دخولتسجيل الدخول

التعليقُ على كتاب الاعتصام للشاطبي | برنامج المُدارسة | المجلس الحادي والعشرون والأخير

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترا على آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس ختامي بإذن الله في التعليق على كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى عليه، هذا الكتاب الذي عشنا في أفيائه منذ ثمانية أشهر ربما في كل اثنين ونحن نعيش في أحد أعظم -في اعتقادي- أحد أعظم الكتب الإسلامية فكراً ونظراً وتحليلاً وتأصيلاً.

كتاب منسق منظم، يعني افتض بكارته الشاطبي رحمه الله عليه، وليس كتاباً منقولاً عن غيره أو تجميلاً لكلام علماء سابقين، رجل حرر المسائل، أطال النظر فيها، فتح الله سبحانه وتعالى عليه فيه. أحسن بهذا الكتاب بعد أن ننتهي منه قراءة تفصيلية أن تعيد النظر فيه مرتين وثلاث وأربع، لأن هناك أفكاراً لن تتشربها إلا مع القراءة المستمرة حتى تفتح لك آفاقاً أعمق وأعمق. هذه القراءة الأولى قراءة استشراف فهم للعبارات والألفاظ، أما القراءة الثانية والثالثة لمثل هذه الكتب تكون قراءة ترسيخ للأفكار التي تم طرحها، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وأن يتقبل منا وأن يرزقنا الفهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.

حتى لا نطيل، نبدأ في المسألة الثامنة من التعليق على حديث الافتراق: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». الآن هذا الفصل كله في مسائل متعلقة بهذا الحديث وما ينبني عليه، وصلنا إلى المسألة الثامنة.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين، وانصر عبادك المستضعفين. قال رحمه الله تعالى: المسألة الثامنة: أنه لما تبين أنهم لا يتعينون فلهم خواص وعلامات يعرفون بها، وهي على قسمين: علامات إجمالية، وعلامات تفصيلية. في الدرس الماضي بينا أن الأصوب من اختيارات المحققين ألا ندخل في تعيين الفرق الاثنتين والسبعين التي في النار لعوامل كثيرة، منها أولاً: أننا لا نملك كامل المعرفة الدقيقة بهم، ومنها الستر، الستر على الناس حتى يكون هناك مساحة للتوبة والتعامل معهم على إمكانية ألا يكونوا، ولعلهم وربما خلنا نتعامل معهم بالستر، لكن ومع ذلك تبقى لك دراسة الخواص والعلامات العامة لأهل البدعة حتى تعرف هل أنت ممكن واقع تحت الفرق الاثنتين والسبعين أم نجاك الله من هذه الفرق بالتمام؟ خذ العلامات تعرف نفسك فتنجو. قال: هناك علامات إجمالية، علامات تفصيلية.

نبدأ العلامات الإجمالية: ثلاث. قال أحدها: الفرقة التي نبه عليها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105]، وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 64]. روى ابن وهب عن إراهيم النخعي أنه قال: هي الجدال والخصومات في الدين. وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً؛ فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا» الحديث.

وهذا التفرق كما تقدم إنما هو الذي يصير الفرقة الواحدة فرقاً، والشيعة الواحدة شيعاً. قال بعض العلماء: صاروا فرقاً باتباع أهوائهم ومختصرة أن أهل البدع من ميزتهم أنهم فرق انشطارية، أن الفرقة الواحدة منهم والعقيدة الواحدة تجدها تنشطر إلى ثلاثين فرقة، لذلك افتح أي كتاب في الملل والنحل لابن حزم للشهرستاني وانظر، ستجد الشيعة كما مر معنا في الدرس الماضي فرق، الخوارج فرق. طب من أين أتت الفرق؟ أنه هم أنفسهم ينقلبون على بعضهم البعض فينشطرون في داخلهم، فليس المراد الافتراق أنهم فارقوا أهل السنة، لا، المراد الافتراق في داخل صفوفهم، لا تجدهم على رأي واحد، حتى المدرسة الأشعرية، المدرسة الأشعرية تستطيع تقول فيها ست سبع مدارس في داخلهم: تيار الأشعري القديم، تيار الجويني، تيار الرازي، وتيار وما بعدها.

هذه من ميزة الفرق الانشطارية، لذلك حتى الخوارج اليوم قديماً وحديثاً تجدهم ينقلبون على بعضهم البعض ويختلفون فيما بينهم، وهذا فصيل وهذا تيار وهذا فصيل آخر وهذا ما عجبوش القائد وهكذا، طبيعتهم أنهم انشطاريون، لا يعرفون قضية اللحمة وتنازل الإنسان وأن هذه المسألة لا تستحق أن أُفارق الجماعة، ما عندهم هذه التوازنات تمام، ولأن آراءهم مبنية على العقول عند المتكلمين، العقول أيضاً متفاوتة، فسهل أن يحصل حتى في الفرق الكلامية انشطار، أما أهل السنة لأنهم متمسكون بالكتاب والسنة فالكليات عندهم متفق عليها، لا يمكن نختلف لأننا متفقون على مرجعية مشتركة، ليست عقل شخص معين بل مرجعية مشتركة، فحتى لو اختلفنا سيكون اختلافنا ضمن هذه المرجعية، فيرحم بعضنا بعضاً ويرفق بعضنا ببعض.

فالافتراق داخل الفرقة الواحدة شيعاً هو دلالة أن هذه الفرقة ليس لها مرجعية حقيقية في الكتاب والسنة. قال بعض العلماء: صاروا فرقاً، صاروا فرقاً باتباع أهوائهم وبمفارقة الدين تشتتت أهواؤهم فافترقوا، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: 159]، ثم برأه الله منهم بقوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159]، وهم أصحاب البدع وأصحاب الضلالات والكلام فيما لم يأذن الله فيه ولا رسوله. قال: ووجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده قد اختلفوا في أحكام الدين ولم يتفرقوا ولا صاروا شيعاً.

نعم، هذا هو النموذج، الصحابه الكرام هل سمعت أنه في انشطارات بينهم انقلبوا على بعض؟ أدهى ما يُقال في التاريخ الإسلامي معركة علي ومعاويه رضي الله عنهم في صفين، وبقي علي يدعو لمعاويه ومعاويه يدعو لعلي، واحترام متبادل، يعني يبقي في هناك الرأفة الموجودة بينهم اليس كذلك؟ لم يتشقق هذا الجدار عندهم، لماذا؟ لأن مرجعيتهم واحدة. لكن الأمة بعدهم اختلفوا. طيب، الصحابة ألم تكن عقولهم متباينة أفكارهم مختلفة قدراتهم الاجتهادية؟ هل اختلاف قدراتهم العقلية والاجتهادية وحتى الأمور النفسية هل سبب التصدع في البنيان؟ لا، ليه؟ لأنهم أهل سنة، لأن عندهم مرجعية واحدة، فحتى لو اختلفنا نحسن إدارة خلافنا تحت هذه المرجعية، بخلاف أهل الأهواء لا يحسنون إدارة الخلافات فيما بينهم فينشطرون.

نعم قال: ولا صاروا شيعاً لأنهم لم يفارقوا الدين، وإنما اختلفوا فيما أذن لهم من اجتهاد الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصاً، واختلفت في ذلك أقوالهم فصاروا محمودين لأنهم اجتهدوا فيما أمروا به، كاختلاف أبي بكر وعمر وعلي وزيد في الجد مع الأم، في ميراث الجد مع الأم إذا اجتمع الجد مع الأم في الميراث كم يكون نصيب الجد وكم يكون نصيب الأم؟ نعم. وقول عمر وعلي في أمهات الأولاد هل يجوز بيعهن أو لا يجوز بيعهن؟ نعم. وخلافهم في الفريضة المشتركة، وخلافهم في الطلاق قبل النكاح وفي البيوع وغير ذلك مما اختلفوا فيه، وكانوا مع هذا أهل مودة وتناصح، وأخوة الإسلام فيما بينهم قائمة.

فلما حدثت الأهواء المردية التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهرت العداوات وتحزب أهلها فصاروا شيعاً، دل على أن إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التي ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه. قال: كل مسألة حدثت في الاسلام واختلف الناس فيها ولم يورد ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة، علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة حدثت وطرات فأوجبت العداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة، علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء.

طبعاً قال هو ينصب الكلام لبعض العلماء، طبعاً ولا أستبعد أن يكون هذا هو ينقل عن ابن تيمية أنه هو لا يصرح باسم ابن تيمية، فلا أستبعد أن يكون قال بعض العلماء، لا أدري لماذا هو لا يصرح؟ هل هناك بعد معين أن اسم ابن تيمية كان يُحدث قلقاً في المغرب العربي؟ بالتالي هو يخشى الشاطبي أن يصرح باسمه فيكتفي قال بعض الحنابلة، بتذكروا مرة قال بعض العلماء هذه أدبيات ابن تيمية التي ينقلها هنا، فأعتقد أن الشاطبي -وهذا من دهاء الإنسان- أنه إذا في حق في كلام عالم ولكن هذا العالم اسمه مش مقبول تمام، بقول لك هذا وهابي هذا كذا، خلص احكي كلامه بدون ما تجيب اسمه، لأن أنا في النهاية هذا الحق، وهو الله يجزاها الخير، ربنا يعني يجزيه خيراً على ما قدم للأمة، لكن ما في داعي أن تذكر الاسم إذا كان يمنع الناس من قبول الحق، هذه من الحكمة التي عند الشاطبي.

نعم قال: وأنها التي عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية، وذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً من هم؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه الأمة» الحديث، وقد تقدم ذكره. قال: فيجب على كل ذي عقل ودين أن يجتنبها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]. فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى. هذا ما قاله، وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف، فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين.

وهذه الخاصية قد دل عليها الحديث المتكلم عليه وهي موجودة في كل وهي موجودة في كل فرقة من الفرق المضمنة في الحديث، ألا ترى كيف كانت ظاهرة في الخوارج الذين أخبر بهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان». وأي فرقة توازي هذه إلا الفرقة التي بين أهل الإسلام وأهل الكفر؟ نعم قال: وأي فرقة توازي هذه إلا الفرقة التي بين أهل الإسلام وأهل الكفر؟ الخوارج يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، هذا التعامل أين يوجد بين الفرق إلا في علاقة المسلمين مع الكفار أن تقتل عرفتهم، يقول الخوارج وصل بهم الحال يقتل أهل الإسلام ويدع. تريد فرقة أسوأ من هي الفرقة التي لا يوجد مثلها إلا في فرقة المسلمين مع الكفار؟

نعم قال: وهي موجودة في سائر من عرف من الفرق أو من ادعى ذلك فيهم، إلا أن الفرقة لا تعتبر على أي وجه كانت، لأنها تختلف بالقوة والضعف، وحين ثبت أن مخالفة بعض هذه الفرق إنما هي في القواعد الكلية كانت الفرقة أقوى، بخلاف ما إذا خُولف في الفروع الجزئية دون الكلية فإن الفرقة لابد أضعف، فيجب النظر في هذا كله. طبعاً وهذه مر معنا أنه هو يقول أصلاً الفرق الاثنتين والسبعين هي التي خالفت في إيش؟ في قواعد كلية، صح؟ هذا اللي قاله في الدرس الماضي، لا يدخل فيها الفرق التي بدع جزئية كبعض بدع التصوف مثل إضافة الذكر الجماعي أو ما شابه ذلك.

وبالتالي لما تكون البدع كلية تسبب فرقة كلية، لكن لما تكون البدع جزئية زي الذكر الجماعي وبعض الأمور التي والمولد النبوي وما شابه ذلك هذه لا تسبب فرقة كلية وإنما تسبب شيء من الفرقة الجزئية أو الاختلاف الجزئي تمام.

قال: والخاصية الثانية -طب إذا الخاصية الأولى لأهل البدع أنهم متفرقون منشطرون- الخاصية الثانية الجملية لأهل البدع نعم، هي التي نبه عليها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7]. ولذلك على بس تعليق سريع على الخاصية الأولى كان دائماً شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: وأهل السنة أرحم بأهل البدع من بعضهم ببعض، وأهل السنة أرحم بأهل البدع من بعضهم ببعض، نحن أرحم الناس بالناس. ولذلك كان يقول عن الرافضة إذا تذكروا النص اللي قرأتكم إياه الدرس الماضي أنهم هم أشداء على بعضهم البعض، وكانوا يقولون لأهل السنة: أنتم أرحم بنا من بني عقيدتنا! لأنه أهل السنة لا يتدافعون إلى التكفير، لا يتدافعون إلى سفك الدماء، يفتحون مجالات العذر، يفهمون محركات الأفكار عند الناس وكيف يمكن تنشأ عندهم الأخطاء، فأرحم ضعفك وأحاول أن أخذ بيدك ولا أستعجل أن أزندقك ولا أستعجل أن أسفك دمك، هذه من سمات أهل السنة أنهم أكثر الناس حرصاً على الجمع، مش الجمع بمعنى أن كل الناس خير وبركه وكل العقائد خير وبركه، لا، الجمع أننا لا نستعجل في إخراج الناس وتكفيرهم وسفك دمائهم ونتلطف بهم ونرحم حالهم.

طيب، الخاصية الثانية قال نبه عليها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7]. فبيّنت الآية أن أهل الزيغ يتبعون متشابهات القرآن وجعلوه ممن من وجعلوا ممن شأنه أن يتبع المتشابه للمحكم. إذاً العلامة الثانية من علامات أهل البدع ما هي؟ أنهم يقفون عند المتشابهات ولا يحسنون ردها إلى المحكمات، باختصار لا يحسنون جمع آيات القرآن بعضها بعضاً، فهم يضربون بعضها ببعض ولا يحسنون جمعها.

ومعنى المتشابه: ما أشكل معناه ولم يتبين مغزاه، كان من المتشابه الحقيقي كالمجمل من الألفاظ وما يظهر منه التشبيه، أو من المتشابه الإضافي وهو ما يحتاج في بيان معناه الحقيقي إلى دليل خارجي، وإن كان في نفسه ظاهر المعنى لبادي الرأي، كاستشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57] فإن ظاهر الآية صحيح على الجملة، وأما على التفصيل. هذا تقسيم لبعضهم، يقسمون المتشابه إلى متشابه حقيقي لا يعلمه إلا الله، ومتشابه إضافي وهو الذي يكون متشابهاً عند البعض ويحتاج فيه العلماء حتى يكشفوه لك ويفهموك، لا أن مراد الآية كذا وكذا إذا جمعناها مع هذه القاعدة مع الآية الأخرى يتضح لك معناها. هذا تقسيم لبعضهم أن المتشابه حقيقي لا يعلم إلا الله ومتشابه إضافي، لكن طبعاً نحن نعترض على المثال الذي ذكره على المتشابه الحقيقي جعل آيات الصفات من المتشابه الحقيقي وهذا كله موجود عند الأشاعرة، دائماً يقول إن آيات الصفات من المتشابه.

الصفات من المتشابه الحقيقي الذي لا يعلمه إلا الله. تمام، إذا كان يقصد الواقع الخارجي، نعم نتفق لا يعلمه إلا الله، كيف هذه الصفة؟ الكيفية. أما معنى الصفة فهي ليست متشابهة بل هي معلومة المعنى. فقوله وما يظهر منه التشبيه من الآيات هذا المثال لا نوافق عليه الشاطبي عليه رحمة الله وغفر الله له.

أما المتشابه الإضافي، سيذكر لك أمثلة كالخوارج لما أتوا على قضية أن الحكم إلا لله، واعتراضهم على علي رضي الله عنه. فهم الخوارج لم يفهموا الآية، لكن جاء ابن عباس وفهمهم أن هذه الآية لها إسقاطات، وأن أن الحكم إلا لله ليست معناها عدم جواز تحكيم الرجال في القضايا الاجتهادية أو الخلافات الأسرية أو ما شابه ذلك؛ لا تعارض بين هذا وهذا، فهمتم؟ فهي متشابه إضافي؛ أي بالنسبة للخوارج، وأما للراسخين في العلم لا، هي واضحة المعنى مفهومة.

فالآية صريحة، فإن ظاهر الآية صحيح على الجملة، وأما على التفصيل وهو أن يعرفوا أين تكون الآية كفراً أكبر وأين تكون كفراً دون كفر، هذا الذي يحتاج فيه إلى تفصيل لا يعرفه الخوارج، وإنما يعودون فيه إلى العلماء. ما هي الآية تنزل على الكفر الأكبر؟ إذا تم تبديل الشريعة. وتنزل على كفر دون كفر؟ إذا حكم الحاكم بهواه في مسألة أو مسألتين. هذا التفصيل العامي أو طالب العلم المبتدئ ربما يخفق فيه، فتكون الآية متشابهة له، فيذهب إلى الراسخين في العلم فيكشفون له أين تكون الآية كفراً أكبر وأين تكون كفراً دون كفر، فيزول الإشكال ويتضح المعنى بحمد الله.

وأما على التفصيل فمحتاج إلى بيان، وهو ما تقدم ذكره لابن عباس، كما قلنا أعادك لمناظرة ابن عباس مع الخوارج لأنه بين أن الحكم لله تارة بغير تحكيم، وهذه أن الزنا رجم، وأن وضع الشرائع الأساسية لله، هذا تارة. وتارة الحكم لله لكن يجوز فيه التحكيم، مثل وضع القضاة، فهؤلاء الأصل أنهم يحكمون يوقعون عن الله، لكن مقبول أنه يجتهد في النهاية وما يبلغه اجتهاده ويظنه حكم الله، ما عندنا مشكلة فيه، لأنه إذا أمرنا بالتحكيم فالحكم به، إذا أمرنا الله بأن نحكم فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، أليس أمرنا الله بنصب القضاة؟ أليس أمرنا الله كذا؟ إذاً هذا التحكيم للرجال هو أصلاً من حكم الله، التحكيم للرجال هو أصلاً من حكم الله؛ لأن الله حكم علينا أن نحكم الرجال في مواطن معينة.

وكذلك قولهم: قاتل ولم يسب، فإنهم حصروا الحكم، إيش قالوا؟ أن علي بن أبي طالب المشكلة الثانية عندهم أنه قاتل معاويه ولم يسب النساء معه والعياذ بالله، مش هي الشبهة الثانية للخوارج؟ فابن عباس قال: أتريدون أن تسبى أمكم؟ نعم، قال: وتركوا قسماً ثالثاً هو الذي نبه عليه قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَahُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] الآية، فهذا قتال من غير سبي. نعم، شفتوا المشكلة وين عند الخوارج والمبتدئين؟ أنهم ظنوا أن القتال إذا صار، إذا حل القتال، فإن هذا يستلزم وجود السبي. فيقول لهم لا، القرآن الكريم بين أن هناك قسماً آخر من القتال؛ قتال لا سبي فيه. هل كل قتال جائز شرعاً لازم يكون فيه سبي النساء؟ لا، فالله عز وجل أخبر عن قتال الفئة الباغية، قال: فقاتلوا التي تبغي، لكن هل أجاز سباء نسائهم؟ لا. فالخوارج كان في ظنهم أنه إذا كان القتال جائزاً فإنه لا بد أن يكون هناك سبي، وعلي ومعاويه كان باغياً، فإذاً لا بد نسبي نساء جيش معاويه، فيقول لهم ابن عباس: أخطأتم، القرآن بين أن القتال على أنواع؛ هناك قتال فيه سبي وهو قتال المشركين المحاربين، وهناك قتال يجوز لكن لا سبي فيه وهو قتال البغاة، فالبغاة لا يعاملون معاملة المشركين في السبي. هذه التفاصيل تحتاج إلى عالم يبينها.

لكن ابن عباس رضي الله عنهم نبههم على وجه أظهر، وهو أن السبي إذا حصل فلا بد من وقوع بعض السهمان على أم المؤمنين وستسبى أم المؤمنين، فأراد أن يشنع عليهم مقالتهم، وعند ذلك يكون حكمها حكم السبايا في الانتفاع بها كالسبايا، فيخالفون القرآن الذي ادعوا التمسك به. طبعا معنى قولهم جعلوا القسمة ثنائية؛ يعني الخوارج عندهم يا لا يجوز القتال بالتالي لا يجوز السبي، يا يجوز القتال بالتالي يجوز السبي. طيب، في حل وسط ثالث أنه يجوز القتال بس لا يجوز السبي، هذا الوسط ما كان في ذهن الخوارج.

وكذلك في قضية محو الاسم من إمارة المؤمنين، اقتضى عندهم أنه إثبات لإمارة الكافرين؛ لأنه قالوا إذا علي رضي الله عنه لم يكتب أنه أمير المؤمنين إذا هو أمير الكافرين، هيك طريقة الخوارج. وذلك غير صحيح؛ لأن نفي الاسم منها من الورقة لا يقتضي نفي المسمى. وأيضاً فإن فرضنا أنه يقتضي نفي المسمى لم يقتضي إثبات إمارة أخرى؛ يعني أقول لك بدنا نفرض أنه مش أمير، الآن لو محينا اسمه من الورقة هل هذا ينفي أنه أمير للمسلمين في الواقع؟ لا، نحن محوناه من الورقة لكن لا ينفي أنه ليس في الواقع أميراً للمسلمين. ثم لو فرضا فرضا قلنا لا نحي اسمه من الورقة، يقتضي في الواقع أن علي ليس أميراً للمسلمين، هل مفهوم المخالفة سيحصل أنه أصبح أمير على الكافرين؟ قال: وأيضاً فإن فرضنا أنه يقتضي نفي المسمى -يقصد بنفي المسمى نفي أنه أمير في الواقع- فإن هذا لا يثبت إمارة أخرى لعلي، خلص نفينا أنك أمير على المؤمنين في الواقع، لا يستلزم هذا عقلاً أنك أمير على الكافرين، فمن أين أخذتم هذا الاستلزام العقلي يعني؟ فعارضهم ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم محا اسمه من الصحيفة يوم الحديبية، وهي معارضة لا قبل لهم بها؛ يعني ألجمهم بها، ولذلك رجع من الخوارج ألفا أو من رجع منهم.

فتأملوا قال فتأملوا وجه اتباع المتشابهات وكيف أدى إلى الضلال وخروج عن الجماعة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رايتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم».

والخاصية الثالثة اتباع الهوى، طبعا اتباع الهوى كثير رح يتكلم عنه الشاطبي كثير، وسياتي أيضاً في آخر الكتاب يتكلم عنه؛ لأنه هو المحرك الأساسي للبدع، لذلك لابد يذكر الخاصية الثالثة اتباع الهوى. قال وهو الذي نبه عليه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: 7] والزيغ هو الميل عن الحق اتباعاً للهوى، وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50]، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية: 23]. وليس في حديث الافتراق ما يدل على هذه الخاصية ولا على التي قبلها، إلا أن هذه الخاصية راجعة في المعرفة بها إلى كل أحد في خاصة نفسه؛ لأن اتباع الهوى أمر باطن فلا يعرفه غير صاحبه إذا لم يغالط نفسه، إلا أن يكون عليها دليل خارجي.

إذاً حديث الافتراق ذكر صفة واحدة لصفات أهل البدع وهي إيش؟ الافتراق، صح؟ أنه قال ستفترق أمتي، ذكر الصفة الأولى لهم الافتراق، لكن حديث الافتراق لم يذكر الصفة الثانية وهي اتباع المتشابه، ليس في نصه ذكر اتباع المتشابه، وليس في نص حديث الافتراق ذكر اتباع الهوى، لكنه معلوم ضمنياً من آيات أخرى ومن نصوص أخرى. وعموماً يقول اتباع الهوى أصلاً هو شيء داخلي، أنت لا تستطيع أن تأتي لرجل أشعري أو معتزلة بشكل عام وتقول له أصلاً أنت متبع لهواك؛ لأن اتباع الهوى عموماً أمر إيش؟ داخلي، هو ممكن ما يكون متبع لهواه، ممكن هذا مبلغه من العلم، لكن عموماً أنت لا تستطيع أن تقول لشخص أنت متبع للهوى وتجزم بذلك، إلا كما قال في الختام أن يكون عليها دليل خارجي.

كيف يعني؟ أني أنا بناقشه، عم بحصره في الزاوية، صار هو يتهرب تهربات مخالفة للقواعد العقلية تماماً، ساعتها بعرف أنه هو بس يعني متبع لهواه، هذه ممكن يظهر أثناء المناظرة، لكن في الوضع الطبيعي أنا ليس من عملي أن أجزم أن هذا العالم الفلاني من الأشاعره أنه هو فعلا قطعا متبع لهواه، ليس هذا أمر بيني وبين الله سبحانه وتعالى.

وقد مر أن أصل حدوث الفرق إنما هو الجهل بمواقع السنة، وهو الذي نبه الحديث بقوله: «اتخذ الناس رؤوساً جهالاً». فكل واحد عالم بنفسه هل بلغ في العلم مبلغ المفتين أم لا؟ وعالم إذا راجع النظر فيما سئل عنه هل هو قائل بعلم واضح من غير إشكال أم بغير علم أم هو على شك فيه؟ والعالم إذا لم يشهد له العلماء فهو في الحكم باق على الأصل من عدم العلم حتى يشهد فيه غيره.

إلا اليوم الله وكيلك، اليوم بصير واحد عالم ولو ما حدا شهد له، تلاقي شخص على السوشيال ميديا شايف حاله عالم ولو لم تشهد له العلماء. تمام؟ يقول لك: والعالم إذا لم يشهد له العلماء فهو في الحكم باق على الأصل من عدم العلم. هذا الوضع الطبيعي؛ أنه أنت ما بصير تصدر حالك أنك عالم إلى أن يشهد لك كبار واهل العصر أنك تستحق.

قال ويعلم هو من نفسه ما شهد له به وإلا فهو على يقين من عدم العلم أو على شك، فاختيار الإقدام في هاتين الحالتين على الإحجام لا يكون إلا باتباع الهوى؛ إذ كان ينبغي له أن يستفتي في نفسه غيره ولم يفعل، وكان من حقه ألا يقدم إلا أن يقدمه غيره ولم يفعل. وقد قال العقلاء إن رأي المستشار أنفع؛ لأنه بريء من الهوى، بخلاف من لم يستشر؛ فانه غير بريء، ولا سيما في الدخول في المناصب العالية والرتب الشريفة كمرتبه العلم، فهذا نموذج ينبه صاحب الهوى في هواه.

الأصل أنه أنت قبل ما والله تؤهل لمنصب القضاء، قبل ما يحطوك في منصب الإفتاء، يا اخي روح استشير مشايخك والله هل تروني أهل الفتوى؟ الاستشارة بتعطيك مؤشر أن هذا الشخص إن شاء الله أنه ما عنده هوى. لكن إذا رايته يتهيا على المناصب على الإفتاء والقضاء دون استشارة، وعادوا يتكلم ويجي المشايخ: يا فلان ترى أنت لسه، لا تتذبذب قبل أن تضح! إذا رايته يدب نفسه على الفتوى والقضاء والتصدر والكلام والظهور دون أن يستأذن مشايخه ويستشيرهم قال: فهذه قرينه وجود الهوى، قرينة وجود إيش؟ الهوى. قال: وقال العقلاء إن رأي المستشار أنفع؛ لأنه بريء من الهوى، يعني الذي تستشيره، لما تستشير شخص هذا رجل بريء من الهوى فهو ينصحك من قلبه، قال بخلاف من لم يستشر فإنه غير بريء، ولا سيما في الدخول في المناصب العالية والرتب الشريفة كمرتبة العلم، فهذا نموذج ينبه صاحب الهوى في هواه ويضبطه إلى أصل يعرف به هل هو في تصدره إلى فتوى الناس متبع للهوى أم هو متبع للشرع؟

هذا بقول لك بعض الشباب يجي بيسالني: شيخ، يعني أنا عندي اتباع للهوى هنا ولا كذا، أنا حاب أصير رئيس مركز قرآني، أنا حاب أصير مركز علمي، أنا شو بقول له؟ بقول له: هي معيار وضع لك إياه الشاطبي، شو هو؟ إذا وجدت نفسك تستشير وتسال العلماء وتأخذ رايهم بعين الاعتبار، بعض الناس بيستشير وبيزته ورا ظهره، لا. تستشير استشارة حقيقية، حاب اسمع، والله إذا قالوا لي لا بوقف، قالوا لي نعم، بس هذا مؤشر لك أنت هل أنت بريء من الهوى أو لا. فهذا يقول لك فهذا نموذج ينبه صاحب الهوى في هواه، بيساعدك تعرف نفسيتك بالضبط، ويضبطه إلى أصل يعرف به نفسه هل هو في تصدره متبع للهوى أو متبع للشرع؟ فهمتم؟ وقص على هذا النموذج.

وأما الخاصة الثانية، فراجعة إلى العلماء الراسخين في العلم؛ لأن معرفة المحكم والمتشابه راجع إليهم. الخاصة الثانية السابقة وهي قضية اتباع المتشابه، مش قلنا من خواص المبتدعة أنهم ماذا يتبعون المتشابه؟ فالذين لا يتبعون المتشابه بل يحسنون ضم النصوص بعضها إلى بعض، هذه من خواص أهل العلم. قالوا: أما الخاصة الثانية فهي من خواص أهل العلم، وهي القدرة على جمع النصوص المتشابهة مع المحكمة والوصول إلى صورة نهائية؛ لأن معرفة المحكم والمتشابه أصلاً هو راجع إليهم، فهم يعرفونها ويعرفون أهلها بمعرفتهم لها، فهم المرجع إليهم في بيان من هو متبع للمحكم فيقلد في الدين، ومن هو متبع للمتشابه فلا يقلد أصلاً.

كيف؟ لو واحد يسالك: أحضر عند الشيخ الفلاني؟ الراسخون في الأهل ممكن يقولوا لك: الشيخ الفلاني فعلاً هو متبع للمحكمات، والشيخ الفلاني متبع لما تشابه منه ابتغاء الفتنة. أنت كعامي لن تستطيع أن تحدد مين هو المتبع للمحكمات ومين هو المتبع للمتشابه، صح؟ لأن تعال على واحد عامي أشعري رح يعتبر أن ابن تيمية متبع للمتشابه، صح؟ ورح يعتبر الرازي والغزالي متبع للمحكمات. تيجي على هكذا نظرته، فهو يقول لك الشاطبي: ليس العامي له قدرة أن يحدد مين العالم المتبع للمحكمات ومين العالم المتبع للمتشابهات. ولذلك اليوم كثير مع الناس العوام بتقعد تقول لك: والله حيرتونا يا مشايخ، والله ما نحن عارفين مين فيكم اللي بيحكي صح وكلامه صحيح. وأنت من النهاية ليس من عملك أن تعرف مين العالم الماشي على المحكمات والمتشابهات فالله يعين العامه، هذا من شان من؟ من شان العلماء الراسخين. تستشيرهم، بتقول لهم: شيخ مين من هذول المشايخ مثلاً بدي أحضر عندهم؟ تعتقد أنه متمسك بالمحكمات ومن الذي تراه منهم لا.

فمعرفة من يتبع المحكم من المتشابهات هذه من خواص العلماء الراسخين. فلذلك كأنه يقول لك: معرفة أنه أنت بتتبع هواك هي في داعي تسال فيها شيخ؟ هي ممكن تعرفها من نفسك، لكن معرفتك من الذي يتبع المتشابه من المحكم، لا، هي سامحني هي مش أنت بتخذها قرار أيها العامة أو طالب العلم المبتدئ، هي بدك ترجع فيها للراسخين، هم يخبروك مين اللي بيتبع المحكم ومين اللي بيتبع المتشابه.

قال: ولكن له علامة ظاهرة أيضاً، نبه لحديث الذي فسرت به الآية به، قال فيه: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عن الله فاحذروهم». رجل قض إسماعيل بن إسحاق وقد تقدم أول الكتاب، فجعل من شأن المتبع المتشابه أن يجادل فيه ويقيم فيه النزاع على الأحيان، وسبب ذلك أن الزائغ المتبع لما تشابه من الدليل لا يزال في ريب وشك؛ إذ المتشابه لا يعطي بياناً شافياً ولا يقف منه متبعه على حقيقة.

فاتباع الهوى يلجئه إلى التمسك به والنظر فيه، والنظر فيه لا يتخلص له، فهو على شك أبداً. وبذلك يفارق الراسخ في العلم، لأن جداله إن افتقر إليه فهو في مواضع الاشكال العارضة طالبا لإزالته، سرعان ما يزول إذا تبين له موضع النظر. فالراسخ في العلم إذا جادل في القرآن إن افتقر إليه فهو في مواضع الاشكال العارض طلبا لإزالته، فسرعان ما يزول عنه الاشكال إذا بين له موضع النظر.

بخلاف المتبع للمتشابه؛ قال فجعل من شأن المتبع للمتشابه أنه يجادل في القرآن ويقيم النزاع على الدوام، وسبب ذلك أن الزائغ المتبع لما تشابه من الدليل هو طوال الوقت في ريب وشك؛ إذ المتشابه لا يعطيه يقيناً شافياً، ولا يقف منه متبعه على حقيقة. فاتباع الهوى يلجئه إلى التمسك به، والنظر فيه لا يتخلص له فهو على شك أبداً. مستحيل تصل إلى نتيجة إذا ضليتك فقط واقف مع الآيات المتشابهات.

وبذلك يفارق المتبع للمتشابه الراسخين في العلم الذين مدحهم الله في آخر الآية؛ لأن جدال الراسخ في العلم إن افتقر إليه هو فقط في موضع الاشكال العارض الذي سرعان ما يزول بتطبيق قواعد أصول الفقه العام على الخاص، والمطلق على المقيد، وتنحل عنده الأمور بدون أي مشكلة.

وأما ذو الزيغ فإن هواه لا يخليه إلى طرح المتشابه، والذي في قلبه زيغ هواه واتباعه للهوى يجعله دائماً متمسكاً بالمتشابه، يقول له: لا تتركه، بضله دائماً متمسكاً به، ما بده يرجع المتشابه للمحكم حتى يشفي غليله ويروي قلبه. فلا يزال ما دام واقفاً مع المتشابه إذاً ستبقى في شكوك، ستبقى في حيرة، لن تصل إلى كمال الصورة، إذاً ستبقى في جدال وطلب لتاويله ولن يهدا روعك، فهذا معنى والله أعلم أن العبارة السابقة: ويقيم النزاع على الدوام وليس على الأحيان.

قال: يدل على ذلك أن الآية نزلت في شان نَصَارَى نَجْرَان وقصد أن يناظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى بن مريم عليه السلام وأنه أو أنه ثالث ثلاثة مستدلين بأم بأمر متشابهات من من قوله: فعلنا وخلقنا وهذا كلام... فقلنا خلقنا هي بتذكر مرت معنا في الجواب الصحيح أنه هي خلقنا فعلنا تدل على أن الخالق مش واحد مجموعة؛ لأنه يقول: خلقناه، إذاً هم الأب والابن وروح القدس. لا يعرفون أن (نا) للتعظيم وأن المقصود بها واحد.

وهذا كلام جماعة؛ قالوا من أنه جبريلكم ولم يصح الموتى، وهو كلام طائفة أخرى منهم، ولم ينظروا إلى أصله ونشاته بعد أن لم يكن، وكونه كسائر بني آدم يأكل ويشرب الحق ولا... ولكن من غفلتهم النصارى: طيب ماشي، مش أنتم اعتقدتم أنه إله؟ طب ما نظرتم إلى الجانب الآخر من حياة عيسى بن مريم أنه كان معدوماً ووجد وأمه صديقة، كان ياكلان الطعام وافتقار إلى الطعام؟ طب هذا الجانب ألا يوحي لكم أنه لا يمكن أن يكون إلهاً وقد كان معدوماً ثم وجد، وأنه يذهب إلى الغائط؟ هذه كلها لا تتناسب مع الإلهية. فهم وقفوا مع المتشابه، وهي: خلقنا، وأكلنا، وخلقنا، وفعلنا، وقلنا، لكن لم ينظروا إلى المحكمات الواضحات الجليات أنه لا يمكن أن يكون عيسى إلهاً، فهو كان عدماً. هذا معنى أنهم وقفوا مع المتشابه ورفضوا ردها إلى المحكم.

وهذا كما هو في النصارى هو في فرق هذه الأمة. والحاصل أنهم إنما أتوا لمناظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدالته لا بقصد اتباع الحق، والجدال على هذا وجه لا ينقطع، لا ينقطع، لا ينتهي. خلاص، إذا أنت تجادل فقط من أجل الجدال لن ينتهي الجدال، بخلاف من يجادل من أجل الوصول للحقيقه هذا ينتهي ونصل معه إلى ثمرة. ولذلك لما بين لهم الحق لم يرجعوا حتى دعوا إلى أمر حتى دعوا إلى أمر آخر خافوا منه الهلكة وهو؛ المباهله. الآن النبي صلى الله عليه وسلم أقام على النصارى الحجة على وفد نجران، لم يقتنعوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى المباهلة وقفوا، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾ [آل عمران: 61] يقول: تعالوا أبناءنا وأبناءكم.

وشأن هذا الجدال لأنه شاغل عن ذكر الله وعن الصلاة، حاله حال النرد والشطرنج، يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة؛ لذلك الجدال غير المنتج أقل أحواله الكراهة، الجدال الذي لا يوصل إلى النتيجة أقل أحواله الكراهة. وقد نقل عن حماد بن زيد أنه قال: جلس عمرو بن عبيد وشبيب بن شيبة ليله يتخاصمان إلى طلوع الفجر، قال: فما صلوا، راحت عليهم صلاة الفجر، وجعل عمر يقول: هيه أبا معمر، هيه أبا معمر تمام، يعني يقول: ضيعنا الصلاة.

فإذا رأيت أحداً شأنه أبداً الجدال في المسائل مع كل أحد من أهل العلم ثم لا يرجع ولا يرعوي، فاعلم أنه زائغ القلب متبع للمتشابه فاحذروه. هذا يعني كأنني أراه بعيني ينطبق على بعض المعاصرين، فإذا رأيت أحداً شأنه أبداً الجدال في مسائل مع أحد من أهل العلم ثم لا يرجع ولا يرعوي، لو كل المشايخ قالوا له: أنت غلط، لا، بيطلع لك بقصة ثانية، وبيطلع لك بجدال جديد على السوشيال ميديا شغال طحن في هؤلاء العلماء وفرز فيهم وتكفير وتبديع لهم، فاعلم أنه زائغ القلب متبع للمتشابه فاحذروه. لذلك التحذير من هؤلاء مطلوب، يعني ما يأخذك الورع؛ لأن بعض الشباب -أنا ما بحذر، لكن لا- أمثال هؤلاء الذي يبقى أربعاً وعشرين ساعة ردود، جدال، طعن، تكفير، تفسير، والمشايخ الكبار يقولون: يا فلان، رأيك غلط، يا فلان، ليست هكذا الأمور تؤتى، وهو يصر، وبيطلع لك بقصة من هون وقصة من هون وكذا، وأريد من يناظرني من حاله هذا- قال فاعلموا أنه زائغ القلب متبع للمتشابه فاحذروه، ولو كان من الراسخين لما خالف جمهور علماء عصره.

وأما قالوا من الخاصية الأولى فعامة لجميع العقلاء من أهل الإسلام؛ لأن التواصل والتقاطع معروف عند الناس كلهم، ومعرف يعرف أهله، وهو الذي نبه عليه حديث الفرق؛ إذ أشار إلى الافتراق شيعاً بقوله: «وتستفترق هذه الأمة على كذا». لا، ولكن هذا الافتراق إنما يعرف بعد الملابسة المداخله، أما قبل ذلك فلا يعرفه كلُّ أحد، فله علامة تتضمن دلالة على التفرق، أول مفاتحة الكلام، وذلك القاء المخالف لمن لقيه ذم سلفه المتقدمين الذين اشتهر علمهم وصلاحهم، واقتداء الخالف بهم، ويختصون بالمدح من لم يثبت له ذلك من شاذ مخالف لهم، وما أشبه ذلك.

جميل، شوف هذه العلامة الجميلة، يقول لك: كيف تعرف أن هذا الرجل من أهل الافتراق؟ إذا رايته يذم مشايخ عصره الذين تقدموه بدك تعرف أن هذا الرجل فيه الخاصية الأولى، أن هذا شغل الفرقة. إذا أردت أن تعرف رجل شغل الفرقة، انظر كلامه فيمن تقدمه من علماء العصر، إذا رايته يخفض في مشايخ العصر الذين سلفوا وعلماء الأمة الذين مضوا، فاعرف أن هذا الرجل شغل فتنة وافتراق. وإلا العاقل يترحم على العلماء الذين سبقوا، ويرجو لهم المغفرة، ويسأل الله لهم التجاوز.

ولكن هذا الافتراق إنما متى تعرف أنه الرجل شغل فرقة وفتنة؟ بعد أن تلابسه وتداخله في الكلام، يظهر ذلك على فلتات لسانه، واما قبل ذلك فلا يعرفه كل واحد. أنت إذا ما خالطته ربما لن تعرف أنه شغل فرقة. قال: فله علامة تتضمن الدلالة على التفرق، أول مفاتحة الكلام من أول كلامه، يعني أول ما يبلش يتكلم بتعرف هذا الرجل شغل وئام ورحمة بالمسلمين ولا شغل فرقة. أول كلامه قال: وذلك إلقاء المخالف لمن لقيه ذم سلفه المتقدمين. أول ما تجلس معه يجلس يقول لك: والله يا شيخ ابن عثيمين وكذا، والله أنا عندي تحفظات عليهم. مين حضرتك؟ أخونا طالب علم أبو شبر! تقول لك: أنا عندي تحفظات والله على الشيخ ابن باز، أو حتى بعض مشايخ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة وبعض المشايخ، بغض النظر يعني أخي الله يرحم والديك، طيب أنت ما قرات كتابين، شوط؟ يعني في واحد تجلس معه تعرف أنه رجل شغل فتنة، ما هو رجل متزن. وفي رجل لا، طبعا النهاية توقيرك للعلماء الذين سبقوك ولهم قدم صدق ونحسبهم ماتوا على خير، هل يقتضي أنك توافقهم في كل شيء؟ لا، ما يعني أن يوافقوا في كل شيء، الشيخ الألباني وغيره ممن تقدم من العلماء الأفاضل، لا يعني أن أوافقه في كل شيء، حتى في بعض تفاصيل العقائد ممكن أخالفه، أقول: أخطأ في هي المساله، لكن في النهاية في رجل بتشعر أنه متسع، يعني فعلاً يصلح أن يكون في المستقبل نموذج يحتذى في احترام المشايخ وأصحاب القدم ممن ظهر منهم -نحسبهم- الصدق والإخلاص للبذل لهذه الأمة، بغض النظر أصاب في فتاوى أخطا في فتاوى، أنا بحاكم الفتوى نفسها صح أو خطأ، أما الشخص نفسه أبقى أحافظ على ذكره واحترامه وتقديره. إذا رايت الرجل على خلاف هذا السمت، أنا أقول لك من البداية: اعلم أنه رجل فتنة اغسل يديك منه.

وأصل هذه العلامة في الاعتبار تكفير الخوارج لعنهم الله الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فإنهم ذموا من مدحه الله ورسوله، واتفق السلف الصالح على مدحهم والثناء عليهم، ومدحوا من اتفق السلف الصالح على ذمه كعبد الرحمن بن ملجم قاتلي رضي الله عنه، وصوبوا قتله إياه، وقالوا إن في شانه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207]، وأما التي قبله وهي قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: 204] فإنها نزلت في شأن علي رضي الله عنه وكذبوا، قاتلهم الله.

وقال عمران بن حطان في مدحه لابن ملجم: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا. إني لأذكره يوماً فأحسبه أوفر البرية عند الله ميزاناً. وكذب، لعنه الله، نعم الله المستعان.

طبعا هنا ذكروني بعض الخوارج المعاصرين لما تيجي تناقش قضية أنه يذم المشهورين ويمدح أسماء مجهولة، أبو فلان الأزداوي وأبو فلان الأبص، من وين هذه الأسماء؟ تعال الله يرضى عنك، يعني أنا الاسم مش عارف المسمى تمام! يذم ابن عثيمين ويذم المشايخ الكبار المعروفين بأسمائهم وأحلاسهم وأشكالهم، ويقول لك: طيب، بتقول له أنت تتبع مين؟ يقول لك: أبو فلان الكذا. طب مين أبو فلان الكذا؟ واحد من خرسان، واحد من أبصروين، واحد من كذا. بقول لي: مين هو هذا الشخص أصلاً؟ أنا بس أحتاج أعرف من هو هذا الاسم حتى أعرف المسمى بعدين أناقش أصلاً هو عالم مش عالم، مين هو المسمى أصلاً؟ بقول لك: هذا عالم أنتم ما بتعرفوه! هذه طريقة الخوارج سبحان الله! بقول لك: يعني يمدحون عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي رضي الله عنه، ويكفرون العلماء، ويكفرون علماء الصحابة. غريب والله هذه النفسية، غريبة يا اخي أنت تاتي لاسماء مجهولة، مجهولة ما حد يعرفها، وربما أنت قرات لها فتوى على المواقع الإلكترونية، ترى هو معرف آخر شيء بيطلع المعرف للاستخبارات الأمريكية بس أعظم يعني، بس هو المعرف أبو فلان الكذا كذا هو متبع، وبيقول لك عنا مشايخنا وعنا كذا. طيب المشايخ المعروفين المتبوعين؟ لا شيخ، هؤلاء يعني لخ لطخوا مع السلاطين، يعني هذه الشغلة سهلة، أنا أعترف أن بعض العلماء علماء سلاطين، أعترف موجود، لكن لا يحق لك أن تصدر عالماً بأسماء مجهولة.

وأنا دائماً أنصح بها الشباب: إياك إياك أن تقول أنا في شخص معروف على الشبكة، بس لأنه اسمه كذا وهيك اسمه لحاله عامل جو.

إذا لم تعرف من هو بعينه وعلمه وشخصه إياك تتبع. كم ظل شباب بسبب هذه الأسماء المجهولة، وكم تم حرفهم للعقائد التكفيرية والخوارج بسبب هذه الأسماء المجهولة، ويظن أن هؤلاء من العلماء الكبار، ويخرج أخ والله يا اخوان ما هو عارف شيء بس يكتب عن النت والشب هذا طاير في هذا الرجل وفكروا شيء عظيم. ويخرج بعضهم إخواني مدسوسين من الاستخبارات العالمية، لأن الاستخبارات أصبحت تعرف الخطاب واللهجات التي يمكن الدخول فيها إلى عقول الشباب الغير المندفع يكتب باسم فلان، ويكون هو أصلاً قاعد في سي آي إيه هناك عمكتب، فانتبه انتبه ولا تكن مغفلا.

نعم، قال: وكذب لعنه الله. فإذا رأيت من يجري على هذا الطريق فهو من فرق المخالفة، وبالله التوفيق. وروي عن إسماعيل بن عي قال حدثني قال تكلم ابن عطاء يوماً يعني المعتزلي فقال عمرو بن عبيدة: ألا تسمعون ما كلام الحسن ابن سيرين عندما تسمعون إلا خرقة حيضة ملقاة! استغفر الله العظيم، استغفر الله العظيم، شوف عمرو بن عبيد كيف بيتكلم أنه فتاوى الحسن البصري وابن سيرين كخرقة الحيض والعياذ بالله، رجل من أهل البدعة.

نعم، قال: روي أن زعيم زعماء أهل بدعته كان يريد تفضيل الكلام على الفقه، فكان يقول إن علم الشافعي وأبي حنيفة جملته لا يخرج من سويلة امرأة، هذا كلام هؤلاء الزاغين قاتلهم الله. وأما العلامات التفصيلية في كل فرقة فقدمه عليها واش، ولذلك إذا رأيت الرجل اليوم يذم أبا حنيفة في فقهه، ويقول إن أبا حنيفة فقهه لا يتجاوز كذا وكذا، فاعلم أنه من أهل البدع حتى لو تدثر بما تدثر من، إذا رأيت الرجل يذم فقه أبا حنيفة يذمه ذماً مطلقاً ويقول إن أبا حنيفة كلامه بمثل هذه الألفاظ، فاعلم أنه من أهل البدع والاهواء.

لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أحد النصوص القوية يقول: ومن كفر أبا حنيفة فهو أحق بالتكفير، يقول ابن تيمية: ومن كفر أبا حنيفة فهو أحق بالتكفير، لأن أبا حنيفة ممن شهدت له الأمة بالصدق ومن أعلام الهدى والنور، حتى ولو قيل فيه يعني لو وقع فيه بعض البدع الجزئية لكنه يبقى من الأئمة الذين شهدت لهم الأمة، يعني في بعض الناس تجاوز القنطرة تجاوز القنطرة. طيب يا شيخ كيف أوجّه الخلاف الذي حصل في زمنه؟ والله هي مسألة علمية بنتناقش فيها يعني ما عندي مشكلة، أما أن يكون شغلك الطعن في عالم كبير من هذول العلماء الكبار فاعلم أنه صاحب هوى.

وأما العلامات التفصيلية لأهل البدع نعم قال فقد نبي عليه وأشير إلى جملة منها في كتاب وسنته، وفي ظني أن من تمتلها في كتاب الله وجدها وجدها منبهاً عليها ومشاراً إليها، ولولا أن فهمنا من شرع استر فيها لكان لكان للكلام في تعيينها مجال متسع مدلول عليه بدليل الشرعي. وقد كنا همنا بذلك في الماضي الزمان فغلبنا عليه ما دلنا على أن الأولى خلاف ذلك، فانت ترى أن الحديث الذي تعرضنا شرحه لم يعين في الرواية الصحيحة واحدة منها لهذا المعنى المذكور الله أعلم، وإنما نبه عليها في الجمله لتحذر مظنها وعين في حديث محتاج إليه منها وفرقة الناجية يتحراها المكلف.

وسكت عن ذلك في الرواية الصحيحة لأن ذكرها في الجملة يفيد الأمة الخوف من الوقوع فيها، وذكر في الرواية الأخرى فرقة من فرق الحركة لأنها كما قال أشد الفرقة أشد الفرق فتنة على الأمة، وبيان كونها أشد فتنة من غيرها سياتي بيانه آخر إن شاء الله تعالى. المسألة التاسعة أن الرواية الصحيحة في الحديث أن افتراق اليهود كافتراق النصارى على إحدى وسبعين فرقة، وهي في رواية أبي داود على الشك إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين.

وأثبت في الترمذي في الرواية الغريبة بني إسرائيل، يعني كان الشاطبي شع شعراً أن الدخول في العلامات التفصيلية سيفتح باب جروح على بعض الفرق، يعني إذا بدي أقول لك العلامات التفصيلية في الرافضة هل نبه عليها في الحديث؟ نعم، والعلامات التفصيلية في مؤولة الصفات هل نبه عليها في الحديث؟ نعم. ولكني هو يعتقد أنني ما بدي انكش الجرح يخشى أن يكون هذا سبب، لكن هو يعتقد أن كل إنسان يستقرئ الكتاب والسنة بعمق سيعرف العلامات التفصيلية للرافضة، والعلامات التفصيلية للمشبهة، والعلامات التفصيلية للقدرية، والعلامات التفصيلية للجبرية، لكن هو يرى ابن شاطبي لحكمه الله أعلم يعني قال ما بدي أفتح جروح في هذا الكتاب وأنت فتش وحدك عليها.

المسألة التاسعة قال المس المسألة التاسعة أن الرواية الصحيحة في الحديث أن افتراق اليهود كافتراق النصارى على إحدى وسبعين فرقة، وهي في رواية أبي داود على الشك إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين، وأثبت في الترمذي في الرواية الغريبة لبني إسرائيل اثنتين وسبعين، لأنه لم يذكر في الحديث افتراق النصارى، وذلك والله أعلم لأجل أنه إنما أجري في الحديث ذكر بني اسرائيل ذكر بني اسرائيل فقط، لأنه ذكر فيه عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لياتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمة علانية لكان في أمة من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة وتتفرق أمتي الحديث.

وفي أبي داود اليهود والنصارى معا إثبات اثنتين وسبعين جزماً من غير شك، كما أثبت الرواية الصحيحة رواية صحيحة في الترمذي إحدى وسبعين من غير شك. وخرج الطبري وغيره الحديث على أن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين على إحدى وسبعين ملة، افترقت هذه الأمة على على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. فإن بنينا على اثبات إحدى الروايتين فلا إشكال، لكن في رواية في رواية إحدى وسبعين تزيد هذه الأمة فرقتين، وعلى رواية اثنتين وسبعين تزيد فرقة واحدة. وثبت في بعض كتب الكلام في نقل الحديث أن اليهود افترقت على إحدى وسبعين والنصارى افترقت على اثنتين وسبعين، وأفقت سائر وأفقت سائر الروايات في افتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة.

ولم أر هذه الرواية هكذا فيما رايته من كتب الحديث إلا ما وقع في جامع ابن وهب من حديث، هو يعطيك أن هناك خلاف كبير في روايات هذا الحديث، يعني هل اليهود إحدى وسبعين النصارى اثنتين وسبعين الأمة ثلاث وسبعين؟ في رواية لا ذكرت بني إسرائيل فقط عن اثنتين وسبعين، اختلاف الروايات وارد في هذا الحديث. نعم قال إن بنينا على إعمال الروايات فيمكن أن تكون رواية الحادي والسبعين في وقت في وقت أعلم بذلك، ثم أعلم بزيادة فرقة أما أنها كانت فيهم ولم يعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم، إذا اردت تجمع جميع الروايات قال فيمكن أن تكون الرواية الأولى التي قال إن اليهود إحدى وسبعين وقت أعلم بذلك، ثم أعلم بزياده فرقة في وقت آخر، وإن كنت أنا هذا الكلام يعني لا أعتبره طريراً قوياً يعني يكون أول شيء أخبر أنهم إحدى وسبعين اليهود بعدين أخبر أنهم اثنتين وسبعين، هذا يعني كما يقولون مثل هذا أقرب إلى النسخ في الخبر، يعني أقرب يعني هو ليس والاصل لا إذا هو النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يعطى المعلومة ستكون كاملة ابتداء هم يا إحدى وسبعين يا اثنتين وسبعين، أما نقول أنه أعلم في البداية أنهم إحدى وسبعين ثم أعلم أنهم فرقة زيادة.

يمكن مش أقول لا يمكن، لكن استبعد أن يكون هذه طريقة الجمع. نعم قال أما أن تكون جملة الفرق في في الملتين ذلك مقدار فأخبر به، ثم حدثت فيهما فأخبر بذلك عليه السلام. وعلى الجملة فيمكن أن يكون الاختلاف بحسب التعريف بها أو الحدوث، والله أعلم بحقيقة الأمر. المسألة العاشرة أن هذه الأمة ظهر فيها فرقة زائ ظهر أن فيها فرقة زائدة على الفرق الأخرى اليهود والنصارى، فثنت من الهالكين المتواعدين لسه السيناريو الآخر اللي فرضه أنهم كانوا اثنتين وسبعين أنهم كانوا إحدى وسبعين، بعدين في آخر حياته نشات فرقة جديدة صاروا اثنتين وسبعين معها، وهو هذا بقول لك يعني.

أو يكون أنهم كانوا إحدى وسبعين إحدى وسبعين لما أخبر أنهم إحدى وسبعين، بعدين في حياة النبي عليه الصلاة والسلام ربما في بلاد الروم نشأت فرقة جديدة من النصارى فصاروا اثنتين وسبعين، فأخبر في حديث آخر أنهم الآن صاروا اثنتين وسبعين يعني. وفي النهاية يعني هذه المساله لا ينبني عليها عمل فيما يتعلق بهذا الكتاب ابتداء. المسألة العاشرة قال المسألة العاشرة أن هذه الأمة ظهر أن فيها فرقة زائدة على الفرق الأخرى لليهود والنصارى في اثنتين وسبعين من الهالكين المتواعدين بالنار، والواحدة في الجنة.

فاذاً قد هذا هو القدر اللي بنحتاجه، أنه احنا متفقين أنه في جميع روايات حديث افتراق هذه الأمة سيكون أكثر من افتراق اليهود والنصارى، هذا قدر مشترك بين جميع الروايات أن افتراق هذه الأمة سيكون أشد أو أعلى من افتراق اليهود والنصارى، وسيكون هناك اثنتين وسبعين متواعدين بالنار وليس شرطاً أن يكونوا كل واحد منهم سيدخل النار قطعاً، والواحدة في الجنة.

فاذاً قد انقسمت هذه الأمة بحسب هذا الافتراق إلى قسمين: قسم من هذه الأمة متوعد بالنار، وقسم في الجنة، ولم يتبين ذلك في فرق اليهود ولا فرق النصارى، إذ لم يبين الحديث إلا تقسيم الأمة. يعني لما قاست افترقت النصارى إلى إحدى وسبعين هل قال الحديث كلها في النار إلا واحدة؟ لا، ذكر في النصارى واليهود الافتراق جملة لم يذكر أنه كلها في النار إلا واحدة، هذا التقسيم كلها في النار إلا واحدة فقط ذكر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

قال لم يبين الحديث إلا تقسيم هذه الأمة، فيبقى النظر هل في اليهود والنصارى فرقة ناجية أم لا؟ وينبني على ذلك نظر ثاني، وهو هل زادت هذه الأمة فرقاً هالة أم لا؟ نعم، قالوا وهذا النظر وإن كان لا ينبني عليه فقه ولكنهم من تمام الكلام في الحديث. شايف؟ وهذا النظر وإن كان وهو بيعترف يعني مش مسألة سينبني عليها أحكام بس من باب يعني الفوائد المستانسة ليه؟ لأنه إذا قلنا على الرواية السابقة، اللي هي وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة صح.

إذا قلنا إنه هي كلهم رح يكونوا في النار، بالتالي الأمة الإسلامية لم تختلف عن بني إسرائيل، ليه؟ لأنه الأمة الإسلامية صح ثلاث وسبعين بس في واحدة في الجنة، إذا صار هم اثنتين وسبعين من الأمة في النار زي ما أنه بني إسرائيل اثنتين وسبعين في النار، بالتالي ما صار في بينا وبينهم فرق، فبقول يعني برضه هي مسألة ها تحتاج بحث، وإن كان هو يعني لا يلزم بها. نعم قال ولكنهم تمام كلامي في الحديث ظاهر النقل في مواضع في مواضع من الشريعة أن كل طائفة اليهود والنصارى لابد أن وجد فيها من آمن بالكتاب يعمل به، في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16] فيه إشارة لأن منهم من لم يفسق.

نعم، لأنه قال وكثير منهم فاسقون، إذاً هناك قليل لم يفسق. نعم قال وقال تعالى في النصارى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 27] فكلمة كثير تدل على وجود القليل. طيب، وقال تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 159] يعني في طائفة مؤمنة. وقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: 66] التبعيضية، هذا كله يدل على أنه اليهود والنصارى لا في منهم طائفة في زمن موسى وزمن عيسى كانوا مؤمنين مش كلهم رح يروحوا على النار.

وفي الحديث الصحيح عن أبي موسى: «أيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن به فله أجران»، فهذا يدل بإشارته على العمل بما جاء به نبيه أنه في ناس كانوا مؤمنين بالأنبياء السابقين. وخرج حديث عبد حميد عن ابن مسعود قال صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله بن مسعود. قلت: لبيك. قال: يا عبد الله. قلت: لبيك إلى آخره. قال: اتدري أي عرى الإيمان أوثق؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: الولاية في الله والحب في الله والبغض في الله. ثم قال ابن مسعود: قلت لبيك. قال: أتدري أي الناس أفضل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فان أفضل الناس أفضلهم عملاً إذا فقه في دينهم.

ثم قال: يا ابن مسعود. قلت: لبيك. قال: هل تدري أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصراً في العمل، وإن كان يزحف على استه، يعني وإن كان يزحف على استه دلالة أنه بطيء بطيء في العمل بس والله صاحب بصيرة. شوف الحديث ما أجمله، هذا يعني في بعض الناس قوة العملية كما يقول ابن تيمية ضعيفة بس قوته العلمية قوية، فلا يغرك أنك تجد شيخ قوته العملية ضعيفة دلالة أنه أكيد علمه ضعيف لا قام قال: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان هذا العالم قد يكون مقصر شوي في العمل مش كحال غيره من العباد المجتهدين، حتى قد يكون يزحف على استه.

أعماله قليلة يزحف زحفاً لقيام الليل، يزحف زحفاً في الأذكار، بس والله إنه صاحب بصيرة صاحب منطق. قال: واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين فرقة نجى منها ثلاث وهلك سائرها. إذا هذا يدل على النجاة في في الأمة في الأمم السابقة فرقة أزرت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى بن مريم حتى قتلوا، وفرقة لم تكن لهم طاقة بمؤازرة الملوك.

فاقاموا بين ظهر بمؤازرة الملوك ربما فا نعم احنا أصلاً أذت الملوك ومؤازرة الملوك. وفرقة لم تكن لهم طاقة بايش أي بمؤازرة الملوك بمؤازرتهم، نحن عندنا بمؤازرتهم غلط. وفرقة لم تكن لهم طاقة بمؤازاة صح الملوك فاقاموا بين ظهران قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى، فاخذتهم الملوك فقتلتهم وقطعتهم بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة بمؤازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهران

دعوا قومهم إلى الله، وإلى دين الله ودين عيسى، فسعوا في الجبال وترهبوا فيها؛ فهم الذين قالوا: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27]. فالمؤمنون هم الذين آمنوا بي وصدقوا بي، والفاسقون في آخر الآية لما قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 27]، هم الذين كذبوا بي وجحدوا بي. يعني كل نصراني آمن بالأنبياء السابقين، لكنه لما أدرك زمن محمد صلى الله عليه وسلم لم يؤمن به، فهذا فسق. إذا أدرك زمن محمد صلى الله عليه وسلم وآمن به فهذا مؤمن. فأخبر في هذا الخبر أن هناك فرقاً ثلاثاً، طبعاً نحن لا يهمنا القسم الأخير، يهمنا القسم الأول من الحديث، أنه في فرقة قاتلت الملوك واستشهدت في سبيل الله. صحيح؟ طيب، مش هي ناجية؟ ناجية. إذاً اليهود والنصارى في أزمانهم كان فيهم فرق ناجية، فالقول بأن كل فرق اليهود الـ71 أو الـ72 كلها في النار، كان الشاطبي يقول: مش دقيق، وفيهم الاستثناء الذي في هذه الأمة، فيهم فرقة لا بد وأن كانوا على الحق.

وخرج ابن وهب من حديث علي رضي الله عنه أنه دعا رأس الجالوت وأسقف النصارى، فقال: إني سائلكما عن أمر أنا أعلم به. رأس الجالوت أي هو رئيسهم، والجالوت هم الجالوت أعني الذين جلوا عن أوطانهم ببيت المقدس، ويكون رأس الجالوت من ولد داوود عليه السلام. طيب فقيل: إني سائلكما. قال: يا رأس الجالوت، أنشدك الله الذي أنزل على موسى وأطعمكم المن والسلوى، وضرب لكم في البحر طريقاً يبساً، وجعل لكم الحجر ينفجر لكم منه اثنتا عشرة عيناً كل سبط من بني إسرائيل عين، إلا ما أخبرتني على كم افترقت بنو إسرائيل من فرقة بعد موسى؟ فقال له: ولا فرقة واحدة. فقال له ثلاث مرات: كذبت، والذي لا إله إلا هو لقد افترقت على 71 فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة. إذاً علي عنده معلومة أن اليهود افترقوا على 71 فرقة كلها في النار إلا واحدة، مثلها مثل أمة الإسلام.

ثم دعا الأسقف، فقال: أنشدك الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وجعل على رجليه البركة، وأراكم العبرة، فأبرأ الأكمه والأبرص، وأحيا الموتى، وصنع لكم من الطين طيراً، وأنبأكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، فقال: دونك هذا، أصدق يا أمير المؤمنين. فقال له: على كم افترقت النصارى بعد مريم من فرقة؟ فقال: لا والله ولا فرقة. فقال له ثلاث مرات: كذبت، والذي لا إله إلا هو فقد افترقت على 72 فرقة، كلها في النار إلا واحدة. فإما أنت يا يهودي، فإن الله يقول: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159]، فهي التي تنجو. وأما أنت يا نصراني، فيقول: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: 66]، فهذه التي تنجو. وأما نحن فيقول: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]، فهذه التي تنجو من هذه الأمة. إذاً هناك ثلة من أهل الإيمان في كل جنس.

وفي هذا أيضاً دليل، وخرج الآجري أيضاً من طريق أنس بمعنى حديث علي، أن واحدة من فرق اليهود ومن فرق النصارى في الجنة. وخرج سعيد بن منصور في تفسيره من حديث عبد الله: أن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاستهوتهم قلوبهم، واستحلتها ألسنتهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وكانوا يعلمون، فقالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل؛ فإن تابعوكم فاتركوهم وخالفوهم فقد أضللتم، ثم قالوا: لا، بل أرسلوا فلاناً، رجل من علمائهم، فأعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم فاقتلوه فلن يختلف عليكم بعده أحد. فأرسلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم جعلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليه الثياب، ثم أتاهم. فعرضوا الكتاب، فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومأ إلى صدره، وقال: آمنت بهذا، والكتاب جوفه. قال: وما لي لا أؤمن بهذا؟ يعني الكتاب الذي في القرن. فخلوا سبيله، وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات نبشوه فوجدوا القرن، ووجدوا فيه الكتاب، فقالوا: ألا ترون قوله: آمنت بهذا وما لي لا أؤمن بهذا، إنما عنى هذا الكتاب. فاختلفت بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم أصحاب ذلك القرن. قال: إذاً فيهم ملة خيرية الذين تبعوا صاحب القرن.

قال عبد الله: وإن من بقي منكم سيرى منكراً، وبحسب امرئ يرى منكراً لا يستطيع أن يغيره، أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. هذا الخبر أيضاً يدل على أن من بني إسرائيل فرقة كانت على الحق الصريح في زمنهم، لكن لا أتضمن عهده صحته، ولا صحة ما قبله. وإذا ثبت أن في اليهود والنصارى فرقة ناجية، لزم ذلك أن يكون في هذه الأمة فرقة هالكة زائدة، بناءً على رواية 72. إذا كان 72 من النصارى أو 71 من اليهود في فرقة فيهم ناجية، إذا ثبت أن هذه الأمة فيها زيادة في الفرق الضالة على فرق اليهود والنصارى، أو فرقتين بناءً على رواية 71، فيكون لها نوع من تفرق لم يكن لمن تقدم من أهل الكتاب؛ لأن الحديث المتقدم أثبت أن هذه الأمة تبعت من قبلها من أهل الكتابين في عين مخالفتها، فثبت أنها تبعتها في أمثال بدعها، وهذه هي المسألة الحادية عشرة؛ فإن الحديث الصحيح قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموه». قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟».

فزيادة إلى حديث الترمذي الغريب، فدل ضرب المثال في التعيين على أن الاتباع في أعين أفعالهم. في الصحيح عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خيبر ونحن حديث عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط. فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم». النبي صلى الله عليه وسلم لو أردنا نجمع حديث الافتراق مع حديث لتتبعن سنن من كان قبلكم، فحديث الافتراق دل أن اليهود فيهم 71 فرقة كلها في النار إلا واحدة، وأن النصارى فيهم 72 فرقة كلها في النار إلا واحدة، إذا بدنا نمشي على هذا، فهي الفرق البدعية التي كلها في النار عند اليهود سيكون من هذه الأمة أمثالها، يعني من ابتدع نفس البدع التي فعلتها النصارى الـ71، ونفس البدع التي ابتدعها اليهود الـ70. كيف عرف ذلك؟ أنه أجناس البدع التي عند فرق اليهود والنصارى ستكون في هذه الأمة من الحديث الآخر: لتتبعن سنن من كان قبلكم، وستزيد هذه الأمة ببدعة جديدة لم توجد في الأمم السابقة، هذا سبب وجود الفرقة الزائدة.

فإذاً إذا نحن عندنا 72 فرقة في النار أو متوعد بها بالنار، 71 منها بدها تكون ماشية على بدع اليهود والنصارى، وفي واحدة راح تكون عندها بدعة زيادة، لم تجرِ على اليهود والنصارى، اختراعوها هم. فيقول حديث أبي واقد أيضاً يدل على أننا سنتبع من كان قبلكم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، لتركبن سنن من كان قبلكم». وصار حديث الفرق بهذا التفسير صادقاً على مثال البدعة التي تقدمت اليهود والنصارى، وأن هذه تبتدع في دين الإسلام مثل تلك البدع وتزيد عليها بدعة لم تتقدمها فيها واحدة من الطائفتين. وأن هذه الأمة ستبتدع في دين الإسلام مثل تلك البدع عند اليهود والنصارى، وستزيد أمة الإسلام عليهم ببدعة لم تتقدم فيها واحدة من الطائفتين؛ يعني أمتنا بتخترعها، ولكن هذه البدعة الزائدة إنما تُعرف بعد معرفة بدع اليهود والنصارى، وقد مر أن ذلك صعب أن يُعرف، أو لا يسوغ أصلاً التعريف به حتى وإن عُرف من باب الستر، فلذلك لا داعي أن ندخل في تعيين البدعة الزائدة.

وفي الصحيح أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون من قبلها، شبرًا بشبر وذراعًا بذراع». قال رجل: يا رسول الله، كما فعلت فارس والروم؟ قال: «وهل الناس إلا أولئك؟». وهو بمعنى الأول، إلا أنه ليس فيه ضرب مثل. فقوله حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون من قبلها يدل على أنها تأخذ مثل ما أُخذ به، إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها، وقد تتبعها في أشباهها. فالذي يدل على الأول قوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، الحديث، يدل على أننا سنتبعهم في أعيان بدعهم؛ لأنه قال: «حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموه». والذي يدل أنه ليس شرطاً أن نتابعهم على أعيان البدع بل يمكن فقط في مشابهتهم فيها، قالوا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، فإنه عليه الصلاة والسلام ما قال هكذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، هنا بدعة ذات أنواط ليست 100% مثل بدعة اليهود لما قالوا اجعل لنا إلهاً؛ لأن الصحابة ما طلبوا عبادة الشجرة بينما اليهود طلبوا عبادة الصنم، لكن هذا يشبه هذا من جنسه، فهذا قد يدل على أننا سنتبعهم فيما يشابه بدعهم، وإن لم يكن عينه تماماً. فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو بعينه، فلذلك لا يلزم في الاعتبار بالمنصوص عليه أن يكون ما لم يُنص عليه مثله من كل وجه.

المسألة الثانية عشرة: أنه عليه الصلاة والسلام أخبر أنها كلها في النار، وهذا وعيد يدل على أن تلك الفرق قد ارتكبت كل واحدة منها معصية كبيرة وذماً عظيماً، فقد تقرر في الأصول أن ما يتوعد الشرع عليه لخصوصه فهو كبيرة. الضابط للكبيرة ما يتوعد عليه بالنار، إذاً هذه البدع لا بد وأنها كبيرة، مشكلتها كبيرة، مش مشكلة صغيرة؛ إذ لم يقل: «كلها في النار إلا من جهة الوصف الذي افترقت بسببه عن السواد الأعظم وعن الجماعة»، وليس ذلك الوصف إلا البدعة المفرقة. إلا أنه ينظر في هذا الوعيد، هل هو أبدي أم لا؟ مرت معنا، هل هم مخلدون في النار؟ إذا قلنا بدع مكفرة، نعم، لكن إذا قلنا بدع غير مكفرة، فهذا وعيد بالنار، ولو دخلوها يخرجون منها، وإذا قلنا أنه غير أبدي، هل هو نافذ 100% أم تحت المشيئة؟ والمشهور عند علماء أهل السنة أن الوعيد بالنار يكون تحت المشيئة، قد يعاقب الله به فعلاً بعضهم، وقد لا يعاقب به بعضهم.

أما المطلوب الأول فينبني على أن بعض البدع مخرجة من الإسلام أو ليست مخرجة، والخلاف في الخوارج وغيرهم من المخالفين في العقائد موجود، وقد تقدم ذكره قبل هذا، أن الخوارج البعض كفره والبعض لم يكفرهم. حيث نقول بالتكفير يلزم منه تأبيد العذاب، فأي بدعة مكفرة يلزم منها إذا نزل الحكم على العين أنه خالد في النار بناءً على أن الكفر والشرك لا يغفره الله. وإذا قلنا أن هذه البدع وإن كانت كبيرة لكنها غير مكفرة، فيحتمل على مذهب أهل السنة أمرين، أحدهما نفوذ الوعيد من غير الغفران، يدل على ذلك ظواهر الأحاديث، وقوله هنا: «كلها في النار» أي مستحقة ثابتة فيها. فإن قيل: ليس إنفاذ الوعيد بمذهب أهل السنة؟ قيل: بلى، قد قال به طائفة منهم في بعض الكبائر، كقتل النفس عمداً وأشياء أخرى.

فالقول الأول أن نقول هذا الوعيد سيقع 100%، وسينفذ 100%، وليسوا تحت المشيئة بل سينفذ 100%. فإذا قيل: ليس إنفاذ الوعيد 100% هو مذهب أهل السنة؟ قيل: بلى، فقد قال به طائفة من العلماء في بعض الكبائر التي توعد عليها بالنار أن هذا الوعيد سيقع 100%، مثل من قتل نفسه عمداً، فهذا قال بعضهم أن هذا سيقع، سيقع، أن من قتل النفس عمداً إذا قتلت شخصاً مسلماً عمداً، ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93]، قال بعضهم هذا سيقع، سيقع ولا يتعلق بالمشيئة. لكن هذا الكلام نحن لا نوافق عليه، بل الأظهر عند المحققين أن كل المعاصي التي لم تصل لحد الكفر كلها تحت المشيئة. لكننا في المقابل نجزم أيضاً بماذا؟ أن بعض أهل الكبائر سيدخل النار، هذا أيضاً قطعاً؛ لأنه دلت عليه الأحاديث، لكن من هم هؤلاء؟ الله أعلم. لكن الدليل على خصوص الكبائر على أنها خارجة عن ذلك الحكم، ولا بُعد في ذلك، فإن المتبع هو الدليل، فكما دلهم على أن أهل الكبائر على الجملة في المشيئة، كذلك دلهم.

على تخصيص ذلك العلم الذي في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. البعض اعتبر أن آية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ مخصصة لعموم ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، لكننا لا نوافق على هذا التخصيص. فأخبر أولًا أن جزاءه جهنم، وبالغ في ذلك حتى قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، وهذا الخلود ليس خلودًا أبديًا كما هو معلوم عند أهل السنة، بل هو دلالة على طول المكث في جهنم؛ فعبر عنه بالخلود لأنه في النهاية القاتل عمدًا حتى لو دخل جهنم هو مسلم، ما هو بكافر إذا لم يستحل.

ثم عطف بالغضب عليه، ثم بلعنته، ثم ختم بذلك فقال: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، والإعداد قبل البلوغ إلى المُعَدِّ مما يدل على حصوله للمُعَدِّ له ولا بد. فهمت ما يقول؟ أن أعد له معناه خلص العذاب مُعَد بستناه، فإذا كان أعد له نُزُلًا في جهنم للقاتل عمدًا إذا هو سيدخله بلا شك؛ هكذا البعض فكر، وإن كنا نحن لا نتفق مع هذه الطريقة في التفكير، بس هكذا البعض قال: الإعداد قبل البلوغ، يعني قبل أن يصل القاتل إلى يوم القيامة، الإعداد قبل البلوغ إلى المُعَدِّ مما يدل على حصوله للمُعَدِّ له ولا بد. لكن هذه القاعدة نحن لسنا متفقين معها، أنا ممكن أعد لك عذابًا بس توصل عندي أسامحك، ما هو أيضًا الله قادر على كل شيء سبحانه.

ولأن القتل اجتمع فيه حق الله وحق المخلوق وهو المقتول؛ فلا بد وأن يتم إدخاله للقاتل النار، وهذا أيضًا ليس شرطًا. قال ابن رشد: ومن شرط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم أو رد التبعات إليهم، وهذا ما لا سبيل للقاتل إليه إلا بأن يدرك المقتول حيًا فيسامحه المخلوق المقتول، وهذا لا يمكن لأن المقتول مات وانتقل، فلا يمكن أن يسامحك هو بشخصه، ممكن أولياؤه يسامحوك، بس أولياؤه غيره، فأنت محتاج أن تقابل يوم القيامة لتعرف هل يسامحك أو لا، ويوم القيامة بتلاقي كل واحد متمسك بحسناته.

أولى من هذه العبارة أن نقول: ومن شرط خروجه من تباعة القتل، أي من آثار القتل مع التوبة لله، استدراك ما فوّت على المجني عليه؛ إما بالتحلل منه وإما ببذل القيمة له، وهو أمر لا يمكن بعد فوت المقتول وانتقاله إلى الدار الآخرة؛ لا يمكنك أن تتحلل منه تقول له سامحني، ولا يمكنك أن تعوضه قيمة عن قتلك له؛ مات يعني كيف بدك تعوضه هو راح! فكذلك لا يمكن في صاحب البدعة من جهة الأدلة.

كمل قال: فراجع في الباب الثاني تجد فيه كثيرًا من تهديد الوعيد المخوف جدًا، وانظر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]، فهذا وعيد. ثم قال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106]، وتسويد الوجه علامة الخزي ودخول النار. ثم قال: ﴿أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: 106]، وهو تقريع توبيخ. ثم قال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [آل عمران: 106]، وهو تأكيد آخر. وكل هذا التقرير بناء على أن المراد بالآيات أهل القبلة من أهل البدعة؛ لأن المبتدع إذا اتبع في بدعته لم يمكنه التلافي غالبًا فيها، ولم يزل أثرها في الأرض مستطيرًا لقيام الساعة، وذلك كله بسببه، فهي أدهى من قتل النفس.

فهمتم الآن لماذا على القول هذا يمكن أن يرى البعض أن أهل البدع الذين في هذا الحديث قال كلهم في النار سيدخلون ١٠٠% في النار حتى لو لم يخلدوا؛ لكن سيدخلون من جهة ماذا؟ أن شر أهل البدع على الناس أشد من شر القاتل عمدًا على الناس. القاتل عمدًا قتل كم شخص؟ واحد ممكن أو اثنين أو ثلاث، لكن المبتدع قتل كم شخص قتلًا معنويًا؟ قتل آلاف البشر الذين اتبعوه على بدعته حتى كبرت؛ فالذي أسس الرفض، الذي أسس الجهمية، الجهم بن صفوان، كان سببًا في نشوء آلاف المبتدعة إلى يومنا هذا بالملايين، أساس الرافضة كان سببًا في نشوء آلاف المبتدعة إلى يومنا هذا، أفليس هذا أشد من القاتل عمدًا؟ فإذا كان القاتل عمدًا على رأي أهل العلم قطعًا سيدخل النار فترة معينة، فالمبتدع أولى أن يدخل النار قطعًا فترة معينة، بس إذا نحن قلنا لا، أن القاتل عمدًا ليس شرطًا أن يدخل النار بل هو تحت المشيئة، إذا أهل البدع سيبقى نفس التفكير فيهم، ليس شرطًا أن يدخل النار بل هم تحت المشيئة.

قال مالك رحمه الله عليه: إن العبد لو ارتكب جميع الكبائر بعد أن لا يشرك بالله شيئًا، رجوت له أربع منازل؛ أن كل ذنب بين عبدي وربه هو منه على رجاء، وصاحب البدعة ليس هو منها على رجاء، إنما يهوي بها في نار جهنم. فهذا نص من مالك يمكن أن يفهم منه أنه يقول بإنفاذ الوعيد جزمًا على أهل البدع.

قال: والثاني أن يكون مقيدًا؛ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، نعم القول الثاني لا، أنهم تحت المشيئة وأنهم تحت مشيئة الله أن يصليهم في النار، وإنما يحمل قوله كلها في النار عليها، قال: أي هي ممن يستحق النار؛ كما قالت الطائفة الأخرى في قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، أي ذلك جزاؤه إن جازاه، ذلك جزاؤه إن جازاه تحت المشيئة. نعم قال: فإن عفى عنه فله العفو إن شاء الله تعالى لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. فكما ذهبت الطائفة من أصحابه ومن بعدهم لأن القاتل في المشيئة، وإن لم يمكن الاستدراك، كذلك يصح أن يقال هنا بمثله.

المسألة الثالثة عشرة: أن قول عليه السلام: «إلا واحدة» قد أعطى بنصه أن الحق واحد لا مختلف، إذ لو كان للحق فراق أيضًا لم يقل إلا واحدة. ولأن الاختلاف منفي عن الشريعة بإطلاق؛ لأنها الحاكمة بين المختلفين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]. فرد التنازع إلى الشريعة؛ فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة، وقوله «في شيء» نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة من صيغ العموم، فتنتظم كل تنازع على العموم، والرد فيها لا يكون إلا إلى أمر واحد، فلا يسع أن يكون أهل الحق فرقًا. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: 153]، هو نص فيما نحن فيه؛ فإن السبيل الواحد لا يقتضي الافتراق بخلاف السبل المختلفة.

فإن قيل: فقد في المسألة العاشرة من حديث مسعود: «واختلف من كان قبلنا على ٧٢ فرقة، نجا منها ثلاث، وهلك سائرها» إلى آخر الحديث، فلو لزم ما قلت لم يجد أولئك الفرقة ثلاثًا، وكانوا فرقة واحدة، وحين بينوا ظهر لأنهم كلهم على حق وصواب، فكذلك يجوز أن تكون الفرق في الأمة، لولا أن الحديث أخبر أن الناجية واحدة. فهمتم الاستشكال؟ أنه في حديث بني إسرائيل السابق قال: نجا ثلاث، إذا يجوز أن يكون الفرقة الناجية أكثر من فرقة تمام! فأهل السنة يشملون أهل الكلام والأشاعرة ومش هيك، يعني البعض بقول لك يمكن أن يكون أكثر من فرقة، ليش أنتم مشايخ بتحصروا النجاة في فرقة واحدة؟ ليش ما يكون الفرقة الناجية أهل السنة أكثر من فرقة؟ ليش أنتم بتقولوا أهل الحديث وما سوى ذلك لا يدخلون تحت مفهوم الفرقة الناجية تمام؟

فالجواب، قال: فالجواب أولًا أن ذلك الحديث لم نشترط الصحة في نقله، إذا أولًا الحديث السابق أنه ثلاث فرق نجت من بني إسرائيل أنا من البداية قلت لكم لا أعرف مدى صحة ذلك الحديث. قال: إذًا قال، وثانيًا: أن تلك الفرقة إن عُدت هنالك ثلاثًا فإنما عُدت هنا واحدة؛ لعدم اختلاف بينهم في أصل الاتباع، وإنما اختلاف في قدرته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو في عدمها، وفي كيفية الأمر والنهي خاصة، هذه الفرق لا تتنافى، طبعًا هنا في خطأ في النص: «إن تلك الفرق إن عُدت هنالك ثلاثًا فإنما عُدت هنا واحدة»، شو يعني عُدت هنا واحدة؟ يعني هي الثلاثة هذيك هي هنا تعتبر فرقة واحدة، ليش يعني؟ هم اختلفوا مش في العقائد وإنما اختلفوا في مدى قدرتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يحصل في الفرقة الناجية أصلًا في أمة الإسلام؛ يعني الصحابة الكرام كانوا على درجات في مدى القدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، العلماء أهل السنة في كل زمان ومكان، هناك من يستطيع القتال، هناك من يختار العزلة، وهناك من يواجه، وكلهم أهل سنة في النهاية، لكن اختلفوا. فتقسيمهم هناك إلى ثلاث فرق ليس مقصودهم ثلاث طرق في الدين، وإنما كانوا ثلاث فرق باعتبار قدرتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا قال: وإن كانوا هناك ثلاثًا فهم هؤلاء الثلاث في هذا الحديث يعتبرون فرقة واحدة لعدم الاختلاف بينهم في أصل الاتباع، وإنما الخلاف في الثلاثة التي نجت من بني إسرائيل في مدى قدرتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو في عدمها، وفي كيفية الأمر والنهي خاصة؛ فهذه الفرق لا تتنافى فيما بينها؛ صحيح لصحة الجمع بينها.

فنحن نعلم أن المخاطبين في ملتنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب؛ منهم من يقدر على ذلك باليد، وهم الملوك والحكام ومن أشبههم، ومنهم من يقدر باللسان كالعلماء ومن قام مقامهم، ومنهم من لا يقدر إلا بالقلب؛ إما مع البقاء بين ظهرانيهم إذا لم يستطع الهجرة، أو مع الهجرة إلى دار أهل الإيمان إن قدر عليها. وجميع ذلك، كل هؤلاء الثلاث على اختلاف مراتبهم خصلة واحدة من خصال الإيمان، ولذلك جاء في الحديث قوله: «ليس بعد ذلك من الإيمان حبة خردل»، «من رأى منكم منكرًا فليغير بيده»، «فإن لم يستطع فبلسانه»، «فإن لم يستطع فبقلبه»، هذا كله مشهد الإيمان، هل هناك مشهد أشد للإيمان بعد ذلك؟ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه أقل مرتبة هي الإنكار بالقلب، فإذا كان كذلك فلا يضرنا عد الفرقة الناجية في بعض الأحاديث أنها منقسمة إلى ثلاث باعتبار، وعدّها واحدة باعتبار آخر.

فبنو إسرائيل الفرقة الناجية ثلاث باعتبار كيف أمروا بالمعروف، وهم واحدة باعتبار أنهم كلهم على عقيدة موسى، وإنما يبقى النظر في عدها ٧٢ فتصير بهذا الاعتبار ٧٠، وهو معارض لما تقدم من جهة الجمع بين فرق هذه الأمة وفرق غيرها، مع قوله، نعم قال مع قوله: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع». ويمكن في الجواب أحد أمرين: إما أن أترك الكلام في ذلك رأسًا؛ إذ خالف الحديث الصحيح، لأنه ثبت فيه ٧١ وفي حديث ابن مسعود ٧٢، وإما أن نتأول أن الثلاثة التي نجت ليست فرقًا ثلاثًا، وإنما هي فرقة واحدة انقسمت إلى المراتب الثلاث؛ لأن الرواية الواقعة في تفسير عبد بن حميد هي قوله: نجا منها ثلاث، ولم يفسرها بثلاث فرق، وإن كان نعم هو يقول هو سيبقى مشكلة واحدة في الحديث السابق أنه هو قال: «افترقوا على ٧٢ فرقة، نجا منها ثلاث»، طب ناقص ٣ صرنا ٦٩، بس هنا قال ٧٠، أظن أمة الإسلام ٧٠ بصير يعني قالوا إنه يبقى النظر في عدها ٧٢ فتصير بهذا الاعتبار اه اه ٧٠ في الأمة يعني باعتبار أمة الإسلام، وهو معارض لما تقدم من جهة الجمع بين فرق هذه الأمة وفرق غيرها.

ويمكن الجواب أن يترك الكلام في هذا رأسًا، أن نقول أصلًا هذا الحديث ضعيف لأنه يخالف الحديث الصحيح؛ لأنه ثبت فيه ٧١ وفي حديث ٧٢، وأما أن يتأول الأول أن الثلاثة التي نجت ليست فرقًا ثلاثًا، وإنما هي فرقة واحدة كما قلنا انقسمت إلى مراتب ثلاث؛ لأن الرواية الواقعة في تفسير عبد بن حميد هي قوله: نجا منها ثلاث، ولم يفسرها بأنها ثلاث فرق، وإن كان هو فعلًا ظاهر المساق أنها ثلاث فرق، ولكن قصد الجمع بين الروايات ومعاني الحديث ألجأه إلى ذلك، إلى هذا التعسف ونقول: لا هو قصده نجا منها ثلاث؛ مش ثلاث فرق، ثلاثة في حكم الفرقة الواحدة؛ حتى يحاول يفهم الحديث السابق بالفهم الكامل، وإن كان هذا التأول فيه تعسف والله أعلم بما أراد رسوله من ذلك.

وقوله عليه الصلاة والسلام: «كلها في النار إلا واحدة» ظاهر في العموم؛ لأن «كلًا» من صيغ العموم، وفسره الحديث الآخر «٧٢ في النار وواحدة في الجنة» وهذا نص لا يحتمل التأويل تمام؛ لما يقول كلها في النار، كلمة «كلها» هذا عموم، والعموم ظاهر يقبل التخصيص، بخلاف لما يقول ٧٢ في النار، الأعداد من ألفاظ العموم ولا من ألفاظ الخصوص؟ من ألفاظ الخصوص، فتكون نصًا لا تحتمل التأويل، فلما قال اثنتان في.

النار وواحدة في الجنة، هذا نص لا يحتمل التأويل. قال أبو ربيعة: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين من الفرق إلا فرقة واحدة، وإنما تعرض لعدها خاصة، وأشار إلى الفرقة الناجية حين سُئل عنها. وإنما وقع ذلك كذلك ولم يكن الأمر بالعكس لأمور، أحدها: أن تعيين الفرقة الناجية هو الأكد في البيان بالنسبة إلى تعبد المكلف والأحق بالذكر؛ إذ لا يلزم تعيين الفرق الباقية إذا عُينت الواحدة.

وأيضاً، فلو عُينت الفرق كلها إلا هذه الواحدة، لم يكن بُد من بيانها؛ لأن الكلام فيها يقتضي ترك أمور هي بدع، والترك للشيء لا يقتضي فعل شيء آخر. فذكر واحدة هو مفيد على الإطلاق؛ إذ الفرقة الناجية أن يعرف صفاتها هذا هو الأهم للمكلف والأحق بالذكر؛ إذ لا يلزم تعيين الفرق الباقية إذا عُينت الواحدة. أنت خَلُصت؛ إذا عرفت الفرقة الناجية ما يهمك تعرف الفرق الهالكة. يعني أنا خَلُصت عرفت الناجية ألزم غرزها.

وأيضاً، فلو عُينت الفرق كلها إلا هذه الواحدة، سيحتاج إلى بيانها لأن الكلام فيها يقتضي ترك أمور هي بدع، والترك لهذه الفرق البدعية لا يقتضي فعل شيء آخر؛ لا فعل ضد ولا خلاف. فأصبح أنت مُلزم في النهاية أن تذكر الفرقة الناجية حتى تتبع صفاتها، فإذا كنت في النهاية لازم أذكر الناجية، فأنا من البداية أذكر الناجية وأختصر ذكر الفرق البدعية الأخرى حتى لا يطول الكلام.

السبب الثاني: لماذا ذُكرت فقط صفة الفرقة الناجية؟ أن ذلك أوجز، لأنه إذا ذُكرت نِحلة الفرقة الناجية، عُلم على البديهة أن ما سواها مما يخالفها ليس بناجٍ، وحصل التعيين بالاجتهاد. تمام؛ بتصير أنت بالاجتهاد تعين، والله هي الفرقة خالفت الفرقة الناجية؛ بالاجتهاد تصبح تعين من هي الفرق التي خالفت الفرقة الناجية في صفاتها. قال: بخلاف ما إذا ذُكرت كل الفرق إلا الفرقة الناجية، فإن هذا سيجعل الحديث ثلاثين أو أربعين صفحة يقتضي شرحاً كبيراً، ولا يقتضي في الفرقة الناجية اجتهاداً. لأنه أنا إذا بينت لك كل الفرق البدعية بس ما بينت لك شو صفات الفرقة الناجية، أنت في النهاية ستبقى في حيرة: ماذا أفعل حتى أكون من الناجية؟ سيبقى هذا السؤال حاضراً لديك، ولا يمكن أن تعينها بالاجتهاد؛ لأن تعيين الفرقة الناجية يحتاج إلى وحي، ولا يكون ذلك بالاستنباط. قال: لأن إثبات العبادات التي تكون مخالفتها بدعاً لا حظ للعقل في الاجتهاد فيها، وهذا أصلاً مبنى الكتاب؛ أن العبادات لا تُعين بالعقل.

الثالث: أن ذلك أحرى بالستر، كما تقدم بيانه في مسألة تعيين الفرق. ولو فُسرت الفرق لناقض ذلك قصد الستر عليها، ففسر ما يحتاج إليه وترك ما لا يحتاج إليه إلا من جهة المخالفة. فللعقل وراء ذلك مرمى تحت أذيال الستر. ايش يعني الآن ربنا ستر عليهم، أنت بعقلك حاول تكتشفهم. قال: أعجبتني هذه العبارة: فللعقل وراء ذلك مرمى تحت أذيال الستر. خَلُص، أنا أعطيتك الفرقة الناجية وقلت لك في 72 مش ناجية، ما بدي أعطيك إياهم حتى أستر عليهم، أنت من تحت الستر حاول تتسلل وحاول تعرف من هي الفرق كالخوارج والشيعة، أنت لحالك اكتشفهم.

قال: فبين صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله -لما بين الفرقة الناجية-: «ما أنا عليه وأصحابي». ووقع ذلك جواباً للسؤال الذي سألوه، قالوا: من هي يا رسول الله؟ فأجاب بأن الفرقة الناجية من اتصفت بأوصافه عليه الصلاة والسلام وبأوصاف أصحابه، وكان ذلك معلوماً عندهم غير خفي هذه الأوصاف فاكتفوا به. وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من بعد تلك الأزمنة، وهم نحن. يعني الصحابة لما قال: من كان على مثل ما أنا عليه، الصحابة فاهمون معنى هذا، لكن نحن من جاء بعد الصحابة لأننا لم نعش في زمنهم نحتاج أن نعرف ما الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحاصل الأمر أن الصحابة كانوا مقتدين به مهتدين بهديه، قد جاء مدحهم في القرآن الكريم، وأثنى عليهم متبوعهم محمد صلى الله عليه وسلم. وإنما كان خلقه القرآن عليه الصلاة والسلام ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فالقرآن إذاً هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنة مبينة له، فالمتبع للسنة متبع للقرآن. والصحابة كانوا أولى الناس بذلك لأنهم أولى الناس تمسكاً بالكتاب والسنة، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية الداخلة للجنة بفضل الله، وهو معنى قول: «ما أنا عليه وأصحابي»؛ اللي هو التمسك بالكتاب والسنة. هذا يعني ما أنا عليه وأصحابي؛ فالكتاب والسنة هو الطريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره كالقياس والاستصلاح فهو ناشئ عن هذا الطريق المستقيم، هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله: «وهي الجماعة»؛ في رواية أخرى فُسر الفرقة الناجية بأنها الجماعة. هو سيشرحها بعد قليل؛ لأن الجماعة في وقت الإخبار بهذا الحديث كانت هي فقط جماعة الصحابة الموصوفون بهذا الوصف وهو التمسك بالكتاب والسنة، إلا أن في لفظ الجماعة معنى آخر سيأتي معنا بعد قليل.

ثم إن في هذا التعريف نظراً لابد من الكلام فيه، تعريف الفرقة الناجية بأنه ما أنا عليه وأصحابي؛ وذلك أن كل داخل تحت ترجمة الإسلام من سني أو مبتدع، هو يدعي أنه هو الذي نال رتبة النجاة. صح! تعال على الأشعري اليوم شو بقول لك؟ أنا على ما كان عليه وأصحابه. تعال على الشيعي، بقول لك: أنا اللي على ما كان عليه أنا وأصحابي. إن كان هذا قليلاً، تعال على المعتزلي بقول لك: أنا اللي على ما كان عليه وأصحابه. فكل يدعي وصلاً بليلى، وليلى لا تُقر له بذاك، مش هيك بيقول الشاعر؟

إن كل مبتدع أيضاً أو سني مدعٍ أنه هو الذي نال رتبة النجاة، وأنه هو الفرقة الناجية، ودخل في غمار تلك الفرقة؛ إذ لا يدعي غير ذلك إلا من خلع ربقة الإسلام. في حدا بيحكي إنه هو مش الفرقة الناجية؟ إذا في فرقة إسلامية اليوم بتحكي نحن مش الفرقة الناجية معناتها هذا طلع الإسلام، يعني هذا واضح إنه مُعاند عم بيلعب. ونحاز إلى فئة الكفار كاليهود والنصارى، وفي معناه من دخل بظاهره في الإسلام وهو معتقد غيره كالمنافقين في الباطن. وأما من لم يرضَ لنفسه إلا بوصف الإسلام كالمعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وقاتل سائر الملل على هذا الدين، فلا يمكن أن يرضى لنفسه بأخذ مراتبها، وهو مدعٍ أخصها، هو يدعي أنه أهل السنة والجماعة. معقول يقول لك إنه هو مش الفرقة الناجية؟ لا يمكن. وهو العِلم؛ وهو مدعٍ أخص هذه الصفات، وهو العلم. فلو علم المبتدع أنه مبتدع لم يبقَ على تلك الحالة، ولم يصاحب أهلها، فضلاً عن أن يتخذ هذه البدع ديناً يدين الله به، وهذا أمر مركوز في الفطرة لا يخالف فيه عاقل.

فإذا كان كذلك فكل فرقة تنازع صاحبتها أنها هي الفرقة الناجية، ألا ترى أن المبتدع آخذ أبداً في تحسين حالته شرعاً وتقبيح حال غيره؟ كل فرقة اليوم؛ الأشعري شو بتحكي عن أهل الحديث؟ حشوية وهابية. وأنتم شو بتحكوا عنهم؟ مشبهة مجسمة معطلة. ما هو هيك هي الفرق، كل واحد يدعي أنه هو الجميل وأن مخالفه هو المبطل ويقبح غيره. فمثلاً الظاهري ابن حزم الظاهري يدعي أنه هو المتبع للسنة، والقائس الذي يأخذ بالقياس يدعي أنه هو الذي فهم الشريعة، وأنه ابن حزم ما فهم في الشريعة. وصاحب نفي الصفات يدعي أنه الموحد، الجهمي بقول لك: أنا رأس الموحدين، والقائل باستقلال قدرة العبد وأن العبد له قدرة، يدعي أنه صاحب العدل، طبعاً هو يقصد هنا المعتزلة، ولذلك سمى المعتزلة أنفسهم أهل العدل والتوحيد. والمشبه يدعي أنه المثبت للذات وللصفات، لأن نفي التشبيه عنده يعتبر نفياً محضاً وهو عدم للإله. وكذلك كل طائفة من الطوائف التي ثبت لها اتباع الشريعة أو لم يثبت لها، كلها تدعي أنها الكتاب والسنة.

وإذا رجعنا إلى الاستدلالات القرآنية أو السنية على الخصوص، فكل طائفة تتعلق أيضاً بآية أو حديث. مش قلنا فالخوارج مثلاً تدعي بأنهم لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، إلى اليوم ارجع لأي شخص خارجي اليوم بقول لك: نحن الطائفة الغرباء الذين قال عنا النبي صلى الله عليه وسلم الغرباء لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم. تشغل ابن الحلال تقول أنت خالفت الكتاب والسنة، بقول لك: هيك طريق أهل الغربة يا شيخ، إلى اليوم نفس البروباجندا ونفس طريقة الاستدلال. والقاعد عن الجهاد، عفواً، عن الخروج على الحاكم يحتج بماذا؟ «عليكم بالجماعة»؛ فإن يد الله مع الجماعة. طيب يا شيخ، حاكمك فاسق! يا شيخ: عليكم بالجماعة. نقول لك كل واحد يأخذ من الكتاب ما يريد. وقوله: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه». كل واحد يستدل لك بحديث القعود.

والمرجئ يحتج بآية أو بقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق». والقدري يحتج بقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، «وكل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه». والمفوض -عفواً- يحتج بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8]، وفي الحديث اعملوا. لا، الجبري؛ أحسنت، المفوض هنا يقصد به الجبري، وفوق القدر؛ لأنه قال: «اعملوا فكل ميسر لما خُلق له»، فأنت مجبور؛ يعني اعمل بس أنت مجبور، هكذا يفهمون الحديث. والرافضة تحتج: «ليردن حوضي أقوام ثم ليختلجن دوني، فيقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، إنهم لا يزالوا مرتدين ويسخطون هذا، والعياذ بالله، على الذين قاتلوا علي بن أبي طالب؛ أنهم هم الذين ارتدوا على أعقابهم. ويحتجون في تقديم علي بحديث: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى». ومخالفوهم من النواصب يحتجون في تقديم أبي بكر وعمر بقول: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر».

ويأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر مما يرجع إلى مع، والجميع محومون -أو محومون- في زعمهم على الانتظام في سلك الفرقة الناجية، كل واحد بقول لك: نحن الفرقة الناجية. وإذا كان كذلك أشكل على المبتدئ في النظر الطالب المبتدئ والعامي المسكين، شو يقول لك؟ الله أعلم، كلها بتدعي أنها فرقة ناجية، ولا يمكن أن يكون مذهبهم مقتضى هذه الظواهر؛ فإن -يعني- لا يمكن أن تكون كل هذه الفرق هي الفرقة الناجية ليه؟ لأنها مذاهب متناقضة، أكيد يا هذا يا هذا. قال: فإنها متدافعة متناقضة، وإنما يمكن الجمع فيها إذا جُعل بعضها أصلاً فيُرد البعض الآخر إلى ذلك الأصل بالتأويل. قال: وكذلك فعلوا، فكل واحدة من تلك الفرق تستمسك ببعض تلك الأدلة، وترد ما سواها إليها تمام؛ يعني المحكمات عند الروافض ما هي؟ أن علي ولي. هي المحكمات عندهم، وكل النصوص التي تدل على أبي بكر وعمر لازم أن نؤولها بناءً على أن علي هو الأصل. عند القدرية المحكمات عندهم أن الإنسان يخلق فعله بنفسه، وكل النصوص الأخرى التي تدل على خلاف ذلك ستُرد إلى المحكمات. طيب، فكل واحدة من تلك الفرق تستمسك ببعض الأدلة تعتبرها محكمات، وترد سائر الأدلة الأخرى إليها أو تهمل اعتبارها أصلاً بالترجيح؛ يعني تقول الأدلة الأخرى لا نعتبرها إن كانت من قبيل الظنيات التي يسوغ فيها الترجيح، أو تدعي.

إن أصلها الذي ترجع إليه قطعي، والمعارض له ظني، ولا يعارض قطعي بظني، فتسقط النصوص التي تخالف مذهبها. وإنما كان طريق الصحابة ظاهراً في الأزمنة المتقدمة، أما الآن فيقول: إن طريق الصحابة كانت مفهومة في القرن الثاني والثالث، كانوا فاهمين طريق الصحابة، لكن بعد القرن الثالث الهجري أصبح طريق الصحابة بسبب تراكم البدع عليه ضباب، ولا يستطيع النفوذ إليه إلا كبار المحققين من أهل السنة، وأما أكثر الناس فأصبحت عندهم ضبابية؛ ما الذي يمثل فعلاً منهج الصحابة اليوم؟ حتى يومنا هذا عندنا ضبابية في اكتشاف مذهب الصحابة.

وقد استقرت -أما وقد استقرت- مآخذ الخلاف في كل نوع من أنواع العلوم الشرعية، فلا يمكن الرجوع إلى طريقة يتفق الجميع على أنها طريقة الصحابة؛ لأن الاتفاق على ذلك مع القصد إلى الخلاف محال. وهذا الموضع مما ينتظمه قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]. فتأملوا رحمكم الله كيف صار الاتفاق محالاً في العادة ليصدق العقل بصحة ما أخبر الله به. فالحاصل أن تعيين هذه الفرقة الناجية في مثل زماننا صعب.

والحاصل أن تعيين هذه الفرقة الناجية في مثل زماننا صعب، وهذه المعلومة مهمة يا إخواني؛ لأنه اليوم الناس -الله يرضى عنهم- نازلين في تعيين الفرقة الناجية، الفرقة الناجية في بقعة معينة، وهذا غلط؛ حتى لو كانوا، وبغض النظر عن أفاضلهم ومناقبهم في الأمة وآثارهم على الرأس والعين، ما بصير تعيين الفرقة الناجية بشخص معين؛ لأنك لا تعرف أصلاً ما حاله. نحن نرسم معالم منهج، لكن أن أقول: الفرقة الناجية هم أهل عمان أو أهل منطقة، أنتم عارفين ماذا أقصد، هذا غير صحيح؛ لأنك لا تعرف ماذا يحصل في النفوس، ولكن نرجو الخير لعموم المسلمين، هذا هو. لذلك هذا ليس كلامي، كلام الشاطبي: والحاصل أن تعيين هذه الفرقة الناجية في مثل زماننا صعب، ومع ذلك فلا بد من النظر فيه، وهو نكتة هذا الكتاب، فليقع فيه فضل اعتناء بحسب ما هيأ الله به، وبالله التوفيق. ولما كان ذلك يقتضي كلاماً كثيراً أرجأنا القول فيه إلى باب آخر نذكره فيه على حدته، إذ ليس هذا موضع ذكر هذا الموضوع، هي المسألة السادسة عشر.

المسألة الخامسة عشر: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. قال رحمه الله تعالى: المسألة الخامسة عشر، أنه لما قال عليه السلام: «كلها في النار إلا واحدة»، وحتم ذلك، وقد تقدم أنه لا يعد من الفرق إلا المخالف في أمر كلي وقاعدة عامة، لم ينتظم الحديث على الخصوص إلا أهل البدع المخالفين للقواعد، وأما من ابتدع في الدين لكنه لم يبتدع ما يقتضي أمراً كلياً أو يخرم أصلاً من الشرع عاماً، فلا دخول له في النص المذكور. فينظر في حكمه: هل يلحق بمن ذكر أم لا؟

الآن أصحاب البدع الذين خرموا القواعد الكلية للشريعة هم قطعاً داخلون تحت الاثنتين والسبعين، وأهل السنة والجماعة هم قطعاً الفرقة الناجية. الآن بغض النظر كأشخاص من هم، كقسمة عقلية بقي من خالفوا السنة والجماعة في بعض البدع؛ بس بدع ليست أصلية، ليست كلية، زي ما حكينا أصحاب الذكر الجماعي والمولد النبوي وهي القصص، هؤلاء مع مين ندخلهم؟ مع الفرقة الناجية ولا مع الاثنتين والسبعين؟ والاثنتان والسبعون بدع أصلية والفرقة الناجية «ما أنا عليه وأصحابي»، هذول محيرين، كأنه يقول لك: هل نلحقهم بالاثنتين والسبعين ولا نلحقهم بالفرقة الناجية؟ فهذا معنى قوله: فينظر في حكمه -هذا المبتدع بدعة صغيرة جزئية- هل يلحق بمن ذكر بالاثنين والسبعين أم لا؟

فيقول: ولو لديه في المسألة أحد أمرين: إما أن نقول أن الحديث لم يتعرض لتلك الواسطة بلفظ ولا معنى إلا أن ذلك يؤخذ من عموم الأدلة، كقوله: «كل بدعة ضلالة»، وما أشبه ذلك. وإما أن نقول أن الحديث وإن لم يكن في لفظه دلالة ففي معناه ما يدل على قصده في الجملة، وبينه أنه تعرض لذكر الطرفين الواضحين؛ أحدهما طرف السلامة والنجاة من غير دخيلة شبهة ولا إلمام بدعة، وهو قوله: «ما أنا عليه وأصحابي». والثاني طرف الإغراق في البدعة، هو الذي تكون فيه البدعة كلية أو تخرم أصلاً كلياً جارياً على عادة الله في كتابه العزيز؛ لأنه تعالى لما ذكر أهل الخير وأهل الشر ذكر كل فريق منهم بأعلى ما عمل من خير أو شر، ليبقى المؤمن فيها بين الطرفين خائفاً راجياً.

إذا حصل التنبيه بالطرفين الواضحين؛ فإن الخير على مراتب بعضها أعلى من بعض، والشر على مراتب بعضها أشد من بعض، فإذا ذكر أهل الخير الذين في أعلى الدرجات خاف أهل الخير الذين دونهم ألا يلحقوا بهم، وإذا ذكر أهل الشر الذين في أشد المراتب خاف أهل الشر الذين دونهم أن يلحقوا بهم، ورجوا ألا يلحقوا بهم. وهذا المعنى معلوم بالاستقراء، وذلك الاستقراء يدل على قصد الشارع إلى ذلك المعنى، ويقويه ما روى سعيد بن منصور في تفسيره عن عبد الرحمن بن ثابت قال: لما بلغ الناس أن أبا بكر يريد أن يستخلف عمر، قالوا: ماذا يقول ربه إذا لقي، استخلف علينا فظاً غليظاً، وهو لا يقدر على شيء فكيف قدر؟ فبلغ ذلك أبا بكر فقال: أبي ربي تخوفون؟ كان فظاً غليظاً وهو لساته مش حاكم علينا، كيف لو صار عمر بن الخطاب حاكم علينا؟

قال: فبلغ ذلك أبا بكر فقال: أبي ربي تخوفون؟ أقول: استخلفت خير أهلك، قال: ثم قال: لو سألني الله عز وجل لماذا استخلفت عمر، لأقولن لربي: استخلفت خير أهلك، فإنني أعتقد أن عمر من أهل الله وخاصته. نعم. قال: ثم أرسل إلى عمر فقال: إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وعملاً بالنهار لا يقبله بالليل، واعلم أنه لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة. ألم تر أن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وذلك أنه تجاوز عن سيئاتهم حتى يقول القائل: أنى يبلغ عملي مثل هذا؟ ألم تر أن الله حين ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وذلك أنه رد عليهم حسناتهم فلم يقبل منهم حتى يقول القائل: العمل خير من هذا. ألم تر أن الله أنزل الرغبة والرهبة لكي يرهب المؤمن فيعمل، ولكي يرغب فلا يلقي بيده التهلكة. ألم تر أن من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وتركهم الباطل، فثقل عملهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل. ألم تر أن من خفت موازينه باتباعهم الباطل وتركهم الحق...

موطن الشاهد في كل هذا الحديث هو قوله: «ألم تر أن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وذلك أنه تجاوز عن سيئاتهم حتى يقول القائل: أنى يبلغ عملي مثل هذا؟». الله ذكر أهل الجنة وذكر فيهم أحسن شيء فيهم، ولم يذكر سيئاتهم، فأنت لما تطلع لأهل الجنة شو بتصير تحكي؟ أنا شو بده يوصلني لهؤلاء؟ هذول ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، فبتصير تشعر أنك خائف أنك ما تلحق بهم.

ألم تر أن الله حين ذكر أهل النار ذكرهم بأسوأ أعمالهم، ولم يشر إلى الحسنات التي فعلوها في الدنيا، وذلك أنه رد عليهم حسناتهم فلم يقبل منهم شيئاً، وإنما ذكر سيئاتهم حتى يقول القائل: عملي خير من هذا. فلم يقبل منهم حتى يقول القائل: عملي خير من هذا؛ يعني كأنه لما ذكر أعمال أهل النار لم يتطرق لحسناتهم وذكر سيئاتهم، لماذا؟ حتى أنت ما تفكر أنك ستنجو وتقول: لا، ما أنا عملي أحسن، لا، ما هو أنت هذه السيئات عندك شبيه بها، ترى الله لم يتقبل منهم حسنات ولم يذكرها حتى أنت تقارن، بس أنا أحسن منه في كذا، هو فقط ذكر من أهل النار سيئاتهم، فستبقى أنت خائف أن تكون من أهل النار.

ثم قال: أما إن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت وأنت لا بد لاقيه، وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولا تعجزه. قال: وهذا الحديث وإن لم يكن في الصحيح هنالك، ولكن معناه صحيح، يشهد له الاستقراء لمن تتبع آيات القرآن الكريم، ويشهد لما تقرر منها أن هذا المعنى مقصود. استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمثله إذ رأى بعض أصحابه وقد اشترى لحماً بدرهم، فقال: «أين تذهب بكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾»؟ والآية إنما نزلت في الكفار، جعلهم يخافون حتى من أدنى أشكال الاستمتاع أن يكون صادقاً. قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾، يعني نحن اليوم بنأكل مندي وبنأكل رز وبنأكل لحم وكذا وكذا، هل هذا داخل في أنكم أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا؟ عمر كان يحاول تخويف الصحابة ويقول: حتى هذه الشغلات الخفيفة حاولوا أن تجتنبوها حتى لا تكونوا داخلين في ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾.

والآية نزلت في الكفار، بس عمر على مين بسقطها؟ على صحابي اشترى لحماً بدرهم، قال: دير بالك، الآية تنزل فيك، مع أنها هي أصلاً نزلت في أشنع الأوصاف. ولم يمنعه رضي الله عنه -نزولها في الكفار- من الاستشهاد بها في مواضع اعتباراً بما تقدمه أصل شرعي، وتبين في كتاب الموافقات. فالحاصل أن من عدّ الفرق من المبتدعة الابتداء الجزئي لا يبلغ مبلغ أهل البدع الكليات في الذم والتصريح بالوعيد.

فما يريد أن يقوله: أن اللي عندهم بدع جزئية زي بدعة الذكر الجماعي والمولد وما شابه ذلك، هم لا يبلغون مبلغ البدع الكلية في أنه يصرح أنهم من أهل النار وما شابه ذلك، لكنهم اشتركوا مع أهل البدع الكلية في المعنى المقتضي للذم والوعيد، ما هو؟ وهو مخالفة أهل السنة، مخالفة الطريقة الصحيحة، سواء بدعة كلية أو جزئية، أنت خالفت الطريقة الصحيحة، كما اشترك في اللفظ صاحب اللحم اللي اشترى لحماً بدينار مع الكفار الذين استمتعوا وأذهبوا طيباتهم في الحياة الدنيا، اشترك معه في ماذا؟ في اللفظ بس، وإن كان في المعنى يختلف حين تناول بعض الطيبات على وجه فيه كراهية ما في اجتهاد عمر بن الخطاب، على الأقل مع من أذهب طيباته في حياة الدنيا من الكفار. يعني اللي اشترى لحماً بدينار، هو في رأي عمر أذهب جزءاً من طيباته، مع أنه في رأينا ما في مشكلة، لكن في رأي عمر أنه زيادة جعله عمر مشاركاً في اللفظ مع من أذهب طيباته في حياة الدنيا من الكفار، وإن كان بينهما ما بينهما من البون البعيد والقرب والبعد من الطرف المذموم بحسب ما يظهر من الأدلة للمجتهد.

وقد قدم بسط ذلك. خلاصه ما يريد أن يقوله: أن أصحاب البدع الجزئية لم يذكروا نصاً حكمهم في حديث الافتراق، ربنا ذكر الفرقة الناجية وذكر الاثنتين والسبعين في النار أصحاب البدع الكلية، طيب اللي في النص هذول أصحاب البدع الجزئية الصغيرة؟ قصد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقيهم متحيرين، وجلين، خائفين أنه هل نحن سنعتبر من الاثنتين والسبعين فرقة أم نحن نعتبر من الفرقة الناجية؟ فلما يروا ما عندهم أو يخبرهم شخص بأن عندكم بدع جزئية، ربما يقولون: نحن قد لا نكون من الفرقة الناجية، وعندما يقال لهم أنكم...

شاركتم أصحاب البدع الكلية في أنكم خالفتم السنة والجماعة، سيبقى عندهم وجل، لعلنا من أصحاب الفرق البدعية الكبرى. كأنه يقول الشاطبي المقصود البقاء في هذه الحيرة، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ليبقوا على خوف أن يكونوا من الفرقة الناجية، وعلى خوف من أن يكونوا من الفرق الكبرى الاثنين والسبعين. يقول هذا مقصود، فلذلك لم ينص عليهم، ولكن تركوا في حيرة الوجل؛ أين نحن من هاتين الفرقتين؟ هل نحن مع هذا أو مع هذا؟

قال المسألة السادسة عشر: أن رواية من روايات تفسير الفرقة الناجية وهي الجماعة، محتاجة إلى تفسير؛ لأنه إن كان معناها بينا من جهة تفسير الرواية الأخرى وهي قوله: «ما أنا عليه وأصحابي»، فمعنى لفظ الجماعة من حيث المراد به في إطلاق الشرع محتاج إلى التفسير. فقد جاء في أحاديث كثيرة، ومنها ما صح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتة جاهلية».

وصح من حديث حذيفة قال: قلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم». قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن». قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم ما تنكر». وفي رواية: «قوم يهدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي، تعرفون فيهم وتنكرون». قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا». قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «فلتلزم جماعة المسلمين وإمامهم».

يريد أن يقول إن كلمة الجماعة وردت في أحاديث متكررة بمعاني مختلفة، فلازم نفهم كلمة الجماعة الواردة في حديث الافتراق؛ لما قال في الرواية الأخرى: «هي الجماعة». ما المقصود بالجماعة هنا؟ سبب الإشكال أن لفظ الجماعة أصبح لفظاً مشتركاً، لأنه يستعمل ويرد في أحاديث كثيرة، وفي كل حديث يقصد بالجماعة معنى يختلف عن المعنى المراد بالجماعة في حديث آخر.

الآن هو يستقر لك الأحاديث التي ورد فيها لفظ الجماعة، مثل هذا الحديث: «عليك بجماعة المسلمين وإمامهم»، مثلاً الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، وعليكم بالجماعة وإياكم والفرقة». من المقصود بالجماعة هنا؟ وفي الترمذي من حديث ابن عباس قال صلى الله عليه وسلم: «يد الله مع الجماعة»، وحديثه صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يجمع أمتي -أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم- على ضلالة، ويد الله مع الجماعة»، وحديث أبي ذر: «من فارق الجماعة قيد شبر»، وحديث عرفته: «ستكون في أمتي هنا وهنات» -يعني مصائب وبلايا- «فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع».

كلمة الجميع من مشتقاتها، فاختلف الناس بناءً على هذا في معنى الجماعة المراد في هذه الأحاديث عموماً على خمسة أقوال.

القول الأول: قال أحدها إن السواد الأعظم من أهل الإسلام، هو الذي يدل عليه كلام أبي غالب، أن السواد الأعظم هم الناجون من الفرق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة، أو في إمامهم وسلطانهم، فهم مخالف للحق. إذاً القول الأول أن الجماعة المراد به السواد الأعظم، يعني جمهور الناس. هل يصح تفسير الجماعة في هذا الحديث بأنه السواد الأعظم من الناس في كل زمان ومكان؟ الله يقول: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116].

بالتالي الآن الشاطبي رح يعطيك الاستشكالات. قال ومن قال بهذا: أبو مسعود الأنصاري وعبد الله بن مسعود، فإنه لما قتل عثمان سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة، فقال: عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، واصبر حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، قال: وإياك والفرقة، فإن الفرقة هي ضلالة. وقال ابن مسعود: عليكم بالسمع والطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، ثم قبض يده فقال: إن الذين تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في الفرقة. وعن الحسن قيل له: أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أي والله الذي لا إله إلا هو، ما كان الله ليجمع أمة محمد على ضلالة.

فعلى هذا القول، يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم؛ لأنهم تابعون لهم وهم يقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان، ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم الأمة ولم يدخلوا في سوادهم بحال.

إذاً، إذا قلنا إن الجماعة هم السواد الأعظم، المراد بها مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها. وأما من سواهم من عوام المسلمين إذا كانوا تبعاً للعلماء يدخلون في السواد الأعظم، أما إذا لم يكونوا تبعاً للعلماء المجتهدين فليسوا داخلين في السواد الأعظم.

القول الثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج عما عليه جماعة علماء الأمة مات ميتة جاهلية؛ لأن الله جعلهم حجة للعالمين، وهم المعنيون بقوله عليه السلام: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة»، وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وعليها تفزع في النوازل، وهي تبع لها؛ فمعنى قولي: «لن تجتمع أمتي على ضلالة»، يجتمع علماء أمتي على ضلالة.

ومن قال بهذا: ابن المبارك وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف، ورأي الأصوليين. فقيل لعبد الله بن المبارك: من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ فقال: أبو بكر وعمر، فلم يزل يحسر حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسن بن غواقد، فقيل هؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزه السكري، فلم يزل يحسر حتى يذكر أسماء وأسماء.

وعن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا جاءهم شيء من القضاء ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سموه صواف الأمراء؛ فجمعوا أهل العلم، فما أجمع رأيهم عليه فهو الحق. وعن إسحاق بن راهويه، نعم، كانوا إذا جاءت مسألة ليست في القرآن ولا في السنة سموه ماذا؟ صواف الأمراء. شو يعني صواف الأمراء؟ أي هذه خاصة بأهل الأمر، يعني إذا جاءت مسألة عويصة لا يوجد فيها نص في الكتاب ولا في السنة، نقول هذه من صواف الأمراء؛ يعني اتركوها لأهلها، من أهلها؟ العلماء المجتهدون.

فعلى هذا القول لا أثر لما تخلف في هذا السواد لمن ليس بعالم مجتهد؛ لأنه داخل في أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية، ولا يدخل فيهم أحد من المبتدعين؛ لأن العالم أولاً لا يبتدع، وإنما يبتدع من ادعى لنفسه العلم وليس كذلك. العالم بالكتاب والسنة حقيقة، هذا لا يمكن أن يبتدع بدعة كلية، لا يمكن.

الآن البدعة قد أخرجته عن نمط ما يعتد بأقواله، وهذا بناءً على القول بأن المبتدع لا يعتد به في الإجماع، وإن قيل من اعتد بهم فيه في غير المسألة التي ابتدع فيها، ولأنهم في نفس البدعة مخالفون الإجماع، فعلى كل تقدير لا يدخلون في السواد الأعظم أصلاً.

التفسير الثالث للجماعة: أنها جماعة الصحابة على الخصوص، فإنه المراد بالجماعة من الصحابة؛ فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلاً، وقد يمكن في من سواهم ذلك. ألا ترى قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة»، وقوله: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس»؟ فقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من الأزمان أزماناً يجتمعون فيها على ضلالة وكفر، لما يقول عليه الصلاة والسلام لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، إذاً آخر شيء سيجتمع الناس على الشر.

ومن قال بهذا القول عمر بن عبد العزيز؛ فروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، وليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها. من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. قال مالك: فأجمع عزم عمر على ذلك.

فعلى هذا القول لفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله عليه السلام: «ما أنا عليه وأصحابي». إذاً إذا قلنا الجماعة هم الصحابة، إذاً أصبح هذا مطابقاً للتفسير الآخر لما سئل عن الفرقة الناجية قال: «ما أنا عليه وأصحابي»، فسواء هي الجماعة أو ما أنا عليه وأصحابي، أصبحت الجماعة هي الصحابة، فتطابقت الإجابتان، فكأنه راجع إلى أن ما قالوه وما سنوه وما اجتهدوا فيه حجة على الإطلاق لشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بذلك.

خصوصاً في قوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»، وأشباهه، ولأنهم المتلقون لكلام النبوة الممهدون للشريعة، الذين فهموا مراد الله بالتلقي من نبيه مشافهة، على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال، بخلاف من بعد الصحابة فإنه لم يحصل على هذه المنقبة، فإذاً كل ما سنوه فهو سنة من غير نظر فيه، بخلاف غيرهم، فلو اتفقوا على سن سنة لا يقبل، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالاً للنظر رداً أو قبولاً. إذاً من بعد الصحابة في مجال، أما ما سنه الخلفاء الراشدون ومشوا عليه هذا لا يمكن أن يبدل. فأهل البدع إذاً غير داخلين في الجماعة قطعاً على هذا القول؛ لأن على هذا القول من هم الجماعة؟ الصحابة، والصحابة ليس فيهم مبتدع.

التفسير الرابع للجماعة: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر، فواجب على غيرهم من أهل الملة اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ألا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف فواجب التعرف صوابه فيما اختلفوا فيه. قال الشافعي: الجماعة لا تكون فيها غفلة عن كتاب الله ولا سنة ولا قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة. وكان هذا القول راجعاً إلى الثاني، وهو حقيقة هذا القول هو نفس القول الثاني الذي هو أن الجماعة هم العلماء المجتهدون، لأنه في النهاية هل الإجماع يعتبر من العوام؟ لا، فيقول الشاطبي: تفسير الجماعة بأنهم جماعة أهل الإسلام هو نفس القول الثاني أن الجماعة هم العلماء المجتهدون، لا فرق كثير؛ لأنه الجماعة الذين يعتبرون في الإجماع هم المجتهدون.

يرجع إلى القول الأول، وهو أظهر في المعنى، أو يرجع إلى القول الأول أن الجماعة هي السواد الأعظم، ونحن فصلنا السواد الأعظم بأنهم العلماء المجتهدون، فإذاً صف القول الأول والثاني والرابع حقيقة متقارب جداً، يعني ما في فرق كبير. وفيهم المعنى ما في الأول من أنه لا بد من كون المبتدعين فيهم، وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلاً، فهم إذاً الفرقة الناجية.

والخامس ما اختاره الطبري الإمام من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، هذا التفسير الخامس؛ ابن جرير الطبري يقول: إن الجماعة الواردة في الأحاديث هي جماعة المسلمين المجتمعين على أمير وحاكم، هذا المراد بالجماعة. فأمر عليه السلام بلزومه، ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم؛ لأن فراقهم.

لا يعدو أحدُ خلتين؛ إما للنكير عليهم في إطاعة أميرهم والطعن عليه في سيرته المرضية لغير موجب، بل لتأويل في إحداث بدعة في الدين، كالحرورية التي أمرت الأمة بقتالها وسماها النبي صلى الله عليه وسلم مارقة من الدين. وإما لطلب إمارة من بعد انعقاد البيعة لأمير الجماعة، فإنَّه نكثُ عهدٍ ونقضُ عقدٍ.

بعد هذا، الخروج على الأمير المسلم لا يعدو أحد أمرين: إما طعن في سيرة هذا الأمير المرضية لغير موجب، بل قد يكون هو متأولاً أشياء على خلاف ما تريدونه، بل بالتأويل في إحداث بدعة في الدين كالحرورية التي أمرت الأمة بقتالها؛ هم الخوارج يطعنون في أئمة أمة المسلمين بدون موجب. وقال: وإما أنه خرج عن الجماعة لطلب إمارة لنفسه بعد انعقاد البيعة لإمام معين؛ يعني الذين يخرجون على الحاكم المسلم، كيف يخرج على الجماعة؟ قال: إما أنه يريد أن يدعو لإمارة نفسه بعد انعقاد البيعة لحاكم صحيح قُبله، وهذا نكث للبيعة وخروج على المسلمين، وإما أنه ينكر على الإمام بعض التصرفات والأمور ويتأول آية في إحداث بدعة في الدين، كالحرورية لما قالوا إن علي بن أبي طالب وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنة فيجب قتالهم. فعموماً الخروج على الحاكم المسلم لا يعدو هذين الأمرين، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم فاضربوا عنقه كائناً من كان».

قال الطبري: فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة. قالوا: أما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضا بتقديم أمير كان من فارقها مات ميتة جاهلية؛ يعني لو أن جماعة من أهل الإسلام أجمعوا على تنصيب أمير، وواحد طلع عن هؤلاء قال: لا أنا ما بدي أنصبه معكم، هذا مات ميتة جاهلية لأنه خرج عما اتفق عليه جملة المسلمين. فهي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري وغيره، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين ومن غير أهل العلم والدين، وهم السواد الأعظم. هذا كله طبعاً كلام ابن جرير الطبري.

قال: وقد بين ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فروي عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قال عمر حين طعن -لما طعن عمر على يد أبي لؤلؤة المجوسي-: ماذا قال عمر؟ قال لصهيب: صلي بالناس ثلاثاً، وليدخل علي وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن -جعل الشورى فيهم الستة- وليدخل ابن عمر في جانب البيت وليس لهم من الأمر شيء؛ هو لن يكون أحد المختارين للخلافة. قال: فقم يا صهيب على رؤوسهم بالسيف، فإن بايع خمسة ونكص رجل واحد فاجلد رأسه بالسيف، وإن بايع أربعة ونكص رجلان، برضه اقطع رؤوسهما حتى يستوسقوا؛ يعني حتى يتفقوا على رجل.

قال: فالجماعة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها، وسمى المفارق عنها مفارقاً لها، نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه، أمر صهيباً بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف في معنى كثرة العدد المجتمع على بيعته، وقلة العدد المنفرد عنهم. قال: لاحظ، إذا كثر عدد المبايعين للحاكم وقل عدد الخارجين فهؤلاء هم الخارجون. لذلك هو اعتبر هنا الشاطبي موضوع الكثرة والقلة.

قال ابن جرير الطبري: وأما الخبر الذي ذكر فيه أنه لا تجتمع أمتي على ضلالة، فمعناه ألا يجمعهم على إضلال الحق فيما نابهم من أمر دينهم، حتى يضل جميعهم عن العلم ويخطئوه، وذلك لا يكون في الأمة؛ يعني أن الأمة الله عز وجل لا يضلها جميعاً عن الصواب. هذا تمام كلامه، وهو منقول بالمعنى وتحرى في أكثر الألفاظ. وحاصل ص أن الجماعة عنده راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة. ركزوا على أي إمام؛ تكلم عن الحاكم الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث كالخوارج ومن جرى مجراهم. وذلك ظاهر في أن الاجتماع -يعني الخوارج إذا نصبوا أميراً عليهم هذا مش أمير- لا يجوز الخروج عنه؛ لماذا؟ لأن هذا ليس متبعاً للكتاب والسنة. فيقول: وذلك ظاهر في أن الاجتماع إذا كان على شخص من غير أهل الكتاب والسنة هو ليس في معنى الاجتماع المذكور الذي من خرج عنه مات ميتة جاهلية. فهذه إذاً خمسة أقوال دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم المرادون بالأحاديث، فلنأخذ ذلك أصلاً ونبني عليه معنى آخر.

إذاً هذه الأقوال الخمسة في تفسير الجماعة هي دائرة في نهايتها على ماذا؟ على أن أهل الكتاب والسنة المتبعون للكتاب والسنة فعلياً هم الجماعة؛ لأن العلماء المجتهدين السواد الأعظم هم العلماء المجتهدون. القول الرابع أنه أي الجماعة أهل الإسلام، والمراد بهم العلماء. القول الثالث أنهم الصحابة، وهم علماء. فإذاً صفت القضية حقيقة الأقوال الخمسة تعود إلى أن الجماعة هم المتمسكون بالكتاب والسنة؛ لأن حتى على قول ابن جرير الطبري، هو اعتبر الحاكم الذي تعقد عليه الجماعة الحاكم المتمسك بالكتاب والسنة. يعني حتى على قول ابن جرير، قال: إذاً على كل الأقوال صفت القضية أن الجماعة هم المتمسكون بالكتاب والسنة. بناء على هذا، فلنبني المسألة السابعة عشر، وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء انضم إليهم العوام أم لا.

فإن لم ينضم إليهم العوام فلا إشكال، أن الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من علماء المعتبر اجتهادهم، فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية. وإن انضم إليهم العوام فبحكم التبع، لأنهم غير العوام هم تبع للعلماء في دخولهم تحت مسمى الجماعة، لأن العوام غير عارفين بالشريعة أصلاً، فلا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء. فإنهم لو تمالوا على مخالفة العلماء فيما حد لهم لكانوا هم الغالبة والسواد الأعظم في ظاهر الأمة لقِلة العلماء وكثرة الجهال. فلا يقول لو بدك تحسبها، أكثر العوام اليوم مخالفون للعلماء، فهل نقول والله السواد الأعظم هم العوام اللي قاعدين على شاشات المباريات وفي المقاهي؟ هو من السواد الأعظم؟ قال: لا، أكيد السواد الأعظم لا بد العلماء، ويدخل تبعاً معهم العوام الذين معهم. أما إن اعتبر السواد الأعظم هم جماعة المقاهي وكذا لأن العلماء قلة، فهذا لا يقوله عاقل. فلا يقول أحد -كما يقول الشاطبي- إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب، وأن العلماء هم المفارقون للسواد الأعظم والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس، وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلّوا، والعوام هم المفارقون للجماعة إن خالفوا وإن كثروا، فإن وافقوا فهو الواجب عليهم.

ومن هنا لما سئل ابن المبارك عن الجماعة الذين يقتدى بهم أجاب بأن قال: أبو بكر وعمر. قال: فلم يزل يحصر حتى انتهى إلى محمد بن ثابت بن حسين بن واقد. كيف هؤلاء ما تفق الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري ومحمد بن ميمون المروزي. قال: فلا يمكن أن يعتبر. فابن المبارك لما عد من هم الجماعة ذكر كم واحد؟ ذكر على عد الأصابع، قال: أبو بكر وعمر، بعدين زاد عليهم محمد بن ثابت الحسين، وجعل الجماعة على عد الأصابع؛ ليه؟ لأنه هؤلاء هم العلماء والناس لهم تبع. لذلك جاء في حديث ابن مسعود: أنت الجماعة ولو كنت وحدك. إذا كنت أنت مجتهد وعالم ومن أهل الخير وتعرف الكتاب والسنة، عالم مجتهد وخالفه أهل زمانه وعصوه، هو الجماعة ولو كان وحده؛ لأن العوام تبع له.

وعلى هذا، لو فرضنا خلو الزمان عن مجتهد، لم يمكن اتباع العوام أمثالهم، صحيح؟ ولا عد سوادهم أنه السواد الأعظم المنبه عليه في الحديث الذي من خالفه فمات ميتته جاهلية، بل يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين. فالذي يلزم العوام مع وجود المجتهدين، هو الذي يلزم أهل الزمان المفروض الخالية عن المجتهدين. يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين؛ يعني نحن نعيش في زمان ما في فينا ولا واحد مجتهد، شو نسوي يا شيخ؟ ننقل كلام المجتهدين السابقين وكأنهم موجودون بيننا ونتبعهم، ولا يطلع لنا شخص اليوم بده يخالف. طيب يا شيخ، أنت لا أنت مجتهد ولا أنا مجتهد، ماشي، عشان هيك أنا شو عامل؟ ينزل كلام المجتهدين السابقين كأنهم موجودون الآن، ونصبح نتبع كلام المجتهدين السابقين، زي ما بنفعل اليوم في المذاهب الأربعة، إذا قلنا ما في مجتهد فعلى الأقل أنه نأخذ مذاهب الأربعة ونرمي الكلفة عليها، ولا ندعي أننا من أهل الاجتهاد، وأنه أنت لازم تتبعني وأنا لازم أتبعك، لأننا متفقون أننا لسنا من أهل الاجتهاد. بالتالي لسنا نحن العوام من أهل السواد الأعظم.

فالذي يلزم العوام مع وجود المجتهدين هو الذي يلزم العوام عند خلو الزمان عن المجتهدين، وهو ماذا؟ العودة إلى ما قاله المجتهد الميت. وأيضاً قال: وفي اتباع من لا نظر له اجتهادَ من لا اجتهاد له محض ضلالة ورب عمى. ومقتضى الحديث الصحيح: أن الله يقبض العلم بانتزاع ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. وروى أبو نعيم عن محمد بن القاسم الطوسي خادم محمد بن أسلم الطوسي قال: سمعت إسحاق بن راهويه وذكر في حديث رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم». فقال رجل: يا أبا يعقوب، ما السواد الأعظم؟ فقال: محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعه. قال: ثم قال، سأل رجل ابن المبارك من السواد الأعظم؟ قال: أبو حمزة السكري. ثم قال إسحاق في ذلك الزمان؛ يعني أبا حمزة، يعني في زمان أبي حمزة السكري كان أبو حمزة السكري يمثل الجماعة، وفي زمان أبي محمد بن أسلم كان محمد بن أسلم هو الذي يمثل الجماعة؛ لأنه هو المجتهد في تلك الفترة.

ثم قال إسحاق: وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه. ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال عن السواد الأعظم لقالوا جماعة الناس، ولا يعلمون أن الجماعة هو عالم متمسك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته، فمن كان مع هذا العالم وتبعه فهذا العالم هو الجماعة ولو كان الجماعة اللي حواليه 15 واحد، هم الجماعة؛ لأنه هو مجتهد. ثم قال إسحاق: لم أسمع عالماً منذ 50 سنة كان أشد تمسكاً بالسنة من محمد بن أسلم. فانظر في حكايته تتبين غلط من ظن أن الجماعة المراد بها جماعة الناس العوام وإن لم يكن فيهم عالم. وهو فهم العوام، هذا فهم إنسان مثقف صحفي مش فهم واحد يعرف كيف يسقط الأحاديث، هذا فهم العوام لا فهم العلماء. فليثبت الموفق في هذه المسألة قدمه لئلا يضل عن سواء السبيل، ولا توفيق إلا بالله.

المسألة الثامنة عشر في هذا الحديث، قال في بيان ما أن رواية أبي داود وهي قول عليه الصلاة والسلام: «إنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله»، وذلك لا سيشرح لك ما معنى أن الأهواء تتجارى كما يتجارى الكلب، هذا مثل الجدري أو مثل مرض السرطان لما يدخل في جسمك ينفش. ما معنى هذا الحديث؟ كلام جميل هنا، قال: وذلك أن معنى هذه الرواية أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بما سيكون في أمته من هذه الأهواء التي افترقوا بسببها لتلك الفرق، وأنه يكون فيهم أقوام تداخل تلك الأهواء قلوبهم حتى لا يمكن انفصالهم عنها ولا تبرؤهم منها، على حد ما يداخل داء الكلب جسم صاحبه، فلا يبقى من ذلك الجسم جزء من أجزائه لا عرق ولا مفصل ولا غيرهما إلا دخله ذلك الداء، وهو جريان لا يقبل العلاج ولا ينفع فيه الدواء. فكذلك صاحب الهوى إذا دخل قلبه أُشرب حب الهوى، لا تعمل فيه الموعظة ولا يقبل البرهان ولا يكترث بمن خالف، والعياذ بالله.

قال: فكذلك صاحب الهوى إذا دخل حب الهوى قلبه، وأُشربوا في قلوبهم العجل، مش هيك ربنا قال؟ لا يصبح صعب أن تعظه بموعظة وأن يقبل منك برهاناً؛ خلاص هو أُشرب هواه، نسأل الله العافية. فهذا مثل السرطان يعني يقول الهوى مثل السرطان إذا تفشى انتهى لا يمكن علاجه، واعتبر ذلك بالمتقدمين من أهل الأهواء؛ كمعبد الجهني وعمرو بن عبيد رؤساء المعتزلة وسواهم، فإنهم كانوا حيث لقوا مطرودين من كل جهة، محجوبين عن كل لسان.

بعدين عند كل مسلم، ثم مع ذلك هل طرد العلماء لمعبد خلاه يقول: والله بدي أتوب؟ لا، لم يزدادوا إلا تمادياً في ضلالهم، مع أنهم كانوا عايشين في زمن السلف، والسلف كانوا يطردونهم، ومع ذلك ازدادوا إصراراً على بدعهم ومداومة عليها، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً. نسأل الله العافية.

وحصل ما عولوا عليه تحكيم العقول مجردة، فشركوها مع الشرع في التحسين والتقبيح، ثم قصروا أفعال الله على ما ظهر لهم، ووجهوا عليها أحكام العقل، فقالوا: يجب على الله كذا، ولا يجوز أن يفعل كذا، فجعلوه محكوماً عليه كسائر المكلفين. ثم قصروا علل أفعال الله على ما ظهر لهم، فأصبحوا يقولون: الله يفعل كذا لعلة كذا، والله يفعل كذا لعلة كذا؛ ومن أنت حتى تحصر علة أفعال الله في شيء أو شيئين؟ فهو يتكلم عن المعتزلة الذين أصلوا أصلاً فجعلوه سبحانه وتعالى محكوماً عليه كسائر المكلفين والعياذ بالله. ومنهم من لم يبلغ هذا المقدار، بل استحسن بعقله أشياء واستقبح أخرى وألحقها بالمشروعات، ولكن الجميع بنوا عقائدهم على تحكيم العقول.

ولو وقفوا هنا لكانت الداهية على عظمها أيسر، ولكنهم تجاوزوا هذه الحدود كلها إلى أن نصبوا المحاربة لله ورسوله باعتراضهم على الكتاب والسنة، وادعائهم عليهما التناقض والاختلاف ومنافاة العقول وفساد النظر، ما هم له أهل. يعني للأسف أنهم تمادوا فحكموا أن الكتاب والسنة متناقضان، وأن الكتاب والسنة يخالفان العقل، وأن الكتاب والسنة يخالفان النظر، ومن أن يكون هو الذي فيه المشكلة؛ هم عقلك لازم يكون فيه المشكلة، هذا معنى ما هم له أهل، يعني أنت الأهل لأن يقال فيك مشكلة وفيك تناقض وفيك فساد، وحاشا الكتاب والسنة أن يكون فيه ذلك.

قال القتيبي: وقد اعترض كتاب الله تعالى بطان ملحدون، ولغوا فيه، وهجروا، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وعدلوا به عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة واللحن وفساد النظم والاختلاف. وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر والحدث الغر، واعتضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور. قال: ولو كان ما نحلوا إليهم على تقريرهم وتأولهم لسبق إلى الطعن فيهم، إن لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتج بالقرآن عليهم ويجعله للعلم. يعني لو كانت الاعتراضات التي يعترضها الملاحدة اليوم على القرآن صحيحة لسبقهم بهذه الاعتراضات كفار قريش الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا أحرص على الطعن بالقرآن من الملاحدة اليوم.

قال: ويتحدث يطعن بعد الطعن على أن يأتي بسورة من مثله، من الفصحاء والبلغاء والخطباء والشعراء، والمخصوصون من بينهم بجميع أنحاء اللدد في الخصام مع اللب والنهى وأصالة الرأي، فقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب. قريش كان عندهم من اللب والنهى وأصالة الرأي وقوة اللسان مما يجعلهم أقدر على الطعن في القرآن لو كان هناك مطعن، فيأتيك اليوم شخص أعجمي أو لا يعرف العربية ويطعن في القرآن! يا شيخ، أبو جهل ما عرف إيش يطعن في القرآن، أنت جاي تطعن في القرآن اليوم وأنت لا تعرف أساسيات اللغة العربية؟

قال: وكانوا يقولون مرة سحر، ومرة شعر، ومرة قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين، ولم يحك الله عنهم ولا بلغنا في شيء من الروايات أنهم جذبوه من الجهة التي جذبه منها الطاعنون؛ يعني ما استطاع كفار قريش أن يطعنوا في القرآن من جهة نظمه ولا من جهة معناه، وإنما قصار ما استطاع كفار قريش أن يقولوا إنه سحر، فيأتي الملاحدة فيما بعد ذلك الزمان فيطعنون في معاني القرآن ونظمه، ويقولون القرآن فيه لحن وفيه مشكلة بلاغية! يا عمي الله يرضى عليك، شو بتسولف أنت قاعد؟ هذا ما قاله وهو صحيح من حيث الاستدلال، هذا ما قاله القتيبي.

وكذلك حكي عنهم الاعتراض على الأحاديث ودعوى التناقض والاختلاف فيها، وحكي عنهم لأجل ذلك القدح في خير أمة أخرجت للناس وهم الصحابة رضي الله عنهم، واتبعوهم بالمحدثين، وقالوا ما شاؤوا، وجروا في الطعن على الحديث جري من لا يرى عليه محتسباً في الدنيا ولا محاسباً في الآخرة. هذا كثر من الملاحدة أتباع الفلسفة زي ابن سينا وأشكاله، وكثر في الرافضة القدح في الصحابة ورواية الحديث حتى يردوا الأحاديث، وقد بسط الكلام في الرد عليهم وأجاب عما اعترضوا به خطيب أهل السنة والجماعة، من خطيب أهل السنة؟ الإمام ابن قتيبة في كتابين مشهورين: تأويل مشكل القرآن وتأويل مشكل الحديث، ولعل أن يكون لنا وقفة مع هذين الكتابين فيما يبقى من أعمالنا إن شاء الله.

وهما من محاسن كتبه، حقيقة ممتاز ابن قتيبة في هذين الكتابين لأنهما خصصهما على الرد على الفلاسفة والزنادقة والملحدين في زمنه الذين حاولوا التشكيك، طبعاً ابن قتيبة متقدم، مش متأخر، من علماء القرن الثالث الهجري، تخيل أن هذه الفكرة الطعن في الكتاب والسنة ظهرت في أزمانهم من الملاحدة. ولم أرد قص بعض تلك الاعتراضات تنزيهاً للمعترض فيه، وهو الكتاب والسنة؛ جميل هذا الكلام، ما حبيت أذكر لكم بعض هذه الطعون تنزيهاً للكتاب والسنة أن أذكر ما يعترض به عليه بالتوافه كلام الملحدين، ولأن غيري والحمد لله قد تجرد لذلك، ولكن أردت بالحكاية عنهم على الجملة بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «تتجارى بهم تلك الأهواء»؛ هذا معنى كلامنا كما يتجارى الكلب.

بصير الطعن في الدين زي السرطان؛ خلص، بتلاقي واحد انتدب ليكون ملحداً ويناقش عن الملاحدة بتلاقيه زي السرطان، خلص تفشى في جسده، زي داوكنز وغيرهم. وبعد، فأهل الأهواء إذا استحكمت فيهم أهواؤهم لم يبالوا بشيء، ولم يعدوا خلاف أنظارهم شيئاً، ولا راجعوا عقولهم مراجعة من يتهم نفسه أو يتوقف بموارد الإشكال، وهو شأن من مع المعتبرين من أهل العقول. وهلا يصنف من أصناف من اتبع هواه ولم يعذل العذل فيه، وثم أصناف أخر يجمع مع هؤلاء إشراب الهوى في قلوبهم حتى لا يبالوا هم عليه.

فإذا تقرر معنى الرواية بالتمثيل صرنا منه إلى معنى آخر، وإذا فهمنا معنى الحديث «تتجارى بهم الأهواء» ننتقل إلى المسألة العاشرة، وهي أن قوله «تتجارى بهم تلك الأهواء» فيه الإشارة بـ "تلك" إلى الأهواء، فلا تكون إشارة إلى غير مذكور، ولا محالاً بها على غير معلوم، بل لا بد لها من متقدم يرجع اسم الإشارة إليه، وليس إلا ما هو... تلك تعود على ماذا؟ وليس ذلك المتقدم إلا الأحوال التي كانت السبب في الافتراق؛ إذ لو كانوا على حال لم يفترقوا، فلما اختلفت أحوالهم ظهر الافتراق، فجاءت الزيادة في الحديث مبينة أنها الأهواء، وذلك قولهم: «تتجارى بهم تلك الأهواء»؛ فالإشارة إذاً، المشار إليه ما هو؟ الأهواء، لذلك قال: «تلك الأهواء».

فالمشار إليه هي البدع، فدل على أن كل خارج عما هو عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما خرج باتباع الهوى؛ لأنه سماها أهواء، إذاً خرج عن السنة باتباع الهوى لا باتباع الشرع، وإن أبدى في الظاهر أنه متبع للشرع لكنه في الواقع متبع لهواه، وقد مر بيان هذا المعنى قبل فلا نعيده.

والمسألة العاشرة: أن قوله عليه الصلاة والسلام «وإنه سيخرج في أمتي أقوام على وصف كذا» يحتمل أمرين: أحدهما أنه يريد أن كل من دخل من أمته في هوى من تلك الأهواء ورآها وذهب إليها فإن هواه يجري فيه مجرى الكلب بصاحبه، فلا يرجع أبداً عن هواه ولا يتوب عن بدعته. والثاني: أن يريد أن من أمته من يكون عند دخوله في البدعة مشرب القلب بها، ومنهم من لا يكون كذلك، فيمكنه التوبة منها والرجوع عنها. والذي يدل على صحة الأول ما تقدم من النقل المقتضي لحجر التوبة عن صاحب البدعة.

قوله «وإنه سيخرج في أمتي أقوام»؛ هذا كأنه أصل الحديث صحيح، نعم هو أصل الحديث «وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه». الآن هو يريد أن يعلق على المقطع الأول «سيخرج من أمتي أقوام»؛ قال: هذا يحتمل معنيين: أنه يريد أن كل من دخل من أمته في هوى من تلك الأهواء ورآها وذهب إليها فإن هواه سيجري فيه مجرى الكلب ولا يمكن أن يتوب، خلصنا سرطان تفشى في جسده وصعب أن يعود. والثاني: أنه يريد أن من أمته من يكون عند دخوله في البدعة مشرب القلب بها.

هل هذا يعني أن كل أصحاب البدع ستتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب، ولا هذا وصف لبعضهم؟ يعني هذا المراد: هل كل من دخل في بدعة تتجارى به تجاري الكلب؟ أو هو يقول: سيكون في أمتي أقوام، هذا نوعهم أنهم إذا دخلوا في الهوى أصبح سرطاناً فيهم، ولكن سيبقى صنف آخر في الأمة يدخلون في الهوى لكنهم يستيقظون ويعودون؟ فهل الحديث على كل أصحاب البدع يحمل، ولا على بعضهم؟ فهمتم وين النقاش؟

فقال الذي يدل على صحة الأول أنه محمول على كل أصحاب البدع، وما تقدم من النقل المقتضي على حجر التوبة عن صاحب البدعة، وأن صاحب البدعة لا توبة له؛ هذا يدل على العموم كقوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج: «يمرقون من الدين ثم لا يعودون حتى يعود السهم على فوقه»؛ الفوق ما عرفناه، رأس السهم. وقولهم أن الله حجر التوبة على صاحب بدعة؛ هذه النصوص لو أخذتها بعمومها كلها تدل على ماذا؟ على أن جميع أصحاب البدع تتجارى بهم كما يتجارى الكلب، ولا يختص هذا ببدعة دون بدعة. ويشهد لهذا الواقع أيضاً، فإنه قلما تجد صاحب بدعة ارتضاها لنفسه يخرج عنها أو يتوب منها، قليل جداً أن يتوب المبتدع، بل هو يزداد بضلالتها بصيرة، ومع ذلك يستمر فيها.

قال الشافعي: إنه قال مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه، مثل المجنون الذي عولج حتى برئ، فأغفل ما يكون قد هاج به. الشافعي يقول: أصحاب الرأي الذين يقيسون بأهوائهم هذا مثل مجنون الذي عولج حتى برئ، فأغفل ما يكون قد هاج به.

ويدل على صحة الثاني، وأن المراد بهؤلاء بعض أصحاب البدع وليس جميعهم، أن ما تقدم من النقل لا يدل على أن المبتدع لا يمكن أصلاً أن يتوب؛ لأن العقل يجوز منطقياً أن يتوب المبتدع، والشرع إن جاء على ما ظاهره عموم أنه لا يتوب، فعمومه إنما هو باعتبار العادة، والعادة إنما تقتضي العموم في الأكثرية لا في الكل، لا انحتاك الشمول الذي يجزم به العقل إلا بحكم الاتفاق مصادفة، وهذا مبين في الأصول، وهذا هو الكلام الصحيح.

قال: مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه، مثل المجنون الذي عولج حتى برئ، فأغفل ما يكون قد هاج به.

ودل على ذلك أن قد وجدنا من كان عاملاً ببدع ثم تاب منها ورجع نفسه بالرجوع عنها، كما رجع من الخوارج من رجع حين ناظرهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكما رجع المهتدي والواثق وغيرهما، فمن كان قد خرج عن السنة ثم رجع إليها؛ وإذا حصل تخصيص العموم بمفرد لم يبق اللفظ عاماً وحصل الانقسام. وهذا الثاني هو الظاهر لأن الحديث أعطى أوله، وهذا الثاني هو الظاهر، إذاً الشاطبي يرى أن حديث «تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب» ليس كل صاحب بدعة يصاب بسرطان البدعة، وإنما يمكن لبعضهم أن يتوب؛ لأن الحديث أعطى أوله أن الأمة تفترق ذلك الافتراق من غير إشعار بإشرابه أو عدمه، ثم بين أن في أمته المفترقين عن الجماعة من يشرب تلك الأهواء، فدل أن فيه من لا يشربها وإن كان من أهلها. أنه قال: «وإنه سيخرج في أمتي أقوام»؛ هذا نص منتصف حديث.

قال: ﴿وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ﴾، وأما أصل الحديث صفحة ٦٩، وأصل الحديث ما هو؟ وأنت لازم تقرأ أصل الحديث حتى تفهم.

نعم، أصل الحديث هو هكذا: «وإن هذه الأمَّة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة»، ثم زاد: «وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء». فهو ذكر ذلك في ضمن حديث الافتراق فرقة تمام، فكأنه ذكرهم صنفاً من الـ ٧٢ سيكون هذا حالهم، أن البدع تنتشر فيهم ولا يمكن أن يرجعوا، وليس المراد أن كل الـ ٧٢ الذين في النار لا يمكن أن يتوب أحد منهم؛ فهذا صنف منهم، ليسوا جميعاً كذلك، هذا حالهم.

ويبدو أن يريد أن في مطلق الأمة من يشرب تلك الأهواء، إذ كان يكون في الكلام نوع من التداخل الذي لا فائدة فيه، فإذا تبين أن المعنى أنه يخرج في الأمة المفترقة بسبب الهوى من تجارى بهم ذلك الهوى، استقام الكلام واتسق. وعند ذلك يتصور الانقسام، وذلك بأن يكون قال: هذا احتمال ثالث ذكره، أن من أشربها ناصب عليها بالدعوة إليها المقترنة بالخروج على الجماعة والسواد الأعظم، وهذه خاصية الخوارج الذين يكفرون من خالفهم ويقاتلونه. ليست فقط قضية أن يكفر المخالف، هي مش فقط عند الخوارج، بل حتى كثير من الفرق اليوم تكفر مخالفيها؛ كالرافضة يكفرون، وكثير من الأشاعرة يكفرون أهل السنة، وهكذا.

ومثل ما حكى ابن العربي في العواصم، نعم ضيعت شوي ما انتبهت، الثالث نعم، ما عندنا القول وين القول الثالث؟ أنا اللي ضيعت يا جماعة، الاحتمال الثالث جد، وهذا الثاني هو الظاهر لأنه أعطاه إمامة. ويبعد أن يريد أن في مطلق الأمة من يشرب تلك الأهواء، إذ كان يكون في الكلام نوع من التداخل الذي لا فائدة فيه، فإذا تبين أن المعنى أنه يخرج في الأمة المفترقة بسبب الهوى من يتجارى بهم ذلك الهوى استقام الكلام واتسق.

وعند ذلك يتصور الانقسام؛ وذلك بأن يكون في الفرقة الواحدة من يتجارى به الهوى كدجال الكلب ومن لا يتجارى به ذلك المقدار. إذاً، في كل فرقة من الفرق هناك من تكبر فيه الهوى والبدعة، وهناك في كل الفرق الإسلامية من يكون قابلاً للإصلاح، كل فرقة، وهذا كلام صحيح يساعدك على الدعوة؛ لأنه إذا أنا أقول كل الفرقة هذه لا يمكن أن يتوب منها أحد، معناتها فش فائدة أن أدعوهم إلى السنة.

قال: ومن لا يتجارى بذلك المقدار، لأنه يصح أن يختلف التجاري، فمنهم من يكون في الغاية حتى يخرج به إلى الكفر أو يكاد، ومنهم لا، ما لا يكون كذلك. فمن القسم الأول الخوارج بشهادة الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، ومنه هؤلاء الذين أغرقوا في البدعة حتى اعترضوا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن تكفير أحق من غيره ممن لم يبلغ مبلغهم. ومن القسم الثاني أهل التحسين والتقبيح على الجملة، إذ لم يؤدهم عقلهم إلى مثل ما تقدم، منه مذهب الظاهرية على رأي من عده من البدع، وما أشبه ذلك. وذلك أقول يعني جيد، اعتبر المعتزلة من القسم الثاني أهل التحسين والتقبيح، ومنه مذهب الظاهرية الذين يمكن أن يتوبوا على رأي من عدها من البدع.

على ذلك نقول: إن من خرج من الفرق ببدعة، وإن كانت جزئية، فلا يخلو صاحبها من تجاريها في قلبه وإشرابها له، لكن على قدرها، وبذلك أيضاً تدخل تحت ما تقدم من الأدلة، لا توبة له. ولكن التجارية المشبهة بالكلب لا يبلغها كل صاحب بدعة، إلا أنه يبقى وجه التفرقة بين من أشرب قلبه بدعة من البدع ذلك الإشراب، وبين من لم يبلغه ممن هو معدود في الفرق؛ فإن الجميع متصل، إلا أنه يبقى علينا أن نعرف وجه التفرقة بين من أشرب قلبه بدعة حتى تجارَت به، وبين من عنده بدعة لكن لم يبلغ حد الإشراب، ويكون كلاهما من الفرق الـ ٧٢.

يعني الفرق الـ ٧٢ بناء على هذا الكلام منها ناس أشربت حتى تجارى بها الكلب، ومن الفرق الـ ٧٢ في النار من عنده هذه البدعة لكنه لم يشربها، فيبقى أن نعرف ما الفرق بين هؤلاء وهؤلاء، فإن الجميع متصفون في النهاية بوصف الفرقة التي هي نتيجة العداوة والبغضاء.

والفرق بينهما والله أعلم أحد أمرين: أما أن يقال إن الذي شربها من شأنه أن يدعو إلى بدعته فيظهر بسببها الموالاة والمعاداة، والذي لم يشربها لا يدعو إليها ولا ينتصب للدعاء. نقول إذاً هو أن من يدعو إلى بدعته أشربها، ومن لم يدعُ إلى بدعته فهو لم يشربها بعد. ووجه ذلك أن الأول لم يدعُ إليها إلا وهي قد بلغت من قلبه مبلغاً عظيماً بحيث يطرح ما سواها في جنبها حتى صارت بصيرته لا ينثني عنها، وقد أعمت بصره وأصمت سمعه واستولت على كليته وأغايته المحبة، ومن أحب شيئاً هذا النوع من المحبة لا يبالي بما لقي في طريقه، بخلاف ما لم يبلغ ذلك المبلغ، فإنما هي عنده بمنزلة مسألة علمية حصلها ونكتة اهتدى إليها فهي مدخرة في خزانة حفظه، يحكم بها على من وافق أو خالف، لكن بحيث يقدر على إمساك نفسه عن الإظهار مخافة الإنكار أو القيام عليه بأنواع الضرر. ومعلوم أن كل من داهن على نفسه في شيء وهو قادر على إظهاره لم يبلغ منه ذلك الشيء مبلغ الاستيلاء، فكذلك البدعة إذا استخفى بها صاحبها.

كلام عظيم، كلام عظيم؛ أن أصحاب البدع اللي بتشوفه قاتل حاله عليها ونازل في الناس عن جنب وطرف، هذا أشربها. بس في بعض أصحاب البدع بكون سمعها من دكتور في جامعة، تعامل معها لأنها فائدة علمية، بس مش ماخذ الموضوع بتأزم أنه لا، اللي بيخالفني فيها لا، هو ماخذها كفائدة علمية، ممكن يعتبر أن المخالف فيها مخطئ، بس لم تبلغ عنده مبلغ التشرب، بدليل أنه لا يوالي ويباري عليها. فهذا هو الفرق بين من تمسكت البدعة في نفسه ومن البدعة ما زالت طرية، وهذا بيساعدك في أنك تتقصد هؤلاء في دعوتك؛ طلاب الجامعة المبتدئين اللي ممكن يكونوا سمعوا من بعض الدكاترة بدعاً، الناس اللي بتلاقيه مش عامل كبير مشكلة معك ومش معاديك، اعرف أنه ما زالت البدعة في نفسه خفيفة قابلة للإزالة، أما اللي عم يقاتل وبيوالي وبيكفر عليها، أموره صعبة.

وأما أن يقال إن من أشربها ناصب عليها بالدعوة المقترنة بالخروج عن الجماعة والسواد الأعظم، هي الخاصية التي ظهرت في الخوارج وسائر من كان على رأيهم، ومثل ما حكى ابن العربي في العواصم، قال: أخبرني جماعة من أهل السنة بمدينة السلام أنه ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الصوفي من نيسابور، فعقد مجلساً للذكر وحضر فيه كافة الخلق، وقرأ القارئ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، قال لي أخصهم، فرأيت الحنابلة يقومون في أثناء المجلس ويقولون: قاعد قاعد، بإخفاء صوت وبعده مدى، وتثأر إليهم أهل السنة وأصحاب القشيري.

قال ابن العربي: فقال لي أخص من حضر هذا المجلس، قال: فرأيت الحنابلة يقومون في أثناء المجلس ويقولون قاعد قاعد، يعني مصرين على إثبات الاستواء على العرش، فوالعياذ بالله هؤلاء مغفلوهم، طبعاً فأرادوا أن يكيدوا بالاشعرية أن الله مستوٍ على العرش، فأصبحوا يقعدون ويجلسون، يقومون ويجلسون إثبات أنه قعود حقيقي، بس ما بيطلع لك، يقومون في أثناء المجالس بغير صوت وأبعده مدى يصرخون كما يفعل بعض المغفلين، وثارت إليهم أهل السنة، طبعاً أهل السنة أشاعرة من أصحاب القشيري ومن أهل الحضرة وتثاورت الفئتان، وغلبت العامة فأحرجوهم، المدرسة النظامية يعني طردوهما، أو ألجأوهم إلى المدرسة النظامية وحصروهم فيها ورموهم بالنشاب فمات منهم قوم، وركب زعيم الكفاة -يعني هذا كانه رجل منصب- وبعض الدارية فسكنوا، يعني دنيا دم ودخلت الدنيا ببعضها مشان بعض المغفلين يقع في هذا.

قال: فهذا أيضاً من قبيل من أشرب قلبه حب البدعة حتى أداه ذلك إلى القتال، فكل من بلغ هذا المبلغ حقيق بأن يوصف بالوصف الذي وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم أنه يتجارى الكلب به، وأن يعد من ذلك الحزب. وكذلك هؤلاء الذين دخلوا على الملوك فأدلوا إليهم بالحجة الواهية، وصغروا في أعينهم حملة السنة وحماة الملة، حتى وقفوهم مواقف البلوى، وأذاقوهم مرارة البأساء والضراء، وانتهى بأقوام إلى القتل، ويقصد بها فتنة أحمد بن حنبل لما قُتل بسبب علماء المعتزلة الذين وقفوا مع المأمون، وانتهى بأقوام إلى القتل، استشهد في فتنة خلق القرآن الكثير من العلماء حسب ما وقعت المحنة به زمان بشر المريسي في حضرة المأمون بن أبي دؤاد.

فإن لم تبلغ البدعة بصاحبها أن يناصب هذه المناصبة فيحمل السيف، فهو إذاً غير مشرب حبها في قلبه كالمثال في الحديث. وكم من أهل البدع لم يقوموا ببدعتهم قيام الخوارج وغيرهم، بل استسروا بها جداً ولم يتعرضوا للدعاء، أي للدعوة إليها جهاراً كما فعل غيرهم، ومنهم من يعد في العلماء حتى والرواة وأهل العدالة بسبب عدم شهرتهم بمن نحلوه، مثل عمران بن حطان وغيره ممن روى لهم البخاري، يعني هم كانوا عندهم فكر خوارج شوي، لكن ليس كحال غيرهم، فهذا الوجه يظهر أنه أولى الوجوه بالصواب. إذاً الشاطبي مغرم بقضية ضبط الحديث، متى نعتبر الشخص تجارى به البدعة كما يتجارى الكلب؟ الاحتمال الأول أن إذا بدأ يدعو ويوالي ويباري عليها، الاحتمال الثاني لا نعتبر أن البدعة أصبحت كالجرب فيه إذا أصبح يقاتل عليها، وهو يرجح الاحتمال الثاني، أن من تمكنت منه البدعة فهو الذي يقاتل عليها، لذلك قال فهذا الوجه يظهر أنه أولى، ليس مجرد دعوته تجعلنا نقول إن تجارى به، لا بد أن يقاتل.

المسألة الحادية عشرة، نعم، ومسألة الحادية عشرة أن هذا الإشراب المشار إليه يختص ببعض البدع دون بعض أم لا يختص؟ وذلك أنه يمكن أن تكون بعض البدع من شأنها أن تشرب قلب صاحبها جداً، ومنها ما يكون كذلك، فالبدعة الفلانية مثلاً من شأنها أن يتجارى بها صاحبها كما يتجارى الكلب بصاحبه، والبدعة الفلانية ليست كذلك. جميل، يعني في بعض البدع هي طبيعتها بتعمل عدوى، بتعمل كلب، وفي بعض البدع والأفكار لا، هي بطبيعتها بتعمل هذه العدوى.

فهنا يسأل الشاطبي: هل يمكن أن تكون بعض البدع بطبيعتها بتعمل عدوى وبعض البدع بطبيعتها ما بتعمل؟ يعني بدعة المولد النبوي أو ما شابه ذلك هي بطبيعتها بتصير زي الكلب ليه؟ لأن الناس بتحب الاحتفالات، خاصة الناس بتحب الأجواء الاحتفالية، لكن في بعض البدع الفلسفية اللي أتى فيها ابن سينا بجوز لا تستهوي أكثر الناس ما بتعمل كلب وانتشار زي بعض البدع الأخرى.

قال: فبدعة الخوارج مثلاً في طرف الإشراب، كبدعة المنكرين القياس في الفروع الملتزمين الظاهر في الطرف الآخر، ويمكن أن يجري ذلك في كل بدع العلوم، فيكون من أهلها من أشربت قلبه، ومنهم من لم تشرب قلبه ذلك الإشراب، يقصد إشراب الهوى. يعني بدعة الخوارج بالنسبة للإشراب هل هي تعتبر مشربة في نفوسهم؟ وهل هي كبدعة المنكرين للقياس في الفروع الملتزمين الظاهر، يقصد الظاهرية في الطرف الآخر؟ كانه يرى أنها بدعة تقبل الانتشار بقوة، بخلاف المنكرين للقياس في الفروع الملتزمين الظاهر في الطرف الآخر، كانه يرى أنها بدعة تقبل الشفاء، يعني ليست في شدتها كبدعة الخوارج، ويمكن أن يجري ذلك في كل بدعة على العموم فيكون من أهلها من أشربت قلبه ومنهم من لم تشرب قلبه ذلك الإشراب. وهذا الثاني أظهر، وأنا أتفق معه أن كل بدعة، مش بعض البدع، أن كل بدعة تقبل الإشراب عند بعض الناس وتقبل عدم الإشراب عند آخرين دون الحاجة أن يقول إن هذه البدعة إشرابية وهذه البدعة غير إشرابية، يعني ما في داعي، كل بدعة هي تقبل هذا وهذا. نعم، صح، يعني في بدع أحسنت بطبيعتها أكثر انتشاراً، بس هي أكثر انتشاراً في الناس، بس.

هنا نحن نتكلم عن الشخص بنفسه: هل هذا الشخص بنفسه أشربها أو لم يشربها؟ هذه في اعتقادي ما لها علاقة بنوعية البدعة، أما الانتشار الأفقي في الناس؛ فنعم، لها علاقة بنوعية البدعة.

قال: ويتبين هذا بالأمثلة. شوف هذه الأمثلة؛ قال: هذه بدعة القدر، فإن من أهلها من تتجارى به كما يتجارى الكلب بصاحبه، ككامل بن عبيد؛ فحسب ما تقدم النقل عنه أنه أنكر بسبب القول به سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]، وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11]. ومنهم من لم يبلغ به الحال لهذا النحو؛ كجملة من علماء المسلمين كالفارسي النحوي وابن جني. نعم ابن جني مشهور أنه كان معتزلياً صاحب الخصائص في اللغة، لكن لم يكن منشغلاً كثيراً بها. وحتى كثيراً أعتقد من علماء الحديث كالنواوي وغيرهم، وإن كان يتكلم بعقائد الأشعرية؛ لكن ما تجد عنده ذاك النفس الذي عند الرازي، ولا تجد النفس الذي عند التفتازاني وهؤلاء في شدة النظر في هذه الأمور. كذلك ابن حجر على ما وقع فيه، في بعض ما بتشعر عنده ذلك النفس؛ فهذا فرق بين الرازي والنواوي؛ يعني لا تستطيع أن تجعلهما في نفس الحلبة؛ لأن ذاك الرجل بكل قوة يتكلم، فتشعر أنه أشرب بدعته، بخلاف النواوي رحمه الله عليه. تمام، لكن هو في الأصل أشعري، نحن ما بدنا نقع في مغالطة؛ هو أشعري لكن قد يخالف الأشعرية في بعض التفاصيل الفرعية.

والثاني: بدعة الظاهر، وهي إنكار القياس. قال: فإنها تتجارى بقوم حتى قالوا عند ذكر قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، وأعلنوا بذلك، لا ويصب تحت الظاهر، وهو التمسك بظاهر نصوص الصفات، كما فعل بعض الحنابلة لما أرادوا أن يشبهوا الله بهم والعياذ بالله، فأصبحوا يقعدون تشبيهاً والعياذ بالله، وأعلنوا بذلك وتقاتلوا عليه، ولم تبلغ بقوم آخرين ذلك المقدار كداود بن علي في الفروع وأشباهه. يعني هو معتبر أن بدعة الظاهر تشمل مذهب الظاهرية وتشمل الحنابلة الذين يأخذون بظاهر النصوص والصفات، يعني جعلها بدعة مشتركة.

والثالث: بدعة التزام الدعاء بأدبار الصلوات دائماً على الهيئة الاجتماعية، فإنها بلغت ببعض أصحابها إلى أن كان الترك لها موجباً للقتل عنده. حكى القاضي أبو الخطاب بن خليل حكاية عن عبد الله بن مجاهد العابد أن رجلاً من عظماء الدولة وأهل الوجاهة فيها، وكان موصوفاً بشدة السطوة وبسط اليد، نزل في جوار ابن مجاهد وصلى خلفه في مسجده الذي كان يؤم فيه، وكان ابن مجاهد لا يدعو بعد الصلاة؛ تصميماً في ذلك على مذهب مالك؛ لأنه مكروه في مذهبه، وكان ابن مجاهد محافظاً عليه. فكره ذلك الرجل منه ترك الدعاء وأمره أن يدعو، فأبى وبقي على عادته في تركه في أعقاب الصلوات. فلما كان في بعض الليالي صلى ذلك الرجل العتمة في المسجد، فلما انقضت وخرج ذلك الرجل إلى داره، قال لمن حضره من أهل المسجد: قد قلنا لهذا الرجل يدعو بعد الصلوات فأبى، فإذا كان في غدوة غد أضرب رقبته بهذا السيف، بس يقطع رأسه بس لأنه ما بيدعي بعد الصلوات! وأشار إلى سيف في يده. فخافوا على ابن مجاهد من قوله لما علموا منه، فرجعت الجماعة بجملتها إلى دار ابن مجاهد فخرج إليهم وقال: ما شأنكم؟ فقالوا: والله لقد خفنا عليك من هذا الرجل، وقد اشتد الآن غضبه عليك في تركك الدعاء. فقال لهم: لا أخرج عن عادتي. فأخبروه بالقصة، فقال لهم متبسماً: انصرفوا ولا تخافوا، فهو الذي تضرب رقبته غدوة غد بذلك السيف بحول الله. ودخل إلى داره وانصرفت الجماعة.

فلما كان من الصبح من الغد، وصل إلى دار الرجل قوم من صنفه من عظماء الدولة وحملوه حمل المغضوب عليه. فتبعه قوم من أهل المسجد ومن علم حال البارحة، حتى وصلوا به إلى دار الإمارة بباب جوهر في مدينة إشبيلية، وهناك أمر بضرب رقبته؛ اللي كان بده يضرب عنق الإمام شو صار؟ المهم جاء ناس من الجيش ماخذينه وضربوا رقبته على باب القرية؛ فضرب بسيفه ذلك تحقيقاً للإجابة وإثباتاً لكرامة ابن مجاهد؛ فعلاً قتل الذي أراد قتل ابن مجاهد.

وقد روى بعض الإشبيليين الحكاية بمعنى هذه لكن على نحو آخر: ولما رد ولد بن الصقر على الخطيب في خطبته وكذبه حين فاه باسم المهدي وعصمته، أراد المرتضى من ذرية عبد المؤمن -وهو إذ ذاك خليفة- أن يسجنه على قوله، فأبى الشيوخ والوزراء من فرقة الموحدين إلا قتله، فأغلبوا على أمره فقتلوه خوفاً أن يقول ذلك غيره فتختل عليهم القاعدة التي بنوا دينهم عليها. وقد لا تبلغ البدعة في الإشراب ذلك المقدار، فلا يتفق الخلاف فيها بما يؤدي إلى مثل ذلك. فهذه الأمثلة بينت بالواقع مراد الحديث على فرض صحته؛ فإن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم إنما يكون أبداً على وفق مخبره من غير تخلف البتة، ويشهد لهذا التفسير استقراء أحوال الخلق من انقسامها إلى الأعلى والأدنى والأوسط؛ كالعلم والجهل، والشجاعة والجبن، والعدل والجور، والجود والبخل، والغنى والفقر، والعز والذل، وغير ذلك من الأحوال والأوصاف؛ فإنها تتردد ما بين طرفين، فعالم في أعلى درجات العلم وآخر في أدنى درجاته، وجاهل كذلك، وشجاع كذلك، إلى سائرها؛ فكذلك سقوط البدع في النفوس.

جميل هذا الكلام، سقوط البدع في النفوس له علاقة بطبائع النفوس، فهمتم ماذا يقول؟ هذا كلام نفيس حقيقة، أنه في نفس بطبيعتها فيها نفس جريئة قوية، هو شخص أصلاً عنيف؛ يعني عفواً أنا هذا ألاحظه في بعض الشباب اللي بيكونوا -سامحونا على الكلام هذا- همل غير ملتزمين وزعران، بيلتزم بس بيلتزم على فكر اندفاعي؛ هذا إذا التزم على فكرة اندفاعية ما تقدر توافقه، وعادة كثير منهم بيروحوا على طريقة الخوارج. بس شوف شخص لا هو بطبيعته شب هيك تربى ببيت مسكين دوبه بيحكي كلمتين، بيكون مثلاً مش ملتزم، بيلتزم، بيختار أي نوع من الالتزام؟ الالتزام الهادئ. هذا نوع بسبب طبائع النفوس، وبيقول لك هكذا البدع لما تدخل في نفوس الناس، في واحد بيشرب بدعة بس هو طبعه هادي بتلاقي يا أخي أنا ما بدي مشاكل، وفي واحد بيتلقى بدعة وهو أصلاً شرس طبيعته عنيف؛ فهذا بدك تتوقع منه العنف، أليس كذلك؟ هذا كلام عظيم حقيقة، الشاطبي وهو بيتكلم هذا الكلام إخواني بيعطي قواعد في علم النفس وعلم الاجتماع، هو كتاب عظيم حقيقة، هذا الكلام يجب أن تعيد قراءته لتفهم ما الذي يحصل.

المسألة الثانية: بيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى؛ فإن أصل الكلب واقع بالكلب، فثم إذا عض ذلك الكلب أحداً صار مثله، ولم يقدر على الانفصال عنه في الغالب إلا بالهلكة. كذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله، فقل ما يسلم من غائلته، بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من شيعته، وإما أن ينبت في قلبه شكاً يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر عليه. وهذا بخلاف سائر المعاصي؛ فإن صاحبها لا يضر مصاحبه ولا يدخله فيها غالباً إلا مع طول الصحبة والأنس به والاعتياد لحضور معصيته. وقد أتى في الآثار ما يدل على هذا المعنى.

أيضاً لماذا النبي صلى الله عليه وسلم اختار داء الكلب بذاته؟ لماذا قال إن أصحاب الأهواء عندهم داء الكلب؟ لأنه هذا داء معدٍ، فهو يصاب به بعدين يعدي غيره؛ لأن هذا الداء شو طبيعته؟ قال هذا أصلاً في العلوم الصحية والطبية هو أصلاً مرض يغزو الكلب، ثم هذا الكلب يعض الآدمي فينتقل إلى الآدمي ثم يصبح ينتشر، فهمتم؟ قال فكذلك البدعة: أنت أولاً تتشربها ثم تصبح تدعو إليها الناس، فإما شخص يتبعك وإما شخص على الأقل يقع في نفسه شك وشبهة. فهذا اختيار الكلب هنا مقصود منه صلى الله عليه وسلم للدلالة على كيف تصبح البدع معدية كما أن مرض الكلب معدٍ، وهذا بخلاف المعاصي فإنها ليست معدية في العادة؛ فإن صاحبها لا يضر من صاحبه ولا يدخله فيها غالباً، وهي حتى هي تعتمد على طبيعة الشخص؛ لأنه أحياناً برضه أصحاب المعاصي بيجروا ناس معهم للمعصية، قالها لذلك قال: ولا يدخلوا فيها إلا مع طول الصحبة والأنس به؛ يعني أنت لو شفت شخص يعصي وأنت مش صاحبك هو في العادة ما بتعمل زيه، شفت شخص بدخن مش في العادة ما بتتمنى أن تصبح زيه أو لا يلقي هذا شبهة في نفسك.

وقد أتى في الآثار ما يدل على هذا المعنى، فإن السلف الصالح نهوا عن مجالسة أهل البدع ومكالمتهم وسماع كلامهم وأعرضوا في ذلك، وقد تقدم منه في الباب الثاني آثار جمة. ومن ذلك أثر ابن مسعود: من أحب أن يكرم دينه فليعتزل مخالطة السلطان ومجالسة أصحاب الأهواء. وعن حميد الأعرج: قدم غيلان مكة، فأتى غيلان مجاهداً فقال: يا أبا الحجاج، بلغني أنك تنهى الناس عني وتذكرني؟ بلغك عني شيء لا أقوله؛ فذكر له عقيدته، فجاء بشيء لا ينكره، فلما قام قال مجاهد: لا تجالسوه فإنه قدري؛ يعني غيلان لما طرح ذكره على مجاهد طرح الأفكار التي هو متفق عليها مع مجاهد، ما طرح الأفكار التي مجاهد بخالفه فيها، فعرض غيلان وقال إنما أقول كذا، فجاء بشيء لا ينكره مجاهد عليه؛ فلما قام قال مجاهد: لا تجالسوه؛ ليش؟ قال هو قدري، بس ما حكى الشغلة اللي عارف إني أنا بنكرها عليه.

قال حميد: فبينما يوماً في الطواف لحقني غيلان من خلفي فجبذ ردائي، فالتفتُّ، فقال: كيف يقرأ مجاهد حرف كذا وكذا؟ فأخبرته كيف يقرأ، فمشى معي، فبصرني مجاهد مع غيلان، فأتيته فجعلت أكلمه -حميد بقول رحت عند مجاهد عم بكلمه- مجاهد بطل يرد علي وسأله، فلا يعجبني. قال: فغدوت إليه فوجدته على تلك الحال، فقلت: يا أبا الحجاج أبلغك عني شيء؟ أحدثت حدثاً ما لي؟ قال: ألم أرك مع غيلان وقد نهيتكم أن تكلموه أو تجالسوه؟ غيلان هذا غيلان القدري أحد رؤوس المعتزلة. فقلت: يا أبا الحجاج ما ذكرت قولك وما بدأته، هو بدأني؛ يعني أنا ما قعدت أحكي معه هو اللي دخل علي في الطواف وبدأ يتكلم معي أنا بس رديت عليه. فقال: والله يا حميد لولا أنك عندي مصدق ما نظرت لي في وجه منبسط؛ ما عشت -يعني عمري ما ببتسم في وجهك- أو إن عدت لا تنظر لي في وجه منبسط، أوعى أشوفك.

فهذه آثار تنبهك على ما تقدمت إشارة الحديث إليه، إن كان مقصوداً إشارة الحديث إليه إيش هو؟ أن البدع معدية، فهذه الآثار تنبهك لماذا السلف شددوا على عدم مجالسة أهل البدع. لما أقول لك لا تدرس عند شيخ مبتدع، لا تفكرني بدي أحجر عليك، بعض الطلاب يسألني أنا بقول له لا تدرس عند شيخ مبتدع إلا في الضرورة؛ لأن البدع معدية، وهذا حصل مع كثير من الطلاب نصحتهم فضاعوا، أنت مش أقوى من البدع، والبدع تلقي في قلبك شبهة. تأثير كلام صاحب البدعة في القلوب معلوم.

وثم معنى آخر قد يكون من فوائد تنبيه الحديث بمثال داء الكلب، فائدة أخرى لماذا النبي صلى الله عليه وسلم شبه البدع بأنها كداء الكلب؟ التنبيه على السبب في بعد صاحب البدعة عن التوبة، إذ كان مثل المعاصي الواقعة بأعمال.

العباد قولا أو فعلا أو اعتقادا، كمثل في الأمراض النازلة بجسمه أو روحه، فأدوية الأمراض البدنية معلومة، وأدوية الأمراض العملية التوبة والأعمال الصالحة. وكما أن من الأمراض البدنية ما يمكن فيه التداوي، ومنه ما لا يمكن فيه التداوي أو يعسر كالكلب، كذلك في أمراض الأعمال؛ فمنها ما يمكن فيه التوبة عادة، ومنها ما لا يمكن.

جميل، ويريد أن يقول إن الأمراض القلبية كالامراض البدنية؛ فالأمراض البدنية فيها مرض لا يرجى برؤه -مشك عند الفقهاء- ومرض يرجى برؤه، قال: كذلك أمراض القلوب، فمنها ما لا يرجى برؤه كالبدع، ومنها ما يرجى برؤه كالمعاصي والذنوب.

فلذلك شبه النبي ﷺ البدع بداء الكلب؛ لأن داء الكلب داء بدني لا يرجى برؤه، فكذلك البدع داء قلبي لا يرجى برؤه. فالمعاصي كلها غير البدع يمكن فيها التوبة، من أعظمها وهو الكبائر إلى أدناها وهو اللمم؛ لأن اللمم التي هي الصغائر والبدع أخبرنا فيها أخبارين، كلاهما يفيد أنه لا توبة منها.

الإخبار الأول ما تقدم في ذم البدع من أن المبتدع لا توبة له، هذا النص ورد عن كثير من الصحابة والسلف من غير تخصيص. والإخبار الآخر ما نحن في تفسيره الآن، وهو تشبيه البدع بمرض لا يرجى فيه من الأمراض، يعني لا شفاء منه كالكلب؛ فأفاد أنه لا يرجى من ذنب البدع في الجملة من غير اقتضاء العموم، لأنه في استثناء، بل اقتضى أن عدم التوبة مخصوص بمن تجارَى به الهوى كما يتجاري الكلب بصاحبه. وقد مر أن بعض أصحاب البدع لا يتجاري بهم ذلك الهوى.

وتبين الشاهد عليه، فنشأ من ذلك معنى آخر زائد من فوائد الحديث، وهي الفائدة عند الشاطبي بتجريد فائدة جديدة، وهي المسألة الرابعة والعشرون، أعظم من تكلم عن حديث الافتراق الشاطبي، ذكر له من الفوائد والتحقيقات كل هذا الكلام على حديث الافتراق.

المسألة الرابعة والعشر: ما هو أن من تلك الفرق من لا يرجى هو البدعة، ذلك الإشراب، فإذا أمكن منه أن يتوب، وإذا أمكن في أهل الفرق أمكن في من خرج عنهم وهم أهل البدع الجزئية. يعني إذا كان أصحاب البدع الكلية كالجهمية والخوارج والشيعة يمكن أن يتوب بعضهم، فمن باب أولى أن أصحاب البدع الجزئية يمكن أن يتوب بعضهم.

فإما أن نرجح ما تقدم من الأخبار على هذا الحديث، الأخبار أنه لا توبة لمبتدع؛ لأن هذه الرواية في إسنادها شيء، وأعلى ما تجري في الحسان وفي الأحاديث الأخرى ما هو صحيح، كقوله: ﴿يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ رَمِيَّتِهِ﴾ ثم لا يؤدون حتى يعود السهم على رميته وما أشبهه.

وأما أن نجمع بينهما، فنجعل النقل الأول عمدة في عموم قبول التوبة، ويكون هذا الإخبار أمرا آخر زائدا على ذلك، إذ لا يتنافيان؛ بسبب أن من شأن البدع بدع مصاحبة الهوى، وغلبة الهوى للإنسان في الشيء المفعول أو المتروك له أبدا أثر فيه. والبدع، نعم، قال: والبدع كلها تصاحب الهوى، ولذلك سمي أصحابها أهل الهوى، فوقعت التسمية بما هو الغالب عليهم؛ إذ العمل مبتدع، وإنما نشأ عن الهوى مع شبه دليل لا عن الدليل بالفرض، فصار هوى مصاحبه دليلا شرعيا في الظاهر، فكان أحرى في الوقوع من القلب موقع السويداء.

ثم إنه يتفاوت، إذ ليس في رتبة واحدة، ولكنه تشريع كله، فاستحق صاحبه ألا توبة له، عافانا الله من النار بفضله. واما أن نعمل هذا الحديث مع الأحاديث الأولى على فرض العمل به، ونقول إن ما تقدم من الأخبار عامة وهذا يفيد خصوصا كما تقدم تفسيره، أو يفيد معنى يفهم منه الخصوص وهو الإشراب في أعلى المراتب مسوق مساق التبعيض؛ لقوله: «وإنه سيخرج من أمة الإسلام أقوام»، إلى آخره، فدل على أن ثم أقواما آخر لا تتجاري بهم تلك الأهواء، وعلى ما قال بل على أدنى من ذلك وقد لا تتجاري بهم ذلك. وقال هذا التفسير بحسب ما أعطاه الموضع، وتمام المسألة قد مر في الباب الثاني والحمد لله، لكن على وجه لا يكون في الأحاديث كلها تخصيص، وبالله التوفيق.

المسألة الخامسة: أنه جاء في بعض روايات الحديث -أعظمها- «فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال»، فجعل أعظم تلك الفرق فتنة على الأمة أهل القياس؛ ولا كل قياس، بل القياس على غير أصل، فإن أهل القياس متفقون على أنه على غير أصل لا يصح، وإنما يكون على أصل من كتاب أو سنة صحيحة أو إجماع معتبر.

فإذا لم يكن القياس أصلا هو القياس الفاسد، فهو الذي لا يصح أن يوضع في الدين؛ فإنه يؤدي إلى مخالفة الشرع، وأن يصير الحلال بشرع حرام بذلك القياس، والحرام حلالا، فإن الرأي من حيث هو رأي لا ينضبط إلى قول شرعي إذا لم يكن له أصل شرعي، فإن العقول تستحسن ما لا يستحسن شرعا وتستقبح ما لا يستقبح شرعا. وإذا كان كذلك صار القياس على غير أصل فتنة على الناس.

ثم أخبر في الحديث أن المعاملين لهذا القياس أضروا على الناس من سائر أهل الفرق وأشدوا فتنة، وبيانه أن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها أو استفاضت، وأهل الهوى مقمعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة، بخلاف الفتية، فإن أدلتها من الكتاب والسنة قد لا يعرفها الأفراد ولا يميز ضعيفها من قويها إلا الخاصة، وقد ينتصب للفتية والقضاء ممن يخالفها كثير.

جميل، يقول لك لماذا القياس بالرأي يعتبر من أشد البدع؟ لأن الفرق الأخرى كالخوارج والمعتزلة بدعهم بطلانها ظاهر من الكتاب والسنة، أما القياس بالرأي، أنت شو اللي بيعرفك أن هذا الشيخ الذي يفتي على التلفزيون يفتي بعلمه ولا برأيه؟ العامي صعب يميز، ممكن يميز الشيعي، ممكن يميز الخارجي، ممكن يميز القدري، بس صعب يميز الشيخ الذي يفتي بعلم والشيخ الذي يتحدث برأيه وهواه؛ فلذلك عظمت فتنة القياس بالرأي على سائر الفرق.

وقد جاء مثل معناه محفوظا من حديث ابن مسعود: «ليس عاميا أذى والذي بعده شر منه»، لا أقول إنه شر منه من حيث الخصب، لا، ممكن يكون العام...

الأول أخصب من العام الأول، لا أقول عام أمطر من عام ولا أمير خير من أمير، ولكن ما معنى أن الشر يزداد في آخر الزمان؟ ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، هذا موطن الشاهد فيهدم الإسلام ويثلم تصدر غير المتعلمين للفتيا. وهذا الذي في حديث ابن مسعود موجود في الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: «ولكن ينزعه بقبض العلماء، فيبقي الناس رؤوساً جهالاً فيستفتون فيفتون برأيهم». أي يقولون ويقيسون بعقلهم، وقد تقدم في ذم الرأي آثار مشهورة عن الصحابة والتابعين تبين فيها أن الأخذ بالرأي يحل الحرام ويحرم الحلال.

ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأي لا يمكن أن يكون المقصود بها ذم الاجتهاد على الأصول في نازلة لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع ممن يعرف الأشباه والنظائر، هذا أكيد ليس مذموماً، ويفهم معاني الأحكام فيقيس قياس تشبيه أو تعليل قياساً لم يعارضه ما هو أولى منه؛ فإن هذا ليس فيه تحليل الحرام ولا العكس. وإنما القياس الهادم للإسلام ما عارض الكتاب والسنة أو عارض ما كان عليه سلف الأمة أو عارض معانيها المعتبرة، يعني معاني الشريعة وقواعدها الكلية.

ثم إن مخالفة هذه الأصول الكتاب والسنة وسلف الأمة والقواعد العامة على قسمين: أحدهما أن يخالف أصلاً من الأصول الكلية مخالفة ظاهرة من غير استمساك بأصل آخر، فهذا لا يقع فيه مفتٍ مشهور إلا إذا كان هذا الأصل الكلي الذي تركه هو لم يبلغه فعلاً كما وقع لكثير من الأئمة حيث لم تبلغهم سنن فخالفوها خطأ لأنه لم يبلغه الحديث فقط. وأما الأصول المشهورة فلا يخالفها مسلم خلافاً ظاهراً من غير معارضة من أصل آخر، فضلاً أن يخالفها بعض المشهورين بالفتيا.

والثاني أن يخالف الأصل لكن بنوع من التأويل هو فيه مخطئ، بأن يحمل الحديث مثلاً على غير موضعه أو يفهم الآية بغير طريقتها أو يراعي فيها مجرد اللفظ دون اعتبار ما وراء النص اللي هو المقصود، أو غير ذلك. والدليل على أن هذا هو المراد بالحديث وما في معناه أن تحليل الشيء إذا كان مشهوراً فحرمه بغير تأويل أو كان التحريم مشهوراً فحلله بغير تأويل كان كفراً وعناداً، ومثل هذا لا تتخذه الأمة رأساً قط، يعني اللي بقول لك الخمر حلال اليوم زي شحرور ولا غيره ولا الزنا، ولا هذا في أحد من العقلاء بيعتبره عالم، وإنما يعتبره سقط أصحاب الأهواء؛ لأن هذا مخالفته ظاهرة. إلا أن تكون الأمة قد كفرت، والأمة لا تكفر أبداً، وإذا بعث الله ريحاً تقبض أرواح المؤمنين لم يبقَ حينئذ من يسأل عن حرام وحلال أصلاً، بصير في آخر الزمان ما في حدا بيسأل شيء حرام ولا حلال الكل بصير يعمل على هواه. وإذا كان تحليل التحريم غير مشهور فخالفه مخالف لم يبلغه دليل، فمثل هذا لم يزل موجوداً من لدن زمان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هذا إنما يكون في آحاد المسائل فلا تضل الأمة ولا يهدم الإسلام ولا يقال بمثل هذا إنه محدث عند قبض العلماء.

فظهر أن المراد إنما هو استحلال المحرمات الظاهرة أو المعلومة عنده بنوع تأويل، وهذا بين في المبتدعة الذين تركوا معظم الكتاب والذي تضافرت عليه أدلته وتواطأت على معناه شواهده، وأخذوا في اتباع بعض المتشابهات وترك أم الكتاب، فإنما هذا كما قال الله تعالى زيغ وميل عن الصراط المستقيم. فإن تقدموا أئمة يفتون ويقتدى بأقوالهم وأفعالهم سكنت إليهم الدهماء ظناً منهم أنهم بالغوا لهم في الاحتياط على الدين، وهم يضلونهم بغير علم. ولا شيء أضر على الإنسان من داهية تقع به من حيث لا يحتسب، فإنه لو علم طريقها لتوقاها ما استطاع، فإذا جاءتها على غرة فهي أدهى وأعظم على من وقعت به. فكذلك البدعة إذا جاءت العامي من طريق الفتيا؛ لأنه استند في دينه إلى من ظهر في رتبة أهل العلم، فيضل من حيث يطلب الهداية، اللهم اهدنا الصراط المستقيم.

أصعب شيء على العامي اليوم إخواني ما هو؟ أنه لا يوفق لشيخ على السنة، لأن العامي المسكين هو شو هدفه؟ الوصول للدين، فلما ينصب له شيخ مبتدع ويصير العامي المسكين بفكر أنه بيسمع علم، فهذه أعظم الفتن أن العامي لا يوفق إلى شيخ على سنة، وإنما يجد المفتي في بلده أو المتصدرين من أهل البدع، وهو طبعاً ما بيعرف أنه من أهل البدع وهو مسكين فيعلمونه الدين خطأ، قال: وهذه أعظم المصائب.

المسألة السادسة قال: إن هاهنا نظراً نظرياً في الحديث ومن تمام الكلام فيه، وذلك أنه لما أخبر عليه الصلاة والسلام أن جميع الفرق في النار إلا فرقة واحدة وهي الجماعة، المفسرة في الحديث الآخر، فجاء في الرواية الأخرى السؤال عنها سؤال التعيين فقالوا: من هي يا رسول الله؟ فأصل الجواب يقال: أنا وأصحابي أو من عمل مثل عملنا، أو ما أشبه ذلك مما يعطي تعيين الفرقة إما بالإشارة إليها أو بوصف من أوصافها، إلا أن ذلك لم يقع، وإنما وقع في الجواب تعيين الوصف لا تعيين الموصوف، فلذلك أتى باسم الموصول «ما» التي تقتضي بظاهرها الوقوع على حتى غير العاقل لأن «ما» تستعمل لغير العاقل، فهي تصدق على وصف وليس على شخص، والمراد هنا الأوصاف التي هو عليها صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

فلم يطابق السؤال الجواب؛ لأن السؤال كان عن تعيين عاقل، فالجواب كان عن تعيين صفة، لم يطابق السؤال الجواب. والعذر عن هذا أن العرب لا تلتزم ذلك النوع إذا فهم المعنى؛ لأنهم لما سألوه عن تعيين الفرقة بين لهم الوصف الذي صارت به الفرقة ناجية، وهذا نوع من العدول عن الظاهر. ومما جاء غير مطابق في الظاهر هذا موجود في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. لماذا تكون صغيرة ثم تكبر ثم تصبح محاقاً؟ هل أجابهم عن ذلك؟ لا، صرف إلى الجواب عن ما هو أهم فقال: هي مواقيت للناس والحج، أعطاهم الإجابة التي هي أهم لهم. وكذلك ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۗ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: 15]، فإن هذا الكلام معناه هل أخبركم بما هو أفضل من متاع الحياة الدنيا؟ فكأنه قيل نعم أخبرنا، فقال: للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها، فأعطى مضمون الكلام معنى الجواب على غير لفظه، فليس شرطاً أن يطابق الجواب السؤال.

ربما هذا مختلف عن المثال الذي مثلت به، المثال الذي مثلت به إعطاء جواب آخر لأنه أولى بحال السائل، لا الذي يتكلم عنه الشاطبي هو إعطاء نفس الجواب المطلوب بس بطريقة أخرى خفية، فأعطى مضمون الجواب لكن على غير اللفظ الذي ينتظره السائل. قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: 15]، فقوله مثل الجنة يقتضي مثل الممثل، ولكن لما كان المقصود الممثل جاء به بعينه. وإن كنت أنا ما بوافق الشاطبي على هذا المثل لأنه هو كلمة المثل هنا بمعنى الصفة، يعني مثل الجنة التي وعد المتقون هو لا يريد أن يضرب لها مثلاً آخر يشبهها به، لا هو يقول وصف الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء، فهنا هو يقتضي أنه لما قال مثل الجنة، نحن ننتظر أن يقول مثل جنة الخلد كمثل الأنهار الجميلة في الدنيا، لا، هو لا يريد أن يقول مثل الجنة بشيء آخر المراد بالمثل هنا الوصف.

فلعل كلام الشاطبي هنا يحتاج إلى نظر، ويمكن أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الفرق وذكر أن فيها فرقة ناجية، كان الأولى السؤال عن أعمال الفرقة الناجية لا عن نفس الفرقة؛ لأن التعريف بها من حيث هي لا فائدة فيه إلا من جهة أعمالها التي نجت بها، فالمقدم في الاعتبار هو العمل لا العامل، فلو سألوا فقالوا ما وصفها أو ما عملها أو ما أشبه ذلك لكان أشد مطابقة في اللفظ والمعنى، فلما فهم عليه الصلاة والسلام ما قصدوا أجابهم على ذلك، وهذا هو الذي قلته قبل قليل وهو العدول عن الجواب عن شيء إلى ما هو أولى أن يسأل عنه. أو نقول لما تركوا السؤال عما كان الأولى في حقهم أتى به جواباً عن سؤالهم حرصاً منه صلى الله عليه وسلم على تعليمهم ما ينبغي لهم تعلمه والسؤال عنه.

ويمكن أن يقال إن ما سألوا عنه لا يتعين؛ إذ لا تختص النجاة بمن تقدم دون من تأخر، إذ كانوا قد اتصفوا بوصف الناجين، ومن شأن هذا السؤال التعيين وعدم انحصارهم بزمان أو مكان لا يقتضي التعيين، فانصرف القصد إلى تعيين الوصف الضابط وهو ما كان عليه وأصحابه، وهذا هو نفس الكلام السابق أنه ترك الإجابة عن طبيعة السؤال إلى ما هو أولى به. وهذا الجواب بالنسبة إلينا كالمبهم، وهو بالنسبة إلى السائل معين، ليه؟ بالنسبة للصحابة هم عارفين ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه 100% لأنهم أهل الزمان، أما نحن لسه بدنا نكتشف من خلال الدراسة والتعلم ما هو منهجهم، فهو بالنسبة لنا مبهم يحتاج إلى دراسة، بالنسبة للصحابة واضح، فلم يحتاج إلى أكثر من ذلك لأنه غاية التعيين اللائق بمن حضر، فإما غيرهم ممن لم يشاهد أحوالهم ولم ينظر أعمالهم كنحن فليس مثلهم، ولا يخرج الجواب بذلك عن التعيين المقصود.

الباب العاشر والأخير في الكتاب في بيان صراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل أهل الابتداع فضلت عن الهدى بعد البيان. قد تقدم قبل هذا أن كل فرقة وكل طائفة تدعي أنها على الصراط المستقيم وأن ما سواها منحرف عن الجادة وراكب منيات الطرق، فوقع بينهم الاختلاف إذاً في تعيينه وبيانه حتى أشكلت المسألة على كل من نظر فيها، وحتى قال من قال كل مجتهد في العقليات أو النقليات مصيب، فأعدت الأقوال إذاً في تعيين هذا، بعض الناس أصبحت تقول كل مجتهد في العقائد مصيب، فالمعتزلة صح والأشاعرة صح وأهل الحديث صح ما دام كله عن اجتهاد، وهذا لا يمكن لأن الصراط المستقيم واحد، ولا يمكن أن يكون كله صراطاً مستقيماً.

فعلى عدد الفرق وذلك من أعظم الاختلاف، لا تكاد تجد في الشريعة مسألة يختلف العلماء فيها على بضع وسبعين قولاً إلا هذه المسألة، فتحرير النظر حتى تطيع الفرقة الناجية على التي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أغمض المسائل، ففتحرير هذه المسألة من هي الفرقة الناجية ومن هو منهج السلف تعتبر من أغمض المسائل التي تحتاج إلى نظر، هكذا يقول هو، وإن كنا ممكن نناقش شوي في هذا الكلام.

وجه ثاني أن الطريقة المستقيمة لو تعينت بالنسبة إلى من بعد الصحابة رضي الله عنهم لم يقل اختلاف أصلاً؛ لأن الاختلاف مع تعيين محلهم محال، والفرض أن الخلاف ليس بقصد العناد، لأنه على ذلك الوجه مخرج عن الإسلام وكلامنا في الفرق الإسلامية. ووجه ثالث لماذا هي المسألة عويصة؟ لو كان الطريق المستقيم واضح يشار إليه واضح جداً لما حصل أصلاً خلاف بعد زمن الصحابة والتابعين، فحصول الخلاف دلالة على أن هذا الصراط المستقيم بدأنا نفقد كثير من معالمه وأصبح في غموض، فنحتاج إلى تفتيش وتنقيب حتى نصل إليه.

ووجه ثالث أنه قد تقدم أن البدعة لا تقع من راسخ في العلم، وإنما تقع ممن لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة المتصرفين في أدلتها، والشهادة بأن فلاناً راسخ في العلم وفلان غير راسخ في غاية الصعوبة، فإن كل من خالف وإن حاز فرقة يزعم أنه الراسخ وغيره قص، كل واحد بالنسبة له شيخه اللي ربنا كتب له القبول صح، كل واحد تعال للشيعة اقرأ تعليقاتهم على اليوتيوب والله الله أعلم من كتب لك القبول، تعال على الخوارج شوف مشايخهم سبحان من كتب لك القبول والله أنا احترت مين اللي انكتب له القبول هو علماء الشيعة ولا علماء الخوارج.

ولا علماء الأشعرية، كل واحد يشوف شيخاً كتب الله له القبول؛ فبقول لك الشاطبي: كل يدعي أن شيخه هو الراسخ. فإذا قيل لك يا شيخ: الصراط المستقيم واضح وهو منهج الراسخين في العلم، هذا كلام ممتاز، بس من هم الراسخون في العلم؟

بقول لك مشايخي، دائماً أنا بقرأ تعليقات حتى عنا على غراس، بتلاقي البعض: أنا لا أنصحكم أن تأخذوا من هذا، خذوا من الراسخين في العلم. فبقول للشباب: بس اسألوه من هم الراسخون في العلم؟ بيطلع مشايخه، تمام؟ بس هم مشايخه الأربعة على الخمسة اللي هو طول عمره معهم هم الراسخون في العلم. بس أنا حتى أفهم، فببين له أنه أنت كلمة الراسخون في العلم هذا مش جواب، كما يقول لك الشاطبي؛ لأنه كل جماعة إسلامية تعتقد أن مشايخها هم الراسخون في العلم، وهم أهل لأن يحددوا الصراط المستقيم للناس. فالشيعة بالنسبة لهم إمامهم هو الصراط المستقيم، وأنت والخوارج نفس الشيء. فبقول لك هذا مشكل، لا تقل الصراط المستقيم عند مشايخنا الراسخين، لأنه ليس كل الناس معترفة بمشايخك كمرجعية، فسيبقى هناك غموض لكثير من العوام في تحديد الصراط المستقيم.

قال: فإن فرض على ذلك المطلب علامة، وقع النزاع إما في العلامة وإما في مناطها. ومثال ذلك أن من علامات الخروج عن الجماعة الفرقة؛ فإذاً هناك اختلاف ما هي علامة العالم الراسخ؟ ما هي العلامة؟ واختلاف أيضاً في تنزيلها: هل هذا الشخص فيه العلامة أو لا؟ فالخلاف إذاً هي في علامة العلماء الراسخين ما علاماتهم؟ ثم في تحقيق المناط الواقع: من تسقط عليه هذه العلامة ومن لا تسقط.

ومثال ذلك أن من علامات الخروج عن الجماعة الفرقة، المنبه عليها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: 105]. والفرقة بشهادة الجميع إضافية؛ فكل طائفة تزعم أنها هي الجماعة ومن سواها مفارق للجماعة. يعني الأشعرية بالنسبة لهم نحن المفارقون، وهم بالنسبة لنا هم المفارقون؛ يعني دائماً هذه نظرة مهمة يا إخوان، ينبه الإنسان أنه دائماً لما بدك تفكر بالمسألة لازم أيضاً تكون تصنع مع نفسك مكان الطرف الآخر. ما هو الطرف الآخر شايف هو السنة وشايفك أنك أنت المبتدع المفارق المخالف، زي ما الشاطبي الآن شايفنا، ونحن شايفينه؛ مع أننا الاثنين نقرأ نفس الكتاب. هو يرانا (مش نحن نعتبره) حشوية مجسمة حنبلية، ونحن شايفينه أشعري ومع ذلك بنقرأ. فالشاطبي عقلاني، أنا هذا اللي بيعجبني في الشخص الذي يخليني أقرأ له، أنه حتى أيام مختلفين بس هو فاهم؛ يعني عارف أنه هكذا هي العقول، كل ينظر إلى صاحبه.

قال: ومن علاماته اتباع ما تشابه من الأدلة، وكل فرقة ترمي صاحبتها بذلك، وإنما هي التي اتبعت أم الكتاب دون الأخرى، فتجعل دليله عمدة ترد إليه سائر المواضع بالتأويل على عكس الأخرى. ومنها اتباع الهوى، وهو الذي ترمي به كل فرقة صاحبتها وتبرئ نفسها منه. فإذاً من علامات الخروج عن الجماعة أولاً الفرقة؛ وكل فرقة بتشوف حالها هي الأصل والمخالف لها هو صاحب الفرقة. العلامة الثانية اللي حكيناها اتباع المتشابه، كل فرقة بتقول نحن معنا المحكمات وهم اللي بيتبعوا المتشابه. العلامة الثالثة اتباع الهوى، مش هي اللي غلناها أول الدرس؟ كل فرقة بتقول نحن مش متبعين لهوانا وهؤلاء متبعون لأهوائهم. فلا يمكن إذاً في الظاهر مع هذا أن يتفقوا على تحقيق المناط. هذه العلامات هي العلامات الثلاث لأهل البدع اللي حكيناها أول الدرس، صعب إسقاطها على فرقة معينة؛ لأنه كل فرقة ترى أن المخالف لها هو اللي فيه علامات البدعة. وإذا لم يتفقوا عليها لم يمكن ضبطهم بها بحيث يشار إليهم بتلك العلامات. نعم هم في التحصيل متفقون عليها، يعني نحن متفقون على العلامات بس مش متفقين على من راح تنزل. وبذلك صارت علامات، فكيف يمكن مع اختلافهم في تحقيق المناط الضبط بالعلامات؟ صعب، لأنه كل واحد يرى نفسه هو اللي ما عنده هوى وما شابه ذلك.

والوجه الرابع -وهي كلها الأوجه أراد أن يبين بها صعوبة هذه المسألة، وهو تحديد الصراط المستقيم، كم هي مسألة فيها إشكال اليوم للعامة- قال هو ما تقدم من فهمنا من مقاصد الشرع في الستر على هذه الأمة، فإنه وإن حصل التعيين بالاجتهاد، فالاجتهاد لا يقتضي الاتفاق على محله. ألا ترى أن العقلاء جزموا القول بأن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادةً؟ فلو تعينوا بالنص الأمين بقي إشكال، بل قد أصر الخوارج على ما كانوا عليه وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عينه معين على علاماتهم في المخدج، حيث قال: «آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر». وهم الذين قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذ لم يرجعوا عما كانوا عليه ولم ينتهوا. فما الظن بمن ليس في النقل؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة الخوارج اللي رح تقاتلوهم أنتم فيهم رجل مخدج عليه مثل حلمة الثدي؛ يعني هذا تعيين، وعلي بن أبي طالب لما قاتل الخوارج قال: ابحثوا لي عنه وطلعوه من القتلى ورفعوه، ومع ذلك الخوارج قالت: لا، لا، هذا مش هو المقصود في الحديث النبوي. أنت متخيل؟ أنا بجيب لك الرجل بعينه اللي يدل على أنكم أنتم الخوارج واللي النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بقتالكم، وهذا بيشبه قصة علي ومعاوية في قضية «تقتل عماراً الفئة الباغية». عمار كان مع من؟ الله يرضى عنه، مع جيش علي، فقتله جيش معاوية. فقال معاوية: نحن على غلط؟ هي عمار، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تقتل عماراً الفئة الباغية»، بدك علامة أكثر من هيك أنه نحن يا معاوية نحن اللي بغينا؟ عمار قال: الباغي هو من أخرجه. فقال الباغي هو علي بن أبي طالب لأنه هو أخرجه. فبالتالي حتى والعلامات واضحة هناك من قد يراوغ فيها.

والوجه الخامس قال: الوجه الخامس ما تقدم تقريره في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً * وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]. فالآية تشعر في هذا المطلوب أن الخلاف لا يرتفع، مع ما يعضده من الجواب الذي فرغنا من بيانه وهو حديث الفرق؛ إذ الآية لا تشعر بخصوص مواضع الخلاف، لإمكانه أن يبقى الخلاف في الأديان دون دين الإسلام، لكن الحديث يبين أنه واقع في الأمة أيضاً، فانتظمته الآية بالإشكال. فإذاً إن كانت ربما تتكلم عن الخلاف بين الأديان، لكنها تتضمن أيضاً الخلاف بين الفرق في دين الإسلام تبعاً للحديث: «ستفترق أمتي كما افترقت الأمم». فإذا تقرر هذا، ظهر به أن التعيين للفرقة الناجية بالنسبة إلينا اجتهادي لا ينقطع الخلاف فيه، وأن المدعي فيه القطع دون الظن فهو نظري لا ضروري. ولكن مع ذلك نسلك في المسألة بحول الله تعالى مسلكاً وسطاً يذعن فيه إلى قبوله عقل المنصف ويقر بصحته العالم بكليات الشريعة وجزئياتها، والله الموفق للصواب.

فنقول لابد من تقديم مقدمة قبل الشروع في المطلوب؛ ذلك أن الإحداث في الشريعة إنما يقع إما من جهة الجهل وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق. وقد مر في ذلك ما يؤخذ من شواهد المسألة، إلا أن الجهات الثلاث قد تنفرد وقد تجتمع؛ فإذا اجتمعت فتارة يجتمع منها اثنين وتارة تجتمع الثلاثة. إذاً قد يجتمع الجهل مع تحسين الظن بالعقل مع الهوى، وقد ينفرد واحد من هذه الدوافع. إذاً هو هنا يريد أن يحصر دوافع الوقوع في البدعة؛ دوافع الوقوع في البدعة ثلاث: إما الجهل، وإما تحسين الظن بالعقل، وإما الهوى.

فأما جهة الجهل فتارة تتعلق بالأدوات التي بها تفهم المقاصد، وتارة تتعلق بالمقاصد. الآن الجهل إما أنه أنت أصلاً لا تمتلك علوم الآلة، ما نسميها اليوم أدوات النظر الشرعي؛ أنت شخص مش متخصص في الشريعة. أو سبب الجهل لا، أنه أنت دارس علوم آلة عندك الأدوات، لكن غاب عنك مقصد معين من المقاصد أو نص معين أو شيء من ذلك. هذا بالنسبة للجهل.

وأما جهة تحسين الظن بالعقل فتارة يشرك في التشريع مع الشرع، وتارة يقدم عليه، وهذان نوعان يرجعان إلى نوع واحد. الذين أحسنوا الظن بعقولهم على نوعين: نوع أشرك بين عقله وبين الشرع فيأخذ بالشرع ويأخذ بالعقل، ونوع قدم عقله على الشرع، وهذا أسوأ النوعين، أليس كذلك؟ فإما على جهة التشريك أو على جهة تقديم العقل على النقل، وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد وهو تحسين الظن بالعقل.

وأما جهة اتباع الهوى، فمن شأنه أن يغلب الفهم حتى يغالب صاحبه الأدلة أو يستند إلى غير دليل، وهذان نوعان أيضاً يرجعان إلى نوع واحد. فمن شأنه أن يغلب الفهم حتى يغالب صاحبه الأدلة، يعني يجر الأدلة إلى ما يهوى غصباً عنها والأدلة لا تريده؛ أو يستند إلى غير دليل أصلاً، يأتي بدليل لكنه يغالبه، يجعل الدليل غصباً كما هو يريد أن يفهمه، أو أصلاً يستند إلى غير دليل، يستند إلى شيء لا يعتبر مصدراً تشريعياً. إذاً فالجميع أربعة أنواع: الجهل بأدوات الفهم، أو الجهل بالمقاصد، وتحسين الظن بالعقل بنوعيه، واتباع الهوى بنوعيه.

فصل: النوع الأول، إن الله عز وجل أنزل القرآن عربياً لا عجمة فيه، بمعنى أنه جارٍ في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3]، وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]. وكان المنزل عليه القرآن عربياً، أفصح من نطق بالضاد وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وكان الذين بعث فيهم عرباً أيضاً، فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم، فليس فيه شيء من الألفاظ والمعاني إلا وهو جارٍ على ما اعتادوه ولم يداخله غيره. بل نفى عنه أن يكون في شيء ولم يداخله غيره، يعني القرآن فيه كلمات أعجمية؟ فيه كلمات فارسية؟ إلا أن تكون معربة؛ أما كلمات فارسية أجنبية فما في. فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103].

هذا وإن كان قد بعث للناس كافة، فإن الله جعل جميع الأمم وعامة الألسنة في هذا الأمر تبعاً للسان العرب. وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله تعالى إلا من الطريق الذي أنزله، يعني النبي عليه الصلاة والسلام؛ وإن كان مرسل للعرب والعجم، لكن العجم تبع للعرب في فهمها. وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله تعالى إلا من الطريق والآلة التي بها نزل، وهي إتقان اللغة العربية. لذلك هو أول سبب من أسباب البدع، ما هو؟ الجهل بالعربية، التي هي علوم الآلة، وهذا أخذه والله أعلم من ابن تيمية؛ لأنه أكثر من نبه عليه أن أكثر أهل البدع الذين خرجوا في الأمة إنما هم من العجم وليسوا من العرب أصلاً؛ أغلب أهل البدع كانوا أعاجم ليسوا عرباً أصلاً.

فيقول: وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله إلا من الطريق الذي نزل عليه، وهو أن تعرف اعتبار ألفاظها ألفاظ العربية، وتفهم دلالات الألفاظ ومعانيها بالعربية، وأساليب العربية في البلاغة. أما ألفاظها فظاهرة للعيان، وأما معانيها وأساليبها، فكان مما يعرف من معانيها اتساع لسانها، وأنها تخاطب بالشيء منه عاماً ظاهراً يراد به العام الظاهر ويستغنى بأوله عن آخره، وأحياناً عاماً ظاهراً يراد به العام ويدخله التخصيص، ويستدل على هذا ببعض الكلام؛ يعني العرب تتكلم بالعام تريد به العموم، وتتكلم بالعام يقبل التخصيص، وأحياناً تتكلم بالعام ويراد به الخصوص. بتعرف في فرق بين العام الذي يقبل التخصيص وبين العام الذي هو ابتداء مراد به الخصوص، وهناك ظاهر يعرف في سياقه أن المراد به غير الظاهر، اللي هو الحقيقة والمجاز. والعلم بهذا كله موجود في أول الكلام أو وسطه أو آخره؛ يعني بالتالي أنت بدك تعرف أساليب العربية، العرب عندها عام وخاص، مطلق ومقيد، حقيقة ومجاز، مشترك ومترادف، اللي هي ما بسموها مباحث دلالات الألفاظ. إذا أنت ما بتعرف هذه كيف تتجاسر على القرآن؟ سواء عدنان إبراهيم ولا شحرور ولا غيرهم، ممن هو بضاعة مزجاة في هذه الأبواب ويخوض ويتخرص في كتاب الله. وتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول اللفظ.

العرب أول الكلام عندها يدل على آخره، وآخره يدل على أوله، وتتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما تعرف الإشارة، وهذا عندها من أفصح كلامها؛ لاستعمال الإشارة لانفرادها بعلمه دون غيرها ممن يجهله. وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، فالسيف له مئة اسم، والأسد كذلك، وتوقع اللفظ الواحد على المعاني الكثيرة وهو ما يسمى باللفظ المشترك، فهذه كلها معروفة عندها وتستنكر عند غيرها، إلى غير ذلك من التصرفات التي يعرفها من زاول الكلام العربي، وكانت له به معرفة، وثبت رسوخه في علم اللسان العربي.

فمثال ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]، ويقول: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]. فهذه الآيات كلها من العام الظاهر الذي لا خصوص فيه، فإن كل شيء من سماء وأرض وذي روح وغيره فالله خالقه، وكل دابة فالله رازقها. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾، إنما أريد به من أطاق الجهاد دون من لم يطق، فهذا عام مخصوص فهو خاص، المعنى خاص بمن قدر على الجهاد. وقوله: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ [التوبة: 120]، هذه عامة فيمن أطاق ومن لم يطق، الكل لا يجوز له أن يقدم نفسه على نفس الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف: 77]، فهذا من العام المراد به الخاص؛ لأنهم أكيد لم يستطعموا كل أهل القرية وإنما سألوا بعضهم الإطعام. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات: 13]، فهذا عام لم يخرج عنه أحد، وقال إثر هذا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، فهذا خاص لأن التقوى إنما تكون على من عقلها من البالغين، ولا تشمل غير المكلفين كالمجنون والصغير.

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173]، فالمراد بالناس الثاني: أن الناس قد جمعوا لكم من أبو سفيان فقط، فهذا من العام المراد به الخصوص، وإلا فالمجموع لهم الناس ناس أيضاً، وهم قد خرجوا منهم، لكن لفظ الناس يقع على الثلاثة منهم وعلى جميع الناس، أي كلمة الناس تصدق على الثلاثة فصاعداً وتصدق على كل الناس وعلى ما بين ذلك. فصح أن يقال إن الناس قد جمعوا لكم، والناس الأول القائلون كانوا أربعة نفر، قيل هم أربعة كانوا مارين على المدينة فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن الناس قد جمعوا، اللي هم أبو سفيان قد جمع لك، فكلمة الناس إذاً هنا عام أريد به الخصوص، وإلى آخر ذلك من الآيات.

هذا كله مأخوذ من كتاب الرسالة للشافعي في أصول الفقه، قال لذلك ختم فقال: وهذا كله معنى تقرير الشافعي رحمه الله عليه في هذه التصرفات الثابتة للعرب، وهو بالجملة مبين أن القرآن لا يفهم إلا عليه؛ ما بصير أنت تفهم القرآن إلا بناءً على قواعد اللغة العربية، القرآن ما بيفهم على ذوقك وذوقي ولا على ما يريده الحداثيون المعاصرون، القرآن يفهم بقواعد اللغة.

إنما أتى الشافعي بالنوع الأغمض من طرائق العرب وهو قضية العام والخاص وغيره؛ لأن سائر أنواع التصرفات العربية قد بسطها أهلها، وهم أهل النحو والتصريف وأهل المعاني والبيان وأهل الاشتقاق وشرح مفردات اللغة وأهل الأخبار المنقولة عن العرب المبينة لمقتضى الأحوال، فجميعه به نزل القرآن، ولذلك أطلق عليه عبارة العربي. يريد أن يقول الشافعي في الرسالة: لم يتطرق إلى القواعد الصرفية والنحوية ولا القواعد البلاغية؛ لأن هذه بينت في علومها، الشافعي أراد أن يعلمك في لسان العرب القواعد الأصولية وهي العام والخاص والعام الذي أريد به الخصوص؛ لأن هذه هي التي يهم الأصول أن يبينها.

إذا ثبت هذا، عموماً أنت ما يهمك الأمثلة كثير هنا، يهمك أن تفهم أن القرآن نزل بقواعد العربية، فعلى الناظر في الشريعة وعلى المتكلم في الشريعة سواء في العقيدة أو في الفروع أمران، قال أحدهما: ألا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربياً أو كالعربي في الكون، عارفاً بلسان العرب، بالغاً فيه مبالغ العرب ومبالغ الأئمة المتقدمين كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء ومن أشباهم وداناهم. وليس المراد أن يكون حافظاً كحفظهم وجامعاً كجمعهم، وإنما المراد أن يصير فهمه عربياً في الجملة، وبذلك امتاز المتقدمون من علماء العربية عن المتأخرين، إذ بهذا المعنى أخذوا أنفسهم حتى صاروا أئمة، فإن لم يبلغ ذلك فحسبه في فهم معاني الآيات، إذا أنت ما وصلت لدرجة، ما بدنا إياك تصير الخليل، مسامحينك، بدنا إياك تصير سيبويه، بس تصير قوي في اللغة العربية؛ إذا لم تكن قوياً في اللغة العربية فحدك التقليد، أوعك تتكلم.

والأمر الثاني: أن يحسن ظنه بفهمه دون أن يسأل فيه أهل العلم. قال الشافعي رحمه الله في رسالته لما قرر هذا المعنى: فمن جهل هذا من لسانها، يعني لسان الأعراب بلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة به، فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب -إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمودة. من قال في القرآن بغير علم بالعربية ولو أصاب، قال: فإصابته غير محمودة؛ لأنها إصابة بالمصادفة وليست إصابة مبنية على قواعد العلم، وكان بخطئه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الصواب والخطأ فيه؛ لأن لماذا خطؤه غير معذور؟ لأنه نطق فيما لا يحيط علمه، هو مش عارف لما أصاب ليش أصاب ولما أخطأ ليش أخطأ، الشخص اللي مش عارف لما أصاب ليش أصاب ولما أخطأ ليش أخطأ هذا لا يجوز أن يتكلم في كتاب الله سبحانه وتعالى.

وما قاله الشافعي حق؛ فإن القول في القرآن أو السنة بغير علم تكلف، وقد نهينا عن التكلف ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86]، ودخل تحت معنى الحديث حيث قال صلى الله عليه وسلم: «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». لأنهم إذا لم يكن لهم لسان عربي يرجعون إليه في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام رجع هذا الأعجمي إلى فهمه الأعجمي وإلى عقله المجرد عن التمسك بدليل، فضل عن الجادة.

وقد خرج ابن وهب عن الحسن أنه قيل له: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويصنع بها منطقه؟ قال: نعم، فليتعلمها؛ فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها، يعني ما بيعرف يفهمها بالشكل الصحيح فيهلك، لأنه يفهمها بوجه خاطئ. فهذا يدل على قيمة تعلم اللغة العربية، وعن الحسن قال: أهلكتهم العجمة، يقصد أهل البدع يتأولون القرآن على غير تأويله، بيفسر القرآن على كيفه؛ لأنه هو لا يعرف قواعد اللغة العربية فيفسر القرآن كما يشاء.

والأمر الثاني أنه إذا أشكل عليه في الكتاب أو في السنة لفظ أو معنى فلا يقدم على القول فيه دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية؛ فقد يكون إماماً فيها ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات، فالأولى في حقه الاحتياط، إذ قد يذهب على العربي المحض بعض المعاني الخاصة حتى يسأل عنها، وقد نقل من بقي هذا عن الصحابة وهم العرب. فكيف إذاً؟ الأمر الثاني إذا أصبحت مجتهداً في العربية ولكن أشكلت عليك بعض معانيها بدك تروح تسأل من هو أعلم منك. إذاً القاعدة الأولى: إذا لم تكن في العربية شيئاً فلا تجتهد، طيب إذا كنت شيئاً في العربية قد يشكل عليك بعض الألفاظ، هذا عادي، وهذا وقع لبعض الصحابة؛ مش عمر بن الخطاب قال كذا؟ وابن عباس قال: ما عرفت معنى فاطر حتى رأيت أعرابيين، قد تجل حتى بعض الكلمات حتى لو كنت إماماً فعليك أن تسأل.

نقل عن ابن عباس أنه قال في فاطر: إنه لم يعرف معناها حتى مر بهما أعرابي فقال عن البئر: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها. وفيما يروى عن عمر أنه سأل وهو عن المنبر عن معنى قوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: 47]، فأخبره رجل من هذيل أن التخوف عندهم التنقص، وأشباه ذلك كثير. قال الشافعي: ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً، قال: ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب شيء منه على عامتها حتى لا يكون موجوداً فيها من يعرفه، أكيد يعني في الجملة اللسان العربي معانيه محفوظة، لكنها ليست محفوظة عند شخص واحد؛ هذا عنده 60% منها، هذا عنده 40% منها، هذا عنده وهكذا.

قال والعلم به عند العربي كالعلم بالسنة عند أهل الفقه؛ لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، هل في أحد المذاهب الأربعة عالم حافظ كل الأحاديث؟ حتى أحمد بن حنبل هو مش حافظ كل الأحاديث، حافظ جلها لكن تغيب عنه بعض السنن. قال: فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه شيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجوداً عند غيره ممن كان في طبقته وأهل علمه. قال: وهكذا لسان العرب عند خاصته وعامته لا يذهب منه شيء عليها، ولا يطلب عند غيرها، ولا يعلمه إلا من قبله عنها ولا يشركه فيه إلا من أتبعه في تعلمه منها. قال: ومن قبله منها فهو من أهل لسانها، وإنما صار غيرهم من غير أهله بتركه، فإذا صار إليه صار من أهله، هذا ما قال ولا يخالف فيه أحد.

فإذا كان الأمر على هذا؛ لزم كل من أراد أن ينظر في الكتاب والسنة أن يتعلم الكلام الذي به أديت، وألا يحسن ظنه بنفسه قبل الشهادة له من أهل علم العربية بأنه ممن يستحق النظر، وألا يستقل بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من هو من أهلها. فإذا ثبت على هذه الوصايا كان إن شاء الله موافقاً لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام. روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قلنا يا رسول الله، من خير الناس؟ قال: «ذو القلب المخموم واللسان الصادق»، قلنا: قد عرفنا اللسان الصادق فما ذو القلب المخموم؟ قال: «هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا حسد»، قلنا: فمن على أثره؟ قال: «الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة»، قلنا: ما نعرف هذه فينا إلا رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: فمن على أثره؟ قال: «مؤمن في خلق حسن».

ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال يا رسول الله: «أيدالك الرجل امرأته؟» قال: «نعم إذا كان فقيراً»، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ما قلت وما قال لك يا رسول الله؟ فقال: «أيدالك الرجل امرأته؟» قلت: «نعم إذا كان فقيراً»، فقال أبو بكر: ما رأيت الذي هو أفصح منك يا رسول الله، فقال: «وكيف ولا وأنا من قريش وأرضعت في بني سعد». أحسنت؛ يعني أيدالك الرجل امرأته، أنت لو بدك تأخذ زي حالاتنا، لو بدك تفهمها شو رح يفهمها؟ الجماع، أن يدالك الرجل امرأته، أبو بكر ما فهمها، النبي عليه الصلاة والسلام لأنه أفصح من نطق بالضاد فهم ما معنى أيدالك، يعني يماطل، أيماطل الرجل امرأته؟ يعني إذا استدان منها ممكن يماطلها شوي ما يسدها ابتداءً، قال: نعم إذا كان فقيراً. فالجواب أنت، لا، يدالك شو يدالك هذا؟ جماع، لا، يدالك يعني يماطل، بتداين منها وما بيرجع لها إلا بعد فترة.

فهذه أدلة تدل على أن بعض اللغة يعزب عن علم بعض العرب، فالواجب السؤال كما سألوا، فيكونون على ما كانوا عليه، وإلا زل، فقال في الشريعة برأيه لا بلسانها. نذكر لذلك ستة أمثلة، أحدها قول جابر الجعفي في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: 80]، قال: إن تأويل هذه الآية لم يجيء بعد، وكذب؛ فإنه أراد بذلك مذهب الرافضة مثلاً. جابر الجعفي قال: لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي، قال: هذه الآية...

لم يأتِ بعد وقوعها. كيف هي وردت في قصة يوسف قبل آلاف السنين؟ قال: هو أراد أن ينصر مذهب الرافضة؛ حتى يأذن لأبيه؛ فإنه أراد جابر الجعفي في تفسيره للآية بأنها لم تقع أن ينصر مذهب الرافضة. قال: فإنها تقول إن علياً في الصحابي؛ فلا يخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي علي من السماء: اخرج مع فلان.

عشان هيك المهدي مش راضي يطلع الآن؛ المهدي تبع الرافضة مش راضي يطلع الآن؛ لأنه بيستنى سيدنا علي بن أبي طالب ينادي في السماء: ﴿لَن أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: 80]. بس يناديني والدي علي بن أبي طالب، والمراد جده يعني، والجد يسمى والداً، ساعتها راح أطلع من سرداب. هذا معنى قول: "لأبيه".

قال ففسره سفيان من قوله: لم يجد تأويل هذه الآية. قال سفيان: وكذب، كانت الآية في إخوة يوسف، وقع ذلك في مقدمة كتاب مسلم. من كان ذا عقل فلا يرتاب في أن سياق القرآن دال على ما قال سفيان، وأن ما قاله جابر لا ينساق.

والثاني: قول من زعم أنه يجوز للرجل نكاح تسع من الحرائر. هذا كلام الظاهرية، للأسف بعض الظاهرية قالوا: يباح للرجل يتزوج تسعة. ليه؟ قال: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]. قال: 2 + 3 + 4 = 9، خلاص، إذا الآية هيك معناها! فهذا أيضاً فهم سقيم، حملوا "واو" على التخيير، حملها على الجمع، وهذا لا يوافقهم عالم عليه.

الثالث: قول من زعم أن المحرم من الخنزير إنما هو اللحم، وأما الشحم فحلال؛ لأن القرآن إنما حرم اللحم دون الشحم. ولو عرف أن اللحم يطلق على الشحم أيضاً بخلاف الشحم فإنه لا يطلق على اللحم، لم يقل ما قال. نعم ربنا قال: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145]. هل المراد باللحم فقط؟ وبالتالي شحم الخنزير بصير ناكله؟ لا، العرب إذا قالت اللحم تقصد به عموم الحيوان بما فيه شحمه، وهذا جهل ببعض اللغة.

الرابع: قول من قال إن كل شيء فانٍ حتى ذات الباري تعالى، الله يقول علواً كبيراً، ما عدا الوجه، بدليل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]. وإنما المراد بوجه هنا غير ما قال، فإن المفسرين في تأويلات، والذي قصد هذا القائل لا يتجه لا لغة ولا معنى. وأقرب قول لقصد هذا المسكين أن يراد به ذو الوجه، كما تقول: فعلت هذا لوجه فلان. لما أقول فعلت هذا لوجه فلان، يعني فقط للدائرة هي؟ ولا فعلته لوجهي؟ يعني لذاته، فكان معنى الآية: كل شيء هالك إلا هو، ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 9]، أي لذاته، وقس عليه. مثال هي كلها أمثلة على تفاسير فاسدة.

الخامس: قول من زعم أن لله سبحانه وتعالى جنباً، مستدلاً بقوله: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56]. وهذا لا معنى للجنب فيه حقيقة؛ العلماء أجازوا، لأن العرب تقول: هذا الأمر يصغر في جنبك؛ جنب هذا أي هذا يصغر بالإضافة إلى الآخر. وكذلك الآية معناها: تحسرت فيما فرطت فيما بيني وبين الله إذا أضفت تفريطي إلى أمري. لا يجوز أن تحمل الآية على أن الجنب بمعنى الخاصرة؛ لأن المراد: ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ أي في حقه، ونعم، ولا أوضح أن المراد بالجنب هنا حق الله سبحانه وتعالى.

السادس: قول من قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر»؛ بأن هذا الذي في الحديث هو مذهب الدهرية. ولم يعرف أن المعنى: لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصائب، ولا تنسبوها إليه، فإن الله هو الذي أصابكم بذلك للدهر؛ فإنكم إذا سببتم الدهر وقع السبب على الفاعل لا على الدهر؛ لأن العرب كان من عاداتهم في الجاهلية أن تنسب الأفعال إلى الدهر؛ فتقول: أصابه الدهر في ماله، وأتته قوارع الدهر ومصائبه، فينسبون كل شيء تجري به أقدار الله تعالى عليهم إلى الدهر. فيقولون: لاعن الله الدهر، ومحى الله الدهر وأشباه ذلك. وإنما يسبونه لأجل الفعل المنسوب إليه، فكأنهم إنما سبوا الفاعل، والفاعل هو الله وحده، فكأنهم يسبونه سبحانه وتعالى. وقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ؛ أن البعض قال إن الله من أسمائه الدهر، وهذا ليس مراداً، وإنما المراد: «فإني أنا الدهر» أي أنا الذي أفعل في الدهر، أنا صاحب المقادير.

فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله سبحانه وتعالى وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه. والصحابة رضوان الله عليهم براء من ذلك؛ لأنهم عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدواتنا ولا تعلم. ثم من جاء بعدهم ممن ليس بعربي اللسان تكلف ذلك حتى علمه، وحينئذٍ دخل القوم في فهم الشريعة وتنزيلها على ما ينبغي فيها، كسلمان الفارسي وغيره. فكل من اقتدى بهم في تنزيل الكتاب والسنة على العربية، إن أراد أن يكون من أهل الاجتهاد، فهو إن شاء الله داخل في سوادهم الأعظم، كائن على ما كانوا عليه، فانتظم في سلك الفرقة الناجية. إذاً انتهينا من السبب الأول للبدع، وهو الجهل بعلوم الآلات، وخصوصاً اللغة العربية.

النوع الثاني: مقاصد الشريعة. إن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أُمضوا بها، وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم. ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى بذلك؛ حيث قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فكل من زعم أنه بقي من الدين شيء لم يكمل بعد، فقد كذب بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3].

فلا يقال: قد وجدنا من النوازل والواقع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ولا في السنة نص عليه، ولا عموم ينتظمه؛ فمسائل الجد في الفرائض، والحرام في الطلاق، ومسائل الساقط على جريح محفوف بجرحى، وسائر المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها من كتاب ولا سنة، فإن الكمال فيها فيقال في الجواب: أولاً، أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، إن اعتبرت فيه الجزئيات من المسائل والنوازل، فهو كما أردتم. نعم الدين لا يعني أن كل نازلة ستفتح القرآن تجدها، ستجد نازلة كورونا وستجد فصال الجنين، لا، لن تجد معنى إكمال الدين، ولكن المراد إكمال كليات الدين. فلم يبقَ للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات؛ يعني أي قاعدة يحتاج إليها في الاجتهاد فقد بينها الكتاب والسنة.

نعم، يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات، هذا موكول إلى نظر المجتهد؛ فإن قاعدة الاجتهاد أيضاً ثابتة في الكتاب والسنة، فلا بد من إعمالها ولا يسع تركها. وإذا ثبتت في الشريعة أشعرت بأن ثم مجالاً للاجتهاد؛ يعني إذا ثبت أن الشريعة تدعو للاجتهاد، إذاً الشريعة فيها مجال للاجتهاد، ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه. ويمكن نقول أيضاً فيما فيه نص لكن يحتمل عدة وجوه. ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل، فالجزئيات لا نهاية لها، فلا تنحصر أصلاً في كتاب معين، وقد نص العلماء على هذا المعنى. فإنما المراد الكمال إذاً بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجري عليها، أي يمكن تطبيقها على ما لا نهاية لها من النوازل.

ثم نقول ثانياً: إن النظر في كمال الشريعة بحسب خصوص الجزئيات يؤدي إلى الإشكال والالتباس، وإلا فهو الذي أدى إلى إيراد هذا السؤال؛ إذ لو نظر السائل إلى الحالة التي وُضعت عليها الشريعة وهي الحالة الكلية لم يرد سؤاله؛ لأنها موضوعة على الأبدية، وإن وُضعت الدنيا على الزوال والنهاية. وأما الجزئية فموضوعة على نهاية المؤدية إلى الحصر في التفصيل، وإذ ذاك قد يتوهم أنها لم تكمل، فيكون خلافاً لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89].

ولا شك أن كلام الله هو الصادق وما خالفه فهو المخالف، فظاهر إذ ذاك أن الآية على عمومها وإطلاقها صحيحة، وأن النوازل التي لا عهد بها لا تؤثر في صحة هذا الكمال؛ لأنها إما محتاج إليها وإما غير محتاج إليها. فإن كانت محتاجاً إليها، فهي مسائل الاجتهاد الجارية على الأصول الشرعية، فأحكامها قد تقدمت، ولم يبقَ إلا نظر المجتهد إلى أي دليل يستند خاصة. وأما غير محتاج إليها، فهي البدع المحدثات؛ إذ لو كان محتاجاً إليها لمسك عما سكت عنها في الشرع. لكنها مسكوت عنها بالفرض، ولا دليل عليها فيه كما تقدم، فليس بمحتاج إليها؛ فعلى كل تقدير قد كمل الدين والحمد لله.

ومن الدليل على أن هذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم، أنهم لم يُسمع عنهم قط إيراد ذلك السؤال، ولقد قال أحد منهم: لما لم ينص على حكم الجد مع الإخوة، وعلى حكم من قال لزوجته: أنتِ عليَّ حرام، وأشباه ذلك مما لم يجد فيه عن الشارع نصاً؟ بل قالوا فيه وحكموا بالاجتهاد، واعتبروا فيها بمعانٍ شرعية ترجع في التحصيل إلى الكتاب والسنة، وإن لم يكن ذلك بالنص، فإنه بمعنى. فقد ظهر إذاً وجه كمال الدين على أتم الوجوه؛ لأن الصحابة أنفسهم لم يستشكلوا معنى إكمال الدين، هم كانوا فاهمين أن الإكمال إكمال قواعد الاجتهاد، أنها كلها واردة في الكتاب والسنة أو القواعد التي يمكن توظيفها.

ثم ننتقل منه إلى معنى آخر، وهو أن الله سبحانه أنزل القرآن مبرأً عن الاختلاف والتضاد ليحصل فيه كمال التدبر والاعتبار، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]. فدل معنى هذه الآية على أنه بريء من الاختلاف؛ لأنه قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، فهو يصدق بعضه بعضاً، ويعضده بعضه بعضاً، سواء من جهة اللفظ أو من جهة المعنى. فإما من جهة اللفظ؛ فإن الفصاحة فيه متواترة مضطردة بخلاف كلام المخلوق، فإنك تراه إلى الاختلاف ما هو؛ فيأتي بالفصل من الكلام الجزل الفصيح فلا يكاد يختمه إلا وقد عرض له في أثنائه ما يغض عليه من منصب فصاحته؛ حتى امرئ القيس تجد له بعض الكلمات غير الجيدة وتنتقد عليه، هكذا تجد القصيدة الواحدة منها ما يكون على نسق الفصاحة العالية ومنها ما ينخفض فيه.

وأما من جهة المعنى؛ فإن معاني القرآن على كثرتها أو على تكرارها بحسب مقتضيات الأحوال، على حفٍّ وبلوغ غاية في الإيصال إلى غايتها من غير إخلال بشيء منها ولا تضاد ولا تعارض، على وجه لا سبيل إلى البشر أن يدانوه. ولذلك لما سمعه أهل البلاغة الأول والفصاحة الأصلية وهم العرب الأوائل، لم يعارضوه ولم يغيروا في وجه إعجازه بشيء مما نفى الله تعالى عنه، وهم أحرص ما كانوا على الاعتراض فيه والغض من جانبه. ثم لما أسلموا وعاينوا معانيه وتفكروا في غرائبه لم يزدهم البحث إلا بصيرة في أنه لا اختلاف فيه ولا تعارض.

والذي نُقل من ذلك يسير؛ توقفوا فيه توقف المسترشد حتى يُرشدوا إلى وجه الصواب، يعني آيات قليلة سأل الصحابة عنها، أو توقف المتثبت في الطريق. وقد صح أن سهل بن حنيف قال يوم صفين وحكم الحكمين: "يا أيها الناس اتهموا رأيكم؛ فلقد رأيتنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أبي جندل، ولو نستطيع أن نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددناه، وايم الله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يفضحنا إلا سهل بنا إلى أمر نعرفه". يعني ما استشكلنا شيئاً في الكتاب والسنة إلا بعد أن سألنا وتثبتنا، عرفنا أن الخير في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

فوجه الشاهد منه أمران: قوله سهل بن حنيف: "اتهموا الرأي"؛ فإن معارضة الظواهر في غالب الأمر هو رأي غير مبني على أصل يرجع إليه، معارضة ظواهر الكتاب والسنة. وقوله في الحديث -وهو النكتة في هذا الباب-: "والله ما وضعنا سيوفنا..." إلى آخر جملته؛ فإن معناه قال: والله فإن معناه أن كل ما ورد عليهم في شرع الله مما يصادم الرأي، فإنه حق يتبين على التدريج حتى يظهر فساد ذلك الرأي، وأنه كان شبهة عرضته إشكالاً ينبغي أن لا يلتفت إليه، بل يُتهم أولاً، ويعتمد على ما جاء في الشرع؛ فإنه إن لم يتبين اليوم يتبين غداً، ولو فرض أنه لا يتبين أبداً فلا حرج، فإنه متمسك بالعروة. وهذا دأب ما أقوله للشباب المبتدئين في طلب العلم: لو ما فهمت وجهة نظر المشايخ الكبار في زمنك...

وإن كنت ترى أن هناك خطأً عندهم، يا أخي اصبر. لو لم تكتشف اليوم صوابهم، ممكن بعد شهرين، بعد سنة، بعد سنتين. وهذا والله ما حصل معنا، وحصل مع كثيرين أن الإنسان في بداية الطلب يظهر له شيء خلاف ما يظنه؛ فإذا صبرت على طلب العلم تكتشف أن كثيراً مما كنت تتهم به، أو تنظر فيه بعين النقص، أو أن فيه إشكالاً، لا؛ بل هو الصواب، وأنك أنت المشكلة فيك وفي عقلك وفي قلة علمك واطلاعك.

وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم، وتعرف قصة هشام بن حكيم لما عمر أمسكه بسبب أنه قرأ الآية بخلاف قراءة عمر؛ ظن عمر أنه في مشكلة، حتى تبين لعمر أن القرآن نزل على سبعة أحرف. وهذه المسألة إنما هي إشكال وقع لبعض الصحابة في نقل الشرع، بين لهم جوابه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك دليلاً على أن فيه اختلافاً؛ فإن الاختلاف بين المكلفين في بعض معانيه أو مسائله لا يستلزم أن يكون في نفسه اختلافاً.

يعني أنا ممكن نختلف في بعض المسائل أو المعاني، بس هذا مش اختلاف حقيقي؛ اختلاف يمكن أن يزول بمجرد أن نتدارس المسألة ونتحاور فيها. فقد اختلفت الأمم في النبوات ولم يكن ذلك دليلاً على وقوع الاختلاف في نفس النبوات، واختلفت في مسائل كثيرة من علوم التوحيد ولم يكن اختلافهم دليلاً على وقوع الاختلاف حقيقةً فيما اختلفوا فيه، فكذلك ما نحن فيه. وإذا لو أن الناس اختلفت في القرآن، وما دأب أن يقول: هل هذا دليل على أن فعلاً القرآن فيه تناقض واختلاف؟ فيقول: وجود اختلاف في القرآن لا يدل على أنه فعلاً القرآن متناقض، بل الاختلاف في أوهامنا وعقولنا. وإذا ثبت هذا صح منه أن القرآن في نفسه لا اختلاف فيه، وإن ظهر أن الناس يتنازعون؛ لكن هو في نفسه لا إشكال.

ثم نبني على هذا معنىً آخر، وهو أنه لما تبين زوال الاختلاف صح أن يكون حكماً بين جميع المختلفين؛ لأنه إنما يقرر معنى أن هو الحق، والحق لا يختلف في نفسه، فكل اختلاف صدر من مكلف فالقرآن هو المهيمن عليه. قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. وعم هذا قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 213]، فهذه الآية وما أشبهها صريحة في الرد إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأن السنة بيان الكتاب، وهو دليل على أن الحق فيه واضح، وأن البيان فيه شافٍ لا شيء بعده يقوم مقامه. وهكذا فعل الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم كانوا إذا اختلفوا في المسألة ردوها إلى الكتاب والسنة، وقضاياهم شاهدة بهذا المعنى لا يجهلها من زاول الفقه، فلا فائدة في جلبها إلى هذا الموضع لشهرتها، فهو إذاً مما كان عليه الصحابة.

فإذا تقرر هذا فعلى الناظر في الشريعة بحسب هذه المقدمة أمران: أحدهما ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان؛ بناءً على هذا إذا أردت أن تنظر للشريعة فعليك أن تنظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان. ويعتبرها اعتباراً كلياً في العبادات والعادات، ولا يخرج عنها ألبتة؛ لأن الخروج عنها تيهٌ وضلالٌ ورميٌ في عماية، كيف وقد ثبت كمالها وتمامها؟ فالزائد والناقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق، والمنحرف عن الجادة إلى بنيات الطرق.

والثاني: أن يوقن بأنه لا تضاد بين آيات القرآن، ولا بين الأخبار النبوية، ولا بين أحدهما والآخر؛ بل الجميع جارٍ على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى واحد. فإذا أداه بادئ الرأي إلى ظاهر الاختلاف، فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف؛ أن الله تعالى قد شهد له أن الاختلاف فيه لا شيء، فليقف وقوف المضطر السائل عن وجه الجمع، أو المسلم من غير اعتراض إن كان الموضع مما يتعلق به حكم عملي. فإن تعلق به حكم عملي التمس المخرج حتى يقف على الحق اليقين أو يبقى باحثاً إلى الموت.

فإذا اتضح له المغزى وتبينت له الواضحة، فلا بد له من أن يجعلها حاكمة في كل ما يعرض له في النظر فيها، ويضعها نصب عينيه في كل مطلب ديني كما فعل من تقدم ممن أثنى الله ورسوله عليه. القرآن لا تضاد فيه، فإذا أشكل عليك شيء فتوقف حتى يظهر لك وجه الجمع بين الآيات، أما أن تقول إن القرآن متضاد فلا.

فأما الأمر الأول فهو الذي أغفله المبتدعون فدخل عليهم بسبب ذلك الاستدراك على الشريعة، وإليه مال كل من كان يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم فيقال له في ذلك، ويحذر ما في الكذب عليه من الوعيد. فيقول: لم أكذب عليه وإنما كذبت له. وحكى محمد بن سعيد المعروف بالاردني عن بعض المبتدعة الذين وضعوا أحاديث في الفضائل على لسان النبي عليه الصلاة والسلام؛ فيقول لهم: أنتم تكذبون على النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأحاديث، فيقول لهم: أنا لم أكذب عليه وإنما كذبت لصالح. انظر أين وصل الموضوع، هذا كله نتيجة أنهم رأوا الدين لم يكتمل فأحدثوا الأحاديث الموضوعة، ظانين أنهم سيكملون الدين بهذه الأحاديث المكذوبة. وحكي عن محمد بن سعيد المعروف بالاردني أنه قال: إذا كان الكلام حسناً لم أرَ بأساً أن أجعل له إسناداً؛ فلذلك كان يحدث بالموضوعات وقد قتل في الزندقة وصُلب.

وأما الأمر الثاني: فإن قوماً أغفلوه أيضاً ولم ينعموا النظر، وهي قضية أن القرآن لا تضاد فيه، فغفل عنه بعض الناس ولم ينعموا النظر حتى اختلف عليهم الفهم في القرآن والسنة، فأحالوا بالاختلاف عليهما تحسيناً للظن بالنظر الأول؛ لأنهم محسنين الظن بعقولهم ومتهمين القرآن، وهذا هو الذي عابه النبي صلى الله عليه وسلم على الخوارج: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم». فوصفهم بعدم فهم القرآن، وعند ذلك خرجوا على الإسلام إذ قالوا: لا حكم إلا لله، وقد حكم الرجال في دين الله، أو فأحالوا بالاختلاف عليهما تحسيناً للظن بالنظر الأول؛ كان المراد يعني لما يقع خلاف بينهم وبين الآخرين يحيلون على الكتاب والسنة لكنهم يثقون بفهمهم هم للكتاب والسنة.

ذكر مثال الخوارج هنا فوصفهم بعدم الفهم للقرآن، وعند ذلك خرجوا على أهل الإسلام إذ قالوا: لا حكم إلا لله بناءً على الآية، وقد حكموا الرجال حتى بين لهم عبد الله بن عباس أن معنى «لا حكم إلا لله» على وجهٍ أذعن بسببه منهم ألفان أو من رجع منهم، وتمادى الباقون على ما كانوا عليه اعتماداً على قول من قال منهم: لا تناظروه ولا تخاصموه؛ فإنهم من الذين قال الله فيهم: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58]. فتأملوا رحمكم الله كيف كان فهمهم في القرآن، ثم لم يزل هذا الإشكال يعتري أقواماً حتى اختلفت عليهم الآيات والأحاديث وتدافعت على أفهامهم، فتبجحوا به قبل إنعام النظر.

ولنذكر من ذلك عشرة أمثلة؛ أحدها قول من قال: إن قوله تعالى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] يتناقض مع قوله تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101]. وذلك قول من قال في قوله تعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 39]، مع قوله ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]؛ نفى وأثبت. المثال الثالث قول من قال في قوله تعالى ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ...﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 9-12]، أن هذا صريح في أن... ويقصد أن الملحدين الذين جاؤوا في القرن الثاني والثالث لما شافوا بعض الآيات متعارضة، قالوا: كتابكم متعارض، وأصبحوا يتبجحون بهذه الدعوى وينشرونها؛ حتى خرج لهم ابن قتيبة فبين لهم أنه لا، أنتم مش فاهمين الآيات، فلا تتبجحوا وتقولوا القرآن متعارض ببادئ النظر قبل أن تعرفوا أوجه الجمع بين النصوص.

فهذه عشرة أمثلة تبين لكم مواقع الإشكال وأين رتبتها؛ يعني أمثلة اقرؤوها وحدكم لن تشكل عليكم. فإن الذي عليه كل موقن بشريعة أنه لا تناقض فيها ولا اختلاف؛ فمن توهم ذلك فيها فلم ينعم النظر ولا أعطى وحي الله حقه؛ لذلك قال الله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]، فحضهم على التدبر أولاً، ثم عقب بقوله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، فبين أنه لا اختلاف فيه، والتدبر يعين على تصديق ما أخبر به.

الفصل الثالث: أن الله تعالى جعل العقول في إدراكها حداً تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلاً إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كان كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون؛ إن لو أن لو كان كيف كان يكون. فمعلومات الله لا تتناهى ومعلومات العبد متناهية، والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهى؛ يعني يجب عليك أن تؤمن أن عقلك محدود في مقابل العلم الإلهي، فيجب أن تثق أنه أنا في النهاية عقلي له حد، ولا يمكن أعرف كل شيء بعقلي، فأحتاج إلى مرجع آخر حاكم على عقلي وهو الوحي.

وقد دخل في هذه الكلية ذوات الأشياء جملةً وتفصيلاً وصفاتها وأحوالها، أفعالها أحكامها جملةً وتفصيلاً. وأيضاً فالشيء الواحد من جملة الأشياء يعلمه الباري تعالى على التمام والكمال، بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أحواله ولا في أحكامه؛ بخلاف العبد فإن علمه بذلك الشيء قاصرٌ ناقص، تعلق بذاته أو صفاته أو أفعاله أو أحواله أو أحكامه، وهو في الإنسان أمر مشاهد محسوس لا يرتاب فيه عاقل، تخرجه التجربة إذا اعتبرها الإنسان في نفسه.

وأيضاً فأنت ترى المعلومات عند العقلاء تنقسم ثلاثة أقسام: قسم ضروري لا يمكن التشكك فيه كإحساس الإنسان بوجوده، وعلمه بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان. وقسم لا يعلمه البتة إلا أن يعلم به أو يجعل له طريق إلى العلم به، وذلك كعلم المغيبات عنه، كانت من قبيل ما يعتاد علم العبد به أو لا؛ كعلمه بما تحت رجليه، ولأن مغيباً عنه تحت الأرض بمقدار شبر، وعلمه بالبلد القاصي عنه. الآن هل أنا أعرف شو تحت متر من الأرض؟ ما أعرف، ولن أعرف إلا إذا جُعل لي دليل عليه. وعلمه بالبلد القاصي عنه الذي لم يتقدم له به عهد، فضلاً عن علمه بما في السماوات وما في البحار وما في الجنة أو النار على التفصيل، فعلمه بما لم يجعل له عليه دليل غير ممكن. وقسم نظري يمكن العلم به ويمكن ألا يعلم به، وهي النظريات، وذلك الممكنات التي تعلم بواسطة لا بأنفسهم إلا أن يعلم بها إخباراً.

وقد زعم أهل العقول أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادةً لاختلاف القرائح والأنظار، فإذا وقع الاختلاف فيها لم يكن بدٌ من مُخبر بحقيقتها في أنفسها إن احتيج إليها؛ لأنها لو لم تفتقر إلى الإخبار لم يصح العلم بها، لأن المعلومات لا تختلف باختلاف الأنظار لأنها حقائق في نفسها، فلا يمكن أن يكون كل مجتهد فيها مصيباً كما هو معلوم في الأصول، وإنما المصيب فيها واحد، وهو لا يتعين إلا.

بالدليل، وقد تعارضت الأدلة في نظر الناظر؛ فنحن نقطع بأن أحد الدليلين دليل حقيقة والآخر شبهة، ولا نعين؛ فلا بد من إخبار بالتعيين. ولا يقال إن هذا قول الإمامية؛ لأننا نقول: بل هو مما يلزم الجميع، فإن القول بالمعصوم غير النبي صلى الله عليه وسلم يفتقر إلى دليل؛ لأنه لم ينص عليه الشارع نصاً يقطع العذر، فالقول بإثباته نظري، فهو مما وقع الخلاف فيه، فكيف يخرج عن الخلاف بأمر فيه خلاف؟ قال: هذا لا يمكن.

فإذا ثبت هذا، رجعنا إلى مسألتنا، فنقول: الأحكام الشرعية من حيث تقع على أفعال المكلفين ليست من قبيل الضروريات في الجملة، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل فلنتحاشها. قال: ونرجع إلى ما بقي من الأقسام، فإنهم قد أقروا في الجملة -أعني القائلين بالتشريع العقلي- أن منه نظرياً، ومنه ما لا يعلم لا بضرورة ولا نظر، وهما القسمان؛ يعني أغلب الأحكام الشرعية هي ليست من الضرورات العقلية، بل تحتاج إلى نظر وتأمل واستدلال، وبعضها أمور غيبية لا يعلمها إلا الله، فلا تعرف إلا من الشرع أصلاً، ككون الصلاة أربع ركعات الظهر، هذا ما دخل العقل فيه أصلاً، هذا تعبدي.

فما لا يعلم أصلاً إلا من جهة الإخبار فلا بد فيه من الإخبار؛ لأن العقل غير مستقل فيه. وهذا إذا راعينا قولهم وساعدناهم عليه، فإن لم نلتزم ذلك على مذاهب أهل السنة، فعندنا أنه أصلاً لا حكم للعقل، فضلاً عن أن يكون له قسم لا حكم له، وعندهم أنه لا بد من حكم، فلأجل ذلك نقول: لا بد من الافتقار إلى الخبر، وحينئذ يكون العقل غير مستقل بالتشريع.

فإن قالوا: بل هو مستقل؛ لأن ما لم يقض فيه إما أن يقولوا فيه بالوقف كما هو مذهب بعضهم، بأنه على الحظر أو الإباحة كما ذهب إليه آخرون. فإن قالوا بالثاني فهو مستقل، وإن قالوا بالأول فكذلك أيضاً؛ لأنه قد ثبت استقلاله بالبعض، فافتقاره في بعض الأشياء لا يدل على افتقاره مطلقاً. قلنا: بل هو مفتقر على الإطلاق؛ لأن القائلين بالوقف قد اعترفوا بعدم استقلاله في البعض، وإذا ثبت الافتقار في صورة ثبت مطلقاً؛ إذاً ما وقف فيه العقل قد ثبت فيه ذلك، وما لم يقف فيه فإنه نظري، فيرجع إلى ما تقدم فيه في النظر، فقد مر أنه لا بد من حكم ولا يمكن إلا من جهة الإخبار. وأما القائلون بعدم الوقف فراجعه أقوالهم أيضاً، إلا أن المسألة نظرية فلا بد من الإخبار، وذلك معنى كون العقل لا يستقل بإدراك الأحكام حتى يأتي المصدق للعقل أو المكذب له.

فإن قالوا: فقد ثبت فيها قسم ضروري فيثبت الاستقلال. قلنا: إن ساعدناكم على ذلك فلا يضرنا في دعوى الافتقار؛ لأن الأخبار قد يأتي بما يدركه الإنسان بعقله تنبيهاً لغافل، أو إرشاداً لقاصر، أو إيقاظاً لمغمور بالعوائد يغفل عن كونه مطلوباً فضلاً عن كونه ضرورياً؛ فهو إذاً محتاج إليه، ولا بد للعقل من التنبيه من خارج، وهي فائدة بعث الرسل. فإنكم تقولون إن حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران معلوم، وقد جاء الشرع بمدح هذا وذم ذاك، وأمر بهذا ونهى عن ذاك، فلو كان العقل غير مفتقر إلى التنبيه لزم منه المحال؛ وهو الإخبار بما لا فائدة فيه، لكنه أتى بذلك فدلنا على أنه نبه على أمر يفتقر العقل إلى التنبيه عليه.

وهذا وجه، قال: وجه آخر هو أن العقل لما ثبت أنه قاصر الإدراك في علمه بما ادعى علمه، لم تخرج عن ذلك الأحكام الشرعية التي زعم أنه أدركها لإمكانه أن يدركها من وجه دون وجه، وعلى حال دون حال. والبرهان على ذلك أحوال أهل الفترات، فإنهم وضعوا أحكاماً على العباد من مقتضى السياسات، لا تجد فيها أصلاً منتظماً ولا قاعدة مضطردة على الشرع بعد ما جاء، بل استحسنوا أموراً تجد العقول بعد تنويرها بالشرع تنكرها وترميها بالجهل والضلال والبهتان والحمق، مع الاعتراف بأنهم أدركوا بعقولهم أشياء قد وافقت وجاء الشرع بإقرارها وتصحيحها، ومع أنهم كانوا أهل عقول وافرة وأنظار صائبة وتدبيرات لدنياهم غامضة، لكنها بالنسبة إلى ما لم يصيبوا فيه قليلاً. فلأجل هذا كله وقع الإعذار والإنذار، وبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

نعم، ولله الحجة البالغة والنعمة السابغة؛ فالإنسان وإن زعم في الأمر أنه أدركه وقتله علماً، لا يأتي عليه الزمان إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل، وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ذلك، كل أحد يشاهد ذلك من نفسه عياناً، ولا يختص ذلك عنده بمعلوم دون معلوم، ولا بذات دون صفة، ولا فعل دون حكم. فكيف يصح دعوى الاستقلال في الأحكام الشرعية وهي نوع من أنواع ما لا يتعلق به علم العبد؟

يريد أن يقول إن العقل في الجاهلية فرض كثيراً من الأمور ثبت قبحها في الإسلام، بل عقل الإنسان يمكن أن يقول له اليوم: هذا شيء جيد، ثم بعد يومين يقول له: لا والله طلع رديء؛ فالعقل يختلف ويتباين من يوم إلى يوم، ولما تكبر في السن عقلك مش زي سنك في الـ 40 مش زي الـ 30، أليس كذلك؟ فإذاً هل يمكن الركون إلى العقل في وضع الأحكام على الناس؟ هذا معنى ما يريد أن يقوله.

ووجه ثالث، قال: وجه ثالث وهو أن ما ندعي علمه في الحياة الدنيا ينقسم وكما تقدم إلى البديهي الضروري وغيره، فالضروري قد عرفناه بحيث لا يسعنا إنكاره، وغير الضروري لا يمكننا أن نعرفه إلا من طريق الضروري، إما بواسطة أو بغير واسطة؛ لأنه يقولون كل العلوم لا بد وأن تعود في النهاية إلى العلوم الضرورية، حتى العلوم النظرية لا بد أن تستند في النهاية إلى قاعدة ضرورية. قال: إذا قد اعترف الجميع بأن العلوم المكتسبة لا بد في تحصيلها من توسط مقدمتين معترف بهما؛ فإن كانت ضرورتين فذاك، وإن كانت مكتسبتين فلا بد في اكتساب كل واحدة منهما من مقدمتين وينظر فيهما كما تقدم، وكذلك إن كانت واحدة ضرورية والأخرى مكتسبة فلا بد للمكتسبة من مقدمتين، فإن انتهينا إلى ضروريتين فهو المطلوب وإلا لزمه التسلسل أو الدور، وكلاهما محال. فإذاً لا يمكن أن نعرف غير الضروري إلا بواسطة الضروري.

وحاصل الأمر أنه لا بد من معرفتنا بمقدمتين، وحصلت لنا كل واحدة منهما مما عقلناه وعلمناه من مشاهدة باطنة كالألم واللذة، أو بديهي العقل كعلمنا بوجودنا، وبأن الاثنين أكثر من الواحد، وبين الضدين لا يمكن اجتماعهما، وما أشبه ذلك مما هو لنا معتاد في هذه الدار. فإن لم يتقدم لنا علم إلا بما هو معتاد في هذه الدار، وأما ما ليس بمعتاد فقبل النبوات لم يتقدم لنا به معرفة، فلو بقينا وذاك لم نحمل ما لم نعرف إلا على ما عرفناه، ولا أنكرنا دعوى من ادعى جواز قلب الشجر حيواناً والحيوان شجرة وأشبه ذلك؛ لأن الذي نعرفه من المعتادات المتقدمة خلاف هذه الدعوة.

فلما جاءت النبوة بخوارق العادات أنكرها من أصر على الأمور العادية واعتقدها سحراً أو غير ذلك؛ قلب العصا ثعباناً، وفلق البحر، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإنباع الماء من بين أصابع اليد، وتكليم الحجر والشجر، وانشقاق القمر، إلى غير ذلك مما تبين به أن تلك العوائد اللازمة في العادات ليست بعقلية بحيث لا يمكن تخلفها، بل يمكن أن تتخلف. فالعقل يرى كثيراً من الأمور العادية مستمرة فيظن أن هكذا يجب أن تبقى، فلما تأتي معجزات الأنبياء على خلاف ما يظنه العقل دائماً يظهر فيها صدق النبوة؛ فإذاً العقل يحكم على الأشياء بأنها دائماً كذا، ثم يكتشف بعد ذلك أنها مش دائماً كذا، بدليل أنه حتى أنت نفسك كثير من الطلاب بخربط بين العقليات والعاديات، صح؟ تقول له هذا أمر عادي ولا عقلي بتلاقيه مش قادر يميز، مما يدل على أنه حتى العقليات مش متفق أصلاً أنه هذا الأمر عقلي ولا عرفي فقط.

تمام، قال: كما يجوز على كل مخلوق أن يصير من الوجود إلى العدم كما خرج من العدم إلى الوجود، فمجاري العادات إذاً يمكن عقلاً تخلفها؛ إذ لو كان عدم التخلف لها عقلياً لم يمكن أن تتخلف لا لنبي ولا لغيره، ولذلك لم يدع أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الجمع بين النقيضين، ولا تحدى أحد بكون الواحد أكثر من الاثنين؛ لأن هذه مستحيلات عقلية، مع أن الجميع فعل الله وهو متفق عليه بين أهل الإسلام.

قال: وإذا أمكن في العصا والبحر والأكمه والأبرص والأصابع والشجر وغير ذلك، أمكن في جميع الممكنات؛ لأن ما وجب للشيء وجب لمثله. وأيضاً فقد جاءنا الشرع بأوصاف في أهل الجنة وأهل النار خارجة عن المعتاد الذي عهدنا، فإن كون الإنسان في الجنة يأكل ويشرب ثم لا يغوط ولا يبول غير معتاد، وكون عرقه كرائحة المسك غير معتاد، وكون الأزواج مطهرة من الحيض مع كونهن في حالة الصبا وسن صغيرة في الجنة ومع ذلك لا تحيض غير معتاد، وكون الإنسان فيها لا ينام أصلاً، لا يصيبه جوع ولا عطش وإن فرض أنه لا يأكل ولا يشرب أبداً الدهر غير معتاد، وكون الثمر فيها إذا قُطف أخلف في الحال وتدانى إلى يد القاطف إذا اشتهاه غير معتاد، وكون اللبن والخمر والعسل فيها أنهاراً من غير علاب ولا عصر ولا نحل، وكون الخمر لا تسكر غير معتاد، وكون ذلك كله بحيث لو استعمله دائماً لا يمتلئ ولا يصيبه قظة ولا تخمة، يعني ما بَسُمّ ولا يخرج من أذنه ولا أنفه ولا فمه ولا سائر جسده أوساخ ولا أقذار؛ كل هذا غير معتاد.

وفي الجنة كون أحد من أهل الجنة لا يهرم ولا يشيخ ولا يموت ولا يمرض غير معتاد كذلك. إذا نظرت إلى أهل النار لا تموت فيها ولا تحيا، وسائر أنواع الأحوال كلها خارق للعادة؛ فهذان النوعان شاهدان لتلك العوائد وأشباهها أنها ليست بعقلية، وإنما هي وضعية يمكن تخلفها. وإنما لم نحتج بالكرامات لأن أكثر المعتزلة ينكرونها رأساً فما أحببنا أن ندخل معهم فيها، وقد أقر بها بعضهم.

وإن ملنا إلى التقريب، فلو اعتبر الناظر في هذا العالم لوجد لذلك نظائر جارية على المعتاد. واسمع في ذلك أثراً غريباً حكاه ابن وهب من طريق إبراهيم بن النشيط، قال سمعت شعيب بن أبي سعيد يحدث أن راهباً كان بالشام من علمائهم، وكان ينزل مرة في السنة فتجتمع إليه الرهبان ويعلمهم ما أشكل عليهم من دينهم، وأتاه خالد بن يزيد بن معاوية في من جاء، فقال له الراهب: أمن أهل هذه الملة أنت؟ -يريد النصرانية- قال خالد: لا، ولكني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال الراهب: فأنت من علمائهم؟ قال خالد: إن فيهم لمن هو أعلم مني.

قال الراهب: أليس تقولون إنكم تأكلون في الجنة وتشربون ثم لا يخرج منكم أذى؟ قال خالد: بلى. قال الراهب: أفلهذا مثل تعرفونه في الدنيا؟ قال: نعم، الصبي يأكل في بطن أمه من طعامها ويشرب من شرابها ثم لا يخرج منه أذى. قال الراهب لخالد: ألست تقول إنك لست من علمائهم؟ قال خالد: إن فيهم لمن هو أعلم مني. قال: أفليس تقولون إن في الجنة فواكه تأكلون منها ولا ينقص منها شيء؟ قال خالد: بلى. قال: أفلهذا مثل في الدنيا تعرفونه؟ قال خالد: نعم، الكتاب يكتب منه كل أحد لا ينقص منه شيء.

قال الراهب: أليس تقول؟ يعني قال: الكتاب الكل بينسخ منه وهذا الكتاب الكل بينسخ منه ويظل الكتاب زي ما هو لا ينقص منه شيء؛ فكذا جاز ذلك في الدنيا جاز ذلك في الجنة. عم يحاول هذا معنى قول الشاطبي أنه سأعطيك أمثلة الجنة في الدنيا.

قال: فإذا ملنا إلى التقريب، فلو اعتبر الناظر في هذا العالم لوجد لذلك نظائر جارية، قال الراهب: أليس تقول إنك لست من علمائهم؟ قال خالد: إن فيهم لمن هو أعلم مني. قال خالد: فتمعر وجهه ثم قال: إن هذا من أمة بسط لها في الحسنات ما لم يبسط لأحد. انتهى المقصود من الخبر.

وينبه على أن ذلك الأصل الذي يظهر من أول الأمر أنه غير معتاد له أصل في المعتاد، وتنزل للممكن غير لازم، ولكنه مقرب للفهم لمن قصر فهمه عن إدراك هذه الحقائق الواضحات؛ فعلى هذا يصح قضاء العقل في كل عادي بانخراقه مع أن كون العادي.

عادياً مطرداً صحيح، فكل عادي يفرض العقل فيه خرق العادة، فليس للعقل إنكاره إذ قد ثبت في بعض الأنواع التي اختص الباري باختراعها. والعقل لا يفرق بين خلق وخلق، ولا يمكن إلا الحكم بذلك الإمكان على كل مخلوق. ولذلك قال بعض المحققين من أهل الاعتبار: سبحان من ربط الأسباب بمسبباتها وخرق العوائد ليتفطن العارفون؛ تنبيهاً على أن هذه فقط أسباب، وليست أموراً قواعد لا تنخرم.

فهذا أصل اقتضى للعاقل أمرين: أحدهما ألا يجعل العقل حاكماً بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع. ما بصير تخلي العقل هو الحاكم بإطلاق وهناك شرع أمرت أن يكون هو الحاكم بإطلاق، بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم وهو الشرع، ويؤخر ما حقه التأخير وهو نظر العقل؛ لأنه لا يصح تقديم الناقص حكماً على الكامل لأنه خلاف المعقول والمنقول. بل ضد القضية هو الموافق للأدلة، وهو أن يقدم الكامل على الناقص فلا معدل عنه. ولذلك قال من قال: اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك، تنبيهاً على تقديم الشرع على العقل كما تقدم اليمين على الشمال. هو كأنه يريد أن يقول في كل السابق: إذا ثبت أن الله سبحانه وتعالى يأتي بخوارق العادات، فليس لك أن تجعل العقل حاكماً على الشريعة؛ لأنه يمكن الشريعة أن تأتي بما هو ليس بمعتاد، فكيف تجعل العقل هو الحاكم على الناس؟ الشريعة تأتي بما يخالف المعتاد لا مشكلة في ذلك.

والثاني: أنه إذا وجد في الشرع أخباراً تقتضي ظواهرها خرق العادة الجارية المعتادة، فلا ينبغي أن يقدم بين يدي ذلك الإنكار. زي الإسراء والمعراج، بتعرفوا الجماعة المدرسة العقلانية، الإسراء والمعراج مش ممكن، عذاب القبر مش ممكن، ليه؟ والله يا شيخ هي واحد في قبره، ورجيني كيف قاعد يعذب! هو بده يمسكها على قضية الحساب المنطقي فيقول هذا على خلاف المعتاد، وبدك تؤمن بذلك جبراً عنك. الشريعة تأتي بأمور على خلاف المعتاد، بل له ساعة في أحد أمرين: إما أن يصدق به على حسب ما جاء ويكل علمه إلى عالمه ويقول: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، يعني الواضح المحكم والمتشابه المجمل، إذ لا يلزمه العلم به، ولو لزم العلم به لجعل له طريقاً إلى معرفته؛ يعني في أشياء ربنا أخبرنا فيها نؤمن بها، لكن أنا لا أحتاج أن أعرف كيف هي، كيف صورتها في الواقع، وإلا لو أراد الله أن يعلمنا كيف صورتها في الواقع لوصب لنا دليلاً على ذلك، وإلا لكان تكليفاً بما لا يطاق.

وأما أن يتأوله، وهذا أقصى ما يمكنك أن تفعل على ما يمكن حمله عليه، مع الإقرار بمقتضى الظاهر؛ لأن إنكاره إنكار لخرق العادة فيه. وعلى هذه السبيل يجري حكم الصفات التي وصف الباري بها نفسه؛ لأن من نفاها نفى شبه صفات المخلوقين، وأن تكون الصفة مشابهة لصفات المخلوقين هذا منفي عند الجميع، فبقي الخلاف في نفي عين الصفة الواردة في النص أو إثباتها. فالمتأول لها أثبتها صفة بس على شرط نفي التشبيه، والمنكر لأن يكون ثم صفة ليست شبيهة بصفات المخلوقين منكر لأن يثبت أمراً لا على وفق المعتاد. وهذا غلط، لازم تتصور شيئاً على خلاف المعتاد، فعليك إذا بتنكر فقط تنكر أن تشابه الصفة صفة المخلوقين، أما أن تنكرها مع أنها لا تشابه صفة المخلوقين، فأنت في النهاية كأنك تقول لا يوجد شيء على خلاف ما اعتدته، وهذا غير صحيح؛ يوجد أشياء على خلاف ما تعتاده خاصة في ذات الله سبحانه وتعالى.

فإذا قالوا: هذا لازم فيما تنكره العقول بديهة؛ كقوله: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، فإن الجميع أنكروا ظاهره لأنه قال: كيف رفع عن أمة الخطأ والنسيان مع أنه موجود؟ قال: إذا العقل والمحسوس يشهدان بأن الخطأ والنسيان غير مرفوعين، وأنت تقول اعتقدوا أنها مرفوعة وتأولوا الكلام، مش هيك، أنت بدك منا أن نثبت النص ثم نتأول على معنى صحيح؟ قيل: لم نعن ما هو منكر من بدائه العقول، وإنما علينا ما للنظر فيه شك وارتاب. كما نقول إن الصراط ثابت والجواز عليه قد أخبر الشارع به فنحن نصدق به؛ الصراط اللي هو فوق جهنم ثابت حتى لو كان أدق من السيف وأحد من الشعرة، والجواز عليه قد أخبر الشارع به فنحن نصدق به. لأنه إن كان حد سيف وشبهه لا يمكن الاستقرار الإنسان عليه عادة، فكيف يمشي عليه؟ نقول: فالعادة قد تنخرق حتى يمكن المشي والاستقرار، والذين ينكرون وجود الصراط يقفون مع العوائد، وينكرون أصل الصراط، يقولون كيف يمكن يمشى على ما هو أدق من الشعرة؟ ولا يلتفتون إلى إمكان انخراق العوائد، فيردون ما جاء فيه أو يتأولونه حتى لا يثبتوا معنى الصراط أصلاً.

فإن أصروا على هذا، ظهر التدافع في قولهم في إجازة انخراق العوائد؛ يعني أنتم تقولون بجواز انخراق العوائد إذا قلتم بجواز انخراق العوائد مثل المعجزات، فلماذا تنكرون وجود الصراط ويكون المشي عليه على خلاف العوائد؟ هو يعتبر هذا نوعاً من التناقض؛ إذا أنت مؤمن بوجود المعجزة وهي خرق للعادة، فعليك أن تؤمن بإمكانية وجود الصراط، وإمكانية وجود عذاب القبر، وإمكانية كل هذه الأمور المخالفة للعادة. أما إذا أنت تنكر انخراق العادات، إذاً أنت منكر للمعجزات، وإذا أنكرت المعجزات قد يكون هذا سبباً لإنكار النبوات أصلاً، وهذا خرج من الدين.

فإذا فرقوا صار ذلك تحكماً، لأنه ترجيح في أحد المثلين دون الآخر من غير مرجح عقلي، وقد صادمهم النقل، فالحق الإقرار دون إنكار. ولنرشح هذا المطلب بأمثلة؛ مسألة الصراط، مسألة الميزان الذين أنكروها، طبعاً سيذكر مسألة عذاب القبر وهذا كله مهم لكم تقرؤوه بالنسبة لمناقشة الملحدين اليوم. مسألة سؤال الملكين للميت وإقعاده في قبره، كيف يمكن ذلك يا شيخ؟ القبر ما هو صغير! مش بقول لك خرق عادات؟ مسألة تطاير الصحف وقراءة من لم يقرأ قط حتى الأمي يوم القيامة راح يقرأ صحيفته؛ طيب كيف يقرأ وهو لم يقرأ في الدنيا؟ انخراق العادات. ومسألة إنطاق الجوارح يوم القيامة لتتكلم. رؤية الله في الآخرة جائزة، إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا رؤية إلا على الوجه المعتاد، يا أخي اعتبر رؤية الله في الآخرة ليست على الوجه المعتاد في الدنيا. كلام الباري إنما نفاه من نفاه وقوفاً مع الكلام المعتاد وهو الكلام بصوت وحرف، وهو في حق الباري محال، ولم يقف مع إمكان أن يكون كلامه خارجاً عن مشابهة المعتاد، على وجه صحيح لائق بالرب، إذ لا ينحصر الكلام عقلاً أن يكون بصوت وحرف، أو لا يجزم العقل بأن الكلام إذا كان على غير الوجه المعتاد محال. فكان من حقه الوقوف مع ظاهر الأخبار دون نفي صفة الكلام عن الله بحجة أن الكلام يستلزم الصوت والحرف، لكن هذا الكلام غير صحيح أنه صوت وحرف.

وعاشراً: تحكيم العقل على الله تعالى بحيث يقول: يجب عليه بعثة الرسل، ويجب عليه الصلاح والأصلح، ويجب عليه اللطف، ويجب عليه كذا، إلى آخر ما ينطق به اللسان في تلك الأشياء. وهذا إنما نشأ من ذلك الأصل المتقدم، وقد غلا في الإيجاب على العباد ومن أجل الباري وعظمها لم يجسر على إطلاق هذه العبارة ولا مآلها في حقه؛ لأن ذلك المعتاد إنما حسن في المخلوق من حيث هو عبد مقصور محصور ممنوع، والله تعالى لا يمنعه شيء ولا يعارض أحكامه حكم. فالواجب فالحاصل إذاً من هذه القضية أنه لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، فإنه من التقديم بين يدي الله ورسوله، بل يكون ملبياً من وراء وراء؛ تحترم نفسك يعني.

ثم نقول: إن هذا هو مذهب الصحابة، وعليه أبوا، وإياه اتخذوا طريقاً إلى الجنة فوصلوا، وهو الوقوف عند النص. ودل على ذلك من سيرهم أشياء منها أنه لم ينكر أحد منهم ما جاء من ذلك، بل أقروا وأذعنوا لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يصادموه بمعقول ولا عارضوه بإشكال، ولو كان شيء من ذلك أي من المعارضة للنقل بالعقل لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم، وما جرى بينهم من القضايا والمناظرات في الأحكام الشرعية. فلما لم ينقل إلينا شيء من ذلك دل على أنهم آمنوا به وأمروه كما جاء من غير بحث ولا نظر، أي من غير بحث يخالف النص.

طبعاً كان مالك يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه نحو الكلام في رأي الجهم والقدر، وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل من أعمال المكلفين. فأما الكلام في الدين -يعني يقصد النقاش في العقائد وفي الله- فالسكوت أحب إلي منه؛ لأنني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل، ويقصد أهل المدينة. قال ابن عبد البر: قد بين مالك أن الكلام فيما تحته عمل هو المباح عنده وعند أهل بلده، وأخبر أن الكلام في الدين نحو القول في صفات الله وضرب مثلاً فقال: نحو رأي الجهم، الجهم الذي ينكر الكلام والقدر. قال: والذي قاله مالك عليه جماعة الفقهاء والعلماء قديماً وحديثاً من أهل الحديث والفتوى، وإنما خالف في ذلك أهل البدع. قال ابن عبد البر: وأما الجماعة فعلى ما قال مالك، إلا أن يضطر أحد إلى الكلام في العقيدة فلا يسعه السكوت؛ إذا طمع في رد باطل وصرف صاحبه عن مذهبه، يعني متى تناقش في العقيدة إذا طمعت أن ترد باطلاً، غير هيك لا تتكلم مع أهل البدع أو خشي ضلال العامة أو نحو ذلك.

قال يونس: سمعت الشافعي يوماً ناظره حفص الفرد وهو أحد رؤوس أهل البدع، فقال لي يا أبا موسى: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الكلام -أي من علم الكلام- لقد سمعت من حفص كلاماً في الكفر لا أقدر أن أحكيه. وقال أحمد: لا يفلح صاحب كلام أبداً، وهذا كله ذم لأهل الكلام. وعن الحسن بن زياد اللؤلؤي الحنفي تلميذ أبي حنيفة وقال له رجل في زفر بن هذيل: أكاد ينظر في الكلام، قال: سبحان الله! ما أحمقك، ما أدركت مشايخنا زفر وأبا يوسف وأبا حنيفة ومن جالسنا وأخذنا عنهم، يهمهم غير الفقه والاقتداء بمن تقدمهم؟ قال ابن عبد البر: أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن هذا الكلام أهل بدع ومزيغ، ولا يعدون عند الجميع في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والتمييز والفهم. وعن أبي الزناد أنه قال: وأيم الله إن كنا نلتقط السنن من أهل الفقه والثقة ونتعلمها شبيهاً بتعلمنا آية القرآن، وما برح من أدركنا من أهل الفقه والفضل من خيار أولي هذه الأمة يعيبون أهل الجدل والتنقيب والأخذ بالرأي، وينهون عن لقائهم، ويحذروننا مقاربتهم أشد التحذير. وعن عمر بن الخطاب قال: اتقوا الرأي في دينكم. قال سحنون عن البدع، وخرج ابن وهب عن عمر أن أصحاب الرأي هم أعداء السنن، إلى غير ذلك من النصوص المأثورة.

إلى أن المراد بالرأي المذموم في هذه الأخبار البدع المحدثة في الاعتقاد؛ كرأي الجهم وغيره من أهل الكلام؛ لأنهم قوم استعملوا قياسهم وآراءهم في رد الأحاديث، فقالوا: لا يجوز أن يرى الله في الآخرة؛ لقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فردوا قوله عليه الصلاة والسلام: «إنكم ترون ربكم»، وتأولوا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ على غير معناها، وقالوا: لا يجوز أن يسأل الميت في قبره؛ لقوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: 11]، فردوا الأحاديث المتواترة في عذاب القبر وفي فتنته، وردوا الأحاديث في الشفاعة على تواترها، وقالوا: لن يخرج من النار من دخل فيها من أهل الكبائر، وقالوا: لا نعرف حوضاً ولا ميزاناً ولا نعقل ما هذا، وردوا السنن في ذلك كله برأيهم وقیاسهم إلى أشياء يطول ذكرها من كلامهم في صفات الباري، وقالوا: العلم محدث في حال حدوث المعلوم، قالوا إن الله حدث له علم بعد أن لم يكن، والعياذ بالله؛ لانه لا يقع علم إلا على معلوم، فقاسوا الله على الخلق فراراً من قدم العالم في زعمهم، هكذا قالوا.

وقال جماعة: الرأي المذموم المراد به الرأي المبتدع وشبهه من ضروب البدع، وهذا القول أعم من الأول؛ لانه لا يختص بالعقديات، بل يجمع جميعها؛ لأن الأول خاص بالعقائد وهذا عام في البدع في العقائد والفقهيات.

وقال آخرون -قال ابن عبد البر وهم الجمهور-: إن المراد بالرأي المذموم القول في الشرع بالاستحسان والظنون والاشتغال بحفظ المعضلات ورد الفروع بعضها إلى بعض دون ردها إلى اصولها، فاستعمل فيها الرأي قبل، فاستعمل فيها الرأي الآخر في تفسير الرأي المذموم، نعم.

وهذا القول غير خارج عما تقدم، نعم؛ قال: وإنما الفرق بينهم أن هذا منهي عنه للذريعة إلى الرأي المذموم، وهو معارضة النصوص المنصوص، ولانه إذا لم يبحث عن ابن عبد البر وجماعة فسروا الرأي المذموم هو الاشتغال بالمعضلات والفروع الدقيقة وإن كان بالاجتهاد، لكن حتى هذا منهي عنه، لماذا؟ لانه ذريعة للوصول إلى البدع، طيب.

قال: فنحتاج لا في التفسيرين الأولين للرأي المذموم -وهو تفسير الرأي المذموم بأنه الذي يشمل العقائد والعمليات، أو الرأي المذموم في العقائد فقط- فالحاصل المجموع مما تقدم: أن الصحابة ومن بعدهم لم يعارضوا ما جاء في السنن بارائهم، علموا معناه أو جهلوه، جرى لهم على معهودهم أو لا، وهو المطلوب من نقله ليعتبر فيه من قدم الناقص -وهو العقل- على الكامل -وهو الشرع-.

ورحم الله الربيع حيث يقول: يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه ولا تتكلف؛ فإن الله يقول لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86].

ثم ذكر المعتبر بن سليمان والأوزاعي وغيرهم من السلف، وجميع ما قالوه مستمد معنى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ... وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: 7-8].

هذه قاعدة التسليم، فإنها صريحة في هذا البعض الذي قررناه؛ فإن كل ما لم يجري على المعتاد في الفهم متشابه به، فالوقوف عنه هو الأحرى بما كان عليه الصحابة المتبعون لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو كان من شأنهم اتباع الرأي لم يذموه ولم ينهوا عنه، لم يذموا الخوض في الرأي ولم يذموا الرأي؛ لأن أحداً لا يرتضي طريقاً ثم ينهى عن سلوكه، كيف هم قدوة الأمة باتفاق المسلمين.

وروي أن الحسن كان في مجلس فذكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال: إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً... إلى آخره الحديث المشهور.

وعن ابن مسعود: من كان منكم متسياً فليتأس بأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام... إلى آخره.

والآثار في هذا المعنى كثيرة، جميعها يدل على الاقتداء بالصحابة الكرام والاتباع لطريقتهم، وهذا معنى: «ما أنا عليه وأصحابي». هذا كل ما يريد أن يصل إليه، طريقة الصحابة، منهج الصحابة، منهج الفرقة الناجية ما هو؟ أنه لا يعارض الوحي بالعقل، لطريقتهم على كل حال وهي طريقة النجاة حسب ما نبه عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أنا عليه وأصحابي».

نصلي المغرب ثم نعود إن شاء الله.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أخيراً، الفكرة الأخيرة متعلقة بالسبب الرابع من أسباب نشوء البدع، وهي الهوى، تمام، اتباع الهوى.

إذاً، البدع إما بسبب الجهل المعرفي، وهذا قد يكون الجهل بالوسائل أو الجهل بالمقاصد، وأقصد بالمقاصد الجهل بالتفاصيل كيفية التعامل مع الكتاب والسنة، النوع الثالث كان هو تقديم العقل على النقل، وكان هذا في الفصل الماضي وإن قررناه سريعاً تثبيت أن العقل له كثير من الأوهام، له كثير من الضعوفات، العقل يتعامل عادة مع المعتاد، والشريعة تأتي بما يخالف المعتاد، ولذلك كما قال العلماء: الشريعة لا تأتي بما تحيله العقول، لكن تأتي بما تحار فيه العقول، هذه عبارات العلماء: الشريعة لا تأتي بالمستحيلات العقلية، لكن تأتي بما تحار فيه العقول ولا تحسن فهمه، فعليك أن تسلم للوحي وتجعل العقل تبعا للوحي.

أخيراً، السبب الرابع ومن أكثر الأسباب هو قضية اتباع الهوى، فيقول مقولته المشهورة: النوع الرابع أن الشريعة موضوعة لإخراج المكلف عن داعي هواه حتى يكون عبداً لمولاه؛ هي الشريعة، الشريعة نعم هي تريدك أن تخرج من ميولك وأهوائك لتكون عبداً للإله، هذا مقصد عظيم من مقاصدها، وهذا أصلاً قد تقرر في كتاب الموافقات، لذلك هذه اللفظة نفسها قالها في الموافقات الشاطبي لكن على وجه كلي يليق بالأصول، يقول: أنا ذكرتها في الموافقات، لكن على وجه يخدم علم أصول الفقه اللي هو موضوع كتاب الموافقات، فمن أراد الاطلاع على هذه الجمله بتفاصيلها فليطالعها في كتاب الموافقات.

قال: ولما كانت طرق الهوى متشعبه -أنا في اعتقادي أن الكلمة هنا الهوى مش الحق، وهذه موجودة عندنا في نسخة ميم عندي في الحاشية في نسخة ميم الهوى؛ لأنه طريق الحق واضح واحد، كيف يقول: لما كانت طرق الحق متشعبه؟ لا، لازم تكون طرق الهوى العكس، ولما كانت طرق الهوى كثيرة لا نستطيع، وهذه أظن تتكلم عنها بهذه الطريق سابقاً أننا لا يمكن أن نحصر أنواع الأهواء وأشكالها، لكننا نضع قواعد عامة في معرفة الهوى، فلنذكر منها شعبة واحدة تكون كالطريق لمعرفة ما سواها من الأهواء- فاعلم أن الله تعالى وضع هذه الشريعة حجة على الخلق، كبيرهم وصغيرهم، مطيعهم وعاصيهم، برهم وفاجرهم، لم تختص الحجه بها أحد دون أحد، وكذلك شرع الشرائع إنما وضعها لتكون حجة على جميع الأمة التي تنزل في تلك الشريعة، حتى إن المرسلين فيها صلوات الله عليهم أجمعين داخل تحت أحكامها، فانت ترى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مخاطب في جميع أحواله وتقلباته، مما اختص به دون أمته أو كان عن حتى الانبياء خاضعون لقانون الشريعة، حتى الأنبياء نعم.

قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1]، ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50]، لا يحل لك النساء يا نبي إذا طلقت النساء... كلها أحكام النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بها.

طيب، قال: فشريعة الحكيم على الإطلاق والعموم عليه وعلى جميع المكلفين، وهي الطريق الموصل للخير الأعظم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]، فهو عليه الصلاة والسلام أول من هداه الله بكتاب الإيمان، ثم تبعه فيه، والكتاب هو الهادي والوحي المنزل عليه مرشد وبين لذلك الهدى، والخلق مهدى بالجميع.

ولما استنار قلبه وجوارحه عليه الصلاة والسلام باطنهم وظاهر بنور الحق علماً وعملاً صار هو الهادي الأول لهذه الأمة والرشيد الأول، حيث اختصه الله دون الخلق بأنزال لذلك النور عليه، وصفاه من جملة من كان مثله في خلقه بشرية، صفاء لا من جهة كونه بشراً عاقلاً مثلاً لاشتراك مع غيره هذا الوصف، ولا لكونه من قريش مثلاً دون غيره؛ ألا يلزم ذلك في كل قرشي، ولا لكونه من بني عبد المطلب ولا لكونه عربياً ولا لغير ذلك، لمجرد اختصاصه بالوحي الذي استنار به قلبه وجوارحه، فقال: خلقه القرآن، حتى قِيل فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، وإنما ذلك لأنه حكم الوحي على نفسه حتى صار في علمه وعمله على وفق...

إذاً، النبي عليه الصلاة والسلام فضله على العالمين كان مش من جهة القرشية أو العربية، وإنما بل من جهة اختصاصه بالوحي الذي استنار به قلبه وجوارحه، من هنا كان كماله على العالمين.

نعم قال: فكان وحي حاكم وافقاً قائماً مذعناً منبياً نداءه واقفاَ عند حكمه، وهذه الخاصية كانت من أعظم أدلة، من أعظم أدلة على صدقه فيما جاء به؛ إذ قد جاء الأمر وهو مؤتمر، وبنيه وهو منته، وبالوعظ وهو متعظ، والتخويف وهو أول الخائفين، والترجية وهو سائق حبه.

يعني من دلائل صدقه في النبوة ليس فقط المعجزات، بل من دلائل صدقه التي يستدل بها أنه كان يأامر بالشيء وهو أول من يفعله، وينهى عن الشيء وهو يخبرهم أنه منهم منهي عنه، فهذا يدل على صدقه، وليس أنه ملك جاء ليتجبر عليهم، وحقيقة ذلك كله جعله الشريعة المنزلة عليه حجة حاكمة عليه، ودلالة له على الصراط المستقيم الذي سار عليه صلى الله عليه وسلم.

طيب، ولذلك صار عبد الله حقاً، وهي أشرف تسمية له صلى الله عليه وسلم لما قام عبد الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1].

وإذا كان ذلك كذلك، فسائر الخلق حريون بأن تكون الشريعة حجة حاكمة عليهم، ومناراً يهتدون بها إلى الحق، وشرفهم إنما يثبت بحسب ما اتصفوا به من الدخول تحت أحكامها والعمل بها قولا واعتقاداً وعملاً لا بحسب عقولهم؛ شرفك بقدر التزامك بالشريعة هيك بده يقول لك، لا بحسب عقولهم الشرف ولا بحسب شرف قومهم، لذلك ماذا قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] لا أحسبكم، لا أعق... أتقاكم.

فكان الشرف مناطه مدى الالتزام بالشرع، فمن كان أشد محافظة على اتباع الشريعة فهو أولى بالشرف والكرم، من كان دون ذلك لم يمكن أن يبلغ في الشرف مبلغ الأعلى في اتباعها، فالشرف إذاً إنما هو بحسب المبالغة في تحكيم الشرع.

ثم نقول بعد هذا: إن الله سبحانه وتعالى شرف أهل العلم ورفع أقدارهم وعظم مقدارهم، ودل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، بل قد اتفق العقلاء على فضيلة العلم وأهله وأنهم المستحقون لأشرف المنازل، وهو مما لا ينازع فيه عاقل.

واتفق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجراً عند الله يوم القيامة، ولا علينا أسامحنا بعض الفرق في تعيين العلوم الشرعية عن العلوم التي نبه الشرع على مزيتها وفضيلتها، أم لم نسامحهم بعد؟ الاتفاق من الجميع على الأفضلية وأثبات المزية، ولا علينا أسامحنا بعض الفرق في تعيين... آه يعني لو قال شخص: إن أفضل العلوم علم العقيدة، وقال الفقهاء: لا، أفضل العلوم الفقه، وقال بعضهم: أفضل العلوم التفسير، مش مشكلة ما دمنا ندور في فلك العلوم الشرعية، مش مشكلة ما دمنا... بعد الاتفاق على أن أفضل العلوم هي الشريعة، أما داخل الشريعة ما هو أفضل علم؟ أدرس فقه يا شيخ ولا أتخصص أصول دين؟ أتخصص أصول دين ولا تفسير؟ مش مشكلة.

وأيضاً، فإن في علوم الشريعة منها ما يجري مجرى وسائل بالنسبة إلى الساعات الأخروية، ومنها ما يجري مجرى المقاصد، والذي يجري منها مجرى المقاصد أعلم ما ليس كذلك بلا نزاع من العقلاء أيضاً -كلمة العربية بالنسبة علم الفقه، فإنه كالوسيلة في علم الفقه الأولى معظم أن- علوم الشريعة تنقسم مقاصد ووسائل، علوم وسائل زي اللغة العربية أصول الفقه، وأما المقاصد علم العقيدة والفقه.

وإذا ثبت هذا، فأهل العلم أشرف الناس وأعظم منزلة بلا إشكال ولا نزاع، وإنما وقع الثناء في الشريعة إلى أهل العلم من حيث اتصافهم بالعلم لا من جهة أخرى، ودل على ذلك وقوع الثناء عليهم مقيداً بالاتصاف بالعلم، فهو إذاً العلة في الثناء: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، فعلق مدحهم باعتبارهم علماء بالعلم، بالعلم الشرعي.

طبعاً هنا ولولا ذلك الاتصاف بالعلم الشرعي لم يكن لهم مزية على غيرهم، ومن ثم صار العلماء حكاما على الخلائق أجمعين قضاء أو فتيا أو ارشاداً؛ لأنهم اتصفوا بالعلم الشرعي الذي هو حاكم بإطلاق، وليسوا بحكام من جهة ما اتصفوا به من وصف مشترك فيه مع غيرهم كقدرة أو العقل؛ إذ لا مزية في ذلك من حيث القدر المشترك لاشتراك جميع البشر في هذا، وإنما صاروا حكاماً من جهة ما اتصفوا بالوصف الحاكم، وهو العلم الشرعي، وهذا التقرير غير محتاج إلى برهان.

لما صار أهل العلم حكاماً على الخلق ومرجوعاً إليهم بسبب حملهم للعلم الحاكم، لزم من ذلك أنهم لا يكونون حكاما على الخلق إلا من هذا الوجه، كما أنهم ممدوحون من ذلك الوجه. فلا يمكن أن يكونوا ممدوحين من وجه العلم الشرعي وحكاما على الخلق فقط من جهة أنكم تتكلمون باسم الشريعة؛ فلا يمكن أن يتصفوا بوصف الحكم مع فرض خروجهم عن العلم الحاكم، إذ ليسوا حجة على الناس. علماء الشريعة ليسوا حجة إلا من جهة تمسكهم بالعلم الشرعي، فإذا خرجوا عن جهته فكيف يتصور أن يكونوا حكاما على الناس؟ هذا محال. وكما أنه لا يقال في العالم بالعربية إنه مهندس ولا في المهندس أنه عالم عربي، فكذلك لا يقال في الزائغ عن حكم الشريعة إنه حاكم بالشرع، بل يطلق عليه أنه حاكم بالعقل أو حاكم بالرأي. فلا يصح أن يجعل حجة في العلم الحاكم، لأن العلم الحاكم يكذبه ويرد عليه، وهذا المعنى أيضا في الجملة متفق عليه لا يخالف فيه أحد من العقلاء.

ثم نصير من هذا إلى نوع آخر مرتب عليه، وهو أنه إذا اتبع في قوله وانقاد إليه الناس في حكمه، فإنما اتبع من حيث هو عالم بها وحاكم بمقتضاها لا من جهة أخرى، في الحقيقة يبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، المبلغ عن الله عز وجل، فيتلقى منه ما بلغ على العلم بأنه بلغ أو على غلبة الظن بأنه بلغ، لا من جهة أنه متصل الحكم مطلقا، إذ لا يثبت ذلك لأحد على الحقيقة، وإنما ثبت للشريعة منزلة على الرسول صلى الله عليه وسلم وثبت ذلك له عليه الصلاة والسلام وحده. الخلق من جهة دليل العصمة والبرهان أن جميع ما يقوله ويفعله حق، فإن رسالته مقترنة المعجزة على ذلك دلت، فغيره لم تفعل له عصمة بمعجزة بحيث أن النبي عليه الصلاة والسلام لماذا هو حاكم بنفسه؟ لأن المعجزة دلت على صدقه، وأما من بعد النبي عليه الصلاة والسلام من ورثة الأنبياء من العلماء هو ليس حاكما في الشرع إلا من جهة اتصاله بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا خرج عن هذا لا يعتبر حاكما عندئذ.

فغيره لم تثبت له عصمة بالمعجزة بحيث يحكم بمقتضاها حتى يساوي النبي صلى الله عليه وسلم في الانتصاب للحكم بالاطلاق، بل إنما يكون منتصبا على شرط الحكم ومقتضاه. العلماء منتصبون للحكم على شرط الحكم وهو الاتباع، بحيث إذا وجد الحكم في الشرعي بخلاف ما حكم لم يكن حاكما، إذا كان بالفرض خارجا عن مقتضى الشريعة الحاكمة، وهو أمر متفق عليه العلماء، ولذلك إذا وقع النزاع في المسائل الشرعية وجب ردها للشريعة حيث يثبت الحق فيها، لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].

فالمكلف بأحكامها لا يخلو من إحدى ثلاث أمور: أحدها أن يكون مجتهدا. الآن هذا الكلام جيد أن تفهمه، أن المسلمين ثلاثة أقسام بالنسبة للشريعة: القسم الأول المجتهدون. فحكمه ما أداه لاجتهاده فيها، لأن اجتهاده في الأمور التي ليس فيها دلالات واضحة إنما يقع موقعه على فرض أن ما يكون ما ظهر له هو الأقرب إلى قصد الشارع، ولولا بدلة الشريعة دون ما ظهر لغير المجتهدين فأجمع الاتباع هو الأقرب، بدليل أنه لا يسعه فيما اتضح فيه الدليل والا اتبع الدليل دون ما أداه لاجتهاده، ويعد ما ظهر له لغوا كالعدم لأنه على غير صوب الشريعة الحاكمة، فإذا ليس قول بشيء يعتد به في الحكم. إذا المجتهد إذا ظهر له أن الدليل معه يجب عليه أن يتبع الدليل، وأما كما قال: أما إذا ظهر له أن الدليل ليس معه بل مع غيره، فليس له أن يضع نفسه حاكما هنا، بل ينزل لحكم الدليل وينزل عن أنه حاكم ويتبع الدليل الذي ظفر به غيره من العلماء.

الحالة الثانية أن يكون الشخص هذا أصلا هو مش مجتهد، أن يكون مقلدا صرفا خليا من العلم الحاكم جملة، هذا فلا بد له من قائد يقوده وحاكم يحكم عليه وعالم يقتدي به، ومعلوم أنه لا يقتدي به، أنت لما تقتدي بشخص لا تقتدي به إلا من حيث هو عالم بالعلم الحاكم وهو العلم الشرعي، والدليل على ذلك أنه لو علم أو غلب على ظنه أنه ليس من أهل ذلك العلم لم يحل له اتباعه ولا الانقياد لحكمه، بل لا يصح أن يخطر بخاطر العامي ولا غيره تقليد الغير في أمر مع علمه بانه ليس من أهل ذلك الأمر، حتى في الطب والهندسة، كما أنه لا يمكن أن يسلم المريض نفسه إلى أحد يعلم أنه ليس بطبيب إلا إذا كان مجنونا فاخذ العقل. وإذا كان كذلك، فإنما ينقاد إلى المفتي من جهة ما هو عالم بالعلم الذي يجب الانقياد إليه، لا من جهة أنه المفتي هو ابن العشيرة الفلانية، أنت لما تنقاد لمفتي بس لأنه من عشائر الزرقاء يا شيخ ولا لانه هو عالم مش لأنه من عشيرة اردنية ولا من عشيره هو اصبح من اجل ذلك متبع، وإنما من أجل العلم وهذه الجمله ايضا لا يسع احد يعني هي قاعده ما حدا خالف فيها.

والثالث أن يكون الشخص غير بالغ مبلغ المجتهدين، لكنه في النص، لا هو عامي عامي ولا هو مجتهد، لكنه يفهم الدليل وموقعه ويصلح فهمه للترجيح بالمرجحات المعتبرة في تحقيق المناط ونحوه، فلا يخلو أن يعتبر ترجيحه ونظره. هل طالب العلم المتقدم، هل يمكن أن هو مش عالم لكن طالب علم متقدم، هل يمكن أن يحترم وجهة نظره ويحترم أم نقول هو مقلد صرف؟ فيقول هنا في قال: فإذا اعتبرناه صار مثل المجتهد في ذلك الوجه الذي يحسن فيه من حيث تحقيق المناط أو الترجيح، والمجتهد إنما هو تابع للعلم الحاكم ناظر نحوه متوجه شطره، فالذي يشبه المجتهد وهو طالب العلم المتقدم يأخذ حكمه في ذلك وله رأي، وإن لم نعتبر طالب العلم المتقدم له أي رأي فلا بد إذا من رجوع هذا الطالب إلى درجة العامي، يصبح مثل العامي، والعامي إنما اتبع المجتهد من جهة توجهه إلى صوب العلم الحاكم، فكذلك من ينزل منزلة العامي عليه أن يتبع المجتهد في جهة علمه.

ثم نقول إن هذا مذهب الصحابه أما النبي صلى الله عليه وسلم فاتباعه للوحي أشهر من أن يذكر، وأما أصخابه فاتباعهم له في ذلك من غير اعتبار بمؤلف أو مخالف، الصحابة كانوا يتبعون الوحي لا تاخذهم في الله لومة لائم، بغير اعتبار لمؤلف ولا مخالف، وافقتني زعلت مني، بتعرفوا عمر معاويه علي أقوياء في الأخذ بالحق ولو خالفهم أهل الأرض، فلا نطول في الاستدلال على شدة تمسك الصحابة بالشرع لأن هذا واضح، فعلى كل تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو متوجه نحو الشريعه قائم بحججها حاكم بأحكامها جملة وتفصيلا، وانه متى وجد متوجها إلى غير تلك الجهة في أي جزئية من الجزئيات أو فرع من الفروع لم يعد حاكما ولا استقام أن يكون مقتدى به فيما حاد فيه عن صوب الشريعة البته.

فيجب إذا على الناظر في هذا الموضع أمران إذا كان هذا الناظر غير مجتهد: أحدهما لا يتبع على العالم إلا من جهة ما هو عالم بالعلم يحتاج إليه من حيث هو طريق إلى استفادة ذلك العلم، ليس لصاحبه منه إلا كونه مودعا له ماخوذا به في تلك الأمانة، حتى إذا علم أو غلب على الظن أنه مخطئ فيما يلقي أو تارك للقاء تلك وديعة ما هي عليه أو منحرف عن صوبها بوجه من وجوه الانحراف توقف ولم يصر على الاتباع إلا بعد التبيين، إذ ليس كل ما يلقيه العالم يكون حقا بالإطلاق لإمكان زوال الخطأ وغلبة الهوى في بعض الأمور وما أشبه ذلك. كما أن وهذه قاعدة يجب أن يعرفها العامة، أنت ممكن تتبع شيخ معين من المشايخ، لكن الشيخ في مرة من المرات قال شيئا أنت استغربته ليس من كلامه المعتاد، فهنا توقف ولا تقل خلص ما هو شيخي بيحكي كل شيء صح، لا ما في شيخي بيحكي كل شيء صح، إذا رايت الشيء الذي تنكره من كلام شيخك فتوقف حتى تستبين، ولا تقل سمعنا وأطعنا كالمغفلين.

أما إذا كان هذا المتبع نظر في العلم وتبصص فيما يلقى إليه كأهل العلم في زماننا، فإن توصيله إلى الحق أسهل، لأن منقولات في الكتب إما تحت حفظه وإما معدة لأن يحققها بمطالعته ومذاكرته، وأما إن كان عاميا صرفا، فيظهر الإشكال عندما يرى الاختلاف بين الناقلين إلى الشريعة، فلا بد له هنا من الرجوع أخرا إلى تقليد بعضهم، إذ لا يمكن في المسألة الواحدة تقليد مختلفين في زمان واحد لأنه محال وخلق الإجماع. الناس بقول لك نوعين، واحد يستطيع أن يرجح بين كلام العلماء فهذا يرجح كطالب علم متقدم مثلا أو أهل العلم في زماننا، وأما عامي صرف فهذا في النهاية سيصير إلى قول أحد العلماء، فليجتهد في تخيل العالم الذي سيصير إلى رأيه. ألا ترى أن القولين إذا وردا على المقلد فلا يخلو أن يمكنه الجمع بينهما في العمل أو لا يمكنه، فإذا لم يمكن للعامي أن يجمع بين قولي العالمين المتناقضين كان عمله بهما معا محالا، وإن أمكنه صار عمله ليس على قول واحد منهما بل أصبح قولا ثالثا لا قائل به، ويعضد ذلك أنه لا نجد صورة ذلك العمل معمولا بها عند المتقدمين من السلف فهو مخالف للإجماع.

وإذا ثبت أنه لا يقلد إلا واحدا العامي لا يقلد إلا واحدا، فكل واحد منهما يدعي أنه هو الأقرب إلى الحق من صاحبه ولذلك خالفه وإلا لم يخالفه، والعامي جاهل مش رح يعرف مين اللي فيهم أعلم، فلا بد له ممن يرشده إلى من هو الأقرب إلى الحق منهما، وذلك إنما يثبت للعامي بطريق جملي وهو ترجيح أحدهما على الآخر أما من حيث أنه هذا مشهور بالعلم أكثر أو هذا أفضل، ويظهر ذلك من جمهور العلماء والطالبين الذين لا يخفى عليهم مثل ذلك، لأن الأعلامية تغلب على ظن العامي أن صاحبها أقرب إلى صوب العلم الحاكم لا من جهة أخرى، العامه كيف سيرجح بين اثنين؟ من جهة مين الأكثر علم بالشريعة، فإذا لا يقلد الشخص إلا باعتبار كونه حاكما بالعلم الحاكم، لأنه هذا هو اللي بده يرجع له.

طيب شيخنا سؤال الآن تطبيق قسم تقسيم قريبا هذا يعني قديما ذكر موضوع المجتهد والعامي والمخضرم سماه، فقال المخضرم والعامي يحرم عليه النظر في الادله. هنا لا، هنا قسم تقسيم هذا على سبيل التنزل وفي تحقيق المناطات وليس النظر في الأدلة ابتداء. نعم المخضرم لا ينظر في الأدلة ابتداء، لكن هنا قال الطالب طالب العلم فيما يتعلق بتحقيق المناط ونحوه، هذه مساحة فيها مجال لطالب العلم أن ينظر فيها.

الأمر الثاني الذي يجب على المسلم غير العالم أن ينظر فيه وأن يفهمه ألا يصمم على تقليد من تبين له في تقليده الخطأ شرعا، وذلك أن العامي ومن جرى مجراه قد يكون متبعا لبعض العلماء أما لكونه أرجح من غيره عنده أو عند أهل زمانه أو قطره، وأما لأنه هو الذي اعتمده أهل قطره في التفقه في مذهبه، صار خلص حطوا مفتي عام وصرنا نمشي معه، وعلى كل تقدير المهم فإذا تبين له في بعض مسائل متبوعه الخطأ والخروج عن صوب العلم الحاكم اللي هو علم الشريعة، فلا يتعصب لمتبوعه بالتمادي على اتباعه فيما ظهر فيه الخطأ، لأن تعصبه يؤديه إلى مخالفة الشرع أولا، ثم إلى مخالفة متبوعه، لأنه متبوعك لو عرف أن كلامه ليس هو الشرع لما فعله، فإذا أنت اتبعت متبوعك وأنت تعرف أن متبوعك أخطأ، ترى حتى متبوعك لا يرتضي ذلك. بتعرف كما قال الشافعي: إذا رايتم كلامي يخالف الكتاب والسنة فليس مذهبي، أبو حنيفة: إذا رايتم كلامي يخالف اعرضوه عرض الحائط. كثير هذه النقول تدل على أنهم لا يرتضون أن تتبعوهم على أخطائهم.

أما أنه خلاف الشرع فهذا بالفرض اللي فرضناه، وأما أنك إذا اتبعت متبوعك فيما علمت أنه خطا فانت خالفت متبوعك، فلخروجه عن شرط الاتباع لأن كل عالم يصرح أو يعرض بأن اتباعه العالم اللي بيخاف ربنا طبعا هذا بأن اتباعه إنما يكون على شرط أنه حاكم بالشريعة لا بغيرها، فإذا ظهر أنه حكم بخلاف الشريعة خرج عن شرط متبوعه. فاتباعك لأحمد، أحمد نفسه ما بيرضى انك تتبعه إذا ظهر لك أن كلامه غلط، وقص على ذلك أئمة المذاهب، فإذا ظهر أنه حكم إمام مذهبك بخلاف الشريعة فقد خرج عن شرط متبوعه فلم يكن تابعا له، فتأملوا كيف خرج عن تقليد متبوعه بالتصميم على اتباع متبوعه، خرجت عن شرط أحمد أنت ومن معنى كلام مالك ما كان من كلام النصوص المشهورة عن العلماء التي يامرون فيها اتباعهم بأن لا يتبعوهم إذا خالفوا الكتاب والسنة، قال العلماء: وهذا لسان حال الجميع ومعناهم أن كل ما يتكلمون به فإنما يقولون به على تحري أنه مطابق للشريعة الحاكمه.

طلع مطابق للشريعة فبها ونعمه، وما لا من كلام أحمد أو أبي حنيفة فليس بمنسوب إلى الشريعة، ولا هم أيضاً ممن يرضى أن ينسب كلامهم إلى الشريعة. لكن يتصور في هذا المقام وجهان: أن يكون المتبوع مجتهداً كأحمد وغيره، فالرجوع في التخطئة والتصويب إلى ما اجتهد فيه وهو الشريعة. وأن يكون مقلداً لبعض العلماء كالمتأخرين الذين من شأنهم تقليد المتقدمين بالنقل من كتبهم والتفقه من مذاهبهم، فالرجوع في التخطئة والتصويب إلى صحة النقل عما نقلوا عنه وموافقتهم لمن قلدوا أو خلاف ذلك؛ لأن هذا القسم مقلدون بالفَرْضِ فلا يسعهم الاجتهاد في استنباط الأحكام إذ لم يبلغوا درجته.

إيش يريد أن يقول؟ إنه إذا كان الذي تتبعه أنت مجتهداً من أهل الاجتهاد، فالرجوع في صحة القول أو تخطئة القول إليه هو لأنه هو المجتهد. وأما إذا كان أنت الشخص اللي بتتبعه هو مش مجتهد مقلد، كما هو حال أزمتنا؛ أنتم بتتبعوا مشايخ حنابلة أو مشايخ شافعية، بس كلنا كناحبلة أو شافعية كلنا مقلدون أليس كذلك؟ فأنت لما تتبع شيخ حنفي أو مالكي أو شافعي أنت مش عم تتبع مجتهد فعلياً، أنت عم تتبع مقلد لمالك. فهؤلاء لما أنت تتبعهم، لا يطالب هو بالتصويب أو الترجيح؛ لأن هذا مقلد الشيخ، وإنما يطالب ماذا؟ أنه حرر لي هل فعلا هذا مذهب مالك ولا لا؟ غير هيك أنا ما بطالبك يا شيخ، أنا بس بدي إياك تأكد لي من صحة نقلك عن مالك، أما أن أقول يلا رجح لي بين مالك وأحمد، طيب ما هو شيخك ترى مقلد وليس من أهل الاجتهاد، فهذا ما ينقسم مقلدون فلا يصحهم الاجتهاد في استنباط الأحكام إن لم يبلغوا درجته فلا يصح تعرضه للاجتهاد في الشريعة مع قصورهم عن درجة الاجتهاد، فإن فرض انتصابه للاجتهاد فهو مخطئ آثم، نصب نفسه مرجحاً وهو غير مرجح -هذا لو يسمعوه دكاترة الجامعات-. فإن فرض نفس، فإن فرض انتصابه للاجتهاد فهو مخطئ آثم أصاب أو لم يـ، حتى لو أصبت ترى أنت آثم؛ لأنه أتى الأمر من غير بابه وانتهك حرمة الدرجة، يعني أنت بدك تدرج شوي -عفواً- وانتهك حرمة الدرجة، يعني أنت شو درجتك؟

مقلد، ما بصير تطلع لدرجة مجتهد، أنت مقلد وقف ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] ربنا بيقول فاصابته، حتى لو أصاب هذا الشيخ مصادفةً، بس من حيث لا يدري، وخطأه هو المعتاد والأغلب فلا يصح اتباعه كسائر العوام إذا راموا الاجتهاد في أحكام الله لا يتبعون، ولا خلاف في أن مثل هذا الاجتهاد غير معتبر، وأن مخالفة العامي كالعدم، لو أنت خالفت شخص عامي أو شخص مقلد -أنا ما خالفت مجتهد عفواً- وإن عفواً إن مخالفة العامية للعالم، مخالفة العامة للعلماء هل هي مخالفة معتبرة؟ شخص عامي خالف العلماء جميعاً، هذا خلافه كالعدم، فيقول: ومخالفة العام لا عبرة بها فوجودها كالعدم، وانه في مخالفته لأهل العلم آثم مخطئ. فكيف يصح مع هذا التقرير تقليد غير مجتهد في مسألة أفتى فيها باجتهاد؟ ولقد زل بسبب الإعراض عند أصل الدليل والاعتماد على الرجال اقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواء سواهم بغير علم فضلوا على سواء السبيل.

والناس كل ذلك عِدّة أمثلة، يعني هي رقم 10 أنا عندي الشاطبي مش عارف شو قصه كل الأشياء بده يضرب لها عشرة أمثلة، طيب أحدها قال: أحدها وأشدها قول من جعل اتباع الآباء في أصل الدين وهو مرجوع إليه دون غيره حتى رده بذلك براهين رسالته وحجة القرآن إلى العقي فقالوا ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22]. فحين نبهوا على وجه الحجة بقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِيَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: 24]. طيب هو ماذا يقصد؟ وقد زل بسبب الإعراض عن أصل الدليل، أصل الدليل ما هو؟ أن عالم والشخص إنما يتبع باعتبار تمسكه بالشرع وليس باعتبار ذاته، هي هي المسألة اللي بحكي عنها، فكل من خرج عن مقتضى الشرع حتى ولو كان عالماً لا يتبع. للاسف بعض الناس أصبحوا متعصبين للمشايخ والرجال والآراء أكثر من تعصبهم للشرع، فأصبح مع شيخه أصاب شيخه أو أخطأ بقولك: أنا مع الشيخ لنموت، أصاب الشيخ أخطأ أنا معه الآن، حتى لو ما فعل ما فعل الآن.

من بدأ هذا النموذج أولاً؟ كفار قريش، قالوا لما كان يق، حتى مع سيدنا إبراهيم مش إبراهيم عليه السلام ماذا قال لهم؟ هل ينفعونكم أو قالوا قال بل وجدنا آباءنا -يعني صح ولا غلط نحن ماشيين مع آبائنا- هذا أكبر نموذج على ترك العلم واتباع الآباء. طيب قال: لم يكن لهم جواب للإنكار اعتماد على اتباع الآباء واطراحاً لما سواه، ولم يزل المثل هذا مذموماً في الشرائع كما حكى الله عن قوم نوح الإسلام بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 24]. وعن قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 72-74] إلى غير ذلك ما في معناه. فكان الجمعين حين اعتبروا الرجال واعتقدوا أن الحق تابع لهم ولم يلتفتوا إلى أن الحق هو المقدم على الرجال، الحق يقدم على الرجال.

ثانياً: قال ثانیًا رأي في اتباع الإمام معصوم في زعمهم، وإن خالف ما جاء به النبي المعصوم حقاً وهم محمد صلى الله عليه وسلم، حكم الرجال على الشريعة ولم يحكموا شريعة على الرجال، وإنما أنزل الكتاب ليكون حكماً على الخلق على الإطلاق والعموم، فبت الشيعة يقولون إن الإمام المعصوم قوله يقدم حتى ولو كان خلاف الحديث النبوي، الله أكبر جعلوا الإمام المعصوم لأنه الإمام المعصوم أعلى من حديث محمد صلى الله عليه وسلم.

والثالث لاحق بالثاني، وهو مذهب الفرقة المهدوية، نعم قال وهو مذهب الفقه المهدوية التي جعلت أفعال أفعال المهديهم حجة وافقت حكم الشريعة وخالفت بل جعلوا أكثر ذلك انفحه في عقد مانهم من خالفها كفروه وجعلوا حكمه حكم الكافر الأصلي، وقد تقدم من ذلك أمثلة.

والرابع رأي بعد ومن خالفها كفروه وجعلوا حكم حكم الكافر الأصلي والعياذ بالله، واضح أنه هي قصه المهدي كانت عامله دربكه في ايام الشاطبي، عشان هيك بكثير المهدي المغرب كان عاملين لهم مشكله في المغرب، للأسف أن فرقة الموحدين يعني نشرت فكرة الـ هذا المهدي الذي زعموه.

الرابع قال: الرابع رأي بعد المقلدة لمذهب الإمام يزعمون أن إمامهم هو الشريعة بحيث ينفون أن ينسب إلى أحد من علماء فضيلة دون إمامهم، حتى إذا جاءهم أحد من بلغ درجة اجتهاد وتكلف مسائل باجتهاد ولمرتبط إلى امامهم رموه بالنكير وفوقوه إليه سهام النقد، وعدوهم من الخارجين عن الجادةفرقين الجماعة منغير من غير استدلال منهم بدليل بل بمجرد اعتياد العلمية وهؤلاء متعصبة المذاهب متعصبة الحنفية والمالكية والحناب.

طيب قال: ولقد لقي بقي الامام بقي بن مخلد بن مخلد حين دخل عند اندرس اتي من المشرق من هذا الصنف الأمرّين حتى اصاره مهجور الفناء محتضم الجانب لأنه جاء من العلم بما لا يبما لا يدي لهم به، نعم بقي بن المخلد كان من أندلس رحلته مشهوره إلى الشرق تعلم من أحمد بن حنبل وتتلمذ على يديه ثم عاد إلى الأندلس، فأراد أن يغير كثيراً من مذهب الظاهرية الذي كان منتشرا في الأندلس فنكروا عليه واتهموه بأشد التهم. طيب قال: لقي المشرق أحمد الإمام أحمد بن حنبل وأخذ عن مصنفه واتفق عليه، ولقي أيضاً غيره حتى صنف المسند المصنف الذي لم يصنف في الإسلام مثله أو هو المذهب المالكية هذول، نعم مش الظاهرية وكان هؤلاء المقلدة قد صمموا على مذهب مالك بحيث انكروا كل فقه يأتي من أحمد أو الشافعي، وهذا هو تحكيم الرجال على الحق والغلو في محبة المذهب وعين الإنصاف أن الجميع أئمة فضلاء فمن كان متبعا لمذهب مجتهد لكونه لم يبلغ درجة الاجتهاد فلا يضيره مخالفه غير إمامه لإمامه، يعني مخالفه أحمد لمالك هل تحط من قدر مالك؟ مخالفه أحمد لأبي حنيفة هل تحط من قدر أبي حنيفة؟ لا، طيب لأن الجميع سالك إن شاء الله على الطريق المكلف به، فقد يؤدي التغالي في التقليد إلى إنكار ما أجمع الناس على ترك إنكاره.

والخامس -يعني أحياناً الغلو في التقليد بخليك تنكر أشياء الناس متفقة على أن مثلها لا ينكر، لكن أنت بتروح تنكرها- المثال الخامس رأي نابته متأخرة طلعت النابته موجودة من أيام من أيام الشاطبي، تعرفوا اليوم مصطلح النابته ستعبل الكثير البعض رأي نابته متأخرة الزمان ممن يدعي التخلق بخلق أهل التصوف المتقدمين أو يروم الدخول فيهم، فيعمدون إلى ما نقل عنهم في الكتب من الأحوال الجارية عليهم أو الأقوال الصادرة عنهم، فيتخذون كلام مشايخ الصوفية زي الأستاذ القشيرية وغيرها اللي قرأناها يتخذونها ديناً وشريعة لأهل الطريقة، وإن كان كلام مشايخهم مخالفاً للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة أو مخالفة لما جاء عن السلف الصالح لا يلتفتون معها لا إلى فتيا فقيه ولا نظري عالم بل يقولون إن صاحب هذا الكلام ثبتت ولايته فكل ما يفعله أو يقوله حق وإن كان مخالفاً للفقه فهو أيضاً ممن يقتدى به، والفقه للعوام قول لك الفقه هذا للعوام أما نحن مشايخ الطريقة لنا طريقتنا الخاصة، فتراهم يحسنون الظن بتلك الأقوال والأفعال ولا يحسنون الظن بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عين اتباع الرجال وترك الحق، مع أن أولئك المتصوف الذين ينقل عنهم -مثل الجنيد والتستري- لم يثبت أن ما نقل عنهم كان هو في نهاية أمرهم ولا في بداية أمرهم، ولا علم أنهم كانوا مقرين بصحه ما صدر عنهم أو لا، بل كما قال ابن تيمية: بل جل ما ينقل عن المتقدمين من الصوفية لم يثبت عنهم. ولو علم أنهم كانوا مقررين لا، وأيضاً فقد يكون من أئمة التصوف وغيرهم يا أخي من زل زلة يجب سترها عليه، فينقلها عنه من لا يعلم حاله ممن لم يتأدب بطريق القوم كل التأدب.

وقد حذر السلف الصالح من زلة العالم وجعلوها من الأمور التي تهدم الدين؛ فانه ربما ظهرت فتطير في الناس كل مطار فيعدونها ديناً وهي ضد الدين، فتكون الزلة حجة في الدين. فكذلك أهل التصوف لابد من وقوع الزلل فيهم في الجملة إذ ليسوا بمعصومين، وقد أقر القوم بوقوع المعاصي منهم وليس من محققيهم من ينفيها، فإذا لابد في الاقتداء بالصوفي من عرض أقواله وأفعاله على حاكم يحكم عليها هل هي من جملة ما يتخذ ديناً أم لا؟ والحاكم الحق هو الشرع كما نعرض أقوال العلماء على الشرع أيضاً. وأقل ذلك في الصوفي أن نسأله عن تلك الأعمال إن كان عالماً بالفقه كالجنيد وغيرهم رحمهم الله، ولا يعني إذا كان الصوفي هو نفسه مجتهد ممكن نسأله ما أدلة أعمالك مثل الإمام الجنيد. ولكن هؤلاء النابتة هم أصلاً لا يفعلون ذلك فصاروا متبعين للرجال من حيث هم رجال لا من حيث أنهم علماء يتكلمون باسم الشريعة، وهذا خلاف ما عليه السلف الصالح وما عليه المتصوفه الحقيقيون أيضاً، إذ قال إمامهم سهل التستري: مذهبهم مبني على ثلاثة أصول: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية. ولم يثبت في طريقهم اتباع الرجال على الانحراف وحاشاهم من ذلك، بل اتباع الرجال شأن أهل الضلال.

والسادس رأي نابذة في هذه الأزمنة أعرضوا عن النظر في العلم الذي أرادوا الكلام فيه والعمل بحسبه، ثم رجعوا إلى تقليد بعض الشيوخ أخذاً عنهم في زمان الصبا الذي هو مظنة لعدم التثبت من الأخذ أو التغافل من الماخوذ عنه، ثم جعلوا أولئك الشيوخ في أعلى درجات الكمال ونسبوا إليهم ما أنسوا به من الخطا أو ما فهموا عنهم على غير تثبت ولا سؤال عن تحقيق المسألة المروية، وردوا جميع ما نقل عن الأولين مما هو الحق والصواب قطع كمسألة الباء اقرا.

قال: أي كمسألة ايش عندك؟ يلا في أن طائفة كمسألة الباء الواقع في هذه الأزمنة، قال: فإن طائفة مما تظاهر بالانتصال للقراء زعماً الباء الرخوة التي اتفق وهم أهل صناعة الداء ونحيون أيضاً هم ناقلون حقيقة نطق بها عن العرب على أنها لم تأتي إلا في لغة مردولة لا يؤخذ بها ولا يقرأ بها في القران ولا القراءة بها عن أحد العلماء في ذلك الشأن، وإنما الباء التي يقرأ بها وهي موجودة في كل في كل لغة فصيحة الباء الشديدة. فب هؤلاء من الإقراء الباء من حيث علم التجويد تعتبر من من أحرف الرخو ولا أحرف الشدة؟ شدة نعم، مش في كلمة تجمع أحرف الـ بس الشدة شو هي؟ اجد قطبكت، إذا الباء في علم التجويد تعرف من حروف الشدة، في شخص طلع فيقصة لا أنها من أحرف الرخو قال مخالفاً لجميع النحويين والقراء.

قال: فاب هؤلاء من القراء من القراءة والإقراء بها بناءً على على أن الذي قرأوا به على الشيوخ الذين لقوهم هي هي تلك له هذه محتجين بانهم كانوا علماء فضلاء فلو كانت هذ خطا لردوها علينا وأسقطوا النظرة والبحث عن عن أقوال المتقدمين بها رأس تحسيناً تحسيين ظن بالـ للاسف هي القراءة للبائر الرخوة انتشرت عند بعض القراء ورفضوا أن يقرأوا الباء إلا رخوة ليش؟ قال خلص مشايخنا قرأونا إياها رخوة نقراها رخوة، طيب يا ابن الحلال الشيخ قرأها غلط لا مشايخنا أفاضل لا يمكن أن يخطئه، هذه أحذر منها في حياتك العلمية حتى لو كان الشيخ ترى بتحبه وله قدر عندك.

في قلبك، لكن في النهاية كل إنسان يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر عليه الصلاة والسلام. وقد لجّ بعضهم حين وجهوا بالنصيحة، لجّ بعضهم يعني غضب. فكان القرشي المقرئ أقرب مراماً منهم، نعم. قال: حكي عن يوسف بن عبد الله بن مغيث أنه قال: إذ كتب قرطبة مقرئ يعرف القرشي، وكان لا يحسن النحو، فقرأ عليه قارئ يوماً: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. خلينا نعرف شو قصة القرشي المقرئ. هذا القرشي قرأ يوماً، وجاءت، أيوه، قال: فقرأ عليه قارئ يوماً: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. فردّ عليه القرشي: تحيدُ بالتنوين. فالقرشي قال: لا، تحيدِ، اقرأها بالتنوين. طيب. قال: فرجعه القارئ، وكان يحسن نحواً، فلجّ عليه المقرئ وثبت على التنوين.

فانتشر الخبر إلى أن بلغ يحيى بن مجاهد البصري، زاهداً، وكان صديقاً لهذا المقرئ، فنهض إليه. فلما سلم عليه وسأل عن حاله، قال: قال له ابن مجاهد: إنه بعد عهدي بقرآءة القرآن على مقرئ، فاردت تجديد ذلك عليه. فأجابه إليه، فقال: أراد أن أبتدئ من أول المفصل، هو الذي يتردد. شوف الأسلوب الراقي، ابن مجاهد دخل على صاحبه، قال: أنا والله من زمان ما قرأت على شيخ، والله حابب أقرأ عليك هاي الآية. طيب، يعني بده يدخل عليه بهدوء لأنه ما بده يغضب. طيب، قال: فقال له المقرئ: ما شئت. فقال: عليها من أول المفصل. فلما بلغ الآية المذكورة ردّ، فقال له المقرئ: اقرأ ما شئت. فقرا عليه من أول المفصل، اللي هي سورة قاف؛ لأن هي أول المفصل سورة قاف. طيب.

فلما بلغ الآية: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾، أيوه، قال: ردّها المقرئ بالتنوين، قد قال نشر، قال: يقرأ تحيدٌ. قال: فقال له ابن مجاهد: لا تفعل، ما هي إلا غير منونة بلا شك. فلجّ المقرئ، فلجّ المقرئ، غضب، نعم. قال: فلما رأى ابن مجاهد تصميمه قال له: يا أخي، إنه لم يحملني على قراءة عليك إلا لتراجع، إلا لتراجع الحق في لطف، أنا حبيت أنك تتلطف، وهذه عظيمة أوكعك فيها قلة علمك بالنحو، فإن الأفعال لا تنون. فتحير المقرئ، إلا أنه لم يقنع بهذا. فقال له ابن مجاهد: بيني وبينك المصاحف. فأحضرنا منها جملة، فوجدوها مشكولة بغير تنوين. فرجع المقرئ إلى الحق، يعني هذا المقرئ، جزاه الله خيراً، في النهاية اقتنع بما في المصاحف، جزاه الله خيراً، ويا ليت مسألتنا مثل هذه مسألة الباء. وبقول لك مسألة الباء صارت أصعب من مسألة المقرئ القرشي، ولكنهم، عفا الله عنهم، أبوا الانقياد إلى الصواب. يعني لسه المقرئ على الأقل انقاد.

المثال السابع، نعم. قال: وسابع رأي نبتت أيضاً، يرون أن عمل الجمهور اليوم إلزام الدعاء بهيئة الاجتماع باثر الصلاة، وإلزام المؤذنين بالتثوية بالمكروه عند الأذان، صحيح بإطلاق من غير اعتبار بمخالفة الشريعه وموافقتها، وأن من خالفهم بدليل شرعي باجتهاده وتقليده خارج عن سنة المسلمين، بناءً منهم على أمور تخبطوا فيها من غير دين معتبر، فهم أن يميلوا لأن هذا العمل معمول به في الجمهور، ثابت عن فضلاء وصالح العلماء، فلو كان خطأ لم يعملوا به. وهذا مما نحن فيه اليوم، فانه يتهم الأدلة وأقوال العلماء المتقدمين، ويحسن الظن بما تأخر، وربما نوزع بأقوال من تقدم فيرميها بالظنون. بجوز المتقدمين ما عرفوا، بجوز المتقدمين كانوا يعملوها بس نحن بنعرف، بصير يرمي لك احتمالات، ولا يرمي بذلك المتاخرين. طيب، ليش ما يكون الاحتمال أنه لا مشايخك الغلطانين المتاخرين، مش أنها لم نقل، فعلت ولم تنقل، يعني لماذا لا يكون الاحتمال في خطأ مشايخك وليس في توهيم الأدلة المتقدمة؟ ولا يرمي بذلك المتأخرين الذين هم أولى به، أي بالتوهيم، واحتمال الخطأ بإجماع المسلمين.

وإذا سئل عن أصل هذا العمل المتأخر، وهو الذكر الجماعي، هل عليه دليل من الشريعة؟ لم يأت بشيء، أو يأتي بأدلة مجملة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ ذَكْراً كَثِيراً﴾. يا أخي ما احنا عارفين اذكر الله ذكراً كثيراً، بس نحن بدنا دليل على مسألتك نفسها. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويقول هذا من أحسن القول، وتعاونوا على البر والتقوى، عشان هيك بنعمل حضرة ودبكه جماعية. يا أخي التعاون على البر والتقوى شيء، وما تفعله شيء، هذه مجملات. فإذا سئل عن أصل كونه خيراً أو براً وقف، وميله إلى أنه ظهر له بعقله أنه خير وبر، فراح للتحسين العقلي، وهذا مذهب أهل الزيغ، وثابت عند أهل السنة أنهم من بدع المحدثات. ومنهم من طالع كلام القرافي وابن عبد السلام لما قسموا البدع إلى خمسة أقسام، فيقول: هذا من المحدث المستحسن. وهكذا قال الشيخ ابن عبد السلام والقرافي. وربما رشح ذلك بما جاء في الحديث: «ما رأى المسلمون حسناً». وقد مرّ ما في هذا الحديث وكيف يفهم.

وأما الحديث فإنما معناه، وقد مر فيه ما فيه من كلام القرافي وأبي العز بن عبد السلام. وأما الحديث وهو ما رأى المسلمون، فإنما معناه عند العلماء أن علماء الإسلام إذا نظروا في مسألة مجتهد فيها، فما رأوه حسناً فهو عند الله حسن، لأنه جار على أصول الشريعة. والدليل على ذلك الاتفاق، أن العوام لو نظروا فأداهم اجتهادهم إلى استحسان حكم شرعي، لم يكن عند الله حسناً حتى يوافق الشريعة. والذين نتكلم معهم في هذه المسألة ليسوا من المجتهدين باتفاق منا ومنهم، يعني أصحاب الذكر الجماعي هدول مش جماعة مجتهدين رأوا شيئاً حسناً، هذول عوام خرجوا بهذه البدعة، أو يعني أشباه العوام. فلا اعتبار بالاحتجاج بهذا الحديث على استحسان شيء أو استقباحه بغير دليل شرعي.

ومنهم ترقى في هذه الدعوة حتى يدعي فيها الإجماع من أهل الأقطار، وهو يعني البعض كما قلنا، هي مسألة ذكرنا أنه البعض ادعى الإجماع على جواز الذكر الجماعي، وهو لم يبرح من قطره. أنت كيف تدعي أن أهل الأقطار كلهم مجمعون على جواز الذكر الجماعي، وأنت ما طلعت برا المغرب أصلاً، ما شفت قطر من الأقطار، ولا بحثت عن علماء أهل الأقطار، ولا عن فتاويهم، ولا عرفت عن أخبار أصلاً الأقطار شيئاً، وهو ممن يسأل عن ذلك يوم القيامة. وهذا الاضطراب كله من شأنه تحسين الظن بأعمال المتأخرين وإن جاءت الشريعة بخلافه، والوقوف مع الرجال دون تحري الحق.

الثامن، قال ثم رأي قوم من تقدم من زماننا هذا فضلاً عن زماننا، اتخذوا الرجال ذريعة لأهواء، وأهواء من ناداهم من داناهم، أو من رغب إليهم في ذلك. فإذا عرفوا غرض بعض هؤلاء في حكم حاكم في فتوى وغير ذلك، بحثوا عن أقوال العلماء في مسألة مسؤول عنها حتى يجدوا القول موافقاً للسائل، فأفتوا به زاعمين الحجة لهم في ذلك قول من قال: اختلاف العلماء رحمة. ثم ما زال هذا الشر يستطيل في الأتباع وأتباعهم، حتى لقد حكى الخطابي عن بعضهم أنه يقول: كل مسألة ثبت لأحد من العلماء فيها القول بالجواز، شذّ عن الجماعة أو لا، فالمسألة جائزة. وقد تقررت هذه المسألة على وجه في كتاب.

نعم، يعني يقصد في الحالة الثامنة أن بعض علماء السلاطين صاروا ايش يريدون أن يتزلفوا إلى السلاطين، أو إلى أصحابهم، أو زملائهم، أو إلى العامة والجمهور كما يحصل اليوم، فبيشوفوا إنه العامة شو بدهم الحكم يكون حرام؟ طيب، خلينا نروح نشوف القاموس، مين من المشايخ قال إنه حرام؟ خلص يا جماعة حرام! طيب يلا العامة بدهم يكون الحكم حلال؟ يلا شوفوا لنا المذاهب الفقهية مين قال إنه حلال نفتيهم حلال. هو يريد أما يكسب جمهور تمام؟ أو يكسب عاطفة، أو يكسب نساء، أو يكسب امرأة، أو حاكم، فيفتي هو مش بالعلم، لا، بروح بفتش وين القول اللي بيفوا الهوى فيفتي به، وهذا كله والعياذ بالله من تحكم الهوى.

والتاسع، المثال التاسع، قال: حكى الله تعالى أحبارهم في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. فخرج أبو عيسى الترمذي عن ابن حاتم، قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم في عنقي صليب ذهب، وقال: يا عدي، اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾. قال: أما انهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرم عليهم شيء حرموه. هذا حديث غريب وتفسير منصور. لقيت، رايت قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، قال حذيفة: أما انهم لم يصلوا لهم، ولكنهم كانوا ما أحلوا لهم من الحرام يستحلوه، وما حرموا عليهم الحلال حرموه. فالنصارى إذاً كانوا يتعبدون بالرجال، بالاحبار والرهبان، وليس بالشريعة النصرانية. فتأملوا يا أولي الألباب كيف حال الاعتماد في الفتوى على الرجال من غير تحر للدليل الشرعي، بل مجرد نيل الغرض العاجل، عافانا الله وإياكم.

العاشر، رأي أهل التحسين والتقبيح العقلي، يعني هو مصر الشاطبي لآخر الكتاب يضل يضرب المعتزلة. قال: فإن محصول مذهبهم تحكيم عقول الرجال دون الشرع، وهو أصل من الأصول التي بنى عليها أهل الابتداع في الدين، بحيث إن الشرع إن وافق آراءهم قبلوه وإلا ردوه. فالحاصل مما تقدم أن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعي المطلوب شرعاً، تحكيمهم ضلال، ولا توفيق إلا بالله. وأن الحجة القاطعة هو الحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره.

ثم نقول: إن هذا هو مذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونرى سيرهم والنقل عنهم وطال أحوالهم، علم ذلك علماً يقيناً. ألا ترى أن أصحاب السقيفة لما بايعوا أبابكر، حتى قال، لما تنازعوا في الإمارة حتى قال بعض الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأئمة من قريش، أذعن الأنصار مباشرة طاعة لله ورسوله، ولم يعبؤوا برأي من آرائهم، لعلمهم بأن الحق هو المقدم على آراء الرجال.

ولما أراد أبوبكر قتال مانعي الزكاة، احتج عليه عمر بالحديث المشهور، ماذا قال؟ أتقاتل الناس؟ أي، فكيف تقاتل الناس وقد قالوا: لا إله إلا الله؟ فرد عليهم ما استدلوا به بعين ما استدلوا به، لأنه قال: أكملوا الحديث ما هو؟ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني، أموالهم، عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها. قال: أكمل الحديث اللي استدللتم به، ستجد لي مسوغاً في قتالهم بنفس الحديث، لذا قال: وإلا بحقها. فقال: الزكاة حق المال. ثم قال: والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه.

فتأملوا هذا المعنى، فإن فيه نكتين مما نحن فيه: إحداهما أنه لم يجعل لأحد سبيلاً إلى جريان الأمر في زمانه على غير ما كان يجري في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان بتأويل. لأن من لم يرتد من المانعين إنما منع ايش؟ تأويل، أنه أنا كنت أؤديها للنبي عليه الصلاه والسلام فلا أطالب بتاديتها إلى غيره. وفي هذا القسم وقع النزاع بين الصحابة في من ترك الزكاة تأويلاً، مش من ترك الزكاة ردة، اختلاف الصحابة في من ترك الزكاة تأويلاً لا في من ارتد رأساً، ولكن أبابكر لم يعذر بالتأويل والجهل هنا، ونظر إلى حقيقة ما كان الأمر عليه، فطلبه إلى أقصى حتى قال: والله لو منعوني عقالاً إلى آخره. مع أن الذين اشاروا عليه بترك قتالهم إنما اشاروا عليه بأمر مصلحي ظاهر، أن المصلحة عدم القتل، تعضده مسائل شرعية وقواعد أصولية أن الأصل لا يقاتل من قال لا إله إلا الله.

لكن الدليل الشرعي الصريح كان عند أبي بكر ظاهراً، فلم تقوَ عنده آراء الرجال، لتعارض الدليل الظاهر، فتمسك به أبوبكر، ثم رجع المشيرون عليه وهو عمر بالترك إلى صحة دليله، تقديماً للحاكم الحق وهو الشرع. إذاً، أبوبكر لم يأخذ بأراء الرجال وعمر لم يتمسك برأيه، بل رجع إلى الشرع حيث جعلوه حاكماً بينهم.

الثاني، أن أبابكر لم يلتفت إلى ما يلقى هو والمسلمون في طريق ما طلب من الأهوال. إذ لما امتنعوا صار مظنة للقتال وهلاك ما شاء الله من الفريقين، ودخول المشقة على المسلمين في الأنفس والأموال، ولكنه رضي الله عنه لم يعتبر إلا إقامة الملة على حسب ما كانت قبله. فكان ذلك أصلاً في أنه لا تعتبر العوارض الطارئة في إقامة الدين وشعائر الإسلام. هذا الكلام بده نظر، هذا الكلام بده نظر، لأنه ايش معناته؟ أنه تقام أحكام الدين ولا ينظر إلى ما سيذهب في ذلك من الدماء والأرواح؟ لا، نحن نقول: يقام الدين ويقاتل الكافرون على حسب الإمكان. فقول الشاطبي هنا: ولكنه رضي الله عنه لم يعتبر إلا إقامة الملة على حسب ما كانت قبله، أي زمان النبي عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك أصلاً في أنه لا تعتبر العوارض الطارئة في إقامة الدين وشعائر الإسلام. نظير ما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذِهِ﴾، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فإن الله لم يعذر الصحابه في ترك منع المشركين من الدخول إلى البيت الحرام بعد العام التاسع خوف الفقر، لم يعذرهم. والله حتى لو خفتم الفقر امنعوا. فكذلك لم يعتد أبوبكر أو ما يلقى المسلمون من المشقة عذراً يترك به المطالبة بإقامة شعائر الدين. هي مسألة شوي خطيرة أنه ممكن يبني عليها البعض فكرة، ماذا؟ أن الحاكم لو استملك على بقعة من بقاع الأرض يجب أن يحكم بالدين ولو أفنى هذا المسلمين ولو أدى لا، هذا الكلام يجب أن يقيد بعقلية الشاطبي نفسها في كتاب الموافقات، أن هذا إذا كان ممكناً، إذا كان ممكناً.

اقاتل حتى لو في مشقة، نعم، فإنني أقاتل وأقيم الدين، لكن إذا كان فيه مهلكة، لا، ليس هذا مراد الشاطبي. أنا أقول هذا حتى لا يأتي شخص بكره يأخذ هذا الكلام ويقول: أنظروا، قال الشاطبي: يجب على حاكم إقامة الدين ولو أدى ذلك إلى فناء الارواح والدماء وما شابه ذلك. هذا كله مقيد بالاستطاعة أيها الإخوة، والاستطاعة لا تعني عدم وجود مشقة؛ طبعا الاستطاعة بيكون فيها مشقة، فالجهاد أصلا كله مشقة، لكن في هناك مشقة معقولة محسوبة، وفي مشقة تؤدي إلى مهلكة، فيجب أن لا يؤخذ الكلام على ظاهره.

وجاء في القصة أن الصحابة أشاروا عليه برد البعث الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، ولم يكونوا بعد قد مضوا لوجهتهم لقتال الروم، ليكونوا مع أبي بكر عونا على قتال أهل الردة، فأبى أبو بكر ذلك، وقال: ما كنت لارد بعثا انفذه النبي صلى الله عليه وسلم. فوقف مع شرع الله ولم يحكم غيره، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لاخاف على امتي من بعدي من اعمال ثلاثه»، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ «اخاف عليكم من ذله العالم ومن حكم جائر ومن هوى متبع».

وانما يزل العالم بان يخرج عن طريق الشرع، فاذا كان مما يخرج عنه، فكيف يجعل -يعني إذا كان العالم يمكن أن يخرج عن طريق الشرع- إذا فكيف يجعل حجة العالم على الشرع؟ هذا مضاد لذلك، ولقد كان كافيا من ذلك خطاب الله لنبيه واصحابه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِ﴾ [النساء: 59] إلى آخر الآية.

وكلام عمر رضي الله عنه وكلام ابن مسعود والآثار المروية عن الصحابة في ذلك: إياكم والاستنان بالرجال، فإن الرجل يعمل عمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار، وحديث ابن مسعود: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فانه لا اسوه في الشر.

وهذا الكلام من ابن مسعود يبين مراد ما تقدم ذكره من كلام السلف، وهو النهي عن اتباع الرجال من غير التفات إلى غير ذلك، وهذا خطأ. وفي الصحيح عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة في المسجد، فقال: جلس إلي عمر فقال: لقد هممت ألا أدع فيها -أي في الكعبة- صفراء ولا بيضاء -يعني لا ذهب ولا فضة- إلا قسمتها بين المسلمين. الكعبة كان فيها كنز اسمه كنز الكعبة كان داخلها، وكان فيه ذهب وفضة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لم يوزعه وأبو بكر لم يوزعه، فعمر هم أن يوزع كنز الكعبة.

فقال له شيبة: والله ما أنت بفاعل، فقال: لم؟ قال: لم يفعله صاحباك -يعني النبي عليه الصلاه والسلام وأبو بكر- قال: هما المران أقتدي بهما. يعني قال له عمر: والله صدقت، لم يوزع كنز الكعبة أبو بكر ولا النبي صلى الله عليه وسلم إذا لن أفعال ذلك. هذا يدل على شدة الاتباع عند الصحابة.

وحديث ابن عباس في حديث عيينة بن حصن حين استأذن له على عمر قال فيه: فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجز، تحكم فينا بالعدل! فغضب عمر حتى هم بان يقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وإن هذا -أي عيينة بن حصن- من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر، وجاء في حديث وكان وقافا على كتاب الله. هذا موطن الشاهد، أن الإنسان يقف عند الشرع ولا يتجاوز مهما كانت القضية.

وحديث فتنة القبور، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «فاما المؤمن او المسلم فيقول: محمد جاءنا بالبينات فاجبناه وامنا، فيقال: انم صالِحا، قد علمنا انك موقن، واما المنافق فيقول: لا ادري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته». إذا هو المنافق يقلد دينه للناس.

وحديث مخاصمة علي والعباس عند عمر في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم من الذي يتولى إدارته، وقوله للرهط الحاضرين: هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث»، قول عمر: ما تركنا صدقة. فأقروا بذلك، إلى أن قال لعلي والعباس -عمر لما جاء علي والعباس يختصمان من يدير ميراث النبي صلى الله عليه وسلم-: أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ فوالله الذي باذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة. شوف العبارة القوية! المهم طبعا القصة بتفاصيلها اقراوها في كتب السنن.

وترجم البخاري في هذا المعنى ترجمة تقتضي أن حكم الشارع إذا وقع وظهر فلا خيرة لرجال ولا اعتبار بهم، وأن المشاورة إنما تكون قبل التبيين. فقال: باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، وأن المشاورة قبل العزم والتبيين لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159].

هكذا ترجم البخاري: أن المشاورة تكون متى؟ قبل العزم والتبيين؛ فإذا تبين لك أن حكم الله خلاف، خلص، ما في مشاورة. فإذا عزم الرسول لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله، وشاور النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه يوم أحد في المقام أو الخروج، فرأوا له الخروج إلى أحد، فلما لبس لأمته وعزم قالوا له: أقم. فلم يمل إليهم بعد العزم وقال: «لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله».

وشاور عليا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشه، فسمع منهما حتى نزل القرآن ببراءة عائشة، فجلد صلى الله عليه وسلم الرامين لعائشه وهو حسان بن ثابت وحمنة ومسطح، ولم يلتفت إلى تنازعهم ولكن حكم بما أمره الله.

وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة، فقال عمر: كيف تقاتل وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»؟ فذكر أبو بكر الحديث ثم قال: أفلفت أبو بكر إلى مشورة عمر لما ظهر له ماذا؟ أنها خلاف الشريعة. طيب وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه». وكان القراء أصحاب مشورة عمر، القراء معناها العلماء في زمنهم، هم أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبانا، وكان وقافا عند كتاب الله رضي الله عنه.

هذا جملة ما قال في تلك الترجمة مما يليق بهذا الموضع، يعني هذه جملة ما ذكره البخاري في تلك الترجمة -هذه كلها نصوص ذكرها البخاري في ترجمته في صحيحه أن المشاورة تكون قبل العزم والتبيين-. فيقول الشاطبي هنا: هذا جملة ما أورده البخاري في تلك الترجمة مما يليق بهذا الموضع، مما يدل على أن الصحابة لم يأخذوا أقوال الرجال في طريق الحق إلا من حيث هم وسائل. فالعلماء وسائل للحق، مشايخك وسائل للحق وليسوا مقصودين لذواتهم، إلا من حيث هم وسائل للتوصل إلى شرع الله، لا من حيث هم أصحاب رتب أو كذا وكذا، أنه هذا دكتور شريعة معناته هو حجة في الإسلام، لا، ما في هذا الكلام.

وذكر ابن مِزْي، عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك أنه قال: ليس كلما قال رجل قولا، وإن كان له فضل، يتبع عليه، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18]. إذا ثبت أن الحق هو المعتبر دون الرجال، فالحق أيضا لا يعرف دون وساطتهم، بل هم بهم يتوصل إليه وهم الأدلة على طريقه. احنا صح نقول إن الحق هو المعتبر دون الرجال، لكن وجود الرجال هو الذي يعني وجود العلماء مهم لحتى نعرف ماذا ورد.

خلاص، انتهى البث، هي الطريقة في. صلى الله على سيدنا محمد، في حد عنده زياده؟ هذا بدايه الغلاف الأخير، أنت وين عندك في الحاشية، وينك؟ هذا كيف لو أكمل الشاطبي! تمام، لكأننا وإياكم جالسين للفجر.

طيب، جزا الله الإمام الشاطبي عنا خير الجزاء على هذه التحفة الحقيقة العظيمة من كتب الإسلام. يعني آخر مئة صفحه مش مشكله مشيناها سريعا، لكن في اعتقادي أنها يعني أغلبها نقول أمور سهلة لا تحتاج إلى كثره نظر، ممكن أنك تقراها وحدك بتروي. الهدف الآن أن نكون وقفنا على جملة هذا الكتاب وتفاصيل ما فيه من المسائل.

الكتاب نافع، كتاب عظيم، أنتم أنفسكم أظن اقتنعتم بعظم هذا الكتاب وعمقه، يعني الكتاب مش سهل، تمام؟ بدليل أن هذا من بقي فيه. من دليل أن هذا من بقي -نحن لما ابتدانا الكتاب اشرافت الأعناق الشيخ أحمد وكان المجلس ما شاء الله مجلس حافل- وهذا من بقي منيح؛ عشرون خمسة وعشرون شخص ينهي كتاب الشاطبي، يعني هذا فتح إن شاء الله. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل على هذا الكتاب علما نافعا تستفيدون منه تنتفعون.

لكن كما قلت لكم، هذا الكتاب لن يثبت بمرّة واحدة، الحمد لله تسجيلات شرح هذا الكتاب موجود الآن عندنا على منصة غراس، أنت تستطيع تقرأ الكتاب وحدك وأي شيء يشكل عليك تستطيع ترجع للبث وتتاكد من فهمك هل هو كما تم نقاشه ومدارسته هنا. لكن على الأقل تم وضع النقاط الأساسية لفهم منهج التعامل مع البدع الفكرية العقائدية، منهج التعامل مع أهل البدع، متى يكون الشيء بدعة ولا يكون بدعة، والحكم على أهل البدع، مآخذ أهل البدع. كل هذه الأفكار افتض بكارتها الشاطبي، بالتأكيد هو اعتمد على من سبقه في، اعتمد على ابن تيمية، في اعتمد على ابن القيم، في اعتمد على مشايخ استفاد منهم، لكنه رتبها ترتيبا عميقا.

اللهم إنا نسألك في ختام هذا المجلس الطيب المبارك أن ترحم ضعفنا وأن تجبر كسرنا، اللهم إنك تعلم ضعفنا على طلب العلم فقونا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا همة تلقي العلم وفهمه والتبصر به والعمل به وتعلمه وتعليمه، اللهم اجعلنا من أهل الحق قائدين له مرشدين إليه، اللهم بصرنا، اللهم إنا نعوذ بك من البدع ما ظهر منها وما بطن.

اللهم إنا نسألك ببركة قراءتنا لهذا الكتاب أن تجعلنا من المتمسكين بالشريعة معتصمين بها، اللهم اجعلنا طالبين بها وقافين عندها، ولا تجعلنا ممن اتبعوا أهواءهم وقلدوا الرجال، لا تجعلنا اللهم ممن اتبعوا أهواءهم وقلدوا الرجال، اللهم لا تجعل على نفوسنا أمرا إلا شريعتك، اللهم اجعلنا من اتباع نبيك صلى الله عليه وسلم ممن يدعون إلى سنته ويحشرون في زمرته.

اللهم ابرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه بكتابك، وتنصر فيه سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

اللهم يا رب ثبتنا وبصرنا والهمنا، اللهم يا رب نج المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، وفي غزة خاصة، واجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ومن كل بلاء عافية، انصرهم على من عاداهم، اللهم انزل عليهم نصرك المؤزر، اللهم عليك بالكفرة من أهل الكتاب الذين يحاربون شريعتك وأوليائك وعبادك الصالحين، اللهم عليك بكل طاغية وظالم ومستبد، اللهم اجعلنا من العلماء العاملين، اللهم اجعلنا من الصادقين البارين، اجعلنا من المجاهدين في سبيلك وارزقنا شهادة ترضيك عنا يا أرحم الراحمين.

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، جزاكم الله خيرا ونلتقي إن شاء الله بعد مدارج إن كان لنا في العمر بقية. غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.