دخولتسجيل الدخول

التعليقُ على كتاب الاعتصام للشاطبي | برنامج المُدارسة | المجلس التاسع عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التعليق على كتاب الاعتصام للإلامام الشاطبي رحمه الله تعالى عليه. هذا الكتاب الذي يعد أصلاً من أصول التفكير في الشريعة الإسلامية، وليس فقط في جانب السنة والبدعة، بل طرق النظر والاستدلال وأصول الشريعة الكلية، كيف ينظر إليها ويحامل معها ليعرف الإنسان منهج التفكير الصحيح في الأدلة الشرعية، ومناهج التفكير الباطلة والبدعية والحداثية والتي ملئت بالأهواء. فهذا مرجع، هذا الكتاب أصل، ونحن هذه المدراسة الأولى له، لكن أنت بعد أن تنهي قراءة هذا الكتاب في المدراسة الأولى، عليك أن تعيد النظر فيه مرتين وثلاث لتتأكد من رسوخ الأفكار التي بني عليها، فهذا أحد الكتب العظيمة حقيقة في الفكر الإسلامي.

في الدرس الماضي، أهينا الكلام عن أمثلة المصالح المرسلة، وقلنا لماذا اقتضى المقام بالشاطبي أن يتكلم عن المصالح المرسلة والاستحسان؟ قلنا لأن أهل البدع الذين يستدلون عليها يقولون إن البدع والمصالح المرسلة من نفس الباب، وإن البدع والاستحسان من نفس الباب. فإذا كانت المصلحة المرسلة مقبولة، فإن البدع مقبولة، وإذا كان الاستحسان مقبولاً فلماذا ترفض البدع؟ فعدم فهم الفرق الواضح بين المصالح المرسلة والبدع جعل كثيراً ممن قل علمهم يظن أن مخرجهما واحد. عدم فهم الفرق بين البابين جعلهم يظنون أن الباب والمخرج واحد، فإذا قبلت المصالح المرسلة أنت ملزم بقبول البدع المستحسنة.

فلذلك الشاطبي اهتم بأن يبين لا، هناك فرق شاسع وهائل بين مفهوم المصالح المرسلة والبدعة. فالمصالح المرسلة تقوم على أفكار وأسس شرعاً مقبولة ومشى عليها الصحابة والتابعون ومن بعدهم، وهي متلائمة مع مقاصد الشريعة. وأما البدع فإنها تنافي وتخالف مقاصد الشريعة.

اليوم يأتينا الشاطبي بملخص يبين لك القواعد العامة في المصالح المرسلة أو السمات العامة للمصالح المرسلة. فيقول عليه رحمه الله: فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة، إذاً هو يتكلم عن الأمثلة العشرة التي درسناها الدرس الماضي، وتبين لك اعتبار أمور.

أحدها: الملائمة لمقاصد الشرع، بحيث لا تنافي أصلاً من أصوله، ولا دليلاً من أدلته. الآن بناءً على الأمثلة التي درسناها الدرس الماضي، يظهر لك ملامح عامة للمصالح المرسلة. الملمح الأول للمصالح المرسلة أن المصلحة المرسلة هي الملائمة لمقاصد الشريعة. نعم، نحن عرفنا أن المصلحة المرسلة أن أحكم في مسألة من المسائل بناءً على قياسها على قواعد الشريعة الكلية، لا يوجد فيها نص، ولا يوجد فيها إجماع، ولا يوجد فيها قياس خاص على أصل معين. لكن من أين عرفنا أحكامها؟ حكم هذه المسألة النازلة في واقعنا المعاصر من خلال قياسها على قواعد الشريعة الكلية.

لما تأتي أنت إلى مسألة وتقيسها على قواعد الشريعة الكلية، هذا القياس هو أن تدرك ما مدى ملائمة هذه المسألة النازلة بالمقاصد الشرعية الكلية، حتى أنظر هل المناسب والذي يلائم مقاصد الشريعة أن تحكم على هذه المسألة النازلة أنها محرمة، ولا الملائم بمقاصد الشريعة الكلية أن يكون حكمها في مثل هذه النازلة أنها حلال؟ طبعا من الذي يستطيع أن يصل لهذا القرار؟ المتبحر في علوم الشريعه الذي استقرا مصادرها ومواردها وأصبحت المقاصد الشرعية راسخة لديه، بحيث إذا نظر في النازلة التي لا نص فيها ولا قياس خاص، يستطيع أن يرى هي بماذا أشبه في المقاصد الشرعية؟ هل أشبه أن تحرمها الشريعه ولا تحللها؟ لذلك قال أولاً: الملائمة لمقاصد الشرع، بحيث إن هذه المصلحة المرسلة في هذه المسألة لا تنافي أصلاً من أصول الشريعة الكلية ولا تنافي وتعارض دليلاً من أدلتها العامة، بل هي بالعكس منسجمة مع هذه الأصول وهذه الأدلة العامة.

ثانياً: أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل معناه. وهذا هو القضية السمة الثانية، أن المصالح المرسلة أين تتدخل ومجال عملها نطاق عملها في الأحكام المعقولة المعنى، وليس في الأحكام التعبدية الوقفية. مجال عمل المصالح المرسلة في المسائل التي طبيعتها معقولة المعنى، كالمعاملات والمناكحات والجنايات وبعض القواعد العامة.

أما المسائل التي طبيعتها تعبدية وقفية، هذه ليست مساحة للمصالح المرسلة، ولا يوجد مثال عملي على مصلحة مرسلة أنتجت لي عبادة جديدة، ما في عنده، لم يفعل ذلك العلماء أبداً. نعم، قال: إنما هو فيما عقل معناه وجرى على ذوق المناسبات المعقولة المعنى التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول. فلا مدخل لها في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية. هذه خلاصه فلا مدخل للمصالح المرسلة في التعبدات، يعني في الأمور العبادية الوقفية. نعم قال في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية، مثل قضية الحدود، فمثلا المصالح المرسلة ما بتزيد حد الرجم عن عفوا حد الزنا عن مئة جلده، خلص مئة. ما بتخلي والله حد السرقه غير قطع الايد يلا قطع الراس أو قطع الرجل، لا يعني المصالح هي برضو فيها جانب من التعبد، أليس كذلك؟ فهذا معنى قوله: ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية المحسومة التي لا مجال للاستصلاح فيها.

نعم، لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل، كالوضوء والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره، والحج ونحو ذلك. فليتأمل الناظر الموفق كيف وضعت على التحكم المحض المنافي للمناسبات التفصيلية. نعم، العبادات وضعت على التحكم المحض، إيش يعني على التحكم المحض؟ يعني ربنا أراد تكون الظهر أربعة، أنت ما بتعرف ليش، بس إحنا مؤمنين أن الله له حكم، لكن أنت بتعرف ليش الظهر أربعة والمغرب ثلاث؟ لا، هو التحكم المحض. شو يعني التحكم المحض؟ يعني تحديد محض من الله عقلك البشري ليس له علاقة به، هذا معنى تحكم محض.

قال: فليتامل الناظر الموفق كيف وضعت العبادات، يقصد التعبدات، على مبدا التحكم المحض من الشارع، بحيث إنه أنت كإنسان ما لك علاقة ليش الطواف حوالين الكعبة سبعة مش ثمانية؟ صح؟ هذا تحكم محض، يعني الشريعة بتقول لك بدك تعمل هيك، أنت قد لا يظهر لك ليش هذا الرقم، لكننا نقول سمعنا وأطعنا. السعي بين الصفا والمروة سبعة، الشارع ليس مطلوباً منه أن يبرر لك ذلك عقلاً، بل هناك التعبدات مبنية على التسليم، على مبدأ سمعنا وأطعنا، أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يزرع فيك فكرة التسليم المطلق، حتى ولو لم يظهر لك المعقولية، هذا معنى أن العبادات مبنية على التحكم.

المحارات على اختلاف أنواعها، قد اختص كل نوع منها بتعبد مخالف جداً لما يظهر لبادي الرأي. أحسنت، مثلاً قال: فإن البول والغائط خارجان نجسـان يجب بهما تطهير أعضاء الوضوء دون المخرجين فقط. أحسنت، يعني مثلاً حتى يؤكد لك الفكرة، الآن البول والغائط يخرجان من السبيلين، فبدلاً من أن يكون المطلوب فقط غسل الفرجين، أصبح المطلوب إذا خرج شيء من البول والغائط تغسل الوجه واليدين والرأس والرجلين. طيب، واحد يقول لك شو علاقة الوجه والرأس واليدين في اللي خارج من الفرجين؟ ليش ما كان الوضوء هو غسل فقط القبل والدبر، مش هو الخارج خرج منه، ليش أروح أغسل وجهي وشعري وأيدي ورجلي؟ بقول لك حتى تعرف أنه في هناك تحكم محض، أنت ما لك علاقة. نعم قال: دون المخرجين فقط، ودون جميع الجسد.

فإذا خرج المني أو دم الحيض، وجب غسل جميع الجسد دون المخرج فقط ودون أعضاء الوضوء. بينما في بعض الأحيان الذي يخرج من المخرج البول مني، هسه المني ما بيكفي أنك تغسل الفرجين ولا تغسل أعضاء الوضوء فقط، المني بدك تغسل كل جسدك. طيب ليش نقطة بول تلزمني بغسل أعضاء أربعة، بينما نقطة مني تلزمني بغسل الجسد كامل؟ أو بقول لك هي هنا سمعنا وأطعنا، أنت ليس لك علاقة بذلك.

نعم، ثم ذلك التطهير واجب مع نظافة الأعضاء وغير واجب مع قذرتها بالأوساخ والأدران إذا فرض أنه لم يحدث. نعم، يعني لو كان جسمك كله أوساخ غبار وأشياء وعرق، لكنك لم تحدث، هل يجب عليك الوضوء؟ لا، تقدر تصلي وصلاتك صحيحة. ولو كان جسمك في أنظف أحواله ومتحمم أنت مرات، لكنك أخرجت نقطة بول، بدك تغسل الأعضاء. فهمت شو بقول لك؟ إنه إنسان بقول يا شيخ أنا جسمي نظيف نظيف على أعضائي أي شيء بس أخرجت نقطة بول في دورة المياه بدك تتوضى. وفي المقابل شخص كله عرق وغبار وكذا لكنه لم يخرج نقطة بول يصلي وصلاته صحيحة، هذا يقول لك إن الشريعة التعبدات مبنية على التحكم المحض وليس على ما أنت تشتهيه. ولذلك ماذا قال علي في مقولته المشهورة رضي الله عنه لما سئل عن مسح الخفين؟ لو كان الدين بالراي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه. أنت الأصل بدك تمسح على الخفين، لو كان التعبدات بالمنطق كان لا، بدي أمسح الخفين إذا بمسح من تحت هناك المنطقة الوسط، لا أنت بتتمسح من فوق، وإذا مسحت من تحت لا يجزئك. فهذا معنى قول علي: لو كان الدين بالراي، لو كانت التعبدات بالراي، ولكان كل واحد يعني بقول لك أنا الأصل أن أمسح أسفل الخف وليس أعلاه.

المهم قال: ثم التراب ومن شانه التلويث يقوم مقام الماء الذي من شانه التنظيف. شوف مثلاً، إذا أنت عجزت عن الماء مش عليك التيمم بالتراب؟ التراب اللي هو مسح الوجه واليدين بالتراب، التيمم. التيمم قال: التراب من شأنه التلويث، جعلته الشريعة يقوم مقام الماء الذي شأنه التنظيف، حتى تعرف أنه أنت ليس لك علاقة وإنما تقول سمعنا وأطعنا.

نعم، ثم نظرنا في أوقات الصلوات فلم نجد فيها مناسبة لإقامة الصلوات فيها لاستواء الأوقات في ذلك. يعني ليش الساعة اثنا عشر ونصف بصلي الظهر؟ ليش ما دخل وقت الظهر الساعة اثنتين؟ سؤال: ليش وقت الظهر بيدخل الساعة اثني عشر ونصف وخمسة مش الساعة ثنتين؟ سمعنا وأطعنا. ليش وقت العصر على الساعة أربعة ونصف مش الساعة خمسة؟ يعني معقول يا شيخ هل نصف ساعة زايدة تأخر الوقت؟ دخل الوقت نعم أنت مطلوب منك أن تلتزم بالأوقات الشرعية، إنما يكون ظل الرجل مثله عندما يكون ظل الرجل مثله. وهكذا.

ونشرع للإعلام بها أذكار مخصوصة لا يزاد فيها ولا ينقص منها، فإذا أقيمت ابتدأت إقامتها بأذكار أيضاً، ثم شرعت ركعاتها مختلفة باختلاف الأوقات، وكل ركعة لها ركوع واحد وسجودان دون العكس. إلا صلاة خسوف الشمس فإنها على غير ذلك، لأنه خسوف الشمس كل ركعة فيها ركوعين وسجودين، صح؟

ثم كانت خمس صلوات دون أربع أو ست أو غير ذلك من الأعداد. ليش الصلوات خمس؟ ليش الصلوات مش ستة أو سبعة الصلوات المكتوبات؟ نعم. فاذا دخل المتطهر المسجد أمر بتحيته بركعتين دون واحدة كالوتر، أو أربع كالظهر. فإذا سهى في صلاة سجد سجدتين دون سجدة واحدة. وإذا قرأ سجدة، سجد سجدة واحدة دون اثنتين. ثم أمر سجدة التلاوة ليش سجدة التلاوة سجدة واحدة بينما سجود السهو عبارة عن سجدتين؟ هذه كلها توقيفات شرعية ليس للعقل فيها مدخل ابتداء.

نعم، ثم أمر بصلاة النوافل ونهى عن الصلاة في اوقات مخصوصة، وعلل النهي بأمر غير معقول المعنى. طبعا هنا ممكن تناقشه عند بعض الأمور، يعني لا قضية لماذا نهي عن الصلوات في بعض الأوقات ورد في بعض الأحاديث تعليل لذلك، أنها وقت تسجر فيه جهنم فلذلك نهي عن الصلاه في اوقات النهي عند غروب الشمس وعند طلوعها أو عند وصولها إلى كبد السماء، وكذلك ورد أن النصارى يسجدون للشمس عند طلوع الشمس وعند غروبها فنهينا عن التشبه بهم. أنت بغض النظر يعني وبيعطي أمثله، ممكن أنت بعض الأمثله تناقشه فيه تقول: لا والله بعض الأمثله اللي حكيتها معقوله المعنى، لماذا نهينا عن الصلاه عندما تصبح الشمس في منتصف السماء؟ هذا وقت تسجير جهنم. لماذا نهينا عن الصلاه عند شروق الشمس وغروبها؟ وقت يسجد فيه النصارى للشمس. فبالتالي أنت خذ الفكرة العامة بغض النظر عن صحة الأمثلة ودقتها.

كمل: ثم شرعت الجماعة في بعض النوافل كالعيدين والخسوف والاستسقاء دون صلاة الليل ورواتب النوافل. فإذا صرنا إلى غسل الميت وجدناه لا معنى له معقولاً لأنه غير مكلف، ثم أمرنا بالصلاة عليه بالتكبير دون ركوع أو سجود أو تشهد، والتكبير عليه أربع تكبيرات دون اثنتين أو ست أو سبع أو غيرها من الأعداد. فإذا صرنا إلى الصيام وجدنا فيه من التعبدات غير المعقولة المعنى كثيراً أيضاً، كإمساك النهار دون الليل، والامساك عن الماكولات والمشروبات دون الملبوسات والمركوبات والنظر والمشي والكلام. وأش، يعني لماذا الصيام له مفطرات محددة واحد اثنين ثلاث واما أمور أخرى لا تعتبر مفطرة؟ تحديد الشيء مفطر أو غير مفطر جانب كبير منه جانب تعبدي، تمام؟ يعني ليش الجماع مثلاً مفطر مثلاً؟ قال في الجانب بين المفطرات تعبدي. نعم.

وكان الامساك عن الجماع وهو راجع إلى الاخراج كالماكول وهو راجع إلى الضد. وكان شهر رمضان وإن كان قد انزل فيه القران قال، وكان الجماع مفطراً مع أنه إخراج شيء من الجسد يشبه الطعام والشراب في الافطار مع أن الطعام والشراب هو إدخال شيء إلى الجسد، فلماذا الافطار في رمضان أو المفطرات منها ما هو إخراج ومنها ما هو إدخال؟ نعم قال، وإن كان قد أنزل فيه، وكان شهر رمضان وإن.

كان قد أنزل فيه القرآن، ولم يكن أيام الجمعة يعني ليش الصيام المفروض هو رمضان مش شوال ولا شعبان؟ هل فقط لأنه القرآن أنزل ولا في جانب تعبدي؟ طيب ليش ما جعل مثلاً صيام الفرض هو أن تصوم أيام الجمعة باعتبار أنه يوم الجمعة خي يوم طلعت فيه الشمس أو كان الصيام؟ طيب ليش كان الصيام أصلاً 30 يوم؟ ليش ما يكون الصيام الفرض 60 يوم أو 35 يوم؟ ليش 30؟ ليش الرقم هذا بحد ذاته؟ هذه كلها أمور أراد أن يؤكد لك أن كلها أمور التحكم المحض، هذا الذي يسميه.

قال ثم الحج أكثر تعبداً من الجميع، يعني لو بدنا ندخل في الحج ورحت لك ليش رمي الجمار وليش سبعة؟ كثير من التحديدات هذه هي تحكم محض، وهكذا تجد عامة التعبدات.

فاعلموا نعم فاعلموا أن في هذا الاستقراء معنى يعلم من مقاصد الشرع أنه قصد قصده، ولا قصد قصده، قصد يعني الشارع قصد بصيغة المبني لما لم يسم فاعل، قصد قصده يعني لما نستقرئ الوضوء، الطهارات، الصلوات، الزكوات، الصيام، الحج، لما نستقرئ الأبواب ونرى حجم التحكم المحض فيها على تعبير الشاطبي، ما النتيجة التي تصل إليها؟ لما تستقرئ اللي عملناه قبل شوي، شو النتيجة اللي أنت خلصت لها؟ أنه في شيء مقصود في هذا التحكم المحض، صح؟ يعني مش معقول هذا شيء اعتباطي.

لماذا الله سبحانه وتعالى جعل العبادات مبنية على التحكم المحض؟ قال فاعلموا أن في هذا الاستقراء معنى، في معنى يعلم، هذا يعلم من مقاصد الشرع أنه قصد قصده، في هنا معنى قصد أي تعمد أن يقصد، ما معنى قصد قصده؟ يعني تعمد أن يقصد ونحا نحوه، يعني هناك شيء اتجه في هذه القضية واعتبرت جهته، وهو أن ما كان من التكاليف من هذا القبيل، من قبيل التعبدات، فإن قصد الشارع فيه أن يوقف عنده ويعزل عنه النظر الاجتهادي في الجملة.

هذا المعنى اللي بيحكي عنه، الله يريد سبحانه وتعالى أن يفهم البشر هذه القضية، أنه مساحة التعبدات أريد منكم أن تقفوا عندها وتعزلوا عقولكم، ما ليس لك علاقة أن تتحكم في الصلوات والصيام والزكوات، وأن يوكل إلى واضعه سبحانه وأن يسلم له فيه، سواء علينا أقالنا أن التكاليف معللة بمصالح العباد أم لم نقله، يعني سواء أنت ممن يقول أن كل هذه التكاليف حتى الصلاة والزكاة ليش أربعة وليش خمسة وليش الطواف لها مصالح، وان كنا نحن ما بنعرفها، أو أنت من تيار آخر يقول لا، أنه الصلاة أربعة هذه فش فيها مصلحة، اللهم إلا فقط أنك تقول سمعنا وأطعنا.

يعني الان في فكرتين: في ناس يقول إنه الظهر أربعة، اختيار هذا الرقم في مصلحة بس نحن ما بنعرفه، وأنا مطلوب مني أقول سمعنا وأطعنا، في تيار آخر بقول لك لا، إنه رقم اربعه بحد ذاته هو لا يحمل مصلحة أبدا للعبد، وإنما المراد منه ايش؟ فقط التسليم، فبيقول لك سواء أنت ممن يقول أن التكاليف معللة بمصالح العباد أم لم نقل، لانه في هناك تيار أصلاً مش فقط العبادات، بعض الناس يقول لك أي شيء ربنا بأمرك فيه هو فقط لأن الله يأمرك به، وليس لك علاقة أن تقول أن الله شرعه للمصلحة.

وهي أصلاً إحدى المشاكل في الفكر الأشجري وما تريده أصلاً، هي وإن كان في باب الفقهيات ما بقروا فيها، بس في التأصيل العقدي، من يعرف الفكر الأشجري والماتريدي يعرف أنهم لا يرون أن أفعال الله لا يجوز تعليلها، وأننا نقول أن الله أمر بالصلاة لأنه يريد أن يأمر، طيب شو مصلحتي أنا كعبد؟ لا ما بصير نحكي أن الله فعل كذا لان مصلحة العبد كذا، هذا فكرة الخضوع المطلق عندهم في هذا الموضوع.

المهم سواء قلنا أن التكاليف معللة بمصالح العباد أم لم نقل، اللهم إلا قليلاً من مسائلها ظهر فيها معنى فهمناه من الشرع فاعتبرنا به، أو شهدنا في بعضها بعدم الفرق بين المنصوص عليه والمسكوت عنه، فلا حرج حينئذ، ايش معنى هذا الكلام؟ إنه نحن قلنا كقاعدة عامة أن التكاليف التي من هذا القبيل، اللي هي التعبدات، يجب أن يعزل فيها النظر الاجتهادي، أنه لا تدخل لي اجتهاداتك جزاك الله خيراً، إلا ها كأنه أراد أن يستثني، إلا في هل هناك في بعض التعبدات مساحة للقياس والاجتهاد؟ في مساحة، لكن قليلة، فأراد أن يستثنيها فيقول: اللهم إلا قليلاً فقط من مسائل التعبدات ظهر فيها معنى فهمناه من الشرع فاعتبرنا به، اعتبرنا به يعني قسنا عليه، أو شهدنا في بعضها بعدم الفرق بين المنصوص عليه والمسكوت عنه، فلا حرج حينئذ في إدخال الاجتهاد الفقهي في هذه المسائل المحدودة.

مثل ايش مثلاً؟ عندنا الحنابلة في مسألة أن نجاسة الكلب أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تغسل سبع غسلات إحداها بالتراب، الحنابلة بقول لك هذا حكم تعبدي لازم سبعة، لكن راوا أن التراب ليس مقصوداً لذاته، بل المراد منه وجود مادة منظفة تختلط بالماء في إحدى الغسالات، فقال الحنابلة الصابون والاشنان وكل مادة منظفة تأخذ حكم التراب، فيجوز في غسل نجاسة الكلب سبع غسلات إحداها بصابون أو سبع غسلات إحداها بأي مادة منظفة، والتراب ليس مقصوداً لذاته.

هسه هون لاحظ أنو شوية سمحنا للعقل الاجتهادي يدخل، يعني هذه مساحة اجتهاد عقلي سمح الحنابلة بها أن تدخل، نفس الشيء أحياناً قال بعض المسائل المنصوص عليها لا فرق بينها وبين المسكوت عنها فنلحقها بها، مثل ايش؟ مثلاً مثل القول بأن الودي ينقض الوضوء مثل المذي باعتبار أنه خارج من السبيلين، صح ما في حديث نبوي ينص على أن الودي يوجب الوضوء، لكن لا فرق بينه وبين المذي الباب، قالوا: فإذا كان المذي النبي عليه الصلاة والسلام حكم أنه يوجب الوضوء، فإن الودي عليه أن ينقض الوضوء بالقياس على المذي.

طيب القياس هو اجتهاد عقلي هون، فبقول لك هي المساحات يمكن أن تدخل في باب التعبدات فيها شيء من الاجتهاد، لكنها قليلة، لذلك قال: اللهم إلا قليلاً من مسائل التعبدات ظهر فيها معنى تعقلناه فاعتبرنا به فقسنا عليه، أو شهدنا في بعضها بعدم الفرق بين المنصوص عليه في النصوص وبين المسكوت عنه مثل المذي والودي، فلا حرج حينئذ أن نمارس هذا النوع من القياس في المسائل التعبدية، لكن كم مساحته هذا في المسائل التعبدية يا ناجل؟ 5% 7%، وباقي المسائل التعبدية قائمة على ايش عمار؟ التحكم المحض، باقي المسائل التعبدية على التحكم المحض نعم.

قال: فان اشكل الأمر فلا بد من الرجوع إلى ذلك الأصل، فهو العروة الوثقى للمتفقه في الشريعة والوزر الأحمى، قال: فان اشكل الأمر يعني اشكلت عليك مثلاً في باب التعبدات هل هذه المسألة تقبل الاجتهاد العقلي ولا لا تقبل؟ منقول: إذا اشتبه عليك الأمر فالاصل في التعبدات عدم قبول الاجتهاد العقلي، فتسلم ولا تقحم عقلك، حتى لو كان في احتمالية بس أنا لساتني شاك تقبل الاجتهاد فيها ولا لا؟ شكيت، أبقى متمسكاً بالأصل، ما هو الأصل؟ أن التعبدات لا تقبل الاجتهاد هيك الأصل.

إذا فان اشكل الأمر: هل هذا مما يقبل الاجتهاد أو لا من مسائل التعبدات؟ فلا بد من الرجوع إلى ذلك الأصل، وهو أن الأصل فيها أن يعزل النظر الاجتهادي، فهذا الأصل هو العروة الوثقى للمتفقه في الشريعة، وهو الوزر، الوزر يعني الجبل أو المعين الأحمى الذي تلتجئ إليه حتى لا تبتدع في دين الله وتقحم نفسك.

ومن ذلك قال حذيفة رضي الله عنه: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها، فإن الأول لم يدع للأخر مقالاً، فاتقوا الله يا الأول، يعني السلف، لم يدع للآخر، اللي هم إحنا الخلف، مجالاً للكلام في التعبدات، فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا بطريق من كان قبلكم، ونحوه لابن مسعود أيضاً وقد تقدم من ذلك كثير.

ولذلك التزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني، إلى المعاني أي إلى العلل، وإن ظهرت لبادي الرأي، حتى ولو كان بعض التعبدات يمكن أن يفهم من بعض عللها، لكن مذهب مالك أنه في التعبدات لا يلتفت إلى العلل حتى ولو ظهرت للوهلة الأولى، قال: وقوفاً مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم لها على ما هي عليه، فلم يلتفت في إزالة الأخباث ورفع الأحداث إلى مطلق النظافة التي اعتبرها غيره، حتى اشترط في رفع الأحداث النية ولم يقم غير الماء مقامه عنده وإن حصلت النظافة، حتى اشترط في رفع الحدث النية بخلاف الحنفية، الحنفية قالوا الوضوء والغسل هو نظافة من النظافات، والتنظيف لا يحتاج إلى نية، ولذلك عند الحنفية ما عندهم نية في الوضوء، لا يشترطون النوايا في الوضوء والغسل، مالك والجمهور قالوا لا هذه في النهاية عبادة حتى ولو كان شكلها الخارجي نظافة، لكنها تبقى عبادة والعبادات تحتاج إلى نية، ولم يقم غير الماء مقامه عنده وإن حصلت النظافة، حتى يكون بالماء المطلق.

و امتنع من إقامة، وكذلك مثلاً عند الحنفية النجاسات يمكن أن تزال بالريح، بالتنشيف، حتى ولو لم ياتي عليها ماء، الجمهور بيقول لك لا، مالك والجمهور بيقول لك أي نجاسة حتى تزال لا بد الماء، لو جبت عصير ولا شاي ولا قهوة ولا كذا وحاولت تنظف فيها النجاسة ما بتطلع بس الماء، لأنه هذا الشرع قال الماء، نقول سمعنا وأطعنا حتى ولو كانت هناك وسائل تنظيف أخرى مثل الريح والشمس يمكن تؤدي إلى تنظيف، لكننا لا نعتبرها لأننا لا نلتفت إلى العلل في باب التعبدات، وإنما نقف حيث وقف الشرع.

قال: وامتنع من إقامة غير التكبير والتسليم والقراءة بالعربية مقامها في التحريم والتحليل والإجزاء، التحريم بالصلاة والتحليل من الصلاة والإجزاء، فعند مالك رحمه الله عليه التكبير، تكبيرة الإحرام، والتسليم، السلام عليكم والسلام عليكم، والقراءة للفاتحة، لا تكون إلا بالعربية، لا يجوز أن تقول الله أكبر مثلاً أنت شخص أعجمي بتعرف تحكي عربي ما بينفع تقول الله أكبر باللغة الأعجمية بدك تتعلمها بالعربية، ما بتعرف العربية خلص ما تحكيهاش تمام، إذا وامتنع من إقامة غير التكبير والقراءة والتسليم والقراءة بالعربية، وامتنع من إقامة غير التكبير والتسليم والقراءة بالعربية مقامها في التحريم والتحليل والإجزاء.

وكأنه يقول يعني: امتنع من إقامة غير التكبير والتسليم والقراءة بالعربية مقامها، يعني التكبير لازم تحكي الله أكبر، ولا يجزئ أي لفظة أخرى ولو باللغة الأجنبية كما قلنا، ومنع ومنع من إخراج القيم في الزكاة، منع من إخراج القيم هذا كله رد على الحنفية، الآن في 40 شاة كم يجب تخرج؟ شاة، طيب بصير اطلع قيمة الشاة 200 دينار مثلاً كون الرومان اليوم 200 دينار ولا لازم أطلع شاة؟ عند الحنفية الـ40 شاة عليك شاة تطلع، بصير تطلع شاة وبصير تطلع قيمتها.

الحنفية توسعوا في باب العبادات، مالك والجمهور لا قالوا: العبادات تقوم على التعبد المحض، وبالتالي وبالتالي قال: 40 شاة بدك تطلع شاة ما بصير تطلع قيمتها، وهون بيجي دائماً الخلاف في زكاة الفطر، زكاة الفطر بتعرف دائماً كل سنه في خلاف بصير: نطلعها قيمة يا شيخ ولا لا؟ الجمهور نظروا إلى جانب التعبد، خلص جاءت الشريعة أنها طعام منخرجها طعام، الحنفية لأنهم يتوسعون شوي في باب التعبدات فقالوا يجوز طعام ويجوز ايش؟ قيمة.

هسه نحن بنقول إذا بدنا نمشي على طريقة الشاطبي: والله أنا شاك هل هذه المسألة يجوز فيها التوسع بالقياس، قياس القيمة على الطعام، ولا الأصل أنها تعبدية ما بصير أعبث فيها بأي اجتهاد؟ هسه إذا أنت ما زلت في مساحة الشك، تمسك بالعروة الوثقى، الأصل أنو ايش؟ الأصل أنو هي عبادة فأقف فيها حيث وقف الشرع، ما بقيس، والتزم أن إخراج زكاة الفطر يكون طعاماً، إذا أنت ارتاح قلبك لقول الحنفية ورأيت أنه هي صح عبادة، لكن هي من العبادات المعقولة المعنى التي تقبل القياس والفهم، وأن المراد سد حاجة الفقير، طيب حاجة الفقير أحياناً ممكن تسد بالمال أكثر من الطعام.

حتى تعرف ليش العلماء بيختلفوا، في عالم بيغلب جانب التعبد، وفي عالم بيفتح مساحة للاجتهاد والقياس، وكل مذهب من المذاهب ترى فتح مجال القياس في التعبدات في مساحات محدودة مش فقط الحنفية، يعني هي الحنابلة لما قالوا أن الأسناد يقوم مقام التراب في نجاسة الكلب، طب ما هو هذا قياس، هم بس الحنفية اللي قاسوا؟ تمام يعني حتى ما حدا يزاود على الحنفية، كلكم استعملتوها، ربما الحنفية يعني بتوسعوا أكثر من غيرهم، لكن في النهاية كل المذاهب استعملت شيئاً من القياس في التعبدات.

قال: واقتصر في الكفارات على مراعاة العدد وما أشبه ذلك، على مراعاة العدد يعني إطعام 60 مسكيناً، 60 مسكيناً، ما بينفع في الكفارات اللي فيها إطعام 60 مسكيناً مثل الظهار أو الجماع أنك تطعمي 59 أو 61، العدد 60 60، صيام شهرين متتابعين، صيام شهرين متتابعين، فش أكثر أو أقل.

قال: ودورانه في ذلك كله على الوقوف مع ما حده الشارع دون ما يقتضيه معنى مناسب، إن تصور لقله ذلك في التعبدات، يعني لو تصور معنى مناسب في الكفارات في الطهارات ومالك يلغي هذا المعنى المناسب الذي توصل إليه بعقله ويقدم ما حدده الشرع، قال: بخلاف قسم العادات الذي هو جار على المعنى المناسب الظاهر للعقول فإنه... بخلاف قسم الآن ايش بقابل العبادات يا شباب؟ العادات، العادات اللي هي البيع الشراء.

الأقضية هذه عادات حياتية، نعم الشريعة وضعت لها ضوابط بس هي في النهاية أمور مش هي عبادة بالمفهوم العام لكن هي مش تعبدات هي في النهاية حوائج إنسانية فباب العادات لا، هو جاري على المعنى المناسب الظاهر للعقول، بنتها الشريعة على المعقولية ولم تبنيها على التوقيف.

قال: فإن مالك بن انس استرسل فيها استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية نعم مع مراعاة مقصود الشارع ألا يخرج عنه، أكيد مالك لما استرسل مش استرسل بهواه، استرسل مالك على مقصود الشارع ولم يخرج عن مقاصد الشريعة ولا يناقض أصلاً من أصولها، حتى لقد استشنع العلماء كثيراً من وجوه استرسال مالك بن انس زاعمين أنه خلع الربقة -تمام يعني أنه طلع عن حدود الشريعة- بعض العلماء من المذاهب الأخرى كانوا يتهمون مذهب مالك أنه أنت يا مالك عم تستعمل المصالح المرسلة في المعاملات بشكل هائل يعني مش هيك الإسلام، بعض اتهم مالك ومذهبه بهي القضية وأنك فتحت باب التشريع -يعني يقصد بالهوى أنت فتحت باب أن الناس تشرع باهوائها- وهيهات يقول الشاطبي: فما أبعده من ذلك رحمه الله بل هو الذي رضي لنفسه في فقهه بالاتباع بحيث يخيل لبعض الناس أنه مقلد فقط لمن قبله، بل هو صاحب البصيرة في دين الله حسب ما بين ذلك أصحابه في كتب سيرهم رحمه الله.

اقرأ، بل حكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: إذا رأيت الرجل يبغض مالكاً فاعلم أنه مبتدع، يعني مالك أصبح أصلاً هو معيار بين السنة والبدعة، إذا رأيت الرجل يبغض مالكاً فاعلم أنه مبتدع نعم وهذه غاية في الشهادة بالاتباع، وقال أبو داود: أخشى عليه البدعة يعني المبغضة لمالك، وقال ابن مهدي: إذا رأيت الحجازي يحب مالك بن انس فاعلم أنه صاحب سنة وإذا رأيت أحداً يتناوله فاعلم أنه على خلاف السنة، وقال إراهيم بن يحيى بن هشام: ما سمعت أبا داود لعن أحداً قط إلا رجلين، أحدهما رجل ذكر له أنه لعن مالك والآخر بشر المريسي، وعلى الجمله بشر المريسي أحد رؤوس المعتزلة هذا نعم.

قال: وعلى الجملة فغير مالك أيضاً موافق له في أن أصل العبادات عدم معقولية المعنى وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، نعم فغير المالكية عموماً جملة الفقهاء هم يتفقون مع مالك على أن الأصل في العبادات التوقيف وإن كانت المذاهب تختلف في شيء من التفاصيل، فالأصل متفق عليه عند الأمة ما عدا الظاهرية فإنهم لا يفرقون بين العبادات والعادات بل الكل تعبد غير معقول المعنى في المذهب الظاهري مذهب داود الظاهري وابن حزم وتلاميذهم.

مذهب الظاهر شو مشكلته؟ أنه جعل العبادات والعادات كله غير معقول المعنى، لذلك الظاهرية هل عندهم قياس؟ لا، إذن الحزم الظاهري ما عنده قياس، فهم الأصل أنهم بنوا أن العبادات والعادات كلها موقوفه للنص، فش مجال فيها للقياس واعتبار المعاني المعقولة وهذا مشكلة، لذلك المذهب الظاهري ضعيف في العادة ومنحسر ولا يوجد له في اليوم إلا يعني عدد قليل جداً من يتبع المذهب الظاهري لأنه في مشكلة جوهرية في قضية أنه حتى العادات أنت اعتبرت فيها النص وألغيت فيها مساحة القياس نعم.

قال: فهم أحرى بأن لا يقولوا بأصل المصالح فضلاً عن أن يعتقدوا المصالح المرسلة، نعم يعني الظاهرية تزعل منهم إذا ما أخذوا بالمصالح المرسلة لأنهم أصلاً هم لا يقبلون تعليل الأحكام بالمصالح حتى المصالح المعتبرة فانت بدك إياه ياخذ لك المصالح المرسلة؟ خلص يعني الظاهرية سامحوهم مش مشكلة.

قال: والثالث أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر -طيب إذا الآن رجعنا سمات المصالح المرسلة- أول وحدة أنها ملائمة لمقصود الشارع، ثانياً إن المصالح المرسلة وين مساحة عملها يا عمار؟ في العبادات ولا في العادات؟ في العادات ها السمة الثانية، الآن السمة الثالثة للمصالح المرسلة أيوه قال: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري ورفع حرج لازم في الدين وأيضاً فرجعها إلى حفظ ضروري من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فهي إذاً من الوسائل لا من المقاصد.

إذاً السمة الثالثة للمصالح المرسلة أن استعمال المصالح المرسلة ما المراد منه؟ متى يستعمل العلماء المصالح المرسلة؟ وهذا سؤال مهم، هل العلماء كانوا يستعملوا المصالح المرسلة وهم في قمة الرفاهية ولا كان يستعملها لحفظ ضروري أو حاجي؟ كان يستعملون لحفظ ضروري أو حاجي، يعني هو لم يذهب لاستعمال المصلحة المرسلة من أجل يخترع عبادة في الدين وحابين نحن اليوم نعمل عبادة جديدة عشان هيك ونحن من الساعة خلينا نستعمل المصالح المرسله عشان نعملها، لا المصالح المرسلة ألجأتنا إليها الضرورة ضرورة أو الحاجة، وأما بدعكم يا أصحاب البدع هل ألجأتها إليها الضرورة أو الحاجة ولا الكسر والبطالة عن القيام بواجبات الشريعة؟ هذا فرق جوهري أنه بقول لك أنا المصلحة المرسلة أنا متى بستعملها؟ لأحفظ بها أمراً ضرورياً أو حاجياً بدونها يفسد الأمر أو يثقل فلذلك هي من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب حفظ الدين وحفظ النفس أصبح واجباً واستعين مثلاً جمع المصحف مش هو مصلحة مرسلة؟ لماذا جمعوا المصحف في زمن أبي بكر؟ لأنه أصبح واجباً من أجل حفظ الدين، مش أبو بكر الله يرضى عنه وعمر قرروا جمع المصحف في حالة من الرفاهية يعني يلا خلينا نعمل لنا شغلة يلا شو رايك نجمع المصحف؟ لا هو فعلوا ذلك لحفظ الدين، هذه قضية مهمة وهذا فرق جوهري بين البدع والمصالح المرسلة فهي إذاً المصالح المرسلة من الوسائل لا من المقاصد ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف لا إلى التجديد، حتى المصلحة المرسلة لما نقول هي لحفظ ضروري أو تحقيق أمر حاجي من باب التسهيل على الناس والتخفيف عنهم إذا هي ترجع إلى رفع الحرج عن الناس، صحيح أنا بستعملها لأرفع الحرج عن الناس فإذاً هي ترجع إلى ايش؟ إلى التخفيف عن الناس والتهوين عليهم وليس إلى التجديد والتثقيل.

بخلاف ايش يريد؟ البدع، لأن البدع هي عبارة عن ايش؟ هي تجديد وتثقيل رهبانية ابتدعوها، هي عبارة عن تجديد وتثقيل لم تطلبه الشريعة منك وزيادة عبادات، فهذه كلها فروق جوهرية أن المصالح المرسلة هي لحفظ أمر ضروري أو حاجي وليس من باب الترف وأن المراد منها التخفيف والتسهيل لما تثقل الأمور على الناس وليس التشديد، بخلاف البدع، البدع تستعمل من باب الترف، يعني بدع البدعة بدعة المولد النبوي شو يا والله أنت شو حفظت فيها من أمر دين الناس؟ وبدعة عيد الشجرة وبدعة الكذا يعني هذه الأعياد اللي أنشأتوها وبدعة الذكر الجماعي والقفز والوثب يعني هذه بالله عليك شو المصلحة الضرورية والحاجية اللي حفظت لي اياها من خلال إنشاء الأعياد ومن خلال إنشاء العبادات بهذه الاشكال؟ ثانياً أن هذه الأمور هل هي تخفيف على الناس؟ هذه البدع هل هي تخفيف لزيادة؟ هي زياده وتجديد، فإذاً في فروق جوهرية بين المصلحة المرسلة وبين البدع نعم.

قال: أما رجوعها إلى ضروري فقد ظهر من الأمثلة المذكورة وكذلك رجوعها إلى رفع حرج لازم وهو إما لاحق بالضروري وإما من الحاجي، وعلى كل تقدير فليس فيها ما يرجع إلى التحسين والتزيين البته، نعم فالمصالح المرسلة ليست في مجال التحسينيات وإنما هي في ضروريات أو حاجيات نعم، فإن جاء من ذلك شيء فإما من باب آخر لا منها كقيام رمضان في المساجد جماعة حسن، فان فإن جاء من ذلك شيء -يعني إذا جاء ما ظاهره أن مصلحة مرسلة دخلت في باب التحسينيات- فما من باب آخر لا منها، يكون هذا ليس دليله المصلحة المرسلة بل يكون دليله نص أو شيء هو الذي دل على ذلك، مثلاً كقيام رمضان في المساجد جماعة في زمن عمر هو ليس من باب المصالح المرسلة ابتداءً بل عمر أعاد إحياء ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام لما زالت العلة التي من أجلها ترك النبي صلى الله عليه وسلم الجمع لها.

هس لماذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم صلاة التراويح جماعة؟ خشية أن فرض على الأمة فلما مات صلى الله عليه وسلم زالت هذه العلة فأعاد عمر الأمر إلى ما كان، فما فالبعض يظن أن هذا مصلحة مرسلة ويقول هذا ليس مصلحة مرسلة بل هذا استدلال بفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما عرفت علة توقفه عنه فقط نعم.

قال: وأما معدود من قبيل البدع التي أنكرها السلف الصالح كزخرفة المساجد والتثويب بالصلاة وهو من قبيل ما لا يلائم، وأما إذا جاء مصلحة مرسلة في التحسينيات ولم يظهر لها نص أو شيء من الكتاب والسنة فهذا أصلاً يكون ليس من المصالح المرسلة يكون من باب البدع، يعني يقول: فان جاء شيء من الأمور التحسينية ظاهره أنه اعتماداً على المصالح المرسلة فهذا لا يكون مصالح مرسلة بل أما له دليل آخر وبالتالي أعيبره العلماء وأما هو بدعة بس أنتم سميتوه مصالح مرسلة زي زخرفة المساجد، ممكن البعض يقول لك المساجد لازم تزخرف مشان نحبب الناس الدين وصير الناس تيجي تصلي لما تشوف المسجد سجادة منيح والزخرفة بصير يحب يشوف المسجد، بقول وهي مصلحة مرسلة، بقول لا هي مش مصلحة مرسلة هي بدعة أنت حضرتك وصلت إليها بدماغك والشريعة لا تريد هذا أنت سميتها مصلحة مرسلة عاد هي منك لكن الشريعة تراها بدعة وهو من قبيل ما لا يلائم مقاصد الشريعة.

طيب قال: وأما كونها في الضروري من قبيل الوسائل وما لا يتم الواجب إلا به فظاهر من الأمثلة المذكورة وأشباهها وحقيقة ما لا يتم الواجب إلا به إن نص على اشتراطه فهو شرط شرعي فلا مدخل له في هذا الباب لأن نص الشارع فيه قد كفانا مؤهت النظر فيه، وإن لم ينص على اشتراطه فهو إما عقلي أو عادي فلا يلزم أن يكون شرعياً.

كما أنه الآن هذه ربما الإخوة بيحضروا معنا أصول الفقه سهلة عليهم قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، هذا الشيء الواجب الذي هو وسيلة لفعل الواجب الأصلي، الآن أنا عندي واجب أصلي مثل الصلاة في هناك وسائل مطلوبة حتى تحصل هذه الصلاة، هذه الوسائل التي لا يتم الواجب إلا بها ما حكمها؟ تصبح تصبح واجبة الوسائل التي لا يتم الواجب إلا بها تصبح واجبة، طيب هذه الوسائل يقول لك الشاطبي إذا كانت الوسيلة الشارع هو نص عليها ابتداءً نصاً منفصلاً تصبح هنا هذه الوسيله خلص منصوص عليها في نصوص الكتاب والسنة لا داعي لأطبق القاعدة عليها، مثلاً الوضوء، الوضوء مش هو وسيلة للصلاة؟ الآن هل أنا محتاج أن أقول أنه الصلاة واجبة ولا يتم الواجب إلا بالوضوء فيصبح الوضوء واجباً من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؟ هس أنت علمياً بصير تحكي هيك بس أنت مش محتاجه ليه؟ لأنه الوضوء أصلاً الشريعة نصت عليه نصاً واضحاً بيناً بوجوبه بدون الحاجة لتطبيق القاعدة فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] فانا هنا أي وسيلة نص الشارع عليها نصاً في الكتاب والسنة واضح أنا مش محتاج حتى أوجب هذه الوسيلة أن استعمل قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ليه؟ لأنه هي الوسيلة عرف وجوبها من نص الشارع، إذا حبيت تستعمل القاعدة بتكون من باب ماذا؟ يعني زيادة التأكيد مش أكثر.

أما الأمور التي لم ينص الشارع عليها وهي وسائل لابد منها لفعل الواجبات اه في هذه الحالة نقول هذه الوسائل واجبة ومصدر وجوبها قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، الوسائل التي بها يفعل الواجب لا يفعل الواجب إلا بها، إذاً هذه الوسائل لم ينص الشارع على وجوبها بعينها فمن أين أنا كفقيه أخذ وجوبها؟ من وين يا جواد؟ من قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذه الوسائل في العادة ستكون إذاً ايش؟ وسائل عقلية أو وسائل عرفية مش مثل ايش الأمثله؟ ذكرنا أمثلة كثير في الفقه يا أسامة، مثلاً أحسنت الآن ربنا عز وجل أمرنا بستر العورة ستر العورة واجب طب عورة الرجل ما بين سرته وركبته؟ يقول العلماء: يجب الآن الركبة نفسها الركبة نفسها مش عورة لكن يجب أن تستر شيئاً منها، طب لماذا يجب أن أستر شيئاً منها ما أنت حكيت يا شيخ مش عورة؟ لأنه لن تستطيع أن تستر ما بين السرة والركبة إلا إذا سترت شيئاً من بداية الركبة فأصبح ستر شيء من الركبة وسيلة لتحقيق الواجب الأصلي وهو ستر ما بين السرة والركبة، طب هذه الوسيلة وهو ستر شيء من الركبة حتى يحصل ستر ما بين السرة والركبة هذه الوسيلة هل نص الشارع على وجوبها بحد ذاتها؟

في حديث نبوي بقول لك استر شيئا من الركبة حتى تكون ساترا للعورة يقينا، ما في حديث. طيب من وين أخذناها؟ من العرف، إنه في العرف وفي العادة لا يمكن أن تستر ما بين السرة والركبة على وجه الكمال إلا إذا سترت شيئا من أول الركبة.

إذا هنا العرف والعقل هو الذي سيجعلني، هناك وسائل عقلية أو وسائل عرفية لابد منها لتحقيق الواجب، فتصبح هذه الوسائل العقلية أو العرفية واجبة، من أي باب عرفت وجوبها؟ من باب قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. مثلا أنا أمرتك بالجلوس، إذا أمرتك بالجلوس، إذا عقلا لا يمكن أن تجلس يا جواد إلا إذا تركت ايش؟ إلا إذا تركت القيام، هذا مش بالعرف، هذا بالعقل.

إذا أنا قلت لك أجلس وأنت واقف، واحد واقف قلت له أجلس، عقلا هل يمكن أن يفعل هذا الواجب وهو الجلوس بدون أن يترك القيام؟ لا، بده يترك القيام، حتى فيصبح ترك القيام واجب. كيف عرفت يا شيخ إنه ترك القيام واجب؟ أصبح ترك القيام واجب لأنه وسيلة لتحقيق الواجب الأصلي وهو الجلوس وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهمتم؟ هكذا يفكر الفقهاء.

طيب قال: فهو إما عقلي أو عادي، فلا يلزم أن يكون شرعيا، كما أنه لا يلزم أن يكون على كيفية معلومة. فانا لو فرضنا حفظ القرآن والعلم بغير الكتب عاديا مطردا. الآن هو لماذا يقول هذا الكلام؟ يقول لك الآن نحن اتفقنا أن المصالح المرسلة إنما هي من الوسائل لحفظ الضروريات صحيح، والمصالح المرسلة هي من الوسائل لحفظ الحاجيات، ما دامها من الوسائل هل الوسائل دائما تكون أمور شرعية؟ لا، الوسائل زي ما حكينا قد تكون أمور شرعية زي الوضوء، يعني الوضوء كون الوضوء وسيلة للصلاة هل هذا العقل بيفرضه يا جواد أو العادة ولا بس الشريعة هي اللي فرضته؟ حقيقة بس الشريعة هي اللي فرضته.

يعني في شيء عقلي بيقول آه الصلاة لا تصح إلا بوضوء؟ في شيء في العادة بحكي إنه الصلاة لا تصح إلا بوضوء؟ كيف عرفت إنه الصلاة لا تصح إلا بوضوء؟ بس الشريعة هي اللي حكت كذا، فوسائل العبادات أو وسائل المقاصد خلينا نحكي، وسائل المقاصد بعض الوسائل قد يكون ماخذها فقط أن الشريعة طلبتها زي الوضوء للصلاة، وبعض الوسائل مش الشريعة طلبتها، العقل والعرف بيفرضها، والشريعة لا تأتي بما هو مخالف للعقل والعرف الصحيح فبتكون الشريعة إذا طلبتها من باب أن العقل والعرف الصحيح يطلبها، أليس كذلك؟

يعني لو جاءك نص من الشريعة أن اطلع على سطح العمارة فرضا، لأن الشريعة لما أمرتك أن تخرج أو تطلع على سطح العمارة هي الشريعة تعرف ضمنيا أنه أنت ما راح تطلع إلا بوجود ايش يا جواد؟ كيف بدك تطلع سطح العمارة؟ لازم يكون في ايش؟ يا مصعد يا سلم، لازم في شيء، فلما يقول لك الشارع الشريعة تاتي تقول لك اطلع على السطح خلص يجيك النص اطلع على السطح، أنت تعرف ضمنيا أن الشريعة اللي قالت لي اصعد على السطح هي ضمنيا بدها مني أتخذ الوسائل والإجراءات العقلية والعرفية التي لابد منها للصعود على السطح، لأن الشريعة هي تتعامل مع الإنسان باعتبار واقعه العقلي والعرفي.

طيب ماذا يفيدنا هذا؟ هو يفيدنا هذا، يقول لك إن المصالح المرسلة ما دمنا قلنا هي وسائل لتحقيق المصالح الضرورية ووسائل لتحقيق المصالح الحاجية، إذا قد تكون هذه الوسائل أمور شرعية محضة، وقد تكون المصالح المرسلة عبارة عن أمور عقلية أو أمور عادية، وهي في العادة عادية عبارة عن أمور عادية لابد منها.

فمثلا لما أمرنا الله بحفظ الشريعة من التبدير والتحريف، ما هي الوسائل التي يجب أن نفعلها لحفظ الشريعة؟ بدي أعتبر حالنا رجعنا لزمن سيدنا أبو بكر، أبو بكر خليفة المسلمين صح، مطلوب منه يحفظ الشريعة، بالتالي مطلوب منه ياخذ وسائل وأجراءات يحفظ فيها ايش؟ الشريعة. لما رأى أبو بكر وعمر إنه القتل استحر في قراء اليمامة في معركة اليمامة، استشهد خمسمائة حافظ قرآن، أبو بكر وعمر فكروا إنه لابد إنه ايش يكون فيه؟ لأن أتخذ وسائل وأجراءات لحفظ القرآن، فطلعوا بفكرة ايش؟ جمع المصحف.

أصبح جمع المصحف وسيلة، وسيلة نعم لم ينص الشارع عليها بذاتها، لكن هي وسيلة العرف والعادة تتطلبها، يعني العادة والعرف يتطلب إنه بدك تحفظ معلومات معينة من الاندراس لازم شو تعمل؟ لازم تجمعها وتكتبها، فالعرف والعادة هو الذي جعل عمر رضي الله عنه وأبو بكر يقولوا عادة كيف بدنا نحفظ القرآن من الضياع بعد استشهاد القراء؟ في وسائل لازم نتخذها، الوسيلة العرفية المعتادة هي أنك ايش؟ تجمع المصحف.

فأصبح جمع المصحف بالنسبة في حقهم واجب، أصبح جمع المصحف في حقهم ايش؟ واجب من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. إذا الواجب الأصلي حفظ الشريعة وحفظ القرآن، ولا يتم هذا الواجب إلا بوسيله معينة وهي أن يجمع بين دفتين فاص، وهذا طبعا هي الوسيلة ماخذها كان العرف إنه في العادة أي علم يخاف من دراسة لازم ينكتب وينجمع، فبالتالي اتخذوا هذه الوسيلة وראوها واجبة عليهم، وهذه الوسيلة اللي شافوها واجبة عليهم كيف فكروا فيها؟ كل هذا التفكير هو من باب المصالح المرسلة، هذا التفكير اللي صار مصالح مرسلة، فهمتم؟

طيب قال: فهو إما عقلي أو عادي، فلا يلزم أن يكون شرعيا، كما أنه لا يلزم أن يكون على كيفية معلومة. فانا لو فرضنا حفظ القرآن والعلم بغير الكتب عاديا مطردا، لنا حفظه به. يعني لو فرضنا أنه ممكن نحفظ القرآن ونحفظ العلوم الشرعية بدون ما نكتبها، إذا كان مش ملزم عمر وأبو بكر الله يرضى عنهم أنهم يجمعوا المصحف، لو كان في وسائل أخرى لاتخذوها، لكن هذه الوسيلة تعينت، ما فيش وسيلة تحفظ القرآن من الاندراس إلا أنك تكتبه وتجمعه، نعم فتعينت هذه الوسيلة.

نعم، كما أن لو فرضنا حصول مصلحة الإامامة الكبرى بغير إمام على تقدير عدم النص بها لصح ذلك. آه لو بدنا نفرض فرضا الآن، لأنه هي في نص بس هو بدها يفرض فرضا، لو فرضا لم يأتي حديث يقول لنا بوجوب تنصيب خليفة، فرضا بدنا نحكي إنه في حديث حكى إنه لازم يكون هناك إمام في الزمان، إنه في أحاديث بتحكي بس أقول لك فرضا بدنا نقول ما في حديث يقول بوجوب تنصيب الإامام، هل يكون تنصيب الإامام واجب؟

نقول الآن حفظ بيضة المجتمع وحياة الناس واجب، الآن إذا في وسيلة نحفظ فيها حياة الناس ومصالحهم بدون وجود إمام خلص يصبح تنصيب الإامام مش واجب. لكن إذا ما في وسيلة لتنظيم المجتمع وإصلاح حياتهم إلا بتنصيب زعيم عليهم، أصبح تنصيب الزعيم عليهم واجبا من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. بس أنت هون أصلا أنت عندك نص شرعي ابتدائي يأمرك بماذا؟ بوجود خليفة ووضع إمام المسلمين، بس هو بيفترض مسألة افتراضية حتى تفهم الصورة أكثر وأكثر، نعم.

قال: وكذلك سائر المصالح الضرورية. وإذا ثبت هذا لم يصح أن يستنبط من بابها شيء من المقاصد الدينية التي ليست بوسائل. بالتالي الآن بعد كل هذه الفكرة ما هي النتيجة النهائية؟ الآن بدنا نرد على من يقول إن المصالح المرسلة والبدعة من باب واحد. ايش بقول؟ بقول: إذا فهمنا أن المصالح المرسلة إنما هي عبارة عن الوسائل التي بها نحفظ الضروريات.

يعني المصالح المرسلة نحن متى بنوظفها؟ من أجل البحث عن وسائل نحفظ بها الضروريات والحاجيات، صح؟ هذه افهمها العبارة واكتبها: المصالح المرسلة إنما توظف من أجل الوصول إلى وسائل تحفظ بها الضروريات والحاجيات، صحيح؟ فبالتالي لا يجوز استعمال المصالح المرسلة ليستنبط منها ماذا؟ شيء من المقاصد الدينية التي ليست بوسائل.

الآن بصير أنت تخترع لي عيد المولد النبوي وتقول لي والله هذا من المصالح المرسلة؟ بقول لك تعال، المصالح المرسلة هي عبارة عن وسائل تحفظ بها الضروريات أو وسائل تحفظ بها الحاجيات، لما عملت لي عيد المولد النبوي وسيلة لايش يعني هذا سؤالي؟ المصالح المرسلة بابها الوسائل، عملت عيد مولد نبوي عيد شجرة عيد اللي بدك آياه، هذا الاعياد شو الوسيلة؟ هي وسيلة لحفظ شو؟ وسيلة لحفظ الدين؟ بالعكس، هي وسيلة لتحته، يعني أنت لا تحفظ بها شيء تخاف عليه من الاندراس، بالعكس أنت بها تزيد في الدين أشياء ليست منه.

فلا يجوز أن تقول أن المصالح المرسلة والبدعة من باب واحد، لأن البدعة هي ليست فكرتها وسائل أحفظ بها الدين من العدم، ليست وسائل تحفظ بها الأنفس والأموال والأعراض، البدعة هي أمور زائدة أنت بتشدد فيها على الناس وبتزود فيها عليهم، ليست وسيلة من أجل حفظ شيء من الضروريات الخمس، فبابها مختلف تماما، البدعة بابها مختلف تماما عن المصالح المرسلة، المصالح المرسلة لم يوظفها العلماء إلا في استعمالها للوصول إلى الوسائل التي بها تحفظ الضروريات والحاجيات، بخلاف البدعة، لا يصح أن تستعمل المصالح المرسلة في استنباط شيء من المقاصد الدينية، يقصد يعني العبادات الوقفية، لأنها ليست بوسائل هذه نعمر، أحسنت.

وأنا في النهاية أصحاب البدع أصبحوا يعرفون هذا الكلام فيقول لك لا، الاعياد التي نستحدثها كعيد المولد أو ما شابه ذلك هي وسائل لحفظ الدين، أنا بدي أحفظ حبك للنبي عليه الصلاة والسلام، فوسيلة أن أحفظ حبك للنبي عليه الصلاة والسلام أن استحدث عيدا يذكرك دائما به ويكون فيه انشاد له، فنقول: هل هذه الوسيلة التي ابتدعتها هي المتعעהة لحفظ حب النبي عليه الصلاة والسلام أم هناك وسائل كثيرة فعلها السلف لحفظ حبهم للنبي عليه الصلاة والسلام نحن قصرنا فيها؟

لذلك ابن تيمية ماذا قال في اقتضاء الصراط المستقيم؟ لا يجوز استحداث شيء كوسائل تراد بها حفظ المقاصد إذا كانت هذه الوسائل سبب استحداثها هو تقصير الناس في الأمور المشروعة، لو أن الناس حافظت على الأمور المشروعة على سماع الحديث النبوي وقراءة السيرة وتعلم الفقه لما احتجنا إلى استحداث أعياد وموارد.

فإذا كان سبب ضعف المحبة تقصير الناس في الأمور المشروعة فلا يكون المعالجة له المشكلة باستحداث أمور غير مشروعة، بل يكون بدعوة الناس للعودة إلى الأمور المشروعة بقراءة السيرة بحفظ أحاديثه بالتعلم على هديه بإقامة العلم، هكذا تحفظ محبته صلى الله عليه وسلم، فهذا قيد مهم.

قال: وأما كونها في الحاجي من باب التخفيف فظاهر أيضا، وهو أقوى في الدليل الرافع للحرج، فليس فيه ما يدل على تجديد ولا زيادة. هو يقول: المصالح المرسلة في باب الضروريات هي من قبيل الوسائل، والمصالح المرسلة استعمالها في باب الحاجيات المطلوب منها التخفيف، هيك كلام الشاطبي لأنه قال في أول النقطة الثالثة: وأيضا فرجوعها إلى حفظ الضروري هو من باب الوسائل لا من باب المقاصد، ورجوعها في الحاج من باب التخفيف لا من باب التجديد، مش هيك وبدأ الفقرة؟

فهو يريد أن يقول إن المصالح المرسلة في باب الضروريات تكون هي وسائل لحفظ الضروريات وليست مقاصد لذاتها، والمصالح المرسلة في باب الحاجيات هي وسيلة للتخفيف لا إلى التجديد. طيب قال: والأمثلة مبينة لهذا الأصل أيضا.

إذا تقررت هذه الشروط علم أن البدعة كمضادة للمصالح المرسلة، لأن موضوع المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل، والتعبدات من حقيقتها ألا يعقل معناها على التفصيل، وقد مر أن العادات إذا دخل فيها الابتداع فإنما يدخلها من جهة ما فيها من التعبد لا باطلاق.

فالان إذا فهمت كل هذه الخصائص المصالح المرسلة فإنك ستصل لقناعة أن البدع مضادة تماما للمصالح المرسلة، مضادة تماما، ليه؟ قال لأن موضوع المصالح المرسلة أولا ايش حكينا؟ ما عقل معناه على التفصيل اللي هي باب العادات والتعبدات، أيوه من حقيقتها ألا يعقل معناها على التفصيل، وقد مر أن العادات إذا دخل فيها الابتداع أصلا فإنما يدخلها من جهة متعلقاتها التعبدية لا من حيث ذاتها.

طيب، وأيضا فإن البدعة في عامة أمرها لا تلائم مقاصد الشرع، خلاصة أن المصالح المرسلة في باب العادات فقط، وأما البدع التي أنتم فيها فأنتم تستعملونها في وين؟ في العبادات، فهذه من جهة وهذه من جهة أخرى، المصالح المرسلة فقط في العادات، وأما البدع فهي فقط في وين؟ في العبادات.

ولو قلنا إن البدع يمكن تدخل في العادات بناء على التعريف الأولي للبدعة مش قال إنه في تعريف يمكن تدخل فيه العادات؟ لو قلنا إن البدع تدخل حتى في العادات فإنما تدخل في العادات من جهة متعلق هذه العادات بالعبادات، من هذه الجهة، يعني من الجهة التي تتعلق فيها العادة بالعبادة، وليس من جهة أصل العادة أنها تكون من باب البدع ناجح، لا هي لأنه هي أصلا فكرة البدعة التي ذمتها الشريعة هو أن تزيد شيئا في باب التعبدات، هي فكرة البدعة التي نحن ما فيها مشاكل ونذمها وكل بدعة ضلالة هي البدعة فكرتها أن تزيد في التعبدات مش فكرتها أنك تزيد في العادات، فهي أصلا فكرة البدعة زيادة في التعبدات.

فتيجي تقول لي المصالح المرسلة زيها زي البدع؟ يا عمي غلط، لأن المصالح المرسلة بالعكس فكرتها هي وين؟ هي إصلاح في العادات، ما العلماء ما بيستعملوا المصالح المرسلة في باب التعبدات، فقولك إن المصالح المرسلة والبدع من مخرج واحد هذا كلام باطل لاختلاف محل العمل، البدع محل شغلها العبادات، والمصالح المرسلة محل شغلها وين؟ العادات، فكيف تقول مخرجهما واحد؟

ثانيا، وأيضا فإن البدعة في عامة أمرها لا تلائم مقاصد الشرع بل إنما تتصور على أحد وجهين: أما مناقضة لمقصده كما تقدم في مسألة المفتي للملك بصيام شهرين متتابعين، وأما مسكوتا عنها فيه كحرمان القاتل ومعاملته بنقيد مقصوده على تقدير عدم النص به وقد تقدم، كحرمان القاتل ومعاملته بنقيد.

مقصوده على تقدير عدم النص به، الذي هو بيقول لك، وأيضاً فإن البدع في عامة أمرها؛ نحن قلنا أول خاصية للمصالح المرسلة ما هي؟ ملائمتها لمقصود الشارع، الخاصية الثانية المصالح المرسلة أن مجالها في العادات فقط، الخاصية الثالثة ما هي؟ أنها تكون في الضروريات والحاجيات وليس في التحسينيات. فهو الآن حاول يبين لك أنه كيف البدع مخالفة للمصالح المرسلة في كل هذه الأمور.

فبين كيف أن البدع أولاً مخالفة للمصالح المرسلة في مكان العمل، فالبدع في العبادات والمصالح المرسلة في العادات. ثانياً، اللي هي القضية الأولى أن قلنا المصالح المرسلة ملائمة لمقصود الشارع، أما البدع فهي أحد وجهين: يا منافية تماماً لمقصود الشارع، يا أنها ايش؟ مسكوت عنها ولا تظهر ملائمتها فعلاً لمقصود الشارع. فالبدع إما مناقضة لمقصود الشارع أصلاً؛ كما مر معنا أن كفارة الجماع كفارة مرتبة؛ عتق رقبة، جماع في نهار رمضان كفارتها عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكيناً.

لما يحيى بن يحيى الليثي قال للخليفة -بتذكروا المسألة اللي شرحناها سابقاً- أنه: لأنه أنت معك مصاري؛ لا عليك صيام شهرين متتابعين. هو هذه المساحة هذه المساحة تعتبر مساحة ايش؟ تعبدات، وأنت ابتدعت فيها بدعة أنك قلت له: اقفز إلى صيام شهرين بدل الدفع أو بدل عتق رقبة. هذه بدعة وهي مخالفة لمقصود الشارع، أنه مقصود الشارع من جعل عتق الرقبة هو أول شيء ما هو؟

أن الشريعه تتشوف للعتق، فهي بدها يضل العتق هو رقم واحد. فأنت لما تيجي للحاكم وتقول له: لا، اقفز لي الخطوة رقم اثنين وتجاوز رقم واحد، أنت فعلاً ناقضت مقصود الشارع. ماشي، أنت بدك تشدد على الحاكم، بس تجديدك على الحاكم من خلال القفز في الكفارة أدى إلى مخالفة مقصود الشارع الذي يريد إعتاق العبيد في المجتمع على اقصى درجاته، فأصبحت البدعة هنا مناقضة لمقصود الشارع.

وأما المثال الثاني وهي البدعة التي لا يظهر مناقضتها تماماً لمقصود الشارع، لكنها تكون مسكوتاً عنها، هذا أخف أحوالها؛ كحرمان القاتل من الميراث، مش القاتل إذا ابن قتل أبوه يحرم من الميراث معاملة له بنقيض مقصوده كما تكلمنا سابقاً؟ فهذه على تقدير عدم وجود نص فيها؛ على تقدير لأنه هي فيها نص، فعلى تقدير عدم النص فيها لو أن شخصاً قال بحرمان القاتل من الميراث والعله هي ايش؟ معاملته بنقيض مقصوده، لو لم يرد نص في هذا لقلنا أن هذا نوع من البدع التي لا تخالف مقصود الشارع صراحة، لكنها على الأقل مسكوت عنها، لم تصل لدرجة أنها توافق وتلائم مقصود الشارع، نعم.

وقد تقدم نقل الإجماع على اضطراح القسمين وعدم اعتبارهما، ولا يقال إن المسكوت عنه يلحق بالمأذون فيه. يعني لو شخص قال: يا شيخ، البدع المخالفة لمقصود الشارع احنا معك ردها، بس البدع التي لم تظهر أنها مناقضة لمقصود الشارع، اللي هي القسم الثاني المسكوت عنها، ليش ما تقبلها؟ يعني في النهاية مسكوت عنها ولا يظهر أنها مضادة لمقصود الشارع. لاحظ ماذا سيقول الشاطبي هنا، نعم.

قال: إذ يلزم من ذلك خرق الإجماع لعدم الملائمه، ولأن العبادات ليس حكمها حكم العادات في أن المسكوت عنه كالماذون فيه. وقد تقدم نقض الإجماع على اطلاح القسمين المناقض والمسكوت، ولا يقال إن المسكوت عنه يلحق بالمأذون فيه؛ إذ يلزم من ذلك خرق الإجماع لعدم الملائمه. شو يعني خرق الإجماع لعدم الملائمه؟

أنه نحن الآن المصالح المرسلة، نحن متى بنقبلها؟ فقط إذا كانت ملائمة. إذا لم تظهر ملائمتها لمقصود الشارع، هل نحن حتى المصالح المرسلة بنقبلها؟ لا. فبقول لك: نفس الشيء إذا أنت بدك تبتدع لي عبادة وتقول لي هي العبادة يا شيخ ليست مناقضة لمقصود الشارع، مسكوت عنها؛ نقول حتى لو كان مسكوته عنها أنا ما بقدر أقبلها، ليه؟ لأن المطلوب حتى في المصالح المرسلة -يعني حتى المصلحة المرسلة حتى تكون مقبولة لازم يظهر ملائمتها لمقصود الشارع- مش فقط أنها مسكوته عنها. فهذه البدعة اللي أنت بتحكي لي عنها لم تظهر ملائمتها لمقصود الشارع، فحتى لو كانت مسكوت، مش مناقضة، هي مخالفة للإجماع، الإجماع يقول: أي شيء يقبل يجب أن يكون ملائماً لمقصود الشارع، هيك اتفق العلماء.

وهذه البدع التي أنت أتيت بها، ولو كانت لا تظهر مناقضتها الصريحة لكنها مسكوت عنها، لا تظهر ملائمتها الصريحة، والمناط هو ظهور الملائمة، هذا هو المناط؛ متى لم تظهر الملائمة، سواء ظهرت المناقضة أو كانت مسكوتاً عنها، في كلا الحالتين لن تقبل. نعم، قال: ولأن العبادات ليس حكمها حكم العادات في أن المسكوت عنه كالماذون فيه إن قيل بذلك، بل تفارقها؛ إذ لا يقدم على استنباط عبادة لا أصل لها، لأنها مخصوصة بحكم الإذن المصرح به، بخلاف العادات.

والفرق بينهما ما تقدم من اهتداء العقول للعاديات في الجملة، وعدم اهتدائها لوجوه التقربات إلى تعالى. وقد أُشير إلى هذا المعنى في كتاب الموافقات. وإلى هذا، إذ يقول: ولأن العبادات أصلاً ليس حكمها حكم العادات في أن المسكوت عنه كالمأذون فيه إن قيل بذلك، يعني لو نحن قلنا أنه في العادات أن الشيء الذي سكت عنه الشارع يأخذ حكم المأذون فيه حتى ولو لم تظهر ملائمة المسكوت لمقاصد الشريعة، لو قيل ذلك فباب العبادات أصلاً هو باب مختلف عن باب العادات، ليه؟ لأن العبادات -مر معنا- لا يقدم على الاستنباط في العبادة لا أصل لها. هل يجوز أن استنبط عبادة لا أصل لها؟ لا، لأنها مخصوصة بحكم الإذن المصرح به، يعني أن العبادات تقوم على التحكم المحض زي ما قلنا في بداية درس اليوم.

قال بخلاف العادات؛ لأن العال... قال بخلاف العادات والفرق بينهما ما تقدم من أن العقول تهتدي في الأمور العادية إلى مصالحها، لكن العقول لا تهتدي في الأمور العبادية إلى مصالحها، بل هي محتاجة إلى شارع حكيم يضبط لها مصالحها في العبادات، هذا الفرق الجوهري. إذاً، لو قلت إن العباد... أن العادات المسكوت عنه فيها يأخذ حكم المأذون فيه لو قيل ذلك، هذا لا يلزم اضطراده في العبادات، لأن العبادات العقول لا تهتدي فيها إلى المطلوب منها، بخلاف العادات فإن الله وضع في العقول خاصية الاهتداء في المعاملات والحياة إلى مصالحها في الجملة. نعم.

وعلى هذا، قال: فاذا ثبت أن المصالح المرسلة ترجع إما إلى حفظ ضروري من باب الوسائل أو إلى التخفيف؛ فلا يمكن إحداث البدع من جهتها أو إلى التخفيف في الحاجيات. طيب، فلا يمكن إحداث البدع من جهتها ولا الزيادة في المندوبات، لأن البدع من باب المقاصد لا من باب الوسائل. أحسنت، البدع هي ليست وسائل، وإن ادعى البعض أنها وسائل، فعرفنا كيف نرد عليها، بس الاصل في البدع أنها من باب ايش؟ المقاصد، هي مش وسائل البدع هي مقاصد.

أنت تقصد إحداث عبادة دينية، تقصد إحداث عبادة دينية تصبح مطلوبة لذاتها وليست وسيلة لحفظ شيء، ولئن ادعوا في بعض البدع أنها وسيلة لحفظ شيء فاعلم أن هذا من بنات عقولهم. طيب، قال: لأنها متعبد بها بالفرض، ولأنها زيادة في التكليف وهو مضاد للتخفيف. قال: لأن البدع من باب المقاصد لا من باب الوسائل، ليه؟ لأنه نحن قلنا... صوبنا، بدك تربط لي شوي بفكره ذكرناها قبل شوي لما أتينا لقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به؛ الآن الوسائل، ها؟ الوسائل إما أن تكون الشريعه نصت عليها -صح؟ زي الطهاره للصلاه مش هيك حكينا؟- أو يكون أُخذت من العقل إذا لم تكن الشريعة... فبتكون الوسائل المقبولة شرعاً مأخوذة من العقل أو العادة.

الآن البدع من باب المقاصد لا من باب الوسائل، ليه؟ لأنه هي أولاً كونها بدعة معناه... مش منصوص عليها شرعاً، يعني ما في نص يدل عليها، ولا يقتضيها العقل ولا العادة حتى نقول أنها من الوسائل العقلية أو العادية، فلم يبق احتمال إلا أنها أصبحت خلاص مقصودة لذاتها. هو بيقول لك: البدع ليش هي من باب المقاصد لا من باب الوسائل؟ لأنه باب الوسائل، الوسيلة إما أن تؤخذ من الشرع أو من العقل أو من العادة. صحيح تؤخذ من الشرع، يعني الشرع نص عليه، هذا معنى أن الوسيلة مأخوذة من الشرع، أن الشرع نص عليها زي الطهارة للصلاة، واما أن تكون الوسيلة مأخوذة من العقل أو العادة.

طيب، نجي على بدعتك اللي اخترعتها حضرتك، هل الشرع نص عليها؟ لا، فكيف بدك تعتبر لي اياها من باب الوسائل؟ إذا الشرع لم ينص على أن المولد النبوي وسيلة، عيد المولد؛ بالتالي كيف بدك تعتبر لي إياها من باب الوسائل؟ يا من العقل يا من العادة، وأكيد العقل والعادة ما لهم دخل هنا في جعل المولد النبوي وسيلة لحفظ الدين، فأصبح ماذا؟ إذاً أصبحت ما دامت ليست وسيلة لا من الشرع ولا من العقل ولا من العادة، إذاً أصبحت هذه البدع مقاصد؛ هو هي يا مقاصد يا وسائل، إذا لم يثبت أنها وسائل بنص الشرع ولا العقل ولا العادة قال أنها وسائل، إذاً لم يبق إلا أنها أصبحت ايش؟ مقاصد مطلوبة لذاتها، وبالتالي ما دامت البدع مقاصد إذاً هي تباين المصالح المرسلة، لان المصالح المرسلة كلها من باب ايش؟ الوسائل أو من باب التخفيف.

هذه والبدع يا من باب التشديد لأنها زيادة على الناس، ويا من باب ايش؟ المقاصد المطلوبة لذاتها لأنها لم يثبت بشكل من الأشكال كونها وسيلة. فإذاً هو ادعى أنها وسيلة فبدي ناتي الآن ننقح لماذا أعتبرتها وسيلة؟ زي المولد النبوي، البعض يدعي أنه وسيلة، بقول: وسيلة نص عليها الشارع وقال لي: لا، طيب من وين اخذها؟ من العادة، أن العادة تقول أن الإنسان لا يستمر حبه للنبي صلى الله عليه وسلم إلا بالمولد النبوي، بنقول: هي العادة سيدي مخالفة للسلف الصالح، فإن الأصل أن هذه العادة توجد في كل زمان ومكان، فاذا لم توجد إلا في زماننا فهذا معناه أن التقصير فينا احنا، احنا اللي قصرنا في حب النبي عليه الصلاة والسلام فلم نسلك الطرق الشرعية، وما دام التقصير منا فالعلاج يكون بإعادة الأمور الصحيحة وليس باحداث امور جديدة. فقوله أنها وسائل يكون منقوضاً مرفوضاً بهذه الطريقة يناقش هذا البعد.

قال: فحصل من هذا كله أن تعلق المبتدع بباب المصالح المرسلة إلا القسم الملغى باتفاق العلماء، وحسب... إلا بالقسم الملغى؛ اللي هي المصالح غير معتبرة، احنا قلنا في مصالح معتبرة، مرسلة، ملغاة، فالبدع لا تشبه المصالح المرسلة، وإنما هي تشبه المصالح الملغاة. نعم، قال: وحسبك به متعلقاً -وحسبك به متعلقاً مبغوضاً ومذموماً- أن تكون البدع تشبه المصالح الملغاة. نعم، قال: وبذلك كله يُعلم من قصد الشارع أنه لم يكل شيئاً من التعبدات إلى آراء العباد، فلم يبق إلا الوقوف عندما حده، والزيادة عليه بدعة، كما أن النقصان منه بدعة، وقد مر لهما أمثلة كثيرة وستأتي أُخر في أثناء الكتاب بحول الله.

طيب، هيك ما نكون انتهينا من ملف التفريق بين المصالح المرسلة والبدع، وهذه النقاط الثلاث جداً مهمة في فهمك الفرق الدقيق بين المصلحة المرسلة والبدع، حتى إذا شخص ناقشك بكره في محفل علمي ويقيس لك جمع المصحف وغيره تفهمه. يعني المصالح المرسلة: ثلاث خصائص المصالح المرسلة: ملائمة لمقصود الشارع، المصالح المرسلة في العاديات وليست في العبادات، المصالح المرسلة إذا كانت في الضروريات فهي وسيلة لحفظها وإذا كانت في الحاجيات فهي تخفيف.

والبدع عكس ذلك؛ فالبدع لا تظهر ملائمتها لمقصود الشارع بل هي إما مسكوت عنها أو مناقضة لمقصود الشارع، البدع تكون في العبادات وليست في العادات، البدع إذا كان... يعني هي ليست وسائل لحفظ الضروريات بل هي مقاصد، والبدع ليست من باب التخفيف بل من باب التشديد، فخالفت المصالح المرسلة في تركيبها وبنيتها تماماً.

طيب، نجي على العلاقة بين البدع والاستحسان. نعم، تفضل. لو قال: أذان على الصلاة... عظمة! ولا يدل على ما... في واحد يقول: يصلون، ايش عفو؟ ما فهمت الناس.

طيب، لكنهم يصلون بناء على ماذا؟ يعني هم عندما يصلون ويتوضؤون ويركعون ويسجدون من وين أخذوا هذه التفاصيل؟ ما بس من الشريعة، يعني هي مش أمور اخترعوها، هم أخذوا هذه التفاصيل من الفقهاء؛ الفقهاء علموا العوام وأصبح العوام يأخذون من العوام، أنت تتعلم من والدك وأنا أتعلم من والدي وأنت تعلم ابنك كيفية الصلاة وهيئاتها وما شابه ذلك. طيب، يقول لك: ما هو ماشي، الأصل من هذا المنع يعني أنه ما تخترع شيئاً جديداً، بس إنه أنا أتعلم من شخص معين كيفية أداء الصلاة. طيب، كيفية الصلاة اللي هو بيعملها، هو اخترعها من عنده؟ ايش يعني الأصل في العبادات المنع؟ المنع من أن تخترع فيها شيئاً جديداً لم تأتِ به الشريعة، هذا معنى أن الأصل في العبادات المنع، يمنع أن تخترع فيها شيئاً لم يدل عليه الدليل، أما إنه أنت تكون تعرف حكم شرعي فتعلّمني إياه وأنا وياك عوام، فهذه ما في مشكلة، يعني هذه مسألة أخرى تماماً ما لها علاقة بالموضوع، لأنه أنت ما أنت عليه هو من الشريعة.

يقول: إن هذه القاعده على... يقول: يصلون ويتوضؤون ويركعون بدون ما يعرف... يعرف التفاصيل؛ قضية أنه يعرف أن هذا واجب هذا سنة، هذا ما له علاقة في أن الفعل الذي يفعله صحيح؛ العامي هذا لما فعل شيئاً باجي بقول له: هذا الفعل اللي فعله بغض النظر هو بيعرف الواجب من المندوب ولا ما بيعرف، التصرف اللي فعله هل أتاه النبي صلى الله عليه وسلم؟ أتاه. هسا ماشي، العامة ما بيعرفوا أن هذا واجب هذا سنة، هو يفعله على سليقته، ما دام...

اللي فعله بيفعله العامة صحيح حتى ولو لم يعرف تفاصيله، خلص هو في النهاية له مصدر شرعي عرفت؟ أما لو كان العامة يؤدوا الصلاة بطريقه غريبة مش في الكتاب والسنة، لا ساعة أحكي إن العام مبتدع. تمام قد أذكره بجهله بس الفعل اللي فعله بدعة، وأن ما يفعله الآن بهذه الصورة في الوضوء لم يأت به النبي عليه الصلاة والسلام. أنت محتاج تفهم ما معنى أن الأصل في العبادات المنع، نعم اه يا عمار.

إن هذه نعم وسيلة لحفظ حب النبي عليه الصلاة والسلام، لو استخدموا بدل هذه الوسيلة هذا اليوم قاموا بقراءة... لا لا ما يصلح، لأنه أنت تريد أن تخصص شيئاً ويوماً معيناً وعُرف ما سبب تخصيصه لأن المولد فيها، فهذا ابتداع لأنه أنا عندي السلف أنا عندي الأصل في العبادات التوقيف، والسلف حفظوا حب النبي صلى الله عليه وسلم بوسائل كثيرة، بجمع سنته، بالعمل بهديه في أمور كثيرة، والأصل في العبادات التوقيف. فهذا الأمر لم يتعين وسيلة لحفظ حب النبي صلى الله عليه وسلم إلا لما قصرنا في الأمور الأصلية وفي الطريقة المرعية عند السلف، فليس لك إذاً أن تخترع وسيلة أخرى. لو تعينت هذه الوسيلة بقول لك ماشي، لكن هي لم تتعين وسيلة، أنا عندي 100 طريق لحفظ حب النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق التي مشى عليها السلف، فقولك إن هذه الوسيلة هذا لضعف الدين وليس لأنها هي التي فانت عليك أن تصحح عقد الناس في طريقة تزكية حب النبي صلى الله عليه وسلم في قلوبه وليس استحداث طرق جديدة. وما دامت الوسائل الصحيحة يمكن اتباعها وتوصلني إلى هذه النتيجة وهي حفظ محبة النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر.

لو فرض صورة قراءة السيرة النبوية في يوم المولد وصورة المدرسة تعمل في طول السنة أسبوع النبي صلى الله عليه وسلم في غير شهر ما في مشكله، لأنه هنا أصبحت هذه المدرسة تفعل في كل سنة أسبوع مش من باب اعتقاد خصوصية هذا الأسبوع، يعني نحن بنعمل أسبوع في أول السنة الهجرية بس هيك يعني ليس لخصوصية هذا الأسبوع، ما في مشكلة أنه كما قال هنا في شيء معلوم عقلاً، لماذا؟ من باب الترتيب الإداري. أما هنا تخصيص يوم المولد لا أصبح لخصوصية يوم المولد، فالأمر مطلوب بذاته لم يأت نص شرعي بتزكيته أو التنبيه عليه، فهذه هي المشكلة في هذا وهذا طيب الآن ما أعرفه يعرف أن هذه محب ركعات طيب لا أحد يممتاز على أن تدل على أن...

طيب لماذا جعل هذه القاعدة العبادة؟ طيب بدي أسالك سؤال بس دقيقة، أنت ماذا تفهم قاعدة أن الأصل في العبادات المنع؟ اشرح لي إياها، إنه لا يجوز لإنسان في عبادة عبادات... لا لا لا، أنت هي مشكلة، أنت قلت لك أنت فاهم القاعدة غلط، الأصل في عبادات المانع أنه لا يجوز أن يزاد في العبادات شيء لم يأت به الكتاب والسنة، مش معناها أن كل شخص بده يمارس العبادة بده يكون عارف أدلة الكتاب والسنة عليها. عيد العبارة: معنى أن الأصل في العبادات المنع ليس أن كل شخص يمارس عبادة يجب يكون هو يعرف أدلة الكتاب والسنة عليها، لا. ولا هذا عوام المسلمين اليوم راحوا فيها، وإنما المراد أنه لا يجوز أن تحدث في العبادة شيء لم يدل عليه الكتاب والسنة، فالعوام إذا اخذوا من علمائهم هيئة الصلاة حتى ولو لم يعرفوا الأدلة، خلص أنا شفت شيخ من أهل العلم وعلمني الصلاة، والأصل أن الصلاة اللي علمنياها من الكتاب والسنة، أنا كعامي مش مطلوب مني أعرف الأدلة، وإنما العوام تبع لعلمائهم.

فالعامي مطلوب منه أن يفعل الشيء كما علمه العالم وليس المطلوب أن يعرف الأدلة. وأما معنى أن الأصل في العبادات المنع أنه لا يجوز أن تحدث شيئاً جديداً لا يدل عليه الدليل، فهذا الكلام مع من يخترع للناس أمور، أما العلماء المتمسكين بالكتاب والسنة فهذا دأب العامة أن يتعلموا منهم دون أن يبحثوا عن الأدلة ويكيلون الأدلة إلى العلماء، أنت خلص أنت عالم أنت عارف الأدلة، أنا أعطيني الصافي يعني أنا أعطيني الصافي وخليني أصلي والله يجزاك الخير، فهذا هو الفهم الصحيح.

فكمان قال وأما الاستحسان فلان لأهل البدع أيضاً تعلقاً به، فإن الاستحسان لا يكون إلا بمستحسن وهو إما العقل أو الشرع أما... الاستحسان طبعا مر معنا في بداية الفصل إنه في أكثر من تعريف للاستحسان، وآن البعض يقول هو القول بالتشهي، وأنه يقول بعض الاستحسان هو قول ينقدح في ذهن المجتهد لا يحسن التعبير عن. فالمهم الآن بقول عموماً الاستحسان بعض أهل البدع بعض أهل البدع متعلق به، شو يعني متعلق به؟ يعني يتكئ عليه في مشروعية البدع، فإن لأهل البدع أيضاً تعلقاً به (يعني يتكئون عليه في إثبات مشروعية بدعهم) لأنهم يقولون، قال: فإن الاستحسان لا يكون إلا من مستحسن. الآن لما أقول لك في هون صار استحسان، الاستحسان يستلزم عقلاً وجود ايش؟ شيء مستحسن. طيب مين هو اللي له أحقية الاستحسان هذا؟ من هو المستحسن؟ قال: المستحسن إما أن يكون الشرع هو الذي يستحسن أموراً ويذم أموراً، وإما أن يكون المستحسن هو عقلك، عقلك استحسن أشياء ففعلها واستقبح أشياء فتركها. فهذا الكلام الآن كتنظير عقلي أي عملية استحسان تحتاج إلى مستحسن، يعني مصدر لظهور الاستحسان منه. هذا المصدر المستحسن الذي منه ينبع الاستحسان إما أن يكون هو الشرع وإما أن يكون عقلي وعقلك.

طيب أرجِع، قال: أما الشرع فاستحسانه واستقباحه قد فرغ منهما لأن الأدلة تقتضي ذلك، فلا فائدة لتسميته استحساناً. طب إذا كان مصدر الاستحسان هو الشرع فنقول يعني سواء الشيء اللي استحسنته الشريعة أو استقبحه الشريعة فنقول اللي هي نصوص الكتاب والسنة، نقول هذا شيء خلص حصل وانتهى، فالشريعة في نصوص الكتاب والسنة بينت لنا هذه الشريعة ما هي الأمور المستحسنة فيها أو لديها، وبينت لنا الشريعة ما هي الأمور المستقبحة لديها. بينت لنا الشريعة أن من المستحسنات بر الوالدين وصلة الأرحام و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90]، وصح، وبينت لنا الشريعة في نصوص الكتاب والسنة ما هي الأمور المستقبحة وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ولا تقتلوا أولادكم اللي هي النواهي.

أقول فهذه الأدلة اقتضت ذلك وانتهت الشريعة من بيان المستحسنات والمستقبحات فلا فائدة لتسمية ما استحسنته الشريعة واستقبحته استحساناً، لأنه خلص هي نفسها الكتاب والسنة فنسميه كتاب سنة ما في داعي أسميه ايش استحسان. وإن كنا نعلم أن الكتاب والسنة هو ترجمة لما تستحسنه الشريعة وما تستقبحه، لكن لا داعي لأن يسمى ذلك استحساناً، يكفي أن نسميه ايش؟ كتاب وسنة، ﴿تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضل... كتاب الله وسنتي﴾، ما في داعي تركت فيكم ما استحسنته الشريعة وما استقبحته خلص اسمه الكتاب والسنة.

نعم قال: ولا لوضع ترجمة له زائدة على الكتاب والسنة والإجماع شايف خلص فيش داعي نسميه اسم ثاني اسمه كتاب وسنة وهي زاد الإجماع كتاب سنة إجماع خلص. نعم قال: على الكتاب والسنة والإجماع وما ينشا عنهما من القياس والاستدلال، وما يتفرع بين الكتاب والسنة من القياس والاستدلال فهذا ملحق بهما، خلص هذه هي الأسماء المعروفة لمصادر التشريع. فإذا كان الاستحسان لا يخرج الاستحسان المقبول إذا كان الاستحسان المقبول لا يخرج عن كونه كتاب سنة إجماع والقياس والاستدلال، طبعا الاستدلال هذا مصدر ومصادر التشريع يدرس عادة في الكتب الأصولية الكبرى لمن يريد أن يتعمق فيه.

المهم إذا كان هذا هو الاستحسان المقبول فلم يبقى إلا بعد ذلك إلا ايش لم يبق بعد ذلك إلا الاستحسان غير المقبول، وهو ما يكون من العقل المحض. قال: فلم يبق بعد ذلك إلا أن العقل يكون هو المستحسن. طيب فان كان بدليل يعود على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فلا فائدة لأن نسمي هذا استحساناً، لأن العقل إذا استحسن متكئاً على الكتاب والسنة والاجماع والقياس عدنا إلى الشريعة، لأن الشرع هو الذي حكم مساحة العقل في التفكير، فعاد الاستحسان شرعياً.

قال: للرجوع إلى الأدلة لا إلى غيرها، وإن كان بغير دليل فذلك هو البدعة. وأما إذا استحسن العقل بدون الرجوع إلى الأدلة الشرعية فهذا هو البدعة، قال: فذلك هو البدعة التي تستحسن بالعقول. نعم قال: ويشبهه قول من قال في الاستحسان أنه ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، وهذا والذي يمثل البدعة في تعريف. الآن قلنا الاستحسان له أكثر من تعريف صح، أقرب تعريف للاستحسان يشبه فيه البدعة من عرف الاستحسان بأنه ماذا يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، هذا التعريف للاستحسان هو فعلاً أقرب تعريف للبدعة، وهو المقارب للبدعة.

نعم قالوا وهو عند هؤلاء من جنس ما يستحسن في العوائد وتميل إليه الطباع فيجوز الحكم بمقتضاه إذا لم يوجد في شرع ما ينافيه. قال: وهو عند هؤلاء الذين عرفوا الاستحسان بأنه ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل برأيه عند هؤلاء هؤلاء يرون أن الاستحسان ماذا؟ وهو عند هؤلاء من جنس ما يستحسن في العوائد (يعني أي عادة تتعلق بالبيع بالشراء بالنكاح بكذا تستحسنها العوائد) ما يستحسن في العوائد يعني في العرف، وتميل إليه الطباع فيجوز عندهم الحكم بمقتضاه بشرط إذا لم يوجد في الشرع ما ينافيه. ففي هذا الكلام ما بين أن ثم من التعبدات ما لا يكون عليه دليل وهو الذي يسمى بالبدعة، فلا بد أن ينقسم إلى حسن وقبيح، إذ ليس كل استحسان باطلاً كما أنه ليس كل استحسان حقاً.

واستحسانه واستقباحه، وأيضاً فقد يجري... ففي هذا الكلام ما يبين... طيب قالوا وهو عند هؤلاء من جنس... قالوا وهو عند هؤلاء من جنس لأن في عندنا في نسخة ثانية... وما ينافي هذا الكلام ما بين... طيب اقرأ لي بالله النص مرة أخرى من عند قالوا. قالوا: وهو عند هؤلاء من جنس ما يستحسن في العوائد وتميل إليه الطباع فيجوز الحكم بمقتضاه إذا لم يوجد في الشرع ما ينافيه، ففي هذا الكلام ما بين أن ثم من التعبدات ما لا يكون عليه دليل وهو الذي يسمى بالبدعة، فلا بد أن ينقسم إلى حسن وقبيح، إذ ليس كل استحسان باطلاً كما أنه ليس كل استحسان حقاً.

يعني إذا قالوا وهو عند هؤلاء من جنس ما يستحسن في العوائد وتميل إليه الطباع (الذين عرفوا الاستحسان) الذين عرفوا الاستحسان بأنه ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، كأنه يقول هذا التعريف للاستحسان هو من جنس ما يستحسنه الناس في الأمور العوائد وتميله الطباع. اه يعني بدي أعيد صياغة الكلام مرة أخرى، الذي يبدو لي أن معنى قوله قالوا وهو عند هؤلاء يعني من عرف الاستحسان بأنه ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، هؤلاء يرون الاستحسان من جنس ما يستحسن في الأمور العرفية الطبيعية. الآن نحن في حياتنا الطبيعية في المجتمعات في القبائل نستحسن أمور معينة في الأعراس في المناسبات في الولائم بعملها صحيح وتميل طباعنا إليها، مثلاً أنتم عندكم في اليمن عاد شو مثلاً عندكم عادات في الطعام تستحسنونها؟

شو يا شيخ عمار ماذا تستحسرون عادات في الطعام؟ ما تستحسر شي، بطلنا نستحسن شي يا شيخ عمار يا شيخ. يعني شو عنا عادات في الطعام مثلاً نحن الأردن مثلاً عندنا في العرس لا منسف صح ولا لا يا شيخ أحمد هيك قصدي تمام؟ لا عادة نستحسن هذا، إنه لو واحد جاب له صحن معكرونة حطه في العرس بروحوا الناس طيب، هذا الاستحسان استحسان من العوائد وتميل إليه الطباع فيجوز أنه يعني نبيحه ما دام لم يوجد في الشرع ما ينافيه صح؟ يعني في شيء في الشريعة بحكي ما بصير نحط منسف العرس؟ في شيء بحكي هيك؟ فهذا فهذا استحسان لكن ما مصضره العادة.

فبعض الناس يقولون من عرف الاستحسان كمصدر تشريعي بأنه ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، هؤلاء يرون أن الاستحسان بالمعنى الشرعي هو من جنس الاستحسان في العوائد الحياتية وما تميل إليه الطباع، فيجوز الحكم بمقتضاه إذا لم يوجد في الشرع ما ينافيه. وهذا كلام غلط طبعا، قياس الاستحسان الشرعي على الاستحسان في العوائد هذا مش صحيح، لأنه هذا أنت لما تقول الاستحسان وما يستحسن المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه أنت هون بتتكلم عن شرائع وديانات وتعبدات، مش بتتكلم عن عادات اجتماعية وعادات طبيعية مش بتخالف نصوص الشريعة. فقياس الاستحسان الشرعي على الاستحسان العرفي الذي لم يوجد في الشرع ما ينافيه هذا كلام مش صحيح، لكن هو بقول لك إنه بعض الناس بتفكر بهي الطريقة، بتفكر أن الاستحسان إذا عرف بأنه ما يستحسنه المشاهد بعقله أصبح من جنس ما يستحسن في العوائد.

فيقولون: ففي هذا الكلام ما يبين أن ثم من التعبدات ما لا يكون عليه ايش دليل؟ إذا قلنا إن الاستحسان الشرعي مثله مثل الاستحسان العرفي فماذا ستنبني؟ ماذا سينبني على هذا؟ شو الخطوة رقم اثنين؟ أنك ستقتل أنه ثم من التعبدات ما لا يكون عليه دليل تمام ما لا يكون عليه دليل ولكنه لا ينافي الشريعة، وهذا الذي أنتم تسمونه بدعة، ومنه ما يكون بالتالي حسناً ومنه ما يكون قبيحاً، كما أن العادات الاجتماعية منها ما يكون حسناً ومنها ما يكون قبيحاً، أنت فاهمين كيف بفكروا؟ يعني إذا قلنا إنه الاستحسان هو ما يستحسنه

المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، ثم قصنا الاستحسان الشرعي على الاستحسان العرفي، وقلنا إن الاستحسان العرفي لا مشكلة فيه إذا لم يخالف دليلاً شرعياً، فكذلك إذاً الاستحسان الشرعي. وهو شكل من أشكال البدع بهذا التعريف، ترى هو شكل من أشكال البدع لا إشكال فيه، وتكون البدعة بالتالي لا إشكال فيها ومقبولة ما لم تصادم دليلاً شرعياً، وسيكون من البدع بناءً على هذا ما هو مستحسن فيكون مقبولاً، وما هو مستقبح فيكون مردوداً؛ كما أن العرف منه ما هو مستحسن ومنه ما هو مستقبح. كأنه يقول: خلص الاستحسان الشرعي مثله مثل الاستحسان العرفي، كما أن الاستحسان العرفي مقبول إذا لم يصادم الشريعة، فالاستحسان الشرعي مقبول إذا لم يصادم نصاً واضحاً في الشريعة.

شو الاستحسان الشرعي؟ كما هو البدعة، وبالتالي تصبح البدعة مقبولة لأنها لم تصادم الشريعة، يعني لم تصادم هذه البدعة نصاً شرعياً نهى عنها بذاتها، نصاً شرعياً زي المولد النبوي؛ في نص بقول لا يجوز المولد النبوي؟ فش نص بقول لا يجوز المولد النبوي، إذاً المولد النبوي هو نوع من الاستحسان الشرعي لم يأتِ نص على النهي عنه بذاته. طب هل هو قبيح ولا مستحسن؟ والله مستحسن من جهة أنه يذكر الناس بحياة النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً كما أنكم قبلتم العوائد بالاستحسان، اقبلوا البدع بالاستحسان.

بس هو قال، وقالوا؛ مين اللي قالوا؟ وهو عند هؤلاء لا يعني أهل البدع، هذا الكلام على لسان أهل البدع الذين يحاولون أن يقولوا إن تعريف الاستحسان الذي تذكرونه يا أصوليين ينطبق على البدع التي نؤمن بها. فكيف ينطبق تعريف الاستحسان عند الأصوليين على البدع التي تؤمنون بها؟ قال أهل البدع الذين عرفوا منكم الاستحسان بأنه ما يستحسنه المجتهد بعقله؛ عند هؤلاء الاستحسان من جنس الاستحسان التعدي، فهم بالتالي أصبح تعريفه من الاستحسان ينسجم مع قولنا بمشروعية البدع، وأن من البدع ما هو مستحسن ومن البدع ما هو قبيح. فقالوا هذا على لسان أهل البدعة يريدون أن يبينوا أن تعريف الاستحسان بهذه الطريقة ينسجم مع القول بمشروعية البدع المستحسنة.

وأيضاً فقد يجري على التأويل الثاني للأصوليين في الاستحسان، وهو أن المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه ولا يقدر على إظهاره؛ هذا التعريف الثاني للاستحسان عند الأصوليين. الآن التعريف الأول: ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، وهذا التعريف فعلاً يشرع لأصحاب البدع بدعهم. التعريف الثاني للأصوليين للاستحسان أنهم عرفوا الاستحسان بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد لكنه مش قادر يعبر عنه؛ تمام يعني هذا هو الاستحسان، شيء ينقدح في نفسي مش بعقلي وهواي، لا ممكن أنا عندي تصورات شرعية له صحيحة بس مش قادر أعبر عنه لطلابي، دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه ولا يقدر على إظهاره أمام الناس.

وهذا التأويل للاستحسان؛ يعني هذا التفسير أو تعريف الاستحسان بهذه الطريقة أيضاً يساعد أهل البدعة ويكون متكئاً لهم، ليه؟ قال: لأنه يبعد في مجاري العادات أن يبتدع أحد بدعة من غير شبهة دليل تنقدح له، بل عامة البدع لابد لصاحبها من؛ قال: لأنه أي بدعة زي ما مر معنا من أول الكتاب، كل مبتدع هو يستدل على بدعته بشبهة آية أو بشبهة حديث نبوي. صح؟ ارجع لجماعة المولد النبوي، بيجيب لك ٢٠ حديث بيستدل فيها على مشروعية المولد النبوي، وقال صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم، فيقول: يبعد في العادة أن يكون المبتدع ليس له شبهة دليل يتكئ عليها وتنقدح في نفسه، فإذا المبتدع عنده شبه الدليل تنقدح في نفسه رح يجي يقول لك: هذا نوع من أنواع الاستحسان، لأن تعريف الاستحسان ما هو؟ دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يستطيع التعبير عنه. وهذا المبتدع عنده شبه الدليل انقدحت في نفسه، وبالتالي قد لا يمكن أن يعبر عنها ويقول: بس بالتالي هي جائزة، ليه؟ لأن الاستحسان أنتم قبلتموه، والاستحسان إنما هو دليل ينقدح ولا يمكن التعبير عنه، فإذاً البدع أصبحت من قبيل الاستحسان على التعريف الثاني.

يقول: بل عامة البدع نعم لا بد لصاحبها من متعلق دليل شرعي، لكن قد يمكنه إظهاره وقد لا يمكنه وهو الأغلب. فهذا هو الأغلب؛ الأغلب أن المبتدع لا يمكنه أن يصرح كيف هو الدليل على مشروعية بدعته، لا يحسن أن أصلاً بدعة. طب فلو أنك عرفت الاستحسان بتلك الطريقة، أنت فتحت مساحة للابتداع، فهذا مما يحتجون به على أن البدع لا تخرج عن كونها شكل من أشكال الاستحسان، سواء على التعريف الأول للاستحسان أو على التعريف الثاني.

وربما ينقدح لهذا المعنى وجه بالأدلة التي استدل بها أهل التأويل الأولون، وقد أتوا بثلاثة أدلة. أحدها: نعم وربما ينقدح لهذا المعنى، هذا المعنى للاستحسان اللي هو دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يستطيع التعبير عنه، وربما ينقدح لهذا المعنى وجه بالأدلة التي استدل بها أهل التأويل الأولون الذين استدلوا على مشروعية الاستحسان بثلاثة أدلة. الدليل الأول ما هو؟ قال: الآيات القرآنية، قال قول الله سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ [الزمر: 55]، واتبعوا أحسن؛ قالوا: ها ربنا بيقول ايش واتبعوا أحسن، إذاً نحن لازم نتبع الاستحسان. طيب وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23]، نعم، وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 17-18]، فـ ﴿أَحْسَنَهُ﴾، أحسنه ما هو؟ ما تستحسنه العقول، إذاً هي الآيات تدل على مشروعية الاستحسان العقلي، يكونوا فاهمين الآيات طبعاً هذا كله كلام غلط.

والثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»، وإنما يعني بذلك ما رأوه بعقولهم، كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ما رآه المسلمون حسناً»، هذه الرؤية رؤية ايش؟ رؤية عقلية، يعني ما رآه المسلمون بعقولهم حسناً فهو عند الله إذاً حسن، هذا أكبر دليل على مشروعية الاستحسان العقلي. هيك هم فاهمين الأدلة هي، وإنما يعني بذلك ما رأوه بعقولهم، وإلا فلو كان حسنه بالدليل الشرعي لم يكن من حسن ما يرون، نعم لو كان هذا الحسن هو الحسن بالدليل الشرعي لما عبر بـ "ما رآه"، لما عبر بـ "ما رآه"، لقال: ما وجده المسلمون في الأدلة حسناً فهو عند الله حسن، لكن هو قال: "ما رآه"، إذاً هذه رؤية عقلية وليست بالنص الشرعي، طيب إذ لا مجال للعقول في التشريع على ما زعمتم فلم يكن للحديث فائدة، فدل على أن المراد ما رأوه برأيهم وعقلهم، فهذا يؤيد تعريف الاستحسان بأنه على التعريف الثاني أو على التعريف الأول اللي هو ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه.

والثالث: أن الأمة قد استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة، ولا تقدير مدة اللبث، ولا تقدير الماء المستعمل، ولا سبب لذلك إلا أن المشاحة في مثله قبيحة في العادة، فاستحسن الناس تركه مع أننا نقطع بأن الإجارات المجهولة أو مدة الاستئجار أو مقدار المشتري إذا جهل فإنه ممنوع، وقد استُحسنت إجارته مع مخالفة الدليل، فأولى أن يجوز إذا لم يخالف دليلاً.

الدليل الثالث ما هو؟ الآن بقول لك هنا أجمعت الأمة، في إجماع، وهذا كلام صحيح، أجمعت الأمة على أن الإنسان له أن يدخل على الحمام التركي أو الشامي هذا، يدخل عليه بدون ما يتفق مع صاحب الحمام على كمية الماء اللي رح يستعمله في المروش، وبدون ما يتفق معه على كم رح يجلس المروش صحيح، ولا يتفق معه على ماذا؟ ايش قال؟ على الأجرة من غير تقدير الأجرة. الآن في الوضع الطبيعي هل يجوز للإنسان أن يستأجر إجارة مجهولة الثمن مجهولة المدة مجهولة؟ لا حرام صح، دائماً كل كتب فقه الإسلام يقول لك: من شروط صحة الإجارة أن يكون مبلغ الإجارة معلوم وأن تكون مدة استعمالك للشيء معلومة، حتى ما يصير خلاف بين الطرفين، لكن العلماء اتفقوا استثناءً واستحساناً على جواز هذه المعاملة وما يشبهها، فقالوا: يجوز الدخول على الحمام، وهذا بصير كثير، بيدخل الشخص على الحمام الشامي بدون ما يسأل الرجل: كم يعني كم تأخذوا أنتم على الجلسة؟ بيدخل وبيتحمم، نحن مش عارفين كم لتر مي رح يستعمل وممكن يقعد في الحمام نصف ساعة، وممكن يدخل ساعة، أخونا تحت المية الدافية قال لك: والله حاف، أقعد لي كمان نص ساعة، ما بيقدر يقول له هذاك الرجال: اطلع، لأنه ما اتفقوا أنه والله معك نص ساعة وتطلع، فأنت مش عارف كم سيجلس في الحمام وكم لتر من الماء سيستعمل وكم الأجرة.

ومع ذلك طبعاً قضية كم الأجرة هذه رح أجي عليها لأنه هي ما بصير تدخل حتى تكون الأجرة على الأقل معروفة عرفاً، أما إذا أصلاً مش معروفة هذه لا يصح، فالعلماء الذين أجازوها أجازوا أنك تدخل إذا كانت التسعيرة معروفة في العرف، زي وسائل النقل العام، أنت ما بتدخل على الباص تتفاهم تفاصل الرجال: كم بدك يوصلك من عمان للزرقاء؟ لأنه التسعيرة معروفة خلص ربع دينار، بدون ما أتفق معك. فالفكرة لكن قضية أنك تدخل دون الاتفاق على مدة اللبث وكمية الماء، نعم صحيح، هنا في جهالة ومع ذلك اغتفُرت، لماذا اغتفُرت؟ قالوا بالاستحسان، الاستحسان هو الذي جعلها مغتفرة في مثل هذا العقد، فإذا جاز الاستحسان في مثل هذه المسألة مع أن هذا خلاف الدليل، أن الدليل يطالب أن تكون الإجارة معلومة التفاصيل، إذا جاز الاستحسان في هذه المسألة على خلاف الدليل، فلأن يجوز الاستحسان مع عدم مصادمته للدليل المباشر أولى وأحرى، وهذا بده يتكئون فيه على جواز بدعهم أنها لا تصادم دليلاً مباشراً يمنعها، قالوا: إذا كان الاستحسان يجوز وإن كان يصادم الدليل أحياناً، فلأن يجوز الاستحسان مع عدم مصادمته للدليل هذا من باب أولى وأحرى، وبالتالي يجوز البدع إذا لم يكن هناك دليل على تحريم هذه البدعة بعينها أو نهي عنها بعينها.

والله حقيقة أنا أهل التأويل الأولون، أنا ما أدري من قصد بأهل التأويل الأولون، هل يقصد الأولون اللي عرفوا إما أن يستحسن المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه؟ ممكن أن هذا هو التأويل الأول، التعريف الأول يعني، التأويل هنا معنى التعريف، يمكن يكون قصد أهل التعريف الأول فيه، وأن أصحاب التعريف الأول استعملوا في الدلالة على مشروعية الاستحسان بمعنى ما يستحسنه المجتهد بعقله اللي هي الآيات التالية والحديث، وهذا أقرب حقيقة يعني قد يكون أقرب أن المراد أهل التأويل الأولون يعني أصحاب التعريف الأول للاستحسان، نعم قال: فأنت ترى أن هذا الموضع مله قدم أيضاً لمن أراد أن يبتدع، فله أن يقول: إن استحسن كذا وكذا، فغير من العلماء قد استحسن، وإذا كان كذلك فلا بد من فضل اعتناء بهذا الفصل حتى لا يغتر به جاهل أو زاعم أنه عالم ويبدع، إذا استحسن شيئاً بعقله، بيجي وبيقول لك: طيب هي العلماء استحسنوا دخول الحمام الشامي بدون ما يكون هناك تقدير لشيء وهذا خلاف نص، فليش تنكر عليّ؟ أنا أستحسن شيء في باب التعبدات، مش أنتم جوزتوا الاستحسان في هذه الأمور في الإجارات، ليش تمنعوني أن أستحسن في العبادات؟ فاخترع عبادة يا أخي والله أنا مستحسنها بعقلي، شايفها جميلة! فبقول لك الشاطبي: والله هي نقطة خطيرة ولازم نجيب عن هذه الشبهة حتى نعرف ما الفرق بين الاستحسان المقبول والمردود.

فنقول إن الاستحسان يراه معتبراً في الأحكام مالك وأبو حنيفة بخلاف الشافعي فإنه منكر له جداً، حتى قال: من استحسن فقد شرع، والتكملة ومن شرع فقد كفر. الآن عموماً في كتب أصول الفقه، من هي المذاهب الفقهية التي تعتبر الاستحسان؟ هم عادة يقولون أن المذاهب التي تعتبر الاستحسان مذهب مالك وأبي حنيفة تمام، والحنابلة كذلك، بخلاف الشافعي فإنه منكر له جداً، طبعاً هم ما يذكروا الحنابلة لأنهم مش شايفين الله يسامحهم، كثير من المالكية وهذا لا يعتبرون مذهب أحمد مذهباً كبيراً من المذاهب الأربعة، فعالة إذا ذكروا الخلاف مالك، أبو حنيفة، الشافعي، وأحمد يعني مش تمشاي، أو بيعتبرون تبع للشافعي، المهم يقول: الذي يعتبر الاستحسان مصدراً من مصادر التشريع وينصون على مشروعيته المالكية والحنفية، وأما الشافعية فالمشهور في كتبهم أن الاستحسان ليس مصدراً من مصادر التشريع، وأن من استحسن فقد شرع، يعني قد شرع بغير ما أنزل الله، هذا معنى قول الشافعي: من استحسن فقد شرع، يعني قد جعل نفسه مشرعاً بغير ما أنزل الله، ولذلك الشافعي شدد فيه وألف كتاباً أصلاً اسمه "إبطال الاستحسان". بس حتى نكون دقيقين رح تكتشف في النهاية أن الاستحسان الذي رفضه الشافعي مش هو الاستحسان الذي يأخذ به مالك وأبو حنيفة، وأنه من حيث التطبيق العملي الكل يأخذ بالاستحسان المقبول، والكل يرفض الاستحسان الذي لا يراه الشافعي، بس حتى تفهم الفكرة ولكن هكذا يعني عادة الناس في ذكر الخلاف.

كمل: والذي يستقر من مذهبهما أنه يرجع إلى العمل بأقوى الدليلين، نعم حقيقة لو بدنا نرجع إلى مذهبهما، مذهب مالك وأبي حنيفة، لو أردنا نعرف ماذا يقصد المالكية والحنفية بأن الاستحسان مصدر من مصادر التشريع، مش أنت مالك يا شيخ ولا نص مالكي؟ نص مالك ها، الآن هل مالك وأبو حنيفة يقصدون بالاستحسان ما ذكرناه قبل قليل في الصفحة السابقة: ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه؟ حاشاهم! هل يقصد مالك وأبو حنيفة التعريف الثاني: دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يستطيع أن يعبر عنه؟ لا! طيب ولا ايش تعريف الاستحسان عند المالكية والحنفية؟ قال: إذا استقرأنا مذهب مالك وأبي حنيفة نعرف أن المقصود بالاستحسان عنده ما هو؟ العمل بأقوى الدليلين، عندك دليلين متعارضين، العمل بالراجح وترك المرجوح هو الاستحسان.

إذا حقيقة أيها الشباب، وهذه قلتها لكم في دورات أصولية، الاستحسان ليس مصدراً تشريعياً مستقلاً، الاستحسان هو ليس مصدراً مستقلاً مثله مثل الكتاب والسنة، الاستحسان إنه يكون في آيتين متعارضتين، أو حديثين متعارضين، مثلاً قياسين متعارضين، أو مصالح مرسلة متعارضة؛ يعمل بأقوى الدليلين، هذا هو. فالاستحسان هل هو مصدر تشريعي ولا آلية تعامل؟ هي آلية، أنه عندما تتعارض الأدلة تأخذ بأقوى الدليلين وتترك أضعفهما، وهذا القدر هل الشافعي يخالف فيه وهو الترجيح بين الأدلة المتعارضة؟ هل هو خالف فيه؟ ما في فقيه يخالف فيه، فبالتالي إذا قلنا إن الاستحسان هو العمل بأقوى الدليلين، إذاً أصبح مسألة متفق عليها بين جميع الفقهاء والأصوليين.

هكذا عرفه ابن العربي المالكي رحمه الله عليه، قال: فالعموم إذا استمر، والقياس إذا اضطرد، فإن مالكاً وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان، من ظاهر أو معنى. مثلاً عندي نص عام، وهناك نص خاص، ما القاعدة الأصولية تقول؟ إن النص الخاص يقضي على العام فيخصصه، فيقول لك: فإن مالكاً وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل خاص كان من ظاهر أو معنى. ممكن يخصص العموم بنص آخر خاص، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، هذا عام في كل مطلقة، لكنه مخصوص بأيش؟ ﴿وَأُمَّاتَاتُ الَّذِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]، فيقولون هذا العام في سورة البقرة خُصص بالخاص في سورة الطلاق.

ويمكن أن يكون المخصص أحياناً بالمعنى، المعنى ممكن يكون مفهوم مخالفة أو مفهوم موافقة. كثير من الفقهاء يجوزون تخصيص العموم بالقياس، فالقياس يستطيع أن يخصص العموم، ومفهوم الموافقة والمخالفة يستطيع أن يخصص العموم، كذلك ظاهر نصوص الكتاب والسنة يجوز أن يخصص عموم نص آخر. قال: ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة، والمالكية يرون أيضاً أن عمومات الكتاب والسنة يمكن أن تخصص بالمصلحة المرسلة التي أخذناها قبل قليل، حتى المصلحة المرسلة قادرة على أن تخصص عموميات الكتاب والسنة، وهذا ليس رأي مالك فقط، بل رأي جميع المالكية يفعلون ذلك، بس أحياناً البعض لا يعترف أنه بهذا الاسم.

ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس. قال أبو حنيفة يرى مثلاً في مذهبهم أنه إذا جاء نص عام، وهناك قول مأثور عن صحابي بسند صحيح عنه يخالف هذا النص العام، أبو حنيفة في ايش يقول؟ يقول إذا كان قول الصحابي الذي خالف النص العام قولاً على خلاف القياس في الباب، فأبو حنيفة يرجح أن الصحابي لم يقل هذا القول على خلاف القياس إلا أن يكون عنده حديث، هذا الذي يجعل الصحابي يخالف القياس. فبالتالي يرى أبو حنيفة أن النص العام يمكن تخصيصه بأقوال الصحابة بشرط إذا كان قول الصحابي عنده على خلاف القياس. لماذا؟ لكي تفهم فكرة أبو حنيفة، أنه إذا كان قول الصحابي على خلاف القياس، إذاً هذا لا يمكن أن يكون الصحابي قاله إلا بناءً على نص عنده يعلمه وإن كان لم يصرح به، فبالتالي يرى أن قول الصحابي المخالف للقياس قادر على تخصيص عمومات النصوص. نحن الحنابلة لا، ما عندنا مشكلة، نحن قول الصحابي يخصص العموم سواء كان قول الصحابي يخالف القياس أو كان مع القياس، لأنه قول الصحابي بالنسبة لنا مصدر من مصادر التشريع مستقل، هذا يعطيك إفهام العلماء.

المهم، فهذا مثال على أن الخاص يقضي على العام، كون الخاص يقضي على العام هو عمل بأقوى الدليلين، وهذا هو الاستحسان عندهم، العمل بأقوى الدليلين، يعني بالتالي هو ليس قضية غريبة على الفقه الإسلامي. قال: ويريان معاً تخصيص القياس ونقض العلة، ولا يرى الشافعي. ويريان معاً يعني أن مالكاً وأبا حنيفة كلاهما يريان تخصيص القياس ونقض العلة.

نقد العلة أن تكون العلة موجودة في بعض فروعها ولا يتبعها الحكم، هذا معنى نقض العلة. القاعدة تقول إن العلة إذا وجدت يوجد الحكم، وإذا انتفت ينتفي الحكم، ما معنى نقض العلة؟ أن توجد العلة في بعض الصور ولا يوجد معها الحكم، هذا اسمه ماذا؟ هذا يدرسونه في باب القياس في قوادح القياس. هل العلة يجب أن تكون مضطردة في جميع الصور؟ يعني كلما وجدت العلة وجد الحكم، بحيث إذا وجدت العلة في بعض صورها ولم يوجد معها الحكم يعتبر هذا ناقضاً للعلة ودليلاً على بطلانها. حقيقة المسألة طويلة، والخير خلاف فيها أكثر من عشرة أقوال، هي المسألة: هل العلة إذا اضطردت في كثير من الأحوال وجدت وجد الحكم، لكن في بعض المسائل وجدت العلة ولم يوجد الحكم، هل هذا يعتبر مفسداً للعلة ومبيناً أنها لا تصلح لأن الحكم تخلف عن بعض هذه الصور؟ أكثر أهل العلم على التفصيل في هذه المسألة؛ أنه في بعض الصور يكون فيها نقض العلة، يعني وجود العلة مع عدم وجود الحكم ليس دليلاً على بطلانها، وفي بعض الصور يكون وجود العلة مع عدم وجود الحكم معها دليلاً على بطلان العلة، ليس موضوعنا هذا، يدرس في كتب الأصول إن شاء الله.

لكنه قال: ويريان معاً تخصيص القياس ونقض العلة، يعني هنا الآن تكلم عن مسألة أخرى أن القياس، هذه ليست القياس، الأصل في القياس أنه على عمومه كلما وجدت العلة وجد الحكم، لكن أحياناً يجوز أن يخص عموم القياس في بعض صوره، فتنقض العلة. ما معنى تنقض العلة؟ أنه توجد العلة في بعض الصور ولا يوجد معها الحكم، بالتالي كان القياس قد تم تخصيصه. يعني أنا عندي قياس معين، أنا مضطرد في هذا القياس وماشي عليه، بس في بعض المسائل أوقفته فوجدت العلة التي تقتضي هذا القياس أيضاً لكنني لم أفعله، هل هذا يجوز عدم تفعيل القياس في بعض المسائل مع أن الأصل في القياس أن يكون مضطرداً في المسألة؟ نعم يجوز هذا عند مالك وأبي حنيفة.

طيب، قال: ولا يرى الشافعي نقض العلة الشرعية إذا ثبت تخصيصاً، هذا ما قاله ابن العربي، ويُشعر أن الشافعي يقول لا يرى نقض العلة جائزاً. الشافعي في مذهبهم على الأقل يقولون إذا العلة نُقضت، يعني إذا وجدت العلة في بعض الصور ولم يوجد الحكم معها، فهذا دليل على أن العلة خطأ. مالك وأبو حنيفة يقولون لا، العلة ممكن توجد في 80% أو 85% كلما وجدت وجد الحكم، لكن أحياناً في 15% من المسائل مثلاً قد توجد العلة ولا يوجد الحكم معها لأمر خارجي، فهذا ليس دليلاً على أن العلة خطأ، بل دليل على أن هناك أمراً خارجياً هو.

في 15% وجدت العلة ولم يوجد الحكم، يلغي الـ 85%، أما الشافعية لا، ظاهر مذهبهم أن العلة متى تخلفت في حالة من الأحوال عن الحكم، فهذا دليل على فساد العلة وعدم جواز الاعتماد عليها. المهم قال: ويشعر بذلك تفسير الكرخي: أنه العدول عن الحكم في المسألة بحكم نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى.

الآن ترى أنا ما يهمني كثير أن تدخل في هذه التفاصيل؛ تخصيص العلة ونقضها هذا مش موضوعنا أصلاً، أنا موضوعي بس أفهم ما هو الاستحسان عند مالك والشافعية. ابن العربي ماذا قال؟ الآن شو فهمتوا أن ابن العربي ماذا يقول الاستحسان عند مالك والشافعي؟ ما هو يا ناجي؟ نعم، العمل بأقوى الدليلين.

كذلك الكرخي، الكرخي من الحنفية فسر الاستحسان بشكل مقارب لما فسره ابن العربي المالكي. ماذا يقول الكرخي من الحنفية؟ الاستحسان هو العدول عن الحكم في المسألة بحكم نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى. شو معنى هذا التعريف للاستحسان عند الكرخي؟ أنا عندي مسألة، هي المسألة الأصل أن القياس فيها والاطراد أن تكون تشبه نظائرها، لما تكون عندك مسألة تشبه 20 مسألة، الأصل أنك تعطي هذه المسألة حكم نظائرها، نظائرها يعني أشباهها. إذا كان عندك مسألة تشبه 20 مسألة في صورتها فالمنطق عادة أنك تعطي هذه المسألة حكم نظائرها، إذا نظائرها حرام تكون هي حرام، وإذا نظائرها حلال تكون هي حلال. إذا أنت أتيت لهذه المسألة فلم تعطها حكم نظائرها، أعطيتها حكماً آخر جديداً خاصاً فيها، ليش طيب أعطيتها حكماً خاصاً؟ قال: لوجه أقوى وأعلى، قد يكون هذا الوجه الأقوى من مصلحة مرسلة، من قول صحابي، من آية قرآنية خاصة فيها، من حديث خاص فيها، أو من قياس أقوى فيها من القياس الطبيعي.

فهنا هل يجوز أن أفعل هذا الفعل ألا ألحق المسألة حكمها بحكم نظائرها وأعطيها حكماً مخالفاً لمرجح أقوى؟ نعم، هذا يجوز، وهذا هو الوضع الطبيعي أصلاً؛ تخصيص العام ما هو الذي حكينا عنه قبل شوي؟ الآن أنا عندي مطلقات كثيرات، الأصل أن المطلقة شو عدتها؟ ثلاث حيضات، صحيح؟ طب امرأة مطلقة وهي حامل، مش الأصل أن ألحقها بحكم نظائرها وأقول أن عدتها ثلاث حيضات لحتى تحيض؟ بس المطلقة الحامل هل أعطيناها حكم نظائرها من المطلقات ولا أعطيناها حكماً مستقلاً لها؟ أعطيناها حكماً مستقلاً، ما هو؟ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]. بناء على ماذا؟ أنت أعطيتها حكماً مستقلاً ولم تلحقها بنظائرها من المطلقات لوجود وجه أقوى، ما هو الوجه الأقوى هنا؟ آية قرآنية. فالذي جعلني لا ألحق المطلقة الحامل بنظائرها من المطلقات وجه أقوى، وهو آية قرآنية أخرى؛ قد يكون حديثاً نبوياً آخر، قد يكون قول صحابي مخالفاً للقياس زي ما حكى أبو حنيفة، قد يكون قياساً أقوى من القياس الأصلي. هذا معنى الاستحسان عند الكرخي، وحقيقة كلامه مقارب لكلام ابن العربي.

اختلفوا لأنه ابن العربي شو بيقول؟ الاستحسان العمل بأقوى الدليلين، والكرخي شو يقول؟ الاستحسان العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم مخالف له لدليل أقوى، إذاً هو العمل بأقوى الدليلين. فهذا معنى كلام الشاطبي وما قاله ابن العربي يشعر به تفسير الكرخي الحنفي، إذاً الكرخي الحنفي وابن العربي المالكي كلاهما متفق أن الاستحسان عندهم هو العمل بأقوى الدليلين، ممتاز إلى هنا.

اقرأ، قال: وقال بعض الحنفية: إنه القياس الذي يجب العمل به؛ لأن العلة لما كانت علة بأثرها سموا الضعيف الأثر قياساً، والقوي الأثر استحساناً؛ أي قياساً مستحسناً، وكأنه نوع من العمل بأقوى القياسين، وهو يظهر من استقراء مسائلهم في الاستحسان بحسب النوازل الفقهية. مثلاً بعض الحنفية بماذا عرفوا الاستحسان؟ قالوا الاستحسان هو القياس الذي يجب العمل به، القياس الأقوى الذي يجب العمل به، كلمة الأقوى هي إضافة مني عشان تفهم المراد أنه القياس الأقوى الذي يجب العمل به. ليه؟ قال لأن العلة لما كانت علة بأثرها، يعني العلة لماذا تسمى علة؟ باعتبار الأثر الذي يظهر منها، العلة سميت علة باعتبار أثرها، يعني ما ينتج عنها؛ العلة سميت علة لأنه يترتب عليها نتيجة، هل معقول في علة بدون نتيجة؟ شو استفدنا؟ أنت لماذا جعلتها علة؟ لأنه في نتيجة أنت بتبحث عن علتها، فالعلة إنما كانت علة باعتبار وجود أثر ونتيجة مترتبة عليها. فهؤلاء الحنفية سموا العلة الضعيفة النتيجة اللي نتيجتها مرجوحة سموها قياساً، وسموا العلة التي نتيجتها أقوى راجحة سموها استحساناً. هذا مصطلح عندهم، هي طريقة بعض الحنفية في التعامل مع الاستحسان؛ أنه الآن عندي مسألة يتعارض فيها قياسان، ممكن أعمل فيها قياس معين بناء على علة وينتج حكم، وهي نفس المسألة ممكن أعمل فيها قياس آخر بعلة أخرى وينتج عندي حكم آخر، أقوى القياسين بسموه الاستحسان، وأضعف القياسين بخلوه على اسم القياس، فهمتوا شو عملوا؟ المسألة التي لها أكثر من احتمالية في القياس، القياس المرجوح بسموه قياس، والقياس الأقوى شو بسموه استحسان، أخذ مصطلحاً له زي ما بده مش مشكلة عندي. عاد في النهاية إلى أنه الاستحسان العمل بأقوى الدليلين؛ تركت القياس المرجوح ذهاباً للقياس الأقوى، أليس هذا هو نفس كلام ابن العربي أن الاستحسان العمل بأقوى الدليلين؟ إذاً اختلفت العبارة في تعريف الاستحسان بين الفقهاء الكبار ولكن المؤدى في النهاية واحد.

أنت الآن بدك تجيب لي مسألة يتعارض فيها قياسان، فستأخذ بالدليل الأقوى تركاً للدليل الأدنى. مثال المخدرات الذي تفضلت به، أين الدليلين المتعارضين؟ أنا ممكن أقول: ليس في مسألة التحريم في مسألة النجاسة، هل المخدرات الجامدة تقاس على المسكرات المائعة فنقول إنها نجسة، أم تقاس على الأعيان المحرمة الجامدة فنقول إنها طاهرة؟ الآن المخدرات؛ لأنك تعرف مثلاً شيخ الإسلام ابن تيمية حكم على الحشيش الذي يذهب العقل بأنه قاسه على ماذا؟ قاسه على المائعات المسكرة، قال مش كل مائع مسكر؟ فقاس الحشيش المذهب للعقل فقال بنجاسة الحشيش ولو كانت جامدة. الحنابلة في المعتمد لم يقبلوا هذا وقالوا: الأقرب أن الحشيش وإن كان حراماً لكن يقاس على ماذا؟ على الأعيان الجامدة المحرمة التي الشريعة لم تحكم بنجاستها، تمام مثل ايش؟ مثل كل نبتة مثلاً حرمتها الشريعة، أو مثل أدوات المعازف؛ مش هذه أعيان محرمة شرعاً لكن هل نقول إن أدوات المعازف نجسة؟ هي عين محرمة ولا يجوز التعاقد عليها، لكن هذا لا يستلزم أن تكون نجسة. فيقول لك الحشيش وإن كان محرماً لكن يقاس على الأشياء المحرمة الجامدة فلا نحكم بنجاستها. فهنا عندك الحشيش المحرم تعارض عندك قياسان؛ هل أقيسه على المائع المسكر أم أقيسه على الأدوات المحرمة الجامدة التي لم تنجسها الشريعة؟ فابن تيمية رجح ماذا؟ استحسنها، استحسن أن الأقوى قياسه على المائع المسكر، الحنابلة جمهورهم لا، استحسن اعتبر وقبل قياسها على الأدوات المحرمة التي لم تحكم الشريعة بنجاستها، هذه ممارسة للاستحسان.

بل قد جاء عن مالك أن الاستحسان تسعة أعشار العلم، مالك أصلاً يقول الاستحسان تسعة أعشار العلم، يعني لو خلينا العلم الشرعي 10 أقسام بيطلع الاستحسان تسعة أعشار العلم، يعني 90% من العلم باختصار استحسان. ليه ليش 90% من العلم استحسان؟ لأنه 90% من المسائل فيها خلاف وأنت المطلوب منك تختار أقوى الدليلين. لو قلنا أن الاستحسان هو العمل بأقوى الدليلين، 90% من المسائل تتعارض الأدلة فيها وبالتالي المطلوب من الفقيه أن يختار أقوى الدليلين، إذاً فعلاً صدق كلام مالك. ورواه أصبغ عن ابن القاسم عن مالك، قال أصبغ: في الاستحسان قد يكون أغلب من القياس، وجاء عن مالك أن المغرق في القياس يكاد يفارق السنة، كلام صحيح. هذا أحياناً التعلق الزائد بالقياس وعدم فهم أنه بعض المسائل لا تلحق بنظائرها بل لها ميزة خاصة فيها تقتضي إعطاءها حكماً مستقلاً إذا أنت ما بتلاحظ هذه القضايا تكاد تفارق السنة. يقول مالك: المغرق يعني الغالي في القياس الذي يريد أن تكون الأمور دائماً مضطردة، هذا سيخرج عن السنة في النهاية، أنه في بعض المسائل نعم لها نظائر، لكن يجب ألا تعطى حكم نظائرها ويجب أن تعطى حكماً مستقلاً لملحظ خاص بها. فالإنسان لازم يفكر دوماً؛ مش خلاص والله هي المسألة تشبه هي المسائل يلا يا شيخ أعطها حكمها، مش هيك العلم ماشي، هي تشبه تلك لكن هذه لها ملحظ خاص يقتضي مني أني لا أعطيها حكم نظائرها، لازم أعطيها حكماً مستقلاً لمرجح أقوى فيها، وهذا يحتاج إلى النظر في المصلحة وما شابه ذلك.

وهذا الكلام لا يمكن أن يكون بالمعنى الذي تقدم، وأنه ما يستحسنه المجتهد بعقله أو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته عنه؛ فإن مثل هذا لا يكون تسعة أعشار علم ولا أغلب من القياس الذي هو أحد الأدلة، بالتالي هذه التعاريف إذاً للاستحسان التي قدمها الفقهاء هي لا تشبه التعاريف الأولى التي تطرقنا لها، صحيح؟ تعريف: ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، والتعريف الثاني: دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعد العبارة عنه. هل معقول لما مالك قال أن الاستحسان تسعة أعشار العلم يقصد بالاستحسان الدليل الذي ينقدح في نفس المجتهد ولا يمكنه التعبير عنه، صار 90% من العلم لا يمكن التعبير عنه؟ مستحيل. إذاً بقول لك الشاطبي هذا الكلام وهذه التعاريف لا يمكن أن يكون المراد بها معاني الاستحسان الأولى المتقدمة؛ لأن تلك معاني للاستحسان نحن فعلاً لا نوافق عليها.

وقال ابن العربي في موضع آخر: الاستحسان إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته. وقسمه أقساماً عد منها، وهذا أيضاً تعريف آخر يؤول إلى نفس النتيجة أن الاستحسان إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص، أنه هي المسألة لا تلحقها بنظائرها؛ استثناء لها وترخصاً لوجود ما يعارض به لوجود معارض راجح. قال وقسمه أقساماً عد منها أربعة أقسام وهي: ترك الدليل للعرف، وتركه للمصلحة، وتركه للإجماع، وتركه في اليسير لرفع المشقة وإيثار التوسعة. والبعض بيقول لا، الرابع هو الاستحسان بالنص ويجعل هذه القضية وتركه في اليسير لرفع المشقة داخلة في الاستحسان بالمصلحة.

وعده غير ابن العربي من أهل المذهب بأنه عند مالك استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي، قال: فهو تقديم الاستدلال المرسل على القياس. إذا قلنا أن هذا تعريف آخر، البعض قال من المالكية: الاستحسان هو تغليب مصلحة جزئية في هذه المسألة في مقابلة القياس الكلي لها على أصول الشريعة، حقيقة هذا التعريف هو نوع من تقديم الاستدلال المرسل على القياس العام في المسألة، وحقيقة هذا هو نوع من أنواع الاستحسان، يعني أن تعدل بالمسألة عن حكم نظائرها لوجود مصلحة جزئية راجحة اقتضت مني هذا العدول إذاً هو استحسان بالمصلحة.

قال وعرفه ابن رشد فقال: الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس هو أن يكون طرد القياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع. هذا هو الاستحسان بالمعنى الرابع الذي هو أن تستحسن بسبب لرفع المشقة وإيثار التوسعة فقط، وهذا حقيقة نوع من المصلحة، فأنا لا أعتقد أنه يخرج عن المصلحة؛ أن يكون طرد القياس وإلحاق المسألة هذه بنظائرها يؤدي إلى تشدد فيها وغلو مبالغ فيه فيختار الفقيه ألا يلحق المسألة بنظائرها تخفيفاً على الناس ورحمة بهم، أليس هذا نوعاً من المصلحة؟ نوع من المصلحة، فانا أعتقد أن هذا لا يخرج عن ذلك. وقالوا هذه تعريفات قريبة.

بعضها من بعض، سواء تعريفات الحنفية أو المالكية، بعضها أخذ ببعض نوعًا ما، متقارب. وإذا كان هذا معناه عند مالك وأبي حنيفة، فليس بخارج عن الأدلة البتة؛ لأن الأدلة يقيد بعضها بعضًا، وعندك بعضها محذوف ويخصص بعضها بعضًا.

قال كما في الأدلة السنية: مع القرآن، ليست الأدلة السنية هي التي تخصص بالقرآن، بل القرآن هو الذي يخصصها. ما هو هذا؟ هذا استحسان؛ تخصيص العموم هو شكل من أشكال الاستحسان، وهو العمل بأقوى الدليلين.

قال: ولا يرد الشافعي مثل هذا أصلًا. هل الشافعي يعترض على هذا الكلام؟ هل عندكم أيها الشافعية مشكلة في تقديم أقوى الدليلين على أدناهما؟ هذا كله متفق عليه بين المذاهب الأربعة. فإذا كان الشافعي متفقًا معنا على الاستحسان، فلا حجة في تسميته استحسانًا لمبتدع على حال؛ فلا حجة في تسميته استحسانًا، أي في تسمية ما يفعله هو استحسانًا.

لا حجة للمبتدع في تسمية ما يفعله من البدع استحسانًا؛ لأن البدعة هل هي عمل بأقوى الدليلين الشرعيين، أم هي أن تخترع شيئًا ما ليس عليه دليل شرعي؟ البدعة هي أن تأتي بشيء ما ليس عليه دليل شرعي، هي البدعة التي نحن نذمها. فأنت يا أيها المبتدع لا تقل لي الابتداع هو استحسان؛ لأن الاستحسان تعريفه الصحيح هو العمل بأقوى الدليلين الشرعيين، وأما البدعة فهي أن تترك العمل بالأدلة الشرعية وتذهب لتجلب شيئًا جديدًا بعقلك وهواك، فهذا ما له علاقة بالاستحسان المقبول عند الفقهاء.

ثم قال: ولا بد من الإتيان بأمثلة تبين المقصود، بحول الله، ونقتصر على عشرة أمثلة كما في المصالح المرسلة جاب لنا عشرة أمثلة حتى نفهم أكثر وأكثر. كذلك في الاستحسان سيقدم لنا الشاطبي عشرة أمثلة فقهية حتى نفهم الاستحسان أكثر وأكثر، لكن هي الأدلة الفقهية بعد صلاة العصر إن شاء الله.

وصلى الله عليه وسلم. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. نشرح الآن في الجلسة الثانية في ذكر أمثلة الاستحسان.

بسم الله الرحمن الرحيم. قال رحمه الله: أحدها أن يعدل بالمسألة عن نظائرها بدليل الكتاب؛ كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]. فظاهر اللفظ العموم في جميع ما يتمول به الآن، كلمة «أموالهم»، يا شباب أنتم دارسون لأصول الفقه، هل لفظها من ألفاظ العموم أم لا؟ ولماذا هي من ألفاظ العموم؟

«أموالهم»؛ لماذا هي لفظ من ألفاظ العموم؟ من أي نوع من أنواع العموم؟ ليست نكرة، بل الجمع مضاف إلى معرفة؛ فالجمع أو المفرد إذا أضيف إلى معرفة أفاد العموم، والضمير في «أموالهم» معرفة. فكانت الآية دلالتها: خذ من كل مال، سواء كان هذا المال عينيًا أو نقديًا، شو ما كان، صدقة تطهرهم وتزكيهم بها. فظاهر اللفظ العموم في جميع ما يسمى مالًا، وهذا معنى قوله: «في جميع ما يتمول به»، وهو مخصوص في الشرع بالأموال الزكوية خاصة. لكن في الشريعة، هل كل مال فيه زكاة؟ لا، هي أموال معينة: النقدين، وبهيمة الأنعام.

فلو قال قائل: «مالي صدقة»، فظاهر لفظه يعم كل مال، ولكننا نحمله على مال الزكاة؛ لكونه ثبت الحمل عليه في الكتاب. فلو قال شخص: «نذرت أن أتصدق بمالي»، كلمة «مالي» هنا على ماذا نحملها؟ هذا عند المالكية؛ المسألة هي أنهم قالوا: إذا قال شخص: «نذرت أن أتصدق بمالي»، نفس الشيء، كلمة «مالي» ظاهرها العموم، كل مال، لكننا نخصصها بماذا؟ بأمواله الزكوية؛ فيجب عليه أن يتصدق بأمواله الزكوية فقط، فلا نلزمه أن يخرج من بيته وسيارته؛ لأن هذه ليست أموالًا زكوية. فهذا من باب تخصيص العموم بما ثبت في نصوص الكتاب والسنة من الأموال الزكوية.

قال العلماء: وكان هذا يرجع إلى تخصيص العموم بعادة فهم خطاب القرآن. وهذا المثال أورده الكرخي تمثيلاً لما قاله في الاستحسان. فالعادة هي أننا لما نفهم خطاب القرآن في الصدقة والزكاة، فإن عادة الخطاب القرآني إذا أطلق الصدقة والزكاة يقصد بها أموالًا معينة، لا كل الأموال. فإذا جاء شخص فقال: «مالي صدقة»، فإننا نخصص عموم قوله بما هو معتاد في الخطاب القرآني.

ثم قال: والثاني أن يقول -إذا كان هذا الاستحسان هو تخصيص العموم، وهو استحسان عمل بأقوى الدليلين- أن يقول الحنفية: «سؤر سباع الطير قياسًا على سباع البهائم». ما هو السؤر؟ هو الذي يتبقى في الوعاء بعد أن تُشرب منه. سؤر سباع الطير؛ سباع الطير هي الطيور المتوحشة مثل النسر والصقر والعقاب. سؤر سباع الطير يقاس على سباع البهائم، وسباع البهائم مثل الكلب والأسد والفهد، الحيوانات المفترسة التي تمشي على الأرض.

لو جاء حيوان مفترس مثل أسد أو نمر وشرب من هذا الوعاء وراح، المتبقي في هذا الوعاء يسمى سؤرًا، ما حكمه؟ هل هو طاهر أم لا؟ طيب لو جاء طير من الطيور المتوحشة كالنسر أو الصقر وشرب من هذا الوعاء، الماء المتبقي في النهاية هل هو طاهر أم لا؟ هنا في نقاش بين الفقهاء سنعرف سببه.

عند الحنفية ماذا قالوا؟ قالوا: الطيور المتوحشة تقاس على الحيوانات المتوحشة؛ كما أن الحيوانات المتوحشة سؤرها نجس، قال: «وهذا ظاهر الأثر، ولكنه ظاهر استحسانًا؛ لأن السبع ليس بنجس العين، ولكن لضرورة تحريم لحمه فثبتت نجاسته لمجاورة رطوبات لعابه».

أنا لا أذكر هنا ماذا يغسل بالأثر، قال: «ولكنه ظاهر من جهة الاستحسان»، لماذا؟ لأن السبع ليس بنجس العين، ولكن لضرورة تحريم لحمه فثبتت نجاسته لمجاورة رطوبات لعابه. وإذا كان كذلك، فما فرق الطير؟ لأن هناك حقيقة، هناك فرق بين سباع البهائم وسباع الطير، ما هو الفرق؟ في طريقة شربهم. إن سباع البهائم تشرب بفمها، وفمها فيه لعاب، وهذا اللعاب لما يلمس هذا الماء، سيؤدي إلى نزول نجاسة اللعاب في الماء؛ فحتى لو ترك السبع الماء، الماء المتبقي أصبح نجسًا لأن لعاب السباع نزل فيه. طيب، هل الطيور حالها كحال السباع في...

البهائم في طريقة الشرب؟ قالوا لا؛ لأن الطيور تشرب بماذا؟ بمنقارها. الطيور عندها منقار، ليس لحماً، أما فم السباع فزي فمنا، عفواً، هو عبارة عن لحم، وفيه فم ويخرج منه لعاب. الطيور كيف تشرب؟ بالمنقار، أليس كذلك؟ بهذا العظم الذي يسمى منقاراً.

قال: «وإذا كان كذلك، فَرِقَ الطير»؛ لأنه يشرب بمنقاره وهو طاهر بنفسه، لأنه في النهاية عظم، فهو طاهر بنفسه. قال: «فوجب الحكم بطهارة سؤره». فالأصل أن سؤر الطيور يكون طاهراً ولا يكون كسؤر البهائم؛ لأن البهائم تشرب بالفم، وهو مكان لوجود الرطوبات واللعاب، وبالتالي لما يحط فمه، متصور أن لعابه يلامس الماء فينجسه. أما الطير فهو يضع منقاره فقط، ليس هناك قضية لعاب، هو يضع منقاره ويرفع، وبالتالي قضية اللعاب الموجودة غير ظاهرة في قضية الطيور، فيقول: «فوجب الحكم بطهارة سؤر الطيور» لأن هذا أثر قوي وإن خفي.

إن قضية هذا التفريق بين الطيور والبهائم حقيقةً هو أثر ظاهر، يعني له تأثير كبير في المسألة حتى ولو كان خفياً، غير واضح لكثير من الناس، لكنه يؤثر فعلياً في الحكم. طريقة تناول الشراب أثر قوي في المسألة وإن خفي على الناس، فترجح على القياس الأولي.

الآن القياس كان يقتضي عند الحنفية أن سؤر سباع الطيور مثل سؤر سباع البهائم، لكن في النهاية ماذا قالوا؟ قالوا: لن نحكم بنجاسة سؤر سباع الطيور؛ لأن هذا القياس عارضه ما هو أقوى. ما هو الذي جعلني لا ألحق الطيور بالبهائم؟ طريقة الشرب. طريقة الشرب للطيور تختلف عن طريقة شرب البهائم، فهذا جعلني أستحسن هنا وأقرر أن لا ألحق الطيور بالبهائم، مع أن القياس كان يقتضي الإلحاق، لكنني لم ألحق وعدلت بالمسألة عن حكم نظائرها لوجود مرجح أقوى اقتضى التفريق بينهما. المرجح هو أن طريقة شرب الطيور تختلف عن طريقة شرب البهائم.

أن يقول الحنفي: «سؤرها قياساً على سباع البهائم»، وهذا ظاهر الأثر. أنا أتفق معك، كأنه هناك من معه نسخة أخرى، نسخة الشيخ مشهور. نعم، ويمكن تكون... أحسنت، أحسنت، إذاً هنا في تحريف في النسخة عندك: «ظاهر» ولا «طاهر»؟ «طاهر». لا، أنا أعتقد كما قال عمر إنه في تصحيف، ولكنه «طاهر استحساناً»، وهذا هو الذي ينسجم مع الكلام. يعني أن الحنفية يقولوا: القياس أن سؤر سباع الطير كسباع البهائم، هذا هو القياس، لكن النتيجة النهائية عند الحنفية، هل قاسوا أم استحسنوا؟ استحسنوا فحكموا بطهارته.

إذاً، «وهذا ظاهر الأثر، ولكنه طاهر استحساناً»؛ يعني من حيث الاستحسان حكمنا بطهارته وإن كان من حيث الظاهر، ظاهر القياس، يقتضي أن يحكم بنجاسته، لكننا حكمنا بطهارته استحساناً بسبب طريقة الشرب. أعطني هذه، جيدة. ولكنه «طاهر» مش «ظاهر»، يعني يريد أن يقول إننا خالفنا القياس وحكمنا بطهارته استحساناً.

المثال الثالث: قال: «فترجح على الأول وإن كان أمره جلياً، والأخذ بأقل القياسين متفق عليه». الثالث أن أبا حنيفة قال: إذا شهد أربعة على رجل بالزنا، ولكن عين كل واحد جهة غير الجهة التي عينها غيره. لاحظ أنه جعل القياس أثره جلياً واضحاً، لكنه جعل طريقة الشرب هي المؤثرة وإن كانت خفية ولا يلاحظها كثير من الناس. نلاحظ أن هذا أثر قوي وإن خفي، فترجح على الأول وإن كان الأول أثراً جلياً. قياس السباع هنا أنه هذا سبع وهذا سبع، فالأصل من حيث الظاهر أنهما يأخذان نفس الحكم من حيث السؤر، لكن في شيء خفي جعلني أعدل بهذا وهو قضية طريقة الشرب.

انتبه لها، الثالث: أن أبا حنيفة قال: إذا شهد أربعة على رجل بالزنا، ولكن عين كل واحد جهة غير الجهة التي عينها الآخر، فالقياس أن يحد، ولكن استحسن حده. كمل، قال: «ووجة ذلك أنه لا يحد إلا من شهد عليه أربعة، فإذا عين كل واحد منهم داراً، فلم يأتِ على كل مرتبة بأربعة لامتناع اجتماعهم على رتبة واحدة، فإذا عين كل واحد زاوية، فالظاهر تعدد الفعل ويمكن التزاحم».

كمل، قال: «فإذا قيل: القياس ألا يحد، فمعناه أن الظاهر أنه لم يجتمع الأربعة على زنا واحد، ولكنه يقول: في المصير إلى الأمر الظاهر تفسيق». قال: «فإنه إن لم يكن محدوداً صار الشهود فسق، ولا سبيل إلى ذلك، ما وجدنا إلى العدول عنه سبيلاً، فيكون حمل الشهود على مقتضى العدالة عند الإمكان، يجر ذلك الإمكان البعيد، فليس هذا حكماً بالقياس وإنما تمسك باحتمال تلقي الحكم من القرآن»، وهذا يرجع في الحقيقة إلى تحقيق المناط.

خلونا نركز في هذه المسألة الآن في الفقه الإسلامي، كلام عند الحنفية. إذا جاء أربعة شهدوا على شخص أنه زنى، القاضي ماذا يطلب من الأربعة حتى يتأكد من صدقهم في الشهادة؟ صف لي أين زنى. فالشاهد الأول قال: شفته زنى في الطابق الأول، جاء الشاهد الثاني قال: شفته زنى في الطابق الثاني، جاء الشاهد الثالث قال: أنا شفت الزنا حصل في الطابق الثالث، الشاهد الرابع قال: أنا شفته زنى في الطابق الرابع. هنا القاضي ماذا سيقول لهم؟ ما شاء الله، كل واحد شهادته مختلفة عن شهادة صاحبه، فهل هناك واقعة معينة في طابق معين اتفقتم عليها؟ لا، أنتم الأربعة جئتم لتشهدوا، لكن لما طلبت من كل شخص منكم أن يصف الزنا، كل واحد وصفه في شقة واحدة، قال له: شفته في الطابق الأول، الثاني، الثالث، وهكذا.

طيب، إذا شهد أربعة على رجل بالزنا، ولكن عين كل واحد جهة غير الجهة التي عينها الآخر، ممكن الأربعة يقولوا: نحن شهدنا على نفس الطابق، الكل شاهد: شفنا زنى في الطابق الأول، بس الشاهد الأول يقول: إنه شفته زنى في الركن اليمين من الغرفة، جاء الشاهد الثاني يقول: لا، أنا صراحة شفت الزنا في الركن الشمال البعيد، جاء الشاهد الثالث قال: أنا شفته في هذا الركن، كل واحد وصف الزنا في ركن مختلف عن الآخر. الآن القياس الفقهي يقتضي أن هذا الرجل المتهم بالزنا أن يحد، لأنه هم الأربعة، لا يوجد شهادة أربعة بنفس الوصف، والأصل في القياس في حد الزنا أن لا...

يطبق حتى يشهد أربعة على نفس الزنا في نفس الزاوية في نفس المكان، أما كل واحد يصف لي زناً مختلفاً، يرحمكم الله، حتى لو اختلفت المناطق؛ الأصل أن يحد هذا الرجل لأنه لم يتفق أربعة على وصف زنا واحد له. ممتاز، لكن الحنفية ماذا قالوا في حالة الغرفة الواحدة وكل واحد شهد أنه زنى في زاوية؟ الآن إذا كان كل واحد في شقة؛ لا، هذا لا يطبق، لكن لو قال لو جاء أربعة فكل واحد زاوية في الغرفة تختلف عن الزاوية الأخرى، استحسنوا أن يحد وخالفوا القياس.

القياس أن يحد هذا الرجل، لكن الحنفية ماذا قالوا؟ وإن كان القياس ألا يحد، لكن الاستحسان -وهو أقوى الدليلين هنا- يقتضي أن يحد. ليه؟ ووجه ذلك: أول شيء نيجي نشوف وجه القياس، لماذا القياس ألا يحد؟ ووجه ذلك أنه لا يحد شخص إلا من شهد عليه أربعة، صح؟ الأصل أن الرجل الذي اتهم بالزنا لا يحد إلا إذا شهد عليه أربعة، فإذا عين كل واحد من الأربعة داراً، إذا لم يأتِ على كل مرتبة بأربعة، يعني هي الدار في أربعة شهدوا أنه زنى فيها، لا؛ لأنه كل واحد حد طابق، إذاً ما في أربعة شهدوا على دار معينة.

امتناع اجتماعهم على رتبة واحدة؛ كلمة الرتبة هنا ليست واضحة كثيراً لدي، لكن أنا أشعر أنه يقصد أنه لم يحصل اجتماع على وصف واحد، الرتبة كأنها بمعنى الوصف؛ فإذا عين كل واحد داراً فلم يأتِ على كل وصف بأربعة شهود، لأنه صار عندي أربعة أوصاف مش وصفاً واحداً عليه أربعة شهود، الامتناع اجتماعه لأنه لم يحصل اجتماعهم على وصف واحد.

وبالتالي، إذا تعددت الشقق، نيجي الآن مش على تعدد الشقق، الكل وصف شقة واحدة، غرفة واحدة بس تعددت الزوايا، كل واحد وصف زاوية، قال: إذاً عين كل واحد من الأربعة زاوية، فالأصل أيضاً والقياس فالظاهر أنها تعدد الفعل، يعني لما أنت تقول أنا شفته في الزاوية يزني، يجي الثاني يقول لا أنا شفته في الزاوية الثانية يزني؛ الظاهر إذاً أن هذه واقعة زنا مختلفة عن الواقعة الأخرى، هذه زنا في الزاوية اليمين، بعدين هو مرّ الزنا في الزاوية الشمال، بعدين مرّ الزنا هنا؛ صارت مش حالة واحدة، صارت أربع وقائع، وكل واقعة لا يوجد أربعة عليها، كل واقعة يشهد عليها شخص واحد فقط، فالظاهر إذاً أنه هذه واقعة وهذه واقعة وهذه واقعة وهذه واقعة، إذاً الواقعة الواحدة لم يشهد عليها أربعة.

لكن يبقى هناك احتمال بعيد، ما هو؟ قال: لكن يبقى احتمالية التزاحف، يعني ماذا يعني التزاحف؟ يعني الله يعافينا وهو يزني في هذه الزاوية، زحف هو وإياها حتى مشوا إلى الزاوية الأخرى، ومع شدة الوقاع والجماع زحفوا حتى وصلوا إلى هذه الزاوية، بعدين زحفوا حتى وصلوا إلى الزاوية الرابعة؛ إمكانية أن يكون هو زناً واحداً لكن صار في تزاحف بين الرجل والمرأة إلى الزوايا الأربعة، فهذا الشاهد الأول شافهم وهم في الزاوية هي، الشاهد الثاني متى استطاع يشوفهم؟ بس زحفوا للزاوية الثانية والثالثة، متى رصد الحادثة؟ بس زحفوا للرابعة، إمكانية التزاحف واردة ولا لا؟ واردة، وإن كان احتمالاً بعيداً أنه يكون زحفوا للزوايا الأربعة، بس احتمال وارد.

فإذا قيل إن القياس لا يحد هذا المتهم بالزنا، فمعنى ذلك أن الظاهر أنه لم يجتمع أربعة على وصف زنا واحد فعلاً، فالظاهر متبادر أنه هذا لا يحد؛ لأنه في أربعة وصفوا زنا واحداً بنفس الصفة، ولكن أبو حنيفة ماذا يقول؟ نقطتين رأسيتين: ولكننا إذا مسرنا إلى هذا الظاهر، سيؤدي هذا إلى أن نحكم على الشهود الأربعة بأنهم فساق؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4].

هؤلاء الأربعة إذا لم نقبل شهادتهم بسبب أنه كل واحد وصف الزنا في زاوية وقلنا لن نحد هذا المتهم بالزنا، إلى ماذا سيؤدي هذا يا شباب؟ أنه الأربعة هؤلاء كل واحد فيهم سيجلد 80 جلدة حد القذف، وسيُحكم على كل واحد منهم بأنه فاسق بنص القرآن: «شهادتك لم تقبل، سنجلدك 80 حد القذف، ونحكم عليك بالفسق بنص القرآن: وأولئك هم الفاسقون». قال: فإنه إن لم يكن محدوداً صار هؤلاء الشهود فسقة بنص القرآن، ولا سبيل إلى ذلك، ما وجدنا إلى العدول عنه سبيلاً، ما يصير نحكم عليهم أنهم فسقة ما دام هناك وسيلة لأن لا نحكم عليهم بأنهم فسقة، ولا سبيل إلى ذلك، أي إلى الحكم على الشهود بالفسق، ما وجدنا إلى العدول عنه سبيلاً.

فكيف بدنا نطلعهم من الفسق؟ هؤلاء الشهود شو الحل؟ قال: فيكون حمل الشهود على مقتضى العدالة عند الإمكان؛ لأنني لا أريد أن أحكم على هؤلاء الشهود بأنهم فسقة، ذلك الاحتمال البعيد، أي الاحتمال البعيد هو التزاحف، وأقول لا هنا في تزاحف وسنقيم الحد على الزاني، هكذا طريقة تفكير أبو حنيفة. قال: فحتى لا نحكم على الشهود بالفسق سنأخذ ذلك الاحتمال البعيد الذي هو احتمالية التزاحف وأنها واقعة واحدة ونقوم بجلد الزاني.

إذاً القياس كان يقتضي ألا يجلد، لكن الاستحسان اقتضى أنه يجلد، هذا الاستحسان ما مصدره؟ مصدره المصلحة، هذا استحسان بالمصلحة، وهو أن نقي الشهود من الحكم عليهم بالفسق لمصلحة الشهود، حتى لا يحكم عليهم بالفسق؛ تركنا القياس بعدم حد الزاني وجلدنا الزاني. طبعاً هي طريقة التفكير مش متفق عليها بين الفقهاء، لأن بعض الفقهاء يقولون: الأصل أن تدرأ الحدود بالشبهات، لا؛ صيانة هذا الرجل من أن يقام عليه الحد مقدمة على صيانة الشهود من الحكم عليهم بالفسق، خلص هم يحكموا عليهم بالفسق يدبروا حالهم، والمهم أننا لا نقوم حداً مع بقاء الشبهة، فلا يقام حد باجترار الاحتمال البعيد، هذا رأي طائفة أخرى من الفقهاء.

أنا يهمني بس تفهموا كيف حصل الاستحسان هنا بغض النظر أنت توافق على الفتوى النهائية أو لا، مش موضوعنا، بس بدي أفهمك كيف يحصل استحسان ترك القياس لمصلحة، وهذا استحسان بالمصلحة. قال: وإنما تمسك باحتمال... فليس هذا حكماً بالقياس، وإنما تمسك باحتمال تلقي الحكم من القرائن. يعني هذا ليس حكماً بالقياس، القياس يقتضي أن لا يحد، وإنما تمسكت بهذا الاحتمال، ومن أين أخذت هذا الاحتمال؟ من القرائن، يعني من القرائن المحيطة بالواقعة والحادثة أنه غرفة واحدة، معقول؟

كل واحد إذا احتمالية التزاحم فيها إيش؟ أصبحت محتملة بسبب القرائن المحيطة بالمشهد، وهذا يرجع في الحقيقة إلى تحقيق المناط. وهذا يرجع إلى تحقيق المناط اللي هو تنزيل المسألة؛ هل هذه المسألة هي أن أحقق مسألة هل هذا يعتبر زنا واحد أم يعتبر زنا متعدد؟ أنا هنا بدي أحقق المناط، هل هي الواقعة جاءت أربعة فشهدوا على شخص أنه زنى لكن كل شخص شهد في زاوية، هل تحقيق المناط هنا يقتضي أنها زنا واحد واقعة واحدة أم هي وقائع مختلفة؟ إذاً هنا يكون التجاذب بين الفقهاء في تحقيق مناط المسألة.

والله لا أعلم حقيقة إذا هل حتى لو كان الحد رجمًا؟ لا أعلم، لكن هنا ما فرق، يعني هنا قال حد الزنا عمومًا، الله أعلم. والراجح والأصل في تحقيق المناط أنه ما يفرق، بس من باب المناقشة؛ لأنه إذا خلص وصفتوا أنه زنا، الأصل سواء حد جلد ولا رجم، خلص ما أنت وصفتوا أنه زنا، مش لأنه رجم لا، خلص مش رح نرجم، بس إذا جلد رح نجلده. هذا التفريق في العادة لا يكون يا زنا يا مش زنا، يعني يا اعتبرته زنا مشهود عليه يا مش زنا، سواء رجم ولا جلد.

والرابع أن مالك بن أنس من مذهبه أن يترك الدليل للعرف، فإنه رد الإيمان إلى العرف، إذاً هذا استحسان بالعرف، وهذا مثال على الاستحسان بالعرف. مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها أنه رد الإيمان إلى العرف، أي إيمان ألفاظ اليمين لما شخص يحلف يمين، إذا لم تكن هناك نية حاضرة لديه أو تعيين لشيء معين، فالطريقة لتفسير هذا اليمين تكون بالعرف.

إذا قال شخص: «والله لا آكل لحمًا»، فأكل سمكًا، فما رأيك يا شيخ أسامة؟ واحد حكى: «والله لا آكل لحمًا»، فأكل السمك، فسيخ من عندكم في مصر، شو رأيك؟ هل نقول حنث في يمينه؟ الآن في اللغة السمك لحم، لكن في العرف نحن في عرفنا هل نسمي السمك لحمًا؟ لا، فقالوا لا يحنث. هذه طريقة أكثر الفقهاء، فإنه رد الإيمان إلى العرف، أي تفسر ألفاظ اليمين بناء على الأعراف، مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير ما يقتضيه العرف، طبعًا زي ما حكيت لكم أن اللغة السمك فيها لحم بس في العرف السمك مش لحم.

كقوله: «والله لَدخلتُ مع فلان بيتًا»، فلا يحنث بدخوله معه المسجد وما أشبه ذلك. لو قلت: «والله ما بدخل مع الشيخ ناجي بيتًا»، بس أنا وإياه دخلنا مع بعض في المسجد، هل أحنث ولا لا؟ سؤال: في اللغة المسجد بيت ولا لا؟ البيت ما هو بيت من بيوت الله، لكن في العرف، إذا واحد حكى: «والله ما بدخل معك بيتًا»، هو مش حاضر بباله أن المسجد يسمى بيتًا، ففي العرف إحنا المسجد ما بنسميه بيتًا، لكن اللغة بتسميه بيتًا.

قال ووجه أن اللفظ يقتضي الحنث بدخول كل موضع يسمى بيتًا في اللغة، إذا فالقياس يقتضي إذا شخص قال: «والله لا أدخل مع شخص بيتًا»، القياس يقتضي أن يدخل معه أي بيت حتى ولو كان بيتًا من بيوت الله، هيك القياس. لكن الاستحسان اقتضى أن نأخذ بالعرف ونترك القياس، فلا نحنثه إذا دخل معه المسجد لأن العرف لا يعتبر المسجد بيتًا، فهذا استحسان بالعرف. المسجد يسمى بيتًا فيحنث على ذلك، إلا أن عرف الناس ألا يطلقوا هذا اللفظ عليه، لا يسمون المسجد بيتًا، فخرج بالعرف عن مقتضى اللفظ فلا يحنث.

إذا لاحظتم كليات الاستحسانات، شو هي يا شباب؟ أن تترك القياس لمصلحة أو لعرف لدليل، هكذا هو الاستحسان. والخامس ترك دليل للمصلحة كما في تضمين الأجير المشترك وإن لم يكن صانعًا. فإن مذهب مالك في هذه المسألة على قولين، كتضمين صاحب الحمام الثياب، وتضمين صاحب السفينة، وتضمين السماسرة المشتركين، وكذلك حمال الطعام على رأي مالك فإنه ضامن، ولحق عنده بالصناع.

والسبب في ذلك عين السبب في تضمين الصناع. الآن مسألة تضمين الصناع أشرنا إليها أكثر من مرة، اللي هو حكينا عنهم في الدرس الماضي، أظن أصحاب المحلات الذين يصلحون السيارات أو يصلحون الغسالات والثلاجات، هؤلاء أجير مشترك. شو يعني أجير مشترك؟ أنت بتجيبه عندك في البيت وبيشتغل لك من الصباح للمساء مدة عمل معينة متفق فيها، لا، محلات تصليح السيارات والغسالات والثلاجات هؤلاء أنت بتروح بتحط سيارتك عندهم، بيجي الشيخ بيحط سيارته عنده، وبيروح بقول لك تعال المساء، بيشتغل للجميع في نفس الوقت، عادي هؤلاء الذين يقبلون بضائع الناس لإصلاحها.

قلنا جمهور الفقهاء على أنهم يضمنون ما يتلف عندهم سواء بتعدٍ أو تقصير أو بدون تعدٍ وتقصير، إلا أن الشافعية عاملين مشاكل، الشافعية شو قالوا؟ قالوا لا يضمن إلا إذا ثبت تعديه أو تقصيره، أما إذا لم يثبت تعديه أو تقصيره ما بصير ينضمن. الجمهور شو وجهة نظرهم؟ لماذا الجمهور قالوا الصناع الأجير المشترك الذين هم أصحاب محلات تصليح السيارات والثلاجات لماذا يضمنون مطلقًا حتى ولو لم يثبت تعديهم؟ قالوا لأنه هؤلاء الناس بتحط بضاعتهم عندهم وتتركهم.

وأنتم بتعرفوا ما شاء الله إخواننا الصناعيين عندنا في البلد، بتلاقي كل الثلاجات عنده على باب المحل مصفطة، يزيد ثلاجة، يحط ثلاجة، فوقاز، تلفزيون، ما بيتقوا الله في أموال الناس، لأنها مش له فبيتهاون في حفظها، فحتى نغلق عليهم باب التهاون في حفظ أموال الناس قلنا لهم: أي أجير مشترك من أصحاب محلات التصليح، لازم تضمن كل ما يتلف عندك سواء ثبت تعديك أو لم يثبت تعديك. الشافعي قال وجهة نظر مختلفة، المهم خليني الآن على رأي الجمهور.

الآن هنا صار موضوع آخر، هنا أنت دخلتني في الاستثناءات، إذا هو قال لك أنا معي أسبوع، إذا غير هيك أنا بتحمل، هذه مسألة مستثناة، نحن بنتكلم عن الحالة الطبيعية، هو قال لك صلح لي سيارتي، أنت أعطيته سيارتك يصلحها ورحت، قال لك تعال المساء، جئت المساء لقيت السيارة فارطة، لقيت السيارة فيها مشاكل أكثر من المشاكل التي كانت فيها، بده يضمن، بده يضمن.

تضمين الأجير المشترك، هنا مالك يرى أن الأجير المشترك يضمن سواء كان صناعيًا أو حتى لو كان غير صناعي، مثل إيش غير صناعي؟ قال مثل الحمالين. الآن بتعرفوا سيارات الشحن، سيارات شحن الأثاث، أنت ممكن أنا بدي أنقل من بيتي إلى بيت جديد، والشيخ عمر بده ينقل برضه، فبتيجي سيارة شحنة كبيرة، بتيجي بتحكي لي: خلص شيخ حط أمتعتك وأثاثك، وهي بتحكي للشيخ عمر برضه: أنت حط أمتعتك.

«حط امتعتك واثاثك وانا بوصلها لكل شخص منكم على بيته». شو اعملوا؟ شحنوا امتعتي وامتعة عمر كلها في نفس الشحنة. هسه انت طبعا عارف كيف بحطوا اثاث البيت، بدحشوه تدحيش وبيحط لك هذا فوق هذا وما بيهتموا باموال الناس، المهم انه ياخذ المصاري انه يوصل لك الشحنه وخلصت.

هل لو كان الاجير المشترك مش صنائعي بل حمال زي هي سيارات الشحن، هل هذا برضه يضمن مطلقا؟ ايش يقول هنا؟ يقول: «فان مذهب مالك في هذه المساله على قولين في مساله تضمين الاجير المشترك اذا لم يكن صنائعيا». هسه مالك يضمن الاجير المشترك اذا كان صنائعي بالاتفاق، وين عنده قولين؟ تضمين الاجير المشترك اذا كان مش صنائعي، اذا كان زي سيارات الشحن وما شابه ذلك.

قال: «فان مذهب مالك في هذه المساله على قولين كتضمين صاحب الحمام الثياب». بتعرفوا مش الناس بتدخل الحمام التركي او الشامي او شيء من ذلك؟ ما هو كل واحد بيخلع ثيابه بره وبيكون في واحد قاعد على الريسبشن بكون بقول لك: خلص حط امتعتك هون. فبتلاقي على الريسبشن عشرين شنطه فيها ثياب، والناس كلها داخله في الحمامات، طلعت انت من الحمام يا فلان وين ثيابي؟ والله ما بعرف وين، فلان ما نحن حطينا ثوب عندك، قال ما بعرف.

بيضمن ولا ما بيضمن؟ القول الاول عند مالك يضمن مطلقا، لانه هذا مثله مثل الاجير المشترك، صح هذا مش صنائعي بس انت حضرتك موجود على الريسبشن مشان ايش؟ مشان تستقبل ثياب كل الداخلين على الحمام. تمام، كيف تنحط عندك الثياب؟ بعدين لما يجي شخص يخرج ما يلاقيها، سواء بتعدي او تفريط او بدون تعدي وتفريط، انت مثلك مثل الصنائعي بدك تضمن.

فهمتم علي؟ هذا معنى قولي كتضمين صاحب الحمام ثياب الناس الداخلين، او تضمين صاحب السفينه البضائع التي توضع في السفينه. بتعرف السفينه دائما في مكان توضع فيه البضائع او شحن السفر، وكذلك في الطائره اليوم. المسؤولية قسم الطائرات اللي بيودوا الشناتي على الطائرات، ما هم اللي بصفطوها جوا غرفه معينه داخل الطائره، مسؤولين شو بصير في الشنطه، تعدي او تقصير او بدون تعدي وتقصير، انتم المسؤولين لانه انتم زيكم زي الاجراء زي الصنائعيه. هذا راي مالك.

قال: «وكذلك حمال الطعام نفس الشيء اللي بيودي الاطعمه على المنازل اذا كانت الاطعمه كلها توضع معه فانه ضامن ويلحق عنده بالصناع». والسبب في ذلك هو ماذا؟ هو السبب في تضمين الصناع مع انه هذا الرجل بيستقبل بضائع كثيره في نفس الوقت او كميات كثيره في نفس الوقت من اناس متعددين واحتماليه استهتاره وعدم اهتمامه كبيره، فنحن بنسكر عليه الباب ونقول له من البدايه انت ضامن، بالتالي بدك تدير بالك.

قال: «فان قيل فهذا من باب المصالح المرسله لا من باب الاستحسان». طبعا هو اكملكم، ايوه قلنا نعم الا انهم صوروا الاستحسان تصور الاستثناء من القواعد بخلاف المصالح المرسله، ومثل ذلك يتصور في مساله التضمين. الان خلينا نرجع نقول في المساله السابقه الخامسه: وين الاستحسان؟ يلا الان الاستحسان زي ما حكينا ترك القياس في المساله لدليل اقوى. يلا مين من اللي فيكم فهم الاستحسان؟ لازم يحكي لي وين الاستحسان في مساله تضمين الصناع وتضمين غير الصناع برضه؟

وين دائما الاستحسان؟ بدك تجيب لي ايش القياس الاصلي وين انا خالفته؟ وين القياس الاصلي يا ناجي؟ احسنت. الاصل ان الاجير لا يضمن اذا لم يثبت تعديه او تقصيره، لكننا في الاجير المشترك سواء كان صنائعي ولا غير صنائعي خالفنا هي القاعده وقلنا الاجير المشترك بده يضمن سواء ثبت تعدي ولا ما ثبت تعدي. اذا الاصل في الاجير هيك، القاعده والقياس لا يضمن الا اذا صدر منه تعدي او تقصير، لكن خالفنا هذه القاعدة في الاجير المشترك سواء صنائعي او حتى غير صنائعي وقلنا بده يضمن مطلقا تعدى او لم يتعدى. شو اللي خلانا نستثنيه ولا نلحق بباقي الاجراء؟ المصلحه.

المصلحه، وهي مصلحه حفظ اموال الناس، هي اللي خلتنا نستثني الاجير المشترك ونقول له: لا انت بدك تضمن مطلقا، صح؟ فاذا قيل انه هذه يا شيخ مصلحه مرسله ليش حطيتوها في الاستحسان؟ بقول كلامك صحيح، هذا النوع نعم هو من المصالح المرسله، تضمين الاجير المشترك هذا المثال يذكره الفقهاء مثالا على المصالح المرسله ونفس المثال يذكر في باب الاستحسان. فاذا قيل انه هذا من باب المصالح المرسله وليس من باب الاستحسان قلنا نعم وصح ومصلحه مرسله، لكن شو الفرق؟

الفرق بين الاستحسان والمصلحه المرسله، انا رح اذكر فرق بعدين هو رح يذكر فرق. اولا الفرق اللي راح اذكره انا ان المصلحه المرسله اخواني هو نوع من انواع الاحتجاج، اما الاستحسان شو قلت لكم انا هو وصف واليه معينه مش نوع من انواع الاحتجاج. فانه المصلحه المرسله لو سميت استحسانا فش مشكله، لانه الاستحسان هو مش مصدر تشريعي مختلف عن المصلحه المرسله، لا، المصلحه المرسله هو مصدر من مصادر التشريع وهو يشبه القياس؛ القياس يكون على اصل معين، والمصلحه المرسله هو قياس على كليات الشريعه.

فالمصلحه المرسله هو مصدر من مصادر التشريع، اما الاستحسان هل هو مصدر من مصادر التشريع؟ لا، هو اليه ممارسه؛ المستحسان هو الاخذ باقوى الدليلين وترك اضعفهما، اذا هو ممارسه واليه وليس مصدرا تشريعيا. فبالتالي اقول ابتداء لو كان هذا مصلحه مرسله لا اشكال في تسميته استحسان. طيب رح تقول لي ها هل كل مصلحه مرسله تسمى استحسانا بناء على هذا؟ لا، المصلحه المرسله متى تسمى استحسانا؟ هذا اللي بده يفيد لك اياه الشاطبي.

المصلحه المرسله تسمى ايضا استحسانا اذا كانت على سبيل الاستثناء من القياس. واما المصلحه المرسله اذا لم تكن استثناء من قياس، زي جمع المصحف في زمن ابو بكر، فهذا ما اسمه استحسان، يبقى اسمه ايش؟ مصلحه مرسله. بس فهمتم هذا كلام اخواني دقيق وانا اعرف قيمه هذا الكلام في توضيح افكار، قل اليوم من يشرحها.

المصلحه المرسله متى تسمى استحسانا؟ يعني تسمى مصلحه مرسله استحسانا اذا كانت المصلحه المرسله جاءت على سبيل الاستثناء من القياس، فهي مصلحه مرسله وفي نفس الوقت استحسان؛ لان الاستحسان هو ان تعدل عن القياس لما هو اولى. واما اذا كانت المصلحه المرسله ليست استثناء من قاعده، فعند اذ لا تسمى استحسانا، يبقى اسمها فقط ايش؟ مصلحه مرسله. مثل جمع المصحف في زمن ابو بكر، مش هو مصلحه مرسله؟ طب هل هو استثناء من قياس؟ لا، هي شيء ابتدائي هكذا، ليس استثناء من قاعده كانت تقول لا يجوز جمع المصحف واستثنينا فجمعناه، في حاله مع لا، هو الوضع الطبيعي انه هذا شيء طبيعي لا اشكال فيه وليس استثناء، وهذا معنى قول الشاطبي.

إلا أنهم، أي الأصوليين، صوروا الاستحسان على أنه استثناء من القواعد، بخلاف المصالح المرسلة؛ فليس كل مصلحة مرسلة هي استثناء من قاعدة، صح، ليس كل مصلحة مرسلة هي استثناء من قياس، قد تكون وقد لا تكون، أما الاستحسان فهو دائما ترك القياس والعدول إلى ما هو أقوى.

قال: ومثل ذلك يتصور في مسألة التضمين، فإن الأجراء مؤتمنون بالدليل لا بالبراءة الأصلية، فصار تضمينهم في حيز المستثنى من ذلك الدليل. فالأجراء مؤتمنون، ماذا يعني مؤتمنون؟ الأصل أن يد الأجير يد أمانة، يعني لا يضمن إلا بتعدٍ أو تفريط، فإن الأجراء في الأصل مؤتمنون بنص الشريعة، مش بالبراءة الأصلية، بنص الشريعة الأجير مؤتمن، في أحاديث تدل على ذلك. فصار تضمين الأجير المشترك بالتحديد، سواء تعدى أو لم يتعدَّ، هو نوع استثناء من الدليل الشرعي الذي يقول إن الأصل أن الأجير لا يضمن إلا إذا تعدى، فدخل تحت معنى الاستحسان بهذا النظر، فهو إذاً استحسان ومصلحة مرسلة. هذا المثال استحسان ومصلحة مرسلة؛ مصلحة مرسلة لأنه قياس على القواعد الكلية في الشريعة، فلذلك هي مصلحة مرسلة، وسمي استحساناً لأنه استثناء من قاعدة أو من أصل كان يقتضي عدم تضمينهم.

المثال السادس: قال: إنهم يحكون الإجماع على إيجاب الغرم على من قطع ذنب بغلة القاضي. هي مسألة طريفة، يقولون إذا جاء شخص خلص القاضي، حكم عليه فحط القاضي في دماغه، قال هذا القاضي سأريه ماذا أفعل فيه، فذهب إلى بغلة القاضي فقطع ذنبها. ما فعل يا شيخ أحمد؟ فقط قطع الذنب، ما شاء الله، البغلة كما هي، بس قطع الذنب. قال المالكية: عليه أن يغرم ثمن كل الدابة. يا شيخ، بس قطع الذنب؟ غرموا ثمن الدابة! ليش تغرموا كل الدابة؟ لو كانت هذه البغلة سعرها 5000 دينار، وهي أكيد بغلة قاضٍ مميز، قديماً كانت السيارات في القاضي يركبونه بغلة مميزة، فقالوا يضمن الـ 5000 دينار مش بس الذنب.

الآن القياس: القياس أن من أتلف شيئاً يضمنه بذاته، ولا يضمن ما هو أكثر منه، مش هيك القياس؟ أنا كسرت شباك سيارة، ما أضمن السيارة كلها، أضمن الشباك فقط. القياس كان أنه هذا الشخص نغرمه فقط الذنب، لكن الفقهاء قالوا نعدل عن القياس ونغرمه كل بغلة القاضي، بده يدفع حق البغلة كلها. لماذا؟ قال: يريدون غرم قيمة الدابة لا قيمة النقص الحاصل فيها، لا قيمة النقص فقط، تريد أن تغرم كل الدابة. ووجه ذلك ظاهر؛ فإن مثل بغلة القاضي لا يحتاج إليها إلا للركوب، وقد امتنع ركوبه لها بسبب فحش ذلك العيب.

البغلة الآن، القاضي لماذا أحضرها؟ لكي يركبها، يذهب بها إلى المحكمة ويرجع. فإذا قطع هذا الإنسان ذنبها، سيهين القاضي أمام الناس، ولا يستطيع ركوبها، تخيل القاضي ماشي أمام الناس ببغلة ذنبها مقطوع، ماذا سيحدث له من بهدلة؟ فالعرف أن القاضي لا يركب بغلة ذنبها مقطوع، ففعلياً هذا الشخص لما قطع الذنب كأنه أفسد على القاضي البغلة كلها، بطل يستطيع ركوبها. أنت قطعت الذنب، لكنك فعلياً خسرتني كل الدابة، من الآن فصاعداً لن أستطيع ركوبها. لو قيل: يا قاضي لا يمكنك ركوبها، اذهب وافعل بها شيئاً آخر مفيداً، تقول: أنا ما أحضرتها إلا للركوب، ماذا أفعل بها؟ هل أحرث بها في المزارع أم أجلب بها حليباً؟ أنا أحضرتها للركوب فقط، ففعلياً عندما قطعت الذنب حرمت القاضي من ركوبها، ولا منفعة لهذه الدابة إلا في ركوبها، فكان قطع الذنب محمولاً على إهلاك الدابة.

إذاً، القياس كان يقتضي أن يغرم هذا الرجل الذنب فقط، لكننا غرمناه الدابة وعدلنا عن القياس لأن بغلة القاضي بمجرد إتلاف ذنبها كأنك أتلفته كاملاً، فقلنا عليك أن تغرم كل البغلة، كأنك ذبحتها كاملة. فهمتم كيف حصل الاستحسان وعدلنا عن القياس؟ نعم، قال: حتى صارت بالنسبة إلى ركوبه أو ركوب مثله في حكم العدم، صارت في حكم العدم، لا أحد من المسؤولين الوجهاء يستطيع ركوبها. فالزموا الفاعل غرم قيمة الجميع، وهو متجه بحسب الغرض الخاص، وكان الأصل ألا يغرم إلا قيمة ما نقصها.

الغرض الخاص هو الركوب، هذه دابة جابتها الدولة للقاضي لكي يركبها، فإذا قطعت ذنبها فقد أتلف قيمتها. تماماً مثل السيارة التي تصرفها الدولة للمسؤولين، تذهب أنت حاقداً على مسؤول معين في الوزارة فتكرف له شيئاً أو تخرب له الدهان بشيء لا يمكن إصلاحه، حتى لو كان الإصلاح ممكناً، لكن المشكلة في ذنب الدابة أنه لا يمكن إخراجه، والسيارة مثلاً لو أتلفتها بطريقة لا يمكن إصلاحها بحيث لا يستطيع القاضي أو المسؤول الذهاب إلى القصر أو العمل بسيارة مكسرة أمام الناس، فأنت بتكسيرك لشيء معين تريد أن تغرم كل سعر السيارة، لو سعرها 50,000، تريد أن تضمنها كلها، لماذا؟ لأن هذه السيارة أُتيت لركوب المسؤولين الكبار، هذا الغرض الخاص منها، فإذا أتلفْت شيئاً منها بحيث لا يمكنهم ركوبها، فأنت كأنك أتلفتها كلها فتغرم كل قيمة السيارة. وكان الأصل ألا يغرم إلا قيمة ما نقصها القطع خاصة، لكن استحسنوا ما تقدم.

وهذا الإجماع مما ينظر فيه، فإن المسألة ذات قولين في المذهب وغيره، ولكن الأشهر هو ما ذكرناه. الشاطبي يقول: هل هذه المسألة فعلاً فيها إجماع؟ قال: لا، حقيقةً ربما القول الأشهر أنه يجب أن يضمن كل البغلة، لكن في قول آخر يقول لا يضمن فقط قيمة الذنب. يعني الشرط يقول إن المسألة ليست إجماعية، ولكن القول المشهور هو ما ذكرناه، ولكن الأشهر في المذهب المالكي ما تقدم حسب ما نص عليه القاضي عبد الوهاب.

هذه فائدة؛ قراءة مثل هذه الكتب توسع دائرة تفكيرك في المسائل، وتعرف أن للفقهاء نظرات عميقة، والمسألة ليست على الظاهر دوماً، وهذا معنى قول مالك: «من أوغل في القياس كاد أن يفارق السنة». فهمتم ماذا يعني؟ يقول من كان دائماً "قياس قياس قياس"، فليس كل شيء صحيح، فهناك أشياء لا تأخذ حكم نظائرها لأن فيها نظرة مخصصة بها، مثل الأجير المشترك، أو مثل بغلة القاضي، فلا يصير دائماً تقيس.

القياس يؤدي إلى كوارث؛ فالفقيه يعرف متى يقيس ومتى يستحسن، ومتى يعدل عن القياس. قال: «والسابع: ترك مقتضى الدليل في اليسير لتفاهته ونزرته، لرفع المشقة وإيثار التوسعة على الخلق، فقد أجازوا التفاضل اليسير في المراطله الكثيرة، وأجازوا البيع والصرف إذا كان أحدهما تابعًا للآخر».

من الاستحسانات المشتركة ترك مقتضى الدليل الشرعي في الكميات اليسيرة التافهة؛ أي ألا تفعل الدليل الشرعي في الأشياء اليسيرة التافهة المحتقرة، هذا من الاستحسان، وإن كان الأصل أن الدليل الشرعي يجب أن يفعل في القليل والكثير، لكن ترك العمل به في القليل التافه هو عدول بالمسألة عن حكم نظائرها استحسانًا لرفع المشقة وإيثار التوسعة، وهذا أنا أسميه استحسانًا للمصلحة أيضًا، وإن كان هم يسمونه استحسانًا لرفع المشقة، بس رفع المشقة هو نوعًا من المصلحة.

كيف ذلك؟ الآن لو أنا معي عشرة كيلو تمر، بدي أبادله مع طن تمر، شو لازم في الشريعة الإسلامية يكون في دلت النصوص؟ لازم يحرم التفاضل ويجب التماثل، صح؟ يعني أنا بدي أبادل طن تمر بطن تمر لازم يكون في تطابق ولا يجوز التفاضل. بس المالكية شو قالوا؟ طب لو كان فلان معه طن وحبتين، بس حبتين تمر، وأنا معي طن، يعني زيادة على الطن كم؟ حبتين فقط، يعني ما يساوي غرامات فرضًا، هل يجوز أن يتم التبادل هذا؟

قال المالكية: يجوز هذا التبادل، ليه؟ لأن التفاضل هنا تفاضل في الشيء التافه، فلا نعمل دليل التحريم فيه، هل أنزله على هذه المسألة؟ قالوا لا يعمل فيها، ليه؟ لأن التفاضل هنا تافه لا يكاد يذكر، خلص طن وطن وزيادة حبتين، الحبتين لو نظرنا إليهم في الكومة الكبيرة بيطلعوا شيء، فهل يعمل بمقتضى دليل تحريم التفاضل هنا ولا يترك؟ قالوا يترك لرفع المشقة، يعني صعب يطلع طن بالسنتي بيني وبينك، بس هي في المراطله الكثيرة. أما إذا كانت المبادلة ابتداءً حبتين بحبتين، هنا بدك تطبق مقتضى الدليل؛ فرق بين واحد شاري خمسة طن رز يبادله بخمسة طن رز، وبين واحد شاري كيلو رز بكيلو رز، هون بتفرق الأشياء اليسيرة، لكن خمسة طن بـ خمسة طن زيادة غرام واحد مش رح تفرق، هذا معنى قولهم إنه يتجاوز في مثل هذه الأمور.

قال: «وأجازوا البيع والصرف إذا كان أحدهما تابعًا للآخر، وأجازوا بدل الدرهم الناقص بالوازن لنزر ما بينهما». قضية هل يجوز أن يجمع في صفقة واحدة بين بيع وصرف؟ أي قبع، الأصل أنه لا يجوز، لا يحل سلف وبيع كما قال النبي ﷺ، لكن أجازوه إذا كان أحدهما حصل تبعًا للآخر وليس مقصودًا كل واحد بذاته، بس هي مسألة مش وقت شرحها.

قال: «وأجازوا بدل الدرهم الناقص بالوازن لنزر ما بينهما». ايش يعني؟ الآن إذا أنا بدي أبادل درهم بدرهم، قديما كانت الدراهم لما يتم تبادلها لازم توزن، وكذلك الذهب، الدنانير الذهبية كان قبل شيء لازم توزن حتى يتأكد أن هذا الدينار الذهبي كم وزنه ودينارك كم وزنه، لأن رح نتبادل بالوزن. قال أجازوا بدل الدرهم الناقص، يعني اللي ناقص شوي في وزنه. الآن خلينا نحكي الدرهم، نعتبر أن الوزن المتعارف عليه يكون أربعة غرام، واحد درهمه كان أربعة غرام، والثاني درهمه يعني 3.93، هل يجوز أني أبادل درهم بدرهم في هذه الحالة؟

قالوا خلص، أحيانا العرف ترى ينتشر ويصير، هذا فقال المالكية: إذا كان درهم ناقص بدرهم وازن، فما في مشكلة أن تتبادل وإن كان في اختلاف في التفاضل هنا، يعني هم مش بنفس القيمة الصرفية، أن هذا درهم جاي بالضبط وازن أربعة غرام وأنت درهمك جاي ناقص شوي 3.93، بس قالوا هذه الـ 0.07 غرام مش مشكلة يعني يتسامح فيها. فهذا كله من الاستحسان، وإلا كان الأصل والقياس ألا يتسامح حتى في الغرام الواحد. شو اللي خلى المالكية يقول بالاستحسان هنا؟ إنه لو بدنا نحاسب الناس على هذه الغرامات البسيطة بتصير في مشقة، بتصير الحياة صعبة، بدي أجيب لك غرام، لا أنت أربعة غرام وشحطة، وقف التبادل! قال بتشق على الناس مثل هذه الأمور، وكلام المالكية حقيقة علميًا دقيق، يعني الشريعة لا تأتي بما يشق على الناس.

فإذا كان مقتضى الدليل التحريم، وهذا إخواني نستعمله حتى كمفتين أو كفقهاء في حياة الناس. حتى حكيتها أمبارح لكم، كنا نحكي في أي مسألة أمبارح، مسألة كنا نحكي في الزواج والخطبة، لما قالوا لي إنه مثلاً الأصل والقياس العام ما هو أن الشاب الأجنبي لا يجلس مع الشابة الأجنبية ويتكلم معها، بالتالي قلنا لا يجوز، أنت رايح تخطب بنت لسه ما تم العقد، الأصل بصير تأخذ أريحيتك معها وتتبادل أطراف الحديث؟ لسه ما صار، الأصل ما بيصير ذلك لأنها أجنبية عنك لسه أنت ما عقدت عليها.

بس من باب حتى لا يقع الناس في المشقة والحرج، أحياناً بصير أنه خلص صار في ركون واتفاق أنه بدنا نتزوج والآن نحن في مرحلة تجهيزات الخطبة، لو بدي أمشي على مقتضى القياس شو بدي أحكي؟ أوعك تحكي معها، ليش؟ لأنه لسه ما صار الإيجاب والقبول فهي ما زالت أجنبية عنك، لو بدك تمشي على مقتضى القياس والإيغال في القياس رح تستمر على القول بأنه لا تتبادلوا أطراف الحديث لأنها ما زالت أجنبية عنك، لكن كما قال المالك من باب رفع المشقة شوي، إنه هو بده خلص صار في ركون، الجماعة بدهم إياه وأنا بدي إياهم وبدأنا نجهز، فلو أنه صار شيء من الكلام بين هذا الشاب وهذه الفتاة مما ليس حرامًا ولا عشقًا، يعني يطمئن عليها: كيفك يا فلانة؟ كيف صحتك؟ إن شاء الله بخير، وهي بتطمئن عليك، برسل لها رسالة واتساب على هالصباح، لو كانت العلاقة بينهم ما في خطبة هل راح أسمح له بذلك؟ لا، لأن القياس يقتضي عدم وجود تواصل بينك وبين فتاة أجنبية.

عنك، صح لو كان في ركون ما رح نسمعه، رح نبقى على القياس. لكن لما صار في ركون، حتى لا يكون في مشقة كبيرة، وحتى لا يكون هناك إغلاق تام للمنافذ ومن باب بناء الألفة، نريد أن يبدأ شيء من الألفة. نحن الآن في إجراءات الزواج، يعني إجراءات العقد، فمثل هذا لو سلم عليّ سلمت عليه، اطمأن عليّ اطمأننت له.

ممكن أحياناً، زي ما حكينا، يمكن يخرج معها في السيارة ويكون مثلاً هي في مكان معين، فاعتبرته تاكسي، يا سيدي خلته تاكسي ووصلها عشان تعمل فحص الثلاثية ومشان يتأكدوا أن الجينات مطابقة، أحياناً ممكن يوصلها لتأتي بدلة الخطبة. في هناك مساحة، أنا أعرف أن القياس يقتضي عدم وجود أي توسعات، فالقياس أنه ما زالوا أجنبيين، لكن كما قلت هذا الشيء اليسير التافه اللي بيحكوا عنه؛ الكلام اليسير، التعارف اليسير، المشاوير اليسيرة بدون خلوة، يبقى فيها مجال والله أعلم، حتى لا يكون هناك إغلاق تام للمنافذ، ويتعرف كل شخص منهم على الآخر بشكل أدق.

لكن كما قلنا بحدود الشريعة، يعني ما بصير كلام يكون خارج إطار المصلحة العامة، كلام من الحب أو ما شابه، لأنه ليست زوجتك. ما بصير خلوة معهم، صح؟ ما بصير الساعة 12 بالليل وياها قاعدين. فبالتالي المتنفس هو متنفس يسير على قدر الحاجة بسبب وجود الركون، وهذا معنى أنه يترك مقتضى الدليل في اليسير التافه.

فهمتوا؟ بس هذا مين اللي ينزل هذا الكلام؟ بده نوع من الفقه يا إخواني؛ لأن بعض الناس بيفكر حاله أنه صار فقيهاً، وبيصير يحكي: "خلص هذا من الفقه، اليسير التافه"، وبيكون مصيبة، مش يسير تافه، بيعمل لنا مصيبة وبيقول لك: "أنا تركت مقتضى الدليل في اليسير التفه"، وبيكون مصيبة كبيرة. فلا، هذه الأمور اللي بده يحسبها، بده يكون نوعاً ما فقيهاً في واقعه، فقيهاً في الدهاليز الموجودة في زمن الناس، وفقيهاً في العواقب التي يمكن أن تحدث.

لا تسمعوا لأي شخص يفعل هذا الاستحسان إلا لفقيه يعرف ما الذي يمكن أن تتسامح فيه الشريعة للمشقة، وما المقدار الذي لا تتسامح فيه الشريعة. فهذا المثال السابع مثال مهم، وله نماذج كثيرة في واقع الأمة اليوم، لكن يحتاج إلى فقيه حتى ينزله قضية "ترك مقتضى الدليل في اليسير التافه"؛ لأن بعض الناس، أو بعض حتى إخواننا المشايخ، أنا أحياناً بحضر بعض برامج الفتوى، بشوف برامج بعض المشايخ، هيك مش تارك متنفس، فتوته جامدة بطريقة أنه لا يوجد متنفس.

أنت أحياناً لما لا تترك متنفس المشقة الزائدة، بتخلي الناس برضه تترك الحكم الشرعي بالكلية. نحن وين بنخاف؟ نخاف أن إغلاق المنافذ تماماً لآخر مربع بيخلي العامة، مع شدة المشقة اللي شاعرين بها في حكم الشيخ، أن يتركوا الحكم كله ويتسلقوا على شرع الله. بخلاف لما أنت كفقيه تعطي الحكم وتعطيه متنفس اليسير التافه الذي فعله لا يؤدي إلى نقض مصلحة الحكم؛ بصير هذا المعنى عنده مساحة، بيقول لك: "خلص في متنفس يسير بصبر عليه لحتى ربنا يفرجها". أما لما أنت تغلق المتنفس تماماً، بتصير بعض الفتاوى فيها مشقة زائدة، ولا أعبر هذا من الفقه حقيقة، بل لا أعبر هذا من كمال فقه المفتي، والله أعلم.

الأصل أن التفاضل حرام، سواء طرأ طرفاً أو لم يطرأ، المفروض أن التسامح بين الناس لا مدخل لهم فيه في ذلك، والتفاضل هذا هو حرام. يعني أنا فهمت أنه وجه التجويز هنا أن الناس يتسامحون بهذا الفرق. طيب، مش الأصل أنه لو فرضنا إذا كان التسامح في الكثير أصلاً لا يصيره حلالاً، لماذا نعتبر هنا أمراً جائزاً؟ لأن هنا هذا شيء تافه يسير، لو أنني سامعت الناس من هذا التفاضل اليسير لشق ذلك عليهم، لقالوا لصعوبة أن تجد درهمين متطابقين تماماً في الوزن. صعوبة أن يكون درهمين تماماً في الوزن صعبة، لأن الدراهم كان يكثر فيها الغش، يكون فيها شيء من النحاس وهكذا.

القضية ليست قضية تسامح الناس، بل قضية ما بينهما من الفرق مع صعوبة وجود التساوي التام دوماً، ألا يكون في فرق غرامين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة؟ نعم، والأصل المنع في الجميع لما في الحديث من أن: «الفضة بالفضة والذهب بالذهب مثلاً بسواء، وأن من زاد أو استزاد فقد أربى». ووجه ذلك أن التافه في حكم العدم؛ يقول التافه في حكم العدم، واليسير يعامل معاملة كأنه مش موجود، ولذلك لا تنصرف إليه الأغراض في الغالب، لذلك ما بتلاقي الإنسان بدقق على غرام أو غرامين، الناس ما بتدقق على غرام أو غرامين في غالب أمورها، أو قرش أو قرشين.

وإن المشاحة في اليسير قد تؤدي إلى الحرج والمشقة، وهما مرفوعان عن المكلف. جميل، هذا هو الدين، هذا هو العلم. هذا الكلام علم؛ بعلمك كيف تفتي، كيف تنظر لواقع الأمة، كيف تتعامل مع مسائل الناس اليوم. العلم والفتوى مش أن تروح تقرأ فقط متناً على المذهب الحنبلي أو الشافعي وتبدأ تنزل مباشرة، لا، هي قواعد عظيمة في الدين: متى تعطي مساحة، متى لا تعطي مساحة، متى تنزل الحكم كما هو، ومتى تعدل فيه إلى ما هو أولى في الواقعة؛ لأن في مصلحة ظهرت معتبرة أكثر. الفتوى يا إخواني علم ضخم، وكلما قرأت في كلام العلماء وفتاويهم، كلما صار عندك ملكة وتصور أكبر لمساحة الشريعة العظيمة.

والثامن، أن في "العتبية" من سماعي، "الأصبغ في الشريكين يطآن"، "العتبية" أحد الكتب الأساسية في الفقه المالكي. في الشريكين يطآن الأمة في طهر واحد، فتأتي بولد فينكر أحدهما الولد دون الآخر. شريكان اثنان يمتلكون أمة واحدة، وللأسف وطآها في طهر واحد، طبعاً هو حرام أن يكونا في شهر واحد وما يصير، لكن أخطأوا وفعلوا هذه المعصية أن الشريكين وطآ الأمة في طهر واحد، مش كل واحد في طهر، لا، في طهر واحد؛ شوف الورطة، هي حملت وجاءت بولد، طيب لمين بدنا نحسب الولد هذا؟ للشريك الأول ولا للشريك الثاني؟ قال: فينكر أحدهما الولد، واحد من الشريكين أنكر وقال: "هذا الولد ليس لي"، والآخر ما أنكر. طيب، قال: يكشف منكر الولد عن وطئه الذي أقر به، فإن...

نأتي الآن إلى قصة؛ يقولون خلص الولد ليس لك، سنعطيه للثاني، لا، هي قصة. يقول المالكية: نأتي على الشخص الذي أنكر، الذي قال هذا الولد ليس مني، فنقول له: صف لنا طريقة الوطء الذي وطئت به هذه الأمة.

فإن كان في صفته ما يمكن معه الإنزال لم نلتفت إلى إنكاره؛ إذا قال: «جامعتها مجامعة حقيقية تامة لم أعزل فيها وأدخلت الفرج في الفرج»، نقول والله هذا يتصور معه إنزال، فإن إنكاره أنه الولد منك لن نلتفت إليه؛ لأن طريقة الوطء التي وصفها يتصور معها وجود إنزال داخل رحم الأمة، فإنكاره لا عبرة به.

قال: وإن كان يدعي العزل من الوطء الذي أقر به، فقال أصبغ: إني استحسن أن ألحقه بالآخر، والقياس أن يكون طama. إذا وصف الجماع فقال: «جامعت جماعًا فيه عزل»، فما العزل؟ أن يكون القذف خارج الفرج، يعني أنا وطئتها لكن لما جاءت لحظة القذف قذفت خارج الفرج وليس في الفرج. إذا وصف لنا الجماع فماذا يقول أصبغ من المالكية في هذه الحالة؟ في هذه الحالة يستحسن هنا أن ألحق الولد بالآخر الذي لم ينكر، ولا ألحقه بالذي أنكر، خلص هنا نقول خلص إذا الولد ليس لك استحسانًا نلحقه بالآخر.

لماذا هذا يعتبر استحسانًا وليس هو الأصل؟ لأنه ليس هو الأصل؛ الأصل أن الولد للفراش، قال النبي ﷺ: «الولد للفراش». بالتالي متى ثبت أن هناك جماعًا فالأصل أن الولد يلحق، سواء كان في عزل ولا في عزل، أي جماع يحصل بغض النظر وصف صاحبه أنه عزل أو لا، الأصل إذا كان وطء ثبت وأنتج ولدًا فالولد للفراش.

لكن في هذه الحالة، حالة الشريكين اللذين وطئا في طور واحد وجاءت بولد، وواحد قال ليس لي والثاني قال سكت ما أنكر، هنا أصبغ قال: إذا كان وطؤه فيه عزل فاستحسن أن ألحق الولد بالآخر الذي لم ينكر، وإن كان القياس أن يكونا سواء. الأصل أن يكونا سواء وأن الولد مشترك بينهما.

طبعًا كيف طريقة حل هذا في خلاف بين المذاهب؟ البعض قال بالقرعة، كما ثبت عن علي بن أبي طالب أنه أقرع بين ثلاثة، والبعض قال يبقى شريكًا بينهما. لكن المهم أصبغ قال: إذا قال إنه عزل فإنني ألحق الولد بالآخر، وإن كان القياس أن يكونا سواء في أهليتهما بالولد، فلعله... لماذا القياس أن يكونا سواء؟ لأنه حتى الذي عزل، فلعله غلب ولا يدري. أنت ممكن تتصور أنك عزلت، وأنه في لحظة القذف حصل القذف خارج الفرج، ولكن هل أنت متأكد أنه ليس هناك نقطة مني دخلت بالخطأ قبل أن تسحب وتخرج في الخارج؟

هذا معنى قولي، لماذا الأصل والقياس أن يكون الولد شراكة بينهما؟ لأنه حتى الذي عزل في احتمالية أن تكون هناك نقطة مني سُحبت بالخطأ قبل أن تسحب، لأن هذا سبحان الله المني غلاب، من الممكن سبحان الله ينزل وأنت لا تشعر، وهذه سائل منوي قد تكون نقطة واحدة تنجب ولدًا بإرادة الله سبحانه وتعالى، فهل فقدت قضية أنه أنت عزلت وفلان ما عزل؟ هذه ترى ليست مؤثرة قويًا، لكن خلص أصبغ قال استحسانًا أقول إن الولد للآخر، وإن كان القياس يقتضي أن يكونا سواء؛ لأنه حتى ولو كان عزلًا لعله غلب ونزلت قطرة وهو لا يدري.

وقد قال عمر بن العاص: «إن الوكاء قد ينقلب»، وفي نسخة: «قد ينفلت». ماذا يعني؟ في النهاية هذا العضو للرجل عبارة عن قربة، شبهوه بقربة مربوطة، عضو الرجل الذي احتبس في داخله المني عبارة عن قربة، والقربة المربوطة مش ممكن تفرط مرة واحدة، فهكذا يقول عمر بن العاص: «وما يدريك لعل الوكاء ينقلب»، اعتبروه كالقارورة وقد ينفلت منها المني وأنت لا تشعر.

قال: والاستحسان في العلم قد يكون أغلبًا من القياس، ثم حكى عن مالك ما تقدم. قال أصبغ: والاستحسان في العلم، أي في الفقه، قد يكون أقوى من القياس، عشان كذا أصبغ هنا رجح الاستحسان على القياس. ثم حكى عن مالك ما تقدم، ووجه ذلك ابن رشد بأن الأصل أن من وطئ... حكى عن مالك ما تقدم الذي هو أن الاستحسان تسعة، وأشار العلم ورواه أصبغ. وروى أصبغ عن القاسم عن مالك قال أصبغ: في الاستحسان قد يكون أغلب من القياس. وجاء عن مالك أن المغرق في القياس يكاد يفارق السنة. هذا معنى «ثم حكى عن مالك ما تقدم».

ووجه ذلك ابن رشد لكي يبين لنا ما وجهة نظر أصبغ هنا، قال: إن من وطئ أمته فعزل عنها وأتت بولد لحق به وإن كان له منكر، ووجب على قياس ذلك إذا كانت أمته بين رجلين. الآن القياس إذا كانت الأمة يملكها رجل واحد، وهذا الرجل يطاها ويزعم أنه يعزل وجاءت الأمة بولد، نحن متفقون أن الولد يحسب له؛ لأن الأمة ليس لها إلا سيد واحد وهو يعترف بأنه يطاها، لكن يقول: أنا وطأت مع العزل، فنقول: حتى لو وطأت مع العزل إذا جاء ولد من الأمة فالولد للفراش.

قال: والقياس بالتالي يقتضي إذا كانت الأمة بين رجلين فوطئاها جميعًا في طور واحد، وعزل أحدهما وأنكر الآخر، فإن الولد أُدعي من الآخر الذي لم يعزل، فالقاعدة الأصلية تقتضي أن يكون الحكم في ذلك بمنزلة ما إذا كانا جميعًا يعزلان أو كانا جميعًا ينزلان، يعني الأصل نفس الشيء أن يلحق الولد بهما حتى في هذه المسألة. لكن الاستحسان، كما قال أصبغ، أن يلحق الولد بالذي ادعى وأقر أنه كان ينزل، ويبرأ منه الذي أنكر وادعى أنه كان يعزل.

لماذا الاستحسان يقتضي هذا؟ هذا الذي يهمنا، قال: لأن الولد يكون مع الإنزال غالبًا؛ لأنه في الأغلب الولد إنما ينتج نتيجة ماذا؟ إنزال. لأن الولد يكون مع الإنزال غالبًا، يعني في الجماع الذي يحصل معه إنزال، ولا يكون الولد ولا يأتي الولد في الجماع الذي يكون فيه عزل إلا نادرًا، وهذا كلام صحيح من حيث احتمالية أن يأتي ولد مع وجود عزل، لكن احتمالية أن يأتي مع...

وجود إنزال حقيقي كثير، نعم. قال: «فيغلب على الظن أن الولد إنما هو للذي ادعاه، وكان ينزل للذي أنكره، وكان يعزل، والحكم بغلبة الظن أصل في الأحكام». وبالتالي، والحكم بغلبة الظن أصل، فالأغلب أنه هي جاءت من أن هذا الولد جاء ممن أنزل. وله في هذا الحكم تأثير، فوجب أن يصار إليه استحسانا، كما قال أصبغ. انتهى.

وهو ظاهر فيما نحن فيه، عرفنا كيف هنا في استحسان مثال التاسع قبل ما تقدم؛ أولاً من أن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجره. يرجعنا الآن لمسألة دخول الحمام بدون تحديد أجره، وبدون تحديد كمية المياه التي تصرفها في الحمام الشامي، وبدون تحديد كم ساعة ستجلس في الحمام.

قال: «ولا تقدير مدة اللبث، ولا تقدير الماء المستعمل». والأصل في هذا المنع، إلا أنهم أجازوه لا لما قال المحتجون على البدع، بل لأمر آخر هو من هذا القبيل الذي ليس بخارج عن الأدلة. المحتجون في البدع لما استدلوا بهذه القضية، استدلوا بها على ماذا؟ ارجعوا على صفحة 642، أن الأمة قد استحسن الدخول للحمام بلا تقدير لبث.

قال: «ولا سبب لذلك، إلا أن المشاحة في مثل هذه الأمور قبيحة في العادة». يعني التنازع في مثل هذه الأمور قبيح في العادة، فاستحسن الناس المشاحة فيه. يعني في واحد صعب لما تطلع من الحمام يجي يقول لك: أنت ليش قعدت نص ساعة زيادة؟ المشاحة والنقاش في هذا عيب. ولو طلعت أنت من الحمام الشامي فقال لك صاحب الحمام: أنت كم لتر استعملت؟ تقول له: والله أنا لتر ونصف، يقول لك: لا أنت لتر... يعني ما في أحد بيقعد يناقش في الحمامات الشامية بهذه المناقشة، عيب في العادة.

قال: «إلا أن المشاحة في مثل هذه -مدة اللبث وكم لتر- قبيحة في العادة، فاستحسن الناس تركه». إن نقطع بأن الإجارة مجهولة، ومدة الاستئجار أو مقدار المشترى إذا جهل فإنه ممنوع، وقد استحسنت إجارته مع مخالفة الدليل، فأولى أن تجوز.

الآن هذا التعليل يقول الشاطبي في صفحة 642، يقول الشاطبي: مش هو التعليل الصحيح؟ ما هو التعليل الصحيح في إجازة هذه المعاملة؟ خلينا نشوف. قال: «فأما تقدير العوض فالعرف هو الذي قدره فلا حاجة إلى التقدير». أحسنت، أول فكرة هي أن قولهم إن العوض غير مقدر لأن المشاحة قبيحة غلط. مين قال لكم إنه العوض غير مقدر؟ لازم العرف يكون مقدّره.

يعني لو أنت طلعت من الحمام وقال لك: أعطيني خمسة دنانير، وهو الحمام كلياته بسواش دينارين، هل هنا المشاحة قبيحة؟ لا، مش قبيحة؛ لأن صراحةً هناك فرق بين الخمسة دنانير والدينارين. ففعلياً عدم تقدير المبلغ أول ما تدخل على الحمام التركي ليس لأن المشاحة قبيحة، بل لأن العرف أصلاً محدد التسعيرة. فهمتم؟ مش لأنه لو حكى لي خمسة أنا مش رح أناقشه عيب، أنا لا، لأنه هو العرف محدد التسعيرة.

ولو كان العرف مش واضع تسعيرة، ترى ما بتصير المعاملة كلها، يعني بصير تدخل بباص عمان صويلح أو الباصات الرئيسية، والعرف مش حاط التسعيرة، تدخل وتقعد، بعدين بس توصل، تصير أنت وياه تتفقوا على التسعيرة، ما بصير. شو اللي خلى الدخول على الباصات والحافلات العامة بدون الاتفاق على التسعيرة جائز؟ شو اللي خلاه جائز؟ إنه العرف عامل تسعيرة، فأنا مش محتاج كل ما أدخل أقول يا صاحب الباص كم التسعيرة؟ ربع؟ ما هو خلص العرف معروفة، فما رح نختلف في النهاية.

فبالنسبة لتقدير العوض، العرف قدره فلا حاجة للتقدير، وليس لأن المشاحة ستكون عيباً. لا، هنا بالعكس، ممكن الناس تذبح بعضها إذا وصلت ولم تتفق على التسعيرة. كثير بنسمع مشاكل في أصحاب التكاسي، أنه بيختلف مع الزبون لما يوصل، يكونوا مش متفقين من الأول على التسعيرة والعداد معطل، فلما يوصل للنقطة بيجي بيقول له: لا أنا بدي أربعة دنانير، والزبون بيقول له: لا هي دينار، ويصير بعدين يحكوا معي: الشيخ صار معنا كذا. طيب أنت ليش من أول ما ركبت، لو العداد شغال مش رح تضايق، لكن لما يكون العداد مش شغال شو بيصير؟ بنختلف مع بعضنا. الأصل أول ما أدخل التاكسي أسأل: عمي الطريق من هنا لهنا كم تأخذ عليه؟ دينارين؟ الأول شرط آخره نور، مش هيك المثل؟ أما تيجي آخر شيء بعد ما توصل وتطاحن أنت والشوف، وتقول لي أنا اختلفت معه، طيب هو المعاملة كلها حرام من أول لأنه أنتم مش متفقين مع بعضكم على التسعيرة. إذاً، فتقدير العوض العرف هو الذي قدره فلا حاجة إلى تقدير زائد.

قال: «وأما مدة اللبث وقدر الماء المستعمل، فإن لم يكن ذلك مقدراً بالعرف أيضاً فإنه يسقط للضرورة إليه». وأما قضية مدة اللبث وقدر الماء المستعمل، كم لتر رح تستعمل؟ فالأصل برضه العرف يحدد، يعني بيكون صاحب المحل عارف إنه عادة الحمام كم بياخذ، من ساعتين لثلاث ساعات. والله واحد جاز لي ست ساعات، لا، معناتها هذا احتلال، هذا مش واحد جاي يتربش ويطلع. وكمية الماء المستعمل، العرف أنه الرجل لما بده يستحم يعني بكثيرها كم؟ ثلاثة لتر، خمسة لتر، عشرة. يعني في حد معين، والله هذا الرجل فض لي خزانين، معناتها في شيء غلط، يعني هذا مش كان يستحم، مش هيك الحمام المتعارف عليه.

فبقول لك لماذا لم يتكلم في مدة اللبث وقدر الماء؟ لأنه مش لأن المشاحة في ذلك قبيحة، لا، لأنه العرف حاكم أصلاً، وإن قلنا إن العرف غير حاكم، فإن هنا يسقط التحديد للضرورة إليه، وذلك لقاعدة فقهية وهي أن... شوف القاعدة الفقهية: «إن نفي جميع الغرر في العقود لا يقدر عليه». هي قاعدة عظيمة، وهي تضيق أبواب المعاملات وتحسم أبواب المعاوضات في قاعدة فقهية شو بتقول يا شباب؟ الغرر هو الجهالة، تقول القاعدة: القضاء على جميع أشكال الجهالة في العقود صعب جداً، ما في عقد إلا وقد يتسامح في شيء من الجهالة اليسيرة فيه. ولذلك الشريعة لما تحرم الجهالة -أي جهالة- تحرم الجهالة الفاحشة، يسمى الغرر الفاحش هو الحرام، أما الجهالة اليسيرة التي يغتفر فيها، ما بنشدد على الناس فيها؛ ليه؟ لأنه لو...

بدنا نسكر الجهالة بكل أشكالها فهذا تضييق في أبواب المعاملات وحسم لأبواب المعاوضات؛ فما حدا رح يبيع وما حدا رح يشتري. وهذا شبيه بالمسألة السابقة التي قلناها: ترك مقتضى الدليل، وهو النهي عن الغرر في مثل هذا الغرر اليسير من باب رفع المشقة عن الناس.

أكمل قال: ونفي الغرر إنما يطلب تكميلاً ورفعاً لما عسى أن يقع من نزاع أصلاً. لماذا الشريعة تطالب بنفي الغرر والجهالة في العقود؟ تكميلاً لهذه العقود ورفعاً لاحتمالية وجود النزاع بين البائع والمشتري فيها، فهو من الأمور المكملة فهو تكميلي. قال: والتكميلات إذا أفضى اعتبارها إلى إبطال المكملات سقطت جملة. شوف الكلام الفخم هذا، كلام الأصوليين!

نحن في الشريعة الإسلامية لماذا نمنع الغرر والجهالات في البيوع والإجارات؟ حتى لا يصير نزاع، فوجود الغرر والجهالة هو شرط تكميلي للبيع والإجارة حتى لا يقع النزاع. فإذا كان التدقيق في الشرط التكميلي سيفضي إلى ترك الناس للمعاوضات أساساً، أصبح هذا التدقيق غير مراد شرعاً. فهمتم هذه القاعدة؟ لما يصير في تدقيق زائد على نفي الغرر الناس شو بتحكي في النهاية؟ يا أخي بطلنا نبيع ونشتري، إذا أنتم كفقهاء بدكم تسكروها بهذه الطريقة والتدقيق على كل غرام ونصف غرام، هذا ما عاد حدا رح يقبل يبيع ويشتري. فيقول القاعدة: والتكميلات إذا كان اعتبارها والتدقيق فيها يفضي إلى إبطال المكملات -التي هي البيوع والإجارات والعقود- فهنا سقطت هذه التكميلات تحصيلاً للمهم، وهو استمرار المعاملات تجري بين الناس لأن هذه فيها اقتصاد وحياة الأمة حسب ما تبين في الأصول.

هذه مقاصد الشاطبي، ليش الشاطبي إمام في المقاصد؟ لأنه بيعرف القواعد المقاصدية، أن الأمور التكميلية لا يجوز أن تؤدي إلى إبطال المكملات. إذا كان التدقيق في التكميلي يؤدي إلى إبطال الأصل فهذا معناه أننا لا نراعي التكميل بهذه الدرجة. أليس كذلك؟ لا يراعى التكميل إلى هذا المستوى.

أكمل قال: فوجب أن يسامح في بعض أنواع الغرر التي لا ينفك عنها؛ إذ يشق طلب الانفكاك عنها. إذاً فهذه القاعدة تقول: وجب أن يسامح في بعض أنواع الغرر والجهالات في البيوع التي يصعب الاحتراز منها حتى لا يؤدي ذلك إلى إبطال الأصول. قال: فسمح المكلف بيسير الغرر لضيق الاحتراز مع تفاهة ما يحصل من الغرر، ولم يسامح في كثيره إذ ليس في محل الضرورة. لذلك نسامح في قليل الغرر ولا نسامح في كثير الغرر.

قال: ولعظيم ما يترتب عليه من الخطر، لكن الفرق بين القليل والكثير غير منصوص عليه في جميع الأمور. هنا المشكلة، يبقى قضية ما هو الفرق بين الغرر اليسير والغرر الكبير؟ يعني متى نعتبر هذا غرراً يسيراً في المعاملة ومتى نعتبره غرراً كبيراً؟ لا يوجد تحديد شرعي. والقاعدة تقول: وكل شيء لا تحديد شرعي فيه ولا لغوي يرجع فيه إلى التحديد العرفي. نرجع للعرف في تحديد الغرر اليسير من الكثير. قال: وإنما نهي عن بعض أنواعه مما يعظم فيه الغرر فجعلت أصولاً يقاس عليها غيرها. فالشريعة ذكرت لك بعض نماذج الغرر في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لتكون هذه النماذج من الغرر هي أصول تقيس عليها كل ما هو غرر فاحش. أنت تجد في الأحاديث النبوية ذكراً لبعض البيوع التي فيها غرر، لماذا ذكرت هذه البيوع المعينة مثل بيع الملامسة والمنابذة وما شابه ذلك؟ حتى تكون هذه البيوع المنصوص عليها أنها غرر ومحرمة نماذج أصولاً تقيس أنت عليها ما هو الغرر الفاحش من الغرر غير الفاحش.

فصار القليل أصلاً في عدم الاعتبار وفي الجواز، وصار الكثير أصلاً في المنع، ودار في الأصلين فروع تجاذب العلماء النظر فيها. بالتالي ما دام القليل والكثير معيار العرف، أكيد رح يصير في خلاف بين الفقهاء. في شغلة أنا رح أعتبرها غرر يسير وأنت تعتبرها غرر كبير، مثل بيع الأضاحي والغنم بوزنها لحماً. اليوم بتروح أنت على بياع الأضاحي بتقول له: أنا بشتريها منك شو ما تطلع لحم الكيلو لحم بخمسة دنانير. بعض الفقهاء يعتبر أن هذا غرر يسير ويجوزه، وجمهور الفقهاء قالوا: لا، هذا غرر فاحش، ما بصير تشتري الأضحية إلا على الوزن وهي قائمة؛ بتحطها على القبان قديش جابت؟ 51 كيلو، قديش الكيلو؟ بدك تبيعني إياها بخمسة دنانير؟ 51 ضرب 5 السعر. أما أنك تشتريها وتقول له: اذبح لي إياها وشو ما تطلع لحم بدفع لك على الكيلو سبعة أو عشرة، طب أنت عارف قديش رح يطلع لحم؟ بيروز نصها دهن، أنت عارف قديش جواها؟ فهمتم وين بصير النقاش؟

هون بعض الفقهاء أجاز بيع الخروف على كم كيلو لحم بيطلع، لكن الجمهور قالوا: هذا غرر فاحش، ممكن هذا الخروف اللي شايفه أنت كله تسمين يطلع، وفي النهاية أنت مفكر يعطيك 25 كيلو لحم صافي ما يطلع لك إلا عشرة، وتلاقي الباقي كلياته دهن وقصص. وهذا أولى حقيقة، هنا لا في غرر فاحش، بس أنا بعطيك معنى كلامي أنه في بعض الأشياء يتنازع فيها الفقهاء ما بين من يراها غرراً يسيراً فيجيزها، وما بين من يراها غرراً فاحشاً فيمنعها.

قال: فإذا قل الغرر وسهل الأمر وقل النزاع ومست الحاجة إلى المسامحة فلا بد من القول بها. ومن هذا القبيل مسألة التقدير في ماء الحمام ومدة اللبث. ومن هذا مسألة الحمامات الشامية، لماذا قلنا إنه نتسامح في كمية الماء التي استعملها المستحم؟ يعني هذا استعمل لترين، هذا استعمل 3 لتر، مش رح يحاسبه صاحب المحل لما يطلع: أنت 3 لتر، لا أنت 2 لتر. هذا يتسامح فيه، كذلك مدة اللبث؛ أنت قعدت نصف ساعة، أنت قعدت 45 دقيقة. التدقيق فيها يؤدي إلى أن الحمامات الشامية تسكر، لأن الناس صعب تضبط هذه الأمور، وأنه بده يدق لك جرس كل ما زدت عن اللترين وبده يدق لك جرس كل ما تأخرت عن خمس دقائق، هي مش حل، بدها تمشي الأمور.

قال العلماء: ولقد بالغ مالك رحمه الله في هذا الباب وأمعن فيه؛ فجوز أن يستأجر الأجير بطعامه وإن كان لا ينضبط مقدار أكله. ابن تيمية قال إن مذهب مالك في المعاملات هو أعدل المذاهب الفقهية، مذهب مالك مذهب عملي. هناك مذاهب فقهية في المعاملات شديدة لا تراعي هذه الأمور التي مالك يراعيها، مذهب مالك بن أنس مذهب عملي يتلاءم مع أصحاب التجارات والأسواق، تجد عنده مخارج وحلولاً ويواجه التحديات التي تواجه الناس في كل زمان ومكان. لذلك مذهب مالك مميز حقيقة في المعاملات المالية. فمثلاً مالك قال: يجوز أني أستأجر أجيراً من الساعة 8 الصبح للساعة 4 المساء، والأجرة التي اتفقنا عليها معه مش 20 ليرة يومياً، لا، بقول: أستأجرك مقابل طعامك وشرابك.

بصير أستأجر أجيراً من الثمانية الصبح للأربعة المساء وتكون الأجرة التي سأدفعها فطور اليوم وغداك؟ كلمة فطور وغداك شو هي؟ ما هو ممكن يكون الفطور حبة بيض وممكن يكون الفطور ما شاء الله صحن حمص وصحن. كلمة فطورك كلمة عامة، طيب غداك شو الغداء؟ ممكن يغديه طناً وممكن يغديه صدر منسف. فلما تقول: والله أنا استأجرتك على فطورك وغداك، الجمهور يعتبر أن هذا غير جائز؛ لأنه فطورك وغداك هذه كلمة فضفاضة، ليست محددة، فيها غرر فاحش. مالك قال: لا، أنا أجيز ذلك، فجوز مالك أن يستأجر الأجير مقابل فطور وغداء، وإن كان لا ينضبط مقدار أكله؛ لأنه برضه في واحد مثلاً يحط له بده يأكل الصدر كله، وفي واحد ممكن يأكل بس شوية رز. طب ما هو أنت شو مقدار طعامك؟ هذه برضه مسألة مشكلة، شو رح ينزل له صاحب البيت وكم رح يأكل العامل؟ ما هو برضه هذه فيها غرر. قال: لماذا مالك سامح فيها؟ قال: ليسار أمره وخفة غطبه. مالك شايف في وجهة نظره أن المسألة يسيرة، يعني شو بده يأكله؟ بده يأكل له يعني حطيت له أنت رز، بده يأكل له مثلاً كمان شوية زيادة، معدة الشخص كم توسع؟

لذلك حتى مطاعم البوفيهات المفتوحة، مش الآن بقول لك البعض أنها محرمة؟ تسمعون بعض المشايخ يقولون أن البوفيه المفتوح حرام، ليه؟ لأنه أنت مش عارف كم رح يأكل، أنت مش عارف هذا الرجل كم رح يأكل ففي غرر فاحش. أنا دخلت على مطعم بوفيه مفتوح، ممكن آكل 10 صحون رز مع دجاج ولحم وسمك وأكون ما شاء الله، وممكن شخص معدته صغيرة أصلاً داخل البوفيه المفتوح بس هو مش ذواقة يأكل له نصف صحن رز. الآن في ناس بتحرم هذا، وفي ناس بتقول لك لا، مثل هذه الجهالة مغتفرة؛ لأنه معروف أن الإنسان وضعه الطبيعي كم رح يأكل رز. هسا الإنسان الشاذ الذي عنده مشاكل صحية ومعدته ما شاء الله بتوسع خروفاً كاملاً، الإنسان الطبيعي الذي وضعه الطبيعي كم يأكل رز؟ ما بين صحنين ثلاثة أربعة، هذا الوضع الطبيعي للإنسان. فقالوا هي بشكل عام صح في جهالة، بس جهالة محتملة؛ معروف الإنسان شو بده يأكل، بده يأكل له سفينة وفخذة وقطعة لحم من هون. حتى أصحاب البوفيهات هم بكونوا حاسبينها، عارفين بشكل عام المتوسط الطبيعي للناس، فلو شخص طلع عن الطبيعي شوي زيادة أو نقصاناً هذا يجبر هذا. فلذلك لما يجيك شخص يقول لك البوفيه المفتوح حرام لما فيه من الغرر، هذه فائدة مثل هذه الكتب، أن تفهم أنه مش كل غرر حرام، مش كل غرر يبطل المعاملة؛ في غرر مغتفر بيمشي وفي غرر فاحش هذا الذي ما بيمشي.

قال: وفرق بين تطرق يسير الغرر إلى الأجل فأجازه، وبين تطرقه للثمن فمنعه. فقال: يجوز للإنسان أن يشتري سلعة إلى الحصاد. أيضاً مالك من سعة سعته أنه سامح أيضاً في الغرر بالنسبة إلى الأجل. الأجل وين بنحتاجه؟ مثلاً عقد السلم، أنا بعطيك هسا 1000 دينار، بقول لك شهر موسم الحصاد بتجيب لي خمس تنكات زيتون أو زيت. هسا كلمة لموسم الحصاد هل هي كلمة دقيقة تعني يوماً معيناً ولا فيها جهالة؟ صراحة فيها نوع غرر؛ لأن موسم الحصاد للزيتون ممكن واحد يحصد في أول 10، ممكن واحد يحصد في آخر 10، ممكن واحد يحصد في أول 11. فلما أقول: جيب لي إياهم للحصاد، هسا كلمة الحصاد كلمة فيها غرر، إنه مش معروف، أنت موسم الحصاد ممكن يكون شهر ونصف، أنت بدك أول الموسم، نص الموسم، آخر الموسم؟ مالك سامح فيها، قال: مش مشكلة، بتقبل. عندنا الحنابلة ما بيضبط، بدك تحدد، والله أنا بدي إياهم أول عشرة، ما في هذه كلمة الحصاد عموماً ما بتضبط عندنا، بدك تحدد موعداً؛ لأن عدم تحديد الموعد يسبب النزاع. هون بيجي الخلاف بين المذاهب، عرفتم؟ يعني بتلاقي مذهباً مثل مالك شوي ميسر الأمور حتى لو في غرر يسير، وفي مذهب بيشدد، بقول لك: لا، بدي أقطع النزاع، خليه يحدد له موعد واضح، أول شهر 10.

قال: أن يشتري سلعة إلى الحصاد أو إلى الجذاذ وإن كان اليوم بعينه لا ينضبط، ولو باع سلعة بدرهم أو ما يقاربه لم يجز، والسبب في التفريق أن المضايقة في تعيين الأثمان وتقديرها ليست، أما لو قال لك شخص: أبيعك هذه السلعة هذا التلفون بدرهم أو ما يقارب الدرهم. شوف شو قال لك: ببيعك إياه بدرهم أو حواليه. بيضبط هذه أو حواليه؟ لا، مالك بقول لك هذه ما بقبلها؛ ليه؟ لأن كلمة ما حواليها والأفهام فيها تختلف. يعني زي واحد قال لك: ببيعك هذا الجوال 1000 دينار أو حواليه، خلص أنت قلت قبلت. هذا عند مالك غير مقبول، ليه؟ هذه فيها غرر فاحش؛ لأن أنت ممكن واحد يفهمها حواليه بدل 1000 دينار 990، وممكن الواحد الثاني فاهمها حواليه بدل 1000 ألف ومئة. يعني هون كلمة حواليه أو ما يقاربه هي كلمة مطاطة، لا تدل على رقم معين، والناس في هذه الأمور في موضوع المال، الدينار تتطاول عليه، يعني الناس في موضوع الحصاد مش مشكلة، ممكن يسامحك إذا تأخرت لك 15 يوماً، 16 يوماً، فالغرر في تحديد الموعد ممكن يتسامح فيه، بجيب لك السيارة اليوم، بكرة بتسامحوا فيه، بس الدينار ما حدا بيسامح. فبالنسبة لهم الغرر في الدينار أشد من الغرر في الموعد.

فلذلك قال: فلو قال له بعتك السلعة بدرهم أو ما يقارب الدرهم لم يجز عند مالك. والسبب في التفرقة أن المضايقة في تعيين الأثمان وتقديرها ليست في العرف كالمضايقة في الأجل؛ لأن الناس بتمشي في الأجل لكن ما بتمشي في الأموال. إذ قد يسامح البائع في التقاضي بالأيام، يعني ممكن تحكي لبائع: بكرة بجيب لك المصاري، بتيجي بكرة: والله قصرت معي تسمح لي بعد بكرة؟ بسامح، بعطيك مساحة. ولكن البائع لن يسامح في مقدار الثمن، على حال قلت له: طيب شو رأيك تنزل لي؟ بقول لك: أنا ما بنزل لك بس أنا بصبر عليك، البياع في العرف بقول لك: أنا ما بنزل.

أنا أشوف الفقه في تحليل المشاهد، ويعضده ما قرأ: قال «ويعضده ما روى عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ أمر بشراء الإبل إلى خروج المصدق». النبي ﷺ أمر بشراء الإبل إلى موعد خروج الساعي للزكاة، موعد خروج المصدق للزكاة، وليس يومًا معينًا؛ فقد يطلع في أول موسم الزكاة، أو في اليوم الثاني أو الثالث، فالأمر فيه نسبية.

فلما أجاز النبي ﷺ شراء الإبل، كأن شخصًا يقول لك: أنا أشتري منك الناقة إلى موعد خروج المصدق، قال ذلك؛ لأن الموعد لا يضبط بيومه ولا تتعين ساعته، ولكن على التقريب والتسهيل. فهذا غرر في تحديد الأجل، لكنه غرر يسير. فتأملوا كيف وُجِّه الاستثناء من الأصول الثابتة بالحرج والمشقة، وأين هذا من زعم الزاعم أنه استحسان العقل بحسب العوائد فقط؟

لاحظ إذا قال: «فتأملوا كيف وُجِّه الاستثناء هنا من الأصول الثابتة»، فالمقصود هنا الاستحسان، وإخراج المسألة من القواعد ما سببه الحرج والمشقة. فما سبب الاستثناء هنا والاستحسان؟ لماذا قُبل الغرر اليسير؟ ما سببه؟ الحرج والمشقة؛ هذا هو الدافع.

قال: «وأين هذا من أهل البدع الذين يزعمون أن سبب الاستحسان هنا أنه استحسان العقل على حسب العوائد فقط دون النظر إلى قضية أن الحرج والمشقة؟». إذاً هذا ليس الاستحسان فقط، بل ناتج من أن العادة تقتضي ذلك؛ أي العادة التي تقتضي أنه إذا لم يُؤخذ بها وقع حرج ومشقة، وليس العادة وحدها دون اعتبار الحرج والمشقة. فهل الغرر اليسير تسامح فيه لأن الناس عادتهم التسامح فيه، أم لأنه في اعتباره مشقة؟ هو بسبب المشقة في اعتباره، وليس فقط لأن العادة جرت بالتسامح فيه، وهذا ضابط مهم في الفتوى.

قال: «يتبين لكم بون ما بين المنزلتين». المثال العاشر والأخير: أنهم قالوا إن من جملة أنواع الاستحسان مراعاة خلاف العلماء، وهو أصل في مذهب مالك ينبني عليه مسائل كثيرة. من جملة أمثلة الاستحسان قاعدة اسمها «مراعاة الخلاف».

ما معنى مراعاة الخلاف؟ إذا كان مذهبي يقول إن هذا الأمر مباح، وفي مذهب ناجٍ يكون هذا الأمر حرامًا، والمسألة في مذهبي -على قواعدها- أنها مباحة، وفي مذهب ناجٍ -على قواعده- أنها حرام، فأقول: سأجعلها عندي مكروهة، ولن أتركها مباحة. لماذا حولتها من مباحة إلى مكروهة مع أن قاعدة مذهبك تقتضي الإباحة؟ قال: مراعاة لخلاف ناجٍ؛ لأنه يراها حرامًا وكلامه له وجهة نظر، وأنا أرى أنها حلال، ولكن مراعاة للخلاف سأقول لأتباعي إن هذا الشيء مكروه، أي الأحسن ألا تفعلوه.

لماذا لا نفعلها يا شيخ وأنت تراها مباحة؟ أقول: أريد أن أراعي خلاف المذهب الآخر، وأن المذهب الآخر له وجهة نظر، وإن كنت غير مقتنع بها تمامًا، لكن تبقى وجهة نظر مقدرة والخلاف فيها قوي. ومراعاة الخلاف متى يطبقها الفقهاء؟ عندما يكون الخلاف قويًا، أما إذا رأيت أن مذهب ناجٍ ضعيف جدًا في التحريم، فسأبقى على أصلي وهو الإباحة ولن أقول بالكراهة، لأن قوله بالتحريم ضعيف جدًا.

مراعاة الخلاف يسلكه بعض العلماء إذا كان الخلاف قويًا، وهو أصل عند المالكية. نأخذ أمثلة عليه؛ قال: «إن الماء اليسير إذا حلت فيه النجاسة اليسيرة ولم تغير أحد أوصافه، فإنه لا يتوضأ به بل يتيمم ويتركه، فإذا توضأ به وصلى أعاد ما دام في الوقت، ولم يعد بعد الوقت».

إنما قال يعيد في الوقت مراعاة لقول من يقول إنه طاهر مطهر ويرى جواز الوضوء به ابتداء، وكان قياس هذا القول أن يعيد أبدًا. المثال يقول: إن الماء اليسير إذا حلت فيه النجاسة اليسيرة ولم تغير -والماء اليسير هو أقل من قلتين- فما هو حكمه؟ عند الحنابلة هذا الماء ينجس بالملاقاة، فالأصل أنه لا يتوضأ به حتى ولو لم تتغير أحد أوصافه، بل يتيمم ويتركه. فإذا توضأ به وصلى، نقول له: إذا كان وقت الصلاة ما زال موجودًا، عليك أن تعيد الصلاة، فتذهب وتتيمم أو تبحث عن ماء آخر وتعيد الصلاة. أما إذا خرج الوقت، فماذا أفتى مالك؟ قال: خلاص لا يعيد.

كيف لا يعيد وهو توضأ بماء يسير وقعت فيه نجاسة؟ إنما قال يعيد في الوقت مراعاة لقول من يقول إنه طاهر مطهر ويرى جواز الوضوء به ابتداء. وكان قياس هذا القول أن يعيد أبدًا، سواء كان داخل الوقت أو خارجه، إذ لم يتوضأ إلا بماء يصح له تركه أو ينبغي له تركه والانتقال عنه إلى التيمم.

لماذا قال مالك إنه إذا كان بعد الوقت خلاص لا يعيد؟ أنا أعتقد أن العبارة فيها خلل في هذه النسخة، وفي نسخة الشيخ مشهور، أنا أعتقد أن العبارة هكذا: «وإنما قال لا يعيد بعد الوقت». مالك يقول لا يعيد بعد الوقت مراعاة لقول من قال إنه طاهر مطهر. بتعرف أن هناك مذاهب تقول إن الماء الأقل من قلتين لا ينجس إلا بالتغير، وهو اختيار شيخ الإسلام، أن الماء اليسير حتى لو سقطت فيه نجاسة لا ينجس إلا بالتغير.

فمالك -وزي الحنابلة- يرى أن الأصل أن الماء اليسير ينجس بالملاقاة، فالأصل إذا لم تجد إلا ماءً يسيرًا وقعت فيه نجاسة ألا تتوضأ فيه وتتيمم، وإذا توضأت فيه فعليك أن تعيد إذا كان الوقت موجودًا، ولكن أين خالف مالك الحنابلة؟ قال: إذا خرج الوقت خلاص لا داعي أن تعيد الصلاة. لماذا يا مالك؟ قال: لأنه في مذهب أصلًا يرى أن هذا الماء اليسير ما دام لم يتغير فهو ما زال طهورًا، فمراعاة لهذا المذهب، قلت بعد خروج وقت الصلاة خلاص لا تعدها.

لماذا قال مالك بعدم الإعادة بعد الوقت؟ مراعاة للقول الفقهي الذي يرى أن هذا الماء ما زال طهورًا، بس مراعاة للخلاف، فهمتم؟ العبارة أنا شايف أنه فيها قلق، إذا بدك تضيف كلمة فقط، وإنما قال يعيد في الوقت فقط ولم يقل بالإعادة بعد الوقت مراعاة لقول من يقول إنه طاهر مطهر، مش مشكلة، بس أنتم فهمتوا الآن كيف يفهم النص.

مثال آخر، قال: «ومنها قولهم في النكاح الفاسد الذي يجب فسخه إن لم يتفق على فساده، فيفسخ بطلاق ويكون فيه الميراث ويلزم فيه الطلاق، على حده في النكاح الصحيح، فإن اتفق العلماء على فساده فسخ بغير طلاق ولا يكون فيه ميراث ولا يلزم فيه طلاق». وهذا نتفق فيه الحنابلة نحن مع المالكية.

ما الفرق عند الحنابلة بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل؟ النكاح الفاسد هو الذي فيه خلاف في حرمته وبطلانه، وأما النكاح الباطل هو الذي اتفقت الأمة على بطلانه، كأن ينكح الرجل أخته أو محرمًا منه، نكاح باطل لأن الأمة متفقة عليه، لكن في بعض أنواع الأنكحة يعتبر نكاحًا فاسدًا، مثل النكاح بدون ولي؛ لأن هذا الجمهور يعني لا يجيزونه لكن الحنفية يجيزونه، فنسميه فاسدًا ولا نسميه باطلًا.

فالسبب في التفرقة بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل عند الحنابلة وعند المالكية إنما نشأ من مراعاة الخلاف. التفرقة هي أن هناك نكاحًا فاسدًا ونكاحًا باطلاً، فما سبب هذه التفرقة؟ ليس أن هناك نصًا قال لي هذا فاسد وهذا باطل، إنما هو اعتبار خلاف المخالف؛ فلما كان النكاح محل خلاف سميناه فاسدًا مراعاة لخلاف ذلك الرجل الحنفي مثلاً، ولما كان هذا النكاح مجمعًا على غلطه سميناه باطلًا ولم تترتب عليه أحكام.

طبعًا سترتب أحكام؛ لأنه إذا قلنا إن النكاح فاسد، فالنكاح الفاسد لا يخرج منه إلا بالطلاق، وإذا مات قبل أن يطلق فهناك ميراث وهناك عدة، وأما النكاح الباطل فلا فيه طلاق، هذا مباشرة فسخ، وليس فيه عدة ولا مهر ولا شيء ولا ميراث.

ومنها: «من نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع وكان مع الإمام، أنه يتمادى مراعاة لقول من قال إن ذلك يجزئه، فإذا سلم الإمام أعاد ذلك المأموم». مسألة من نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع وكان مع الإمام، يعني شخص نسي تكبيرة الإحرام، تعرفوا دخل المسجد شاف الإمام راكع، شاف الإمام بده يلحقه في الركوع، نسي تكبيرة الإحرام وكبر تكبيرة الركوع فقط، قال إنه يتمادى. هل نقول له صلاتك باطلة؟ هذا الشخص الذي نسي تكبيرة الإحرام وقبل للركوع، ماذا يقول له مالك؟ الأصل أنه هذا غير صحيح، ما الذي عمله غلط، لكن ماذا قال مالك؟ يتمادى.

أنه خلاص ما نقول له صلاتك باطلة، ليش ما أبطل مالك صلاته؟ مراعاة لقول فقهي يرى جواز ذلك، عند مالك هذا لا يجوز، لكن إذا عمله خلاص عمله، كبر للركوع ولم يكبر تكبيرة الإحرام، مالك يقول يتمادى، يكمل صلاته مراعاة لقول من قال إن ذلك يجوز الاقتصار على تكبيرة الركوع دون تكبيرة الإحرام. ترى في قول فقهي يقول هذا، ولكن ماذا يقول مالك؟ أنا لن أبطل صلاتك، لكن إذا سلم الإمام أعاد هذا المأموم، طبعًا أعاد، هل يقصد إعاده كل الصلاة أم أعاد الركعة؟ يظهر إعاده كل الصلاة، أعاد هذا المأموم الصلاة.

ولكن هو بس كان هدف مالك أنه ما نقول له صلاتك باطلة، خلاص صلي معه، بس إذا سلم الإمام بدك تعيدها لأنك لم تأتِ بتكبيرة الإحرام. فمالك راعى الخلاف في تصحيحه للصلاة، لكن لم يعتبرها صلاة فرض وإنما سنة، كأنك صليت مع الإمام سنة. وهذا المعنى كثير جداً في المذهب، ووجهه أنه راعى دليل المخالف في بعض الأحوال؛ لأنه ترجح عنده فيها ولم يترجح عنده في بعضها فلم يراعِه. إذاً فكرة مراعاة الخلاف؛ ركز في هذا الكلام الدقيق من الشاطبي: رجح دليل المخالف للمذهب المخالف له؛ لأن دليل المخالف ترجح عند مالك في هذه الصورة التي استثناها، ولم يترجح عنده دليل المخالف في بعضها فلم يراعِه.

قال: «ولقد كتبت في مسألة مراعاة الخلاف سؤالاً إلى بلاد المغرب وإلى بلاد إفريقية لإشكال عرض فيها من وجهين، أحدهما مما يخص هذا الموضع على فرض صحتها، وهو ما أصلها من الشريعة وعلامة تبنى من قواعد أصول الفقه، فإن الذي يظهر الآن أن الدليل هو المتبع، فحيث ما صار إليه وما تم ترجحه للمجتهد أحد الدليلين على الآخر ولو بأدنى وجوه الترجيح وجب التعويل عليه وإلغاء ما سواه على ما هو مقرر في الأصول، فإذا رجوعه عن المجتهد إلى قول الغير إعمال لدليله المرجوح عنده، وإهمال للدليل الراجح عنده الواجب عليه اتباعه، وذلك على خلاف مراعاة الخلاف؛ مسألة مشكلة، أنت ترى أن المسألة على الإباحة ومخالفك يراها على التحريم، أنت ترى أن دليل المخالف مرجوح، فكيف تراعي الدليل المرجوح وتترك الدليل الراجح لديك؟».

فهمتم الاستشكال؟ هي فكرة مراعاة؛ يعني أنت لما تقول إن الصلاة خلاص بعد الوقت لا تعيدها، كيف لا تعيدها وأنت ترى أن هذا الماء... فكيف قلت لي لا تعيدها وأنت ترى أن الماء وتعتبر أن دليل المخالف مرجوح في تطهيره؟ هذه صعبة فعلاً وهي مشكلة.

قال: «فأجابني بعضهم بأجوبة، منها الأقرب والأبعد، إلا أنني راجعت بعضهم بالبحث، وهو أخي ومفيدي أبو العباس ابن...». يعني حتى الشاطبي نفسه هو استشكل المسألة، أنتم فاهمين؟ الشاطبي يستشكل على العلماء: هذه المسألة أنا لست قادراً على استيعابها، كيف يتم مراعاة الخلاف؟ قال: «فأجابني مجموعة من المجابين بأجوبة، منها الجواب القريب ومنها الجواب البعيد الذي لم أقتنع فيه، إلا أنني راجعت بعضهم بالبحث وهو أخي ومفيدي». شوف الكلام الجميل، الإنسان الذي يتكلم عن أقرانه بأدب؛ أبو العباس ابن القباب.

قال: «فكذب لي بما أردت أن أثبته هاهنا لأن فيه شرحاً لما نحن فيه، وذلك أنه كتب إلي بما نص...». شوف ماذا قال أبو العباس ابن القباب في توجيه هذه المسألة: «وتضمن الكتاب المذكور عودة السؤال في مسألة مراعاة الخلاف، وقلتم إن الرجحان إحدى الامارتين على الأخرى إن اقتضى تقديمهما على الأخرى، اقتضى ذلك عدم اعتبار المرجوحة مطلقة، واستشكلتم أن اقتضى تقديمها على الأخرى... يعني ترجح أحد الدليلين اقتضى ذلك عدم اعتبار المرجوح مطلقاً، واستشكلتم أن يقول المفتي: هذا لا يجوز ابتداءً، وبعد الوقوع يقول: هذا يجوز».

كيف يقول مالك: ما يصير تتوظف هذا الماء بس بعد الوقت خلص بمشي لك؟ يعني كيف هذا؟ لأنه يصير الممنوع إذا فعل جائزاً. وقلتم إنه إنما يتصور الجمع في هذا النحو في منع التنزيه لا منع التحريم، إلى غير ذلك.

أنت يا شاطبي، ماذا كان يقول؟ قال: أقصى ما يمكن أن تقوله أنه أنا أرى الإباحة وأنت ترى التحريم، فأنا من باب التنزل أقول إنه مكروه. أما أنه أوصل لمرحلة أنه أنا أرى الإباحة وأنت ترى التحريم، وفي صورة معينة أصير أقول بقولك في التحريم، يعني أن تقول بكراهة التنزيه، هي مفهومة من باب تقريب وجهات النظر. أما أن أقول بالإباحة وأنت تقول بالتحريم، ثم في صورة معينة أقول أنا بالتحريم مثلك وأخالف الدليل الراجح لدي، أو العكس، أنا أقول بالتحريم وأنت تقول بالإباحة أو الطهارة، وأنا في مسألة معينة أترك الراجح لدي وأتبع قولك مع أني أراه مرجوحاً، كيف تصلح هذه؟

قال: وكلها إيرادات سديدة صادرة عن قريحة قياسية منكرة لطريقة الاستحسان. يعني أبو العباس يقول للشاطبي: طريقة تفكيرك واعتراضك صحيح، كيف يمكن الواحد يفعل هكذا؟ تدل على قريحة قياسية، يعني قريحة منطقية بتفكر، منكرة لطريقة الاستحسان. الاستحسان ما هو؟ العدول بالمسألة عن نظائرها. قول أنت يا شاطبي بتفكر بطريقة قياسية جميلة، واضح أنك تكن الاستحسان، وهو أن تترك القياس إلى خيار أولى. والاستحسان وهو المسألة مراعاة الخلاف هي أصلاً من نماذج الاستحسان؛ أنه نحن تركنا أن نقيس المسألة على اضطرادها، وذهبنا إلى مراعاة الخلاف فيها، وهذا شكله من أشكال الاستحسان.

قال: وإلى هذه الطريقة مال فحول من الأئمة والنظار. يعني بعض الأئمة فعلاً هو يميل إلى عدم مراعاة الخلاف أبداً كما يقول أبو العباس، لكن بعض الأئمة يميل إلى مراعاة الخلاف، حتى قال الشافعي: «ولقد ضاقت». ولقد ضاقت العبارة عن معنى أصل الاستحسان كما في كريم علمكم، حتى قالوا أصح عبارة فيه.

تعرفوا أن العلماء اختلفوا في تعريف الاستحسان كما مر معنا، أصح تعريف للاستحسان ما ذكرناه، أنه معنى ينقدح في نفس المجتهد تعسر العبارة عنه، فإذاً هذا ليس هو أحسن تعريف، هذا اعترضنا عليه قبل قليل، قلنا التعريف الصواب أن يقال: الاستحسان هو العمل بأقوى الدليلين، كما قال ابن العربي. المهم، فإذا كان هذا أصله، أي الاستحسان الذي مرجع فروعه إليه، فكيف ما يبنى عليه لابد أن تكون العبارة عنها أضيق؟ بقول لك: إذا كان تعريف الاستحسان نحن لا نعرف نعرفه ومختلفين فيه، فما بالك بفروع الاستحسان؟ كيف بدي أشرح لك إياها وأعبر عنها إذا كان نفس الاستحسان نحن غير متفقين على تعريفه؟ فكيف سنشرح فروعه؟

قال: ولقد كنت أقول بمثل ما قال هؤلاء الأعلام في طرح الاستحسان وما بني عليه، لولا أنه اعتضد وتقوى بوجدانه كثيراً في فتاوى الخلفاء وأعلام الصحابة بمحضر جمهورهم مع عدم النكير. هذا الرجل يقول: أنا كنت سأمشى فعلاً على ترك الاستحسان وعدم مراعاة الخلاف، إلا أنني وجدت لهذا الأصل -وهو الاستحسان ومراعاة الخلاف- أصلاً في فتاوى الصحابة والتابعين، فسكنت إليه النفس وانشرح الصدر ووثق به القلب للأمر باتباعهم والاقتداء بالسلف.

فمن ذلك مثلاً: المرأة يتزوجها رجلان، ولا يعلم الآخر بتقدم نكاح غيره عليه إلا بعد أن بنى عليها. يعني واحدة تزوجها واحد وغاب عنها، جاء واحد ثاني تزوجها وهو لا يعرف أنها متزوجة، ويتزوجها ويبني بها ويدخل بها، فصار في ورطة.

أكمل قال: فأبانها عليه بذلك عمر ومعاوية والحسن رضي الله تعالى عنهم جميعاً، ونسب مثله أيضاً لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكل ما أوردتم في قضية السؤال وارد عليه، فإنه إذا تحقق أن الذي لم يبنِ هو الأول، فأبانها عليه، يعني حرمها من البينونة، أي حرمها عليه بذلك عمر ومعاوية والحسن، ونُسب مثله أيضاً إلى علي. وكأنه يقول: إذا الثاني تزوجها وبنى بها، ولم يكن الأول قد بنى بها، فهنا كانت الفتوى عند عمر ومعاوية والحسن أنه نعتبرها للثاني ولا نعتبرها للأول، مع أن القياس ماذا يقتضي؟ أن النكاح الثاني باطل، بس بجوز الأول ما دخل فيها والثاني دخل.

الآن لو أردنا أن نمشي على القياس، الأصل أن النكاح الثاني باطل، بس الاستحسان اقتضى أنه الأول تزوج ولم يبنِ، بس الثاني -وإن كان جاء على خطأ- صار داخلاً فيها، فمن باب الاستحسان نقول: خلص تعتبر للثاني ولا نعتبرها للأول، نقول لله يسهل أمرك، شوف لك واحدة ثانية أصلح لك، بيني وبينك المرأة هي عملت لك قصة أصلاً.

قال: فإنه إذا تحقق أن الذي لم يبنِ هو الأول، رجع للمسألة نفسها. قال: فدخول الثاني بها هو دخول بزوج غيره، حتى لو لم يبنِ بها الأول، بس في النهاية هو تزوجها، فدخول الثاني بها دخول بزوج غيره، فكيف يكون غلطه على زوج غيره مبيحاً لاستمرار هذا الزواج ومصححاً لهذه المرأة على الدوام؟ كيف صحح العقد الثاني مع أنه جاء على خطأ، ومصححاً لعقده الذي لم يصادف محلاً صحيحاً، ومبطلاً لعقد نكاح الأول الذي هو مجمع على صحته؟ مسألة غريبة هي.

قال: لوقوعه على وفق... يعني النكاح الأول وقع على نص الكتاب والسنة، هذا النكاح الثاني نكاح غلط، كيف تم تصحيحه؟ هذا هو البعد الفقهي الذي ينظر إليه. قال: وإنما المناسب أن الغلط يرفع عن الغالط الإثم والعقوبة فقط، يعني الأصل من الثاني نقول له: أنت لست آثماً لأنك لا تعرف الواقع، أما أن يصحح العقد ويبيح زوج غيره له دائماً ويمنع زوجها الأول منها دائماً، كيف صدرت هي الفتوى من الصحابة إلا على وجه الاستحسان؟

قال: ومثل ذلك ما قاله العلماء في مسألة امرأة المفقود، زوجها غائب عنها أربع سنين فأكثر أو عموماً، يعني لا أحد يعرف أين هو، استشهد في معركة أو غرق في بحر، الله أعلم. أنه إذا قدم المفقود قبل نكاحها من زوج آخر... يعني هي امرأة زوجها غاب عنها، لا أحد يعرف أين هو، سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع، ذهبت لتتزوج، الآن إذا جاء المفقود قبل أن تنكح زوجاً آخر.

فالمفقود هو أحق بها؛ لأنه خلص رجع. وأما إذا جاء المفقود بعد أن كانت المرأة قد نكحت زوجاً آخر، وإن كان بعد نكاحها والدخول بها، ففاتت عليه، فهو منقول للمفقود. سامحنا، هي كانت زوجتك بس أنت والله غبت كثيراً وهي مش عارفة وين أنت فاعتدت وتزوجت وراحت عليك، فاتتك. وإن كان جاء المفقود بعد أن عقدت على الزوج الثاني وقبل أن يدخل بها، فهنا قولان لأهل العلم: البعض رجح رجوعها للزوج الأول، والبعض رجح دخولها أو رجوعها أو أن تبقى مع الزوج الثاني.

هنا ليش في خلاف؟ لأنه لسه ما دخل. أما إذا دخل فيها الثاني راحت على الأول؛ قال فإنه يقال الحكم لها بالعدة من الأول إن كان قاطعاً لعصمته فلا حق له فيها ولو قدم قبل تزوجها، يعني قبل بنائها، أو ليس بقاطع. وأما إذا قلنا إن العدة التي اعتدتها أثناء فترة فقده ليس بقاطع للعصمة، فكيف تباح لغيره وهي في عصمة المفقود؟ مشكلة.

وما روي عن عمر وعثمان في ذلك أغرب، وهو أنهما قالا: إذا قدم المفقود يخير بين امرأته أو صداقها، فإن اختارها بقيت له، وإن اختار صداقها بقيت للثاني. فأين هذا من القياس؟ وقد صحح ابن عبد البر هذا النقل عن الخليفتين عمر وعثمان رضي الله عنهما، ونقل عن علي رضي الله عنه أنه قال بمثل ذلك، أو أمضى الحكم به، وإن كان الأشهر عنه خلافه، ومثله في قضايا الصحابة كثير من ذلك رضي الله عن جميعهم.

قال ابن المعدل: لو أن رجلين حضرهما وقت الصلاة، فقام أحدهما فأوقع الصلاة بثوب نجس، وقعد الآخر حتى خرج الوقت ثم صلاه بثوب طاهر، ما استوت حالتهما. عند مسلم: تقارب، إذا لو أن رجلين حضرهما وقت الصلاة، فقام أحدهما فأوقع الصلاة بثوب نجس، وقعد الآخر حتى خرج الوقت ثم صلاها بثوب طاهر، ما استوت حالتهما عند مسلم ولا تقاربت. يعني أن الذي صلى في الوقت بالنجاسة عامداً، أجمع الناس أنه لا يساوي مؤخرها حتى خرج الوقت، ولا يقاربه، مع نقل غير واحد من الأشياخ الإجماع على وجوب مجانبة النجاسة حال الصلاة، وممن نقله اللقمي والمازيري وصححه الباجي وعليه مضى عبد الوهاب.

المسألة وين المشكلة هنا؟ وقعد الآخر حتى خرج الوقت ثم صلاها بثوب طاهر، الوقت بالنجاسة عامداً أجمع الناس على أنه لا يساوي مؤخرها. يعني هنا الشيخ يرى أن محمد رشيد رضا يقول فيها تحريف، وقد وضع فوق كلمة "عامداً" ثلاث نقاط، يعني فيها مشكلة في النص. وفي سقط وحذف يقول: وبتر في النص، المهم، وعلى الطريقة التي أوردتم أن المنهي عنه ابتداءً غير معتبر، أحرى أن يكون أمر هذين الرجلين بعكس ما قال ابن المعدل؛ لأن الذي صلى بعد الوقت قضى ما فرط فيه، والآخر لم يصلِّ كما أمر ولا قضى.

الذي صلى بعد الوقت قضى ما فرط فيه ولو كان بثوب طاهر صلى؛ يعني الظاهر الذي قعد وما صلى في الوقت كان بإمكانه يصلي في الوقت بس ما صلى وقضاها بعد الوقت بثوب طاهر، هو الآن آثم على أنه لم يصلِّ الصلاة في الوقت، لكنه لما قضاها قضاها بثوب طاهر. والعكس، الذي صلى الوقت بس بثوب نجس عامداً هو غلطان من جانب أنه صلى بثوب النجس عامداً، لكنه عمل صح من أنه صلى الوقت، يعني كل واحد أساء في شيء وأحسن في شيء.

قال: أحرى أن يكون أمر هذين الرجلين بعكس ما قال ابن المعدل. ابن المعدل هو فضل مين على مين؟ لأن الذي صلى بعد الوقت قضى ما فرط فيه، والآخر لم يصلِّ كما أمر ولا قضى شيئاً. إذا ابن المعدل يرى أن الذي صلى داخل الوقت بثوب أفضل من الذي فرط فقضى بعد الوقت بثوب طاهر. هنا ماذا يقول له أبو العباس بن القباب؟ بل بالعكس، الذي صلى بعد الوقت تفريطاً بس بثوب طاهر أحسن من الذي صلى بثوب نجس عامداً. ليه؟ لأنه صلى داخل الوقت بثوب نجس عامداً، لا هو صلى صلاة صحيحة ولا قضى، أما الذي صلى بعد الوقت عمداً، هو صح آثم على التأخير، بس في النهاية صلى صلاة صحيحة بثوب طاهر، فمن أحسن في هذه الحالة؟ الذي صلى بعد الوقت بثوب طاهر أحسن من الذي صلى داخل الوقت بثوب النجس عامداً.

أنا خليني أصلح النص السابق، قال: فقام أحدهما فأوقع الصلاة بثوب عامداً، مش مجاناً، كلمة مجاناً إخواني شيلوها، التي استشكلها محمد رشيد رضا الصواب أن تقول عامداً. من أوقع الصلاة بثوب عامداً، وقعد الآخر حتى خرج الوقت ثم صلاها بثوب طاهر بعد الوقت، ما استوت حالتهما. ابن المعدل قال إيش الأحسن؟ الذي صلى داخل الوقت ولو بثوب نجس عامداً، بس إيش يقول له أبو العباس بن القباب؟ بل بالعكس، الذي صلى بعد الوقت تفريطاً بس بثوب طاهر أحسن، لأن الذي صلى بعد الوقت صح آثم على التأخير بس صلى صلاة صحيحة، أما الذي صلى داخل الوقت عامداً بثوب نجس، لا هو صلى في الوقت صح ولا قضى، فالصلاة ما زالت في ذمته مطالب بها، فمن أحسن؟ الذي صلى بعد الوقت بثوب طاهر.

طيب، قال: «وليس كل منهي عنه ابتداءً غير معتبر بعد وقوعه». هي قاعدة عظيمة في الشريعة، بس في وقت أشرح لكم: ليس كل شيء منهي عنه ابتداءً لا يعتبر بعد وقوعه. لذلك مالك كان يرى أن العقود الفاسدة -أنت عملت عقد فاسد وحضرتك ما سألت الشيخ من البداية، بعد ما راحت البضاعة ووصلت للمشتري وأكلها وأنا أخذت المصاري واشتريت فيها سيارة، اكتشفنا أنه طلع العقد فاسد والشيخ أفتى بحرمته- مالك يرى أن مثل هذه العقود، وإن كانت فاسدة ابتداءً، لكن بعد تفاقم أثرها وتعقد أمورها تقبل آثارها؛ خلص نمشي آثارها؛ لأنه خلص إرجاع الأمور بتصبح أحياناً معقدة، فاحنا بنمشي الآثار وإن كان العقد من حيث البداية منهياً عنه.

وقد صحح دارقطني حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تُزَوِّجُوا الْمَرْأَةَ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُوا الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزِّنِيَّةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا». وأخرج أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها في نكاحها فهي باطلة»، ثلاث مرات، «فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها». فحكم أولاً ببطلان العقد، وأكده بالتكرار ثلاث مرات، وسماه زنا، وأقل مقتضى عدم اعتبار.

هذا العقد جملة، لكن الأصل ما دام هذا النكاح بدون ولي فنكاح باطل، لا تترتب عليه أي آثار. والمرأة التي تنكح بغير إذن وليها فنكاحها باطل.

إذا قلنا النكاح باطل، فهل تترتب عليه أي أثر من الآثار؟ الأصل ما يترتب أي أثر من الآثار، حتى ولو جامعها. لكن الحديث ماذا قال بعد ذلك؟ «فإن دخل بها فلها المهر بما أصاب منها». إذاً الحديث أعطاها بعض الآثار وإن كان النكاح باطلاً، بقوله لو جامعها، هم الاثنين طبعاً نكاحهم باطل وغلط، بس إذا جامع وأزال البكارة فهي تستحق المهر.

استحقاق المهر أليس هو جزء من ترتيب الآثار مع أن العقد باطل؟ إذاً هنا جاءت فكرة أنه شيء لو كان غلط، لكن هذا لا يعني أنه لا تترتب عليه آثار بعد وقوع الغلط بشكل من الأشكال. وهذا فهم عميق لنصوص الوحي حقيقة. لكن النبي ﷺ عقبه بما اقتضى اعتباره بعد الوقوع بقوله: «ولها مهرها بما أصاب منها».

ومهر البغي حرام، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: 29]، والمرأة حكمها زانية؛ هذا العقد بدون الولي شبه بأنه زنا، والأصل مهر البغي والزانية حرام، لكن النبي ﷺ هنا لم يعامل هذه المرأة معاملة الزانية 100%. نكاحها باطل لكن بعد وقوعه اعتبر فيه بعض آثاره فأعطاها المهر ولم يعاملها معاملة الزانية تماماً.

وقد قال تعالى: ﴿لَا تَحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾، فُعل النهي عن استحلالهم بابتغائهم فضل الله ورضوانه مع كفرهم بالله تعالى الذي لا يصح معه عبادة ولا يقبل عمل، وإن كان هذا الحكم الآن منسوخاً فذلك لا يمنع الاستدلال به في هذا المعنى.

ومن ذلك قول الصديق رضي الله عنه: «وستجد أقواماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، ولهذا لا يُسبى الراهب ويُترك له ماله أو ما قل منه على خلاف في ذلك، وغيره ممن لا يقاتل يُسبى ويُملك، وإنما ذلك لما زعم أنه حبس نفسه له». وهي عبادة الله تعالى وإن كانت عبادته باطلة، يعني الراهب وإن كانت عبادته باطلة في الإسلام لا قيمة لها، لكن لماذا قال الخلفاء إن الراهب لا يتعرض له في المعركة؟ نحن نقول: عبادتك باطلة، لكن نرتب عليها بعض الآثار والاحترامات، أنه لا نتعرض لك. فهذا يدل على أن الباطل هل دائماً لا يُعتبر أي اعتبار؟ الراهب لا يتعرض له في كنيسته مع أنه عبادته باطلة؛ لأننا اعتبرنا بعض الآثار والمقتضيات على فعله هذا. وهذا يدل على أن الشيء ولو كان باطلاً يمكن أن يُعتبر من بعض جهاته، فكيف يُستبعد اعتبار عبادة مسلم على وفق دليل شرعي لا يقطع بخطاه فيه وإن كان يظن ذلك ظناً؟

أبو العباس يريد أن يوصل إليك أنه أنت يا شاطبي مستنكر أن مالك يقول إن الصلاة بعد الوقت لا تعاد بالماء النجس مراعاة لخلاف من خالف. فبقوله الآن مالك هو يرى أنه نعم هذا الماء والصلاة فيه باطلة، لكن بعد خروج الوقت وتفاقم الأمر وانقضاء المدة، مالك يرى أنه لا إشكال في أن نعتبر بعض الآثار ونقبل هذه الصلاة وإن كنا نعلم أنها ابتداءً وقعت بماء نجس. فهي مثل فكرة النكاح الباطل التي تُؤخذ فيه المرأة مهرها، ومثل الراهب الذي عبادته باطلة لكن بسببها نحقن دمه. نفس الشيء الذي توضأ بماء وصلى داخل الوقت، نقول له: عيد، طلع الوقت، يعني قد نعتد بهذه الصلاة ونمشيها وإن كنا ابتداءً لا نعتد بها. هي قضية أن كون الشيء منهياً عنه ابتداءً أو باطلاً ابتداءً يترتب عليه بعض الآثار بعد وقوعه؛ قاعدة دقيقة جداً في الشريعة الإسلامية.

قال: «وقد اختلف فيما تحقق فيه نهي من الشارع هل يقتضي فساد المنهي عنه؟» وفيه بين الفقهاء والأصوليين ما لا يخفى عليكم. الحنابلة يقولون إن المنهي عنه فاسد من حيث الحكم الوضعي، وكثير من الفقهاء يقول لك: لا، ليس كل شيء نهي عنه يحكم بفساده.

وإذا خرجت المسألة المختلف فيها إلى أصل مختلف فيه، فقد خرجت عن حيز الإشكال ولم يبقَ إلا الترجيح لبعض تلك المسائل. قال: «وإذا خرجت المسألة المختلف فيها إلى أصل مختلف فيه»، الآن هي المسألة مسألة مراعاة الخلاف، هي مسألة متعلقة بأصول فيها نقاش أصلاً، يعني هي متعلقة مثلاً بمسألة: هل النهي عن الشيء يقتضي فساده؟ قاعدة "النهي عن الشيء يقتضي فساده" متفق عليها أم مختلف فيها؟ مختلف فيها، فمسألة مراعاة الخلاف متعلقة بهذه القاعدة الأصولية المختلف فيها، فإذا كانت متعلقة بقاعدة مختلف فيها فقد خرجت عن حيز الإشكال، ما عادت المسألة مستشكلة.

كما تقول يا شاطبي "أنا مستشكل"، فهذا غلط؛ فهنا يقول له أبو العباس: ما دامت المسألة المختلف فيها عادت في جذورها إلى أصل مختلف فيه، خرجت عن حيز الإشكال، يعني ما عادت خطأ كما تظن، ولم يبقَ إلا أيهما نختار: مراعاة الخلاف أو عدم مراعاة الخلاف؟ مسألة ترجيحية، ويرجع كل واحد لما ظهر له بحثه حسب ما وفق له.

ولنكتفي بهذا القدر في هذه المسألة. انتهى ما كتب لي به أبو العباس، وهو بسط أدلة شهدت لأصل الاستحسان، فلا يمكن مع هذا التقرير كله أن يتمسك به من أراد أن يستحسن بغير دليل شرعي أصلاً. إذاً كل إشكال الاستحسان هو استحسان بالأدلة: بالنص، بالإجماع، بالقياس، بالمصلحة، بالعرف. وأما أصحاب البدع فكل استحساناتهم استحسانات بدون وجود دليل شرعي يتكئون عليه، فلذلك قياس البدع على الاستحسان قياس مع الفارق.

وهذا نهاية المجلس، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.