الوجه الثاني: إذا دخل المسجد في الأوقات المكروهة، فليركع أم لا؟ اختلفوا فيه. فذهب مالك إلى أنه لا يركع. والمعروف من مذهب الشافعي وأصحابه أنه يركع؛ لأنها صلاة لها سبب، ولا يكره في هذه الأوقات من النوافل إلا ما لا سبب له. وحكي وجه آخر أنه يكره، وطريقة أخرى أن محل الخلاف إذا قصد الدخول في هذه الأوقات لأجل أن يصلي فيها، أما على غير هذا الوجه فلا.
وأما ما حكاه القاضي عياض عن الشافعي في جواز صلاتها بعد العصر ما لم تسفر الشمس، وبعد الصبح ما لم تسفر، إذ هي عنده من النوافل التي لها سبب، وإنما يمنع في هذه الأوقات ما لا سبب له ويقصد ابتداء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها وتصلوا عند ذلك» انتهى كلامه. فهذا لا نعرفه من نقل أصحاب الشافعي على هذه الصورة، وأقرب الأشياء إليه ما حكيناه من هذه الطريقة، إلا أنه ليس هو إياه بعينه.
وهذا يتكلم عن صلاة تحية المسجد في وقت النهي، هل تصلى أو لا؟ الأوقات المكروهة التي هي أوقات النهي، فهل تصلى أو لا؟ ذكر قولين: قول مالك إنه لا يركع، لا يصلي تحية المسجد، وهو أيضاً مذهب أبي حنيفة ومذهب الحنابله رحمهم الله تعالى في المشهور عندهم، ومذهب الشافعي يقول: إنه يركع. لماذا؟ لأنها من ذوات الأسباب، والنهي جاء موجهًا إلى صلوات النوافل التي لا سبب لها.
قال: وحكي وجه آخر يعني في مذهب الشافعي أنه يكره، يعني أنهم وافقوا الجمهور في أنها لا تصلى في وقت الكراهة للتنزيه أو للتحريم، ويراجع قولهم هناك. وطريقة أخرى يعني في مذهب الشافعية: أن محل الخلاف إذا قصد الدخول في هذه الأوقات لأجل أن يصلي فيها، أما على غير هذا الوجه فلا. يعني أن من الشافعية من قال إنه يفرق في صلاة تحية المسجد وقت النهي، فإذا دخل، فإذا قصد المسجد وقت النهي ليصلي تحية المسجد فهنا ينهى عنه، أما إذا قصده لأمر آخر، كما لو قصده لحضور مجلس علم أو لاعتكاف في مسجد وبدأ الاعتكاف في وقت النهي مثلاً، فهل يصلي تحية المسجد أو لا؟ يقول هنا فرقوا، وهذا هو الوجه الصحيح عند الشافعية، أنهم يفرقون فيقولون: تحية المسجد هل تصلى وقت النهي أو لا؟ يقولون: تصلى إذا دخل المسجد بغرض له، كما لو دخله لمثلا حضور درس علمي بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر مثلاً، فانه يصلي تحية المسجد. أما لو قصد المسجد ليصلي التحيه فقط فهنا ينهى عنه.
ثم ذكر أن ما حكاه القاضي في تحليل مذهب الشافعي في أنها تصلى بعد العصر، يعني تحية المسجد، وبعد الصبح ما لم تسفر الشمس، بعد العصر وبعد الصبح ما لم تسفر، لماذا؟ لأنها من ذوات الأسباب، وإنما يمنع في هذه الأوقات ما لا سبب له ويقصد ابتداء. فيقول إن هذا ليس هو المعروف من مذهب الشافعي؛ مذهب الشافعي هو أنها إما أن تصلى وقت النهي مطلقاً، أو يفرق في القصد. لكن أما أن نقول يمنع في هذه الأوقات ما لا سبب له ويقصد ابتداء، فلو أنه صلى ذوات الأسباب نعم، صلى نفلًا لكن لم يقصد، لم يقصد أن تصلى هذه في وقت، لكن مثلاً لو أحس من قلبه رقة نحو ذلك فأراد أن يصلي، فيقول هذا مذهب الشافعي أنه يجوز. يقول لا، مذهب الشافعي أنه يجوز ذوات الأسباب بشرط ألا يتقصد. نعم، الآن يذكر لك، سيذكر الآن مبنى الخلاف بين الجمهور والشافعية.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وهذا الخلاف في هذه المسالة ينبني على مسألة أصولية مشكلة، وهو ما إذا تعارض نصان كل واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه خاص من وجه. ولست أعني بالنصين ههنا ما لا يحتمل التأويل.
وتحقيق هذه المسألة مبنية على مسألة: إذا تعارض نصان كل منهما عام من وجه خاص من وجه. ويقول: النصان هنا، النص ليس المراد بهما ما لا يحتمل التأويل، النص يعني الدليل؛ لأن النص يطلقه الأصوليون على ما لا يحتمل التأويل، يعني يقابله الظاهر والمؤول، فهذا يقابل ذلك النص، النص الذي لا يحتمل معنى آخر. يقول: لا، أنا لا أقصد بهذا، أقصد بالنص يعني الدليل؛ فإذا وجد دليلان أحدهما أعم من وجه وأخص من وجه، والآخر أعم من وجه أخص من وجه، فما الذي يقدم؟ الآن سيذكر لك القسمة الرباعية للأدلة المتقابلة.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وتحقيق ذلك أولاً يتوقف على تصور المسألة فنقول: مدلول أحد النصين إن لم يتناول مدلول الآخر ولا شيئاً منه فهما متباينان، كلفظة المؤمنين والمشركين مثلاً. وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر فهما متساويان، كلفظة الإنسان والبشر مثلاً. وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر ويتناول غيره فالمتناول له ولغيره عام من كل وجه بالنسبة إلى الآخر، والاخر خاص من كل وجه. وإن كان مدلولهما يجتمع في صورة وينفرد كل واحد منهما بصورة أو صور، فكل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه.
تحت هنا هذه القسمة الرباعية للتقابل بين الألفاظ، يقول: الألفاظ المتقابلة تأخذ من أربعة حالات؛ أما أن تكون كل منهما لا يتناول الآخر، يقول مدلول لأحد النصين لا يتناول مدلول الآخر ولا شيئاً منه فهما متباينان، مثل المؤمن والمشرك، هذا المؤمن لا يدخل فيه المشرك مطلقاً، والمشرك لا يدخل فيه المؤمن مطلقاً فهما إذن عامان، لا يخصص أحدهما الآخر. طيب، والثانية: مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر فهما متساويان، مثل الإنسان والبشر، فكل إنسان بشر وكل بشر إنسان، فهما مترادفة. طيب، تاتينا الثالثة: أحدهما أعم من الآخر من كل وجه، فالعام يدخل فيه الخاص والخاص لا يدخل فيه العام، يعني مثل لفظة الإنسان والمؤمن؛ فالإنسان يعم المؤمن والكافر، لكن المؤمن هل هو عام لكل انسان؟ لا، لأن هناك أناساً كفاراً. فإذاً يقول الإنسان مثلاً، أحدهما أعم من الآخر من كل وجه؛ فالإنسان إذن الإنسان عام، كأنه يشمل الكافر والمؤمن، والمؤمن خاص؛ لأنه ليس كل إنسان مؤمناً. فإذا جاءنا إذن لفظ عام ولفظ خاص فنخصص العام بالخاص كانتا حكومة واحدة. ياتينا الرابع: الرابع لا، كل واحد منهما عام من وجه وخاص من وجه. فما العمل؟ الآن سيطبق لك على أحاديث صلوات النهي مع أحاديث تحية المسجد.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: فإذا تقرر هذا، فقوله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد في آخره، مع قوله: لا صلاة بعد الصبح، من هذا القبيل؛ فانهما يجتمعان في صورة، وهو ما إذا دخل المسجد بعد الصبح أو العصر، وينفردان أيضاً بأن توجد الصلاة في هذا الوقت من غير دخول المسجد، ودخول المسجد في غير ذلك الوقت.
إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، وحديث: لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. يقول: هذان الحديثان كل واحدة منهما عام من وجه وخاص من وجه؛ فحديث تحية المسجد هذا عام في كل وقت؛ لأنه لم يقيد: إذا دخل أحدكم المسجد (يعني في أي وقت) فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، وهو خاص في الصلاة. إذاً: عام في الوقت، خاص في الصلاة. وأحاديث النهي: لا صلاة بعد الصبح، لا صلاة بعد العصر، هذه خاصة في الوقت لكن عامة في الصلاة. خاصة في الوقت وعامة في الصلاة. ففي الوقت أحاديث التحية أعم، وفي نوع الصلاة أحاديث النهي أعم. فهنا ما العمل؟
يقول هذه يعني إذا اردنا أن نفترض الصور التي ممكن أن ترد تحت هذه المساله، يقول: ثلاث صور، صورتان يكون فيهم يطبق فيهما أحد الحديثين، والصورة الثالثة يجتمع الحديثان. فما الذي نقدمه؟ فالصورة التي يجتمع فيها الحديثان هي إذا ما دخل المسجد بعد الصبح، دخل المسجد بعد الصبح، فهنا ينطبق عليه الحديث الأول: إذا دخل أحدكم المسجد حتى يصلي ركعتين، وينطبق عليه الحديث الثاني: لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. واما المسألتان اللتان يطبق فيهما أحد الحديثين، فيقول: ينفردان بان توجد الصلاة في هذا الوقت من غير دخول المسجد، فهنا يعني مثلاً نهى عن الصلاة بعد طلوع الشمس بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وهو لم يدخل المسجد، فهنا نهي يطبق في حديث النهي ولا يطبق في حديث تحية المسجد؛ لأنه لم يدخل المسجد. وأيضاً دخول المسجد في هذا الوقت لو دخل المسجد مثلاً بعد صلاة المغرب، فهنا ينطبق عليه حديث المسجد: حتى يصلي ركعتين، ولا ينطبق عليه حديث النهي. فاذاً الصورة التي يجتمع فيها الحديثان ما العمل؟
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: فإذا وقع مثل هذا، إذا وقع مثل هذا، فالإشكال قائم؛ لأن أحد الخصمين لو قال: لا تكره الصلاة عند دخول المسجد في هذه الأوقات؛ لأن هذا الحديث دل على جوازها عند دخول المسجد، وهو خاص بالنسبة للحديث الأول المانع من الصلاة بعد الصبح... فأخص، فأخص... ق... فأخص قوله: لا صلاة بعد الصبح بقوله: إذا دخل أحدكم المسجد. فلخصمه أن يقول: قوله: إذا دخل أحدكم المسجد، عام بالنسبة إلى الأوقات، فأخصه بقوله: لا صلاة بعد الصبح؛ فإن هذا الوقت أخص من عموم الأوقات.
فالحاصل يقول: يعني يقول الإشكال قائم هناك، كل منهما أعم من وجه أخص من وجه. فإذا جاء مثلاً الشافعي وقال: أنا أقدم حديث صلاة دخول المسجد، صلاة تحية المسجد على أحاديث النهي. لماذا يا أيها الشافعي؟ قال: لأن الحديث دل على الجواز عند دخول المسجد، وهو خاص بالنسبة للحديث الأول المانع من الصلاة بعد صلاة الصبح، فأقدم... الخصم العام فيقول خصمه: لا، أنا أقدم النهي. النهي لماذا؟ لأن حديث النهي، لأن حديث دخول المسجد هذا عام في أي وقت، فنخصصه بأحاديث أوقات النهي، فالخاص يقدم على العام. فكل منهما نظر إلى وجه من وجوه التخصيص والتعميم، فلم ينظروا إلى أن كل منهما خاص من وجه عام من وجه.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: فالحاصل أن قوله عليه السلام: إذا دخل أحدكم المسجد، خاص بالنسبة إلى هذه الصلاة -أعني الصلاة عند دخول المسجد- عام بالنسبة لهذا الوقت. وقوله: لا صلاة بعد الصبح، خاص بالنسبة إلى هذا الوقت عام بالنسبة إلى الصلوات. فوقع الاشكال من ههنا.
يقول: الحديث اللي قدمناه قبل قليل، أحدهما خاص في الأوقات عام في الصلوات، والاخر عام في الأوقات خاص في الصلوات. فكل منهما خاص من وجه عام من وجه، ولو كان أحدهما عمومه مطلقاً ولا خصوصه مطلقاً، نقول: العام يخصص بالخاص. لكن كل منهما أعم من وجه وأخص من وجه.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وذهب بعض المحققين في هذا إلى الوقف حتى ياتي ترجيح خارج بقليلة أو غيرها؛ فمن ادعى هذين الحكمين -أعني الجواز أو المنع- فعليه إبداء أمر زائد على مجرد الحديث.
نعم، يقول: لذلك لما أكلت هذه المسألة الأصولية على بعض فضلاء الأصوليين -ويظهر والله أعلم أنه أن ابن دقيق العيد رحمه الله كانه يميل إلى هذا- يقول: توقف بعضهم في هذا، فيتوقف في هذه المسألة حتى يأتي ترجيح من أمر خارج. فيقول: من ادعى أحد هذا الحكم -يعني الجواز أو المنع- فعليه إبداء أمر زائد على مجرد الحديث؛ لأن الحديث هذا ما يمكن أن يعني التعارض بين الحديثين لا يمكن أن نرجح أحدهما على الآخر؛ لأن كل منهما خاص من وجه عام من وجه. ولذلك هذه مسألة كما قلنا أشكلت على فضلاء المحققين من علماء فقهاء وأصوليين، حتى قال بعضهم: لا يدخل في هذا الوقت، لا يدخل المسجد في هذا الوقت؛ لأنه إن صلى فهو عاص، وإن ترك وجلس فهو عاصٍ. على قول آخر قالوا: لا يدخل، وبعضهم قال: يدخل ويبطجع، لا يجلس. وعلى أن المسألة خلافية كما تعلمون، وأكثر أهل العلم على أنه لا يصلي. ومن قالوا بالصلاة، ومن قالوا بأنه يصلي ذوات الأسباب، اخذوا بالترجيح من وجه آخر، فقالوا: إن عموم أحدهما دخله من التخصيص أكثر مما دخل التخصيص من عموم الآخر.
فالذي دخله التخصيص بكثرة يضعف، فيرجع عليه الدليل الآخر.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الوجه الثالث: إذا دخل المسجد بعد أن صلى ركعتي الفجر في بيته، فهل يركعهما في المسجد؟ اختلف قول مالك فيه، وظاهر الحديث يقتضي الركوع. وقيل إن الخلاف في هذا من جهة معارضة الحديث للحديث الذي رووه من قوله عليه السلام: «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر». وهذا أضعف من المسألة السابقة؛ لأنه يحتاج في هذا إلى إثبات صحة هذا الحديث حتى يقع التعارض، فإن الحديثين الأولين في المسألة الأولى صحيحان. وبعد التجاوز عن هذه المطالبة وتقدير تسليم صحته، يعود الأمر إلى ما ذكرناه من تعارض أمرين يصير كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه.
نعم، هنا يقول: إذا دخل المسجد بعد أن صلى ركعتي الفجر في بيته، فهل يركعهما في المسجد أو لا؟ أولا هذه مبنية طبعا على مسألة، وهي: متى يبدأ وقت النهي في الصبح؟ هل يبدأ من طلوع الفجر أو يبدأ من بعد صلاة الفجر؟ فالذين قالوا من بعد صلاة الفجر لا ترد عليهم هذه المسألة، المسألة ترد على الذين يرون أن وقت النهي يبدأ من طلوع الفجر، وأن راتبة الفجر إنما هي مستثنى. فقالوا: لو أنه صلى راتبة الفجر في بيته ثم أتى المسجد فوجده لم تقم الصلاة، فهل يصلي الراتبة أو يصلي تحية المسجد أو لا؟ على القول بأن وقت النهي يبدأ من طلوع الفجر، يقول: اختلف قول مالك رحمه الله في ذلك؛ روى أشهب عنه أنه يركع، وروى ابن القاسم أنه لا يركع. قال ابن الفكهاني: والذي رواه ابن القاسم هو الجاري على الفقه. لماذا؟ يقول: لأن التنفل بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح بغير ركعتي الفجر مكروه.
ثم ذكر وجه رواية أشهب الذين قالوا يتنفل؛ قال: إن كراهة التنفل في هذا الوقت أخف، لماذا؟ لأنها معللة بخوف تأخير صلاة الصبح عن أول الوقت، وفي مسألتنا لزم التأخير لغيبة الإمام مثلا، وإنما منع من التنفل لئلا يؤخر صلاة الصبح عن وقتها. طيب، هو جاء إلى المسجد ووجده لم تقم والصلاة والامام لم يأت، فيقول هنا العله انتفت فله أن يصلي. قالوا في مسألة لزم التأخير لغيبة الإمام مثلا أو لغير ذلك، فلا حاجة لترك تحية المسجد مع أن الصبح لابد من تأخيرها إلى أن يحضر الإمام.
قال ويعضد هذا بأنه قد ابيح التنفل بعد الفجر وقبل الصبح لمن فاته حزبه من الليل؛ يعني من طلع الفجر وهو لم يوتر ثم قام بعد مع أذان الفجر، فأبيح له أن يصلي الوتر بين الأذان والإقامة، أما أن يصليها الآن أو يصليها بعد ارتفاع الشمس، لكنه أبيح أن يصليها. يقول: هذا مما يدل على أن النهي فيه مخفف وليس مغغلظ. طبعا هو يقول المؤلف رحمه الله قال: ظاهر الحديث يقتضي الركوع فيقدم أحاديث الأمر. لكن يقول الخلاف في هذا، لماذا هذا نقول خلاف في هذا؟ يقول: لأنه معارض بمثل حديث «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر».
لكن يقول الخلاف في هذا أخف من خلاف فيما قبله، لماذا؟ لأن الحديث هذا فيه ضعف، فالذين يقولون إنه ضعيف وأن النهي يبدأ من صلاة الفجر خلاص يسقطونه ولا في إشكال يصلي تحية المسجد، لكن الكلام في الذين يصححونه ويرون أن النهي يبدأ من طلوع الفجر، فيقول هنا نرجع إلى المسألة السابقة في تعارض العمومين اللذين كل منهما أعم من وجه وأخص من وجه.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الوجه الرابع: إذا دخل مجتازا فهل يؤمر بالركوع؟ خفف ذلك مالك رحمه الله. وعندي أن دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه المساله؛ فإن نظرنا إلى صيغة النهي فالنهي يتناول جلوسا قبل الركوع، فاذا لم يحصل الجلوس أصلا لم يفعل المنهي. وإن نظرنا إلى صيغة الأمر فالامر توجه بركوع قبل جلوس، فإذا انتفيا معا لم يخالف الأمر.
نعم، إذا دخل مجتازا، يعني هو سيمر بالمسجد مرورا ولن يمكث فيه، فهل يندب له أو يؤمر بتحية المسجد؟ يقول خفف ذلك مالك رحمه الله. الإمام مالك رحمه الله يقول: بلغني أن زيد بن ثابت كره أن يمر فيه ولا يركع، قال: وأرى ذلك واسعا. الإمام رحمه الله خفف بذلك، الإمام مالك رحمه الله خفف. ابن دقيق العيد رحمه الله يقول: دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه المسألة. لماذا؟ يقول الحديث جاء بروايتين؛ برواية: «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، وبرواية: «فليركع ركعتين قبل أن يجلس». فنأخذ صيغة النهي، إذا أخذنا صيغة النهي: فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، إذا النهي نهي عن الجلوس قبل أن يصلي ركعتين، وهو إذا اجتاز فلن يجلس، فاذا لم يفعل المنهي...
طيب ننتقل إلى الرواية الثانية اللي فيها صيغة الأمر: «فليركع ركعتين قبل أن يجلس». يقول: هو أمر بأن يركع ركعتين ثم يجلس وهو لن يجلس، فلذلك سيترك الأمر,ين يعني سينتفي معه الأمران، وإذا انتفى الأمران فإنه لم يخالف مقتضى الأمر. لكن قال ابن الملقن رحمه الله لما نقل كلام ابن دقيق العيد رحمه الله قال: قلت ورواية أبي داود: «ثم ليقعد بعد إن شاء ليذهب لحاجته» دالة على استحبابها للمجتاز، لكن في إسنادها رجل مجهول، ولعله لهذا خفف فيه الإمام مالك رحمه الله؛ لعله إما أن لم يثبت عنده هذا الحديث أو لم يبلغه، والعلم عند الله.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الوجه الخامس: لفظة المسجد تتناول كل مسجد، وقد أخرجوا عنه المسجد الحرام وجعلوا تحيته الطواف. فإن كان في ذلك خلاف فلمخالفهم أن يستدل بهذا الحديث، وإن لم يكن فالسبب في ذلك النظر إلى المعنى، وهو أن المقصود افتتاح الدخول في محل العبادة بعبادة، وعبادة الطواف تحصل هذا المقصود مع أن غير هذا المسجد لا يشاركه فيها، واجتمع في ذلك تحصيل المقصود مع الاختصاص. وأيضا فقد يؤخذ ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجته حين دخل المسجد فابتدا بالطواف على ما يقتضيه ظاهر الحديث واستمر عليه العمل، وذلك أخص من هذا العموم. وأيضا فإذا اتفق أن طاف ومشى على السنة في تعقيب الطواف بركعتيه وجرينا على ظاهر اللفظ في الحديث فقد وفينا بمقتضى...
نعم يقول لفظ المسجد «دخل أحدكم المسجد» ابتداء، هذه أل التعريف دخلت على أل التعريف، إذا دخل أحد المسجد... «فلا يجلس المسجد»، يعني أي مسجد، أي مسجد فهي أل للعموم، تعريف للعموم، أي مسجد. معنى كل مسجد يعني.
قال: وقد أخرج العلماء رحمه الله تعالى أخرج المسجد الحرام مع أنه داخل في لفظ مسجد، وجعلوا تحيته الطواف. يقول الإمام المؤلف رحمه الله تعالى: فإن كان في ذلك خلاف، يقول هذا ذكره طوائفنا في العلم، فإن كانت المسالة إجماعا فنلتمس له حكمة، وإن كانت المسالة فيها خلاف فلمخالف أن يستدل بهذا الحديث. وأن المسجد الحرام مسجد فيشمله عموم هذا الحديث، لكن إذا كانت المسألة إجماعية فيقول: السبب في ذلك النظر إلى المعنى فلا نتقيد باللفظ، المعنى هو أن داخل المسجد ينبغي أن يفتتح دخوله بعباده، فدخل المسجد فيفتتح بعباده، وتحية المسجد، دخل المسجد الحرام يفتتح بعبادة وهي الطواف، فيحصل المقصد من شرعية تحية المسجد وهو أن يفتتح دخوله المسجد بعبادة.
ويقول: إن عبادة الطواف هذه لا تكون في غير المسجد الحرام، فاجتمع في ذلك تحصيل المقصود وأن يكون مع العبادة أن يكون بعبادة مع الاختصاص، يعني عبادة مختصة بالمسجد الحرام. وأيضا هذا النظر إلى المعنى، الدليل الثاني النظر إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مثلا أول ما بدأ بالمسجد، بل أول ما دخل المسجد بدأ بالطواف عليه الصلاة والسلام ولم يصلي ركعتي تحية المسجد قبل الطواف. وهذا استمر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ففعله صلى الله عليه وسلم خصص العموم في الحديث: «إذا دخل أحدكم المسجد».
الأمر الثالث: يعني لو لم نسلم بالأول ولا بالثاني، نقول هو إذا طاف انتهى، سيصلي ركعتي الطواف، فيصدق عليه أنه لم يجلس حتى صلى ركعتين.
نعم وبعضهم أيضا، بعضهم استثنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد وسع الإمام مالك رحمه الله لداخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل التحية. وقال في العتبية: يبدأ بالصلاة قبلها، واستحسنه ابن القاسم، يعني أنه يصلي قبل أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم. لماذا؟ يقول: فإن السلام لا يفوت بها؛ يعني كونه يصلي تحية المسجد ثم يأتي يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم يصدق عليه أنه أول ما جاء قابل النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه. أيضا يقول: السلام الآن على النبي صلى الله عليه وسلم من إكرامه، ومن إكرامه عليه الصلاة والسلام امتثال أمره صلاة تحية المسجد. فلذلك يقول: ولان من جملة إكرامه عليه السلام امتثال أوامره، والتحية مما أمر بها عليه الصلاة والسلام.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الوجه السادس: إذا صلى العيد في المسجد فهل يصلي التحية عند الدخول فيه؟ اختلف فيه، والظاهر من لفظ الحديث أن يصلي، لكن جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي قبلها ولا بعدها -يعني صلاة العيد- والنبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي العيد في المسجد ولا نقل ذلك، فلا معارضة بين الحديثين، إلا أن يقول قائل ويفهم فاهم أن ترك الصلاه قبل العيد وبعدها من سنة صلاة العيد من حيث هي، وليس لكونها واقعة في الصحراء أثر في ذلك الحكم، فحينئذ يقع التعارض. غير أن ذلك يتوقف على أمر زائد وقرائن تشعر بذلك، فإن لم يوجد فالاتباع أولى استحبابا؛ يعني في ترك الركوع في الصحراء وفعله في المسجد للمسجد لا للعيد.
نعم، هنا يقول: الوجه السادس: إذا صلى العيد في المسجد فهل يصلي التحية عند الدخول فيه؟ قال: اختلف فيه، والظاهر من هذا الحديث أنه يصلي، أنه يصلي يعني إذا اخذنا بهذا الحديث فنقول من دخل المسجد لصلاة العيد فانه يصدق عليه انه دخل مسجدا فينطبق هذا الحديث: «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». طبعا الكلام في دخولها في غير وقت النهي، أما دخوله في وقت النهي فهذا ينبني عليه المسألة التي ذكرها في الوجه الثاني، لكن الكلام هنا في دخولها في غير وقت النهي فهل يصلي التحية أو لا؟ يقول: اختلف فيه والظاهر من لفظ هذا الحديث أنه يصلي.
يقول لكن أورد إشكالا: أنه جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي قبلها ولا بعدها، يعني صلاة العيد. لكن يقول هذا يجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي العيد في المسجد ولا نقل ذلك، فلا معارضة بين الحديثين. فنقول: إذا صلى في المسجد فيصلي تحية المسجد، إذا صلى في المصلى فلا يصلي تحية المسجد. على أن ابن الملقن لما ذكر هذا الكلام لابن دقيق العيد رحمه الله قال: وهو عجيب، يعني جزمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي العيد في المسجد ولا نقل ذلك، يقول وهو عجيب، ففي سنن أبي داود وابن ماجه أنه عليه الصلاة والسلام صلى بهم في مسجد يوم عيد أجل المطر، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد. والحديث ضعفه الذهبي في الميزان وابن حجر في التلخيص والبلوغ، أما النووي رحمه الله فقد جود إسناده في المجموع. فقال: القول بأنه ضعيف إذا ولم يثبت، أن بعضهم قال منكر، والمنكر يعني ضعيف جدا.
فاذا كان لم يثبت فهنا نقول: إذا لا تعارض بين الحديثين، لكن إذا القول بثبوته فهنا يكون فيه تعارض، فيجاب عنه بقوله: إلا أن يقول قائل ويفهم فاهم أن ترك الصلاة قبل العيد وبعده من سنة صلاة العيد من حيث هي، وهو طبعا ما يقرره أصحابنا الحنابلة رحمهم الله تعالى أن ترك الصلاة، يعني التحية قبل صلاة العيد هذا من سنة صلاة العيد، فلا يصلي تحية قبلها، سواء صلى في المصلى أو صلى في المسجد لا يصلي التحية قبلها، وليس لكونها واقعة في صحراء، لا؛ لأنها صلاة عيد.
لكن يقول: فحينئذ يقع التعارض، يعني إذا قلنا أنها تصلى أنها لا تصلى مطلقا، لا في المسجد ولا في البيت، ولا لا تصلى مطلقا، لا إذا صلى في المصلى صلى في المصلى لأنه يصلي العيد فنقول هنا يقع التعارض بين هذا الحديث وبين حديث: «إذا دخل المسجد» حتى يصلي ركعتين. فنرجع إلى المسألة التي قدمها المؤلف في التعارض من وجه، نعم العموم من وجه الخصوص من وجه. قال: غير أن ذلك يعني تقرير هذا الأمر أن ترك السنة قبل العيد لكونها صلاة عيد لا لكونها في المصلى، يقول يتوقف على أمر زائد وقال بذلك، فإن لم يوجد فالتباع أولى استحبابا، يعني يقول هذه تحتاج إلى قرائن تدلنا على أن ترك السنة قبل العيد لكونها صلاة عيد لا لكونها صليت في المصلى، فنحتاج إلى قرائن، فإن لم توجد فالأصل أننا نفرق بين المسجد والمصلى، فنقول المصلى لا تصلى فيه تحية المسجد، والمسجد تصلى فيه تحية المسجد.
على أن الأصحاب رحمهم الله تعالى يرون أن مصلى العيد مسجد، لكنهم يقولون وإن كان مسجدا لكن لا تصلى تحية المسجد قبله، لتركه صلى الله عليه وسلم لذلك.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الوجه السابع: من كثر تردده إلى المسجد وتكرر، هل يتكرر له الركوع مأمورا به؟ قال بعضهم: لا، وقاسوا على الحطابين والفكهين المترددين إلى مكة في سقوط الإرام عنهم إذا كثر ترددهم، والحديث يقتضي تكرر الركوع بتكرار الدخول. وقول هذا القائل يتعلق بمسألة أصولية وهي تخصيص العموم بالقياس، وللأصوليين في ذلك أقوال متعددة.
من كثر تردده للمسجد؛ يدخل ويخرج ويدخل ويخرج، هل يصلي عند كل دخول وخروج؟ يقول: قال بعضهم -طبعا فيه وجهان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب الشافعي ولغيرهم- الحنابلة رحمهم الله تعالى يرون أنه إذا أكثر وتردد عن قرب فإنه لا يصلي، لا يكرر التحية، يعني مثلا وهو في المسجد يقرأ القرآن ثم بدا له أن يذهب إلى دورة المياه وكانت خارج المسجد، فذهب وقضى حاجته وتوضأ ثم رجع، وهنا يقول خروج يسير فلا يكرر تحية المسجد. لكنه ذهب إلى البيت ثم بعد نصف ساعة رجع، أو ذهب إلى السوق ثم بعد نصف رجع، فإنه يصلي تحية المسجد.
وكذلك يقولون مثل قيم المسجد، قيم المسجد المسؤول عن نظافة المسجد وترتيبه ونحو ذلك، يدخل ويخرج ويدخل ويخرج في أوقات متقاربة، فهذا أيضا لا يصلي تحية المسجد عند كل دخول. قاسوه على الحطابين والفكهين المترددين إلى مكة في سقوط الإحرام عن كثرة ترددهم، يعني عندنا الفقهاء رحمهم الله تعالى يرون أن من جاوز الميقات متجها إلى مكة ولو لم ينو النسك فإنه يجب عليه أن يأتي بالنسك، يجب عليه ألا يفارقه إلا محرم ويأتي بالنسك، ويستثنون من ذلك من تكرر دخولهم.
فيقولون يعني مثل الحطابين ونحوهم، فيقولون وهذا فيقول الفقهاء الذين يرون أنه لا يكرر التحية عند كل دخول إذا تكرر، يقولون هذا مثل الحطابين ونحوهم في سقوط الإحرام عنهم، فهو لا يسقط عن تحية المسجد، هذا ذكره بعض الفقهاء، لكن المؤلف رحمه الله تعالى يقول: الحديث يقتضي تكرر الركوع بتكرار الدخول، لأنه قال: «إذا دخل أحدكم المسجد» فعلقه على شرط، وعلقه على شرط والشرط يقتضي تكرر المشروط بتكرر الشرط.
يقول: وقول هذا القائل، يعني الذي ذكر أنه لا يصلي تحية المسجد لتكرر دخوله قياسا على الحطاب ونحوه، يقول: هذه تتعلق بمألة أصولية وهي تخصيص العموم بالقياس، يعني الحديث عندنا: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» مبنية على شرط، دخول الشرط عليه يقتضي العموم، هل يخص هذا العموم بالقياس على الحطابين والفكهين وغيرهم أو لا؟ يقول: هذه مسألة خلافية، فإذا قلنا يقاس إذا يتوجه، وإذا قلنا لا يقاس فلا يتوجه إلا إذا وجد دليل خارج.
ونقف على هذا، نسأل الله الجميع التوفيق والسداد، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان