بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. حياكم الله في درس جديد من دروس الاستهداء بالقرآن، نستكمل فيه ما كنا قد عزمنا عليه من تفسير المفصل، وقد بلغنا سورة الذاريات. يتفضل الأخ القارئ بتلاوتها تامة، ثم نفسرها تفسيراً مجملاً موجزاً، ثم نستخرج الهدايات والاستنباطات من هذه السورة. بسم الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَاتَكُمْ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ منهم خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ * وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِمْ إِلَّا جَعَلَتْ كَرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّىٰ حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ * فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:
1-60].
أحسن الله إليك وتقبل الله منك وطيب أنفاسك على هذه التلاوة الطيبة المباركة المؤثرة، جزاك الله خيراً.
بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ في تأويل سورة الذاريات، لأننا كما اعتدنا أن نهجم على اللطائف وعلى الاستهداءات دون أن نحكم المعنى، لابد أن نحكم المعنى وإلا أتينا بمعاني منكرة، فلا بد للمتدبر وللمستهدي أن يحكم التفسير أولاً حتى لا يأتي بما يشذ.
في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ يعني الرياح التي تذر التراب ذرواً. ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ أي السحاب المملوءة بالماء. وقراً ثقلاً. ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ الصحيح بأنها بمعنى السفن يسراً أي تجري في الماء جرياً سهلاً. المقسمات المقسمات هنا هم الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق من أرزاق وأمطار وغيرها.
إِنَّمَا تُوعَدُونَ من الثواب والعقاب لصادق، وَإِنَّ الدِّينَ أي الحساب والجزاء لواقع لا محالة. وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ أي ذات الخلق الحسن المحكم، يقال حبك فلان الثوب يحبكه إذا أجاد في نسجه.
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ تصديق وتكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم. يُؤْفَكُ عَنْهُ يصرف، الأصل في الإفك الصرف، من أفك أي من صرف عن السعادة والحق والهدى. قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ أي الكذابون الذين يلقون الأقوال بالظن. الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ في غلبة الجهل والغفلة.
يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يسالون استهزاءً يقولون أيان أي متى متى يوم الجزاء؟ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ أي يعذبون. ذُوقُوا فِتْنَاتَكُمْ أي عذابكم وحريقكم هذا الذي كنتم به تستعجلون أي تستعجلون باستهزائكم.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ أي قابلين ما آتاهم ربهم بسرور لأنه أجمل ما حصل لهم. إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ في أعمالهم وأخلاقهم. كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ كانوا قليلاً ما ينامون، أي أنهم كانوا في معظم الليل يصلون ويذكرون الله سبحانه وتعالى. وَبِالْأَسْحَارِ في أواخر الليل وقبيل الفجر هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ الصحيح أن السائل هو الذي يطلب، وَالْمَحْرُومِ هو المتعفف الذي لا يسأل.
وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ دلائل على التوحيد للموقنين لمن يريد اليقين، وليس شرطاً أن يكون موقناً في ذلك الحال وإنما لمن أراد اليقين. وَفِي أَنفُسِكُمْ أي في خلقكم وتدبيركم آيات، ففي تنقل الحال تنقل النفس من حال إلى حال من ضعف إلى قوة إلى ضعف، وأيضاً من اختلاف المزاج من سعادة وبؤس وغيره، فيها دلالة على أن الله سبحانه وتعالى يصرف الأكوان، فهو الذي يصرف كما يصرف هذه الجغرافيا التي نراها بأعيننا، فهو يصرف النفوس هداية وضلالاً وغيرها. أَفَلَا تُبْصِرُونَ. وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ. فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ وستاتي الفائدة بالتعبير عن النطق هنا.
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِمْ وهم ضيوف من الملائكه، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ والمنكرون هنا أي لا أعرفكم غرباء. فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ مال ميلاً خفيا دون أن يشعرهم. فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ مشوي من خيار ماله من خيار ما عنده من مال فققرده إليهم ليأكلوه، قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ. فَأَوْجَسَ اضمر في نفسه خيفه لأنه ظنهم أعداء، ولغرابه أن يقدم طعام بهذه الطريقه إلى إلى رجل ولا يأكل.
قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ هو إسحاق عليه السلام علين. فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ في شدة الصوت الصرير، في صرَّة وهو صيحة صيحة السرور تكون فيها صيحة. فَصَكَّتْ وَجْهَهَا أي لطمته بجميع أصابعها تعجباً كعادة النساء إذا أنكرتن شيئاً، وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ هي استعجبت الآن كيف الدوا. قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ ذو الحكمة، الْعَلِيم بالمصالح وغير ذلك.
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ هو الآن إبراهيم عليه السلام يخاطب الضيوف الذين عرف أنهم ملائكة. والخطب هو الأمر المهم، وفيه دلالة على أن الإنسان يسال عن أهم الأشياء، ما قال ما خبركم ما قص قصتكم وإنما قال الخطب لأنه هناك أمر ما مخفي. قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ يعني قوم لوط، لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ، مُسَوَّمَةً أي معلّمة عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ والمسرف كل من تجاوز الحد. فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا أي في قرى لوط مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ممن آمن بلوط. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ هو بيت لوط عليه السلام. وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ اعتباراً.
وَفِي مُوسَىٰ أي وتركنا أيضاً في موسى في قصة موسى، إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ والسلطان هنا الحجة الظاهرة والبرهان الباهر. فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ أي بجمعه وجنوده وأصدقائه لأنهم أصبحوا له كالركن للبناء الذي يستند ند عليه والركن يبنى عليه، وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. فَأَخْرَجْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ أي فطرحناهم في البحر، وَهُوَ مُلِيمٌ أي ملام، المليم هو الذي أتى من المعاصي ونحوها ما يلام عليه يعني هو مسؤول عما صنعه ليس بمعذور.
وَفِي عَادٍ أي في إهلاكهم آية، لماذا؟ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ أي لا خير فيها، ومعلوم بأن الريح وإن أتت بما يؤذي فهي تاتي بما ينفع، لكن هذه ريح عقيم ليس فيها إلا مطلق العذاب. قَالَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِمْ إِلَّا جَعَلَتْ كَرَّمِيمِ لا تمر بشيء إلا جعلته بالياً.
وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّىٰ حِينٍ أي إلى انقضاء آجالكم، قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام فعتوا ترفعوا عن أمر ربهم. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ. فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ ما قدروا على القيام بعد نزول العذاب، وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ أي ما أخذوا انتصارهم وما استطاعوا أن ينتقموا ممن أهلكهم. وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ أي بكفرهم وعصيانهم.
وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ بقوة، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أي لقادرون. وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ. وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ صنفين ونوعين مختلفين وستاتي حكمه ذكر هذا للمؤمنين. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتعرفون الله سبحانه وتعالى فتعبدونه.
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ. وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ثم كرر إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ وهذا التكرار فيه حرص على الهداية.
كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم أي من قبل قومك يا محمد صلى الله عليه وسلم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ كل المرسلين كذبوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم. أَتَوَاصَوْا بِهِ أي هل أوصى بعضهم بعضاً بالتكذيب كأنهم متفقون؟ هذا استفهام توبيخ لهم، بل هم قوم طاغون ليس سبب التواصي بل جمعهم الطغيان والاستعلاء في الأرض والافساد جعل ذلك تشابه أعمالهم وإن لم يتفقوا على ذلك.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي تولى عن الحرص المفرط عليهم وذهاب النفس حسرات، فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ هذا فيه جبر لخاطر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه بلغ الرسالة. فما أنت بملوم، أنظروا فرعون وهو مليم يعني عليه الملامة، والنبي صلى الله عليه وسلم فما أنت بملوم ليس عليك الملامة، وهذا فيه فائدة بأن الملامة عقوبة شديدة، بعض الناس يصرفها دون حساب كلما لقي أحدا لامه وحاسبه وعتب عليه، وهذا فيه من الإثقال على النفوس ما فيه، وإنما امتن الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم قال فما أنت بملوم، صرح بعذاب فرعون بقوله وهو مليم، بعض النفوس اللوامة ثقيلة ثقيلة مجالستها.
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي لعله أن يعبدون لأجل أن يعبدوني ويمتثلوا أمري. مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ الرزاق الذي يرزق ذو القوه الذي يوصل الرزق إلى كل أحد في مكانه.
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا أي نصيباً من العذاب مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِم أي مثل نصيب من تقدم من الأمم التي الذين ذكرناهم الأمم المعذبة، فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ لا تستعجل بالعذاب استهزاء أو تحققا فهو نازل بهم لا محالة في وقته المحتوم. فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يوعدون فيه بالعذاب وهو يوم القيامة، والويل شقاء وهم.
هذا ما كان في تأويل السورة ومعناها، وندخل مباشرة إن شاء الله سبحانه وتعالى إلى الفوائد واللطائف المتعلقة بهذه السورة. وعدوا معي من واحد إلى عشرين.
الفائده الأولى: طبعا هذه السورة الذاريات سورة مكية، نص على ذلك ابن عباس والحسن البصري وقتاده ومقاتل. ولما نظرت إليها وقلبت النظر وأمعنته فيها، وجدت أن السورة هي سورة القدرة التامة، سورة القدرة التامة ويمكن أن نقول بأنها سورة الارزاق وموانعها، الحديث في هذه السورة عن الرزق كثير كثير ولافت بل إن تعريف الله سبحانه وتعالى لنفسه ووصفه لنفسه أن الله هو الرزاق ففيه حديث عن الرزق بصورة خاصة.
الفائده الثانية: في صلة هذه السورة سورة الذاريات بالسورة السابقة سورة قاف، أن في السورة السابقة ذكر الله سبحانه وتعالى خلقه الإنسان وهنا ذكر مقصد خلقه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ففي السورة السابقة سورة قاف ذكر خلقه الإنسان ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ وهنا ذكر مقصد هذا الخلق وهو العبادة.
الفائده الثالثة: عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أخبرني عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ قال عمر: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال: أخبرني عن ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾؟ قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال: أخبرني عن ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾؟ قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال: أخبرني عن ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؟ قال: هن الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت، فلما برأ أدعاه فضربه مائة أخرى وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى أن امنع الناس من مجالسته حتى تاب وعاد إلى مجالسة الناس. الفائدة هنا: ثمة مناطق في القلب إذا لم تضأ بالتسليم أطفئت بالأسئلة، لأن الملامة على الإنسان أن يكون السؤال مولداً لسؤال، وإنما حال المؤمن أن يكون السؤال مولداً ليقين، أما أن يدخل الإنسان في سلسلة من الأسئلة التي لا تنتهي فهذا لا يمدح أبداً بل هو من البلاء، وأحياناً يكون من العقوبة، أحياناً يعاقب الإنسان بكثرة الأسئلة فيعمل من السوء ما يجعله مهزوز اليقين، فلا ينظر الإنسان إلى الأسئلة على أنها قلق معرفي وأنه لا يؤتى هذه الأسئلة إلا من كان له حظ عظيم من العقل والتدبير والنظر وكان غاية وعالياً في الإدراك، لا؛ أحياناً تكون عقوبة، ومن عوفي ورزق اليقين فهو على خير عظيم لا يدرك هذه النعمة إلا إذا فقدها نعوذ بالله من ذلك.
الفائده الرابعة: قلت لكم بأن هذه السورة ذكرت الأرزاق بصورة لافته، فمن الأرزاق الموجودة في هذه السورة رزق التدبير والتسخير والذاريات.
إلى آخر أوائل المقطع: ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرْوٗا * فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا * فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا * فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا﴾ [الذاريات: 1-4]. كلها تدبير وتسخير من الله سبحانه وتعالى لهذه الطبيعة للإنسان.
الرزق الثاني: رزق الهداية والجزاء؛ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ [الذاريات: 15]. الرزق الثالث: رزق النظر والتفكير؛ ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَات لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 20-21]. الإنسان قد يعاقب بالغفلة، وقد يرزق حسن النظر والتدبر والتأمل والتفكر، ويكون عنده من شفوف النظر وثقوبه ونفاذه ما يجعله محصلاً للهداية.
الرزق الرابع: رزق التراحم بين المؤمنين؛ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: 24]. أحياناً يرزق الإنسان بكونه ضيفاً عند أحد، فهذا رزق سيق على يد عبد من عباده، كما أن الرياح رزق سيقت بأمر الله سبحانه وتعالى، وكما أن الجنات رزق سيقت جزاءً للمؤمنين، وكما أن رزق الاصطفاء هنا رزق آخر؛ ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 35]. حدثوني عن نعمة أكبر من أن تخرج من بيئة يكون كل ما فيها يدعوك لأن تكون سافلاً فيرفعك الله؟! حدثوني عن نعمة أعظم وأعلى من أن ينظر الله سبحانه وتعالى إلى الخلق فيراهم فيما هم فيه من فجور ثم يقول الله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا اصطفاء من الله سبحانه وتعالى يهديك به الله سبحانه وتعالى دون غيرك.
ومن الارزاق هو الرزق الأخير: رزق العبادة ووضوح الغاية؛ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. من الناس من يستخدم هذه النعمة، نعمة الخلق، لأن يستمتع أو يتلذذ أو يطغى على الخلق أو يستطيل عليهم، لكن المؤمن يعرف بأنه ما خلق إلا لغاية واضحة وهي العبادة.
الفائدة الرابعة: وجدت أن من أحوال مستحق العذاب في هذه السورة خمسة أحوال: الحال الأول: توليد الأسئلة الموصلة لأسئلة، يعني أسئلة تقود إلى أسئلة وأسئلة تقود إلى أسئلة، كلما أُعطِي جواباً قاد إلى سؤال آخر ولا يقوده إلى يقين. أما الأسئلة التي توصل إلى يقين فهي لا يكاد ينفك عنها مؤمن، بل أحياناً تكون محمودة عند المؤمنين؛ فمن صفاتهم أنهم يسألون كثيراً مستحق العذاب. وأيضاً الاختلاف واضطراب البوصلة؛ ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: 8]. ما تجد لهم قَوْلاً واحداً، تجدهم تارة يقولون كذا وتارة يقولون كذا، تحاول أن تنسك شيئاً، تحاول أن ترد على شيء، ما تجد! تجد الأمر مختلفاً: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾.
ثم الصفة التي تليها: الإفك والإنصراف عن الخير؛ ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: 9]. يصرفون عن الخير، تعرض لهم قوافل الخيرات أمامهم ومواسم الطاعات فلا يأخذ منها الإنسان شيئاً أبداً: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ يصرف عنه. تقول له: فلان طيب، لو أرسلت إلى فلان رسالة أنه مريض، لو طيبت خاطر فلان، لو تلوت آية، لو حضرت درساً، لو نشرت خيراً، يؤفك عنه من أفك، يصرف سبحان الله مع تيسر أحوالها وأسبابها!
الصفة التي تليها من صفات مستحق العذاب: القول بالكذب والظن؛ ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: 10]. وأيضاً الصفة التي تليها: الغفلة والاسترسال دون مراجعة؛ ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: 11]. تجدهم مسترسلين، كلنا تأتينا لحظات غفلة، كلنا وما أبرئ نفسي ولا أبرئ أحداً من خلقه، لكن الشأن ليس في تلك الغفلة العارضة، وإنما في ﴿غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ مغمورون في هذا السهو واللهو والغفلة بحال مستمر.
الجامع بينهم سبحان الله لما تأملت الجامع بين صفات المستحق العذاب هو عدم المبالاة، يولدون أسئلة لا يريدون أن يصلوا إلى يقين، تضطرب أقوالهم، ينصرفون عن الخير، لا يبالون، يقولون بالقول الكاذب الظان دون تحقق، يسترسلون في الغفلة. هناك حالة من حالات اللامبالاة التي لا تمدح، مع أني لاحظت في وسائل التواصل أن هناك مديحاً للامبالاة، وإنما تمدح اللامبالاة إذا كانت انصرافاً عن الشر أو انصرافاً عما ينغمس فيه الإنسان من المبالغات، لكن الأصل فيما يمدح فيه المسلم أن يكون يقظاً.
بعضهم يقول لما يرى صورة لشخص مثلاً يسأل عن شيء غريب قال: أريد أن أصل إلى هذه الحالة من اللامبالاة. والحق أن المؤمن إذا وصل إلى حالة من حالات اللامبالاة وحالة من حالات انعدام المسؤولية وعدم الخوف من الملامة هذه حال مذمومة، وإنما المؤمن يقظ، يحمل هماً، يحمل راية، عنده هدف في الحياة واضح، لا يكون هكذا سبهللا، يكون كائناً تلذذياً فقط، وإنما هو خلق لغاية لعبادة الله سبحانه وتعالى، يكون عنده هذا الأمر من المسؤولية. أما هؤلاء صفات مستحق العذاب يولدون الأسئلة لا يهمهم إلا أن يسألوا، يصلون إلى يقين لا يهمهم، أمر الهداية لا يهمهم، مختلفون: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾. وأيضاً يصرفون عن الخير، لا يبالون به، يؤفك عنه من أفك، قتل الخراصون يقولون بالقول الكاذب الظان دون أن يبالوا بالتيقن والتحقق والتثبت، لا يهمهم، لا مبالاة. بعضهم يراها تألقاً يعني يتأنق باللامبالاة، يرى بأن هذا من الأشياء التي يتباهى بها، وهذا عند ذوي العقول مما يستحق أن يستر، بل الانسان صاحب الهم الشريف وصاحب المسؤولية لا يبالي بامر دينه ودنياه، يبالي بمقامه عند الله سبحانه وتعالى، وعنده أسئلة في ذهنه لابد أن يجيب عنها، وعنده واجبات مهما بلغ عمره لابد أن يكون له مسؤولية يحملها كما حمل الانسان الأمانة.
الفائدة الخامسة: وجدت من صفات المؤمنين في هذه السورة أنهم يبذلون الراحة لله، وهذا معنى مهم؛ ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17]. الهجوع بمعنى النوم، فهم لا ينامون كثيراً وإنما يقدمون التعب السعيد على الراحة، هذا هو تعب السعداء، حينما يخيرون بين مراد الله ومراد أجسادهم يقدمون مراد الله؛ ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18]. معروف ومعلوم ولا يخفى على شريف علمكم وغيركم المعلم بأن الأسحار هو وقت الصفاء وقت الأنس، ومع ذلك هم يستغفرون، هم يقلقون أنفسهم، يتذكرون ذنوبهم وخطيئاتهم وغفلاتهم ويستغفرون منها، فهم بذلوا حتى اوقات راحتهم لله.
وأيضاً: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]. معلوم أن المال سبب من أسباب الراحة، لكن مع ذلك يبذلون من راحتهم التي هي هنا المال، يبذلونها لله، فالمؤمن يبذل راحته لله في بر والديه، في طلب العلم، في الصلاة، في العمل، في الإنفاق على أهله، في مواساة إخوانه، في كل ما يكون فيه صرفاً عن الراحة، والمؤمن لا يألف الراحة، لا يألفها هكذا هو المفترض، حتى لو غالبته نفسي وارتاح مدة تجده غير مرتاح داخلياً، ارتاح جسده وما ارتاحت روحه.
الفائدة السادسة: من اصول الأدب ألا تستنكر ما حقه الوحشة والإنكار. هنا الملائكة قالوا سلام قال سلام رد السلام بمثله قال سلام قوم منكرون، قال سلام قوم منكرون كيف هذا؟ هم دخلوا عليه فقالوا سلاماً منكر، ما قالوا السلام فرد وقال سلام أيضاً على خلاف بين البلاغيين في جعل هذا رداً بأحسن منها لأنهم جعلوها معرفة بالإضافة سلام قوم منكر، لكن الذي أقوله هنا بأن من أصول الأدب ألا تستنكر ما حقه الوحشة والإنكار. بعضهم إذا دخل إليك وأنت لا تعرفه أو سلم عليك وأنت لا تعرفه يريد منك حفاوة خاصة! يتصل من رقم غريب: فلان ما عرفتني؟ لا والله ما عرفتك يا أخي. يرسل من معرف جديد: فلان ما عرفتني؟ لا والله ما عرفتك، فيزداد في الثقل فيقول: ماذا طيب معقول ما عرفتك؟ طبعا يا أخي ما عرفتك والله! فمن الطبيعي أن يرد الإنسان بنفس الحفاوة إن لم يكن، إن كان الوضع منكراً: أنا لا اعرفكم، فمن الطبيعي أن يكون اللقاء على قدر مستوى معين يناسب هذا الإنكار، ما يمكن أن يكون الإنسان بنفس المستوى من الحفاوة مع الجميع، وليس هذا من حسن الخلق في شيء، وإنما الناس مقامات، وأيضاً معرفتنا للناس مقامات، وليس شرطاً، بل ليس محموداً أن يكون بذلك لكل أحد بنفس المستوى، ليس محموداً كل أحد تقول له يا أخي يا حبيبي، ليس هذه تصبح ألفاظاً مبتذلة تفقد معناه، وإنما يخاطب كل إنسان بحسب ما نعرفه منه وبحسب علاقتنا به، وليس لذلك علاقة بالكبر ولا أنك تتحدث مع الناس من برج عاجي. هذا التعبير مترجم ترجمة رديئة، وإنما نحن لا نقول هذا، وغالب ما يلام فيه من عرفه الناس وتصدر للناس بأنه متكبر دائماً لماذا؟ لأنهم لا يقبلون منه بأنهم إذا قالوا سلام وهم قوم منكر، لا يقبلون منهم بأن يقول سلام، يريدون أن يقول: وعليكم السلام يا أهلاً وسهلاً، كيف؟ من الطبيعي ألا تكون مستوى الحفاوت واحداً.
الفائدة السابعة: من أصول الضيافة الإبراهيمية؛ الأصل الأول: خفة التحرك وخفاؤه؛ ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾ [الذاريات: 26] راغ. بعض الناس لا يريد أن يضيف فيسال الضيف ويقول: طيب هل أذهب؟ ويبدأ بالتحرك ويبدأ بالاتصال: أجهزت العشاء؟ حتى يأتي الضيف ليحلف، يقول: لا والله لا أريد شيئاً. لا، هذا روغ روغاناً، حتى إني أستشعر بأن التعبير بالروغان فيه حتى تحيل على الضيف، وهكذا الكرام، لأن الروغان دائماً يكون فيما يكون فيه حيلة خفية لطيفة كروغان الثعلب، فهو قد يشعر الضيف بأنه ذاهب إلى أمر آخر فيروغ لياتي بضيافته.
الأصل الثاني من أصول الضيافة الإبراهيمية: سرعة المجيء بالطعام؛ ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: 26]. الفاء هنا فيها تعقيب، ما قال ثم جاء لأن ثم على الأصل أن فيها تراخياً هذا الأصل، أما الفاء ففيها تعقيب وترتيب على الأصل أيضاً وهناك استثناءات، فسرعة المجيء بالطعام لا تترك ضيفك حتى يمل.
الثالث من الأصول: كثرته في غير سرف؛ بعجل، مع أنهم اثنين لكن آتاهم بعجل. الأصل الرابع: جودته؛ بعجل سمين، فهو أتى بخيار ما عنده من مال ولم ياته بشيء يكون رديئاً. الأصل الخامس: المشاركة المنزلية؛ معلوم بأن الطعام الذي يحضره الأهل وتشترك فيه الأسرة فيه حفاوة أكبر وفيه جودة؛ ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾ ما راغ بنفسه، وإنما راغ إلى أهله ليجهزوا الطعام، وأما هو ذهب إلى مؤانسته، فهذه المشاركة فيها أيضاً حفاوة وضيافة.
الأصل الذي يليه وهو الأصل السادس: تقريبه إليه؛ ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: 27] من أصول الضيافة الجميلة التي نستهدي بها في هذه السورة أن يأتي الطعام إلى الضيف لا أن يأتي الضيف إلى الطعام، وهذا وجدته في بعض البلدان المغربية لا زالوا محافظين على هذا الأمر الحسن بأن الطعام يؤتى به إلى الضيف وليس الضيف يدخل إلى الطعام، فقربه إليهم ولم يقربهم إليه.
فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ هذا أصل جديد، أننا الأول الثاني الثالث الرابع الخامس السادس هنا أو هو السابع: حثهم بلطف؛ ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ما سألهم، قال: هل تأكلون؟ إلا فيه نداء، فيه حث بلطف، وليس فيه أمر مباشر قال كلوا، وليس فيه سؤال هل تأكلون أو لا تأكلون لا، إلا تأكلون، فيه حث وطلب بلطف والتماس.
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات: 28]. إخفاء التوجس هذا أصل أيضاً من أصول الضيافة، إذا بدا من ضيفك كلمة استنكرتها ألا تكاشفه بها مباشرة، بل اخفها في نفسك، وهذا كرم من كرم النفس، ألا ترد على الضيف وأن لا تقابل ما أبداه لك لا تقابله برده فعل ظاهرة، بل أوجس منهم خيفه، أوجس منهم أخفاها.
وأيضاً الأصل الأخير من أصول الضيافة قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات: 31]. تأخير السؤال، تأخير السؤال هو الآن قدم الضيافة أولاً ثم آخر السؤال. بعض أصحاب الضيافة أول ما تدخل إليه: نعم ما الذي تريد؟ نعم ما سبب الزيارة؟ لا، في البداية مؤانسة وإكرام وضيافة ثم فما خطبكم أيها المرسلون، ففيه أيضاً أن تؤخر السؤال حتى تؤانس ضيفك ويستقر وتقدم له ما عندك وتكرمه ثم تساله عن سبب الزيارة. فهذه أصول الضيافة الإبراهيمية أذكرها سريعا: خفة التحرك وخفاؤه، اثنين سرعة المجيء بالطعام، ثلاثة كثرته في غير سرف، أربعة جودته، خمسة المشاركة المنزلية، ستة تقريبه إليه، سبعة حثهم بلطف، ثمانية إخفاء التوجس، تسعة تاخير السؤال.
الفائدة الثامنة: لابد للبلاء من ضمة. لاحظت فيما لاحظت من أحوال البلاءات بأن البلاء إذا امتد تكون له ضمة أخيرة، يعني يشتد بزيادة، يشتد أكثر مما كان الحال عليه. انظروا هنا إبراهيم عليه السلام كان يتمنى الولد، وهذا بلاء ممتد، لكن قبل الفرج أتلته ضمة بلاء أكثر: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ فهو قبل أن يفرح خاف، وما استمر البلاء على مستوى واحد ثم أتى الفرج، إنما يكون على مستوى على مستوى على مستوى، ثم إذا اشتد اعلم تفاؤلاً ورجاءً بالله بأن اجتشداده وضمته هذه هي ضمة الوداع، أن البلاء يودعك، يضمك ضمة الوداع لتذهب، فاجتداد البلاء على غير ما كان عليه باذن الله أنها علامة فرج. الآن هو في بلاء طلب الولد واستمر على مستوى واحد، فلما أتوه أوجس منهم خيفه زاد البلاء وزاد الخوف واشتد وضاق ثم أَتت البشرى، فلا بد للبلاء من ضمة وهي ضمة الوداع بإذن الله سبحانه وتعالى، أسأل الله أن يفرج عنا وعن كل مكروب.
الفائدة التاسعة: إذا قيل هنا مثلما أنكم تنطقون: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 22-23]. مثلما كما أنكم تنطقون، طبعا انه هنا كسرت لأنه قسم، إن بعد القسم تكسر وجوباً.
فما وجه تشبيه الرزق بالنطق؟ لماذا أن هذا الرزق وفي السماء رزقكم وما توعدون فور السماء والأرض أنه لحق مثلما أنكم تنطقون، ما وجه الإتيان بالنطق هنا مع أن الحديث في سياق الرزق؟ من فوائد هذا أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره مهما كان، فكذلك كل إنسان ياكل رزق نفسه الذي قسم له ولا يقدر أن ياكل رزق غيره، فكما أن النطق خاص بالإنسان لا يستطيع أحد أن ينطق بلسان الآخر مهما كان، فكذلك لا يستطيع أحد أن يأخذ رزقاً مختصاً لأحد، كما أنه لا يقدر أحد أن ينطق بلسان أحد آخر، لا يقدر أحد أن يأخذ رزق أحد آخر، فهذا وجه تشبيه الرزق بالنطق، وثم أوجه أخرى أوصلتها إلى الخمسة لكن ليس هذا موطن تفصيلها وإنما إذا كتبت تفسيراً مفصلاً.
هذا وجه من أوجه التعبير بالنطق هنا.
الفائدة العاشرة: في قوله تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 36]. التعبير ببيت هنا دلالة على أهمية إعمار البيت بالإيمان وصناعة هذه الأجواء التدينية في المنزل، وأنها عصمة من كثير من انحرافات الدنيا وعذابات الآخرة. هنا ما قال: ما وجدنا فيها غير أسرة، غير عائلة؛ بيت، البيت المعمور بالإيمان الذي يذكر فيه الله، الذي يربى فيه الإنسان على المكارم وعلى الفضائل، هذا الذي ينجى في الدنيا والآخرة بإذن الله، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين، فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين. فالتعبير بالبيت هنا فيه إشارة إلى أن نعمر بيوتنا بالطاعات، وأن نأمر أهالينا بالمكارم والفضائل والمروءات، فالبيت الذي تكون فيه هذه الأجواء التدينية هي بيوت النجاه بإذن الله سبحانه وتعالى.
الفائدة الحادية عشرة: في درجات المسير في القرآن نجد اختلافا؛ السير مع التأمل والتأنّي، قال: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾، هنا سير مع تأمل وتأنٍ. الدرجة الثانية: السير مع المبادرة، ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فيه سعي مع الذكر، فيه مبادرة لأنه إلى ذكر الله. الدرجة الثالثة: السير مع مسابقه الزمن، ﴿وَسَارِعُوا﴾، ففيه مسارعة، ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. والأخيرة، الدرجة الرابعة: هي الفرار، ﴿فَفِرُّوَا إِلَى اللَّهِ﴾، وهو سير سريع مبادر دون التفات، الفرار لا يكون بالتفات، ﴿فَفِرُّوَا إِلَى اللَّهِ﴾. فانظر كيف أتت هذه التدرجات في السير؛ سير مع تأمل وتأنٍ، هذا ما يكون في الأرض وفي التاريخ وما يكون من مضان العبر في الحياة، هذا سيروا في الأرض سيرا مع التأمل والتأنّي، ومع المبادرة إلى ذكر الله ومع المسابقة إلى المغفرة ودون التفات إلى الله سبحانه وتعالى.
الفائدة الثانية عشرة: هنا قال: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، فتولى بركنه وقال: ساحر أو مجنون. المبطل وأهل الضلالة يهمهم الإسقاط والتشويه، الآن نحن نعرف بأن الساحر غير المجنون، وأنه لا يمكن في الأحوال الطبيعية أن يكون الإنسان ساحرا ومجنونا في نفس الوقت، لكن واضح أنه ليس الهدف تعيين الحقيقة وإنما الإسقاط والتشويه، ساحر مجنون، المهم بأنه غير صادق، شاعر ساحر مجنون، فتلحظ أن المبطلين لما يعددون هذه التهم على أهل الهدايه اهل الرشد لا يريدون من ذلك أصابة الحقيقة، ليس هدفهم أن يتثبتوا وأن يحققوا، إنما ساحر أو مجنون. طيب ما علاقة السحر بالجنون بالشعر؟ ليست على وزان واحد، وإنما يجمعها بأنه ليس بصادق فقط، فلا يهم أهل البطلان هنا إلا أن يشوهوا ويسقطوا دون أن يصيبوا الحقيقة، المهم أن يسقط من أعين الناس، سقط بكونه ساحرا مجنونا شاعرا لا يهم، المهم أنه ليس بصادق، فهذه عادتهم من قديم.
الفائدة الثالثة عشرة: تاملت -وأريد أن تتاملوا معي كرما منكم- في سر ضيق النبي صلى الله عليه وسلم من اتهامات الخصوم مع أنها ظاهرة البطلان. يعني الآن النبي صلى الله عليه وسلم يققال له ساحر أو مجنون، أو حتى انبياء الله يقال لهم ساحر أو مجنون كما في قصة موسى. هنا تاملت، يعني واضح النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر العقل تامه، وليس بمجنون حاشاه وحاشى انبياء الله سبحانه وتعالى، وليس بمجنون وليس بساحر وليس بشاعر، فلماذا كان يضيق صدره؟ ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون، لماذا يضيق صدره مع أن الامر ظاهر في أنه باطل؟ تاملت، لو القي الامر علي مثلا قيل لي ساحر، شعرت في نفسي بأنه لن احفل كثيرا، الامر واضح باني لست بساحر ولست بمجنون. ثم تاملت، قلت لماذا كان يضيق صدر الانبياء؟ فظهرت لي ثلاث حكم من هذا الضيق. أولا: أن من اشد التهم ايلاما للشخص أن توضع بين خيارات مؤداها واحد، يعني لما يقال انسان أما أنه كاذب أو مجنون مثلا، فاذا قلت نعم هنا عندك خيارات، لما يقال فلان كاذب، البيت اما أن يقول نعم انا كاذب فخلاص يعترف فمؤداه نقض الرسالة، واما يقول لاقول، ألم اقل لكم انه كاذب؟
انظر جحد فمؤداها نقض الرسالة، أشد ما يقع على النفوس أن توضع بين خيارات مؤداها واحد، يعني أن توضع بين أقواس كل الخيارات مؤداها واحد. الثاني: من اسرار ضيق الانبياء من هذه التهم انها تمس الرساله التي يحبونها، كل هذه التهم لا تمسهم شخصيا فقط وإنما تمس الرسالة والوحي الذي يحبونه، فهم يجلون الله سبحانه وتعالى أن يبعث ساحرا أو مجنونا، فهم يتالمون لله وليس لانفسهم. الثالث: أن هذه التهم تؤثر في النفوس، الاستهزاء والاتهام والاسقاط والتشويه يؤثر، فهم يحزنون لحبهم هدايه الخلق، فهذه التهامات تؤثر في الخلق ولعلمهم بانها تؤثر في النفوس الضعيفة فهم يحزنون، يحزنون لأنهم يحبون أن يهتدي الناس، ولا زالت النفوس الى الان تتاثر من الاستهزاء ومن السخرية أكثر مما تتاثر من الخطاب المعقلن الممنطق المبرهن، هكذا هي النفوس سبحان الله تنصرف عما يكون فيه سخرها. فهذه ثلاث حكم من اسرار ضيق الانبياء عليهم السلام من هذه الاتهامات مع كونها ظاهرة البطلان.
الفائدة الرابعة عشرة: التلطف عند الوعظ المؤثر؛ بعضنا إذا وعظ وعظا مؤثرا قسا، يظن بأن هذا يزيد في التأثير. ﴿إِنِّي لَكُم مِّنْ نَذِيرٍ مُّبِينٍ﴾ [الملك: 26] تكررت، تكررت تلطفا بهم حرصا على هدايتهم، وهذا موجود في آخر الوجه: ﴿فَفِرُّوَا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْ نَذِيرٍ مُّبِينٍ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْ نَذِيرٍ مُّبِينٍ﴾ [الذاريات: 50-51]، فحرص على الهدايه فيه تلطف، لا تحملنك الحماس في الوعظ وفي تذكير الناس على أن تقسو عليهم.
الفائدة الخامسة عشرة: المؤمن لماح يلتقط الاشاره وتكفيه عن العباره، انظروا هنا: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]. لعلكم تذكرون ماذا في هذا السياق؟ لعلكم تذكرون أن من كل شيء في الدنيا ثنائيه، من كل شيء خلقنا زوجين، كل شيء، هناك مؤمن وكافر، موفق ومخذول، حق وباطل، ظالم ومظلوم، شقي وسعيد، وهكذا، فأنت تهتدي بأن هذا التباين في الخلق من كل شيء هناك نوعين زوجين، فتستشعر انك لابد أن تكون مع النوع الفاضل، لابد تكون في صف المؤمنين ضد الكافرين، موفقين ضد المخذولين، الحق ضد الباطل، السعداء ضد الاشقياء، وهكذا، فالانسان حينما ينظر الى ويتدبر إلى تنوع الخلق يهديه هذا؛ الله سبحانه وتعالى خلق ذكرا وأنثى، إذا خلق من كل شيء زوجين، حتى في الأفكار، حتى في الأفكار، حتى في المواقف، حتى في المواقف، خلق مسارين، اما أن تكون مع المسار الاول أو المسار الثاني، ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
الفائدة السادسة عشرة: التواصي مظنه الطغيان -وسامحوني حينما اقول هذا فاني انتقد نفسي بصفه واحدة منكم، لا القي بهذه الامور من بعيد وإنما انا واحد منكم وعلى راس المقصرين فيكم- فالتواصي مظنه الطغيان، بمعنى هذا التواصي الذي نجده لما قال: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: 53]، ذكر التواصي والطغيان غالبا حينما يكون في وسائل التواصل الاجتماعي، تواصي على مسألة معينة، على رد منكر معين، على رد على فلان، حينما يكثر الاحتشاد وتطول المدة يتجاوز الحد إلى الطغيان. كنت في فترة ماضية انقطعت عن وسائل التواصل انقطاعا شديدا، انقطاعا كهفيا، وحتى ازعم بان سموم وسائل التواصل خرجت من جسده وكانت مدة طويلة، وكانت خوارزميات اليوتيوب في البداية إذا شاهدت مقطعا تحثك إلى آخر كما تعلمون، لما انقطعت انقطاعا شديدا أعيدت برمجتها، وبعد مدة اقول بعد سنين عدت فوجدت مقطعا فدخلت إليه من المقاطع التي كان هناك خلاف قبل سنوات بين بعض المتصدرين، وكانوا يتواصون بينهم كل فريق يحشد: ردوا على فلان، ردوا على فلان، فوجدت المسألة قد بلغت مبلغا لا أظن أنهم كانوا يتوقعونها عندما بدأوا هذه الخصومة؛ قدر من الطغيان لو لم أره بعيني لا أصدقه، لا أصدقه، لا أصدق أن سفولا وصل إلى هذه الرتبه، رتبه مخجلة وأسف على هذه المقولة، رتبه مقززة من النقاشات مقرفة. والسبب أن كثرة التواصي: نرد على فلان، على فلان، على فلان، ونرد ونرد ونرد، هذا التواصي مع طول المدة إذا لم يوضع له حد فهو مظنة الطغيان، سيصل الإنسان إلى حد من التجاوز والطغيان: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.
الفائدة السابعة عشرة: من الرحمة أن تترك المدعو ولو أعرضت عنه، حتى لو قررت أن تعرض عنه وأن تتولى عنه، لا باس بأن تعود بين حين آخَر تطمئن ولو من بعيد، ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: 54]. هنا تولى عنهم، أعرض عنهم، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55] يعني ولو تذكيرا من بعيد على مذهب بهاء الدين زهير، وهذا مذهب اهل الكرم والجود، لأنهم حتى لو تولوا، حتى لو تولوا، حتى لو أعرضوا، لابد من قدر من الالتفات. لما يقول بهاء الدين زهير: ستاتي مع الايام أعظم فرقة، فما لي اسعى نحوها وأسابِقُ؟ ومن خلقي أني ألوف، وانه يطول التفاتي للذين أفارقُ. هو يمدح نفسه بأنه حتى لو فارق الناس، حتى لو تولى عنهم، يطول التفاته، لابد أن يطمئن بين حين وآخر: ستاتي مع الايام أعظم فرقة، فما لي اسعى نحوها وأسابِقُ؟ ومن خلقي أني ألوف، وانه يطول التفاتي للذين أفارقُ. يحرك وجدي في الأراكة طائر، ويبعث شجوي في الدجنة بارقُ. من خلق الكرام أنهم حتى لو أعرضوا، حتى لو قرروا، حتى لو لم يكن لهم ملامة، لكن لابد أن يلتفتوا وأن يطمئنوا، ولو كما يقال من بعيد لبعيد.
الفائدة الثامنة عشرة: في تقديم الجن على الانس، هنا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، حكم والله أعلم بها، وهنا ثلاث تقديمات؛ تقديم وجود لنا نلحظ أن غالب الآيات في القرآن يقدم الجن على الإنس، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، وأيضاً في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [الرحمن: 33]، وأيضاً في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل: 17]، فقدم الجن على الإنس في غالب سور القرآن. فهو ثلاث تقديمات: تقديم وجود لأنه خلق قبل: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: 27]، فالجان خلق قبل. الثاني: تقديم القوة، لماذا؟ لأنهم أقوى، بدليل: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 6] يعني يعوذون بهم يعتمدون عليهم، فهم أقوى، فهو تقديم للاقوى، فإذا تعبد الأقوى وإذا خلق الأقوى فهو قادر على خلق الأضعف. تقديم التكليف: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الانعام: 130]، هذا في الأنعام، فهم أتاهم الرسل وأتاهم التكليف قبل الإنس. أما تقديم الإنسان فلم يكن إلا في حال واحد، وهو في مقام قوة الإنسان على الجن، وهو مقام البيان، مقام اللغة: ﴿قُل لَّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 88]، فالإنسان أقدر على البيان، وهذا هو موطن قوته الوحيد موازنة بالجن.
الفائدة التاسعة عشرة: القوة الزائفة تعطي الحق الدنيوي للافتراء. هنا قال: ﴿فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: 39]، انظروا لما تولى، فتولى بركنه وقال: ساحر أو مجنون. هذا الركن هم الأصحاب والجيش والقوة، الإنسان الذي عنده قوة زائفة يكون سهل عليه الافتراء، إذا كان عنده متابعون كثر، كان عنده جمهور يصفق له، كان عنده طلاب هم أشبه بالمسلمين له ليس لهم إرادة ليسوا قاده، فالإنما اتباع هذا يسلمون له عادي يكذب لن يساءل. فتولى بركنه، طب هو عنده مع قال ساحر أو مجنون عنده قوة، فمن كان عنده قوة سيطغى وسيكون عنده قدر من الافتراء. أما الذي يجعل قوته من الله سبحانه وتعالى وحده ولا يغتر بهذه الأمور فهو يقيم الأمور على وجهها ولا يفتري على الناس. القوة الزائفة تعطي الحق الدنيوي للافتراء، تعطيه قوة إعلامية بأن يكذب، قال: ساحر أو مجنون، لماذا؟ هل سيرد عليه أحد ما؟ لن يحاسبه أحد، تولى بركنه عنده ركن شديد، فلذا القوة الزائفة تعطي الحق الدنيوي للافتراء. وكثير من الأشياء التي نراها في الفضاء التواصلي الآن في هذا الفضاء الرقمي، كثير من هذه الافتراءات الموجودة ليس سبب قبولها عند الناس وانتشارها بأنها حقائق، لا، لأنه تولى بركنه، فلما تولى بركنه يقول ساحر يقول مجنون يقول ما يقول، ركنه سيؤيدونه طبعا.
الفائدة الأخيرة، وهي فائدة مستلطفة: استحباب تقديم النوال والهدية للزائر قبل الموضوع الأساسي. هنا عندهم موضوع تعذيب الملائكة لما أتوا إلى إبراهيم عليه السلام، عندهم موضوع تعذيب وعندهم هدية التي هي التبشير بالغلام. فمن الأدب هنا -ليس أدب المضيف الذي تحدثنا عنه وإنما أدب الضيف- من أدب الضيف إذا أتى بيده شيء أو معه خبر سعيد أو قد عزم على هدية غير متكلفة، فمن الأدب أن يققدمها قبل موضوعه، أن يأتي بالهدية أولا. هنا بشروه بغلام في البداية، ﴿بَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: 28]، ثم أخبروه بالموضوع الآخر: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ [الحجر: 58]. من آداب الضيف إذا أتى معه بهدية استحباب أن يقدمها في البداية قبل أن يدخل في الموضوع الذي قد يكون فيه تفاصيل وقد يكون فيه نقاش وقد يكون فيه هو الموضوع الأساس. فهذا من الآداب التي نستهديها في هذه السورة.
جزاكم الله خيرا واحسن الله إليكم، واعتذر لكم عن الإطالة، كان هناك فوائد أخرى لكن لا اريد أن أطيل اكثر، بلغنا الفائدة العشرين. جزاكم الله خيرا، التقيكم بإذن الله سبحانه وتعالى الأسبوع المقبل، استودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
«وإن تطيعوه تهتدوا».
بدر آل مرعي