هذه الطرائق التي نتاثر بها بالادب حتى نصبح على ما يحبه الله منا من الادب.
الطريقة الأولى: التربية على الادب بحفظ المقامات. فانظروا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لَبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2]. هذا يعلم الإنسان ويربيه بأن يحفظ مقامات الخلق، من النبي صلى الله عليه وسلم فمن دون؛ فالتربية على الادب تكون بحفظ مقامات الخلق؛ أن تحفظ مقام والديك، تحفظ مقام صديقك، تحفظ مقام جارك، تحفظ مقام كل إنسان له مقام. هذا حفظ المقام هو من التربية على الادب.
الطريقة الثانية للادب: بأن تؤمن بأن الادب رحلة طريق لا منهج مبتدئين. من أين استنبطت هذا؟ هذه السورة نزلت في السنة التاسعة، أي في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم. نحن دائماً لما نتعلم العلم -والله المستعان- ننظر إلى الادب وإلى المواد التي فيها تربية وتزكية وإيمان على أنها من مواد المبتدئين، لكن السورة نزلت في السنة التاسعة وكان المخاطب بها كبار الصحابة، يعني ما بقي على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا سنة وبضعة أشهر.
فانظروا كيف امتد معهم الادب وتعلم الادب إلى أواخر حياتهم، وليس فقط أننا نهتم بالادب في بدايات الطلب وفي بدايات التدين، ثم الإنسان ينصرف يقول: يعني هذه المواد التزكويه، هذه المواد التربوية هي يعني للمبتدئين ونحن تجاوزنا هذا -الله المستعان-. هذا تفكير خاطئ، هذا تفكير مخالف لسنة الله سبحانه وتعالى ولتربية النبي صلى الله عليه وسلم.
الثالث: بأن التربية على الادب تكون تربية موقف لا تربية تنظير. من أين استنبطت هذا؟ هذه السورة ثماني عشرة آية، وقد أحصيت ما روي فيها من أسباب نزول مما صح منها أو لم يصح، فوجدتها أسباب النزول بضعاً وثلاثين سبباً. تخيلوا! ثماني عشرة آية فيها بضع وثلاثون سبب نزول! هذا دال على أن الادب لا يتعلم إلا في المواقف، وليس مجرد تنظير وأن يقال خطوات لكذا، خطوات لكذا؛ لابد من مواقف، فكل أسباب النزول هي مواقف.
والله سبحانه وتعالى علمنا بأن نتربى بخلطتنا بالمؤمنين؛ أن نخالط إخواننا فنرى منهم من في قلبه رحمة ومن في قلبه جفوة، ومن كان حسن الادب ومن كان بخلاف ذلك حتى نتربى. أما أن نعزل أنفسنا وتبقى بين الكتب ونعيش حياة أشبه بالمحمية فهذا لا يعلم الادب، لابد أن نخالط الناس، لابد أن نخالطهم بالمعروف لا أن نخالطهم في منكراتهم، لكن الإنسان لا يحصل أدباً حتى يخالط الناس ويعلم منهم ما يحسن وما يقبح.
الفائدة الرابعة: بان التربية على الادب بتحريك الإيمان. انظروا في هذه السورة خمس نداءات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. إذا أردت أن تربي نفسك وإذا أردنا أجمعين أن نربي أنفسنا على الادب فعلينا أن نحرك الإيمان؛ الإيمان في قلوبنا، لا أن نقول بأن هذا يعني نهتم بأمور ثانوية، نقول بأن هذا لا يليق وهذا لا ينبغي دون أن نحرك الإيمان. نقول إن هذا خلاف الإيمان، وأن المؤمن لا يصنع هذا، وأن المؤمن جدير به أن يصنع كذا؛ فتحريك الإيمان هو الذي يجعل التربية على الادب راسخة.
الفائدة التي تليها: التربية على أن التكليف على حسب التشريف. انظروا هنا؛ بعض الآيات يكون فيها إغلاظ، ويكون فيها تخويف، ويكون فيها وعيد، مع أن المخاطَب صحابة، لكن الصحابة -رضوان الله عليهم- لما كانوا من المكان الأسنى ما تعلمون، كان عليهم من التكليف زيادة ما على الخلق من جهة الآداب والمروءات.
وهذا يجعلنا نستهدي بذلك في أنفسنا؛ فمن كان من أصحاب العلم، من كان من أهل القرآن، من كان من أصحاب الديانة الظاهرة والتمسك بالسنة، فعليه ألا يخالط الناس وألا يشاركهم فيما يقبح، حتى ولو كان في بعض الأحيان مما يباح، لكن عليه التحرز وعليه أن يكون كالشامة بين الناس بآدابه وأخلاقه، فهو ليس كغيره من جهة التكليف، ولو كان تكليفاً أدبياً وليس بمجرد خطاب بالحل والحرمة، لكن لابد أن نخاطب أنفسنا بقدر من الإغلاظ عليها وعدم تدليلها، هذا مهم.
الفائدة التي تليها: تصحيح المفاهيم؛ التربية على الادب بتصحيح المفاهيم. بعضنا عنده اعتقادات خاطئة عن الادب تكون راسخة في ذهنه، لكن القرآن يعلمنا أن نربي أنفسنا على الادب بترتيب الحقوق من البداية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. يعلمنا القرآن بأن نصحح المفاهيم من البداية، وأن رأس الادب هو الإيمان بالله، وأن من خالف هذا الأصل فهو مخالف لأصل الادب ولو أظهر اللباقة ولو أظهر الذوق ولو أظهر بعض التفاصيل والتدابير التي قد نستحسنها، لكن الأصل عنده ساقط.
﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بدأ بحقوق الله ثم بحقوق رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم تدرج في ذلك حتى المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. فلا بد أن نعلم بأن المؤمن الذي حقق الإيمان قد تحقق برأس الادب. فعلينا أن نصحح مفاهيم الادب والعقل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4]. فهذا خلاف العقل، مع أنهم كانوا يتباهون بأنهم عقلاء وأن مدحنا زين وذمنا شين، قال الله سبحانه وتعالى بان مفهومكم للعقل مفهوم خاطئ وأن هذا خلاف العقل كما أنه خلاف الادب أيضاً.
الفائدة الثامنة -ولا أدري إذا كنت اختلطت عندي الأرقام أو لا، لكن أظنها الثامنة-: أن التربية على الادب هي تربية فيها قدر من المشقة، وأن النفس لا تستقيم إلا بعد طول مشقة. من أين استنبطت هذا؟ من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: 3]، وليس فقط أولئك الذين اتقوا، لا؛ الأمر فيه امتحان، وفيه تمحيص، وفيه شدة، وفيه ما يجعل الإنسان يحاول مرة ثم مرة ثم مرة وهكذا. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم؛ الصبر والجلد والدؤوب مهم في مسألة تربية النفس على الادب، وليس أن الإنسان قال: والله أنا حاولت لكن ما استقامت نفسي، حاولت وما استطعت، لا؛ هذا مشروع بان تحقق الادب في نفسك وفي من حولك.
الهداية التي تليها: تربية النفس على الادب بالنموذج، بأن يكون الإنسان عنده معرفة بما يحسن وما يقبح. انظروا في هذه السورة؛ الله سبحانه وتعالى يذكر نماذج لمن أتوا بمقامات الادب ومن أتوا بخلافه، فالإنسان يربي نفسه بالنموذج بأن ينظر، حتى لو مر به دون تجسس ودون تنبيش ودون تتبع، لو مر به وطرق سمعه أو قرأ بأن فلاناً خالف الادب، هذا أيضاً يربي فيك شيئاً، لأن معرفة الشر تربي في الإنسان معرفة الخير بالاجتناب.
فالسورة مليئة بذكر النماذج الخيرة والنماذج الأخرى، وكلاهما يعلمان الادب؛ فنحن لا نتعلم الادب من سير الصالحين فقط، وإنما نتعلم الادب من سير الصالحين وممن خالف مقامات الادب حتى نجتنب ذلك.
أيضاً من مقامات الادب شعور الامتنان؛ التربية على الادب باستشعار الامتنان ومنه، منه وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: 7-8]. الامتنان وحمد الله سبحانه وتعالى على النعم بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وبتحبيب الإيمان وبتزيينه في القلب وبكره الكفر والفسوق والعصيان، هذا الامتنان يجعلنا متحققين بنوع من الادب القلبي؛ فالتربية على الادب تكون أيضاً باستشعار الامتنان.
أيضاً الفائدة التي تليها: التربية على الادب بنهي النفس مباشرة. ليس شرطاً بأن تكون هناك طرائق خفية وأن يكون هناك طرائق بعيدة لتربيه النفس والآخرين على الادب، لا، لا تنظرون في هذه السورة: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]، ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12] هكذا نهي مباشر بالصيغة مباشرة: لا تفعل، لا تفعل، ليس شيئاً أن تغلف العبارات، أحياناً يأتي مباشراً؛ فانت تربي نفسك بأن تقول: لا تفعل كذا، لا تدخل هذا الباب، لا تكسر هذا الحاجز، لا تدخل نفسك في هذه المقامات، أن تنهى نفسك مباشرة. فالتربية على الادب أيضاً تكون بالنهي المباشر.
أيضاً من التربية على الادب تكون بايقاظ الضمير، تكون بايقاظ الضمير والحس الإيماني. كيف يكون هذا؟ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: 11] ومعناه كما قلنا: لا تلمزوا المؤمنين، لكن الله سبحانه وتعالى عبر بالنفس وأن المؤمن من أخيه بمنزلة النفس؛ فأحياناً تكون تربيتنا لأنفسنا في الادب بأن نأخذ هكذا شيء يشبه الإبرة ونخز ضمائرنا بأن نقول: اليس هذا فلان أخ لنا، وبيننا وبينه مواقف، وله عندي سابق فضل، وله عندي يعني مواقف حسنة وله مواقف لا أنساها؟ هذا يعني تأنيب الضمير بهذه الطريقة مما يربي النفس على الادب.
أيضاً مما يربي النفس على الادب: التدرج وقصر النفس من البدايات من الخطوات. انظروا هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: 11] هذا علاج من الله سبحانه وتعالى لمشكلة الاقتتال. هنا قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9]. طيب، الآن ستأتي المعالجة القرآنية لظاهرة الاقتتال، فبماذا بدأ؟ بدأ من الصفر، من البداية، من الخاطرة مما يخطر في النفس مباشرة من البداية. يعني ما الذي سيوصل إلى مرحلة القتال؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ البداية تكون بهذه الأعمال القلبية: عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكون خيراً منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقاب. وهكذا نعالج أنفسنا من البداية، لا نعالج ظاهرها ونترك الجذور، بل لابد أن نقطع الأمر من أصله الذي بعث على أن أهصنع هذه الكبيرة، قد يكون عملا قلبياً اسمه احتقار الخلق، قد يكون عملا قلبياً اسمه إساءة الظن، فانا أتعالج الأمر من أصله. وهذا منهج القرآن بان نتربى بالتدرج، بأن نبدأ من البداية وأن نغسل قلوبنا قبل أن نعالج مسائل الاقتتال والقطيعة وما يكون عند بالاقوال والأفعال، لابد أن نعالج في البداية الأسباب والبواعث التي حملت على هذا الأمر.
أيضاً من الفوائد هنا: التربية على الادب بضبط رتب المسائل. قالت الأعراب: آمنا؛ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا. الآن أكثر الخلافات الموجودة في الساحة سببها عدم ضبط المسائل، نحن نعظم بعض المسائل ونضخمها وهي قد تكون رتبتها في ميزان الله أقل من هذا، ونتهاون في مسائل هي في ميزان الله عظيمة. فالله سبحانه وتعالى يعلمنا في سورة الحجرات بأن نستهدي ونربي أنفسنا على الادب بهذه الطريقة، بضبط رتب المسائل، ولا يكون هذا إلا بطلب العلم على وجهه؛ أن نطلب العلم حقاً، نطلب العلم بطريقته الصحيحة، لا أن ننتقي من العلم، ننتقي آية من هنا فنتكلم فيها وننتقي آية من هنا فنتكلم فيها، وحديث هنا وحديث هناك، لا، نتعلم العلم بكليته، نأخذ الصورة كاملة حتى يتحقق فينا ظاهر العلم وروحه، بهذا نضبط رتب المسائل، فهذا باب من أبواب التربية على الادب.
من أبواب التربية على الادب الموجودة في السورة: إبقاء الأخوة مع شدة الخلاف. الآن هنا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10]، مع أنهم في حالة قتال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] -يعني مع أنهم اقتتلوا- لكن وصف الإيمان لا زال منطبقاً عليهم. وهذا يربينا في أنفسنا بأن مهما اختلفنا مع فلان أو فلان، لا يبلغ بنا الفجور ولا تبلغ بنا الاستطالة إلى أن نسلبه أمراً عظيماً كالإيمان وكالتقوى ونعاجل في تفسيقه ونعاجل في جعله منافقاً ونعاجل في لمزه وهكذا. لابد أن نبقي أصولاً لا نجاوزها، كما قيل: إن ما بيننا لم يبلغ ديننا. في النهاية فلان وإن حصل بيني وبينه مشكل شخصي، لكنه أشهد أنه من المؤمنين وأشهد أنه رجل صالح وأشهد أنه له نفع وأشهد أنه طيب القلب، هذه أولى خطوات الإصلاح بين المؤمنين، بأن تعتقد بأن من يخالفك ليس شيطاناً محضاً، وليس رجلا بمجرد أنه خالفك في مسألة تبدأ تخرج منه كل خير، لابد من الإنصاف فيه، وما أقله وما أعزه بان نثبت معنى الاختلاف ونعترف به، ثم نقول مع هذا لكن له محاسن فلان، ولكن فلان له نفعه، وهكذا.
الفائدة التي تليها: التربية على الادب بمعرفة خصوصية الأمراض والاعتراف بها. انظروا هنا؛ لما يكون الإنسان متحققاً بصفة معينة، فلا بد أن يكون معترفا حتى يربي نفسه على الادب على خصوصية أمراض الحالة التي هو فيها. يعني الآن إذا كان رجلا فلا بد أن مثلا من خصائصه أن يتقبل مسألة الوعظ، بأن قد يكثر في الرجال ظلم الضعفاء مثلاً أو أكل المال الحرام مثلاً، لأن الرجل معني بالكسب أكثر ولأن الرجل متحقق بالقوامة أكثر، فهذا يجعله يعني مظنة الانزلاق في هذه الأمراض، فلا يجب عليه أن يتحسس لما يوعظ ولا يجب أن يقال: فأين أنت من الجنس الآخر؟ هذه تربية للنفس، وهذا نأخذ أيضا من: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11] هكذا وعظ المؤمنين، ذكرهم وأنثاهم، ثم أتى بالخصوصية وقال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11] لأن السخرية واللمز بنص القuran هنا فيه قدر من الخصوصية والكثرة في النساء، فالمراة المؤمنة إذا أرادت أن تربي نفسها على الادب يجب عليها أن تتحسس، تقول: نعم، هذا يكثر فينا عند النساء.
الاعتراف أول منازل ترك الاقتراف؛ وما دام الإنسان منكراً وما دام يتاول لنفسه ولبيته.
جنسه، فهذا بعيد كل البعد عن التحقق بآداب القرآن التي علمنا الله إياها في سورة الحجرات.
التربية الفائدة التي تليها: التربية بمعرفة معايير التفاضل؛ فلا يكون الإنسان مأخوذاً مستلباً لمعايير الدنيا من مال وجاه وسلطة وحتى كثرة متابعين مثلاً أو غيرها من الأشياء الزائلة، وإنما الله سبحانه وتعالى جعل المعيار هنا ماذا؟ جعل المعيار التقوى، قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فتصحيح هذا المعيار بمعرفة معايير التفاضل يجعلنا نسعى إلى الأعلى؛ لأننا جعلنا المال في بعض أحوالنا هو معيار التفاضل كثر سعينا للمال، ولأننا جعلنا الشهرة معياراً للتفاضل كثر سعينا وجد واشتد للشهرة، لكن لو عرفنا بأن الله سبحانه وتعالى جعل المعيار التقوى سيشتد سعينا ويجد للتقوى فتحسن أخلاقنا.
أيضاً من الفوائد هنا، بأن من التربية على الأدب أن ليس كل المسائل تكون محطاً للاختلاف. بعضها يكون من السداد والعقل والحكمة أن تنظر إليها على أنها واقع لا يمكن الفكاك منه، وأن لابد أن نتاقلم على الأمر وأن نوظفه في طاعة الله. من أين استنبطت هذا؟ من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: 13]. كون الله سبحانه وتعالى خلقنا من ذكر وأنثى هذا المفترض أن ننظر إلى ما يمكن أن نستثمر هذا الاختلاف في طاعة الله، لا أن نجعلها محطة صراع، الذكور كذا والاناث كذا، ولا خير في كل الرجال ولا خير في كل النساء، جعلها محطاً للاختلاف مع أن الله سبحانه وتعالى جعلها للتعريف وجعلها لها مقاصد أخرى لعمارة الأرض والامتحان العبادي، وأيضاً: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13] ليس لأن نجعل الشعب الفلاني أفضل من الشعب الفلاني، ولا القبيلة الفلانية أفضل من القبيلة الفلانية. فكون هذه الأقدار موجودة من الأدب ألا نجعلها محطاً للاختلاف، وإنما ننظر في هذا اختلاف التنوع كيف لا يصنع منه اختلاف تضاد، وهذا من التربية على الأدب.
من التربية على الأدب أيضاً هنا: بأن يكون عند الإنسان يقين بأحكام الشرائع، وأن يكون متأدباً في تسليمه لأوامر الله سبحانه وتعالى، وهذا فيه إشارتان في السورة: الإشارة الأولى بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. هذا ظاهراً في جهة التسليم وألا نتقدم بعقولنا ولا بأفهامنا على ما صح من الكتاب وعلى ما نزل في الكتاب وصح في السنة. أيضاً هنا إشارة قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]، والريبة شك، فمن الأدب أن يكون في قلبك يقين تجاه أوامر الله سبحانه وتعالى، ألا تقابلها بالتشكيك وألا تطفئ أنوار قلبك بالأسئلة الجائرة.
أيضاً من الأدب هنا: أن تترك المنة، ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم﴾ [الحجرات: 17]. جعل المنة في سورة الأدب دال على أن المنة مع الخلق هي خلاف الأدب، فإذا قدم الإنسان معروفاً سواء كان محسوساً أو غير محسوس، أما المحسوس فظاهر ألا تمن على الناس صدقاتك وهداياك ونفقتك وما يكون من هذا الباب سواء كان واجباً أو غير واجب. أيضاً لا تمن حتى ما كان من قبيل الأمور المعنوية، لا تمن مواقفك (أنا وقفت معك في الموقف الفلاني)، ولا تمن لا يمن الشيخ على تلاميذه (وأنا علمتكم، وأنا ربيتكم، وأنا صنعت)، لا، هذا ما أبعده عن الإخلاص إذا كان ينتظر من تلاميذه ومن طلابه مزيد حفاوة أو ينتظر منهم قدراً من التعامل المختلف. إنما قدمت هذا الأمر لله، إن قابلوه بالاحسان فقد أحسنوا لأنفسهم وهذا أمر يشكرون عليه ويؤجرون، وإن لم يقابلوا فإنما عقد الانسان هذه الدروس لا لأن يحصل الأجر ولأنه محتاج إلى فضل الله لا إلى فضل الخلق، فلا يحسن بالشيخ أن يمن على تلاميذه (وأنا الذي ربيتكم وأنا الذي علمتكم)، هذه المنة خلاف الأدب، والمنتظر من الأساتذة والاشياخ بأن يكونوا قدوات في تعليم الأدب ومن الآداب ترك المنة.
من التربية على الأدب أيضاً هنا: الأدب في الخلوات. الله سبحانه وتعالى ختم هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحجرات: 18]. فالأدب لا يكون بالتصرفات الظاهرة والابتسامة واللباقة، وإن كانت منها، لابد أن يكون عند الإنسان قدر من الأدب مع الله في خلواته، هذا أدب معلوم بالنظر مغفول عنه بالعمل، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحسن خلواتنا.
أيضاً من التربية على الأدب هنا: تسمية الأسماء بمسمياتها. ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: 6] هذا أدب، من يصنع من ينم بين الأخوة بعضهم ببعض ويفسد بين بعضهم البعض هذا نمام هكذا نسميه باسمه، وليس خلافا للأدب. نسمي الاشياء بمسمياتها، هذا كفر، هذا فسق، هذه بدعة، هذا فجور، هذا جهل، تسمية الأسماء بمسمياتها لا يخرج الإنسان عن وصفه بالأدب، فلا بد أن نصحح مفاهيم الأدب عندنا، ليس الأدب بمعنى اللين المطلق، هذه الرخاوة ليست من الدين في شيء، لابد أن نسمي الأشياء بمسمياتها، وهذا من الأدب بأن نجعل مفاهيمنا للأدب تابعة للمفاهيم الشرعية وما أنزل الله سبحانه وتعالى في الوحي.
أيضاً من الفوائد هنا: التربية بالغلظة أحياناً. هنا تربيته على الأدب، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: 9]. انظروا يعني مع أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بالقتال وما فيه من شدة إلا أن هذا القتال في هذا الموضع هو الأدب. أحياناً يغلظ أحد على أخيه فلا يقال بأنه خالف الأدب، بل إنه لو ردعه بيده وهو موطن يقتضي الحال أن يكون هذا هو الصواب فهذا هو الأدب. لا نجعل الأدب فقط في لين الكلام، وإنما مع أنهم أمروا بالقتال قال: ﴿فَقَاتِلُوا﴾ [الحجرات: 9] لكنهم مؤدبون، يعني القتال وإهراق الدم يكون أدباً إذا كان في موضعه، فليس الأدب فقط بأن يكون الإنسان متبسماً هيناً ليناً في كل موضع، وإنما لكل مقام مقال.
أيضاً من الآداب التي تعلمنا إياها سورة الحجرات: التعلق بالاوصاف لا بالاشخاص، يعني أن الذين ينادونك من وراء الحجرات لم يعينهم الله سبحانه وتعالى، فمن الأدب انك إذا نصحت أو إذا اردت أن تعالج مشكلة أن تكون كالنبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال أقوام». التصريح له وضعه الاستثنائي الذي لا يخالف أصل الستر واصل معالجة الأوصاف أكثر من الأشخاص، فان الذين ينادونك من وراء الحجرات ولم يعينوا، وكل هذه السورة فيها أوصاف ولم يعين اسم شخص واحد، فمعالجة الآداب لا تكون بتصفية الحسابات مع الأشخاص، الصادق لا يصفي حساباته عن طريق المواقف.
من الآداب هنا -ولا ادري إذا كنا قد بلغنا الثلاثين كم فائده وصلنا، لأني ساختم الآن بفائده أخيرة وهي-: التربية على الأدب بالاستعانه بالتقوى العامة. أحياناً بعض أمراض القلوب لا نستطيع أن نعالجها مباشرة، وإنما بأن نستعين عليها بأمور أخرى من التقوى. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: 1]. وستجدون الأمر بالتقوى مكرراً في هذه السورة، لأن مثلاً هنا: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: 12]. أحياناً أنت تدخل في حالة إيمانية كبيرة فيكون الإنسان في مثل تلك الأحوال يهون عليه ترك ما يقبح من الأدب مما هو خلاف الأدب. الإنسان قد يصوم أحياناً فيعان على غض البصر، أو يعان على ترك الغيبة، أو يعان على ترك إساءة الظن، وهكذا.
أيضاً من الآداب: الدخول من أبواب الافتقار. التربية على الأدب بالافتقار: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: 7]. ما منا شيء حفظنا لالسنتنا أدبنا مع الخلق كله منة من الله سبحانه وتعالى، نحن نفتقر إلى الله سبحانه وتعالى بأن يهبنا هذه النعم، أن يحبب إلينا طيب الكلام، أن يحبب إلينا حسن الخلق، أن يحبب إلينا الأدب لا أن ننظر إليها على أنها والله هذا أمر جبلت عليه وهذا أمر تعبت في تربية نفسي عليه، لا تعزو الأمر إلى نفسك ولا إلى قوتك ولا إلى حولك، إنما أنت عبد ضعيف يحبب إليك الإيمان ويزين في قلبك.
أيضاً من الفوائد هنا: بأن المؤمن ينظر إلى بعض الخطابات التي تخاطب بعض الخلق بقدر من التحبيب والتزيين، يعني الآن إذا خاطبت أناساً لا تبلغ عقولهم بعض الدقائق فمن الأدب أن تخاطبهم بما يحبب الإيمان في قلوبهم وما يزينه في قلوبهم. بعضنا يعرض حقائق الشريعة جافة ويقول: أراد أن يقبل فيقبل، أراد أن يلتزم فليلتزم، أراد أن يسلم فليسلم، وسلم. لا، الله سبحانه وتعالى حبب الإيمان وزينه في القلب، فمأمورون نحن المؤمنين بأن نحبب الإيمان للخلق وأن نزين الإيمان في قلوبهم بالخطاب اللين، وأن نخاطبهم من الأفكار ومن الألفاظ ومن المفاهيم ما يعقلون ويتقبلون دون أن نحرف أصل الشريعة، لكننا مأمورون بأن نختار الأسلوب الأرفق وأن نختار الأسلوب الأكثر إقناعاً حتى نحبب الإيمان ونزينه في قلوبهم.
هنا أيضاً من التربية على الأدب: ألا تذل المنكسر. هنا قال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] ولم يقل: حتى تفيء إلى أمركم؛ لأنه لو قال: حتى تفيء إلى أمركم، فكان الأمر فيه قدر من الانكسار، ونحن إذا رأينا عباد الله لابد أن نوضح له بأن هذه الآداب إنما تنفعكم في ميزان حسناتكم أنتم، لا تطيعوننا أنتم، تطيعون الله سبحانه وتعالى بتحققكم للادب، وأنتم حينما تطيبون الكلام وتحسنونه وتلينونه أنتم لا تطلبون إلينا تملقاً وإنما أنتم تطيعون الله بهذا، فهذا أمر الله حتى تفيء إلى أمر الله، ما قال حتى تفيء إلى أمركم وتخضع وتتدلل والناس لا تسير إلا بهذه الطريقة، لا، هذا خلاف منهج الأدب في القرآن.
أيضاً من الآداب الشرعية هنا في مسألة الأدب: التربية على الأدب بتحسين الأسماء. يعني مما يالفه المتأدبون أن تكون على ألسنتهم بعض العبارات اللطيفة: فلان حبيبنا، أخانا، أيا يكن بحسب مقامه، لأن الله سبحانه وتعالى نهى عن التنابز بالألقاب، والنهي عن الشيء أمر بضده، فكما نهى عن التنابز بالألقاب فهو أمر بتحسين الأسماء بأن يكون عندنا من الأسماء التي نتودد بها إلى الخلق: يا أبا فلان على حسب مقامه وسنه، أو حتى ترخيم اسمه (يا مثلاً عبد الله، يا عبيد). أنا كنت أنادي في بداية الجلسة عبد المجيد أقول له مجيد، مثلاً، هذا باب الترخيم في الأسماء يكون من مقاصده كما يذكر البلاغيون التودد والتحبب، فهذا أيضاً كما أن الله سبحانه وتعالى نهى عن التنابز بالألقاب فهو أمر بضده بأن ننادي إخواننا بأحسن ما يكون من الأسماء وأطيبها في نفوسهم.
أيضاً من الفوائد هنا: بأن لا نسد باب التوبه على من أراد أن يربي نفسه على الأدب. من أين أتيت بها هنا؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]. فبعد هذا الوصف المنفر للغيبة وأكل لحم الميت ختمها الله سبحانه وتعالى بأن الله تواب رحيم، وهذا فيه عدم تعيير للخلق بما سبق منهم وسلف من أخطاء ومن هفوات ومن انزلاقات. الإنسان إذا أتى بما يخالف الأدب ثم تاب إلى الله فيجب وجوباً بأن يعامل معاملة من لم يصنع شيئاً، إن الله تواب رحيم.
ولا أدري كم بلغنا الآن لأنه أراد أن أقف على الثلاثين حتى لا أكثر عليكم، سنبدأ الثلاثين طيب تمام إذا سنختم بهذه الفائدة التي يعني سانتقيها من الفوائد الأخرى المكتوبة، وأنا كنت قد أتممت تفسير المفصل كاملاً بالتفصيل يعني تفصيل ليس بكبير لكن أنا سأعمم في تحسينه وتطويره، فسانتقي فائده هنا من الفوائد المتعلقة بالتربية على الأدب.
أيضاً من الفوائد التي يحسن ذكرها هنا: الأعذار. ومعنى هذا بأننا ونحن نتكلم عن تربية الإنسان على الأدب لا بد أن نشعره بأن قد ياتي الأمر دون أن تعرف، يعني نقول مثلاً للإنسان: لا تغتب أخاك ولا تطلق لسانك في الخلق، مع أني أعلم أن بعض المجالس قد ياتي الإنسان فيها بما لا يريد، لكن لا بد أن تجاهد نفسك. هذا الأعذار موجود في السورة على وجه من أوجه معاني: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]، قد تحمل على التهديد وهذا وجه، وقد تحمل على الأعذار وهذا وجه آخر. فانتبهوا قد يكون الأمر هذا على وجه التهديد وأنتم لا تشعرون، وأيضاً قد تكون على وجه الأعذار، فأنت عندما تأمر الإنسان بأن يكون غاضاً لبصره فتقول: عليك أن تغض بصرك واتق الله واترك مشاهدة الحرام وابشر بالأجر الجزيل لمن غض بصره، مع أني أعرف أن هذا الزمان لا يكاد يسلم الإنسان من يعني النظر إلى ما يحرم في هذه الوسائل ولو دون تعمد، فهذا الأعذار منهج قراني في التربية على الأدب.
وبذا أتممنا ثلاثين فائدة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتم علينا وعليكم نعمة وأن يرزقنا كمال الأدب معه سبحانه ومع رسوله صلى الله عليه وسلم ومع خلقه، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ما سلف من ذنوبنا في هذه المقامات، كما أسأله أن يجزيكم خير الجزاء على هذا العدد المبارك في هذا الوقت الصعب الذي يعني لا ياتي إليه أحد إلا وهو معظم للقرآن معظم للعلم. وأنا سبحان الله سبحان الله يعني لامني بعض الأخوة في مسألة أني أقول بأن الدرس مسجل.
وكنت أقول له لا بالعكس، هذا له تربية لنفسي من وجهين؛ الأمر الأول: أنا دون وأنا أحقر من أن ألزم الخلق بأن يحضروا بصورة مباشرة، وإلا أقول فقد فاتكم من أنا حتى يعني أشترط هذا الشرط، بل أنا محتاج إلى مدارسة القرآن أكثر من حاجتكم، وما أنتفع منكم أكثر مما تنتفعون مني، فهذا وجه لإعلان التسجيل، فمن أتى سيكون قد أتى لرغبته في الأجواء والدرس المباشر ومجالس الذكر وما فيها من بركات وأحوال.
الموضوع الثاني: إعلاني لهذا بأن يعرف الإنسان أن يتقرب إلى الله بشيء، بأن تقولوا من النوايا: يا رب، نحن نعلم بأن الدرس مسجل وسينزل، لكننا اخترنا أن نختلط بالمؤمنين، وأن نحضر المجلس المباشر، وأن نترك لذيذ النوم، وأن نترك الدفء في هذه الأجواء الباردة لأن نحضر، لأن تنظر إلى الخلق ونحن نحضر فهم كتابك والاستهداء به، فيكون هذا فيه أجر مضاعف لكم.
لو حضرتم الدرس فقط خشية فواته فهذه نية حسنة، لكن أنتم تحضرون الآن ليس فقط خشية فواته، وإنما إيثاراً لمحاب الله على محب النفس، وهذا مقام أعلى لمن تدبره. وجزاكم الله خيراً، وبارك فيكم، وحفظكم، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وإن تطيعوه تهتدوا.
بدر آل مرعي