بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. حياكم الله وأحياكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذا المجلس، وأن يرزقنا فيه العلم النافع والعمل الصالح.
نكمل ما كنا قد بدأناه في سلسلة الاستهداء بالقرآن، وقد بلغنا سورة قاف التي سنتدارسها بإذن الله سبحانه وتعالى كاملة في هذا المجلس. لو أذن الشيخ الكريم القارئ أن يقرأ السورة كاملة، ثم بعد ذلك نعلق عليها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَلِكَ الْخُرُوجُ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقَّانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمْعَ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَان قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ۚ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ۚ ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:
1-45].
أحسن الله إليك وطيب أنفاسك وجزاك خيراً.
بسم الله الرحمن الرحيم. هذه سورة قاف، وكما اعتدنا بأننا قبل أن نستهدي بالقرآن لابد أن نعرف المعاني؛ حتى يكون الاستهداء مبنياً على معنى صحيح، فإن الإنسان إذا هجم بالاستنباط والاستهداء إلى الآيات دون أن يعرف معناها فسيقع في أخطاء يتحرز منها.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1]. هنا أقسم الله سبحانه وتعالى بالقرآن، وجواب القسم تقديره لتبعث، لأنهم أنكروا البعث. قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ أي كفار مكة، والسورة مكية بالإجماع، بل إن بعض المفسرين ذكر أن آية منها مدنية والبقية مكية، والصحيح أنها كلها مكية، نقل الاجماع على هذا ابن عطية.
قلب العجب كفار مكة؛ أي أن جاءهم منذر مخوف منهم يعرفون نسبه وصدقه، فقال الكافرون هذا شيء عجيب، أي أن قول محمد صلى الله عليه وسلم أنا نحيا بعد الموت هذا استغربوه واستعجبوا منه: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ أي أنرجع، أنرجع إذا متنا وصرنا تراباً؟ وهم بعد هذا انكروا ذلك أصلاً، قالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ يعني حتى لو ثبت وحتى لو أتيتم بالادله ذلك رجع بعيد، أي أنه بعيد عن العادة.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي ما تأكل من لحومهم، ﴿وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أي محفوظ من الشياطين. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ أي القرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي مضطرب، وهذه الكلمة مهمة جداً في فهم السورة، كلمة مريج، فهم يقولون مرة إنه شعر، ويقولون مرة إنه كهانة، ما ثبتوا على حال، وقالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ساحر كاهن شاعر، ما استطاعوا أن يثبتوا على تهمه واحدة، فهم في أمر مريج.
﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا﴾ أي نظر اعتبار لما أنكروا البعث، ﴿إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ يعني بنيناها بلا عمد وزيناها بالكواكب ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ أي شقوق وصدوع. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ أي الجبال، ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ من كل صنف حسن ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ أي جعلنا ذلك تبصرة وذكرى ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ والانابه الرجوع إلى طاعة الله. ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا﴾ وهو المطر ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أي أشجاراً وثماراً، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ أي وحب الزرع الذي من شانه أن يحصد.
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أي طويلاً في السماء، وهذه السورة تسمى سورة قاف وتسمى سورة الباسقات، ولم أجد لها اسماً ثالثاً في كتب المتقدمين، وجدت هذين الاسمين فقط. قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ﴾ أي ثمر، والطلع أول الثمر قبل أن ينشق، ﴿نَّضِيدٌ﴾ أي منضود بعضه فوق بعض ﴿رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أي بالمطر ﴿بَلْدَةً مَّيْتًا﴾ أرضاً جدبة، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل هذا الاحياء ﴿الْخُرُوجُ﴾ أي الخروج من القبور.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أي قبل قريش، قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع، كل كذب الرسل فحق وعيد. هذه الأمم سيقت مساق التذكير التاريخي بأن هؤلاء كلهم قد كذبوا ومعذا حق وعيد، كل كذب الرسل فحق وعيد. ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ هذا سؤال توبيخ، بل هم في لبس من خلق جديد الذي هو البعث.
ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه، أي تحدث به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقَّانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ المتلقيان هما الملكان الموكلان بكتابة العمل. عن اليمين وعن الشمال، الجمهور على أن الذي في اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب السيئات. قعيد أي مقاعد ملازم. ﴿مَّا يَلْفِظُ﴾ أي الانسان ﴿مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ يرقب قوله ﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر معه.
وجاءت سكرة الموت، وشبهت هنا بالسكره لشدتها الذهبة بالعقل، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بحقيقة الموت، ﴿ذَلِكَ﴾ أي الموت ﴿مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي ما كنت منه تميل وتهرب أيها الانسان. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ أي نفخة البعث، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾. ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ﴾ ملك يحثها إلى المحشر ﴿وَشَهِيدٌ﴾ ملك يشهد عليها بما عملت.
قال: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ﴾ أي غطاء الغفلة ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ نافذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. وقال قرينه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي هذا الملك يقول هذا ما هو مكتوب عندي معد محضر. ثم يقول تعالى خطاباً للسائق والشهيد: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ معاند للحق ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ ظالم، ﴿مُّرِيبٍ﴾ شاك في دينه، ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾.
قال قرينه، أي الشيطان المقيض له تبرأ منه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ما أضللته أنا، ﴿وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ هو أصلاً في ضلال. قال، أي فيقول الله سبحانه وتعالى: لا تختصموا لدي لأنه لا ينفع، لا ينفع الخصام هنا، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ في الدنيا قدمت إليكم خوفتكم بالرسل بما أعددت لكم من العذاب هنا لكنكم لم تؤمنوا. ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ بالثواب والعقاب لا تتغير، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعِبَيدِ﴾ فأعذبهم بغير جرم.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ فتجيب مستفهمة تأدباً وتقول هل من مزيد. وأزْلفت، أي قربت الجنة للمتقين غير بعيد، هذا ما توعدون لكل أواب، أباب رجاع، حفيظ أي حافظ لأمر الله، من خشي الرحمن بالغيب أي خاف الرحمن واطاعه ولم يره فكانت وصفه بالغيب وصف خوفه، وجاء بقلب منيب مقبل على الطاعة، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مَحِيصٍ﴾ أي هل لهم من مفر من أمر الله؟ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي كان له عقل ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أصغى لسماع كتاب الله، وهذا فيه ما قلته لكم بأن الأصل في الهدايه الاستماع، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي حاضر القلب غير غافل.
ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب، من تعب وإعياء، ما مسنا ذلك. فاصبر يا محمد على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وهي على الصحيح صلاة الفجر، وقبل الغروب صلاتي الظهر والعصر، ومن الليل فسبحه يعني صلاة المغرب والعشاء فتمت خمس صلوات، وأدبار السجود قيل أنها الركعتان التي هي بعد المغرب وقيل أنها قيام الليل.
واستمع يوم ينادي المنادي، إسرافيل ينادي بالحشر من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحه بالحق ذلك يوم الخروج، أي الخروج من القبور. ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ۚ ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي لست بمسلط تجبرهم على الاسلام وإنما أنت داع، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي ما أوعدت من عصاني من العذاب.
هذا كان المعنى الاجمالي والتاويل للسورة. سناتي الآن إلى هدايات السورة وما فيها من استنباطات. لما تأملت هذه السورة وأطلت النظر فيها وجدت عنواناً لها يصلح أن يكون شاملاً لكل مقاصد السورة وهداياتها، وهو كواشف الغفلات. هذه السورة أتت لتعالج مشكلة الغفلة عند الانسان، سواء الغفلة عند المؤمن بغياب حضور الآخرة واستحضارها في قلبه، أو غفلة الكافر عما سيلقاه من العذاب في الآخرة. فهي هذه السورة أتت لمعالجة الغفلة التي هي بخلاف اليقظة، والغفلة داء يصيب المؤمن والكافر، فالسورة أتت لتعالج مسألة الغفلة عند الإنسان. فكل فائدة سأذكرها لابد أن نستحضر الهدايه الأساسية لها، وهي أن هذه السورة أتت لتذكر كواشف الغفلات، ما يكشف الغفلة عند الإنسان.
الفائدة الأولى: أن القرآن مبدأ انقشاع الغفلات وخاتمته. القرآن هو أول ما يعالج به الإنسان غفلته وآخر ما يعالج به. من أين أتيت بهذا المعنى؟ أن أول السورة قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] فهو استفتحها بذكر القرآن، وختمها بذكر القرآن: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]. فهكذا أصبحت تقويسة في الأول وفي الآخر بأن لا تنسى بأن القرآن مبدأ انقشاع الغفلات وخاتمته، لابد أن تهرع إلى القرآن حتى تنقشع غفلتك، يكون عندك ألفة للقرآن تقرأه دائماً. حضر مزاجك، لم يحضر مزاجك، هناك ظروف مثالية، ليس هناك ظروف مثالية، لابد أن تألف القرآن وأن تصاحبه، لابد. بل إنني أحسب أن الإنسان لا يهدى إلى كثير من معاني القرآن إلا إذا أطال صحبته بالتلاوة والاستذكار. يعني أن الإنسان لو أطال النظر وهو لم يكن له ورد يومي مواظب عليه لن يكون فهمه بذات الطبقة لفهم الشخص الذي عنده ورد يومي، ذاك يعطيه القرآن أسراره لأنه صاحبه، وكل مصاحب يعطي الأسرار. فالقران مبدأ الهداية فيه، وأن تنقشع الغفلة عن قلوبنا بأن أصحبه في ورد دائم ملازم لنا، وسناتي إن شاء الله في آخر الدرس إلى عهد قراني، عهد الأسبوع الذي اعتدنا عليه وساذكره لكم في آخر الدرس.
الفائدة الثانية: هذه السورة عالجت مشكلة إنكار المشركين للبعث والنشور وردت عليهم بخمسه أنواع من الأدلة. هنا أدلة تصلح لمن أراد أن يرد عن الإسلام أي فكرة يكون فيها قدر من الشبهات. الدليل الأول في الرد على منكري البعث والنشور: التفكر في الجسد ومصيره، انظروا في هذه السورة كيف تكلم الله سبحانه وتعالى عن الموت وما يجري للإنسان من لحظة الموت وهذه الأمور. الدليل الثاني: التفكر في خلق الأرض الممتده وما بها من جبال هذا دليل ثان. الدليل الثالث: إحياء الأرض بعد موتها بالغيث. الدليل الرابع: إهلاك الأمم السابقة: نوح والرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع. هذه كلها دالة على القدرة. التفكر في الجسد ومصيره، التفكر في خلق الأرض الممتدة وما بها من جبال، وإحياء الأرض بعد موتها، وإهلاك الأمم السابقة، كلها دالة على القدرة، فالإنسان إذا استحضار قدرة الله في هذه الأمور تجد أنه يسلم بأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه.
أساليب الموعظة القرآنية الواردة في السورة أساليب متنوعة. سنجد أن ما يكشف الغفلة عند الإنسان إذا دخلت في حاله مواجهه مع نفسك أو مع غيرك، سواء كان مؤمناً أو لم يكن مؤمناً، فعندك خمسة أساليب. الأسلوب الأول: السؤال المنوع، هذه السورة فيها خمسة عشر سؤالاً تخيلوا، فيها أسئلة كثيرة، وهذا السؤال واستثاره السؤال هو مما يكشف الغفلة عن الإنسان. وتجد وكم وكم وكم أهلكنا قبلهم من قرن، وتجد أسئلة كثيرة جداً، مثلاً: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: 15]، ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [ق: 3]، هنا أسئلة. الأسئلة الوارده في هذه السورة دالة على أن
الإنسان إذا أراد أن يعظ نفسه أو غيره، عليه أن يثير الأسئلة فيقول: وماذا بعد؟ ثم حصلت هذه الشهوات، ثم ماذا؟ وهب أني وصلت إلى ما أريد، ثم ماذا؟ تقشع عن القلب الغفلة. الأسلوب الثاني أسلوب الحوار، تجد أن في هذه السورة: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 23]، وقال وقال، قال: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: 28]، وقال قرينه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: 27]، قال: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: 28]. فتجد أن موجود في السورة حوار، وإقامة الحوار مع النفس ومع الآخرين لا تكون فقط بإثارة الأسئلة، وإنما يكون بمداولة الأفكار وكشف الزيوف فيها.
أحيانا بعض الناس يتوهم كمال فكرته في ذهنه، فإذا عرضها على الناس تبين له عوارها، فالحوار من كواشف الغفلات التي نستنبطها ونستهدي بها في السورة. من أساليب الموعظة القرآنية في هذه السورة الوعد والوعيد. الوعد والوعيد يعني تكون موعظة الإنسان بين الترغيب والترهيب، فتجد هذا موجودا أيضا في سورة ق: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: 31] هذا ترغيب، وكم أهلكنا قبلهم من قرن هذا ترهيب. فلا بد للمسلم أن يعظ نفسه وأن يسوقها بالترغيب والترهيب، وأن يعظ غيره أيضا، يكون عندنا موازنة بين الترغيب والترهيب ولا يطغى أحدهما على الآخر إلا لمصلحة يقتضيها الحال الذي يعظ فيه.
أيضا شيء اسميه أنا اسميه القياس التلميحي، هذا من أساليب الموعظة القرآنية. من أساليب الموعظة القرآنية القياس التلميحي، وهذه تسمية هكذا يعني اجتهدت بها، هناك قياس لا يكون فيه أمر مباشر، وإنما يكون فيه تلميح لمن كان له قلب بأن يفهم، وهذا موجود في سورة ق: ﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1]. القسم بالقران دال على عظمته، وهذا فيه إلماح إلى أن الهداية في القرآن، لكنه لم يقل له ابتداء اذهب واقرا القرآن، لا يعني هناك تلميح فقط، هذا من أساليب الموعظة القرآنية أن لا تكون مواجهة مباشرة، وإنما يكون هناك تلميح.
أيضا مسألة البعث والجسد: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق: 16-20]. هنا ذكر الخلق والإماتة فيه تلميح لمنكر البعث، بأن الله سبحانه وتعالى حين خلق الإنسان أولا فهو قادر، لما قال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: 15]، يعني إذا كانت الصعوبة أكبر في الخلق الأول وحدث ذلك، فكيف باعادة الأمر؟ معلوم أن إعادة الأمر أيسر من البدء به من جديد، فهذا فيه قياس تلميحي.
أيضا المطر والارض، ذكر المطر والارض: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا﴾ [ق: 9]، هذا فيه إلماح إلى أن الله سبحانه وتعالى ينزل ماء مباركا كما أنه ينزل الوحي، ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ [ق: 9] أي تحيا به الأرض. دل ذلك بالقياس التلميحي هذا، على أن الوحي الذي هو من السماء قادر على كشف الغفلة، فهذا فيه قياس تلميحي بأن الله سبحانه وتعالى يحيي البعيد منكر البعث كما أنه أحيى الأرض بعد موتها فهو قادر على إحيي الجسد بعد موته، هذا وجه. والوجه الآخر يا صاحب القلب القاسي -وكلنا كذلك-: من أنزل الماء وأنبت به جنات وحب الحصيد، فهو قادر على أن ينزل من السماء وحيا فينبت به من ألوان الإيمان في قلوبنا ما ينبت، فهذا قياس تلميحي.
من أساليب الموعظة القرآنية -وهذا أسلوب مهم- الحث على التعبد الذاتي، أن تامر من أمامك وتامر نفسك حتى تتقبل هذه الموعظة أن يتعبد، ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ﴾ [ق: 39]، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: 40]، هذه كلها أوامر بالعبادة. لما؟ لأن الإنسان إذا اعتاد العبادة وألفها حصل له من القبول والتسليم لأوامر الله ما يحصل. قد يأتي إنسان ويقول أنا غير مقتنع بالمعنى الفلاني في القرآن، لماذا قال الله كذا ولم يقل كذا؟ لماذا في الإسلام أنتم تظلمون المرأة؟ لماذا يحصل لكم؟ إلى آخر ما يكون من شبهات. أحيانا لا يكون الجواب السديد بأن تقول الجواب كذا، بل تقول كيف أنت مع صلاتك؟ كيف أنت مع واجباتك؟ كيف أنت مع والديك؟ لأن الإنسان إذا تعبد وأخضع نفسه بالعباده فهو يهيئ قلبه لتلقي المواعظ القرآنية. تقول له المطر الذي هو الوحي الذي هو الغيث ينزل إليك لكن التربة غير صالحه، اصلح تربتك. يقول فلان والله إن القرآن ليس به معجزة، تقول هو قد اعجز غيرك، لكن اصلح تربتك. فالامر بالعباده هو في الحقيقه من اساليب المواعظ القرانيه.
من الفوائد في هذه السوره أن الانسان حينما تفكر كيف لي أن أعظ نفسي ومن امامي سواء كان من امامي مؤمنا أو كافرا كيف لي أن أعظه موعظه قرآنية تحقق هذه الصفات كلها، وجدتها في سورة ق. تبصرة، تبصرة بمعنى الوضوح، فتجب علينا أن تكون مواعظنا واضحة، ليس بها رموز، ليس بها استعراض لغوي فارغ، الأمر المقصود به إيصال المعنى وتحريك القلوب، فكلمة تبصرة دالة على أن من صفات الموعظة القرآنية الوضوح. الثاني التكرار، من أين أتيت بالتكرار؟ ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 8]. وفي صحيح مسلم أن أم هشام بنت حارثة بن النعمان أنها حفظت سورة قاف من في النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر من كثرة ما كان يكرر سورة قاف في خطب الجمعة، فهي كانت تكرر.
ومن صفات الموعظة أن تكررها، لا تاتي بجديد، كرر، لا تدري أي رواسب أنت أزلتها بالموعظة الأولى، هذا قد لا يظهر لك فتاتي الموعظة الثانية التي كررتها ولو عيب عليك التكرار، لكن كرر، هذا منهج القرآن، فتزيل رواسب أخرى، فتكرر فتزيل رواسب ثالثة حتى تحصل الهداية وتنكشف الغفلات. ثالثا من صفات الموعظة القرآنية اشتراط التسليم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 8]، فكونه وصفه بأنه عبد دال على التسليم. إذا رايت الانسان فيه عناد لما قد يكون ضروريا يفهم دون أدنى جهد وهو يغالط في الأمور البديهية بدات تشم كلامه التمرد فاتركه، نعم اتركه، لأن من واجبات الواعظ أن يعظ، ومن واجبات المتلقي للوعظ بأن يسلم، ما حصلت منه هذه العبودية أو ما حصل منه في البداية على الأقل تسليم مبدئي، حتى لو لم يحصل التسليم الكامل عبد لم يحقق هذا الأمر فعليك أن تتركه لا فائدة منه.
الرابع اشتراط الاستعداد للتراجع، تقول له أنا سأناقشك لكن إذا وجدت حقا أتعني بأنك ستتراجع؟ من أين أتيت بها في صفات الموعظة؟ أواب، وقد قلنا لكم بأن أواب هي بمعنى الراجع، أي الذي رجع عند رؤية الغلط. الخامس من صفات الموعظة القرآنية بيان المصير، تجد أن سورة قاف فيها ذكر للجنة والنار، فتقول لمن أمامك وتقول لنفسك: لو عاندت فاحذر أن يكون مصيرك إلى النار، احذر، لا تجزم، قل له احذر، تبين له مصيره تقول من عاند ولم يقبل الموعظة القرآنية واستمر في غفلته فهنا نار قد ترد إليها وهنا جنة قد تحرم منها، فبيان المصير من أساليب الموعظة القرآنية.
أيضا من الفوائد هنا التي يحسن أن نذكرها قبل أن نختم، أن هذه السورة لاحظت أنها توأمة مع سورة الفرقان، سبحان الله بعض السور لما تختم ختمة استهداء تجد أن مواضيعها متشابهة، تجد أن بعض السور بينهما توأمة، الموضوع هنا هو الموضوع هنا، وهكذا، يعني مثلا هذه السورة سورة قاف والفرقان بينهما توأمة. قاف والقرآن المجيد وتجد تبارك الذي نزل الفرقان على عبده، يعني ذكر للقرآن في البداية، أصحاب الرس مذكورون هنا وهناك، الحوار موجود هنا وهناك، الإنذار موجود هنا وهناك، إذا أرت أن تستهدي بالقران تذهب إلى السورة وإلى توأمها المعنوي، يعني يفتح لك باب كبير. أصحاب الرس لم يذكروا في القرآن إلا مرتين، مرة في قاف ومرة في الفرقان فقط وهذا عجيب يعني، وكل هاتين السورتين تعالج مسألة الطغيان والغفلة بالقران.
أيضا من الفوائد هنا أن القوة لها علاقة بالغفلة، أن الإنسان إذا رأى من نفسه قوة أو استغناء فليحذر الغفلة، تجد ذلك في نون التعظيم. هنا حديث عن كثرة كاثرة من الأمم، نوح والرس وثمود وعاد وفرعون، كل هذه الأمم بكثرتهم، تجد أن الكثرة والقوة التي هي من لوازم الكثرة أنها تعين على الغفلة والله المستعان، فأحيانا تكون أحوال الاستضعاف للإنسان أو للمجتمع أحيانا تكون رحمة من الله سبحانه وتعالى بأن لا يصاب بالغفلة، هذه فائدة.
الفائدة الأخرى بأن الكثرة ليست دليلا على الحق، السورة مليئة بأفعال الجمع: ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ [ق: 5]، ﴿عَجِبُوا﴾ [ق: 2]، كذبوا، هكذا بالكثرة. ويعجبني في ذلك مناظرة حصلت للحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي، قال له الوالي وقد ضاق منه قال أكل هؤلاء على باطل وانت على حق؟ ماذا تتوقعون إجابته؟ ما قال الحق ليس مرتبطا بالكثره، وانظر إلى الأدلة التي انظروا إلى الاستعلاء كيف أجاب، قال أهؤلاء كلهم على الباطل وأنت على حق؟ قال نعم، بكل بساطة بكل ثقة نعم، لأن الكثرة لا اعتبار لها، لا اعتبار لها في مسألة التصويب والتخطئة، لا اعتبار لها، فتجد أن مع كثره الأمم الهالكة لكن هذا لم يكن دليلا لهم على صواب أفكارهم، كل هؤلاء الناس خطأ وأنت صواب؟ أهذا منزع خاطئ في كشف الغفلة عن النفس، بل إن الغفلة ألصق بمن كان لا يفكر وكان مندرجا في جماعة لا يفكر.
أيضا فيه فائدة بأن الحساب على ما تلفظ به الإنسان لا على ما في النفس والخطرات. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: 16]، الآن ما توسوس به نفسه الله سبحانه وتعالى قال نعلم مجرد العلم وليس الحساب. ولما أتى باللفظ قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] أي أن الحساب يكون على التلفظ لا على ما يكون بالانسان من خطرات، هذه فيه رحمة من الله سبحانه وتعالى.
أيضا من كواشف الغفلات بأن يكون عند الإنسان كوابح للفرح والنوازع الإنسانية، يتذكر الموت وهذه عبادة قلبية وقت الغفلات، يتذكر أحوال الجسد عند مفارقته للدنيا، ويتذكر ما جرى للأمم في تاريخهم، يسير في الأرض فينظر كيف كان عاقبة الذين من قبلنا، هذه كلها تكبح الفرح المبالغ فيه، وتجعل الإنسان متزنا في مشاعره ولا يحصل له هذا الطغيان يؤدي إلى الغفلة. الفائدة أخيره، كما ذكرت لكم التساؤلات الموجودة: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا﴾ [ق: 6]، أفعيينا، هل امتلأت، أفلم ينظرو، وكم أهلكنا، هذه هي التساؤلات الموجودة في السورة.
الفائدة الأخيرة التي ذكرت لكم بأنه مهما اشتدت هذه الغفلة فدواؤها بالقران. من أين أتيت بهذا؟ تجد أن الصفات أتت بصيغة فعال الدالة على التكرار وعلى القوة وعلى الشدة، كفار، مناع، معتد، مريب، هذه صفات شديدة جدا، كفار عنيد، فيها صفات دالة على استحكام الغفلة في النفوس، ومع ذلك، ومع ذلك، الجواب في هذا التقويس التقويس الذي ابتدأ أول سورة قاف بذكر القرآن وختم فذكر بالقران من يخاف وعيد.
هنا فائدة أضيفها أخيرا متعلقة بخاتمة سورة قاف وهي مهمة جدا، مع سورة الحجرات تلاحظون أن سورة الحجرات ختمت بالححث على استحضار مقام الله في الغيب، أن الله يعلم غيب السماوات والأرض، فهذا يؤدي إلى الأدب كما قلنا لكم، وهنا أيضا ختمها بنحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار، فاستحضار مقام الله سبحانه وتعالى في الغفلات مهم جدا حتى يعالج الإنسان نفسه. أيضا من الفوائد الموجودة في هذه السورة في قول الله سبحانه وتعالى وما أنت عليهم بجبار قال نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار، هذا دال على أن صفة العلم تورث الخلق حسنا في التعامل وصفاء في الإيمان والمعتقد، وأن الخلق الحسن والمعتقد السليم توام، وأن الخلق الحسن يطلب كما تطلب سائر العلوم.
الفائدة الأخيرة أنا أطلت عليكم في هذه الفوائد لكن لا اريد أن أملكم، لكن اختم بهذه الفائدة، الفائدة الأخيرة بأن الشك عقوبه لمريد الضلال. الشك، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: 5]، هنا من أسباب الغفلات هو أساسا كذب بالحق لما جاء، فكيف عوقب؟ فهم في أمر مريج. يعني أن الشك قد يكون عقوبة على ما اقترفه الإنسان.
وفي تعامل القرآن مع الضال ومريد الضلال اختلاف، الضال نتعامل معه بالرحمة، الضال الذي خلى ذهنه من هذه الأساليب العنيدة، ومريد الضلال لابد أن نسجره، لابد أن نسجره. الحديث عن أن يجب أن تناقش كل أحد أو يجب أن تبالغ في حوار كل أحد لا، هذا ليس منهجا قرآنيا، أتحدى أن يكون هذا هو منهج القرآن، ما علمته من القرآن يخبرني بأن الضال حقه الرحمه وأن مريد الضلال حقه الزجر، هذا هو الصحيح، لما؟ لأن الشك لا يكون ابتداء في كل نفس، أحيانا يكون الشك ابتلاء فيعالج الإنسان بما ذكرته لكم من كواشف الغفلات الموجودة في السورة، وأحيانا يكون عقوبة، هنا بل كذبوا بالحق لما جاءهم هم كذبوا ارتكبوا كفرا، طيب لما كفروا كيف عوقبوا؟ عوقبوا بالشك، فأنت تنظر في نفسك وفيمن حولك وفيمن يأتي إليك وفيمن تأتي إليه بأن الشك والأسئلة وعندي اسئله وهذه الامور التي تخالف اليقين قد تكون في بعض الأحوال ابتلاء يصبر عليه ويسعى في طلب اليقين، وقد تكون عقوبة له على قبيح أفعاله، وهذا أمر مضطرد في كل أوامر الشريعة ونواهيها.
بعض الامور قد تكون ذنبا وبعضها قد تكون ذنبا وعقوبة، بعض الامور في الشريعة قد تكون ذنبا وبعضها قد تكون ذنبا وعقوبة، يعني بعض الناس يقول كيف لا يرى الحق؟ كيف اتخذ هذا الموقف المخزي؟ كيف له أن ينطق؟ أما كان له في السكوت غنية؟
أنت تعامل نطقه بالباطل في هذا الموقف، تعامله على أنه ذنب فقط، لكنك لا تعلم أنه أحيانا يكون هذا الأمر ذنبا وعقوبة أيضا. قد يكون الإنسان متكبرا معتدا بنفسه، أو له خلوات قبيحة، أو قد انتهك الحرمات، وقد سار في طريق الغفلات سيرا طويلا بكل ما فيه من عناد وجبروت، ثم تقول في نفسك: هذا حرم الهداية بهذا السبب. حرم الهداية؛ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، الله منع الهداية عنهم، الله لا يهديهم، منع الهداية عنهم.
لذا، من أراد الهداية عليه أن يعالج نفسه أولا، لأن بعض الأشياء، بعض ما يخطر في البال من أسئلة، هي في ظاهرها أسئلة معرفية، في ظاهرها أسئلة فكرية، في ظاهرها أسئلة منهجية، لكنك لا تدري، قد تكون ابتلاء ليزداد يقينك، وقد تكون عقوبة لك. هذا الذي لاحظته، والله سبحانه وتعالى أعلم، بأنه كلما قصرنا في شيء زاد جدلنا فيه. كلما قصرنا في شيء زاد جدلنا فيه.
خذ الملفات التي يكثر الجدال فيها، ستجد أن فيها أوامر مضاعة، وكلما زادت الأوامر المضاعة هرب الإنسان منها بالجدل، يهرب بالجدل، ويعاقبنا الله سبحانه وتعالى فيها بعدم اتضاح الحق لكل الناس. خذوا هذا في كثير من الأمور، مثلا الصلاة، صلاة الجماعة مثلا، لما كثر تقصير الناس بسبب الغفلات عن أدائها في وقتها، تجد أن أكثر ما يناقش الناس: صلاة الجماعة على الرجال واجبة ليست واجبة؟
وتجد في صنف النساء، لأنه كثر التقصير في الحجاب، فتجد أن أهل الحجاب كذا أو كذا، ما دليلك على الحجاب أصلا؟ عندما كثر التقصير حرمنا التسليم، والله حرمنا التسليم، عدم التسليم يكون عقوبة أحيانا. هذا الحاصل حتى في أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته. الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا نزولا يليق به، فيقول: «هل من داع فأجيبُه، هل من سائل فأعطيَه». المنطوي في هذا الحديث أمر بأن يستثمر هذا الوقت في قيام الليل، في الاستغفار، في الدعاء.
لما كثر تقصيرنا في هذا الباب، حولناه إلى جدال، على أني أقول إن هذه المسالة فيها حق وساطع، لا أساوي بين طرفين، لكني أقول إن من ابتلاءاتنا بأننا انصرفنا عن الأمر الحقيقي إلى الجدل، حتى تقصيرنا. ولاحظوا هذا في كل مسألة، لما نقصر في حق إخواننا، لا نقصر ونقول: استغفر الله، ونحاول تتميم ما عندنا، ونقول: يا رب اهدنا، يا رب اكشف الغفله عنا.
في أي شيء، حتى واجب نصرة إخواننا مثلا، تجد أننا نكثر من الجدل، نغذي هذه الغفلة، وما يدريك وما يدريك وما يدريك، وتأتي أسئلة وجدالات. هذه الأسئلة ليس محفزها وباعثها في الناس ليست مسألة أن المسألة صعبة، وأن الحق فيها مشتبك وانه غامض، لا، لا، أبدا، أبدا، قلت لكم إن الموعظة القرآنية واضحة تبصرة، لكن هذا التيه يحصل عقوبة أحيانا.
فالتيه والقلق والأمر المريج يكون أحيانا ابتلاء يتوصل به إلى يقين، ويكون أحيانا عقوبة لنا على سابق ما صنعناه من مخازي ومآثم. أسال الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحيينا مع القرآن، وأنه إن كتب في سابق علمه بأن يحرمنا من محبوب، فلا يكن هذا المحبوب مجالس القرآن وتدارسه وفهمه يا رب العالمين.
اللهم يا حي يا قيوم، اللهم إنا نسألك بمدارستنا لسورة ق، نسألك أن تقشع عن قلوبنا وقلوب إخواننا وجميع الناس الغفلات يا رب العالمين. ونسألك بمدارستنا لسورة ق في هذا اليوم المبارك، بأن تجعلنا موصولين بأقواس القرآن، بالقسم الأول بذكر بالقران من يخاف وعيد يا رب العالمين. اللهم اهدنا إلى الموعظة القرآنية السديدة الرشيدة. اللهم آمين، شكر الله لكم وجزاكم الله خيرا.
أما بالنسبة للعهد، فقلت لكم في هذه السورة بأن الأصل في الهداية الاستماع، وهذا ذكرته لكم، لا أدر في مجلس الشمائل أو في مجلس الفاتحة، قلت لكم بأن الأصل في الهداية الاستماع. وذكرت لكم في هذه السورة بأن الأصل في الهداية الاستماع، لذا ختمة سنتعاهد عليها بأن لا يأتي الدرس المقبل إلا وقد ختمناها ختمة استماع.
وأنا أقترح لكم ختمة الشيخ أحمد ديبان، عنده ختمة أتى فيها بالأحكام المجملة دون أن يطول الوقت، فتجد الختمة في ست ساعات فيما أذكر. لو أخذنا كل يوم استماع وإنصات يعني يكون في وقت ليس فيه شواغل، سانزل لكم رابط اليوتيوب لختم الشيخ أحمد ديبان، ونستمع في كل يوم ساعة، حتى يأتي إن شاء الله الاسبوع المقبل قد أتممنا ست ساعات ختمة للقران كاملة.
وأبشركم بأن جمهور العلماء من الفقهاء نصوا على أن اجر المستمع المنصت كأجر القارئ، وهذا نص عليه الإمام النووي وغيره، بأن أجر المستمع المنصت كالقارئ. فلما إما نستمع إلى ختمة كاملة استماعا وإنصاتا، فكأننا ختمنا القرآن كاملا في هذا الأسبوع. شدوا العزم وصفوا النية، فرغوا قلوبكم وأوقاتكم.
لو استطعنا لاحقا، لكن لا تجهدوا أنفسكم، لو استطعنا أن تكون كل يوم ختمة، هذا ممكن ليس ببعيد، أن تختم أن تستمع في اليوم ست ساعات، هذا ليس ببعيد، لكن للترفق بالنفس أن نبدأ بختمة في الأسبوع، أن نسمع هذا المقطع أمامك، نسمعه حتى نصل إلى الأسبوع المقبل وقد مررنا على القرآن استماعا، لأن الاستماع كما ذكرت لكم من كواشف الغفلات.
وهذا العهد الذي نريد أن نعقد قلوبنا عليه، شكر الله لكم، جزاكم الله خيرا. والله إني أخجل، استحي حياء شديدا، وأسارق النظر، ولا أريد أن أنظر إلى هذه الأعداد، لأن والله أعلم أنكم إنما أتيتم للقرآن، لكن الإنسان يستحي في هذا الوقت الصعب أن يحضر له الناس بهذه الكثافة. نسال الله سبحانه وتعالى أن يجزيكم خير الجزاء، وأن يرزقني بكم وببركاتكم، أن يرزقني تطبيق ما أقول، وأن يكشف عني وعنكم الغفلات، وأن يرزقنا صحبة سورة ق وما بعدها إن شاء الله.
التقيكم الأسبوع المقبل، سيكون عندنا سورة الذاريات كاملة، شدوا العزم، سنختم إن شاء الله بإذن الله المفصل، وسنرى في أنفسنا ببركات القرآن تغيرا شديدا بإذن الله سبحانه وتعالى في العلم والعمل. اصبروا، جاهدوا، حتى ولو اختلف المزاج، حتى ولو أتت الظروف، ثبتوا أنفسكم. هذا أمر لا يخضع لرغبتنا، وإنما يخضع لحاجتنا، هكذا نربي أنفسنا أن هذا الأمر ليس له علاقة بأن أرغب أو لا أرغب.
بعض الأمور تكون، يعني يكون تعاملنا مع أنفسنا باحتاج ولا أحتاج، فهذا مجلس نحتاجه جميعا، فليس لسؤال الرغبة من عدمها حضور هنا، نقول: أحتاج أو لا أحتاج. فعليه، سواء رغبت أو لم أرغب، ما دمت أحتاج فأنأ سأحاول أن أجاهد نفسي. بارك الله فيكم، وأحسن الله إليكم أجمعين، وشكر الله للأخ القارئ الجميل هذه التلاوة التي هي لب الاستهداء، فنحن نستهدي بالقران.
أما الكلام الذي بعدها فليس بشيء، ليس له معنى أساسا، يعني إنما هو هكذا أحاديث وعلى قولتهم سواليف. لكن شكر الله للأخي القارئ هذه التلاوة الطيبة المباركة. أحسنت إلينا يا شيخ في هذا المجلس وأنت صاحب مجلس الاستهداء، أما أنا وما قلته فأمر يعرفه الجميع، وإنما هي ذكرى، ما أتيت بشيء جديد. بارك الله فيكم وحفظكم، جزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54].
بدر آل مرعي