دخولتسجيل الدخول

الدرس 1 - دفع دعوى التناقض بين الدين والدراسة البيانية لإعجاز القرآن

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام، أرجو أيها الإخوة طمأنني إلى سلامة البث صوتاً وصورة من بعد إذنكم. أرجو طمأنني إلى سلامة البث.

جيد، الصوت والصورة جيدان. أرجو من الإخوة الكرام، سواء الذين هم حاضرون معنا أو الذين يستمعون، أن يتفاعلوا مع البث حتى يصل إلى إخوانهم وتزيد فرصة ظهوره لهم إن شاء الله تعالى.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. كما تعلمون أيها الإخوة، هذه سلسلة أعلنت عنها قبل أيام، ونواة هذه السلسلة وفكرتها، هي كتابات كتبها قبل أيام أحد الدكاترة الأكاديميين المصريين، وهو الأستاذ الدكتور أحمد حسن صبرة. أنا لا أعرفه شخصياً في الحقيقة، عرفته فقط من بعض كتاباته القديمة، وكان على ما كتب في صفحته أنه كان أستاذاً للبلاغة والنقد أو لعلوم البلاغة في جامعة أم القرى.

كانت لي وقفة مع بعض مقالاته، أو مقال من مقالاته قبل عام بالضبط، كان المقال يهاجم فيه فكرة عبد القاهر وفكرة الإعجاز البلاغي للقرآن عموماً، ويقول: إنها لم تُبنَ على أسس علمية، وإنما بُنيت على تسليمات، وعندنا معضلة الأسلوب وما إلى ذلك. فأنا تناولت مقاله هذا في بث محفوظ موجود قبل عام، ربما أضعه لكم في وصف هذا الفيديو بعد المقطع إن شاء الله، أو يضعه لكم بعض الإخوة إذا كانوا يستطيعون الوصول إليه بسهولة. بينت، وكنت حاداً جداً في هذا الدرس أو هذا اللقاء، والسبب في ذلك صرحت به مراراً سواء في المحاضرة أو في خارجها؛ قلت لأنني لم أجد كلاماً علمياً. الأستاذ الدكتور أحمد حسن صبرة كثيراً ما يهاجم المخالفين أو يهاجم بعض الأفراد بأنهم خطابيون وبأنهم عاطفيون وبأنهم مسلمون وكذا، وفي الحقيقة هو غارق فيما يرمي به خصومه العلميين، هو غارق في ذلك.

بعد ذلك، قبل أيام، أرسل إليَّ أكثر من واحد من الفضلاء مقالاً جديداً كتبه، ويتحدث فيه عن العاطفة التي يثير مسألة فيها، ووجدت كلاماً كثيراً جداً، ولا أجد فيه مناقشة علمية. فقلت: لا بأس أن يكون هذا نواةً لسلسلة من المجالس نبين بها، لسبب لا مني طبعاً بعض الأكاديميين على هذا المجلس، وهو أخي الكبير والأستاذ الفاضل الدكتور علي عيسى، رئيس قسم البلاغة والنقد في جامعة الأزهر بأسيوط. فقال: ما كان ينبغي أن تفعل هذا، وكان جرير أفطن منك حينما تجاهل بشاراً وهو صغير. فقلت: والله ما تقولونه جاء ببالي بالحرف، ولكن هناك أمور رجحت أن أتحدث في هذا.

أولاً، الدكتور أحمد حسن صبرة دكتور أكاديمي، وأنتم تعلمون أن للأكاديمية لمعة ورونقاً ما زال موجوداً على ما وصلت إليه الأكاديمية من حال، لكن ما زالت لها لمعة، ما زالت لها فتنة. فإذا أضفت إلى ذلك سكوتي عن ذلك مع علم الجماهير والناس بأنني أتصدى لمقولات هي أقل من ذلك فساداً، سواء تعلقت بالقرآن أو تعلقت بالشعر واللغة؛ فإذا جمعت ذلك إلى كونه أكاديمياً، ربما أدى ذلك إلى افتتان البعض، أو ظن البعض بأننا إنما سكتنا لقوة الحجة. ففي الأخير رجحت، قلت للدكتور علي: أنا رجحت في الأخير جانب الحيطة، الاحتياط لهذه الأمانة ولهذا العمل على جانب شخصي. لو على شخصي أنا بالمناسبة أحب التجنب، لأنني من كلام الرجل، من كلام أي إنسان، أعلم أين يقف، ولا أحب أن أتصدر في جواب كلام فأجد بعد ذلك رسالة تقول لي: لِمَ فعلت يا أبا قيس؟ نزلت يا أبا قيس أو سخفت أو تعاملت مع شيء ما كان يليق أن تتعامل معه. هذا يقتلني في الحقيقة، لأنني أعتز بذاتي حقيقة وأحترمها ولا أهضم حق غيرها، لكن يقتلني مثل هذا اللون. لكن رجحت جانب الدين وجانب الاحتياط، ولأبتعد عن أي تأنيب ضمير أو وسوسة محتملة أنني قصرت، فرجحت هذا الجانب على نفسي.

فقلت: نعمل إن شاء الله تعالى، نتتبع المقالة كلمة كلمة، وأرى. ففي أول بحثي ظهر لي مجموعة مقالات متصلة متسلسلة تحت عنوان واحد، والدكتور جعل قطب الموضوع هو الشيخ محمد أبو موسى، فهي خمس مقالات. وجعل محورها الشيخ أبا موسى تحت عنوان: "الشيخ محمد أبو موسى وإعادة تدوير المعرفة". وفي الحقيقة أنت سترى ربما، نعم هو جعل الدكتور محمد أبا موسى قطب الموضوع، لكنه في الحقيقة قضيته الشاغلة التي أصلاً منها نفذ الدكتور محمد أبو موسى -ليس كل ما ذكره من أنه وعلميته وكذا، سواء وافقته في بعضها أو خالفته بالمناسبة، وسآتي إلى هذا بالتفصيل إن شاء الله- ليس الدكتور محمد أبو موسى، وإنما قضية إعجاز القرآن. فرأيت أن هذه المقالات الخمس، حتى وإن بدأت بها، هي في سياق الكلام في قضية الإعجاز؛ لأنه بعد المقالة الأولى والثانية شرع في قضية الإعجاز.

فالمقالة الأولى بعنوان: صراع جامعة القاهرة وجامعة الأزهر. والمقالة الثانية: مشكلة الشيخ أو قل مشكلاته. والمقالة الثالثة: أوهام الإعجاز. والمقالة الرابعة: الشيخ اللين حيناً، الحاد حيناً أخرى. والمقال الخامس: الإعجاز والمتاهة الأسلوبية. فهي قضية الإعجاز هي ما يشغله. وبعد هذه المقالات إن شاء الله نحن معنا سلسلة مفتوحة، لا تقف على الأستاذ أحمد حسن صبرة، لكن ربما نتجاوز إلى غيره. المهم بعد هذه المقالات الخمس إن شاء الله تعالى يمكن أن له مقالات أخرى، أظن له مقالان آخران يمكن أن نتناولهما كذلك إن شاء الله.

أنا أريد أن أبين بعض الأمور يا إخوة قبل أن أخوض في الأمر؛ لأن الدكتور شكى في كلام له بأنه واجه برد فعل حاد جداً في الدفاع عن الدكتور محمد أبو موسى، وهاجموه وكانوا حادين عليه جداً واحتدوا لأجله. وهو الرجل يقول هنا: أنا لا أساويه، هو يتفوق عليَّ في ميزات ليست معي من جماهيرية أو كذا على ما فهمته. فأنا أبين هنا أنني لست داخلاً في كلامه؛ أنا من قبل لما احتددت، أنا الوحيد الذي لم يتناول كلامه ولم يرد عليه، ويقول: استمعت من محاضرته عشر دقائق ثم تركت. وأنا الوحيد تقريباً فيما أفهم، فيما رأيته أنا، الذي وإن كنت حاداً تناولت كلامه تناولاً علمياً، وقلت: أينما ترمي إليه من الكلام، كما سأفعل اليوم إن شاء الله. ومع ذلك يبدو أنه يتجنب المناطق الخطرة التي فيها نقاش علمي حقيقي، وربما يستمر، والله أعلم، هذا رأيته في كثير من الناس، يستمرون في المناطق التي فيها اعتداء وحدة على الشخصية؛ لأنها ربما تكسب تعاطفاً أو شيئاً من هذا القبيل.

فأنا لست أخوض في هذا، ولست من المهاجمين له لأجل الشيخ أبو موسى. ومن قبل لما تكلمت عنه لم يكن الشيخ أبو موسى موضوعاً لي، وفي إعلاني عن هذه المحاضرات أنا نبهت يا إخوة وقلت: نقد الشخصيات أمر لا بد منه، وهو في حقيقة أو في ماهية المادة العلمية والممارسة العلمية. يعني الدكتور محمد أبو موسى أنا لي عليه نقدات، بعضها أعلنته وبعضها عندي في دفاتر، عندي عليه نقدات منهجية وتفسيرية. أنا لا أقول الدكتور أحمد حسن صبرة هنا وهو يتكلم في المقال الثاني لا أقول إنه وقع في ضلال وخطأ صرف مئة في المئة، لا، أوافقه في أمور، لكن يظل السؤال قائماً: ثم ماذا؟ يعني الانتهاء من قضية الدكتور محمد أبو موسى على ما تريد يؤول إلى ماذا؟ يعني ربما أنا عندي نقدات ليست عند الدكتور أحمد حسن صبرة في الدكتور محمد أبو موسى، وصرحت كثيراً سواء لطلابي أو لبعض المقربين، قلت: الدكتور محمد أبو موسى منهجه ليس منهج محمود شاكر، وقلت هذا لبعض الأكاديميين المتخصصين في مجالس خاصة ووافقوني على ذلك. لكن ليس كل الناس يتحمل الهجوم والضربات والانتقادات والجماهير؛ أنا أتحمل، عادي، ولا يعنيني ذلك بشيء.

فنعم، أنا الآن أؤكد هذا صوناً لنفسي ولضميري الشخصي والعلمي، ضميري الأخلاقي والعلمي. أنا هنا وإن دافعت عن الدكتور محمد أبو موسى في مواطن من باب اتباع الحق فيها، وإن ظهر ذلك، أنا لست هنا أنبري لأجل الدكتور محمد أبو موسى والحمية والعصبية وكذا، ولا أنبري لأجل أحد من هذه الجهة إلا إذا كان تعدياً صارخاً واضحاً. وأنا هنا لا أعترض على أحمد حسن صبرة في كل شيء، لكن تظل المطالبة بالمنهج العلمي وبالموضوعية قائمة، تظل المطالبة قائمة.

طيب، الدكتور له خمس مقالات كما قلت، المقال الأول تحت عنوان -هو طبعاً السلسلة تحت عنوان: "الشيخ محمد أبو موسى وإعادة تدوير المعرفة"-. المقالة الأولى: صراع جامعة القاهرة وجامعة الأزهر. يقول: لا أكره الشيخ ولا أحبه. طبعاً هذا بالنسبة لأي باحث مطلع غير مبشر ببنظر علمي، والحقيقة هي أن الدكتور كما قلت الدكتور أحمد حسن صبرة غارق فيما يلهج به في تهمته غيره، عدم العلمية والعاطفية والتسليم العقلي، وكلامه كثير وعاطفي. "لا أكره الشيخ ولا أحبه"، والله لا يعنيني، أنا بالنسبة إلي لو قال إنه لا يحب الشيخ محمد أبا موسى، ماشي، ثم ماذا؟ يعني ليس عندي هنا قضية أقف عندها، لا مصالح بيننا ولا خصومة ولا منافسة أيضاً. الشخص العالم أو الذي يعمل في العلم لا يحتاج إلى تقديم هذا كثيراً. أنا أحترم الدكتور محمد أبا موسى لكن قبل أن أنقده، وعندي في كتاب "التأسيس" فصل في نقده بالمناسبة، فصل في نقده عندي عليه نقدات أصولية خطيرة ليست سهلة، خطيرة تتعلق به وبتلميذه الدكتور كمال غنيم في كتاب "تذوق الشعر" الذي صدر قريباً قبل سنوات قليلة، نفس الاتجاه والمنهج في مشكلات معينة عندي نقدات عليه، عادي لا إشكال. فلا أحتاج قبل أن أنقده أن أقول: ولكنه العالم الذي.. حتى كأنني أعتذر عن النقد. أنا لا أعتذر عن النقد، كائناً من كان المنقود، والذي يظن سوءاً أو يحمل الكلام فوق ما يحتمل، هذه مشكلته هو، قضيته يتحملها هو ليست قضيتي.

فلذلك هذا الإنشاء كثير جداً في المقام الذي نحن فيه. "لا أكره الشيخ ولا أحبه، لا مصالح بيننا ولا خصومة ولا منافسة بيننا، مقامات متباعده لصالح"، يعني هو الشيخ أحمد حسن صبرة دكتور، يعني يعرض بأن أبا موسى له جمهور وكذا ويتعصبون له لأجل أنه في هذا المجال ومع الدين يعني مع التخصص، فهناك رصيد من عاطفة دينية جاهزة للهجوم. خلاص، أنا لا أرفض هذا أنه موجود، ولا أرفض أن هناك من سيدافع لأجل فقط أنه الشيخ، وهؤلاء لا وزن لهم عندي في العلم والنقد. لكن أنا أقول للدكتور أحمد حسن صبرة: بوصفك أكاديمياً، أنا أغار على هذا الوصف، لا ينبغي أن تذكر ذلك، لا قيمة له. كل ما عندك لو كان موضوع الذي عنده براهين وأدلة واحد، اثنين، ثلاثة، وانتهينا.

ما عندي هو هموم عامة، هموم عامة تصادف أن الشيخ أحد تجلياتها، هذا أسلوب جيد، وما كتبته عنه وأثار ما أثار هو محض ذكريات لي في جامعة أم القرى، أظن كان فيها الدكتور أبو موسى أيضاً، هو محض ذكريات لي في جامعة أم القرى ارتبطت باسم الشيخ. لم أكن أنوي أن أكتب شيئاً عنه، لكن ردود الأفعال التي بدت حادة عند البعض، أو عند بعض من علقوا عندي، أو عند من نقلوا المنشور، أو حتى من كتبوا تأييداً لي أو معارضة، دفعتني إلى الكتابة التي ستمتد إلى بضعة أيام قادمة عن الشيخ محمد أبو موسى. والشيخ كما أرى تجلٍّ لأزمة عميقة في الجامعات العربية ظهرت بوادرها أوائل القرن التاسع عشر، أسف، بمناسبة أنا أطبع المقالات قبل أن أكتب؛ يعني بالنسبة لدكتور أحمد صبرة أو غيره أكتبها حتى أتأملها، أطبعها أسف أطبعها حتى أتأملها وأنظر فيها، يعني حتى لا تسألوا من أين أقرأ، يعني هذه أوراق.

والشيخ كما أرى تجلٍّ لأزمة عميقة في الجامعات العربية ظهرت بوادرها أوائل القرن التاسع عشر حين بدأ علي يؤسس ما يقال عنه الدولة الحديثة في مصر. ما حدث أن المجتمع المصري سار معه في هذا التحديث، لكن سيره كان عجيباً؛ فقد كان يسير إلى الأمام بفعل قوة الضغط التي كان يمارسها محمد علي عليهم، لكن عقله وعينه وقدمه وسائر جسمه كانت تتجه إلى الخلف؛ أي أن المجتمع كان يتقدم بظهره. هذا التشبيه يلخص أزمة المجتمع المصري والعربي حتى اليوم، هو لا يستطيع دكتور أحمد أن...

الآن أنا يعلم الله تجردت وأنا أقرأ هذا الكلام، وأقول: أنا أضع نفسي الآن في طرف شخص محايد، لا أنا أتعاطف معك ولا أنا أتحامل عليك، أنا أريد أن أرى تصديقاً وبرهنة على الكلام وتفصيلاً. هذه صيغة أدبية ستعجب من ينتظر منك مثل هذا، أنت الآن تدغدغ مشاعر الموافقين الذين لا يريدون التراث، الذين يرون أن الزمان قد تجاوز هذا التراث القديم الجامد، الذين يقولون: يا ليتنا كنا مع محمد علي!

محمد علي الذي كان يستعبد المصريين الفلاحين، وكان لا يتكلم العربية، كان يسوسهم بالقرباج. من تظن محمد علي؟ كان يقوم الليل حزيناً على الشعب المصري الذي لا يطيعه؟ أنت يا أحمد حسن صبرة تفهمني، هذا التاريخ الذي تلخصه ليس صحيحاً. محمد علي كان أقرب إلى التركية، كان أقرب إلى أبناء عرقه، سواء التركية بمعناها الواسع العثمانية، كان ألبانياً وكان لا يتحدث العربية، وحتى أنه خشي من التعليم الزائد عند البعض؛ كان يريد فقط تعليماً حتى يسيطر على النهضة التي يريدها في حدوده.

فحتى محمد علي لم يكن مصرياً، ولم يكن عربياً، ولم يكن معتزاً بالعربية، وكان يحتقر المصريين ويسميهم الفلاحين، فكان يسوس الفلاح الحافي. لماذا تخفي هذا التاريخ يا دكتور؟ محمد علي كان نهضة إصلاح، وللأسف المصريون المتخلفون لم يسيروا في ركبه! المصريون الجائعون يا دكتور، المصريون الذين ليس لهم نعال يلبسونها يا دكتور، المصريون الذين عملوا بالسخرة يا دكتور. هذا ما كان، هذه الحقيقة؛ لماذا تصوير دولة محمد علي على أنه لم يكن المصريون على القدر الكافي من انفتاح العقل الذي كان يريده محمد علي؟

محمد علي كان يستعبد المصريين الفلاحين، وأجدادك منهم يا دكتور؛ الذين استعبدهم محمد علي ربما جدك المباشر منهم. تذكر من أي إقليم كنتم؟ لماذا لا تقول إنني مثلاً مصري ولم تتح لنا الفرصة حين بدأ محمد علي يؤسس ما يقال عنه الدولة الحديثة في مصر؟ هذا ما حدث. ما حدث أن هذا الكلام سيدغدغ مشاعر الذين يحبون سماعه، لكن لا يخاطبني ولا يخاطب عقلي. ما حدث أن المجتمع المصري سار معه في هذا التحديث، لكن سيره كان عجيباً؛ المجتمع الحقير الفقير، فقد كان يسير إلى الأمام بفعل قوة. هل كان محمد علي يريده إلى الأمام؟

محمد علي كان يريد للشعب المصري الفلاحين تقدماً وحضارة وكذا، محمد علي عمل البعثات وعمل كذا في من حوليه ممن يعينونه، وقام بأبنية وقام بأشياء وتطويرات لتحسب له، لكنه لم يرفع المصري، لم يهتم للشعب المصري. ولذلك على أي أساس قامت الثورات أو تذرعت بأي شيء تذرعت الثورات العسكرية؟ تذرعت بمثل هذه الأوضاع. أصلاً لو كان الأمر كما تقول، كان الذين سيستجيبون لمحمد علي مهما كانوا قليلين يغيرون وجه مصر الآن، كانت مصر لا تحتاج إلى ثورات بعد ذلك.

الفكرة أن محمد علي كغيره من الترك، كغيره من الذين رأوا الحكم طبقة، واستمرنا إلى هذه اللحظة بالمناسبة، فكرة أن طبقة الحكم طبقة وأن كذا هذه من قديم، من أيام عهد الملكية في مصر وما زالت موجودة هذه الفكرة. صورت أن محمد علي مسكين كان يريد الإصلاح والشعب المتدين الجاهل المصري لم يسمع كلامه ولم يسر في ركابه، محمد علي كان رسول التحديث وهم الذين تأخروا وهم الذين، تحوير ساذج للتاريخ لا يمر إلا على غير مثقف يا دكتور غير قارئ.

لكن سيره كان عجيباً، فقد كان يسير إلى الأمام بفعل قوة الضغط التي كان يمارسها محمد علي عليهم. محمد علي لم يتقدم بالمصريين إلى الأمام، تقدم بقلة تعني تقوية حكمه، وهذا شهادة التاريخ، اذهب واقرأه، ليس كلامه. لكن عقله، عقل الشعب المصري الجاهل المتدين، لكن عقله وعينه وقدمه وسائر جسمه كانت تتجه إلى الخلف، أي أن المجتمع كان يتقدم بظهره. هذا التشبيه يلخص أزمة المجتمع المصري والعربي حتى اليوم.

يا سلام على الاختزال يا دكتور، اختزال شديد يا دكتور، أنا أحتاج إلى احترام عقلي. هذا التشبيه يلخص أزمة المجتمع، يعني أزمة المجتمع تتلخص في أن كان هناك رسول الحداثة، رسول التطوير، رسول المدنية هو محمد علي، والمصريون الجهال الحفاة الفقراء اختاروا الأزهر، ومحمد علي ينظر إليه، ما هو تشبيه بتشبيه، أنا عارف أنني بصنع شكلاً درامياً، لكن تشبيه بتشبيه، أدب بأدب، يعني محمد علي ينظر وفاضت دمعته على خده، ونزلت على التراب بين قدميه، وهو ينظر إلى شعب لم يطعه بأن يسير معه في ركب الحداثة تجاه النور والدولة الحديثة، كان محمد علي حزيناً.

هذا التصوير الذي صورته، هذا التشبيه يلخص أزمة المجتمع المصري والعربي حتى اليوم، هو لا يستطيع أن يدير ظهره لماضيه فحركة جسمه متخشبة، وفي الوقت نفسه لا يرى ما أمامه حتى يتبين موضع قدمه. ويمكن أن نمضي في هذا التشبيه إلى مدى أبعد؛ ففي المقالات العلمية لا بأس لو كنت ستستعمل تشبيهات أدبية، لكن ينبغي أن تكون مؤسسة على تحرير علمي وتاريخي صحيح حتى أسير معك، لكن لو أتيت باللفة الأدبية مع عدم المصداقية التاريخية هذا تلاعب، لكن أنزهك عنه، أنك أيضاً عندك تصورات خيالية ليست حاصلة.

ويمكن أن نمضي في هذا التشبيه إلى مدى أبعد، فنرى جسم المجتمع كتلة مركبة من أفراد استطاع بعضها أن ينفكوا فيستديروا في الوضع الطبيعي لحركة الجسم إلى الأمام، ولكنهم في المقابل لا يستطيعون الفكاك من قوة الجاذبية التي تخلقها تلك الكتلة الكبيرة في هذا الجسم، فيمضون معهم في سيرهم العجيب. طبعاً واضح هنا أن الكلام إنشائي تماماً ولم يضع اليد على الظاهرة الاجتماعية ولم يفسرها، إنما هو كلام أي شخص، كلام شخص سائر متأسف أخذ يعبر عن نفسه بتلمس الصورة البيانية المؤثرة، وهذا ليس ممنوعاً، لكنه ليس موضعه. المطلوب هنا هو أن تحرر الحقيقة.

نعم، ثم اختزال ما يسمى إصلاحات محمد علي وتأسف الفلاحين الحفاة الفقراء، هذا فيه اختزال كبير يا دكتور، ما توقعته منك، ما توقعته منك. شيء ما حدث للجامعات العربية التي لم يكن قد أنشئ أغلبها أوائل القرن التاسع عشر، لم يكن هناك إلا الزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب، والأزهر في مصر بهذا الترتيب التاريخي، وهي جامعات وإن لم تحمل هذه التسمية قديماً، وقوتها وأهميتها ودورها مما لا يمكن الجدال حوله، ماشي. لكن مشكلتها أنها كلها تنتمي إلى التصور القديم للدولة، تنتمي إلى التصور القديم للدولة، الدولة الدينية الملتبسة التي أراد محمد علي أن يؤسس على أنقاضها دولة علمانية.

تأخر إنشاء الجامعات في مصر إلى القرن التالي التاسع عشر، وأنشئت جامعة القاهرة التي قصد منها أن تكون جامعة علمانية تعبر عن الدولة الحديثة في مصر. لكن المشكلة كانت هنا، فجامعة القاهرة لم تنشأ على أنقاض جامعة الأزهر بل أنشئت موازية لها. يعني هو يقول المشكلة هنا أنها لم تنشأ على أنقاض الأزهر، كان يريد أن تنشأ جامعة القاهرة على أنقاض جامعة الأزهر، يعني خلاص جامعة الأزهر لا قيمة لها نهدها وتكون أنقاضاً ونبني، مع أن الدكتور بعد قليل سيقول: أنا لا تظن أنني أطلب نقد الدين بالدال أو نقده بالضاد.

بالضاد كيف لا تطلب نقده ولا نقده وأنت تقول: المشكلة كانت هنا جامعة القاهرة لم تنشأ على أنقاض جامعة الأزهر، بل أنشئت موازية لها، ويعد ذلك مشكلة؟ لاحظوا أنه يفعل كثيراً الدكتور أحمد حسن صبرة، يفعل كثيراً ما يعرف بالمصادرة على المطلوب. المصادرة على المطلوب هي أن يكون المطلوب مقدمة وحجة. خلاص، يعني مثلاً لو جئت لأحد قلت له واحد، فيقول لك ما الدليل؟ لو هو مثلاً متعدد يقول بتعدد الآلهة، تقول له الله الإله واحد، يقول لك ما الدليل؟ تقول له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 1-2]، ما هو أنت هنا استدللت بالقرآن الذي هو فرع عن إيمانك بالإله الواحد، خلاص، فهذا نوع ورتبة من المصادرة على المطلوب.

فهو يصادر كثيراً، يقول لك لكن المشكلة، طيب أين المشكلة؟ يعني أنا من حقي الآن يا دكتور ويا إخوة من حقي الآن أن أسأل، صح؟ أجيبوني إذا كان من حقي أو لا. يا دكتور بما أنك تقر الدين وتقر العلم أن ينفصل عن الدين، لماذا تريد إقامة جامعة القاهرة على جامعة الأزهر، وجامعة الأزهر دينية؟ لماذا لا تقول بفصل الدين عن الدولة وتقوم جامعة القاهرة منفصلة عن جامعة الأزهر؟ لماذا تقول: لكن المشكلة كانت هنا فجامعة القاهرة لم تنشأ على أنقاض جامعة الأزهر؟ لماذا تريدها أن تنشأ على أنقاض جامعة الأزهر؟ فهمتم؟ أنا من حقي أن أقرأ الكلام وأفسره. لماذا تريد لجامعة القاهرة العلمانية أن تنشأ على أنقاض جامعة الأزهر؟ لماذا تريد أن تنفي أن تعدم المرجعية الدينية للناس؟ أنت تعدم الدين، لا تريد ديناً، فلا أدري كيف تفلتت من الدكتور أحمد حسن صبرة هذه العبارة وهو يقول: أنا لا أدعو إلى نقض الدين ولا نقده.

لكن يقول: لكن المشكلة كانت هنا فجامعة القاهرة لم تنشأ على أنقاض جامعة الأزهر بل أنشئت موازية لها، هذه المشكلة عند أحمد حسن صبرة. هل فكر القائمون على جامعة القاهرة وقتها أن هذه الجامعة الوليدة ستكون بديلاً تدريجياً للأزهر؟ لماذا بديل وأنت تقول لا أنفي وجود الدين واسمك أحمد حسن، فهمني، يمكن أنا مش فاهم، يمكن مش واخد بالي. هل فكر القائمون على جامعة القاهرة وقتها أن هذه الجامعة الوليدة ستكون بديلاً تدريجياً للأزهر؟ ربما، لكن الأزهر بدا أرسخ وأقوى وأكثر تجذراً في المجتمع المصري من كل تخيل على اقتلاعه، وما زال كذلك. هنا خلقت أزمة لم تواجهها الجامعات في الغرب.

تعالوا، الدكتور سيبدأ يحكي لك قصة الجامعات في الغرب، وسيبدأ يدخل معك في شيء سأنبهك إليه لأنه خطير يستعمله كثيرون؛ يبدأ يقيس لك المسميات بأسمائها: الجامعات الجامعات، العلم العلم، الشعر الشعر، الشعراء الشعراء، الدين الدين، الكنيسة المسجد. يبدأ يأتي لك بالمسميات وبالأسماء، وتكون القضية والمنظومة مختلفة تماماً، وهذا هو مزلة القدم التي تزل فيها أقدام المساكين غير المطلعين. وهذا ما فعله الدكتور أحمد حسن صبرة هنا كما سترون الآن.

سأوضح لكم القضية، وسأطيل فيها قليلاً لأنها لن تنفعكم فقط مع كلام أحمد حسن صبرة، ستنفعكم عموماً. ولن آتي بشيء من عندي، كما يقول لي بعض الفضلاء، الناس لها عقول. يا سيدي أنا سأقول لكم كلاماً وأنتم لكم عقول، وها أنا أطالبكم ودائماً أطالبكم، وتعلمون مشكلتي أنا أيضاً مع الإسلاميين كثيراً أو مع المسلمين والمطبلين في قضية التجرد النظري، التجرد في النظر يعني، وفي العلم والتحليل، لا سيما في قضية النقد الفني وكذا.

وها أنا أدعوكم إلى التجرد، أدعوكم إلى التجرد تماماً في هذه القضية، وأنصح ومن قديم جداً ألا تسمع إلى الدعاة المؤرخين الذين يخرجون في الفضائيات الدعوية والإسلامية ويحكي لك عن الأندلس وعن صلاح الدين وعن كذا، هو ربما يخيط لك التاريخ لا يعرضه لك كما هو. أنا أريد منك أن ترى التاريخ كما هو، وأن يكون لك حكم، فلا مجال هنا لتهمة بأنك تقول هذا لأنك مسلم. أحدهم قبل يومين قال لي: مشكلتك يا أبا قيس أنك تدافع عن إعجاز القرآن وأنت مسلم تؤمن بالقرآن، الآن يعني يا رجل أكفر الأول؟ هل من قواعد المنهج العلمي حتى أتجرد في البحث أن أكفر؟ ألا يصح أن أتجرد في البحث مع تعطيل عمل الاعتقاد في البحث العلمي؟ هذا المتوجب.

وأعجبني في الحقيقة في هذا السياق كانت هناك مناظرة بين الدكتور الوالد الكريم سعد مصلوح وبين أحد الكويتيين، كان موضوع المناظرة بين الأكاديمي أو الشاب الكويتي والدكتور سعد مصلوح حول تفاضل اللغات وأشياء هكذا. طبعاً أنا توقعت للأكاديمي الآخر أن يأتي بكلام علماء اللسانيات أو يستعمله وهو تخصصه المفترض، لكن كان شخصاً سطحياً هذا الأكاديمي الكويتي، وكان كل كلامه خطابه نحو الغرب والغرب المتقدم والذين تقدموا والذين كذا، كله في حالة انبهار سطحية جداً عجيبة. لكن أعجبني في كلام الدكتور سعد مصلوح، وهو عالم من علماء اللسانيات الكبار، وجدت أنه جرد نفسه من كلام، قال قبل البحث يقول: ينبغي أن نتجرد من كلام الذين يتكلمون بعاطفة دينية ابتداء من باب التصديق، حتى نتجرد في البحث العلمي.

خلاص، ولا أذكر إن كان ذكر منهم ابن فارس أو لا، أو صاحب كتاب الصاحبي وغيره. فأعجبني هذا، إذا أردت البحث تجرد تماماً، وهذا ما ينبغي أن تفعلوه، وما ينبغي أن يفعله الدكتور أحمد حسن صبرة، ما هو الانتساب ليس إلى الدين فقط، هنا توجد مصادرات وتعصبات عجيبة جداً غريبة جداً لا تليق بعمل أكاديمي، فإنا سأبين.

التاريخ من حيث هو وراجعوني فيه، وسأتحدث عن عصور؛ لأن العصور الأدبية تتأثر وتعكس العصور الثقافية كثيرًا، لا سيما عند الغرب. فراجعوا موسوعة كامبريدج للنقد الأدبي مثلاً، وهي موسوعة كبيرة وأنا أدمنها بالمناسبة، ومن يقرأها بغير لغتها فهي موجودة في المركز القومي للترجمة والنشر بمصر.

الذي يُطلب في البحث هو أن تتجرد في البحث، لا أن تخرج من فكرة الدين حتى تفعل ذلك؛ فهذا ليس في العلم أن تتجرد من الاعتقاد، وإنما أن يتجرد بحثك من الاعتقاد، هذا المطلوب. وفوق ذلك، أي كلام فوق تجريد البحث من الاعتقاد هذا كلام مساطب.

يقول: فالجامعات الغربية نشأت نشأة دينية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر في إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، أي في العصور الوسطى، وكان هدفها الأساسي هو التوفيق بين العقل والإيمان، لذلك كانت دراسات اللاهوت هي قلب الدراسات في هذه الجامعات. العلوم الأخرى التي تسمى العلوم الدنيوية كانت هامشية في هذه الجامعات، وكانت تدرس خدمة للاهوت، لكن حدث تحول تدريجي إلى العلمانية بدءاً من القرن الخامس عشر.

حتى تفهموا هذا وأرجع إليه مرة أخرى، أنا هنا مضطر إلى وقفة، وهذه الوقفة كما قلت لن تفيدكم فقط في كلام الدكتور أحمد حسن صبري، بل ستفيدكم في كل محاولة اختزال ستتم في هذه السياقات. أحياناً يحصل يا إخوة أن تخدعوا بهذه الاختزالات، كيف؟ يؤتى لكم كما قلت بالدين، بالشعر، بالأدب، الشعراء، المسجد، الكنيسة، ويبدؤون في إجراء قياس بدهي؛ أنت إذا لم تكن متيقظاً، ماذا يحصل لك؟ تعمل قياساً فوراً: آه صح! وتغفل عن سياق العصور في كل قطر من هذه الأقطار. ولو أنك وازنت هذه العصور، فهمت أن القياس ممتنع، وأنه كما يسميه الأصوليون قياس مع الفارق.

الدكتور أخذك في فكرة الجامعات، هذا ما لم يحصل في الغرب، فقاس لك الدين في الأزهر على الدين في الغرب. هناك تعالَ، سأعطيك خطوطاً عريضة وخلاصة تحتفظ بها من هذه المحاضرة ولعلها تكون أثمن شيء تخرج به وأطوله نفعاً. إذا تكلمنا عن العصور واستعرضناها واعتبرنا كما يؤرخ لها العصور الفكرية والأدبية، سنرى أن الفكرة أو النظرة النقدية اللغوية التعبيرية وما يسمى بنهضة علمية حديثة في أوروبا بدأت من القرن التاسع عشر، عند نشأة أوروبا الحديثة التي كان من إرهاصاتها نشوء الفكر الرومانتيكي الذي كان ينادي باعتبار الفرد وبالنظر إلى الفرد والمشاعر الشخصية وما إلى ذلك، طبعاً هذا كله كان ظلاً لحالة اجتماعية عامة، فالقرن التاسع عشر كان عصر الانفجار الرومانتيكي عندهم.

سبق هذا أربعة عصور. العصر الذي سبق الحداثة -الحداثة بالمعنى الواسع تدخل فيه الرومانتيكية- أي العصر الحديث الذي سبق أوروبا الحديثة كان يسمى بالكلاسيكية الجديدة، وهذا احتل -طبعاً هذه أمور تقريبية- القرنين السابع عشر والثامن عشر. قبل هذا العصر كان هناك ما يعرف بعصر النهضة الذي كان من القرن الخامس عشر إلى بدايات القرن السابع عشر، الذي جاء فيه شكسبير الأديب. قبل عصور النهضة أو قبل عصر النهضة في قرنين تقريباً كان هناك ما يعرف بالعصور الوسطى، تعرفون من أين إلى أين يا إخوة؟ من القرن الخامس، من سقوط الدولة الرومانية وانتصار المسيحية على هيئتها المظلمة، من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر، عشرة قرون تسمى بالعصور الوسطى أو العصور الوسيطة.

قبل هذه العصور، من القرن الخامس إلى ما قبل الميلاد، من عند هوميروس إذا أردنا أن نؤرخها أدبياً إلى مثلاً القرن الثامن قبل الميلاد؛ لأنه ولد عام 750 قبل الميلاد وتوفي عام 700، هذا هوميروس صاحب الإلياذة والأوديسة، هذا العصر القديم يسمى الكلاسيكية، الذي انقسم بين الإغريق اليونان والرومان اللاتين، وظهر فيه أرسطو الإغريقي، وظهر فيه هوميروس، وبعد ذلك ظهر هوراتيوس الروماني اللاتيني صاحب قصيدة فن الشعر. وسميت العصور الوسيطة بالوسيطة لأنها توسطت بين عصرين منيرين: العصر الكلاسيكي، والنهضة والكلاسيكية الجديدة، فسميت العصور الوسيطة.

إذا أردنا أن نأتي إلى هذا التاريخ من الأول؛ من قبل الميلاد مثلاً سنرى الكلاسيكية القديمة، وفيها أقدم شاعر إغريقي ذكرته الآن هوميروس، الذي كان في القرن الثامن قبل الميلاد، وعلى التحديد ولد عام 750 وتوفي عام 700 -طبعاً نسير بالعكس- وهذا صاحب الإلياذة والأوديسة. وفيها سوفوكليس كما يقولون أحياناً نقول سوفليس أو سوفوكولس، وهذا صاحب عقدة أوديب أو صاحب الملك أوديب، يعني الذي أخذت منه بعد ذلك عقدة أوديب، وهذا كاتب أديب كبير صاحب التراجيديا، وكان هذا في القرن الخامس قبل الميلاد. ثم جاءت هؤلاء إغريق، وفي القرن الرابع جاء أرسطو المفكر صاحب كتاب النفس وصاحب فن الشعر.

وبعد ذلك في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، آلت الدولة إلى الرومان، وجاء هنا -أي آلت إلى اللاتينيين بعد الإغريق- وجاء هنا هوراتيوس الإيطالي، وطبعاً بعض الكتب المترجمة تترجم الصيغة اللاتينية فيقولون هوراتيوس، وبعضها تترجم صيغة هي أقرب إلى الإنجليزية هوراس؛ انتبهوا إلى هذا، يعني ليس كتاباً آخر، بعض المراجع تقول هوراثيوس باعتبار الصيغة الإيطالية اللاتينية القديمة، وبعضهم يقول هوراس أقرب إلى الصيغة الإنجليزية أو في الاستعمال الإنجليزي، وهذا صاحب قصيدة فن الشعر، جاء في هذه العصور، وهذا توفي عام 8 قبل الميلاد.

هذه العصور الكلاسيكية القديمة كانت خليطاً، بعد ذلك لما جاء الميلاد وجاءت دعوة المسيح، صارت خليطاً بعد ذلك من الوثنية والتوحيد المسيحي، وحصل ما يعرف بالمجامع ومحاولات الكذا، وتسربت الوثنية إلى بعض الأديان كما تعلمون تاريخياً وكما ذكر في القرآن، تسربت الوثنية بسبب صراع الدعوة المسيحية التوحيدية مع الوثنية الرومانية، وهنا ظهرت هذه الظواهر التي لا تعنينا الآن لكن حصلت الوثنية. ولكن ظل الصراع قائماً، نعم. وجاء هنا الشاعر ستاتيوس في القرن الأول الميلادي، ولد عام 45 وتوفي عام 96، وظلت تزيد سلطة الكنيسة وتنتشر المسيحية وهي في صراع مع الدولة الرومانية القديمة إلى سقوط الدولة الرومانية في القرن الخامس.

يعني من هوميروس في القرن الثامن، هذا عهد كلاسيكي فيه آداب وفيه تنوير وفيه فكر، وجاء أرسطو في القرن الرابع، وهكذا، إلى أن جاء المسيح عليه السلام وجاءت المسيحية وحصل الصراع، وظلت الكلاسيكية قائمة بوصفها فكراً وأدباً، وظل الصراع بين الدين وهذه الدولة الرومانية القائمة إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس، الذي كان به دخول العصور الدينية التي عرفت بالعصور الوسطى.

العصور الوسطى بدأت من القرن الخامس، يحددون ذلك بعام 476، وهو عام سقوط الإمبراطورية الرومانية وسيطرة الكنيسة بالكامل، وظلت كذلك إلى القرن الخامس عشر، وتحديداً يقولون إلى عام 1492؛ حصل في هذا العام شيئان في نفس العام: الشيء الأول هو سقوط غرناطة المسلمة وانتقال علومها وحضارتها ومصنفاتها وكتبها إلى أيدي المسقطين، والشيء الثاني الذي حصل كذلك ما يسمونه اكتشاف الأمريكتين؛ هم وجدوها لكن كان عليها شعب ويعيش وكل شيء، لكن اكتشفوا الأمريكتين فكان ذلك اتساعاً وانتقالاً وثروة، لكن الحدث الأهم كان سقوط غرناطة. سقوط القسطنطينية الذي يقول عنه أخي الكريم كان ذلك عام 1453، وهذا يذكره البعض مؤثراً أيضاً في هذا الوقت.

ما الذي كان في هذا الوقت يا إخوة في هذه العصور التي تسمى عصور الظلام، عصور الدين، عصور سيطرة الدين والنبلاء، عصور رجال الكنيسة كما يقولون؟ الكنيسة بفكرها كانت مسيطرة على كل مناحي الحياة، الكنيسة الكاثوليكية كانت مسيطرة على كل مناحي الحياة، ولا بأس عندهم بأحكام يحرقون فيها العلماء، ويسجنون الشعراء، ويمنعون أي أحد من أن يقول شيئاً. حتى إن الشاعر الذي برز اسمه في هذه العصور كان دانتي، وكان شاعراً دينياً، وفي نفس الوقت لأنه على ما أذكر توفي عام 1321، يعني توفي في القرن الرابع عشر، يعني اقترب من عصر النهضة، كان مرحلة انتقالية ممهدة لعصر النهضة.

في هذا الوقت، هناك حسبة سريعة تستعملها إذا أردت أن توازي التاريخ الهجري عند المسلمين بالتاريخ الميلادي في هذه العصور، احذف ستة قرون بسرعة هكذا تأتي إلى أغلبية القرن الباقي، يعني إذا كنا مثلاً في القرن العاشر، فنحن عند العرب في القرن الرابع؛ احذف ستة قرون تقريبية، أما الحسبة الدقيقة يقولون اطرح 622 واضرب في 1.3، لا علينا، احذف هذه حسبة سريعة تجريها للتقريب والتخيل.

في القرن الرابع الهجري في آخره كان يعيش القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني في القرن الرابع الهجري، يعني ما يقرب من القرن العاشر أو الحادي عشر في العصور الوسطى عندهم، القاضي في قلب العصور الوسطى، قلنا من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر، عشرة قرون، في القرن العاشر والحادي عشر كان ذلك يوازي القرن الرابع والخامس عند العرب والمسلمين. في القرن الرابع كان هناك القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الذي توفي عام 396، الذي قال بالنص في كتاب الوساطة: ولكن الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر.

كان الشعراء يحرقون في الدولة المسيحية، إذاً القياس غير وارد عندنا؛ كانت هناك خلافة ودين قائم، دولة إسلامية قائمة تحارب، تقيم شريعتها، دولة كبيرة ضخمة، وكان الشعراء فيها يمجنون في أشعارهم، وكان النقاد يوازنون الشعر فيقولون: ولكن الأمرين متباينان والدين بمعزل عن الشعر، وكان الأخطل الشاعر النصراني يمشي والصليب على صدره وهو شاعر بني أمية. قبل ذلك في ذروة العصور الوسطى؛ في عام 336 توفي أبو بكر الصولي، يعني في منتصف القرن الرابع، أي كانت أوروبا في القرن العاشر بالضبط في القرن الوسيط للعصور الوسطى المظلمة التي تمنع الشعراء وتمنع العلماء أن يقولوا خلاف ما تعتقد الكنيسة، كان أبو بكر الصولي يرد على بعض من تكلموا عن دين أبي تمام، فقال: وما علمت أن كفراً ينقص من شعر، ولا أن إيماناً يزيد فيه، بالنص.

إذاً القياس لا يجوز، ستقول الإسلام والدين، تعال ندخل في العرب. إذاً هذا يا إخوة ليس كلامي الآن، أنا قلت لكم هذا تاريخ محسوب وواقع، وأيضاً اقرأوا موسوعة كمبريدج، واقرأوا المصنفات في تاريخ هذا النقد، تاريخ البلاغة المترجم حتى بالعربية.

دانتي ظهر الذي ولد عام 1265 وتوفي عام 1321، هذا دانتي هو أبرز شعراء العصور الوسطى ومهد لأفكار عصر النهضة، وهو صاحب الكوميديا الإلهية التي كتبها بالعامية الإيطالية، ومن بعده صار الأدب يأخذ هذه اللغة. نترك الآن...

امرؤ القيس توفي عام 540 من الميلاد. هو كان في بدايات العصور الوسطى، ومن بعده جاء النابغة الذبياني، ثم جرير والفرزدق وصراعاتهما، وجاء الأخطل. وبعد العصر العباسي، كان الشعراء في أوروبا ربما يسجنون ويمنعون من الكلام، بينما كان شعراء العرب في الجاهلية وفي الإسلام ينطلقون. فالشعراء هم الشعراء في الجاهلية وفي الإسلام.

عندكم شعراء يسمون بشعراء الترابادور، وهؤلاء شعراء أتوا وكتبوا الشعر بلغة تسمى اللغة الأوكيتانية، وهي لغة قرينة واخت لأصل اللغة الفرنسية. وهي بالمناسبة موجودة ما زالت موجودة بقلة؛ أدخلوا واكتبوا في اليوتيوب اللغة الأوكيتانية سترون شبها بها من اللغة الفرنسية لأن الأصول متقاربة، وهي لغة كانت مصاحبة لأصول اللغة الفرنسية الموجودة الآن. في القرن الحادي عشر كان شعراء يسمون بشعراء الترابادور، وهم شعراء من جنوب فرنسا. كثير من المؤرخين يؤكد أن شعراء الترابادور الذين في جنوب فرنسا تأثروا بشعراء العرب الذين في شمال الأندلس لقربهم، تأثروا بهم.

عندكم ابن سينا أو الفارابي لا أذكر إذا كان النقل ابن سينا أو الفارابي يقول: كل شعر فيه قافية وهو من العجم، فإنما يحاكون العرب؛ العرب اختصت بالقافية، وكل شعر فيه قافية هو من محاكاة العجم للعرب، عندهم قد يحصل وزن وقد يحصل نبر.

ثم جاء عصر النهضة الذي قلت جاء في القرن الخامس عشر، ويحددونه بعام 1492 إذا أرادوا التحديد. طبعاً هناك إرهاصات؛ هذه عصور لا تحصل بنفس الساعة واللحظة، هي أمور تكون لها إرهاصات، ثم بعد أن تنضج يكون لها توابع للقديم بواقي تندثر وهكذا. لكن حددوها بعام 1492 لما سقطت غرناطة المسلمة بأيديهم، وفي نفس الوقت عثروا على الأمريكتين، فقالوا هنا بدأ عصر النهضة وبدأوا يشعرون بآدميتهم بما وجدوه أو بالانفتاح والعلوم التي وجدوها في غرناطة التي كانت عند المسلمين، والذين أكثرهم أو كثير منهم من أصول عربية. بدأ هنا عصر النهضة الذي امتد من القرن الخامس عشر إلى بدايات القرن السابع عشر.

كانت هذه العصور أشبه بالرومانتيكية لكنها منحلة؛ حتى بعض الباحثين يسميها بالرومانتيكية الأولى، تخيلوا نظروا فيها إلى الذاتية. لكنها تختلف عن الرومانتيكية الحالمة الناظرة إلى المثل العليا، ومع ذلك تجد بعض النقاد يرفض الفصل بينها؛ يقول أنا لماذا أتكلف الفصل بين توجه ذاتي ينظر لمثل وتوجه ذاتي ينظر إلى النفس فقط وتعظمها؟ كله مذهب واحد. فالبعض يسمي عصر النهضة من القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر بالرومانتيكية الأولى.

يوازي نهايات هذا القرن يا إخوة، القرن التاسع الهجري عندنا، كان عندنا الشعر قد خلص وبينحدر، وأصبحنا في انحدار. قالوا: ختم الشعر بأبي الطيب؛ ويكادون يتفقون على ذلك أن الشعر ختم في منتصف القرن الرابع الهجري بأبي الطيب المتنبي، لأنه توفي عام 354 وولد عام 303. ومن بعده الشعر في انحدار. منتصف القرن الرابع كان القرن العاشر في العصور الوسطى، يعني حتى دانتي لم يظهر، نحن خلصنا الشعر وانتهينا من القضية مع أبي الطيب المتنبي. وكان عندهم الكنيسة تحجر على الناس، ونحن عندنا الشعر جه وخلص.

الإمام السيوطي المصري العالم الموسوعي توفي عام 911، حتى تتصور القضية أين كانوا. عصر النهضة الذي نهضوا فيه كان عندي أنا القضية تنتهي. هذا العصر انقلبوا فيه بحدة شديدة جداً على العصور الوسطى، ولذلك كان هناك عدم ضبط؛ أرادوا إحياء النفس من هذا الموات، فانقلبوا انقلابات حادة جداً، وكثر المروق، وعدم وجود الضوابط، وكان هناك تحلل؛ وهذا أحدث رد فعل آخر الذي هو المرحلة الأخيرة التي تسبق الرومانتيكية، وهو الكلاسيكية الجديدة التي قامت على فكر ديكارت وبوالو. ديكارت توفي تقريباً عام 1660، وبوالو صاحب كتاب فن الشعر، وصنع قصيدة فن الشعر التي هي إنجيل الكلاسيكية الحديثة؛ الكلاسيكية الجديدة أرادت إحياء الكلاسيكية القديمة، كلاسيكية هوميروس وأرسطو وهوراتيوس، لإنقاذ الفكر والأدب من عصر النهضة الذي كانت فيه غوغائية. وكان عصر النهضة قد قدم شعراء وكتاباً كباراً مثل شيكسبير، وجاءت الكلاسيكية الجديدة لتضبط ذلك، واستمرت من القرن السابع عشر إلى الثامن عشر، إلى أن جاءت أوروبا الحديثة بالرومانتيكية.

يقول الدكتور: الجامعات الغربية نشأت نشأة دينية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر في إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، وكان هدفها الأساسي هو التوفيق بين الإيمان والعقل؛ لذلك كانت دراسات اللاهوت هي قلب الدراسات في هذه الجامعات، والعلوم الأخرى التي تسمى العلوم الدنيوية كانت هامشية في هذه الجامعات، وكانت تدرس خدمة للاهوت. لكن حدث تحول تدريجي إلى العلمانية بدءاً من القرن الخامس عشر، وانتهى بالفصل التام بين العلم والدين في القرن التاسع عشر.

الدكتور يبرمج عقلك على الأزهر، والدكتور يمرر لك القضية مستغلاً جهلك بالتاريخ فيما يبدو لي؛ انتهى بالفصل التام بين العلم والدين في القرن التاسع عشر. انظر كيف اختزل الدكتور الخط التاريخي الكامل، ومارس اختزال التاريخ معك وهو يوهمك بأن ما حصل هناك هو نسخته التي هنا. التاريخ مختلف، والمشكلة أن الدكتور يقيس ويجعل الجامعة الأزهرية نظيراً للكنيسة الأوروبية في القرون الوسطى التي كانت تسجن الشعراء وتمنعهم؛ وهذا ضعف تصور عند الدكتور أحمد حسن صبره، يكذبه التاريخ نفسه الذي لم يذكره الدكتور.

يقول الدكتور في مصر لم يكن الأمر ميسوراً؛ يعني إذاً هو جعل قياس الدين في مصر أو في البلاد العربية على الدين في أوروبا أمراً بديهياً مسلماً. فهمتم لماذا أنا أرى هذا الكلام غير أمين أو غير مسؤول؟ لأن الدكتور اختزل. ومن إحسان الظن في علم الدكتور وأنه أكاديمي وقارئ للتاريخ أقول: كذب عليك واختزلك. القارئ الواعي ينظر بين الكلام ويراقب، لا يستغفل؛ هذا هو القارئ الواعي. الدكتور استغفلك، من سيعجب بكلام الدكتور الذين ليست عندهم خبرة ولم يقرأوا التاريخ وينتظرون مثل هذا الكلام الخطابي. في مصر لم يكن الأمر ميسوراً، طبيعي لأنه عندنا غير عندهم.

انت تقول تحولوا إلى كذا لأنهم كانوا يحرقون العلماء، كانوا يحرقون من يقول بكروية الأرض؛ وابن حزم الأندلسي قال بكروية الأرض، وعلماء مسلمون قالوا بكروية الأرض، تطورت العلوم في الأندلس المسلمة العربية في هذا الوقت، وكانت أوروبا في الظلام. كانوا يموتون بالأوبئة في أوروبا الكنيسة من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر، من سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى سقوط غرناطة واكتشاف الأمريكتين، كانوا يموتون من المرض. كيف يا دكتور تقيس التاريخ على التاريخ؟ كما قلت، يأخذ الدين، الكنيسة، المسجد، رجال الدين أو رجال الشريعة، العلم، الجامعات، ويقول لك هم واحد، ويخدعك ويقول في مصر لم يكن الأمر ميسوراً. لم نحتج أصلاً؛ فصراع جامعة القاهرة وجامعة الأزهر انتهى في الحقيقة إلى انتصار ساحق للأزهر. أنا لا أعرف موضوع الصراع، أنا في حدود اطلاعي وثقافتي لا أعرف صراع جامعة القاهرة وجامعة الأزهر؛ هل هذا موجود يا إخوة؟ أنا لا أعرف أخبروني. هل يوجد الإخوة المهتمة بالتاريخ، هل يوجد صراع جامعة القاهرة وجامعة الأزهر، وأن جامعة القاهرة أنشئت حتى تنفي جامعة الأزهر؟ أنا أسأل لأستفيد والله لأعلم، أنا لا أعلم ذلك.

في مصر لم يكن الأمر ميسوراً، فصراع جامعة القاهرة وجامعة الأزهر انتهى في الحقيقة إلى انتصار ساحق للأزهر. وبدلاً من علمنة الدراسات الإسلامية، ظهر اتجاه قوي إلى أسلمة الدراسات الإنسانية بالمفهوم التقليدي القديم: اقتصاد إسلامي، علم نفس إسلامي، علم اجتماع إسلامي، وهكذا.

بالمناسبة، أنا أحب أن أسجل هنا أيضاً موقفي، أنني أرى بالفعل هناك نوعاً من الإسفاف في أسلمة الأشياء. علم نفس إسلامي؟ لا، أما اقتصاد إسلامي فنعم؛ لأن هناك شريعة وحراماً وحلالاً. لو قالت لك الاقتصاديات العالمية إن الربا شيء مشروع ومطلوب، نحن نقول الربا عندنا محق، ﴿وَيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]، و﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. لا مجال لاقتصاد إسلامي بمعنى حرام وحلال؟ نعم. إذا قلت إنك ترتبط بشريعة الإسلام وأنك مسلم، اه، اقتصاد إسلامي طبعاً.

علم نفس إسلامي؟ لا، لأن ما يصيب الإنسان من الأمراض أمور مشتركة. كما لا يوجد طب إسلامي، خلاص، لا يوجد اقتصاد إسلامي ولا يوجد أدب إسلامي إلا بما يتعرض بالنصوص نفسها والموضوعات في تربية النشء أو كذا أو كذا. إنما لا يوجد شيء اسمه علم نفس إسلامي ولا أدب إسلامي، ومحمود شاكر -رحمه الله- نص على أنه لا يوجد شيء اسمه أدب إسلامي. والمنطق يقول لا لأدب إسلامي؛ لأن الأدب يتعلق بالنص، وأدبية النص تتعلق بوسائل بيانه.

فعندنا أدب، عندنا خمريات أبي نواس ومجونيات أبي نواس، عندنا أشياء كلها موضوعاتها تخالف الدين، لكن مذهبنا فيها مذهبنا فيها، ولكن الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر. يأتيني شخص مدروش يقول: بردة البصيري أجود قصيدة في الدنيا، أقول له: اخسأ، استحي على دمك، قصيدة مملوكية أيوبية على هذا المذهب، على هذه الطريقة، ليس أكثر من ذلك. كونها يعني صاحبها شفعت له أو حصل كذا مما يروى، مما يصح وما لا يصح، هذا شيء آخر. لا تضع القصيدة هذه بجوار قطعة جاهلية، مستحيل تسقط، تتبدد كالماء على الصخر، لا تضعها بجوار في الفن خمريات أبي نواس، في المديح النبوي تقول نعم، ألا ترى أنها في الدين والدين بمعزل عن الشعر؟ كلمة لو قلتها الآن في عصري ولم أنقلها عن الجرجاني لكفروني، فأنا فعلاً أسجل هنا حصول إسفاف من التيارات الإسلامية في أسلمة الأشياء، أشياء بسفه.

أما اقتصاد إسلامي، طبعاً يوجد اقتصاد إسلامي لأنه حرام وحلال؛ هنهزر يا دكتور؟ في القرآن الربا وقواعد البيع والشراء، فلا مجال. اه، يوجد اقتصاد إسلامي، هذه الدولة إسلامية، هذه الدولة ترتبط بشريعة في تعاملاتها المالية. ستقول ولكن النظام والربا العالمي؟ أقول لك وقد قال النبي ﷺ: «سيأتي على أمتي زمان من لم يأكل فيه الربا مسه من غباره» أو كما قال النبي ﷺ وعلى التفسير الذي يصح. فإذن اقتصاد إسلامي نعم، علم نفس إسلامي ما لا أعرف هذا، أدب إسلامي أرفضه، ما فيش حاجة اسمها أدب إسلامي.

الإسلام يعرف دراسة الأدب واللغة، والقرآن يخدم بالقصيدة الخمرية كما يخدم بالقصيدة المدحية، لا علاقة. وأكثر ما يخدم القرآن شعر الجاهلية والإسلامي، الإسلامي يعني العصر الأول وليس أشعار الصوفية إطلاقاً، خلاص وليس أشعار الصوفية، الشعر الجاهلي. فأنا أسجل هنا حصول إسفاف منها في هذا الباب، اقتصاد إسلامي، علم نفس إسلامي، علم اجتماع إسلامي وهكذا؛ شوف ما فيه تدخل في الشريعة وأمور تدخلت فيها الشريعة بأحكام، يدخل فيه إسلامي، يدخل فيه إسلامي. لو علم الاجتماع تدخل في قضية أمور أو في أشياء تخالف القاعدة الإرشادية أو التشريعية الإسلامية، اه، يبقى علم اجتماع إسلامي ونمنع هذه الأشياء، هذه شريعة طبيعي.

وانتصار الأزهر جعل كلمته هي العليا في أي دراسة تتعلق بالدين أو حتى تشير إليه، وأصبح فوق أي تخيل أن يمارس باحث حريته الأكاديمية -المنقوصة أساساً- في نقد أو نقض الدين، حتى وإن قدم كل أدلة العالم العقلي على صحة ما يقول. ما هو متاح لأي باحث أن يكتب تمجيداً في الدين وتبجيلاً لتاريخه، وإذا كان الدين هو الإسلام فلا بأس من أن تغمز في عقائد الآخرين أو أن تصرح إذا كانت الظروف المجتمعية تسمح لك بهذا التصريح، وهذا ما فعله الشيخ أبو موسى في كتبه.

نعم، أنا ماشي حتى لو هذا وقع مثلاً، ماذا يعني ما قضيتك الآن؟ أرجو ألا يفهم أحد ممن يقرأ هذا الكلام أنني أدعو لنقد أو نقض الإسلام أبداً. للأسف لم تقم جامعة القاهرة على أنقاض جامعة الأزهر، وأرجو ألا يفهم أحد ممن يقرأ هذا الكلام أني أدعو لنقد أو نقض الإسلام، هذا لا يخطر على بالي ولن يخطر.

يا دكتور الصراحة حلوة، الصراحة حلوة يا دكتور، أنت قلت قبل قليل للأسف لم أفهمك؛ أنت لا تريد حتى أن يكون للأزهر وجود ديني؟ تريد أن جامعة القاهرة مع اعترافك بأنها علمانية تريد أن تقوم على أنقاض جامعة الأزهر، وإن كان تمثيل يعني مجاز لكن يعني الأزهر يختفي لتقوم جامعة القاهرة على أنقاضه؟ ما أنت اعترفت أن جامعة القاهرة علمانية لا دينية، فتلغي الدين من حياة الناس، هذا ما تريد؟ كيف تقول الآن: أرجو ألا يفهم أحد ممن يقرأ هذا الكلام أني أدعو لنقد أو نقض الإسلام، هذا لا يخطر على بالي ولن يخطر؟ كيف هذا صريح كلامك؟

ما أردت إيضاحه أن البنية الفكرية للجامعات الآن، وبخاصة تجذر المفاهيم العقلانية داخلها، لا تستقيم معها التحيزات المقدسة المسبقة. لا شيء مقدس داخل الجامعة إلا حرية الفكر التي يمكن أن تصل بك إلى آفاق لا سقف لها، لذلك أرى أن الدراسات الأكاديمية الإسلامية داخل الجامعات غير ممكنة أو أنها لا تحقق المعايير المطلوبة لأي بحث علمي، وهذه أم المعضلات وهذه مشكلة الشيخ الكبرى، الشيخ أبو موسى يعني، وهذا ما سنتبينه في المنشور التالي غداً، المنشور التالي بعنوان مشكلة الشيخ أو قل مشكلاته. طبعاً كل ما فات إنشاء كما رأيتم، وإن صح فيه، أنا لا أدري ماذا يريد منه هنا، إلا طبعاً ما سيأتي من كلام الدكتور أبو موسى.

مشكلة الشيخ أو قل مشكلاته، لا نحتاج إلى دليل نصي واضح من كلام الشيخ يثبت أنه لا يؤمن بحرية الفكر. المشكلة الدكتور يعني هو يرهقني الدكتور أحمد حسن صبرة، لماذا؟ المشكلة أن الدكتور ما زال أسلوبه خطابياً، يعني يحضر أو كأنه يريد التحفيز، يحفز بأسلوبه الإنسان المتحمس لفكرته، الإنسان متواضع الفكر، هذه المشكلة عند الدكتور أحمد؛ يحفز بهذا الأسلوب إنساناً متواضع الفكر. وهذا لا يصلح مع شخص يراقب الكلمات ويدرس، ما المقصود بحرية الفكر؟ لا نحتاج إلى دليل نصي واضح من كلام الشيخ يثبت أنه لا يؤمن بحرية الفكر، ما المقصود بحرية الفكر؟ هل رفضي مثلاً لفكرة وتسفيهي لها، أنا مثلاً رفضت فكرة وسفهتها، قلت فكرة سفيهة ضعيفة العقل، هل هذا ضد حرية الفكر؟ هل حرية الفكر أن أبتسم لأي رأي؟

أنا لا أفهم ما المقصود، أنا الذي أفهمه في حرية الفكر هو ما نفعله الآن. الدكتور أحمد ماذا فعل؟ نشر كلاماً قال فيه ما يشاء، لا اعترضناه ولا ذهبنا، أنا آتي الآن أتكلم، حتى لو بهذه الطريقة وبهذه الحدة أو بهذا الاعتراض وبهذا التسفيه للرأي؛ هذه حرية فكر عادي، أنا حر، أنا أرى رأيك سفيهاً يا دكتور، أنا رأيي أنك خدعت الجمهور. ما مفهومك؟ أنا لم أفهم ماذا تريد بحرية الفكر. لماذا مثلاً أنت ترفض فكرة الإعجاز وتصف القائلين بها بأنهم لا يفكرون؟ هل هذه حرية فكر ولا مش حرية؟ حرية فكر، يعني هذه حرية فكر. دكتور أحمد حسن صبرة ينفي بلاغة القرآن الإعجازية أو الإعجاز البلاغي للقرآن ويتهم كل العلماء الذين قالوا بهذا بأنهم لم يفكروا وبأنهم خضعوا للعصبية الدينية والتقديس القرآني.

حلو، أنت قلت هذا، هل هذا حرية فكر؟ لو هذا حرية فكر فأنا من حقي أقول رأيك سفيه؛ يعني أنا أرى رأيك سفيهاً وهذه حرية فكر أيضاً. كيف تقول حرية فكر وأنت لا تعطيني مساحة لأسفه رأياً؟ مرة أخرى وهذه مهمة جداً: كيف تدعي حرية الفكر وأنت لا تعطيني حرية تسفيه رأي؟ إذاً حرية الفكر ليست في ألا تسفه؛ لأن هذا حجر، ومن حق الإنسان إذا رأى رأياً سفيهاً أن يقول هذا رأي لا دليل عليه، وإلا صار كل قول معتبراً وهذا سفه في نفسه؛ يعني سقوط حرية الفكر ألا تعترض من يقول ذلك، أما الرد عليه وتسفيه الرأي فهذا مكفول كما أنه كُفل للآخر أن يقول رأيه، صح؟ هذا هو.

هل الدكتور محمد أبو موسى منعك من أن تقول ما قلت؟ لم يمنعك، ماذا تقصد بحرية الفكر؟ أنه لا يسفه كلامك في نقد البلاغة، نقد الإعجاز البلاغي للقرآن؟ معقول تقصد هذا يا دكتور؟ ألا يسفه كلامي؟ طيب ماذا لو هو رآه سفيهاً؟ هو بمستواه العلمي وببحثه رآه سفيهاً، ما المشكلة؟ ستقول لأنه لم، فلنفترض أنه درس كلامك ونظر فيه نظرك، ثم قال: لا تقوم عليه الحجة، كلام سفيه، كلام خفيف لا قيمة له. أنا لما أقول في رأيك لا قيمة له هذه حرية فكر. أنا لو وصفتك يا دكتور بأنك لا تملك أدوات البحث العلمي، وأنك غارق فيما تتهم به غيرك من العاطفية والمصادرات وهذه الأشياء، وأنك تضع عينك على شيء محدد وتقيم الإنشاء حوله وتصنع الإنشاء حوله والعاطفيات والخطابيات، أنا لو اتهمتك بذلك فهذه حرية فكر وحرية رأي لاني رأيتك كذلك، فمن حقي إذا رأيتك كذلك أن أقول ذلك، صح؟

يعني أنت رفضت فكرة الإعجاز البلاغي للقرآن ووصفت القائلين بها بأنهم لا يفكرون، صح يا دكتور أحمد؟ فلو وصفتك بأنك لا تملك أدوات البحث، هذه حرية فكر وأنت مارست حرية فكر. طيب، فلذلك أنا لا أفهم ما مدى حرية الفكر بقطع النظر عما هي عليه عند الدكتور محمد أبو موسى، لكن اتهامك لا أراه. لا نحتاج إلى دليل نصي واضح من كلام الشيخ يثبت أنه لا يؤمن بحرية الفكر، وإن قال بغير ذلك، مواقف كثيرة في كتابه "الإعجاز البلاغي" تبين أنه يضيق بالاختلاف، وأن ما يحتمله منه يخص الواقفين معه على الأرضية نفسها، أي المتفقين معه في العقيدة والقضايا الكبرى يختلفون معه في النوافل، وهذا لا بأس به في هذه الحالة؛ يبدو رفيقاً بهم معلماً لهم داعياً لهم بالهداية. أما إذا كان المختلفون معه يقفون على أرضية أخرى، يا دكتور هذا كلام ليس من مادة الأسلوب العلمي، يعني أنا أريد أن أفهم ما هي الأرضية؟ هل هذا كلام باحث يعني فهمني ما هي الأرضية؟ يعني ألفاظ فضفاضة تحتمل الكثير، عبارات خطابية.

والله يا دكتور أنا أحاول أن أفهم، أنا أحاول أن أفهم لأضع يدي على المسألة، هل تصدق؟ يعني أقول لك ورب هذا الكتاب، ورب هذا الكتاب إني أتمنى، إني أرجو أن أجد في كلامك حججاً حقيقية عنيفة حادة واضحة في نفي الإعجاز البلاغي عن القرآن؛ لأن هذا هو ما أستطيع التعامل معه، هذا هو ما أستطيع، أنا لو استطعت أهديتك كتابي "دفاع عن القرآن"، عندي كتاب "دفاع عن القرآن"، لو استطعت أن أوصل إليك هذه النسخة أو يتطوع أحد، سترى فيها القضية كيف أناقش، أنني أحب الفكرة والشبهة مباشرة؛ أخبرني أين الشبهة، انتهينا.

افهم، يعني مثلاً تأتي وتقول بعض العلماء من المسلمين لا يقول بالصرفة، اه، شبهة واضحة. يأتي بعضهم يقول عبد الله بن مسعود صح أنه كان ينكر المعوذتين، ونعم صح، فلو كانتا معجزتين وهما أطول من سورة الكوثر التي جعلوها عياراً لأدنى أو لأقل المعجز، خلاص، وهما أطول من سورة الكوثر، فلو كانتا معجزتين وكان عبد الله بن مسعود من الفصحاء، إذاً لعلم بقرآنيتهما، وبما أن ابن مسعود من الفصحاء ولم يقر بقرآنية المعوذتين إذاً هو لم ير البلاغة فيهما، المعجزة إذاً القرآن ليس معجزاً، اه شبهة واضحة، جميل أحب هذا، شبهة. في سورة الأعراف وسورة الشعراء: موسى وهارون، في سورة طه هارون وموسى، وهذا يدل على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان فقط يراعي صوت القوافي؛ لأنه لا فرق في المعنى بين تقديم هارون وتقديم موسى، شبهة واضحة جميل، حلو، شبهة. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1-3]، ختم في السجع بنفس اللفظة.

كان يمكنه أن يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1-3]؛ الاختصار، ولكنه أظهر لغير علة بلاغية شبهة جميلة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، نصف السورة حشو وتكرار. شبهة واضحة، أحب التعامل مع هذا.

تتخيل يا دكتور أنني أريد في كلامك هذا، وأنا أرجو أن يكون في المقالات الآتية إن شاء الله، أريد هذا في كلامك، أريد التعامل مع الشبهة. أحب أن تلخص الشبهة هكذا، أحب أن أرى شبهات صريحة واضحة أحترم بها عملي. إنما أنا لا أرى لك شيئاً دكتور. لماذا؟ لا تفرح بمن يقول الله عليك يا دكتور، هؤلاء يحبون سماع ما تقول، لكن أنت ينبغي أن تظل دكتور، ينبغي أن تظل موضوعياً وعملياً. أعطني الشبهات في صفحة واحدة، صفحتين، كذا كذا حلو، أعطني الشبهات.

هو اختلاف القراءات، اختلاف الكذا، ومش عارف إيه؛ اه صح سورة كذا بدأت بـ "أنظر"، من من قال في سورة كذا أنها جزء من سورة كذا؟ شبهة جميل، شبهة أحب التعامل مع الشبهة الشجاعة. هذه خطابة يا دكتور، فين الشبهة؟ أين الكلام؟ ما علينا، حتى أنا لو سأنقد أحداً سأنقده بوضوح. أنا عندي نقدات على الدكتور أبو موسى صريحة واضحة، أنه يداخل بين المناهج مداخلة غير منضبطة، وأنه مثلاً يحاول إدخال المنهج الإسلامي في النقد بمعنى أن يجعل المعايير الإسلامية في النقد الفني، هذا خطأ، وورثه منه الدكتور الفاضل كمال لاشين أو عبد الباقي كمال لاشين -صح- في كتاب تذوق الشعر، ورثه منه. وهذا كلام خطير وخطأ واضح، وعندي كتابات على هذا في كتاب التأسيس، إذا أنقده نقداً واضحاً أحترمه، أقدره عالماً ووالداً وأستاذاً، لكن العلم له حق، والأدب والشعر له حق، واللغة لها حق، خلاص. وسياتي بعض الكلام هنا، لأني لا أرفض منك كل شيء، لكن كنت أريد أن أرى كلاماً علمياً.

قرأت كتاب دفاع عن القرآن، وحقيقة كان صدرك وسيعاً في عرض الشبهة؛ لأني أحب عرض الشبهة، أحب الشبهة، أحب أن أراها لأنني أحترم نفسي بالتعامل معها. إذا كان المختلفون معه يقفون على أرضية أخرى، مش كلام علمي يا دكتور، ما فيش حاجة اسمها أرضية في الجامعة، في داخل الحرم الجامعي العلماني لا يجيء شيء اسمه يقفون على أرضية أخرى، ما فيش أرضية في الجامعة يا دكتور، هناك محددات وتفسيرات محددة وواضحة لهذه الأشياء. وعندك كما قلت المنهج الوصفي والمنهج الكذا، وتحددها وتصفها حتى أرى هل هي من الأشياء التي يتمسك بها فكذا وتسمح، أو من ثوابت ولا مش من ثوابت، إلى آخر ذلك.

هنا تظهر من الشيخ حدة وألفاظ لا يجوز لها أن تظهر في سياق اختلاف في الرأي، وهنا اختلاف الرأي يفسد للود ألف قضية. خطابة، خطابة، لأننا هنا نحتاج أن توضح ما هو الرأي الذي لا تفسد معه القضية، وما الرأي الذي تفسد معه القضية. فمثلاً الذي يفعل شيئاً كالخيانة، هو رأي؟ رأي، يعني لو جاء مثلاً شخص وقال: أنا رأيي أن نعطي فلسطين للكيان، وأن نهجر الفلسطينيين في الأردن ومصر، هل هذا رأي؟ هذا عندي يفسد كل قضية، يفسد كل ود، هذا عندي يفسد كل ود. افهمني يا دكتور، ما الرأي عندك وما الأرضية؟ ما الرأي وما الأرضية؟ مش فاهم.

وهنا اختلاف الرأي يفسد.. رأي ما هو يا دكتور، ما ينفعش كل حاجة تبقى رأي، يعني لو جاء شخص وقال مثلاً: أنا أمسك هذا الدفتر، وها هو أمامنا الدفتر، فقال لك الدفتر غير موجود، هذا رأي؟ ها هو أنا أمسك الدفتر، ها هو الدفتر، فقال الدفتر ليس موجوداً، هذا ليس رأياً، يفسد، أنت عقلك غير موجود، أنت ترفض العلم الضروري الحاصل بالحواس، يعني ليس بالاستدلال، علم كسبي هذا علم ضروري أنا أمسكها وأراها وأشمها وبقي أن أتذوقها خلاص، وأسمعها. فهذا علم وجود هذا الدفتر، وجود هذا الدفتر حاصل بالعلم أنه موجود الآن حاصل بالعلم الضروري، لو هذا يسمى علم ضروري.

إنما مثلاً لو أنا أجلس هكذا وأمام اللابتوب الذي أبث منه، وكان هذا الدفتر هنا فنظرت فلم أجده فقلت إذاً هو خلف اللابتوب، أكيد هو خلف اللابتوب لأنني الآن كان بيدي والآن لا أجده هنا وأنا قبل قليل جئت باللابتوب إذاً هو وراء اللابتوب. هذا يسمى علم كسبي استدلالي، إذا أنكر أحد العلم الكسبي هذا رأي؟ ليس رأياً. فكلامك فضفاض جداً يا دكتور، فضفاض جداً. يقول هذا كلام لا أقوله بلا أدلة من كلام الشيخ لكني أرجئه. طيب تمام، أرجئه إلى مكانه حين أعرض كتابه الإعجاز البلاغي.

حرية الفكر، إذاً حرية الفكر مرة أخرى ليست من مفردات الشيخ ولا من خياراته، وحرية الفكر لا يتبناها المرء بقرار منه، إنها تظهر في بيئة تسمح بالاختلاف الواسع في الرأي ومناهج دراسية تعرض لكل الآراء، وشعور بالتسامح قد يولد مع الإنسان وينمو ليتسع لكل الناس. خطبة رقيقة لكن لا تصلح في هذا المقام، وقد أجازف فأقول إن الشيخ لم يمر بكل هذا، وأنه يؤمن بأن الآخرون هم الجحيم. طبعاً هو وضع الجملة أو العبارة بين قوسين حتى لا تقول مثلاً لماذا قال بأن الآخرين، لم يقل الآخرين لا، هو وضعها بين تنصيصين لتكون حكاية.

فأقول إن الشيخ لم يمر بكل هذا، وأنه يؤمن بأن الآخرون هم الجحيم، ولا أدري عن الكيفية التي تكون بها الشيخ حتى وصل إلى هذا الموقف، كل ما أعرفه أنه ابن الأزهر ولم يتعلم في مكان غيره، كل ما أعرفه أنه ابن الأزهر لم يتعلم في مكان غيره. تخرج الشيخ من الأزهر وأنجز بحوثاً علمية أصبح بها أستاذاً للبلاغة، ثم أصبح عضواً في تجمع ذي اسم مهيب -أي ذي اسم مهيب يعني- ثم أصبح عضواً في تجمع ذي اسم مهيب، هيئة كبار العلماء بالأزهر.

وحتى تقيم أراد أن تقوم -يعني- بحوثه تقويماً صحيحاً متماسكاً، يجب أن تبدأ بالأسس التي لا يستقيم البحث العلمي دونها، المفاهيم التي تشربها وعمل من خلالها، التصورات التي كانت تقوده وهو يبحث في هذا الموضوع أو ذاك. ويمكن أن أطرح هنا بعض العناوين أو بعض عناوين لهذه المفاهيم، العلم، المعرفة، المناهج، الفرضيات، المصطلح، وقبل هذا إدراك لحجم المشكلات المعرفية المتصلة بالحقل الذي يشتغل فيه وهو البلاغة، ومساحة من الحرية الأكاديمية في السؤال والإجابة، وكل هذا يقود إلى القراءة.

أتعرف دكتور أحمد، أنا صار عندي فضول أن أصل إلى عين مقالاتك في نقد الإعجاز البلاغي، أريد أن أرى سقفك فيها، يعني حقيقة متشوق لهذا، نحن إن شاء الله هذه المجالس يومية إلى أن ننتهي من حزمة الدكتور أحمد حسن صبا. قال: ومساحة من الحرية الأكاديمية في السؤال والجواب، وكل هذا يقود إلى القراءة في الفلسفة والمنطق ونظرية المعرفة وعلم المنهج، فهل قرأ الشيخ في هذه الحقول؟ لا إجابة عندي، ما عندي هو كتبه، أتبين من خلالها أثر هذه القراءات فيها إن تمت، يعني يقصد إن كانت -دكتور أحمد يقصد إن كانت يعني- صح، أتبين من خلالها أثر هذه، طبعاً هو يستعمل "تمت" مكان "كانت" كثيراً، وهذا من اللحن المعاصر الكثير المنتشر، فهو واضح أنه لم يمارس اللغة الصحيحة كثيراً يعني هو يقول "أتبين من" لأني وقفت كثيراً عند قوله إن تمت، إن تمت يعني هو علم أنه قرأ ولم يتم أما آه إن تمت يعني إن كانت إن كانت يعني إن كانت حصلت يعني.

قال لا إجابة عندي، ما عندي هو كتبه، ما عندي هو كتبه أتبين من خلالها أثر هذه القراءات فيها إن تمت، يعني إن كانت. وأول هذه المفاهيم هو تصور الشيخ للعلم، ماذا يقصد به؟ ومن خلال استقراء بسيط، بسيط ماشي، ومن خلال استقراء يسير هين، لكن بسيط يعني ممكن يفهم على أنه واسع، حياته ومن خلال استقراء بسيط للكلمة في كتاب الإعجاز البلاغي، يعني كلمة العلم يعني. ومن خلال استقراء بسيط للكلمة في كتاب الإعجاز البلاغي يبدو لي أن الشيخ يماهي بين العلم والمعرفة، وبرغم أن اللغة تفرق تفرقة دقيقة بين الفعلين: علم وعرف، فإن هذه التفرقة لا تؤثر كثيراً في السياق هنا لأن نظريات المعرفة وضعت فرقاً أساسياً بين العلم والمعرفة هو المنهج.

لأن نظريات المعرفة وضعت فرقاً أساسياً بين العلم والمعرفة هو المنهج، فبينما لا يكتسب العلم سماته الجوهرية إلا باستخدام منهج ما، فإن المعرفة لا تشترط ذلك. ويستخدم الشيخ عبارة وهاجة: حقائق المعرفة، ويلح عليها، وحين تحللها لا تصل منها إلى شيء منضبط. المنهج والمصطلح هما الوسيلتان الأكثر انضباطاً كي يحقق العلم نتائج مفيدة، وبدونهما يتحول العلم إلى جملة من المعارف التي لا تترابط فيما بينها. هناك نوعان من المناهج، ما يمكن تسميته مناهج حاكمة. والله يا دكتور أحمد أنا أرى أنه طبعاً دكتور أحمد حاول أنه ينفخ الكلام، والقارئ يعرف أنه نفخ الكلام أو يعلم أنه نفخ الكلام.

والله يا دكتور أحمد حسن أنت كان يمكنك أن تنقد الدكتور أبو موسى بما هو أقرب، بحقائق أكثر من هذا، لا تحتاج إلى أن تمسك شيئاً من قضية العلم والمعرفة والاصطلاح، لأنه على الرغم من توسع استعمال المعرفة والعلم وتداخلهما الدلالي، تبقى المعرفة تستعمل فيما يبلغ إليه، وفيما عولج فيه الأمر حتى وقعت المعرفة أو وقع التحصيل فيه، ويبقى العلم يستعمل في الإدراك الجازم، مثلاً الإدراك الجازم. والشيء الذي يوصف بالمعرفة قد يكون علماً في ذاته باختلاف الجهة.

الشيء الذي يوصف بالمعرفة قد يكون في ذاته علماً باختلاف الجهة، يعني مثلاً أنت تقول: فلان العارف بالله، ما معنى العارف بالله في هذا السياق؟ تريد أنه ابتغى إلى العلم وسيلة حتى حصله، خلاص يعني ابتغى إلى الله تعالى شيئاً حتى صار عارفاً بالله، خلاص. وربما كانت هذه الأمور بل هذه الأمور التي عرفها بالوصول إليها عن الله سبحانه وتعالى تكون علماً من حيث كونها، يعني من حيث نفسها تكون علماً، خلاص، لكن هي معرفة من جهة أنه سعى إليها وحصلها، يعني الأمر متداخل ويستعمل هذا مكان هذا بتوسع وكذا وبتداخل سياقات، فلا أرى إشكالاً في قول أحد: حقائق المعرفة. بقطع النظر عن الشيخ، حقائق المعرفة إذا كان يقصد الأمور المعلومة التي تبلغ اليقين، إذا بلغ إليها، أنه قال حقائق، فإذا بلغ إليها بوسائل التعرف.

خلاص، أنت عندك مثلاً كتاب المعارف لابن قتيبة، كتاب ضخم هكذا كتاب المعارف لابن قتيبة، ويخبرك عن أشياء، عن حقائق، عن الأمم، فهي معارف، من جهة أنك حصلتها وعرفتها وكذا وكذا خلاص. ومن هنا جاء الاعتراف، الاعتراف بمعنى أنه عرف ذلك وأقره وقال: نعم هذا موجود؛ لأنه بلغه فاعترف به، عرفه وأقره. فبحسب الجهة التي ينظر منها هل حصلت أم، والشيء الواحد يوصف بالعلم والمعرفة في نفس الوقت باعتبارين مختلفين، كما تقول العارف بالله، لو قلت العالم بالله فأنت تلاحظ اليقين في الشيء الذي عرف، لو قلت عارف بالله فأنت تلاحظ الوسيلة التي حصلها وعالجها حتى حصل هذا العلم، فهو عارف بالله وما يعرفه وما عرفه علم.

فهو عارف بالله وما عرفه علم، فأن يقول أحد حقائق المعرفة التي تعترض عليها، يعني لا أدري، لو كنت بلاغياً فعلاً كنت تستطيع أن تأخذ على دكتور أبو موسى أشياء، عادي كأي إنسان كأي مؤلف مكثر كأي مؤلف مكثر، عادي يمكن أن يؤخذ عليه، يمكن ليس ضرورياً أن يحصل، لكن ممكن يؤخذ عليه. لكن أنت شغلت بقضية بلاغة القرآن ولم أر ما يدل على أنك متخصص في مجالك، يعني إلى الآن. حقائق المعرفة، حقائق المعرفة إذا كان يقصد الأمور هي علم المتيقنة التي تبلغ اليقين، إذا بلغ إليها بوسائل التعرف فهذا يعني لا بأس به يعني. فالحقيقة الدكتور أحمد تكلم كثيراً في غير طائل، مش عارف أنا، حتى مش عايز أكمل يعني.

والتوسع والتعدد في هذا يعني معهود، كان يصطلح على العلم مثلاً بالمنهج، أن تصطلح على العلم بالمنهج مثلاً الذي يضبط المعرفة ويجعلها محكومة بجهة، كل هذا وارد، يعني أنت تقول: هذا علم الأصول، علم البلاغة، علم، لماذا علم؟ لأنك لما تحصله هو معارف، لكن مضبوطة بمنهج وجهة فصار علماً. كل هذا وارد والشيخ أبو موسى أعرف كتبه وأعلم أنه كتب بأسلوب فيه المسحة الأدبية والثورية والوعظية خلاص، وربما أنا لا يروقني هذا بالمناسبة، هذه نقطة مهمة جداً، لكن معرفة منهج الكاتب ضرورية. أنا خلاص عرفته كيف يكتب الدكتور محمد أبو موسى، أحترم سياقه، انتهينا.

لو سألتني هل يعجبك طريقته في الكتابة؟ ربما أقول لك لا، لأنني لما أذهب إلى كتاب مثلاً في دراسة منازع الشعراء ككتابه الشعر الجاهلي دراسة في منازع الشعراء، في أصل المدخل والعنوان، أنا أريد دراسة شعر ونقد، واستخراج المنازع المأخوذ اصطلاحها من الـ.

أنا أحفظ منهاج البلغاء لحازم القرطاجني وأستحضره في صدري بالصفحات، فإذا وجدت كتاب دراسة في منازع الشعراء للدكتور محمد أبو موسى، لا شك أنني سأتوجه إليه بهذه النية. لا أحب ما أراه من حماسيات وكلام عن طه حسين لا عموماً، وكلام عن كذا؛ أنا لا أحب هذا، لا أحبه علمياً ليس ذوقياً. خلاص، أنا أحب أن أرى كتاباً؛ هذا الكلام سيحبه النشء، سيحبه المتحمسون، سيحبه الذين يحبون قراءة المعارك بين الرافعي والعقاد، ولكن وأنا ذاهب إلى كتاب علمي أريده علمياً.

يعني مثلاً كتاب نمط صعب ونمط مخيف لمحمود شاكر، المقدمة قال فيها ما يشاء وخلاص، بعد ذلك في القصيدة في الداخل عالم يكتب، عالم يكتب نقداً على قصيدة، ولما دخل في العروض وكذا صار يتكلم، فيه مسحة أدبية لكن في الموضوع، ما زال يستعمل ألفاظاً أدبية وهو يصف مثلاً شيئاً يحصل في التراكيب التي ركبت على بحر المديد، لا إشكال عندي. محمود شاكر هو قال: أنا لا أستطيع أن أكتب إلا بوصفي أديباً، حتى وإن أكتب في العلم لا إشكال، إنما الخروج عن القضية هذا شيء لا أميل إليه.

وكذلك ترى الدكتور محمد أبو موسى يعرض كثيراً لقضية؛ هو يعرض الموجود مثلاً في كتابه المدخل إلى كتابي عبد القاهر، ظاهر في كتابه مثلاً خصائص التراكيب ودلالات التراكيب. أنت وأنت تقرأ في هذه الكتب هو يرى مثلاً عبارة، يقول لك كيف في الدلائل لماذا أتى لك بالفصل والوصل وجاور بين الفصل والوصل وبين الحال وجملة الحال وبين الكذا والذي وجملة الصلة، ينبهك إلى الوصلات وكيف خرج من كذا إلى كذا، جميل هذا شرح، لكن مثلاً لا ترى مذهباً بلاغياً، بخلاف مثلاً محمود شاكر، له مذهب بلاغي، له شيء. الدكتور أبو موسى يرتبط بما عليه الأكثر، أو حتى إذا مال إلى قول عرض له ومر، تراه ربما كما في كتاب الدكتور أحمد، كتاب الإعجاز البلاغي دراسة في تراث العلماء، تراه مثلاً مال شديداً إلى قول الخطابي في جعل الإعجاز أو محل الإعجاز المعنى والنظم جميعاً، وقال: هذا خير عندي ممن حصره في النظم، وهو يقصد عبد القاهر لكن لم ينص على اسمه، لكنه أعجبه، أعجبه أن يكثر الموضوعات ولم يحرر هذا، لم يحرر.

أخذ عليه العاطفة الدينية التي تؤثر حين تؤثر على الموضوعية، كما فعله في أبيات النابغة الذبياني؛ النابغة الذبياني «وإذا لمست لمست أجم جاثماً، هذا في فرج المرء»، وهذه القصيدة الدالية المعروفة، وإذا أردت قراءتها القصيدة الثالثة عشر في ديوان النابغة بتحقيق الفضل إبراهيم: «وإذا لمست لمست أجم جاثماً، متحيزاً بمكانه ملء اليد، وإذا طعنت طعنت في مستهدف، الراب المجسة بالعبير مقرمد، وإذا نزعت نزعت عن مستحصف، نزع الحزور بالرشاء المحصد، وإذا يعض تشده أعضاؤه، عض الكبير من الرجال الأدرد». الدكتور بحفيظته الدينية غضب وقال: هذه أبيات موضوعة على النابغة، هذه أبيات لا شعر فيها، وإنما هي بذاء، مهض، لا والله هي أم الشعر، هي بذاء وهي أم الشعر، وإذا لم تكن هذه الأبيات شعراً فلا شعر. هكذا أنت ترى أنني أنتقد، عادي ولا أحد فوق هذا إذا كنت تقدم وتقول وتكتب عن هذا.

فكذلك مثلاً أخذ على الدكتور أنه أحياناً يحاول أن يضخم المعنى لأجل أن يضع له قيمة اجتماعية، فيسلك في هذا مسالك غير عربية صرفة. وهذا الرأي، يعني الدكتور محمد أبو موسى معروف عني من قديم وخذوا هذا؛ أنا أخبركم الآن بأشياء ليس فقط لست من قال بها، قال بها دارسون وأكاديميون وجالست بعضهم بالمناسبة، أعرف بعضهم في مجالس خاصة يعلمون هذا وصرحوا به لبعضهم، لكن لا يقولونه؛ لماذا؟ بكل وضوح ليس كل أحد يتحمل الهجوم والإساءة أو يتحمل التهمة بأنه يتهم الدكتور، أما أنا فأتحمل عادي ولا يعنيني شيء، وأرى الضرر الأكبر حاصلاً من عدم تدويني وعدم تصريحي. الناس تراعي زمانها تراعي تراعي على رأسي، لكن لا يخرج واحد يتكلم لا يخرج واحد يقول هذا غير صحيح.

فمثلاً الدكتور يقول مثلاً، أنا أتبع هنا بالمناسبة أتبع منهج القاضي الجرجاني في الوساطة لما قدم وذكر أشياء يأخذها على المتنبي وقال: إن الحق أن يؤخذ منك لو أنك عدلت وقدمت ما عليك قبل ما لك، فأنا أقول لك هنا حتى تفهم أنني لا أغضب للدكتور وأثور فقط، لا، أنا أغضب لعدم الموضوعية ولعدم العلمية. الدكتور محمد أبو موسى مثلاً له مقطع يقول فيه: «منى النفس في أسماء لو تستطيعها»، يقول: أسماء هذه قد تكون عزة، قد تكون علماً، قد تكون مجداً وانتصاراً لهذه الأمة، وقد تكون واحدة زيك؛ يعني هو جعل معنى القصيدة آخر شيء لا أسماء شيء واحد هي أسماء بس امرأة لها نهود ولها خصر ولها مخلوق، مخلوق امرأة، «منى النفس في أسماء لو تستطيعها، بها وجدها من غادة وولعها، هذه أسماء وقد راعني منها السدود وإنما، تصد لشيب في عذاري يروعها»، أسماء فتاة امرأة يخطب الشاعر ودها ويتشوق إليها.

فهو يقول كذلك يقول لما، وإن كانت طبعاً هذا الكلام لا يقال في الشعر يا إخوة، كذلك قوله إن فاطمة في قفا نبكي هي الخلا هي الملك الذي ذهب منه، ولما يقول «تضيء الظلام بالعشاء كأنها، منارة ممسى راهب متبتل»، يقول: لم أفهم لم أقتنع بتفسيرهم الزيادة راهب متبتل أنها تكثر وكذا وكذا أو النور يطول أو كذا، وإنما لا أرى إلا أنه يقصد بالراهب نفسه هو الراهب، هو الراهب وأما التي تضيء الظلام فهذا ملكه الضائع؛ هذا كلام رمزي جداً ويغرق في الرمز بما لا خطام له. هكذا أنا أقول الآن هذا كله نقد عندي مدون ومكتوب لتراث الدكتور محمد أبو موسى لأن حق الأدب العربي علي أن أكتبه.

مثلاً يقول في قول زهير بن أبي سلمى وهذا كله في كتاب دراسة في منازع الشعراء، يقول مثلاً في قول زهير بن أبي سلمى: «بها العين والأرام يمشين خلفه، وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم»، فقال: العين بمادة العين والياء والنون تفيد الباصرة أو تشبه العين الباصرة، فهذه تفيد هكذا قال تفيد أن ما سيأتي يرى بالعين، والعين هنا هو جمع العيناء هي البقرة الوحشية؛ «بها العين والأرام يمشين» ما إشارة العين إلى أن ما يأتي ستراه بالعين؟ إشارة غريبة لا خطام لها ولا وشيج ولا أصل ولا شيء، مجرد فكرة جاءت، مجرد فكرة جاءت قالها وهذا خطأ، هذا خطأ بكل وضوح ما قاله الدكتور محمد أبو موسى هنا حق الأدب العربي علي وحق ما أشتغل به هذا خطأ، ولو أنني قدرت مقام الشيخ عندي وهو كبير فسكت عن هذا فلا أستحق هذا العلم ولا أستحق الاشتغال به وساظل أشعر بتأنيب الضمير، لكن أجل الشيخ وأقول أخطأ وما قاله لا زمام له نعم وما قاله لا زمام له ولا معنى وغلط في حق النص.

وكذلك مثلاً كتابه تقريب منهاج البلغاء، أنا كما قلت لكم أدمن منهاج البلغاء، أنا أدمن هذه الكتب الثلاثة: الدلائل والأسرار ومنهاج البلغاء، هذه الكتب هي الأثافي الثلاث في نفسه، هذه الكتب الثلاثة وهي دلائل الإعجاز، أسرار البلاغة، منهاج البلغاء للقرطاجني؛ وقرأته درسته مرات كتاب تقريب منهاج البلغاء، وللأسف الدكتور بين أشياء تبين يعني بين أشياء هي بينة في ذاتها وترك بحوثاً كاملة هي التي تحتاج إلى بيان، يعني كتب في أشياء سهلة وترك أشياء صعبة كانت تحتاج هي إلى البيان، لكن تركها وأجمل الكلام ومر منه؛ فهذا نأخذه فضلاً عن أنني أرفض هذه الطريقة الإنشائية في الكتب والمقدمات، وهذه الخطابة أيضاً أحياناً التي تكون في كتب عناوينها أو تراجمها علمية، لكن الشيخ في الأخير له مقامه، وليس معنى هذه النقدات التي نأخذها أن يكون نقدك صحيحاً.

فأنت تقول عن المعرفة هناك نوعان من المناهج ما يمكن تسميته مناهج حاكمة، وهي المنهج الاستنباطي والاستقرائي والوصفي ولا يمكن تجنب أي منها في البحث العلمي، ومناهج خاصة بكل حقل معرفي، وتحضر الفرضيات في كل هذه المناهج حضوراً مهيمناً حتى في المنهج الوصفي، وتحضر أيضاً المصطلحات وهي التي تعطي للمنهج انضباطه وهويته حتى أن هناك من يماهي بين العلم والمصطلح، فما حظ الشيخ من كل ذلك؟ والله أنت من الأمانة أن تعرف طريقته، أنا عرفت طريقه وانتهينا خلاص، فصرت إذا قرأت كتاباً له أو اشتريت كتاباً له جديداً أخرج أعلم طريقته. يبدو لي أن الشيخ أميل لاستخدام المنهج الوصفي في كتبه استخداماً بسيطاً يسيراً يعني أو هيناً دون إدراك كاف للآليات والخطوات التي يعمل بها هذا المنهج، وأهم هذه الآليات والخطوات هي الشعور بمشكلة البحث، ثم تحديد هذه المشكلة من خلال صياغة سؤال محدد أو أكثر من سؤال، ثم وضع فرضية أو فردية أو مجموعة من الفروض، ثم وضع المسلمات التي سيبنى عليها البحث، ثم اختيار العينة؛ وقد حضرت بعض هذه الخطوات في الإعجاز البلاغي حضوراً مربكاً لكن غاب عنها أمران مهمان: أسئلة البحث وفرضياته. وفي رأيي ورأي كثيرين دون فرضيات لا بحث علمي، وفي الإعجاز البلاغي لا فرضيات، وغيابها مفهوم عند الشيخ لأن الفرضيات تستلزم حرية التفكير في البحث العلمي، وفي موضوع عن القرآن كهذا الموضوع وفي طريقة تفكير كهذه التي عند الشيخ يعني يصعب إن لم يكن يستحيل طرح فرضيات حرة أو حتى فرضيات من أي نوع.

هناك شيء مهم الشيخ أبو موسى في هذا الكتاب هو يقصد هذا الكتاب يا إخوة، أهو عندي هنا؛ الدكتور أحمد حسن صبرة يقصد هذا الكتاب، يقصد هذا الكتاب الإعجاز البلاغي دراسة تحليلية لتراث أهل العلم، طبعاً هذا الكتاب درسته لسنوات حتى أنني أعمل في الداخل ورقة ألصقها زائدة لأكتب فيها الفوائد، هكذا ترون شكل نسختي من الداخل من الدراسة حاشية على الكتاب كله كما ترون وتخطيطات وكذا؛ اسم الكتاب الإعجاز البلاغي دراسة تحليلية لتراث أهل العلم يا دكتور أحمد صبرا. أنت تلاحظ أنني برهنت لك على شيء الآن، برهنت لك على أنني لو كنت ممن فقط يريد الظهور عليك والاستظهار عليك وكذا، لكانت عندي مزية كبيرة في جمهور الدكتور محمد أبو موسى أن أحشده وأن أثير عاطفته؛ يعني حتى في الحضور معي الآن أنا متأكد أن نصفهم أو أكثر مستعد لو هيجت عليك للدكتور أبو موسى سيهيجون وأنت تعرف هذا وقلت هذا بنفسك ولكنك ترى أنني وضعت نفسي تحت الدرس أيضاً خلاص، ووضعت نفسي في موضع اعتراض أيضاً.

أنت تعترض على أبو موسى؟ آه نعم أعترض وبينت تفاصيل الآن وأطلت فيها، فأرجو أن يكون هذا يعني برهاناً أو مؤيداً لكوني أو مطمئناً لك من جهتي. بالنسبة لكتاب الدكتور أبو موسى الإعجاز البلاغي دراسة تحليلية لتراث أهل العلم، في نظري يبدو لي أنه ليس الكتاب الذي سيمكن أن يتناول ما قصد إليه الدكتور أحمد حسن صبرة من أن يكون الإعجاز محل دراسة في وجوده من عدمه حتى وإن عرض لكلام الخفاجي، لأنه اسمه الإعجاز البلاغي دراسة تحليلية لتراث أهل العلم، والكتب التي حللها وحررها أهلها يذهبون إلى أن القرآن معجز بلاغياً، فهو في تيارهم أصلاً، هو في تيارهم أصلاً عرض بعد ذلك لابن حزم وعرض بعد ذلك ابن سنان الخفاجي، واشتد، وبالمناسبة أنا عندي تعليقات على اجتهاده، تعليقات على تعليقاته، عندي تعليقات على تعليقات الدكتور على كلامه عن الخفاجي وابن حزم، لكن في الأخير الكتاب يسير في اتجاه يسير في اتجاه القائلين بالإعجاز وهو قائل به.

يقول: لكن مشكلات الشيخ لا تقف عند هذا الحد فالشيخ تراثي؛ يعني إيه الشيخ تراثي؟ أنا نفسي أفهم يا دكتور حرية الفكر؛ تراث يمشون إلى الخلف، تقدم؛ عندك كمية من الألفاظ الفضفاضة لو ذهبت بها إلى أنا لا كيف أكلمك أنت دكتور وتفهم، لو ذهبت بها إلى جامعة غربية تبكي على عدم اقتدائنا بها لقالوا لك من أنت وماذا تريد؟ يعني إيه فالشيخ تراثي؟ وهو لا يخفي هذا. يعني إيه أنا عايز أفهم، أنا مثلاً أبو قيس تراثي ولا مش تراثي يا جماعة، أنا عايز أفهم ما معنى تراثي؟ كلمة واسعة جداً جداً. لكن مشكلات الشيخ لا تقف عند هذا الحد، فالشيخ تراثي وهو لا يخفي هذا ويزعم ويزعمون معه أنه يحافظ على التراث، وإذا كنا نخصص الكلام على التراث البلاغي فهذا التراث كتلة متشابكة من اتجاهات كثيرة متعارضة أحياناً، مصادرات ومجاملة، وإجمالات الدكتور غارق فيها مصادرات مصادرات عجيب هذا ليس بحثاً، وإذا كنا نخصص الكلام على التراث البلاغي فهذا التراث كتلة متشابكة من اتجاهات كثيرة متعارضة أحياناً، لم أفهم يعني إيه ما.

يختار الشيخ من هذا التراث ما يراه أولى بالمحافظة عليه ويهمل غيره. وفي السياق هنا نجد اهتماماً زائداً عن الحد بتراث عبد القاهر الجرجاني؛ حتى إنه يخصص ثلاثمئة درس في الجامع الأزهر لشرح كتابيه أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، مع إعطاء أهمية أكبر للكتاب الأخير، الدلائل. وفي الوقت نفسه يهمل بلاغياً آخر، أو يكاد يهمله، لا يقل تأثيراً عن عبد القاهر إن لم يكن يفوقه، وهو السكاكي، صاحب الكتاب الأهم في تاريخ البلاغة وهو مفتاح العلوم.

لماذا الأهم؟ الأخوة الذين يحضرون يفترض أن يفهموا أن مفتاح العلوم معتمد على عبد القاهر، ومن بعده جاء تلخيص المفتاح. شعرت أن الدكتور أحمد حسن يستنبط أي شيء من كلام الشيخ ويجعله موضعاً للنقد. يا إخوة، عبد القاهر هو الأساس، عبد القاهر أقام كتابين: كتاب دلائل الإعجاز وكتاب أسرار البلاغة. دلائل الإعجاز انتهى إلى صورة علم المعاني، وأسرار البلاغة انتهى إلى صورة علم البيان؛ فعبد القاهر هو مؤسس البلاغة. الذي يريد أن يرى كيف صنع العقل البلاغي، فهذا عند عبد القاهر. حتى نفهم كيف صنع العقل البلاغي، كيف أُنشئ من عدم التدوين البلاغي، هذا عند عبد القاهر.

بلاغته تسمى البلاغة الأدبية، وهي البلاغة التي مزجت بين ذكر القواعد وبين الأدب، جعلت القواعد في ثنايا التطبيق. إن كان يعنون كالارتجال: فصل في الخبر، فصل في الحال، فصل في كذا، فصل في أنه إذا كان كذا كان كذا، فهذا كلام شخص يؤسس علماً كما يقول محمود شاكر. هذه المزية التي عند عبد القاهر، وأنتم تعلمون أنني أنشر شرحي على عبد القاهر، أقرأه وأشرحه حرفاً حرفاً، وأكرر في أثناء الشرح أن هذا الكتاب فيه من الملكات والمعارف التي لو درست البلاغة التقريرية سواء من عند السكاكي أو من عند القزويني لن تحصلها. هذه العلاقات التي تحدثت عنها قبل قليل، علاقات بين الأبواب، هذه موجودة عند عبد القاهر، ليست في السكاكي وليست في تلخيص القزويني وليست في إيضاح القزويني، أي ليست في البلاغة التقريرية. هناك ملكات وأمور لن تتكون إلا من عند عبد القاهر. الكلام هذا غريب؛ الدكتور كأنه يكلم أناساً لا يعلمون تاريخ البلاغة؛ فعبد القاهر عنده ملكة، وعنده اتجاه علمي، وعنده تطبيقات ومعارف نزعت عند تنظيم المتون.

يقول: وفي الوقت نفسه يهمل بلاغياً آخر أو يكاد يهمله لا يقل تأثيراً عن عبد القاهر إن لم يكن يفوقه وهو السكاكي، صاحب الكتاب الأهم في تاريخ البلاغة وهو مفتاح العلوم. وهو حكم على الكتاب وليس انطباعاً نقدياً، ويحتاج تفصيله إلى سياق يبعدني عما أعرضه هنا. وقد يقال هنا، وهذا صحيح، ليس من حقي أن أفرض على الشيخ ما يختار أو يتجاهل من كتب التراث، هناك آخرون يمكن أن يركزوا على ما يتجاهله هو. خلاص، قرر لك أنه يتجاهله، شوف مصادرات؛ هناك آخرون يمكن أن يركزوا على ما يتجاهله الشيخ، لكن من حقي أن أتبين سبب الاهتمام المبالغ فيه بالجرجاني. عجيب، إذا هو لم يقرأ الجرجاني، لأن الجرجاني يا إخوة مؤسس البلاغة. مفتاح العلوم هكذا، الذي عصر كتابين هكذا، هذان الكتابان ليس نفشاً، ومقارنته وموازنته بين المفتاح وكتابي عبد القاهر تدل على أنه إما لا يعرف أو يخدع القارئ. أنا أستغرب، هل الدكتور أحمد حسن صبرة دكتور في البلاغة والنقد فعلاً؟ موازاته بين كتابي عبد القاهر ومفتاح العلوم تدل على أن هذه ليست صنعته، وإلا هو يخدع الناس، يخدع القارئ.

هو يقول من حقي أن أتبين سبب الاهتمام المبالغ فيه بالجرجاني، هو أخذ موقفاً من الجرجاني بسبب الدكتور أبو موسى وبسبب الإعجاب. وتجاهل السكاكي، بما أنه يكتب وينشر تحت عنوان كبير هو المحافظة على التراث. وظني، وقد أكون مخطئاً، أن في السكاكي نزعة إلى العلمية أقوى من مثيلاتها عند الجرجاني، وهذه مصيبة! هذا إما كلام رجل لا يقرأ البلاغة ولا يعرفها، وإما كلام رجل قرأها ويخدع الناس. السكاكي له نزعة علمية أقوى من مثيلاتها عند الجرجاني، وأن المصطلح البلاغي وصل على يديه إلى ذروة عالية من الضبط النسبي لم يتحقق لغيره. هي المشكلة في الاصطلاح، دعونا في الأولى، نزعة علمية التي عند السكاكي؛ السكاكي لديه نزعة إلى التنسيق العلمي. نسأل الدكتور هنا في قوله إن في السكاكي نزعة إلى العلمية: ما مفهوم العلمية عندك يا دكتور؟ لو تقصد بمفهوم العلمية الاستدلال وإقامة البراهين، فمستحيل أن تكون شممت ريح كتب البلاغة وتقول السكاكي فوق عبد القاهر، مستحيل، مستحيل! وأقل طالب درس البلاغة هنا يعرف ذلك، وأقل طالب عندي في مدرسة الرواد يعرف ذلك ويعجب من كلامك. وإن كنت تقصد بالعلمية التنسيق العلمي، فهذا شيء ليس غريباً وليس الذي نريده من الدراسة البلاغية.

عند التوسع في أسرار البلاغة وفي معرفة نظرية النظم وتطبيقاتها، غريب! وتجنبه للحديث عن المتون أحياناً ليس لشيء، لأن المتون معروفة؛ توضع متون وخلاص، كأنك تقول بالضبط لماذا يظل يتكلم عن كتاب سيبويه ويهمل كافية ابن الحاجب؟ هذا شيء وهذا شيء، كافية ابن الحاجب شيء وكتاب سيبويه شيء. فمقارنته الكتابين تدل على أنه إما لا يعرف أصلاً وهذه كارثة، وإما يعرف ويخادع القارئ وهذه كارثتان. في حد يتكلم في الدنيا يحط كتابي عبد القاهر مع السكاكي ويقول انظر لماذا أهمل هذا وهذا فيه نزعة علمية ليس في هذا؟ هو يطمئن إلى أنهم لم يقرؤوا عبد القاهر فيما يبدو، للاسف.

قال: ولو قيد لعمله هذا رجال على قدره لوصلت البلاغة العربية إلى ذرى أعلى مما وصلت إليه. وفي كل الأحوال فإن ما وصلت إليه البلاغة العربية على يد السكاكي لم يتحقق للبلاغة في الغرب حتى مع الإضافات المهمة التي أضافها ريتشاردز ولاكوف، مثل هذا الضبط المنهجي والنزوع العلمي لا يلائم الشيخ، لذلك هرب من السكاكي ليستقر على أعتاب الجرجاني. والله يعني تعال أعطني الجرجاني والسكاكي وستريحني، لأن عبد القاهر أصعب بكثير، ولأن عبد القاهر أطول وأعصر. أنت تظن عبد القاهر أسهل من السكاكي؟ فتركه أبو موسى، ترك السكاكي وراح لعبد القاهر؟ عبد القاهر أعصر. حتى تقرأ عبد القاهر كاملاً وتوعبه وتحيط بالكتاب، عبد القاهر أصعب يا دكتور! أي كلام يا دكتور هذا؟ أنا آسف هذا أي كلام.

لكن هذه الانتقائية في التعامل مع التراث ليست كل شيء، فالشيخ لا يدرك -أو قد يدرك لكنه يتجاهل- أن بينه وبين التراث أكثر من ألف سنة، ألف سنة انفجرت فيها المعارف وتراكمت وتغيرت تغيراً مذهلاً. قدم هذه في جامعة كولومبيا أو السوربون وأخبرني يا دكتور ماذا سيقولون لك. عجيب! معذرة، أنا حاولت ومعذرة لمن وعدتهم أنني سأكون هادئاً، أولاً هذه نسبة من طبيعتي، هذه طبيعتي الانفعالية، ثم كيف أتناول هذا بهدوء؟ أنا أعطيت من وقتي دخلت في ثلاث ساعات، وتراكمت وتغيرت تغيراً مذهلاً، والمدهش أنك لا تجد أثراً لهذه المعرفة في كتب الشيخ، وهذا ضد طبائع الأشياء، فكيف استطاع الشيخ أن يفلت من كل هذا ويحمي نفسه من هذه المعارف؟ خطابه، سنجد للشيخ كلاماً واضحاً في هذه المسألة في كتاب الإعجاز البلاغي، أرجئه لمكانه. لكن الانطباع الذي خرجت به أن الشيخ لا يريد أن ينقل التراث إلينا حياً، بل يريد منا نحن أن ننتقل إلى التراث أمواتاً. لا تعليق، خلاص زهقت، لقد قلت كلمة خطابه حتى مللت، لكن الانطباع الذي خرجت به أن الشيخ لا يريد أن ينقل التراث إلينا حياً، بل يريد منا نحن أن ننتقل إلى التراث أمواتاً، ومن عجب أن هناك كثيرين يتفقون معه فيما يريد. غداً إن شاء الله أبدأ في عرض كتابه الإعجاز البلاغي، وقد يستغرق هذا أكثر من منشور. الحمد لله أن هذا الكتاب درسته لسنوات، كان عليه ذهابي وإيابي، هذا جيد، فنلتقي غداً إن شاء الله في تناول هذا بإذن الله بعده، شكراً لكم أيها الكرام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.