الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل التعليق على مبحث الإيمان، وكنا قد ذكرنا في اللقاء الماضي بعض المسائل، ذكرنا علاقة الظاهر بالباطن، كذلك ذكرنا سر تميز الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
وفي هذا المجلس إن شاء الله تعالى سنختم الحديث عن مسائل الإيمان بعدد من المسائل. المسألة الأولى: ما هو الأصل الذي نشأ منه الخلاف في حقيقة الإيمان؟ الأصل الذي نشأ منه الخلاف في حقيقة الإيمان هو اعتقاد جميع المخالفين لأهل السنة والجماعة بأن الإيمان عبارة عن حقيقة واحدة، إذا ذهب بعضه ذهب كله. فالخوارج يرون بأن الإيمان عبارة عن حقيقة مركبة من الظاهر والباطن، والعمل داخل في مسمى الإيمان، وفي هذا يتفقون مع أهل السنة والجماعة، إلا أنهم يرون بأن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله. كيف يذهب بعض الإيمان؟ إذا ذهب بعض العمل الظاهر؛ فمثلاً لما يقع الشخص بزنا أو يسرق أو يشرب الخمر، أو يترك فعل عمل من الأعمال التي جاءت الشريعة الإسلامية بإيجابها وفرضها، يكون هذا الإنسان قد نقص إيمانه، فلما ينقص الإيمان يذهب الإيمان؛ لماذا؟ لأن الإيمان عبارة عن حقيقة واحدة.
وبهذا كذلك قالت المرجئة، فالمرجئة يرون بأن الإيمان عبارة عن التصديق، فإذا انتقل من التصديق إلى غيره يكون قد ذهب الإيمان، فإذا نقص التصديق وقع بماذا؟ بشك، فلما يقع بشك لا يثبت له الإيمان. ويضربون أمثلة في هذا ويقولون: العدد، إذا كان العدد مثلاً العشرة -كما يضرب مثال ابن تيمية رحمه الله تعالى في الإيمان الكبير- العشرة لما يذهب بعض العشرة، هل تصبح عشرة أو تنتقل منها إلى غيرها؟ فلا يصبح العدد عشرة، إنما يصبح تسعة، ثمانية، وهكذا. وكذلك يضرب مثالاً في بعض الشراب، فلم يكن هذا الشراب مركباً من أكثر من مادة أو من عنصر، فيذهب أحد هذه العناصر، لا يسمى هذا باسم هذا الشراب لأن هذا العنصر ذهب.
وابن تيمية يرد ويقول بأن الأشياء المركبة ليست على صورة واحدة، إنما الكثير من عامة الأمور المركبة هي إذا ذهب بعضها يذهب كلها. ويضرب مثالاً في ذلك بشجرة؛ فلما يذهب غصن من أغصان الشجرة أو يقطع، هل تذهب الشجرة أو تسمى شجرة؟ تسمى شجرة. هكذا الإيمان، هكذا هو الإيمان. فنفرق بين ذهاب أصل الإيمان وبين ذهاب كمال الإيمان؛ فإذا نقص إيمان الإنسان، هذا النقص يكون مسلطاً على كمال الإيمان، هذا الكمال لما ينقص ينقص إيمان العبد، لكن ما يذهب إيمان العبد.
القصد من ذلك أن الحقيقة المشتركة التي انطلق منها المخالفون لأهل السنة والجماعة، أو منشأ النزاع الذي واقع بين أهل السنة والجماعة والمخالفين لهم، هو في هذا الأمر. أهل السنة والجماعة يرون بأن الإيمان عبارة عن حقيقة مركبة من الظاهر والباطن، والعمل داخل في مسمى الإيمان، إلا أنه يزيد وينقص، فإذا ذهب بعضه لا يذهب جميعه. أما المخالفون لهم، سواء كانوا من الخوارج والمعتزلة الوعيدية أو كانوا من المرجئة، فيرون بأن الإيمان عبارة عن حقيقة واحدة، إذا ذهب بعضه ذهب كله. الفارق بين المعتزلة والخوارج: المعتزلة يتفقون مع الخوارج في الحكم إلا أنهم يختلفون بالاسم.
مسائل الإيمان الكبرى ثلاث. الأولى: الحديث عن حقيقة الإيمان، ما المراد بالإيمان؟ الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، والقول هو قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح. هذه المسألة الأولى هي لب المسائل وأكبر المسائل وأهم المسائل. المسألة الثانية: أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا خلاف أصلي وخلاف حقيقي، وهذه المسألة تعتبر من المسائل الكبرى بالإيمان. والمسألة الثالثة المتعلقة بماذا؟ بالأسماء والأحكام؛ الأسماء يعني: مؤمن، فاسق، منافق، كافر، فاجر إلى آخره، والأحكام هي الحكم في الجنة أو في النار، فهذه المسائل الكبرى.
أما ما سوى ذلك فهي ليست من المسائل الكبرى؛ فمثلاً الاختلاف في الفرق بين الإسلام والإيمان، السلف الصالح يختلفون، والاختلاف أكثره هو من قبيل اختلاف التنوع. وكذلك مثلاً مسألة الاستثناء بالإيمان: «أنا مؤمن إن شاء الله»، هذه المسألة هل هي من المسائل الكبرى أو هي من المسائل التابعة وليست من المسائل الأصلية؟ إنما هي من المسائل الفرعية، والخلاف بها ليس بقوة الخلاف في المسائل الأولى.
القصد من ذلك أن منشأ النزاع الذي وقع عند مخالفي أهل السنة والجماعة هو أنهم ظنوا واعتقدوا بأن الإيمان عبارة عن حقيقة واحدة، فإذا ذهب بعض هذه الحقيقة ذهبت الحقيقة، وضربوا أمثلة مثل ما ذكرنا، فرد عليهم الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى وبين بأن المركبات ليست على صورة واحدة ولا على هيئة واحدة، وضرب الأمثلة هنا من باب التقريب؛ فإذا ما كان المثال موافقاً لحقيقة الشيء يكون هذا المثال ضربه خطأ. لا تأتِ الآن تضرب مثالاً لا يتفق مع نفس الصورة الحقيقية.
نفرق بين إقامة المسألة بالطريقة الصحيحة ثم ضرب الأمثلة التقريبية، وبين ضرب المثال على حقيقة لم يثبت دليلها. هنا لما نأتي ونقول بأنه مثال الشجرة أو مثال العشرة أو مثال هذه كلها تابعة وليست هي الأصل. لماذا أقول هذا؟ قلنا في زماننا الناس بدأوا يخلطون خلطاً كبيراً، ومسائل الإيمان هي واضحة في بدايتها ولكنها مشكلة في تفاصيلها.
هي واضحة في بدايتها، يعني لما تأتي تقول الإيمان عبارة عن قول وعمل إلى آخره، معرفة معتقد أهل السنة والجماعة هذا سهل، لكن لما تدخل بالتفاصيل ثم نسب الأقوال، ثم التفرقة بين القول أو نقل القول المطابق لما تقوله هذه الطائفة، وبين الأقوال التي قد يطلقونها ولكن يختلفون معك في المعاني. فلما تأتي مثلاً عند مسألة الإيمان يزيد وينقص، نجد بأن المخالفين لأهل السنة والجماعة بعضهم ينص على أنه يزيد وينقص، لكن ليس على معنى الزيادة والنقصان عند أهل السنة والجماعة؛ فيتفقون باللفظ لكن يختلفون بالمعنى.
كذلك لما تأتي وتجد تفسيراتهم مثلاً للإيمان وتعريفهم له؛ فلما يقول مثلاً الإيمان عبارة عن تصديق أي قول القلب، طيب عمل القلب يدخل فيه أو لا يدخل؟ تجد في تطبيقاتهم العملية يدخل، لكن بنفس التقرير اللفظي لا يدخل، فهم في تقريراتهم اللفظية لا يدخلون، لكن في تطبيقاتهم العملية يدخلون. الآن لما تأتي وتحكم عليهم يكون حكمك فيه قصور؛ لماذا؟ لعدم استيعاب حقيقة قولهم، وهذه مشكلة المذاهب البدعية؛ المذاهب البدعية التي لا تقوم على أصول صحيحة تقع في هذا الاضطراب وهذا الإشكال.
لذلك من رحمة الله سبحانه وتعالى بأهل السنة والجماعة وضوح أصولهم، حتى لما يختلفون في الفرعيات لا يكون اختلافاً كاختلاف المخالفين لنا في الأصول. هم لم يختلفوا في الأصل أو لم يكن أصلهم قائماً على الكتاب والسنة، حتى لو اتفقوا في الفرعيات لا تنضبط عندهم المذاهب، بخلاف أهل السنة والجماعة. وهذا فقه من الشيخ كبير لما ذكر هذه المسألة، وهذه العبارات لما تقرؤونها لا تقرؤوها قراءة المرور السريع، هذه قراءة مبنية على فهم الخلاف الواقع في هذه المسائل، يعني هذه القراءة مبنية على أمثلة هكذا من باب التقريب حتى نفهم إشكالية التفاصيل وخطأ التقرير.
إشكالية التفاصيل أقصد بها الآن لما تأتي عند مرجئة الفقهاء، هل الخلاف معهم حقيقي أو لفظي؟ تجد ابن تيمية له كلام كثير في الإيمان الأوسط والإيمان الكبير، تجد أحياناً يقول بأنه لفظي وأحياناً يقول بأنه حقيقي، أحياناً يشد وأحياناً يلين. طيب هو لماذا يشد ولماذا هنا؟ الآن انظر إلى السياق؛ فالخلاف مع مرجئة الفقهاء منهم ما هو منضبط ومنهم ما ليس بمنضبط، أقصد منضبط أنهم يتفقون على إخراج العمل من مسمى الإيمان، هذا خلاف حقيقي؛ إخراج العمل من مسمى الإيمان.
لكن لما تدخل بالتفاصيل، هل هم يرون بأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان بمعنى أن العمل منفصل عن الإيمان؟ لا يقولون هذا؛ إن هذا قول المتكلمين، أما هم فلا يقولون هذا، إنما يقولون بأن العمل له ارتباط بالإيمان، لكن ما نوع الارتباط؟ يقولون: ثمرة من ثمرات الإيمان. طيب هنا كلمة «ثمرة» غير كلمة «لازم»، يعني لما نقول بأن العمل يلزم من الإيمان بالقلب (قول القلب وعمل القلب) أن يظهر العمل، هذه كلمة «يلزم» غير كلمة «ثمرة»، وغير أن نقول «منفصل»، فثمرة هي ما بين يلزم وما بين الانفصال، هم هكذا، وهذا كثير، هذا كله من باب التقريب، لذلك لما تدخل بالتفاصيل لا تستطيع أن تجزم في جميع التفاصيل.
لذلك فرق بين نفس أقوالهم المنقولة التي تستطيع أن تجزم بأن هذا هو قولهم وهذا حقيقة قولهم، وبين ما يفهمه الإنسان من الفهم العام والإجمالي. فلما تدخل بالتفاصيل قد لا يوافقون على هذا، يعني لما تأتي عند حماد بن سليمان أو بحديث النعمان، هل هم ينصون بأن الذي يفعل المنكرات والمحرمات غير مستحق للعقوبة أبداً؟ طيب هل هو غير مستحق للعقوبة؟ هل ممكن يدخل النار أو لا يمكن؟ نعم. لكن المشكلة عندهم في ماذا؟ في جنس العمل؛ فعندهم الذي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وقبل ذلك اعتقد بقلبه صحة الدين وعنده من أعمال القلوب، يقولون بأن هذا مؤمن كامل، هو هذا مؤمن، لكن لا يقلون بأن إيمانه مثل إيمان جبريل وميكائيل، لا يصلون لهذا. لكن لما تأتي وتسحب هذه الأقوال ثم تطرد عندك هذه الأقوال تقول بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، هذا القول هو لازم، لكن هل هم يقولون به؟ لا يقولون به، هم لا يقولون بهذا القول.
هل يوجد أحد يقول أصلاً بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب؟ هذا نُسب لجماعة ولكن ليس لأحد بعينه، يعني لم يثبت عن أحد بعينه بأنه يقول بمثل هذا القول. وهكذا؛ القصد من ذلك لما تدخل بالتفاصيل، هنا الدخول في التفاصيل لا تستطيع أن تثبت جميع التفاصيل، فنسبة الأقوال لمن يقول بها، إذا كان القول ثابتاً عنهم وواضح المعنى فيكون هذا صواب، لكن إذا لم يكن بهذه الطريقة لا بد أن تنظر إلى الإطلاق وتنظر إلى المعنى؛ لأنهم قد يطلقون معنى معيناً أو لفظاً معيناً، لكن لا يكون موافقاً لنفس المعنى الذي أنت تقصده أو هم يقصدونه أو أنت الذي تفهمه، فلا بد هنا من النظر في التفاصيل.
لذا لما يذكر مثلاً ابن تيمية يقول بالإجماع بأنه الإيمان يزيد وينقص، وأن المخالفين يرون بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مع أنهم في كتبهم يذكرون بأن الإيمان يزيد وينقص، وابن تيمية يعلم بأنهم يقولون بأن الإيمان يزيد وينقص، يعني هذا ليس مما يخفى على شيخ الإسلام، لماذا؟ لظهوره في كتب المتكلمين؛ يعني هذا لم يقله أحد من المتكلمين الأغمار، إنما قالها مثل الباقلاني، يقولها مثل الغزالي، يقولها مثل ابن فورك. يعني ابن تيمية نقل عن كتب هؤلاء، بل نقل عن نفس الكتب التي ذكروا فيها الإيمان يزيد وينقص، مع ذلك هو ينقل الإجماع.
طيب هو كيف ينقل الإجماع وهو يعلم؟ هو ينقل الإجماع باعتبار معين ليس بالاعتبار الذي هم يقولونه؛ لماذا؟ لأن هنا تقريرهم للإيمان يزيد وينقص مبني على نفس حقيقة الإيمان عندهم، وليس مبني على حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة. هو لما يقول بأنه لا يزيد ولا ينقص، وباعتبار ما يقول أهل السنة والجماعة بأنه يزيد في الطاعة وينقص بالمعصية، وليس باعتبار فقط نفس التصديق وإن كان هذا داخلاً.
لكن ابن تيمية في آخر كتبه، أو من آخر الكتب التي ألفها «الفرقان بين الحق والبطلان»، لما ذكر منشأ النزاع بين السنة والجماعة وبين المخالفين له من الوعيدية والوعدية، ذكر بأن الناس لما يأتون هنا عند مسألة الزيادة والنقصان، يظنون بأن الزيادة والنقصان هي متعلقة بشق معين، بل هي متعلقة بشقين اثنين: الشق الأول متعلق بجهة أمر الرب، والثانية فعل العبد. فأمر الرب سبحانه وتعالى كان ينزل الأوامر، فيموت أناس قبل أن تنزل بعض الأوامر، أو يموت أناس ولا يعرفوا بأن الله سبحانه وتعالى أمر بكذا وكذا وكذا، أو أن الله سبحانه وتعالى يأمر الإنسان بأوامر معينة محددة له هو، لكن الثاني لا يؤمر بنفس هذا الأمر.
وأضرب مثالاً مثلاً في الحديث «ناقصات عقل ودين»، فناقصات الدين كيف تكون؟ أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟ هنا رجل يصوم ويصلي صح في جميع الحالات والأحوال ما دام عقله باقياً، أما المرأة لما تكون في هذه الحال لا تصلي ولا تصوم، هنا من أكمل إيماناً؟ طيب هنا ناقصة، المرأة لما تكون هنا ناقصة، نقص الدين هنا، هي ملامة عليه؟ ليست ملامة عليه، لكن هنا يكون أكمل، هذا من جهة أمر الرب سبحانه وتعالى. الثانية من جهة فعل العبد. ابن تيمية يقول إن أكثر الناس يخصون بهذا ويغفلون عن المعنى الأول.
القصد من ذلك أن الدخول في تفاصيل مثل هذه المسائل لا بد أن يكون معه تحرير ويكون معه معرفة، لذلك هذا الباب ما يقبل بمجرد النقل، يعني لا تهتم كثيراً، ولا تكن.. ابن تيمية له كتابان: الإيمان الأوسط والإيمان الكبير، وكل من ينقل في هذه المسائل ينقل عن هذين الكتابين، ولكن ليس..
كل من يقرأ هذين الكتابين يفهم هذين الكتابين؛ لا من جهة التحرير، ولا من جهة إقامة المسائل، ولا من جهة ترتيب المسائل، ولا من جهة نفس فهم المعاني المتعلق بالتحرير الأول. كيف أقول لك؟ نعم، النقل البسيط سهل، سهل الآن تأتي وتقول: مسمى الإيمان قول وعمل، سهل تأخذ من كلام شيخ الإسلام. لكن تعال الآن، ما الفرق بين قول القلب وعمل القلب؟ ما علاقة قول القلب بعمل القلب؟ لماذا لم يأتِ السلف الصالح، ولماذا لم يطلق السلف الصالح هذه الإطلاقات؟ لماذا هنا تأتي بالتفسير وتقول بأن المعاني تكون واضحة وبينة عند الإنسان؟ لكن ليس كل ما هو واضح وبين عند الإنسان يستطيع أن يسبك العبارات الموصلة له.
لذلك فارق كبير جداً بين من يأخذ العلم عبارة عن تعاريف ومصطلحات وتقسيمات، هكذا عبارة عن اختصار الكتب إلى آخره، وبين من يأخذ العلم عبارة عن حقيقة، عبارة عن فهم وفقه للمعنى. فرق كبير جداً بين الذي يقرأ حتى يستنطق الكلام ويفهم طريقة إقامة المسائل، فيدخل في عقل المتكلم، وبين من يأخذها عبارة عن تعريفات وعبارة عن حدود ورسوم، وهكذا ثم بعد ذلك يريد.. فارق كبير جداً بين هذا وبين هذا. إذاً الشيخ في كتاب الخرسانية كان ينطق عامة إطلاقاته، لأن إطلاقاته مبنية على فهم لما قرأه، والناس يتفاوتون تفاوت كبير بالفهم.
أما الشخص الذي لا يكون عنده الفهم عالياً، يكون همه دائماً الاختصار والترتيب والتنظيم إلى آخره. الترتيب والاختصار والتنظيم شيء، وفقه نفس المعاني شيء آخر مختلف تماماً. هذا القسم الذي يكون همه فقط اختصار وترتيب وتنظيم وحفظ من غير فهم العلاقة بين الأصول وبين نفس تحرير المسائل وطريقة الإطلاق والفارق بين اللفظ والمعنى وطريقة فهم كلام المتكلم؛ الأول يكون همه فقط أن يرتب لك المسائل، وأن يأتيك بالأمور الظاهرة، ثم لما يدخل بالتفاصيل لا يعرف كيف يتكلم. فلما يتكلم، يتكلم غالباً بناءً على جهل وليس على علم، نفس الذي أطلق هذا القول أو هذا الإطلاق ولم يقصد هذا ولم يقل هذا، ولكن هو يقول بناءً على ظنه أنه فهم الكلام الذي قرأه.
هذا هو الفارق الكبير بين أمثال أبي العباس بن تيمية رحمه الله تعالى وبين من يأخذ كلام ابن تيمية ويبدأ يحرره، ويقول كلام الكتب المعاصرة، وأنا أقول لك: أنت خطأ. خاصة لما آتي أنا وأضرب مثالاً أقرب به صورة مرجئة الفقهاء. الآن لما تأتي وتنظر إلى كتب المعاصرين، تنظر إلى كل من شرح كتب ابن تيمية من المعاصرين، وتنظر إلى كلامهم عن مرجئة الفقهاء المخالفين للسنة والجماعة، تجده من قسمين في الغالب: قسم يذكر الكلام بطريقة عامة، يعني نفس التفاصيل التي أنت تريد أن تصل إليها ما تجدها عنده؛ لماذا؟ لأن هو ما يعرف كيف يقيم التفاصيل، هو لما يدخل بالتفصيل عقله ما أوصله إلى نفس التفصيل.
نضرب مثالاً هكذا: الآن لما تأتي عند الصلاة، هل مرجئة الفقهاء يرون بأن تارك الصلاة كافر؟ أقول لك: قف! إذا كنت تقصد بأنه كافر باعتبار الدليل، ممكن يقولون بهذا، ما تستطيع أن تجزم أنهم يقولون بهذا. لكن إذا كان المقصود بأنه عمل، فهم ينصون بأن العمل خارج عن مسمى الإيمان، فهذه المسألة عندهم منفصلة عن هذه المسألة، لا تأتِ بأصلك أنت وتريد أن تقيم عليهم، هذا خطأ منك. نعم، أنت بناءً على أصل أهل السنة والجماعة بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يدخل فيه القول، هنا ممكن تفسر هذه المسألة بطريقة مختلفة، لكن نحن نتكلم الآن عنهم هم، وليس عنا نحن.
هم الآن يقولون بأن العمل خارج مسمى الإيمان، طيب تارك الصلاة هل لا بد أن يكون كافراً؟ ألا يكون كافراً عندهم؟ لأنه تقول دليل ينص على هذا، هل ممكن شخص يكون معتقداً قول مرجئة الفقهاء وفي نفس الوقت يقول بأن تارك الصلاة كافر؟ قلت لك: ممكن. طيب أليس تناقضاً؟ التناقض بالنسبة لك صح، هذا قلت: نعم، فيه تناقض، كيف تقول بكذا ولا تقول بكذا؟ لكن ممكن هو يقول من باب الاتفاق في التأصيل العام، لكن لما تأتي عند التطبيق تقع المخالفة، وهذا أمر طبيعي جداً في المسائل، وهذا كثير، بل لا يكاد يسلم منه إلا القليل، يعني لا يكاد يسلم شخص في تحريره أو في تطبيقه في المسألة الفرعية لما تعيده إلى أصوله؛ أحياناً يخالف، أحياناً يخطئ.
ألم يخالف ابن خزيمة في تفسير الصورة؟ ألم يخالف أبو ثور في تفسير حديث الصورة؟ مع أنه بالأصل على مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات. طيب هنا كيف خالف؟ وقعت منه المخالفة، وهذه المخالفة لا ترجع إلى الأصل الذي كان يعتقده في الأسماء والصفات، لكن مع ذلك وافق الجهمية؛ فهذا التفسير هو مبني بالأصل على ما تقول الجهمية، وليس مبنياً بالأصل على ما يقوله أهل السنة والجماعة. مثال آخر: الآن الإمام أحمد يقول: لو تركنا الحديث عن القدرية لتركنا ثلث قراء البصرة. طيب الآن من يحدث من البصرة، رجال البصرة هؤلاء كانوا يقولون بما تقوله المعتزلة؟ يتفقون معهم؟ هم لا يتفقون، هم بالنتيجة يتفقون؛ هم يقولون بأن المعاصي ليست بقدر والطاعات بقدر، ماذا يقولون؟ يقولون بخلق أفعال العباد، فهم الآن وافقوهم بماذا في شق.
هل هم الآن يتفقون معهم ببقية الأصول؟ بل نفس هذا الأصل يتفقون معه ويصلون معه إلى تماماً؟ أبداً. فهم قولهم خطأ، نعم خطأ، نعم خطأ، لكن خطأ هؤلاء القراء أو المحدثين ليس كخطأ المعتزلة، هنا يكون خطأ، هذا الخطأ ليس قائماً على تناقض. أقول لك: التناقض هذا تأتي في باب الإلزام، تقول: يلزم من قولكم هذا أن تقولوا بكذا، نعم هذا يلزم شيئاً، لكن لازم المذهب ليس مذهباً، إنما هو دليل على فساد المذهب. وأكثر ما يُنقل اللوازم، أكثر ما يُنقل لماذا؟ لبيان فساد المذاهب، لكن نفس الذي يتكلم هو لا يلتزم بهذا اللازم.
هو الآن لما تأتي عند المعتزلة، هم يقولون بخلق القرآن، هل ينصون بأن الله سبحانه وتعالى مخلوق؟ هل يؤمنون بهذا؟ لا يؤمنون بهذا، لكن قولهم لازمه أن تكون أسماء الله سبحانه وتعالى مخلوقة، واضح، لكن هم لا يلتزمون بهذا اللازم. أكثر ما يُنقل عبارة عن لازم. نفرق بين الإطلاق الذي يكون عبارة عن نفس قول القائل وبين الإطلاق أو نسبة القول باعتبار لازم المذهب؛ هؤلاء بأن إبليس مؤمن، لازم قول هؤلاء بأن فرعون مؤمن، لازم قول هؤلاء بأن أحبار اليهود مؤمنون. هم لا ينصون ولا يقولون بأن إبليس مؤمن، لكنهم يخرجون هذا المخرج، قد يكون ضعيفاً هذا المخرج، قد يكون ضعيفاً وهو غالباً سيكون ضعيفاً إذا كان الأصل أصلاً غير صحيح.
فإذا لم يلتزموا، هذا دليل على فساد المذهب، لكن لا نستطيع أن نقول بأنهم يقولون وينصون بأن هذا القول صواب، هم لا يلتزمون بهذا، يقولون بأن هذا لا يلزمنا، ثم يأتون عاد بمخرج من المخارج التي يخرجون منها من هذا القول. قصد من ذلك أن نفس تحقيق الأقوال شيء، وذكر اللوازم وما تتضمنه الأقوال إلى آخره، هذا شيء آخر. هذا هو الذي يختلف أو الذي يفرق بين طلاب العلم، هذه المرتبة مرتبة التحقيق، هذه هي التي تفرق، وهذه ليست قائمة على كثرة القراءة، إنما هي قائمة على حسن القراءة، فالناس يختلفون.
كل ما يذكر الناس بالإيمان لا يكاد يخرج عن الإيمان الأوسط والكبير. لما تأتي كتب المعاصرين، المعاصرون يزيدون في الرجوع إلى كتب المخالفين مثل الرجوع إلى كتب الباقلاني والرجوع إلى كتب الغزالي إلى آخره، لكن لا يجدون كثيراً لأن ابن تيمية هذا كله ذكره أو أغلبه، فتكون الزيادة فقط من باب التطريز، وكذلك يرجعون لكتب السلف، بعض النقلات ما ذكرها شيخ الإسلام، ممكن يذكرونها، لكن لا يغير من حقيقة البيان شيئاً، ومن يريد أن يختبر صدق هذا الكلام لينظر في ما ذكره ابن تيمية في الإيمان الأوسط والكبير ثم لينظر في كل ما ألف المعاصرون، هل يجد هناك اختلاف؟ لا يجد، لكن يكون الاختلاف قائماً على ماذا أو مبنياً على ماذا؟ على التحرير، هو كيف يحرر العقول، هو كيف يفهم كلام ابن تيمية، هو كيف يقيم الأصول.
هذا هو، وهذا في كل شيء، هذه الميزة الكبيرة في من يفهم الكلام. إذاً هذه الوقفة الأولى أن منشأ النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين المخالفين لهم هو متعلق بهذه الحقيقة، حقيقة أن الإيمان عبارة عن حقيقة واحدة، إذا ذهب بعضه ذهب جميعه. والخوارج يرون بأنه إذا ذهب بعض الإيمان بارتكاب المحظور أو ترك الواجب يذهب جميع الإيمان، فهذا الشخص لا يستحق أن يسمى مؤمناً إنما يسمى كافراً، ويكون في الآخرة مخلداً في النار. المرجئة يقولون: لا، إنما هذا مؤمن بدليل، ويأتون بالأدلة التي تدل على الذي يقع بالزنا والسرقة إلى آخره، هو مؤمن ومسلم، ويقولون بأنه لا يذهب إيمانه حتى يذهب التصديق، حتى فيذهب بعض التصديق، أقطاب الإيمان.
المعتزلة لما رأوا رد المرجئة على الخوارج قالوا: لا نسميه مؤمناً ولا نسميه كافراً. الآن نريد أن نبحث عن مخرج، ما هو المخرج؟ قالوا: فاسق، قالوا فاسق في الدنيا، لكن في الآخرة في النار. وهذه مسألة الأسماء والأحكام هي مسألة المسائل الكبار التي تحتاج إلى مزيد التحرير. فالله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يطلق اسم المسلم واسم المؤمن واسم الفاسق واسم الفاجر واسم الكافر إلى آخره من هذه الإطلاقات.
الشخص قد يطلق عليه إطلاق الفسق أو إطلاق الفجور أو إطلاق العصيان، لكن هذا لا يلزم أن يكون مؤمناً ولا يلزم أن يكون كافراً. طيب هو ماذا؟ ممكن هنا يطلق عليه الاسم هذا، وتكون هذه الأسماء المشتركة التي تطلق على المسلم وعلى الكافر، فشخص قد يقع بالمعصية أو المخالفة إلى آخره ويعصي الله ورسوله، لا يدخل ناراً خالداً فيها، يعصي. طيب هذا الآن كافر خالد في النار؟ على حسب المعصية، فإذا وصلت إلى الكفر يكون مخلداً، وإذا لم تصل إلى الكفر يكون مسلماً.
وذكرت لكم في بداية هذه اللقاءات بأن مبحث الإطلاقات القرآنية مبحث شريف؛ فالإطلاق قد يطلق من باب التنفير، والإسلام يريد من الناس فعل الطاعات وترك المنكرات، وهذا الدين نزل على البشر، والبشر يتفاعلون مع طبيعة الإطلاق. فلما تأتي وتقول بأن الذي يفعل الزنا ليس بكافر، الذي يفعل الزنا ممكن يغفر له: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48]، لما يخاطب الزاني بهذا الأسلوب بأنك لست بكافر، وأنت أصلاً عند أهل السنة والجماعة قد يغفر لك من غير أن تتوب والى آخره، الآن هذا تجري على الزنا أو صح ولا لا؟ فهنا ياتي الإطلاق التنفيري التبشيعي؛ لا يزني حين يزني حتى يخاف، فهو استقر في نفسه خطر نزع الإيمان فهو يخاف من مثل هذا الإطلاق، والإسلام حريص على هذا، والإطلاقات التي تكون من باب التنفير ليست مثل الإطلاقات التي تكون من باب نفس الحكم.
فأخذ الحكم يكون من خلال جمع النصوص، ولكن نفس النصح والوعظ والإرشاد إلى آخره هذا لا بد أن ننظر إلى السياق؛ هذه من الإشكالات التي وقع فيها المخالفون لأهل السنة والجماعة في هذا. لذلك لكن الحسن البصري رحمه الله تعالى لما قال بأن الذي يقع من المسلم في كبيرة بأنه منافق، الحسن البصري أراد أن يخرج من مشكلة المرجئة أو الخوارج، هو لم يرد أن يعطي اسماً فيه حكم عليه بالكفر، ولم يرد كذلك أن يعطي اسماً فيه تخفيف من شأن الكبيرة التي وقع بها، فأتى باسم النفاق. النفاق قد يكون اعتقادياً وقد يكون عملياً؛ «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق»، «آية المنافق ثلاث». فهنا هذا مسلم ولكن فيه خصلة من خصال النفاق، الحسن البصري أتى بمصطلح لا يكون فيه حكم عليه ويكون معه تنفير.
هذه قضية المصطلحات، الأسماء والأحكام لا بد أن ننظر إليها ونفهمها كما أطلقها القرآن الكريم، ولا بد أن يقع الخلاف، وسبب الخلاف الرئيسي ليس هو الجهل فقط، إنما وجود الهوى ووجود النوازع النفسية التي تجعل الإنسان يتجرأ في دين الله سبحانه وتعالى، وهذا باب من أبواب الفتنة. المسألة الثانية التي تليها مسألة زيادة الإيمان ونقصانه؛ أهل السنة والجماعة يرون بأن الإيمان حقيقة مركبة من الظاهر والباطن، يزيد وينقص، وذكرنا العلاقة بين الظاهر والباطن في الدرس الماضي، ويزيد وينقص متى يزيد ومتى ينقص؟ يقولون يزيد وينقص بالأركان الأربعة؛ يعني نفس التصديق يختلف، فتصديق أبي بكر الصديق ليس تصديق أحد المسلمين، وهذا أمر يراه الإنسان بنفسه، أنت الآن لما يأتيك شخص ثقة ويقول لك بأنه وقع كذا، تصدقه، تصدقه. طيب لما يأتيك ثقة ثانٍ وثالث ورابع وعاشر، لما يكثر، هنا هذا نفس التصديق يقوى عندك، يزيد عندك؛ فنفس التصديق يختلف باختلاف.
أما عمل القلب، فالحب يختلف، فالناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا بأعمال القلوب، كالخوف، والرجاء، والخشية، والمحبة، والتعظيم لله سبحانه وتعالى. وكذلك باللسان؛ فنفس النطق بالشهادة أصل العلم هذا يتفقون فيه، ولكن الزيادة على ذلك من الذكر والأعمال الصالحة التي تكون باللسان، هذا كله كذلك يختلفون فيه.
وكذلك أعمال الجوارح، فالذي يصلي السنن الرواتب ليس كمن لا يصلي السنن الرواتب، والذي يصوم اثنين وخميس مثلًا إلى آخره من الأعمال، هذا لا شك إيمانه بالأصل أكثر من من لا يقوم بهذا. فالإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة والجماعة، إلا أن بعض السلف رضي الله عنهم، مثل ما يروى عن مالك بن أنس، وكذلك عن عبد الله بن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي، أنهم لم يكونوا يقولون بأنه ينقص، إنما يقولون يتفاضل.
ولماذا أتى بالإطلاق هنا مصطلح التفاضل؟ قالوا لأنه لم يذكر النقصان في الكتاب، إنما في الكتاب ذكر الزيادة، ﴿زِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾، وهكذا. ومنهم من يطلق، وعامة السلف رضي الله عنهم يطلقون النقص، وهم يتفقون بالمعنى ولكن يختلفون بالإطلاق وباللفظ. ومالك عنه روايتان، والرواية الأخيرة عنه أنه كان يقول بأنه يزيد وينقص، وليس شيء يزيد إلا وهو ينقص، ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص.
والمخالفون لأهل السنة والجماعة لا يرون بأنه يزيد ولا ينقص كما يرى أهل السنة والجماعة، إلا أنهم يختلفون في محل الزيادة والنقصان عند من يقول بذلك، فمنهم من يقول بأن محل الزيادة والنقصان متعلق بنفس العلم، بنفس المعرفة، وهكذا. هم يختلفون في هذا اختلافًا كبيرًا، وأهل السنة والجماعة مثل ما ذكرت لكم هم يقولون بأنه يزيد وينقص، والزيادة والنقصان عندهم قائمة على نفس هذه الأركان الأربعة؛ ففي جميع الأركان الأربعة الإيمان عندهم يزيد وينقص.
أما المخالفون، فبالأصل أنهم لا يرون بالزيادة والنقصان كما يرى أهل السنة والجماعة، ويختلفون ويضطربون في هذا المبحث اضطرابًا كبيرًا. وسبب الاضطراب هو أنهم يقولون بأن الإيمان عبارة عن حقيقة واحدة؛ ذهب بعضه ذهب جميعه. لكن لما رأوا النصوص فيها الزيادة، هنا وقع عندهم الاضطراب، ويختلفون في تحقيق أو في ذكر موطن الزيادة والنقصان على أقوال عديدة وكبيرة وغير متفقة ولا متناسقة، بل حتى نفس من ينقل عنهم هذه الأقوال ينقلها من غير تحرير كبير لها، لصعوبة التحرير في مثل هذه المسائل.
بعضه ممكن يكون واضحًا وبينًا، لكن بعضه لا يمكن لشخص أن يحرره وأن يصل إلى حقيقة نفس قول القائل، وسبب ذلك هو نفس الأصل الذي أقاموه. فلما يأتي شخص ويقول بأن الإيمان عبارة عن حقيقة واحدة ذهب بعضه ذهب جميعه، ثم بعد ذلك يقول بأنه يزيد وينقص، هنا تكون هناك مشكلة. وابن تيمية له تفصيل جميل في مثل هذه الإطلاقات؛ لذلك هو أطلق وقال بالإجماع أن منشأ النزاع هو أنهم لا يقولون بأنه يزيد ولا ينقص، ثم يأتي بعض المعاصرين ويرى بأنهم نصوا في كتبهم بأنه يزيد؛ ابن تيمية يعرف بأنهم ينصون، لكن قصد ابن تيمية غير قصد هؤلاء الذين يطلقون الزيادة والنقصان.
فأحيانًا يكون هناك اتفاق بالألفاظ، أضرب لكم مثالًا: أن الخوارج يتفقون مع أهل السنة والجماعة في اللفظ؛ فالخوارج مع أهل السنة يرون بأن الإيمان عبارة عن قول وعمل، إلا أن الخوارج يرون بأنه إذا ذهب بعض الإيمان ذهب الجميع، أما أهل السنة والجماعة فلا يرون بهذا. فأحيانًا يتفق الناس بالألفاظ ويختلفون بالمعاني، وأحيانًا يختلفون في الألفاظ ويتفقون في المعاني، لكن ينبغي على الشخص أن يكون بصيرًا وأن يقف ويتأمل ويحرر، ولا يأخذ فقط هكذا الإطلاقات، إنما لابد أن ينظر إلى نفس تحقيق المعنى؛ ما الذي تقصد بكذا؟
على فكرة، هذا حتى في القضايا الإصلاحية تجدون بعض الناس يختلفون بالألفاظ، ثم لما تأتي عند التطبيق العملي يتفقون بها. ولذلك يقول ابن تيمية: وكما قيل، أكثر اختلاف العقلاء من جهة الاشتراك في الأسماء. فهذا يقول شيء وهذا يقول شيء، لما تأتي للتطبيق العملي تقول: ما الفرق بيني وبينك؟ وهذا كثير في الناس، وكذلك كثير في المقالات.
المسألة التي تليها، المسألة الثالثة، وهي مسألة من المسائل المهمة والكبيرة والجليلة، ونحن ذكرنا لكم بأن هذه المجالس ليست خاصة وخالصة للحديث عما ذكره علماء الاعتقاد في قضايا ومباحث الإيمان، إنما هي أشمل من ذلك. ما العلاقة بين القلب والجوارح في تحقيق العبادة التي تحب الله سبحانه وتعالى من الإنسان؟ يعني لما قال النبي عليه الصلاة والسلام عن الخوارج: إن الصحابة قالوا عن عبادة الخوارج: «بأنكم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم»، ﴿يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ﴾.
يعني هؤلاء عبادتهم العملية كانت أكثر من عبادة الصحابة، فهل الإسلام اعتبر كثرة العمل أو حسن العمل؟ حسن العمل. طيب، كثرة العمل من اعتبر؟ اعتبر بعد حسن العمل، هذا هو الترتيب، الله يقول: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وفي حديث ابن عمر، وكذلك حديث أبي موسى الأشعري المروي في الصحيحين، وفيه أن أهل الكتاب عملوا، اليهود عملوا من أول النهار إلى نصف النهار، ثم عملت النصارى إلى صلاة العصر، ثم عمل المسلمون. فأعطي اليهود قيراط، والنصارى قيراط، وأهل الإسلام قيراطين، فقال أهل الكتاب: ما بالنا أكثر عملًا وأقل عطاءً؟ فقال: «هو فضلي أوتيه من أشاء، هل ظلمتكم لأجلكم شيئًا؟» قالوا: لا. قال: «هو فضلي أوتيه من أشاء». إذًا هنا العبرة بماذا؟ بحسن العمل، والله قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. والمزني يقول: ما فضل الناس بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في القلب وصدقه العمل.
طيب الآن هذا هو الأصل، لكن الآن لما نأتي ونضم حديث ربيعة للنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فأعني على نفسك بكثرة السجود»، لما قال: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود». ومن الصحابة كانوا يكثرون من الأعمال، حتى إن جماعة من الصحابة كانوا يشتدون في الصوم. طيب الآن ما العبرة؟ كثرة العمل أو حسن العمل؟ ومتى تكون كثرة العمل؟ أقول: قف معي وتأمل وافهم الكلام الذي سيقال الآن، هذا كلام نفيس.
سعيد بن المسيب كان من أكثر الناس عبادة، ولكن لما قال له مولاه: إنه في المسجد أناس يصلون من الظهر إلى العصر، لا يزال يصف ما بين قدميه يصلي ما صلاها العصر، قال: ليست هذه بالعبادة؛ مع أنه هو كان كثير العبادة، لماذا؟ لأن هنا في تحميل للبدن ما لا يحتمل القلب. تقول لي: طيب ما العلاقة؟ أقول لك: ركز معي حتى أقرب لك الصورة. الأصل العناية بالقلب، الأصل أن شخصًا يعتني بقلبه؛ يعني يعظم الإيمان في قلبه، حب الله، إجلال الله، الخوف من الله، خشية الله سبحانه، هذا هو أثقل ما يوضع في الميزان؛ إيمان القلب. هذا القلب هو الذي يحمل الجوارح وليس العكس.
تقول: طيب هل معنى هذا أني إذا قلبي لم يكن حاضرًا أني ما أعمل أعمال الجوارح؟ لا. الآن نأتي ونتحدث عن الضوابط، أقول لك: إذا كان العمل واجبًا بالشريعة الإسلامية، لابد أن تقوم به ولو لم يكن القلب حاضرًا ولم يكن القلب قويًا، لكن لابد أن تعتني بقلبك مع قيامك بالأعمال الظاهرة؛ يعني مع قيامك بالصلوات، مع صيامك لرمضان، مع هكذا الأعمال الواجبة، لابد أن تعتني بالقلب حتى يعينك القلب على حمل هذه الأعمال.
أين يقع الخطأ؟ يقع الخطأ لما شخص يعتني بعمله الظاهر بالسنن والنوافل العناية الكبيرة جدًا، فشخص لا قلب لديه يجذب به من الإيمان الشيء الكبير، ويريد يصلي باليوم مئة ركعة! مئة ركعة قلت ما تستطيع، الإمام أحمد كان يصلي ثلاثمئة ركعة، لكن كم كان الإيمان في قلبه؟ هنا لابد أن تتقن موازنة ما بين نفس المحبة لله، وتعظيم الله، وإجلال الله، الذي يعينك على حمل الجوارح. الخوارج ما هي المشكلة التي كانت موجودة عندهم؟ كانوا يكلفون أنفسهم من الأعمال ما لا يطيقون، فكان الحمل كله على ماذا؟ على البدن، أما القلب ليس فيه من التعظيم، والحب، والخوف، والخشية، والرجاء من الله سبحانه وتعالى ما يعين الإنسان، هنا الإيمان لا يكون طبيعيًا، هنا الإيمان يكون به نقص حتى لو كان أكثر عمل، حتى لو كان أكثر عمل.
فكثرة العمل هي بالأصل تابعة للقلب وليست سابقة عليه. طيب معناه هذا أن شخصًا ما يكثر؟ أقول لك: لا، أكثر من الأعمال لكن مع هذا الإكثار اعتني بقلبك. وسئلت أم الدرداء عن عبادة أبي الدرداء قالت: كان أكثر عمله التفكر. لماذا التفكر؟ لما فيه من أثر عظيم مباشر على قوة الإيمان القلبي. فهنا لابد أن الشخص يعرف كيف يوزع وقته في العبادة. طيب أتاني أمر الآن أفعله؟ لا، إذا كان عبادة الوقت كانت واضحة وبين، أقول لك: لابد أن تفعلها مباشرة، يعني هنا لا تتحجج بهذا الكلام على المخالفة في عبادة الوقت، وكذلك لا تحتج بهذا الكلام على عدم تفرغ القلب في حال إرادة الشريعة تفرغ القلب.
أضرب مثالًا: الآن شخص جالس يقرأ من القرآن، يقرأ من كتاب الله سبحانه وتعالى وهو الآن دخل واندمج، الآن هذه التغذية أين تكون؟ في القلب، الآن أخذ يعيش مع القرآن الكريم، هذا أثر عظيم على القلب، لا عظيم جدًا، أثر مباشر. التأمل في كتاب الله المنظور والمسطور؛ فهنا النظر في الكون، تدبر في هذا الكون، ثم الخلوص بعد ذلك إلى عظمة الرب سبحانه وتعالى، هذا أثر مباشر على القلب، لذلك الله كرر من ذكر الآيات الكونية. وكذلك نفس العيش مع القرآن الكريم، وقراءة هذا الكتاب العظيم على الوجه المأمور به كما كان يقرأ الصحابة، هذا أثره مباشر على القلب ويعظم الإيمان ويثقل الإيمان في قلب الإنسان، خاصة لما يكون قبل ذلك وُجد به الإيمان الإجمالي.
طيب هذا الإنسان في حال هذه القراءة لم يأتِ الأمر بالجهاد، الجهاد معه إيش؟ معه تفرغ القلب، معه حاجة إلى مجاهدة، معه كره. طيب ماذا نفعل؟ هل نقول لا نجلس نقرأ خلاص هذا الإيمان؟ أو نبدأ أو نجاهد؟ كنا لابد أن تجاهد لأن هذا أمر الله، لا تخلط بين المسائل، لا تخلط بين الصورة التي لا يوجد معها أمر خاص الآن، لأن هذا الأمر الخاص الآن لابد أن يقابل بالشرع الذي يريد الله سبحانه وتعالى. هذا القدر الذي يقع عليك الآن، والدتك دعتك، أقول لك: لا، اذهب إلى والدتك، تقول الآن قلبي حاضر؟ أقول لك: هذا فتنة، لا تقل قلبي حاضر، أقول لك الآن الله يريد منك أنك تفعل كذا. تقول طيب أنا آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر قلبي يتغير علي طبيعي؟ أقول لك هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد أن تقوم به إذا كان الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تقوم به، فهذا الإنسان لابد أن يراعي هذا الأمر وأن يعرف كيف يتعامل معه.
طيب القصد بذلك أنه هنا العلاقة ما بين القلب والجوارح لابد أن تكون منضبطة على هذا الأمر، فنلخص الكلام في هذه النقطة المهمة والمسألة الكبيرة والجليلة أن نقول: بأن العناية بالقلب لابد أن تكون سابقة على العناية بالجوارح، فاهتمام الإنسان بقلبه وإيمانه وتقواه وصلاحه لابد أن يكون سابقًا على نفس العناية بالجوارح. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: لما يكون الأمر واضحًا وبينًا في الجوارح، أقول: لابد أن تفعله ولا تدخل الواجبات في هذه الموازنة، لا تدخل الواجبات في هذه الموازنة.
طيب نأتي الآن وننتقل إلى السنن، أقول لك: السنن تنقسم إلى قسمين؛ سنن لا تتكلف فعلها يعني أنت معانٍ عليها، بعض الناس يفتح له بالصلاة، بعض الناس يفتح له بالصيام، أقول لك هذا لا تتركه، انتبه هذا باب عظيم في الإيمان، وهذا قد يكون هو المدخل إلى الجنة، فلما يفتح لك باب من أبواب الخير لا تترك هذا الباب. طيب سنن تحتاج إلى تكلف في فعلها، هل تتكلف أو ما تتكلف؟ أقول لك: تكلف التكلف الذي لا ينفرك، فإنك إذا فعلت ذلك نفعت النفس وكلت الأين، وإن لنفسك عليك حقًا. أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمرو بن العاص: افعل، لكن لا تتكلف التكلف الذي لا تستطيع عليه. ولذلك الإنسان متى ينفر النفرة التي ما يرجع، ليست النفرة الطبيعية أو الضعف الطبيعي، لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، لا النفرة التي ما يرجع الإنسان بعدها هو لما يكلف نفسه ما لا يطيق، «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون». ولما سئلت أم عائشة عن عمل النبي عليه الصلاة والسلام قالت: كان عمله ديمة.
وهذا الباب الذي يفهمه يعان بإذن الله، ولا يفتر الفتور الذي يخرج عن طاعة الله ولا ينتكس بإذن الله. أكثر الشباب يخطئون هنا كثيرًا؛ فيأتي شخص هو إلى الآن ما وصل إيمانه إلى زهد بشر الحافي، يريد أن يكون بشر الحافي مباشرة! لا، الخطاب الأول يكون خطاب الواجبات والمحرمات، الخطاب الثاني يكون خطاب المستحبات والمكروهات، الخطاب الثالث يكون خطاب المباحات، الخطاب الرابع يكون خطاب الورع، الخطاب الخامس يكون خطاب الزهد. فأنت لابد أنك تعرف في أي مرتبة من هذه المراتب، شخص عنده مشكلة بالصلوات الخمس، هذا لا يُخطب خطاب الزهد الكبير لأن هذا أصلًا في نفس الواجبات عنده خلل، عنده خلل فيها. فالقصد من ذلك أن الإنسان لابد أن يكون بصيرًا في طريقة سياسة نفسه، بطريقة سياسة نفسه.
تثار شبهة المرجئة وذكرهم لحديث: «لم يعمل خيراً قط»، في ذكر حديث أبي هريرة، وفيه أن الرجل الذي قال لأبنائه: إذا مت فاسحقوني ثم ذروني، فذروا نصفي في البحر، قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، وهذا الرجل لم يكن يعمل خيراً قط. فلما أمر الله سبحانه وتعالى بأن يلتئم، فإذا هو واقف أمامه، قال: ما أحملك على هذا؟ قال: خشيتك يا رب، فغفر له. وكذلك الذين دخلوا النار لم يعملوا خيراً قط، فيخرج أقواماً قد تحشوا لم يعملوا خيراً قط. استدل بمثل هذه الأحاديث على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان، وأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، وأنه يثبت إيمان الشخص حتى لو لم يأت بأي عمل من أعمال الخير والبر والصلاح.
الجواب على مثل هذه الأسئلة مبني على نفس الأصل؛ فمثل هذه الأحاديث لا تأخذ منها أصولاً، إنما هذه الأحاديث تطلق في سياق معين يفهم من خلاله نفس الأصل. يأتي شخص يقول لك: أنت الآن تتأول، أقول لك لا تتأول، لماذا؟ دعنا نرجع الآن إلى إقامة المسائل، ما الأقوى الآن في إقامة أصله؟ هل نحن أم هم؟ وإذا كان عندك اعتراض مثل هذا فنحن لدينا عشرات الاعتراضات. فهنا لما تطرح المسائل بهذه الصورة تفهم مراتب المسائل وكذلك طرق الاستدلال. أما إذا لم يكن الفهم سابقاً لإقامة الأصل، لا تفهم.
الكثير من الناس لما يعترض عليه باعتراض لا يستطيع أن يجيب عليه، أو يرى بأن إجابته بها ضعف، مباشرة ينتقل من قوله لهذا القول، مع أن لو أراد الشخص أن يذكر اعتراضات على قول من يقول بالعمل الخارجي للمسلمين، لأتى بعشرات الاعتراضات أقوى بكثير من مثل هذا الاعتراض. وهذه الأحاديث هي بالأصل تطلق في سياقات موافقة، أي النصوص الشرعية غير متعارضة، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. لما يطلق القول بعيداً عن معرفة بقية النصوص، أو لما يأتي حديث ولا نعرف بقية النصوص، نقول بأنه يحتمل احتمالين، لكن لما نعرف بقية النصوص نقول: لا يمكن أن يحتمل احتمالين، إنما هذا لا يمكن إلا أن يحتمل هذا الاحتمال، لا نعكس ونقول: قل بأن هذا الحديث نفسه يقام منه أو يؤخذ منه نفس التأصيل للإيمان.
فهذا الحديث لما سيق، حديث الرجل الذي لم يعمل خيراً قط، هناك احتمال بأنه لم يكن يعرف الأعمال، ونحن ننص على ذلك ونقول بأن الشخص إذا مات ولم يكن من العمل أو لم يعرف العمل، كما هو في آخر الزمان، لا يضره صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة. قال: فما تغني عنهم؟ لا، قال: تنجيهم من النار. فهؤلاء لم يعملوا لا صلاة ولا صياماً ولا زكاة، ومع ذلك دخلوا الجنة وخرجوا من النار، أنجتهم من النار. كيف هذا؟ لأنهم لم يعرفوا، ونحن نقول بأن الذي لا يعرف العمل أو لا يتمكن من العمل، هذا الإنسان ما يحاسب على هذا ويكون إيمانه قد ثبت.
كذلك هنا «لم يعمل خيراً قط»، في العرب تطلق مثل هذه الإطلاقات في قلة العمل؛ فلما يكون الشر كثيراً وكبيراً والعمل يسيراً، لا يكاد يذكر. فلما يقول النبي عليه الصلاة والسلام عن بعض النساء: «بأنكن تكثرن العشير وتكفرن العشير وتكثرن اللعن، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر قالت ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط»، هي لا تعرف بأنه فعل خيراً نعم، لكن يكون الإطلاق هنا باعتبار ماذا؟ تضخم الخطأ بالنسبة لهذه المرأة، فهذا التضخم حملها أن تقول بأنه لم يعمل خيراً قط. فهنا كلمة «لم يعمل خيراً قط» لا يؤخذ منها تأصيل، إنما هذا إطلاق عربي. فإذا أردنا أن نأخذ هذا الإطلاق باعتبار الحقيقة أنه لم يعمل خيراً قط، أن نتأوله ونفسره ونحمله على أنه لم يكن يعرف العمل، أو أنه لم يمكن من العمل. أما إذا قلنا بأن هذا إطلاق من إطلاقات العرب لا يقصد منه نفس الحقيقة، فنقول بأنه هنا باعتبار كثرة الشر وكثرة الأعمال الخاطئة وكثرة السيئات وكثرة المعاصي، فتكون الأعمال الصالحة قليلة مقارنة بهذه الأعمال.
ويدل على ذلك ما جاء في الأحاديث الكثيرة، وفيها بأنه آخر من يخرج من النار إلى الجنة يعرف بعلامة السجود، والملائكة لما تدخل، ويشفع النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج أهل الإيمان، فتأتي الملائكة وتخرج، ويأتي كذلك أهل الإيمان ويخرجون من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، حتى يخرج آخر شيء من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ويعرفونهم بآثار السجود. فهذه آثار السجود دليل أنهم كانوا يعملون. القصد من ذلك أن مثل هذه المسألة تؤخذ بهذه الصورة وهذه الطريقة، والاسم الصواب أن يتم الاعتراض على الأصول بمثل هذه الأحاديث التي يمكن أن تحمل على احتمالات موافقة للأصل، بل هذا هو الطبيعي، بل هذا هو الأصل الطبيعي.
النقطة الخامسة والأخيرة التي أريد أن أنبه عليها، وهي مهمة جداً وكبيرة، وهي قضية المصطلحات والتعريفات والإطلاقات. لا بد أن نفرق بين نفس الحقائق والفقه لها وبين أخذ هذه الحقائق من خلال العناية بالتعريف والحد والرسم إلى آخره. الكثير من حقائق الوجود لا تؤخذ بالحد، إنما تؤخذ فقط بالتمييز. السلف الصالح ما كانوا يعتنون كثيراً بالحد، بل لم تكن عندهم أصلاً، إنما هذه وجدت بعدما انتشر علم المنطق ودخل في العلوم، وأراد العلماء أن يحكموا على الحقائق من خلال الحدود، فذكروا حد الجامع المانع، وهذا لا يتأتى في كثير من الحقائق، وهناك اعتراضات كبيرة على طريقة المناطقة في التعريف. فالقصد من ذلك أن نفس الوصول إلى الحقيقة غير مفتقر إلى الحد، بل الرسم أكثر من الحد، بل الرسم هو تمييز الشيء عن غيره أظهر في كثير من الحقائق من نفس الحد الجامع المانع. والخطأ الذي يقع فيه طلاب العلم كثيراً لما يتعاملوا مع العلم على أنه عبارة عن مصطلحات وتعريفات وهكذا تقسيم وترتيب، فيدخل دائرة التنظيم، أو يأخذوا ما يطلقه العلماء باعتبار التنظيم والترتيب إلى دائرة نفس فهم الحقيقة.
والذي يعجبني كثيراً بشيخ الإسلام رحمه الله تعالى عدم العناية الكبيرة في هذه الدائرة الأولى، والذي يعتني بالدائرة الأولى لا يستطيع غالباً أن يصل إلى التحقيق، هو ممكن يصل بنسبة معينة، لكن ليس كل شيء تستطيع أنك تعبر عنه بالعبارات. لذلك الدخول في العلم وكثرة الاستنطاق والنظر ثم طرح الأسئلة ثم البحث وهكذا، يوصل الشخص إلى فهم الحقيقة. ولما يفهم هذه الحقيقة يبدأ يعبر عنها بعبارات قد تختلف، لكن ابن تيمية يطلق إطلاقات كثيرة قد يظن الشخص بأنه مرة يقول كذا ومرة يقول كذا، هو غير متناقض، لكن هو لما أطلق كذا باعتبار السياق المعين، هو لما أطلق كذا هنا باعتبار السياق المعين.
وحتى أقرب لكم، أضرب لكم مثالاً وقد ضربت قبل قليل، لكن من باب فقط أنكم تعرفوا معنى هذا الكلام، خذوا الحديث عن مرورية البقاء وانظروا في كلام ابن تيمية، ثم انظروا في كلام من جاء بعده، تفهموا معنى ما قلته هنا. ابن تيمية أحياناً يقول خلاف لفظي، أحياناً يقول خلاف حقيقي، هل ابن تيمية مضطرب في هذا؟ هو في نفس الكتاب يقول هذا الكلام، هو ليس إطلاقاً متناقضاً، لكنه يطلق باعتبار شيء، ثم الإطلاق الثاني يكون باعتبار أمر آخر. هذه المسألة حسن أن شخص يتعرف على طريقة إطلاق العلماء وفهم الحقائق من خلالها.
لما تأخذ من هذه المسألة وتنظر فيها، ثم تنظر في كلام المعاصرين إلى آخره، تفهم كيف تطلق هذه الإطلاقات وتقرب لك بعض الذي لا يستطيع الإنسان أن يعبر عنه بعباراته. فالشخص لما يقرأ ويتعلم ويستوعب المسائل ثم ينظر، تتشكل صورتها في ذهنه، هذا التشكل في الذهن لا يستطيع أحياناً أن يعبر عنه، وأحياناً نعبر عنه بعبارة قد لا تستقيم مع أو لا يفهمها الشخص المتلقي مثل ما هو يطلقها. لذلك ابن تيمية وأختم بهذه الكلمة، قوله بأنه إذا اتضحت المعاني اتسعت العبارات، فالمعنى يكون بالنسبة له واضحاً، فتتسع عباراته في التدليل على هذا المعنى. وهذا اتساع في الإطلاق لا يعود إلى أصل المعنى أو أنه هو مرة قال كذا ومرة قال كذا أنه متناقض، لا، لكن هنا عبر بشيء وهنا عبر بشيء، هنا في سياق وهنا في سياق، هنا باعتبار نفس التأصيل، هنا باعتبار التنفير أو باعتبار التشجيع إلى آخره.
فهذا الأمر يستوعبه الشخص في حال قراءته وحال تعلمه حتى ما يقع بأخطاء وإشكالات، وهذا كثير مثل ما ذكرت. فأحياناً العلماء حتى يختلفون في قضايا معينة ويكون اختلاف ليس حقيقياً، إنما يكون اختلافاً بالألفاظ وبالإطلاقات، هو يقصد من اللفظ معنى معيناً، والثاني يقصد من اللفظ معنى آخر، فيقع خلاف باللفظ ولكن ليس خلافاً بالحقيقة، وذلك مثل ما الاختلاف باللفظ. هذا بعض ما يتعلق بهذا المجلس، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري