بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أسعد الله صباحكم وطيب الله أوقاتكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن تكونوا بخير ونعمة وعافية، مجلس جديد من مجالس الاستهداء بالقرآن نتدارس فيه تفسير سورة الطور كامله إن شاء الله سبحانه وتعالى، نقف عند معانيها ونستهدي بهداياتها ونسأل الله سبحانه وتعالى لنا تمام الهداية والرشاد.
لو أذن الأخ الشيخ القارئ بأن يقرأ سورة الطور كاملة، ثم نبدأ على عادتنا، بسم الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الجِبَالُ سَيْرًا * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدْعَوْنَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ * فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خُلِقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٍ غَيْرُ اللَّهِ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ * فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: 1-49].
جزاك الله خيرا وطيب الله أنفاسك على هذه التلاوة الطيبة المباركة، أحييت قلوبنا يا أبا بدر أحياك الله وأحيا ذكرك في العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم، هذه سورة الطور، سورة الطور سورة مكية نص على ذلك ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعكرمة والحسن البصري وقتادة ولم أقف على عالم قال بمدنيتها فالامر فيه ما يشبه الإجماع. عنوانها الرئيس اضطراب معجل واطمئنان مؤجل، هذا هو سمت السورة العام، فيها قدر من حكاية الاضطراب وثم ما يكون بعدها من سكينة واطمئنان.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿والطور﴾، الطور اسم لكل جبل هذا على الصحيح فنقول طور سيناء أي جبل سيناء هكذا قاله الحسن البصري، وليس المقصود بالطور جبل بعينه وإنما الطور هو اسم لأي جبل ولكل جبل، ﴿وكتاب مسطور﴾ الصحيح أنه القرآن، ﴿في رق منشور﴾ الصحيح أنه القرآن المكتوب في أيدي السفرة، والبيت المعمور قال ابن عباس هو بيت في السماء بحيال الكعبة، وقال غيره هي الكعبة نفسها.
في هذا الدرس إن شاء الله لن نذكر التفسير ثم الاستهداءات وإنما سندخل الاستهداءات داخل التفسير فأقول قبل أن أذكر هداية أو فائدة اقول وفيه فائدة، فإذا ذكرت وفيه فائدة فاعرفوا بأنها مناط استهداء.
نعود إلى البيت المعمور كما قلت لكم أما أن يكون بيتا في السماء بحيال الكعبة بإيائها أو أن تكون هي الكعبة نفسها، وكلاهما معمور هذا معمور بالملائكة وعبادتهم وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع السجود، والسقف المرفوع هي السماء، والبحر المسجور البحر الذي نعرفه هذا على الصحيح والمسجور المحبوس بقدرة الله المملوء ماء الذي يصير نارا يوم القيامة هكذا جمعا بين الأقوال كما فعل ذلك ابن جرير.
﴿إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع﴾ هذا جواب القسم، الآيات السابقة كانت أقساما من الله سبحانه وتعالى وهذا جواب القسم أي واقع يوم القيامة لا يدفعه عنهم أحد.
وفيه فائدة، في هذه الآية كان السلف يتعلمون الإيمان ويطبقون هذا العلم يطبقونه مباشرة، فقد روى الحسن البصري عن عمر أنه بكى عند هذه الآيات حتى وجع وعاده الناس عشرين يوما، من الذي روى؟ الحسن البصري، انظروا.
ثم روى هشام بن حسان قال: انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن البصري، الآن المشهد الأول هو يروي علما عن عمر، الآن يروي هشام بن حسان قال: انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن البصري فانتهينا إليه وعنده رجل يقرأ، فلما بلغ هذه الآية: ﴿إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع﴾ بكى الحسن الذي رواه سابقا عن عمر يطبقه الآن، وهكذا الموفق المسدد لا يتعلم العلم ليكون حججا زائدة عليه أو ليكون تنظيرات باردة، وإنما ما يتعلمه الإنسان خاصة في علم الإيمان يطبقه، وهذا هو العهد بكم في هذه الدروس إن شاء الله.
﴿يوم تمور السماء مورًا﴾ أي تحرك وتتشقق وتدور دورًا، ﴿وتسير الجبال سيرًا﴾ سيرًا من أمكنتها، ﴿فويل يومئذ للمكذبين﴾ تهديد ووعيد، ﴿الذين هم في خوض يلعبون﴾ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أكثر الناس خطايا أكثرهم خوضا في الباطل.
وفيه فائدة، في لفظة خوض فيه دلالات، لما رجعت إلى المعاجم واستعمالات هذه اللفظة هي ليست دالة فقط على مجرد العمل وإنما هي دالة على الانغماس والتحريك، فهذا مناسب للهو واللغو وما يكون فيه يسحبك للتفاهات والانغماس وتحريك النفس، وفي لفظ يلعبون ما قال لاعبون أتى بها فعلا وليس اسما بالمضارع دلالة على الاستمرار، الفعل المضارع في القاعدة الأصل يدل على الاستمرار والتجدد، فهذا دال على أن الخوض في الباطل لا يكون عابرا وإنما سيجرك إلى الانغماس فيه وإلى أن تحرك نفسك وإلى أن تستمر لا تستطع، هي حاله استيلائية إدمانية عندك، فالإنسان يحاذر من هذا الفخ ومن هذا الوحل.
﴿يدعون إلى نار جهنم دَعًّا﴾ يدعون أي يدفعون، ومنه فذلك الذي يدع اليتيم أي يدفعه بغلظة، ﴿هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون * اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ قال مقاتل أفسحر هذا أي العذاب الذي ترون فإنكم زعمتم في الدنيا أن الرسل سحرة، أم أنتم لا تبصرون فلما ألقوا في النار قالت لهم الخزنة اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون من الكفر والتكذيب في الدنيا.
وهذا فيه فائدة، بأن النظر ليس فقط بمجرد العذاب والألم وإنما لفائدة الصبر، فعذابات الدنيا إن صبرت أو لم تصبر فليست سواء، تصبر تلاقي جزاء جميلا، أما في الآخرة عياذا بالله فالعذاب سواء صبر الإنسان أو لم يصبر إنما يجزى ما كان يعمل، امسكوا هذه العبارة ما كنتم تعملون وانظروا ما سيجري بعد ذلك، هذه العبارة ما كنتم تعملون أي من الكفر والتكذيب في الدنيا فجزء من التعذيب أن يذكر السبب بانك ما ألقيت في هذا المقام إلا بسبب عملك وكسب يدك.
﴿إن المتقين في جنات ونعيم * فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم﴾ يحتمل في هذه الآية وجهان، الوجه الأول يحتمل أن يكون خطابا للكفار يعني هذه الآية وذكر النعيم أن يكون مستمرا لما سبق موصولا بما سبق، أن المتقين في جنات ونعيم وأنتم ها هنا في النار، هذا الوجه الأول أن يكون ذكر النعيم جزء من تعذيب الله سبحانه وتعالى لأهل الجحيم فاكهين بما آتاهم ربهم، هذا الوجه الأول أن يكون الخطاب مستمرا لأهل النار، فعلى الوجه الأول يحتمل أن يكون الخطاب خطابا للكفار فيكون المقصد تحسيرا لهم ليتحسروا، ويحتمل أن يكون المخاطب محمدا صلى الله عليه وسلم وأتباعه فيكون المقصد الحث والتعبئة بالرجاء بعد الخوف.
وفيه فائدة، هذه الآية تهدئة لرجفة المؤمن وزياده لوحشة الكافر، فلا شيء يغبن الروح مثل سماع نجاحات من شاركوك الفرص، أناس شاركوك الفرص كان عندك عمر مثل عمرهم، كانت عندك فرص مثل فرصهم، لا شيء يغبن الروح مثل سماع نجاحات من شاركوك الفرص، وهل الفوز الحقيقي إلا النجاة من النار ودخول الجنة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، نوع من التعذيب الإضافي لأهل النار أن تذكر نجاحات أهل الإيمان وإن كانت عندك نفس الفرصة، كان عندك قدرة على الهداية، كان عندك قدرة على العمل الصالح، كان عندك عمر مثل أعمارهم، لكنكم اخترتم وهم اختاروا، هم اختاروا أن يؤثروا مقام ومحابه على محاب أنفسهم، وأنتم البعيدون اختاروا الطريق الآخر، فذكر النجاحات لمن شاركوك الفرص من الغبن لمن لم يتحصل على نفس النجاحات.
﴿كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون﴾ انظروا هنا أيضا كرر بما كنتم تعملون، في المره الأولى بما كنتم تعملون من سيئات، وهنا بما كنتم تعملون من حسنات، وهذا فيه لفته بان جزءا من عذاب المعذب أن يعلم أنه بكسب يده، وجزء من نعيم المنعم أن يعرف بأنه من كسب يده بعد رحمة الله.
لما أقول هذا تخيلوا معي لو أن انسانا في الدنيا كوفئ بمكافاه عظمى دون أن يعرف السبب، سيبقى في قلبه تساؤل هل هذا الجزاء مقابل عملي أو أني أستحق أكثر، لكن لان المؤمنين كما سياتي مشفقين وينظرون إلى أنفسهم بعين التذلل والافتقار والاحتقار فهم يعلمون بان هذا العمل إنما هو عمل قليل مقابل ما لقوه، فجزء من المكافاة حتى في طبيعة النفس البشرية أن يقال فلان حاز هذا التكريم لأنه فاز بالمركز الاول مثلا أو لأنه اجتهد في الدرجه المعينه، فذكر السبب هو جزء من النعيم جزء من شعوره بان الأمر لم يكن هكذا محض مصادفة، وإنما هذا جزاء تعب بعد رحمة الله سبحانه وتعالى.
وهنا فائدة متدرجة قصدي بمتدرجة أني قسمتها لتصل إليكم من الأدنى إلى الأعلى، في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون﴾ فيه أنواع من المنن والتلذذ من الله سبحانه وتعالى، الأكل والشرب، لذه الأكل والشرب باجتماع عليهما لذه أكبر، الاجتماع على الأكل والشرب دون تبعة أو عاقبة لذه أكبر وأكبر، الاجتماع على الأكل والشرب دون تبعة أو عاقبة مع ذكر سبب ذلك فخرا أي بما كنتم تعملون، فهذه لذه اللذات.
هذه لذه اللذه انظروا إلى أنواع المنن أكلا وشربا لكن لم يكتفي بذلك، جعل الاجتماع وهذه لذه إضافية، لذه أخرى ثالثة بأن يكون هذا الاجتماع ليس فيه تبعة وليس فيه خوف، لا من مرض ولا من تخمة ولا من افتراق ولا من كل ما قد يعكر عليك صف تلك اللحظة، أيضا الاجتماع على الأكل والشرب دون تبعة أو عاقبة مع ذكر سبب ذلك بما كنتم تعملون إن هذه جائزة لكم، هذه لذه اللذات نسال الله سبحانه وتعالى من فضله.
وهكذا المؤمن ينظر إلى بعض التشريعات مثل يوم العيد ترون بأن من مظاهر الاحتفال في يوم العيد أنه يحرم على المسلم صيامه، يحرم صومه على المسلم لماذا؟ لأنه قد حبس نفسه شهرا فاتت هذه الساعات من العيد مكافأة وتعجيلا لذة الجنة شعورا يشبه شعور الجنة بأنه كما أنكم في الجنة ﴿كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون﴾ فإنكم أيضا يوم العيد ﴿كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون﴾ نسال الله سبحانه وتعالى من فضله.
﴿متكئين على سرر مصفوفة﴾ فهذا إكمال لمظاهر الترف والجوائز التي منحها الله سبحانه وتعالى لعباده، ﴿وزوجناهم بحور عين﴾، الاتكاء ميل باسترخاء ميل غير اكتراث، هذا من النعيم لذا نهي عن الاتكاء عند الأكل لماذا؟ لأنه مشعر بالاستخفاف بالنعمة، فهو قمة الاسترخاء، قمة عدم حمل الهم، قمة عدم القلق، فلذا عند حضور النعمة لا ينبغي أن تعامل بهذه الطريقة وإنما بقدر من الوجل والإجلال، أما في الجنة فمتكئين على سرر مصفوفة، وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم يتكئ فإذا أهم لأمر كما في الحديث وكان متكئا فجلس فقال: «ألا وقول الزور» يعني أن الأمر انتقل من الاسترخاء إلى إشعار المخاطب بأن ثم أمر مهم لابد أن تستمع إليه بحال آخر.
وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وزوجناهم﴾ أي قرناهم، التزويج هو الاقتران وليس هو التزويج المعروف في الدنيا، إذ العرب تقول تزوجتها ولا تقول تزوجت بها، لو كان المقصود هو زواج الدنيا لقيل في غير القرآن وزوجناهم حورا عينا، أما حرف الباء هذا فهذا دال على أنه الاقتران، وإن كان مال الأمر واحدا لكن هذه للفائدة.
وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين﴾ اختلف في معنى هذه الآية على أقوال كثيرة، أصحها أن الله سبحانه وتعالى يدخل الذرية الجنة بإيمان الآباء تكرمة للآباء، وإن لم تبلغ ذريتهم عملهم، والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم التي بلغت الإيمان بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم الصغار التي لم تبلغ الإيمان، وما أنقصنا الآباء من عملهم من شيء، في الجملة الأخيرة: ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾.
الآصل في هذه الجملة أنها للكفار، بمعنى كل كافر محبوس في النار بعمله. هذا معنى رهين؛ أنه محبوس بعمله في النار. لذا قتادة يقول: والمؤمن لا يكون مرتهنا، يعني أنه لا يستدل في الأصل بقول: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، إلا على وجه التوسع والمجاز؛ هذا أمر آخر، لكن الأصل في هذه الآية أنها للكفار أعاذنا الله وإياكم، وإلا المؤمن لا يدخل في مسألة رهين؛ لأنه ليس مرتهنا بمعنى محبوس في النار.
وفيه فائدة هنا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] مكافأة للاب ووالذرية. من أي وجه صارت مكافأة؟ هي مكافأة للاب؛ لأن الاب يحب أن يكرم ابنه، والابن يحب أن يكرم بسبب أبيه. ما الفرق في هذا؟ الاب يحب أن يرى ابنه منعما بأي طريقة كانت، بسببه ولا بغير سببه، هو يحب الخير هكذا مطلقا لابنه ويريد أن يراه في خير، ونسمع هذه الكلمات من الآباء والأمهات: أريدك أن تكون في خير والأمور طيبة، ليس شرطا أن يكون هو السبب، وليس شرطا أن يعزى إليه، وليس شرطا أن يكون هو السبب الوحيد.
أما الأبناء، فمن مظاهر النعيم عندهم أن يعرف بأنه أكرم بسبب أبيه، فيقال: إنما أكرمت لأنك ابن فلان، فهو يشعر بقدر من الفخر، وبقدر من الحفاوة، وبقدر من الاعتداد. هذه طبيعة بشرية. فيها أيضا من الفوائد فضيلة الأب الصالح والأم الصالح، وأن نفعهم ممتد للآخرة. جزى الله كل أب صالح وكل أم صالحة عن أبنائهم وبناتهم خيرا في الدنيا والآخرة. أما نفعهم في الدنيا فلا يقتصر على مجرد التغذية، ولا على مجرد الإيجاد والولادة، ولا مجرد التربية، وإنما حتى في كثير من الأمور مرد ذلك في تدينهم وفي سوائهم النفسي إلى هذه البؤرة النور الموجودة في البيت؛ أن يكون الأب والأم على قدر من التدين المتزن في هذا، ثم يكون امتداد نفعهم أيضا في الآخرة بأن يلحق الله بهم ذرياتهم، فهم لهم البركة والنفع في الدنيا وفي الآخرة.
﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِمَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: 22]. لفظ الإمداد هنا دال على أنهم على استمرار الأمر بلطف. المدد عطاء مستمر بلطف. امددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون، أي مما يتخيرون من ألوان الفاكهة ومن لحوم الطير. قد قال بعض المفسرين لطيفة من اللطائف وفائدة من الفوائد في حكمة تقديم الفاكهة على اللحم في الآية هنا في الطور وفي الواقعة أيضا، ذكروا عدة حكم ولطائف، منها: أن الفاكهة يسبق بها؛ لأنها ألطف انحدارا وتفتح الشهية لما بعدها من لحوم، ففيها من مآثر الضيافة أن تقدم الفاكهة جهة على الوجبة الرئيسية.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: 23]، أي خمرا لا مأثم في شربهم ولا لغو ولا سباب ولا تخاصم بخلاف ما كان في الدنيا. والتنازع هنا، يتنازعون ليس معناها الخصومة كما في الدنيا، وإنما مقصودها التبادل. أغمض عينيك قليلا وتخيل معي لحظات الفرح الغامر في الدنيا؛ إذا أصبحت أرواحنا خفيفة وضحكنا كثيرا وأصبحنا بخفة الأطفال في الفرح، انظر كيف يبلغ القرب والموده والانس بأن نتبادل الكؤوس؛ هذا قدر من النعيم الذي لا وقار فيه، قدر من النعيم الذي ليس فيه خوف من العاقبة، تبادل الكؤوس والتنازع، وهذا فيه من مظاهر الفرح ما يعرفه كل عاقل.
أيضا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الطور: 24]، أي غلمان الخدمة لهم منظر يسر ويقر. وفيه فائدة: تحسين منظر المضيف يزيد الضيافة قبولا والضيف انشراحا حينما تقدم الضيافة؛ الضيف لا ينظر فقط إلى ما داخل الطبق من ضيافة، وإنما ينظر إلى منظر المضيف وما يكون فيه، أحيانا كما يقال المضيف أما أن يفتح نفسك أو يسدها، فمن جملة النعيم التي عند أهل الجنة أن الضيافة كما ذكر الله سبحانه وتعالى من جهة الفاكهة واللحم بأنها مستعذبة محبوبة، وأيضا من يقدمون الضيافة لهم منظر يساعد على المراد.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور: 25]. قال عبد الله بن عباس: واقبل بعضهم على بعض يتساءلون، يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا. انتهى كلامه رضي الله عنه. هنا بدأ حديث الذكريات الأجمل، التساؤل الذي كل إجاباته صحيحة؛ حينما يبدؤون يتساءلون في الجنة، انظروا، كل شيء في الجنة أمان، حتى سؤال الذي كان في الدنيا عنوان قلق صار يقال للتلذذ وترداد النعم، حتى السؤال في الجنة يقين.
السؤال الذي فيه قدر من الاضطراب وفيه قدر من القلق، بل إن هذه السورة ورد فيها خمسة عشر تساؤلا، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35]، خمسة عشر سؤالا؛ لأن مقصد السورة كما ذكرت لكم اضطراب عاجل واطمئنان آجل، ففيها من الاضطراب ما يخيف القلوب وينزعها من مكانها، ومع ذلك: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور: 25]. بدا الآن سرد الذكريات، بدا كل إنسان يسأل أخاه عن الذكريات التي في الدنيا، عن الآلام، عن الأحزان، عن الخيبات، عن كل الأمنيات التي لم تتحقق، عن كل ما آلم الإنسان وأوجعه في روحه وفي جسده، الآن يرددونها على جهة التلذذ، كما يقول أبو الطيب المتنبي: وكثير من السؤال اشتياق، وكثير من ردّه تعليل. فبعض الأسئلة تكون في بعض المقامات لذيذة عذبة وفيها فائدة.
الإنسان كائن حكا، يحب الحكايات، يحب أن يروي، يحب أن يسرد ذاته. من نعيم الإنسان أن يروي ويستمع إليه؛ هذا نعيم، لا تنسوا هذه الحقيقة في جلساتكم مع من تحبون. الإنسان كائن حكا، إذا لم يحك ولم يستطع أن ينطلق، فعليكم أن تثيروا هذه اللذة في الإنسان بالأسئلة، الأسئلة عن الماضي خاصة. كبار السن يحبون الرواية، يحبون الحكاية، يحبون حتى تكرار القصص؛ لأن لكل قصة منها معنى في حياتهم ولها شعور مختلف ونفعها عليهم ممتد، لذا كان من البر في الإنسان أن يستنبط هذه الذكريات من والديه أو من إخوانه أو من أخواته، سواء كان صديقا، قرينا، أبا، شيخا، أيا يكن؛ هذه الذكريات تمنح الإنسان من اللذات ما جعلها الله من نعيم الجنة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور: 25].
إذا حكى إنسان آلامه، فمن حسن الوفاء ومن تنعيم الطرف الآخر أن أستمع له بقدر من الامتنان والصبر؛ لماذا؟ لأنهم هنا كانوا يشتكون: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: 26] قالوا: كنا في الدنيا خائفين من العذاب. وفيه فائدة: ذكر العذابات بعد الوصول إلى الراحة نعيم مضاعف، نعيم مضاعف ذكر العذابات بعد الوصول للراحة، والذي عليه العقلاء دائما وأبدا بأن الحاصل بعد الطلب أعز مما جاء بلا تعب؛ الحاصل بعد الطلب أعز مما جاء بلا تعب، هذا ما عليه عقلاء الدنيا كلهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل عاقبة هذه الدنيا خيرا وراحة.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 27] هنا ابتدؤوا بذكر امتنانهم وشكرهم وحمدهم لله سبحانه وتعالى بنجاتهم من جهنم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: 28]. عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يعادي سرير هذا، فيتحدثان، فيتكيءذا -ويتكيءذا- فيتحدثان بما كان فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان، تدري أي يوم غفر الله لنا؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا». اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا، واجعلنا نستذكر هذا المجلس يوم القيامة في وقت التساؤل والامتنان، وأن نقول: إنا كنا من قبل ندعوه، إنا كنا من قبل نتفهم كتابه، إنا كنا من قبل نريد الاستهداء بآياته يا رب العالمين.
وفيه فائدة: الدعاء أكبر وسيلة للنجاة؛ فهم لم يذكروا من أعمالهم شيئا غير الدعاء: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ [الطور: 28]، ما ذكروا الصلاة، ما ذكروا الأمور الأخرى على أهميتها، لكن الدعاء أكبر وسيلة للنجاة.
﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29]. فذكر بالقرآن، الصحيح أن نعمة ربك هنا بمعنى قرآن، فذكر بالقرآن الذي هو نعمة الله، هذا ما قاله مقاتل، قال إن نعمة ربك هنا هي القرآن. وفيه فائدة: تسمية القرآن بالنعمة أمر عظيم يستوجب منا أن نملا قلوبنا حمدا أن جعلنا في مجالس النعم الفجرية في مجالس القرآن الفجرية، وأن ندعو الله ألا يسلبنا النعمة بقله شكرنا، اللهم آمين.
﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: 30] بل يقول المشركون: هو شاعر ننتظر حوادث الدهر يكفيناه بموت أو حادثة متلفه. ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: 31] كانوا يتربصون بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يموت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتربص بهم أن يأتيهم العذاب.
﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور: 32]. قيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله سبحانه بالعقل؟ قال: تلك عقول كادها الله، أو تلك عقول كادها باريها، أي لم يصحبها التوفيق. وفيه فائدة: العقل وحده لا يكفي للهدايه، لابد من توفيق. وفيه فائدة أيضا: اقتران العقل بالطغيان، انظروا: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور: 32] اقتران العقل بالطغيان، ثم ما بعدها ما هو؟
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: 33] أي القرآن، ثم الحديث عن القرآن بعد ذلك فيه إشارة إلى العرض والمرض والدواء. العقل عندنا معشر المسلمين خادم لا حاكم، هو خادم يكشف ما أودعه الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا من حق وخير وجمال، لكنه لا يحكم على الأشياء بمفرده فيصوب ويخطئ، العقل خادم لا حاكم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: 33] أيقولون إن محمدا صلى الله عليه وسلم اختلقه؟ لا يصدقون بالقرآن، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: 34] أي فليأتوا من تلقاء أنفسهم بمثل هذا القرآن إن صدقوا أن النبي صلى الله عليه وسلم اختلقه وتقوله.
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35]. كل أم في هذه السورة إما أن تقدر ببل، يعني بل خلقوا من غير شيء مثلا، أو أنها بالهمز، همز الاستفهام، وأحيانا يجمع بل مع الهمز وهذا له موطن يفصل فيه. ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 36] أي أخلقوا السماوات والأرض؟
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: 37]. الخزائن هنا أما بمعنى العلم أو مفتاح الرسالة، والمسيطر المتسلط المتحكم.
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمَعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: 38] أي ألهم سلم إلى السماء يصعدون فيه يستمعون إلى الوحي؟ وفيه هنا بمعنى على، يعني يصعدون عليه، مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] في جذوع بمعنى على جذوع، فأحيانا في تاتي بمعنى على، قول بعض النحاة، وبعضهم يقول لا، بأن الأحرف لا تتبادل ولا تتناوب في المعاني، وبعضهم يقول لا، أنا بحسب السياق.
﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: 39] وذلك أنهم قالوا: الملائكة بنات الله، فقال الله تعالى لنبيه في الصافات صلى الله عليه وسلم: فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون، فسالهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: 39]، وفي النجم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ [النجم: 21-22].
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مغرم مُّثْقَلُونَ﴾ [الطور: 40] أي أساألت هؤلاء القوم على الإسلام ثمنا تدفعونه، ثمن فمنعهم من أن يسلموا، ثقل المبلغ، ثقل الثمن، ثقل الأجر، ثقل المال الذي سيدفعونه ليدخلوا الإسلام؟ ما سالهم شيئا. وفيه فائدة: أن الساعي الصادق لهداية الخلق يبتعد ابتعادا شديدا عن طلب الجزاء على رسالته من مال أو جاه أو ثناء أو معاملة خاصة، وأن ذلك ثقيل على الناس ولو أظهروا الطاعة وحب الخدمة. لماذا هذا الأجر؟ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ [الطور: 40] فيه إثقال هذا الأجر إذا طلبه الداعية لنفسه، حتى لو قال لك تلميذك بأني أفديك ولك ما تريد، المفترض أن يكون أبيا شريف النفس، لا يستخدم تلامذته ولا يستخدم أحبابه ولا يستخدم طلابه أبدا أبدا أبدا، بل يكون يده لهم لا لا عليهم، يعطي ولا يأخذ، هذا المفترض.
﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: 41] أي أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون بمشيئتهم مصيرهم وجزائهم؟
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور: 42] أريدون تلك الأيام في دار الندوة كيدا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومكرا به؟ فالذين كفروا من أهل مكة هم المكيدون، يقولون هم الممكور بهم فقتلهم الله سبحانه وتعالى في غزوة بدر.
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: 43]. ﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ [الطور: 44] الكسف والقطع، أي حتى لو سقط جزء من السماء عليهم وهم يرونه آت لعذابهم لم يؤمنوا، يقول: لا لا هذا مجرد سحاب مركوم، بلغوا من الغفلة غاية الدرجات.
﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: 45] قيل إنه يوم القيامة وهذا عليه الجمهور، وقيل يوم بدر، أي يصعقون بهزيمة في غزوة بدر. ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الطور: 46] على قول الجمهور الذي ذكرته قبل قليل أن يوم القيامة يكون معنى ولا هم ينصرون أي لا يمنعون من العذاب يوم القيامة، وعلى القول الآخر أنهم في غزوة بدر أي لا ينصرون في غزوة بدر.
﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: 47] قال ابن جرير الطبري شيخ المفسرين رضي الله عنه ورحمه: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذابا دون يومهم الذي فيه يصعقون وذلك يوم القيامة، فعذاب القبر دون يوم القيامة لأنه في البرزخ، والجوع الذي أصاب كفار قريش والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخصص نوعا من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة، دون نوع، بل عمى فقال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: 47] فكل ذلك لهم عذاب وذلك لهم دون يوم.
القيامة. ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: 48]. بأعيننا؛ نرى ما تفعل وما يفعل لك. وأما التسبيح حين تقوم؛ فلها معاني كلها وردت، منها: تسبيح اللسان عند القيام من النوم هذا وجه. والمعنى الثاني: الصلاة، التسبيح هنا بمعنى الصلاة سواء كانت نفلا أو فرضا. المعنى الثالث: كفارة المجلس، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك حين تقوم مجلسك، يعني وجه من الأوجه، وسبح بحمد ربك حين تقوم أي كفارة المجلس حين تقوم من المجلس، هذا وجه أيضا ذكره بعض المفسرين.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: 49]. الجمهور على أنها ركعتا الفجر، وفيه فوائد؛ الفائدة الأولى: أحكام الله بها قدر من المشقة الامتحانية تحتاج صبرا، لذا قال: واصبر لحكم ربك. الفائدة الثانية في هذه الآية الأخيرة: استحضار المعية الربانية أكبر ما يعين على الصبر، فانك بأعيننا.
الثالثة: التسبيح أول المخارج من الضيق، ففي ضيق المكان قال الله سبحانه وتعالى عن يونس عليه السلام: ﴿فَلَوْلَا أَنَّكَ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَبَثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144] هذا في ضيق المكان. وفي ضيق الصدر؛ قال عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 97-98] يضيق صدرك بما يقولون فسبح. التسبيح أول المخارج من الضيق وهو ليس الخطوة الأولى، وإنما هو شطر الخروج من الضيق، هذه الخطوة الأولى الخطوة التي تساوي نصف المسافة، التسبيح هو الخطوة التي تساوي نصف المسافة ليس مجرد بداية خطوة من خطوات لا، هو البداية التي تختصر نصف المسافة إلى الفرج.
الفائدة الأخيرة: أثر الحفاظ على عادة يومية في سعة الصدر على تفسير ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ على أنها ركعتا الفجر، مما يطرد الهم وضيق الصدر. على الإنسان أن يألف أورادا لا يفارقها، سواء كانت صلوات أو أذكار أو دعوات أو تلاوة قرآن، لكن هذا الانتظام الروتيني مهم جدا في سلامة الإنسان النفسية. وبذا تم تفسير سورة الطور. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا ولكم بخير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وإن تطيعوه تهتدوا.
بدر آل مرعي