دخولتسجيل الدخول

الدرس 2 - دعوى عدم إمكان معرفة الإعجاز وأن القرآن لم يُبَيّن وجه التحدي

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالأخوة الكرام، أهلاً وسهلاً ومرحباً. هذا أيها الأخوة هو مجلسنا الثاني من مجالسنا في قراءة كلام الدكتور أحمد حسن صبرة حول قضايا الإعجاز البلاغي في القرآن. لكن قبل ذلك، أرجو أيها الأخوة أن تطمئنوني إلى سلامة البث صوتاً وصورة، من بعد إذنكم طمئنوني إلى سلامة البث صوتاً وصورة، وكذلك أرجو منكم التفاعل مع البث حتى يظهر لإخوانكم، كما تعلمون.

تلخيصاً للفكرة وتذكيراً بها، الدكتور كتب خمس مقالات، وجعل محورها الدكتور محمد أبو موسى، ولكن في الحقيقة -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لكل من ألقى السلام- في الحقيقة محورها الحقيقي ليس الدكتور محمد أبو موسى، المحور الحقيقي لهذا ليس الدكتور محمد أبو موسى وإنما قضية الإعجاز البياني في القرآن. نعم، ومن هذا الباب كما قلت أمس بدأت في هذا التناول. ولكن أنتظر لدقيقة ريثما يجتمع أكبر عدد من الأخوة والأخوات، واضح أن الروابط لم ترسل بعد أو لم تظهر للناس بعد.

قرأنا أيها الأخوة مقالتين أمس: المقالة الأولى «صراع جامعة القاهرة وجامعة الأزهر» ورأينا ما في ذلك، والمقالة الثانية «مشكلة الشيخ أو قل مشكلاته»، يقصد الشيخ أبو موسى. المقالة الثالثة التي معنا اليوم تحت عنوان «أوهام الإعجاز». وطبعاً العنوان يبدو دسماً، يبدو ممتلئاً، يتحدث فيه عن أوهام الإعجاز، وواضح أننا سنجد هنا التعليق أو نجد الثغرات البحثية التي يدونها الدكتور حول قضية الإعجاز البياني، وهذا حسن جداً؛ لأنني كما ذكرت أمس أحب جداً المحددات البرهانية والاستدلالية والبحثية، أحب ذلك جداً.

لمن يسأل من كاتب هذه المقالات، لو كنت موجوداً أمس علمت ذلك، هو الدكتور أحمد حسن صبرة، لا أعرفه إلا من صفحته، كتب أنه كان أستاذاً للبلاغة والنقد في جامعة أم القرى، وهو أكاديمي مصري، ووجدته يشغل كثيراً بقضية الإعجاز البياني للقرآن، فقلت إذاً هذا مظنة البحث والنظر، والأمر يستحق بعد ذلك أن نقف عنده. وذكرت أمس أنني وقفت عنده لأجل الصفة الأكاديمية بعد خطورة القضية التي يمسها وبعد معرفة كوني منشغلاً ومشتغلاً بهذا الباب، صفته بعد ذلك الأكاديمية ربما توحي بموضوعية ما يقول وبعلمية ما يقول.

دعونا نبدأ أولاً في قراءة المقالة الثالثة، ثم أعلق عليها. يقول الدكتور تحت عنوان «أوهام الإعجاز»: سؤال لم يسأله الشيخ محمد أبو موسى وهو يخطط لكتابه «الإعجاز البلاغي». العنوان كما قلت لكم «أوهام الإعجاز»، يعني القضية دخلنا في المفيد، كل ما سبق كان عن أبي موسى وعن المشكلات معه، وعن جامعة القاهرة ومغالطات تاريخية. فالآن «أوهام الإعجاز» دخلنا في المفيد كما يقال، فدعونا نقرأ المقال.

يقول: «سؤال لم يسأله الشيخ وهو يخطط لكتابه الإعجاز البلاغي». هذا الكتاب يا أخوة، كتاب الإعجاز البلاغي للدكتور محمد أبو موسى، هل الإعجاز موضوع يصلح للبحث العلمي؟ لا أقصد هنا الإعجاز البلاغي فقط، كما لا أقصد الإعجاز الذي نعبر عنه مجازياً عن فعل بشري، فهذا الفعل الذي نراه إعجازياً يقع ضمن قوانين الفيزياء التي نعرفها والتي نعرف حدودها والمدى الذي يمكن أن تصل إليه، وبالتالي يمكن أن نقدم فيه تفسيراً مقنعاً. الدكتور يقول: أنا لا أتحدث عن الأشياء التي يعجز عنها الناس ويقوم بها بعض الناس؛ امرؤ القيس مثلاً والطبقة الجاهلية أعجزت من بعدهم جملة، هناك شعراء لم يبلغ إليهم أصلاً، فهو يقول: أنا لا أتحدث عن هؤلاء أو عن هذا النوع من الإعجاز؛ لأنه في الأخير يخضع لقوانين يمكن أن تفسر أو أن يفسر بها الكلام وأن يكون في ذلك مقنع.

ما أقصده -ركزوا معي يا أخوة- ما أقصده الإعجاز المرتبط بقوى غيبية لا يمكن لنا أن نطبق عليها قوانين الأرض. لعل ظاهرة الإبداع في الشعر التي هي شكل من أشكال القدرات التي يعجز عنها أغلب الناس، عجز البحث العلمي أن يقدم فيها تفسيراً علمياً. كل ما لدينا فرضيات أو شبه نظريات لا تقترب من الحقائق، ناهيك عن المسلمات. فإذا جئنا إلى الإعجاز في القرآن، فإن الأمر أشد؛ لأن الشعر المحير في منبعه يقوله كثيرون، بينما القرآن جاء به واحد قال عن نفسه إنه نبي، وإن الكلام الذي يقوله ليس كلامه، إنما هو كلام الله على لسانه كما اعتقده القرشيون، والمطلوب في هذه الحالة إما أن تصدقه أو تكذبه، فإذا صدقته لن تسأل عن الدليل، وهذا ما فعله أبو بكر رضي الله عنه، وإن كذبته ستحشد أدلتك على كذبه. لب الأمر هنا إما أنه وحي من الله أو أنه كلام من محمد صلى الله عليه وسلم، والقضية بهذا الشكل خارج نطاق البحث العلمي، هي قضية إيمان بالوحي أو كفر به.

ثم إن القرآن جاء بصيغ لغوية وشكل لم يعتده العرب، وتحدى العرب في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله، لكنه لم يحدد الوجه الذي تحداهم فيه. فجاء تأويل القدماء له على غير اتفاق بينهم، حتى أن السيوطي جمع في كتابه «معترك الأقران في إعجاز القرآن» خمسة وثلاثين وجهاً. فلماذا أصبح الإعجاز البلاغي هو المهيمن دونها؟ ولماذا أصبح عند الشيخ من المسلمات التي لا تناقش، بل أصبح عقيدة يكفر من لا يؤمن بها؟ هل الإيمان بشيء مبرر للاقتناع به؟ يجب أن تنفك الجهتان ويجب أن نحرر المفاهيم؛ لأن الإيمان بالإعجاز شيء والإقناع به شيء آخر. أنا أؤمن بوجه من الإعجاز قال به القدماء أيضاً، وهو أنه وحي من الله، هو الكتاب الوحيد على الأرض الذي لم يكتبه بشر، لكني لا أستطيع الإقناع به. إيماني بوحي القرآن يتجاوز آليات التحليل العلمي وكل نظريات المعرفة، لكن إذا قلنا إنه معجز بلاغياً فتحنا على أنفسنا باباً يجب على العقل أن يدخل منه ليقدم ما يقنع الآخرين بإعجازه البلاغي، ويكون جوهر عملنا هو البحث عن النقطة الحرجة بلاغياً التي يتحول فيها الكلام من كونه ممكناً بشرياً إلى كونه معجزاً إلهياً. ومصطلح النقطة الحرجة أخذته من العلوم الطبيعية ويمكن لأي أحد أن يبحث عن معناه هناك، وهو مهم لأن من خلاله يمكن أن نؤكد على قوة هذا الوجه من الإعجاز أو عدم قوته، وبالتالي جدوى أو عدم جدوى البحث فيه.

حين أفاض القدماء في هذا الوجه، فإنهم أسسوا من خلاله صرح البلاغة العظيم الذي لم يكن قد استوى على عوده قبلهم، وأسهمت دراسات الإعجاز البلاغي القديمة إسهاماً عظيم الشأن في حقل البلاغة والنقد والأدب، على الرغم من أن فكرة الإعجاز البلاغي نفسها لم يقدم أي منهم ما يمكن الإقناع به. للباقلاني فعل، وقد وجهت له انتقادات كثيرة في مقارنته القرآن بالشعر، ولا الجرجاني أيضاً الذي كان غامضاً وغير مقنع في تقديم دلائل الإعجاز على الرغم من أنه وعد بذلك. ولأني أعرف أن الجرجاني أصبح كائناً مقدساً عند أتباع الشيخ، فقد أدخلت نفسي في عش الدبابير بهذا الرأي.

ماذا فعل الشيخ في الإعجاز البلاغي؟ كان واضحاً في كتابه، ومنذ السطر الأول قال إن دراسته تحاول أن تتفهم كلام القدماء في هذا الباب، وليس لها غاية أكثر من الاجتهاد في ذلك؛ وذلك لأنها ترى في كلام القدماء في هذا الباب وفي غيره ودائع من حقائق المعرفة لم تستخرج بعد، فضلاً عن أن نكون قد انتفعنا بها في حياتنا العقلية انتفاعاً مثمراً على الوجه المرضي. في هذه الفقرة ثلاث كلمات مفتاحية: الفهم، حقائق المعرفة، الحياه العقلية. وقد حاولت أن أحلل تصور الشيخ لهذه الكلمات فوجدت أن استخدام الشيخ لكلمة الفهم مثلاً لا يجاوز معناها البسيط المتداول الذي يمكن أن تجده في أي معجم معاصر، مع أن العمليات المرتبطة بالفهم ليست من الأمور التي نتجاوزها بسهولة أو أن نعدها من المسلمات. وأحيل الشيخ هنا -أو في الحقيقة أحيل أتباعه- إلى كتاب مهم أفرد للعمليات المرتبطة بالفهم مساحة ليست قليلة، وهو كتاب عادل مصطفى «فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا - نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر».

ما فعله الشيخ هو تبسيط للموضوعات التي تناولها في كتابه، مزيد من الأمثلة والشروح دون أن يدخل في جدل معرفي مع الأفكار المطروحة. هو يعيد إنتاج القديم بنفس مواصفاته القديمة وحتى بالرداء نفسه، بنفس المستوى الرديء. وظهر هذا في تقسيمه للكتاب، فقد اختار له أبسط تقسيم يمكن أن يختاره باحث لموضوع إشكالي كهذا. احتوى الكتاب على ثمانية فصول: الأول عن الإعجاز عند الخطابي، والثاني عند الرماني، والثالث قراءة في مقدمة إعجاز القرآن، والرابع إعجاز القرآن عند الباقلاني، والخامس الباقلاني ونقد الشعر، والسادس الباقلاني وقصيدة «قفا نبكِ»، والسابع الباقلاني وقصيدة «أهلاً بذلكم الخيال المقبل»، والثامن قصة الصرفة. ولا يوجد سبب لهذا التقسيم سوى الترتيب الزمني بين الثلاثة الذين تناولهم، وهذا جيد شريطة أن يرتبط بملاحظة الكيفية التي تطورت بها فكرة الإعجاز البلاغي بين الثلاثة، وأن تكون هناك أسئلة واضحة وفرضيات يطرحها الشيخ عليهم ويقدم إجابات مدعومة بأدلة. ولأن هذا لم يحدث، فإن ترتيب فصول الكتاب بدا لي غير منطقي، وإنك يمكن أن تعيد هذا الترتيب بأي كيفية تراها ولن يتغير شيء.

قد نجد بعض الأفكار الجيدة مثل نقاشه في الفصل الثالث حول الطموح إلى تحقيق أهداف كبرى في مقدمات الكتب، ثم العجز عن الوصول الكامل إليها في متن الكتاب نفسه. بدا الشيخ جدلياً في هذا الفصل وجيداً، على الرغم من أن الفصل نفسه لا يشي بمحتواه تماماً. قراءة في مقدمة إعجاز القرآن، مع ذلك لم يراعِ الشيخ الدقة العلمية وهو يجادل في موضوع مهم كهذا، فقد كان يعمم في أحكامه وفي إحالاته. ففي هجومه على من يهاجمون التراث ويزدرون به لا يحدد اسماً واحداً يكرس له جهده في نقد هذا التوجه، ينقل عنهم فيشير إليهم بصيغة المجهول. هذا التراث يوصف بالجمود ويوصف القائمون عليه بالجمود والتخلف، وأنهم يريدون أن يرجعوا بنا إلى الوراء، من هؤلاء ومن أولئك؟ لا إجابة. لكن هذا لم يكن كل شيء، فقد بدا الشيخ حاداً في عرض الأفكار، حاداً في هجومه على الآخرين، وهذا ما سنتبينه.

طيب، قرأت لكم المقالة كاملة حتى يكون عندكم تصور تحت العنوان «أوهام الإعجاز». يتلخص الكلام كله هنا بقطع النظر عن قضية الدكتور محمد أبو موسى، يتلخص كله هنا في الصفحة الأولى عندي أو في الكلام الأول.

أوضح ما قاله هنا، أو قل: أخطر ما قاله هنا؛ هو أن القرآن لم يحدد الوجه الذي تحداهم به، وهذه نفس حجة رشيد حمامي، وسنأتي عندها إن شاء الله تعالى. يقول الدكتور: «ما أقصده؛ الإعجاز المرتبط بقوى غيبية لا يمكن لنا أن نطبق عليها قوانين الأرض». لنقرأ الكلام من أوله؛ يقول: هذا سؤال مطلع المقال، أصلاً هو سؤال لم يسأله الشيخ، وهو يخطط لكتابة الإعجاز البلاغي -الذي هو هذا الكتاب- لنفسه عن جوابه وهو يخطط: هل الإعجاز موضوع يصلح للبحث العلمي؟ ثم يقول: «لا أقصد هنا الإعجاز البلاغي فقط»، كما لا أقصد الإعجاز الذي نعبر به مجازاً عن فعل بشري؛ يعني لما أنا أقول مثلاً: «زهير بن أبي سلمى معجز»، لما أقرأ قصيدة عالية للنابغة الذبياني أقول: «هذا معجز، والله هذا لا يأتون به»، صح؟ يقول: «أنا لا أقصد هذا»، يقول لأن هذه نعرف حدودها والمدى الذي يمكن أن تصل إليه، وبالتالي يمكن أن نقدم تفسيراً مقنعاً.

أقول لكم شيئاً يا إخوة، هذا في حد ذاته كلام جيد، أنه أخرج هذا النوع من المعجز البشري، تعرفون لماذا؟ لأنه بالضبط -أو على التقريب- نقول: على التقريب ما نجيب به من يقولون: لا أحد إلا وعجز عن موازاة امرئ القيس مثلاً، أو عن الطبقة العليا من الشعراء، فهل هم معجزون؟ أنا جلست مع ملحد وقال لي هذا صراحة، وقرأت هذا في كتب القدماء كما عند الباقلاني، وقرأته عند لبعض المعاصرين فيما أذكر أيضاً، خلاص يأتي ويقول: طيب يا أبا قيس، امرؤ القيس معجز، امرؤ القيس لم يأت أحد، عجزوا عن أن يأتوا بمثله، النابغة الذبياني وزهير، هذه الطبقات الأولى من الشعراء المتقنين عجز حتى الشعراء الآخرون عن أن يأتوا بمثلهم، أو أن يأتوا بمثل طبقتهم، أو أن يأتوا بمثل ما جعلهم في هذه الطبقة وهو الكلام البليغ؛ فهل يكون ذلك حجة لامرئ القيس أو النابغة أو زهير على أنهم أنبياء، وعلى أن ما أتوا به ليس من عند أنفسهم من حيث كونهم بشر؟

هذا بالضبط ما نقوله يا إخوة؛ يعني ما قاله الدكتور -أو على التقريب- يقول الدكتور أحمد حسن صبرة: لأننا هنا نعرف حدودها والمدى الذي يمكن أن تصل إليه، يقول: فهذا الفعل الذي نراه إعجازياً -مجازاً- يقع ضمن قوانين الفيزياء التي نعرفها، والتي نعرف حدودها والمدى الذي يمكن أن تصل إليه، وبالتالي يمكن أن نقدم فيه تفسيراً مقنعاً. يعني من يقول لي مثلاً: امرؤ القيس كان أعجز غيره، أقول له: ليس الإعجاز الذي نقصده على الحقيقة؛ ده حكم الفيزياء؛ لماذا؟ لأننا نعرف سبب تفوق امرئ القيس، وندرك قضية القريحة التي عنده، وندرك أنه صادف أن تكون فيه، وندرك أنها لو تصورت في غيره، لو تصورناها في غيره، كان غيره هو الشاعر وليس امرؤ القيس. خلاص، يعني لو كانت هذه القريحة التي فيه التي التقت مع بيئته التي التقت مع كذا وكذا، لو كانت في غيره، نحن ندرك أنها موهبة، وأنها لم توجد قبل أن يولد وأن يضعها الله فيه؛ فعلى ذلك هي أيضاً تحت الحدوث، أي محصورة بالوجود البشري الحادث، امرؤ القيس ولد حادثاً.

كما إذا رأينا مثلاً شخصاً ولد عنده قدرة على أن يمشي سريعاً على الحوائط والأسقف، نحن لا نستطيع أن نفعل مثله، ولكننا نفهم الطاقة والقدرة والملكة التي ولد بها، نفهم الطفرة الجينية التي حصلت في بدنه جعلته يفعل ذلك، فهي أيضاً تحت الحدوث فليس ذلك معجراً. زائد شيء آخر؛ ما يقوله العلماء كالباقلاني وغيره، يقول: آه نعم، امرؤ القيس وصل إلى ذلك لكن الأطماع لم تنقطع، وهذه نقطة مهمة؛ يعني أنت إذا تصورت إذا جئت الآن لأبي قيس وقلت له: والله يا أبا قيس أنا سأغرق في الشعر، وسأصنع لنفسي بيئة عربية صحيحة بيئة محافظة، سأغلق على نفسي وأبذل قصارى جهدي؛ هل أستطيع أن أقول له: لن تفعل ولن تكون؟ لا أستطيع، الطمع قائم، حتى وإن أدت أحوال بيئية إلى منعه، أقول لكم حتى وإن أدت أحوال وراثية وجينية إلى منعه؛ لأن الجين نفسه لم يتدخل فيه الشاعر، لو أرجعت الأمر إلى جين وراثي يعني وطفرة خاصة في الشاعر، هذا لا يتحكم فيه الشاعر، خلاص فأنا أعجبني هذا.

تعالوا نكمل كلامه؛ قال ما أقصد هنا -الخطورة الآن يا إخوة- قال ما أقصد، بالضبط يعني مثلاً أرسل إلي أحد الإخوة الفضلاء من قبل مقطعاً لأم كلثوم، مقطع هكذا تجلت فيه البراعة، فقال لي: «هذا أقصى ما تبلغه براعة بشرية، وحنجرة وراثية خلقية، وإتقان غنائي»، انظر ماذا قال: «أمر خلقي وراثي كذا»، قال: «هذا أقصى ما تبلغه خبرة غنائية وهبة صوتية»، انظر ماذا قال: «هبة صوتية وخبرة غنائية»، هذا بالضبط عينه، إذاً هذا ليس معجزاً؛ لأن امتناعه عن الآخرين ليس من نفس الجهة التي يطالبون فيها بتحدي، وهي ما زالت تحت قضية الهبة والخلقة والحدوث، رأيتم؟ لكن قال بعد ذلك: «ما أقصده -وهنا النقطة الأولى التي أتناولها في هذا المقال- ما أقصد الإعجاز المرتبط بقوى غيبية، لا يمكن لنا أن نطبق عليها قوانين الأرض».

احترس، هنا حصل من الدكتور سامحه الله إجمال ومحاولة تغفيل. احترس؛ الدكتور هنا في هذه العبارة أتى بمحاولة أو ارتكب تغفيلاً أو محاولة تغفيل، يغفلك، الإعجاز انظر إلى العبارة: الإعجاز المرتبط بقوى غيبية لا يمكن أن نطبق عليها قوانين الأرض. أدخل الأشياء في بعضها، حاول أن يغفلك في ماذا؟ في قوله: «مرتبط بقوى غيبية لا يمكن لنا أن نطبق عليها قوانين الأرض»، وأهمل كعادته أو على قصد، بيان وجه الارتباط. يعني إيه مرتبط بقوانين الأرض؟ قوى غيبية لا يمكن أن نطبق عليها قوانين الأرض؟ الإعجاز المرتبط بقوى غيبية، إعجاز مرتبط بقوى غيبية، الله سبحانه وتعالى في القرآن، في إعجاز القرآن، الإعجاز المرتبط بقوى غيبية لا يمكن أن نطبق عليها قانون الأرض. رأيت ماذا فعل معك الدكتور أحمد حسن صبرة؟ إما أنه يغفل أصلاً عن القضية لا يفهمها، أو أنه يفهم ويستغفلك، أنا لا أدري أيهما؛ لأن الأمرين محتملان.

تعرفون لماذا؟ لأن القوى الغيبية لها جهة في الارتباط، وقوانين الأرض لها جهة في الارتباط، هو جعل لك القوى الغيبية في جهة، وقوانين البشر أو الأرض في جهة، وأغفل جهة تجتمعان فيها، القوى الغيبية بالقوانين؛ الارتباط الغيبي يا إخوة هو من جهة الحصول، أما الجهة التي وقع منها فمعلومة. مرة أخرى؛ لما نقول هناك ارتباط بقوى غيبية، هو من جهة حصول الشيء الذي خرج عن طوق البشر، وليس عن قوانين البشر كما خدعك الدكتور هنا وغفلك، ليس عن قوانين، وإنما خرج عن القدر لا عن القوانين، وفرق كبير بينهما، فرق بين أن يخرج عن القانون، وأن يخرج عن القدرة، سأشرح هذا بالتفصيل الآن.

خلاص، إذاً الارتباط الغيبي هذا من جهة الحصول؛ حصول الشيء الذي يقع عنه عجز البشر أو عنده عجز البشر، أما الجهة التي وقع منها فمعلومة، بل العلم بها -أن تكون معلومة- يعني شرط صحة التحدي، وشرط ظهور العجز أصلاً، يعني أمثلة ناخذ أمثلة الآن. في نبي الله موسى عليه السلام وفي قضية الثعابين والحية التي جاءت أو جرت بين يدي فرعون؛ خلاص، موسى ماذا فعل؟ كانت معه العصا، أمره الله تعالى بإلقائها، فتحولت العصا إلى ثعبان كبير، الجهة التي حصل منها، أو نتكلم الأول عن الحاصل، الحاصل هو تحقق تحول العصا التي مادتها الخشب إلى ثعبان، مادته اللحم والدم، مادته ما تخلق منه الأحياء، العضلات واللحم والعروق. خلاص، ما الجهة التي وقع منها ذلك، وشرط أن يعلمها الإنسان ليصح التحدي؟ قلب المادة؛ أن تحول المواد.

ما الذي جعل سحرة فرعون يسجدون ويتوبون؟ أنهم ما كانوا قادرين على قلب المادة أصلاً، ما كانوا قادرين على قلب المادة، لكنهم يدركون قلب المادة، يتصورون قلب المادة، وهذا التصور شرط لصحة الإعجاز، صحة التحدي؛ فهم يتصورون قلب المادة ولكن لا يقدرون على قلب المادة، ما الذي جعلهم يسجدون؟ لأنهم سحر يخيلون، لا يخيل إليهم، هم يسحرون أعين الناس، لكن هم السحرة لا يسحرون؛ ولذلك لما رأوا عصا موسى تحولت إلى ثعبان كبير، رأوا أمام أعينهم تجلياً لقدرة الله مباشراً، رأوا تجلياً لقدرة الله مباشراً، تجلياً مباشراً لقدرة الله؛ رأوا ثعباناً يعمل هكذا، خلاص.

أنزل في المثال أكثر لمثال موسى عليه السلام؛ أنا رجل ناقد، أنام في الشعر وأقوم في الشعر، وإلى آخره؛ خلاص، يأتي البعض يحاول أن يزين الشعر بكلمات أو بأداء أو بموسيقى أو بكذا، أو بعض البديع بالترصيع ولا يشغلني، أعمل هكذا، ماشي، فإذا قرئ شعر ما، انتبه، شعر جيد، أنتبه هكذا، وأقول: من قائل هذا؟ منذ متى تقول الشعر؟ وترونني أنا الذي آخذ الشاب وتحت إبطي هكذا وأمشي به وتعالى، هذا حصل من قبل، لماذا؟ علمي بالشعر جعلني أقول هذا حقيقي، الأول لم يزين، لم يسحر عيني ولا أذني. خلاص، طيب نأخذ مثالاً آخر: عيسى عليه السلام، يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. خلاص، طيب في إبراء الأكمه والأبرص؛ الفعل الذي عجزوا عنه هو إبراء الأكمه والأبرص، ما الجهة التي وقع منها التحدي؟ رفع أسباب الداء؛ وكذلك في إحياء الموتى ما الجهة؟ رد الروح في الجسد، والروح أمرها غير مفهوم لكن الجهة مفهومة.

يعني لماذا كان إبراء الأكمه والأبرص من معجزات عيسى عليه السلام؟ لماذا؟ لأن هذه الأمراض لا يعرفون لها علاجاً، ولا يرفعون بها، لا يعرفون الداء الذي يرفعها، فلما يأتي عيسى عليه السلام ويمسح فيبرأ الأكمه والأبرص، أو يقوم الموتى؛ فهذا معجز، الفعل معجز، ما الجهة التي العلم بها شرط حتى يكون ذلك تحدياً أو إعجازاً؟ ما الجهة؟ أنهم لا يستطيعون رفع أسباب الداء؛ عرفتم الآن الخديعة في عبارته: «الإعجاز المرتبط بقوى غيبية لا يمكن لنا أن نطبق عليها قوانين الأرض»؟ أحدث لك عبارة، للأسف مع العفن الدماغي الذي عند أهل السوشيال ميديا الآن، لن يستطيعوا، يعني بعيد عنهم أن ينتبهوا لما فيها من مداخلة وخداع؛ لأن حصل تعفن دماغي وقصر نفس، وهذا يفقدهم أهم عنصر للقارئ الواعي وهو التأمل في العبارة.

التأمل في العبارة: يقول لك الإعجاز المرتبط بقوى غيبية لا يمكن أن نطبق عليها قوانين الأرض، لا، هو الإعجاز المرتبط بقوى غيبية من جهة حصول القدر أو الرتبة التي لا يقدر عليها، أما التي نطبق عليها قوانين الأرض فهي الجهة؛ آه الجهة، فقد قضية قوانين الأرض وقوى غيبية هذه تخدع السذج العاطفيين، السذج الذين ليس من عادتهم التأمل، وليسوا مثقفين أصلاً يعني عقلهم ليس مثقفاً، لا يمكن أن يتأملوا الكلام ويكتشفوا الخديعة التي فيه. طيب إبراهيم عليه السلام، إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء عليه سلام الله وصلاته، إبراهيم عليه السلام معجزته أن النار لم تحرقه: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]، فكانت النار برداً وسلاماً. ما الجهة التي وقع منها هذا الأمر المعجز؟ تعطيل طبيعة النار في تخللها الخلايا؛ النار نار، لها طبيعة أنها بلهبها تتخلل الخلايا وتفسدها وتفككها، فتحرقها تفحمها، خلاص تفحمها وتذرها، تجعلها تراباً، كلما اشتدت هذه طبيعة النار، والإنسان يولد ويتعلم فيصير كالجبيلة وكالغريزة، البعد عن هذه النار أو هو غريزة، خلاص فما الجهة التي وقع منها هذا الأمر المعجز؟ هو مخالفة أو تعطل طبيعة النار.

إذاً الإعجاز المرتبط بقوى غيبية أن النار لم تحرق، القوانين الأرضية أن النار تحرق، فنسير بالقوانين الأرضية إلى أن نخرج عن حد القانون الأرضي في نفس الجهة، في نفس الجهة، خلاص؛ طيب نرجع إلى موسى عليه السلام لما ضرب البحر بعصاه فانقسم إلى طودين إلى جبلين كبيرين، طيب، هذا معجز، ما هو القدر المعجز المرتبط بقوة غيبية؟ انقسام البحر إلى طودين عظيمين. ما الجهة القانونية التي حصل من خلالها أو في ذروتها هذا الإعجاز؟ هو تعطيل طبيعة كتلة الماء دون سبب ظاهر يعطلها، الماء منساب، فليس من الطبيعي، ليس من القانون، إذا ما سرنا في اتجاه القانون ليس في المقدور أن يكون الماء طودين جبلين عظيمين دون أن ينزل وينسكب، ويتماهى أو تتماهى أجزاء الماء في بعضها وتصير مادة واحدة؛ هذه طبيعة الماء أن ينسكب وأن يصير مادة، لكن ينقسم البحر ويظل بينهما فراغ دون سبب ظاهر، هذا هو القوة الغيبية التي عطلت جهة القانون الذي نعرفه للماء وهو قضية كثافته التي لا تسمح له بالاستقرار دون الانسكاب والتماهي.

فجهة القانون موجودة، لما تعطل جهة القانون مع بقاء الجهة وتصل إلى حد يكسر هذا القانون، يكون ذلك خروجاً على القانون بالقوى الغيبية التي قالها، ولكن في نفس اتجاه القانون، ولا بد من وجود اتجاه القانون حتى يصح تصح هذه المعجزة، يعني ما رأيناه الآن مثلاً، ما ذكرته الآن هذه أمور معجزة، أشرح على كلامه حتى تعلم كيف خدعت أنت الآن، هذه أمور معجزة ما ذكرته تحول العصا.

إلى ثعبان حقيقي، إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، عدم حرق النار لإبراهيم عليه السلام، انقسام البحر وثبات الماء لموسى عليه السلام، هذه أمور معجزة ارتبطت بقوى غيبية. هذه القوى فعلتها بدليل مشاهدتها، ولا تنطبق عليها قدرات أهل الأرض.

لكن الجهه التي عقلنا منها العجز موجودة. لو أنك لا تعرف طبيعة الماء -وهذا قانون- هل ستدرك الإعجاز في انفلاق البحر؟ لو أنك لا تعرف القانون الأرضي للماء هل ستدرك المعجزة في انفلاق البحر؟ لا. لو أنك لا تدرك الطبيعة الأرضية في إحراق النار وتفكيك الذرات وتفحيم البدن هل ستدرك الإعجاز في كون النار لم تحرق إبراهيم عليه السلام؟ لا. لو أنك لا تدرك أن الروح إذا خرجت من البدن، والروح معقدة وليست مرئية، لا يمكن أن نرجعها، فلو أنك لا تدرك هذا الإدراك الأرضي هل ستدرك المعجزة في إحياء الموتى من عيسى عليه السلام؟ لا. لو أنك لا تدرك القوانين الأرضية في أن المادة لا تتحول إلى مادة، أو أن العصا التي لا نفس فيها ولا روح وهي من مادة معينة تسمى الخشب، لا يمكن تخليقها إلى ثعبان حي بدم ولحم وجلد ويتحرك له إرادة حتى يلقف ما ألقوا، هل ستدرك المعجزة في هذا؟ لا.

إذا نرجع ونقول هذه الأمور التي حصلت مرتبطة بقوى غيبية، هذه الأمور المعجزة فعلت بدليل أننا شاهدناها ولا نقدر على تحصيلها أو فعلها أو إعادة فعلها بقدرات أهل الأرض. ولكن الجهه التي عقلنا منها العجز مفهومة وتخضع بالأصل لقوانين الأرض، ومعرفة هذه القوانين شرط داخل الجهه حتى ندرك أن الإعجاز قد وقع. فهمتم؟

نقول هكذا، وأرسخ هذه الفكرة حتى لا تنخدعوا بهذه العبارة الخطابية التي -أنا آسف يا دكتور أحمد- عبارة طفولية جدا، لا تقوم على قدم وساق في البحث العلمي والتحليل. هذا خطاب «الاعجاز المرتبط بقوى غيبية لا يمكن لنا أن نطبق عليها قوانين الأرض»، هذه فضفضة وهلامية غريبة جدا. نقول الخلاصة: القوانين تعمل داخل الجهه المعلومة، وتخرق داخل الجهه المعلومة، القوانين تعمل على طاقة البشر داخل الجهه المعلومة، وحين بلوغ رتبة في نفس اتجاه القانون تخرق القوانين في نفس الجهه إذا خرجت عن القدرة البشرية.

مثال ذلك كما قلنا: تحويل المادة، تعطيل طبيعة النار، تعطيل طبيعة الماء، رد الروح، خلق مادة جديدة، كل هذا في نفس القانون. وحتى نفهم انخراق القانون لا بد وأن نكون في جهة القانون؛ حتى نفهم انخراق القانون لا بد وأن نكون في جهة القانون. إذاً فرق بين جهة القانون وبين عمل القانون في القدرة البشرية، وانخراق القانون في القدرة غير البشرية في نفس الاتجاه.

مرة أخرى: فرق بين عدم القانون وعدم عمل القانون، وبين عمل القانون في القدرة البشرية ثم انخراق هذا القانون في نفس الاتجاه. فنقول: القوانين تخرق داخل الجهه المعلومة. والقانون الغيبي ليس مطلقا بل هو امتداد للقانون الأرضي الأول المقدور عليه، وليس أجنبيا عنه بل هو انخراق عن الأول، وإدراك الانخراق شرطه إدراك غير المنخرق.

رأيت الحقيقة الآن؟ أو عقلها عقلك؟ اسمع الآن إلى عبارة الدكتور: «الإعجاز المرتبط بقوى غيبية لا يمكن لنا أن نطبق عليها قوانين الأرض». يا سلام! فماذا؟ هكذا لا توجد معجزة أصلا. يعني الدكتور بهذا الكلام سينكر معجزة إبراهيم في حرق النار، سينكر معجزة موسى في انقلاب العصا إلى ثعبان، وأنا لا أستبعد أنه ينكر؛ بالمناسبة عادي، يعني لم أحسن الظن بكتاباته. أنا رجل عملي، اللغة وإدراك أجراس الكلام وظل الكلام وإيحاءات الكلام، الرجل لا يدرك، الرجل يكتب بحرص بالمناسبة، ولكن مهما كتب بحرص، كما قال جدنا زهير: «ومهما تكن عند امرئ من خليقة، وإن خالها تخفى على الناس تُعْلَمِ». أنا أقرأ وأدري ما الذي في صدره، أنا رجل يحلل عسير الشعر الجاهلي، لن يخفى علي هذا. هو بهذا ينكر المعجزات، يقول: «الإعجاز المرتبط بقوى غيبية»، أو توجد معجزة لا ترتبط بقوة غيبية؟ «لا يمكن أن نطبق عليها قوانين الأرض»، ما هو أصلا أنت لا بد من أن تخرق قوانين الأرض، لكن أنت تركت شيئا ثالثا اسمه الجهه، ترك شيئا اسمه الجهه. الجهه فهمتم؟ نعم طيب.

لا تقترب، ناهيك، فإذا جئنا إلى الإعجاز القرآني، بالضبط، لن تكون معجزة إلا إذا خرقت القوانين، وهذا يستلزم أن تعلم القوانين من الأول، وأن تتحد الجهه؛ يعني ثبات القانون وانخراق القانون في جهة واحدة. يعني هو كلامه إنشائي، أنا لا أدري هل يفهمه ويخدع القارئ أم هو نفسه لا يفهمه، الله أعلم.

يقول لك: اسمع المغالطة الثانية في الكلام. يقول: «بينما القرآن جاء به واحد قال عن نفسه أنه نبي صلى الله عليه وسلم، وأن الكلام الذي يقوله ليس كلامه وإنما هو كلام الله على لسانه، بين قوسين كما رآه القرشيون». ما الداعي إليها؟ لماذا؟ والمطلوب في هذه الحالة إما أن تصدقه أو تكذبه. طيب ماشي، صحيح إلى الآن، إما أن تصدقه أو تكذبه. «فإذا صدقته لن تسأل عن الدليل». يا أخوة، هنا ده عصافير، أنا مختوم على قفاي. فإذا صدقته لن تسأل عن الدليل؟ وما فائدة الدليل أصلا؟ الدليل هو مقدمة للتصديق. فإذا صدقته لن... لي بعبارة قضية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي السيرة النبوية يقول لك: وهذا ما فعله أبو بكر أنه صدقه مباشرة، يعني خلاص، وكان أبا بكر لم يكن عنده استعداد أصلا لذلك.

وإن يا أخوة جمهور المتكلمين من أهل السنة، حتى من لا يقول فيهم بمسألة العذر بالجهل وكذا، يقول إن العقل أو الاستدلال لا يخلو منه إنسان. حتى إن الحنفية قالوا بوجوب العقل دون الرسول، دون مجيء رسول، بوجوب الإيمان بالصانع وشكر المنعم، قالوا لأن ذلك مركوز في العقول. الحنفية وأنا رجل حنفي كما تعلمون، الحنفية يقولون بوجوب الإيمان بالصانع وبوجوب ما يسمونه -هذا اصطلاح كلامي- شكر المنعم، قالوا لأن العقول من حيث كونها عقولا تملك قدرًا -لا تملك الخلاص منه- من الاستدلال على الصانع والعلم بالصانع. يعني لا بد من شكر المنعم، لا بد من أن يعلم الإنسان حتى في مدة الفترة أو في مدة كذا، لا بد وأن يعلم بصانع بخالق، وأنه منعم عليه، وأنه يجب شكره؛ قالوا هذا كله بالعقل، تخيلوا هذا قاله الحنفية.

ففكرة تؤمن بلا تصديق يعني إيه؟ يعني أصدق بلا سؤال، فهذه مغالطة تسمى مغالطة، هذا الذي أتى به يسمى مغالطة من الدكتور. يعني يقول: «فإذا صدقته لن تسأل عن الدليل»، وإن كذبته ستحشد أدلتك على كذبه. لب الأمر هنا: إما أنه وحي من الله أو أنه كلام من محمد هكذا قال صلى الله عليه وسلم؛ بالضبط، مصادرة على المطلوب. يقول: «فإذا صدقته لن تسأل عن الدليل». الدكتور واضح أنه -أنا بالمناسبة وأنا أقرأ كلامه قبل المجلس، والله قرأته قبل المجلس بأقل من ساعة- كنت أستحضر أنه متخصص في علم الكلام، فأذكر أنه في البلاغة، فأقول: آه في البلاغة! يعني كنت أستغرب كيف يقول هذا وهو متخصص في علم الكلام، مش عارف إيه اللي جاء على رأسي أنه علم كلام، ما أعرف صراحة. فأقول: لا لا هو ده بلاغة صحيح، وأكاديمي، يعني أغلب الأكاديميين ضعاف كما تعلمون، حالتهم لا تسر.

الشيء الثالث: قال ثم أن القرآن جاء بصيغة لغوية وشكل لم يعتده العرب، وتحدى العرب في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله. اسمعوا يا أخوة، تفاعلوا مع البث يا أخوة لو سمحتم، هذا ربما تكونون سببا في أن يظهر لإخوانكم فيستفيدوا. يقول: «ثم أن القرآن جاء بصيغ لغوية وشكل لم يعتده العرب وتحدى العرب». لا لحظة، لحظة يا أخوة، يعني الدكتور يقول أن القرآن تحدى العرب، يقر بذلك، الدكتور يقر بأن القرآن تحدى العرب في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله، لكنه لم يحدد الوجه الذي تحداهم فيه. يعني القرآن مخطئ يا دكتور ولا إيه؟ ما أنا عايز أفهمك، معلش. يعني القرآن مخطئ؟ ما هو هذا الكلام لما يخرج من رشيد حمامي الذي هو متنصر أو ملحد، أنا أفهم ده؛ أنه يقول القرآن جاء بالتحدي ولم يبين وجهه، فهو يريد بذلك أن يطعن في من وضع القرآن على مذهبه، يعني هو يقول محمد وضع القرآن، هو هكذا يقول. فهو شخص ليس من ملة المسلمين أصلا، قالوا متنصر وقالوا ملحد، الله أعلم بحاله، لكن هو الرسمي عنده متنصر، متنصر مغربي رشيد حمامي، وكذلك المستشرقون غير المسلمين. واضح يا دكتور أنك معلش أنا آسف بتعك ولا إيه؟ بتعك بتجمع ومش واخد بالك من اللي بتحط نفسك فيه، مش فاهم أنا. خفت أن تكون بتعك، حاسك بتعك، ما أعرف في إيه، يعني بتقول الكلام ومش عارف هو رايح فين معاك. تعال يا دكتور، مش هنا يا دكتور في رشاح، يا دكتور عندك في رشاح تعالى، ارجع، هتغرز في الرشاح يا دكتور، وقعت في الرشاح يا دكتور.

أنا عايز أفهم يا دكتور أنت ماذا تقول؟ أنت الآخر هذا خلاص متنصر أو ملحد ما لناش علاقة به، ولما يقول القرآن تحدى ولم يبين وجه التحدي يقصد بذلك بكل وضوح أن يطعن في واضع القرآن، وأن يقول إن واضع القرآن لم ينتبه وأطلق التحدي ولم يضع علته. مفهومون المستشرقون الملحدون المتنصرون، أي شخص غير مسلم لما يقول ذلك يقصد أن القرآن قاصر. لكن لما أحمد حسن صبري يقول: «ثم أن القرآن -يعني الذي أؤمن به- جاء بصيغ لغوية وشكل لم يعتده العرب، وتحدى العرب في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله، لكنه لم يحدد الوجه الذي تحداهم فيه». فهل ترمي إلى أن القرآن كان قاصرا؟ يعني الله نسي ولا أنت قصدك إيه؟ مش فاهم، ولا الله لم يكن على فصاحة حسنة على طريقتك بحيث يبين؟ أنا أحاول أفهمك، أنا أحاول أن أخرج العبارات التي قد تكون في ذهنك أو التي يوحي بها كلامك على الأقل.

فماذا تقصد بأن القرآن... هذا كلام الدكتور أحمد يا أخوة، هذا كلام الدكتور أحمد، يقول: «أن القرآن جاء بصيغ لغوية وشكل لم يعتده العرب وتحدى العرب في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله، لكنه لم يحدد الوجه الذي تحداهم فيه». ماذا تقصد من ذلك وأنت تؤمن بالقرآن؟ ومع ذلك سأتنزل، لا، فلنفترض أنك بما يوحي به كلامك قصدته أو معكوك فيه بسذاجة، سأتعاطى مع كلامك. فلنفترض هذا، سأتعاطى مع كلامك، سواء أنت تقصده وتكنّه، أو وقعت فيه بسذاجة وتورطا وحماسة دون أن تشعر وأنت تقلد غير المسلمين في هذا، سأفترض، سأتعامل مع كلامك على هذا، وأقول لك هذه الشبهة هي عين ما يعني نفس الحجة التي قالها رشيد حمامي ورددت عليها في المقالة الثامنة من كتابي «دفاع عن القرآن». هذا الكتاب، وطبعا هي تقال من قديم، رشيد حمامي ما هو إلا ورقة كتب عليها ليس أكثر، نعم. وأنا في الحقيقة أرجو من الدكتور أحمد حسن صبري أن ينمق الحجج وينظمها، لأني أريد له أن تكون حججه واضحة كهذه «لم يحدد الوجه الذي تحداهم فيه»، لأنني ربما أعمل له مقالة إن شاء الله في الإصدار الثاني من الكتاب، فلا أطلب من الدكتور أحمد حسن صبري أن ينمق الحجج وأن ينسقها وأن يجعلها قوية.

طيب في المقالة الثامنة يا أخوة من الكتاب، آه ليست الثامنة، آسف آسف، المقالة الأولى نعم. في المقالة الأولى صفحة 147 من كتابي «دفاع عن القرآن»، لا يحرجني كوني المؤلف من أن أقول لكم هذا الكتاب خطير جدا ومهم جدا، هذا الكتاب ينبغي ألا يخلو منه بيت دارس، ولا أحرج من أن ليس عندي وقت لأحرج من أحد، أو آرائي أو أخجل منه فأجعل أحدا هو الذي يمدح الكتاب حتى أنا لا، أنا أقول هذا كتابي هذا أقولها بوضوح ينبغي ألا يخلو منه بيت دارس للقرآن، وينبغي أن يحصل. المقالة الأولى في جهالته جهالة رشيد.

يقول رشيد حمامي في الحلقة السابعة عشرة بعد العشرين، في الدقيقة الثانية والنصف تقريباً: إن تحدي القرآن معضلة في الحقيقة، لأن القرآن لم يوضح لنا ما نوع هذه المثلية، ولا شروط هذا التحدي، ولا من سيكون الحكم بيننا، وترك الأمر معلقاً ليترك المسلمين في حيرة؛ كل يفتي على هواه في نوع هذا التحدي، وكل يشترط شروطه الخاصة، وكل يحكم بطريقته. ثم يقول: إذا كان تحدي القرآن مهلهلاً لهذه الدرجة، فلماذا تجعلونه حجة على الناس؟ ثم أورد الآية الكريمة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: 38].

إن الآية التي أوردها هذا الإنسان هي في تحصيلها مثل الآية الكريمة: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23]. والآيتان الكريمتان: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [هود: 13-14]. ومثل الذي في الآية الكريمة: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. ومثل الذي في الآيتين الكريمتين: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: 33-34].

فيدعي رشيد حمامي أن القرآن لم يبين نوع المثلية، أي لم ينص على جواب السؤال المقدر في عقله: مثله في ماذا؟ فهو يرى أن القرآن كان ينبغي أن ينص على وجه المثلية تعييناً، وإلا وقعنا في حيرة. قلت: لقد كان القرآن يخاطب العقلاء المكلفين ممن يعون العربية. لأنه إذا قال لك قائل: إن استطعت فأتِ بمثل نصي هذا؛ فإما أن تفهم المثل المطابق لكلامه فتكرر له عين نصه، بحيث إذا تحداك فقال: ﴿فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي * وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ﴾، أتي بمثله، فأجبته بقولك: نعم، أقدر على مثله، وها هو المثل: ﴿فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي * وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ﴾. فإن قصدت هذا، فأنت مجنون أو تهزل، ولا يشك في ذلك عاقل، لأن المثلية في سياق التحدي لا يتصور أن تكون إلى الإتيان بعين النص، فيكون المثل هو المكرر.

إذاً أول شيء المثل المطابق لا يمكن. وأما أن تفهم مجرد المعنى، فهذا ممتنع؛ لأن للمعنى المجرد حالين. الحال الأولى: أن يكون من المعاني الشائعة المقدور عليها للمتحدى، وهذا يمتنع أن يكون مراداً؛ لأن التحدي لا يكون في الشيء الذي يتساوى الطرفان فيه ولا يتفاضلان. هل تستطيع أن تقول سطراً في الغزل؟ نعم، أستطيع. فلو كان المعنى من المعاني الشائعة، لا يكون التحدي إليه؛ كما لا يكون التحدي إلى المثل المطابق. لا يتصور أن يقول رسام متحدياً لرسام آخر: أتحداك أن ترسم مثل لوحتي هذه التي فيها الأشجار والأنهار والطير، بحيث يكون مقصده أن يرسم لوحة فيها أشجار وأنهار وطير على أي جهة كانت. هذا ليس موضوعاً للتحدي، أي رسام لو طلبت منه ذلك سيرسم.

الحالة الثانية: أن يكون من المعاني التي لا يقدر عليها، لا لعدم القدرة في نفس الأمر، وإنما لكونها ليست من مشاهدات المتحدى، أو ليست من عاداته وليست من معارفه، وإن كانت متأتية لغيره. هذا أيضاً يمتنع أن يكون موضوعاً للتحدي؛ لأن شرط التحدي بالمنطق أن يكون المتحدى عالماً بموضوع التحدي، وإلا كان في حكم التحدي إلى العدم. صار بمقام أن يقول إنسان لإنسان: أتحداك أن تغلبني في الشيء الذي لا تعرف ما هو؛ وهذا ظاهر البطلان لكل عاقل. وإذا كان الأمر كذلك، لم يبقَ بالضرورة ما ينصرف إليه المثل إلا الزيادة بالكمال والإحسان فوق الأصل.

إذا رجعنا إلى الآيات العظيمة من القرآن الكريم: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، وسائر الآيات التي ذكرناها، نجد أن هذه المثلية لا يمكن أن تكون المثلية المطابقة بمعنى الإتيان بنص الآية، ولا يمكن أن تكون الإتيان بالمعاني؛ لأن هذه المعاني إن كانت تعرفها العرب وجاءت بها على أي شكل كان، فليس ذلك موضوعاً للتحدي. وإن كانت العرب لا تعرفها، فليست أيضاً موضوعاً للتحدي؛ لأن الإنسان لا يتحدى إلى ما ليس عنده ولا ترتبط قدرته به أصلاً.

فإذا لم يبقَ إلا مثلية واحدة، المثلية المطابقة لا تصلح، والمثلية للمعنى الشائع لا تصلح، والمثلية للمعنى الممتنع لا تصلح، تبقى المثلية في الكمال والجلال، وهذا في البيان والبلاغة. فإني أراك تردد العبارة العليلة العرجاء أن القرآن لم يحدد الوجه الذي تحداهم فيه، فجاء تأويل القدماء له على غير اتفاق بينهم؛ وبنيت كلامهم في تحديد وجوه البلاغة على عدم التصريح في الآيات. أنت عمال تركب أشياء على بعضها، وهذه قصة أخرى غير وجوه البلاغة ولا تتعلق بهذا؛ لأن كل من عدا القائلين بالصرفة يقولون بالإعجاز النصي.

خذ عندك يا دكتور، وهذا شيء على مستوى ما رأيته من دراساتك أو من طرحك لا تدركه: أن القائلين بالصرفة أيضاً يقولون إن موضع الإعجاز هو النص، لكن لا من حيث التأليف والتركيب، بل من حيث النص في جملته، وأن العرب تصد عنه إذا أرادته بالتحدي. حتى ابن حزم صرح بهذا؛ يقول الدكتور أبو موسى ناقلاً عنه: ذكر ابن حزم أن بعض أهل الكلام ذهبوا إلى أن القرآن معجز بما فيه من أخبار بالغيب، ثم ذكر ما ذهب إليه جمهور علماء الإسلام من أن القرآن أعجز بنظمه وبما فيه من الأخبار بالغيب، وعقب على ذلك بقوله: وهذا هو الحق الذي ما خالفه فهو ضلال، أن القرآن معجز بالنظم.

الوجوه التي ذكرها السيوطي في معترك الأقران في إعجاز القرآن، خمسة وثلاثون وجهاً، لبست الأمور ببعضها وربطت ونظمت أشياء، أنا أعترف أنك تخدع بها غير الدارس، أنا لا تخدعني لأني قارئ كل هذه الكتب ومتفرغ لها؛ فأنا أراك كيف تأتي بقطعة من هنا وقطعة من هنا وتعمل هكذا. ولذلك أنا عصبي، ووعدت بعض الفضلاء أن أكون هادئاً في النقاش، ولم أستطع وأنا أراك ترقع وتلضم حاجات من بعضها. سائر المقالة كلام عن أبي موسى والفهم وحقائق المعرفة خارجة عن سياقاتنا.

لابد أن نقدم النقطة الحرجة بلاغياً التي يتحول فيها الكلام من كونه ممكناً بشرياً. تذكرت شيئاً، الدكتور في أمس قرأنا الكلام يقول: لماذا الدكتور محمد أبو موسى أهمل تماماً السكاكي؟ وأنا هنا سأقول شيئين؛ أول شيء في حق الدكتور أبو موسى، والشيء الثاني في حق الدكتور نفسه. اسمعوا يا إخوة ماذا قال أمس، قال: لقد أهمل السكاكي الذي لا يتناسب معه ومع طريقته، صح؟

تعالوا تذكرت اليوم كلام الدكتور أبو موسى عن السكاكي في كتاب «الإعجاز البلاغي» الذي ينقده الدكتور، الذي يزعم أنه قرأه ويقول إنه أهمل السكاكي، صفحة 62 و63 يا إخوة؛ الدكتور أبو موسى ينتصر للسكاكي في مسألة إعجاز القرآن. صفحة 62 يقول: والخطابي لا يرضى بهذه المعرفة، لأنه لا بد من الغوص في باطن العلة، ولا بد أن تكون الحقائق قائمة على أركان من الأدلة، وهذا الإعجاز لا بد له -ينقل كلام الخطابي- من سبب بوجوده يجب له هذا الحكم وبحصوله يستحق هذا الوصف. هكذا قال الخطابي، وهو كلام واعد.

ولكن أين؟ الدكتور أبو موسى يقول عن الخطابي: وهو كلام واعد ولكن أين؟ هو لا ينقل كلام القدماء ولا يحرر ولا شيء، هذا ظلم الدكتور أبو موسى له، تحريره يقول: وهو كلام واعد ولكن أين؟ وقد ذكر الباقلاني وعبد القاهر -الدكتور دخل في مادة عبد القاهر والباقلاني- وقد ذكر الباقلاني وعبد القاهر مثل ذلك، وأنهم في دراستهم للإعجاز يتوخون أمراً مهماً، وهو بيان علته بياناً يؤخذ باليد، أو كالشيء يعد واحداً واحداً.

وكانت المحصلة -اسمع يا دكتور أحمد تقول هو أهمل السكاكي- وكانت المحصلة ما عبر عنها أبو يعقوب السكاكي، صفحة 62 يا إخوة من الكتاب الذي يزعم الدكتور أحمد حسن صبرة أنه قرأه للدكتور محمد أبو موسى، يقول: وكانت المحصلة ما عبر عنها أبو يعقوب السكاكي الذي كان يحرص على أن يضع كل شيء في قاعدة. رأيتم ما قلته لكم أمس؟ طبيعة الكتاب أنه تقعيد، والدكتور أبو موسى يريد أن يأخذ الطلاب في ملكة، لذلك قرأ لهم «الأثار» و«الدلائل». الدكتور أبو موسى لن يجلس ويشرح لك متن التلخيص أو حتى «مفتاح العلوم» للسكاكي، هو يريد أن يخاطبك خطاباً آخر، روح لأستاذ يشرح لك التلخيص أو يشرح لك المفتاح.

ها اسمع: وكانت المحصلة ما عبر عنها أبو يعقوب السكاكي الذي كان يحرص على أن يضع كل شيء في قاعدة، وأن يجعل كل حكم بإزاء سببه. قال رحمه الله: ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق. ومدرك الإعجاز عند السكاكي يقول -والدكتور محمد أبو موسى ينقله- يقول: ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق، ولم يجد في كلامهم السبب الذي بوجوده يجب هذا الحكم وبحصوله يستحق هذا الوصف، مع أنه نفض كلامهم كلمة. وليس هذا قدحاً في الجهود الصادقة والشامخة التي خلفها هؤلاء الأعلام، وإنما الأمر يرجع كما قال الخطابي نفسه الذي يتصدى لبيان السبب والعلة إلى تعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته، يعني في نصه وليس في الأصل كما يوحي كلام الدكتور.

وأنا دارس لكلام الخطابي والرماني والباقلاني وعبد القاهر، وأعرف تماماً هذه السياقات؛ يتحدثون عن استخراج العلة داخل النص. قال: وكان عبد القاهر يجتهد في الكشف عن أسرار البيان، ثم يكون أحياناً وقد أعوزته العلة فيقول: عد إلى نفسك وتأمل ما يقع فيها، أو يقول صراحة: وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه، والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل. هذا عين ما عند الباقلاني أيضاً بالمناسبة، وكان كثيراً ما يؤسس القول بفروق وخصائص أسلوبية على هذه الحالة المنبعثة عند سماع الكلام. هذا الدكتور محمد أبو موسى وكلامه على السكاكي، وقد رجح ولخص حالهم.

وللدكتور كلام على «الإيضاح» الذي قال مؤلفه القزويني الخطيب إنه بمقام شرح التلخيص، تلخيص ماذا؟ تلخيص المفتاح، مفتاح من؟ مفتاح السكاكي الذي ادعى الدكتور أحمد صبرة أن الدكتور محمد أبو موسى أهمله له. «إيضاح» القزويني يا إخوة، هذا إيضاح القزويني يقول الدكتور محمد أبو موسى -هذا في كتاب المدخل إلى كتابي عبد القاهر-: كتاب الإيضاح يمثل رأس الدراسة البلاغية عند المتأخرين. كتاب الإيضاح يمثل رأس الدراسة البلاغية عند المتأخرين، هذا كلام الدكتور أبو موسى عن كتاب الإيضاح الذي هو بمقام الشرح، وضعه القزويني كما قال في مقدمته ليكون بمقام الشرح للتلخيص الذي هو تلخيص المفتاح للسكاكي. وهذا كلام الدكتور أبو موسى عن السكاكي الذي جعله خلاصة لكلام السابقين، وأنه وضعه في قاعدة، وأرجع قضية الإعجاز إلى الحس والذوق، هذه قضية طبعاً مفصلة أخرى بعيدة تماماً.

قلت هناك نقطة تخص أبا موسى وقد تتعلق بإنصافه، وقد أنصفته. هناك نقطة تتعلق بالدكتور يقول: السكاكي الذي وضع كذا.. طيب يا دكتور حسن صبرة، السكاكي أقر الإعجاز وقال مرجعه إلى الحس المحض، هذا ضد منهجك، أنت تعلقت بالسكاكي لما وجدت الدكتور أبا موسى كما تقول أهمله لأنه لم يذكره. يا إخوة، هو يتكلم عن أنه أهمل السكاكي لأنه لم يتكلم عنه هنا، مع أن كتاب السكاكي لم يوضع في قضية إعجاز القرآن، وضع في قضية ماذا؟ أو بماذا تكلم في إعجاز القرآن؟ ما رأيتموه الآن: يدرك بالحس وانتهينا، وبقية الكتاب يلخص بلاغة عبد القاهر. فلماذا تكلم عن عبد القاهر وعن الباقلاني وعن الرماني وعن الخطابي؟ هؤلاء ألفوا في إعجاز القرآن، وعنوان هذا الكتاب «الإعجاز البلاغي: دراسة تحليلية لتراث أهل العلم».

إعجاز القرآن؟ مفتاح السكاكي، أبي يعقوب السكاكي، ليس في الإعجاز، واختصر الكلام فيه أن مرجعه إلى الحس والذوق وانتهينا. ومع ذلك ذكره هنا الدكتور أبو موسى لما قال لك إنه لخص قضية أهل العلم في هذا لما اشتدت عليهم في تعيين الوجه. ومع ذلك السكاكي تكلم عنها في أثناء البلاغة يا دكتور أحمد، حتى لا تقول لا يوجد إعجاز؛ السكاكي الذي تتعلق به تكلم عن إعجاز القرآن وأثبته بالحس في غضون كتابي «المفتاح في علوم البلاغة». فأنت متعلق بالسكاكي، متعلق بحبل لن يتعلق بك السكاكي، يعني لن يسعفك، لكن عند من سيسعفك؟ عند المساكين الذين لا يفهمون، عند الدارس لن يسعفك، عند من يقرأ وهو يحترم نفسه ويفتش وينظر وعنده علم لن يسعفك.

فهذا غريب منك أن تحاسب الدكتور أبا موسى أنه لم يذكر السكاكي هنا وهو يتكلم عن الإعجاز في «دلائل الإعجاز» وفي «الباقلاني»، كتاب «إعجاز القرآن»، وفي «رسالة الخطابي»، وفي «رسالة الرماني»، كلاهما في إعجاز القرآن. الله! ومع ذلك ذكر لك السكاكي السطر الذي يعنيه في الإعجاز. أي كلام يا دكتور أحمد؟ أي كلام، أي تكميشة هنا وهنا؛ ما هو لو خلت على مئة لن تخل على واحد بعد المئة، يعني بين كل مئة هناك واحد سيقول هذا تكميش. ليس شرطاً أن يكون ممن هاج عليك وأساء، لا.

بعد ذلك بقية المقال، يعني انتهى المقال وعنوانه «أوهام الإعجاز»، وحسبت أنه في هذه المقالة سيدل على قضية الإعجاز ويذكر الشبه ويذكر كذا، ويقول الدكتور أبو موسى إنه ليس دقيقاً في دلالة العنوان على المحتوى وكذا. وأنا أسأل: أين أوهام الإعجاز في هذا المقام؟ تتلخص أوهام الإعجاز فيما قلت لكم: أنه أول حاجة خديعة، أول شيء خديعة الإعجاز المرتبط بقوة غيبية لا يمكن لنا أن نطبق عليها قوانين الأرض؛ كلام معلش أنا آسف يعني كلام شخص يحاول أن يكون فاهماً. شخص صغير يحاول أن يكون فاهماً قوانين الأرض تنطبق على أمور غيبية؟ عرفنا ما فيها. ثم مغالطتك: فإذا صدقته لن تسأل عن الدليل؛ أي كلام طبعاً واضح يعني، ينبغي أن تحترم القارئ يا دكتور أحمد صراحة. ثم لم يحدد الوجه الذي تحدى هم فيه، لا تحدد محدد تماماً.

المقالة الثانية أو أسف الرابعة تحت عنوان الشيخ اللين أحياناً الحاد أحياناً أخرى، هي طويلة، نؤجلها للغد إن شاء الله. نؤجلها ولا نقرأ؟ ماذا ترون؟ نؤجل أم نقرأ يا إخوة؟ نؤجل، نؤجل غداً خلاص، شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. طبعاً مقالة الغد، مقالة الغد الشيخ اللين أحياناً الحاد أحياناً أخرى، ماشي في أمان الله، السلام.