الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، ويسدد على طريق الخير خطاكم.
نكمل مدارسة كتاب الإيمان أو مبحث الإيمان، ومعنا إن شاء الله تعالى في هذا المجلس الحديث عن مسألتين اثنتين. الأولى: الحديث عن علاقة الظاهر مع الباطن، مع ذكر أصل الإيمان، والفارق بين أصل الإيمان وأركان الإيمان. والمسألة الثانية -وهي ربما تكون أشرف مسائل هذا المبحث- الحديث عن نفس الإيمان أو عن نفس تحقيق الإيمان، وسيأتينا إن شاء الله تعالى الحديث عن هذه المسألة الثانية بشيء من التوسع. لكن دعونا الآن في المسألة الأولى، العلاقة بين الظاهر والباطن في هذا المبحث.
الإنسان من حيث هو إنسان لا يمكن أن يعتقد شيئاً اعتقاداً جازماً ثم يصل هذا الاعتقاد فيه إلى انفعال النفس، إلى تحرك القلب، ثم لا يظهر هذا عليه. هذا لا يمكن أن يكون؛ لأن الإنسان بطبعه حارث وهمام، فالإنسان لما يهم بالشيء لابد أن يظهر عليه أثر الحارث إلا عند العجز. إنسان جوارحه معطلة لا يستطيع، الإنسان لا يحرك جوارحه فنعم هنا ما يظهر، لكن تظهر على قسامات وجهه إذا كان يتكلم، وإن كان لا يستطيع الكلام فلا بد أن يظهر هذا على كلامه.
لذلك الإنسان لا يستطيع أن يخفي عداوته كثيراً، والإنسان ما يستطيع أن يغطي وأن يوري وأن يخدع كثيراً، حتى لو كان ممثلاً له حد معين بالتمثيل ثم بعد ذلك لابد أن يكشف الإنسان. تكلم حتى أراك؛ الإنسان لما يتكلم كثيراً ولما تجلس معه ويطول المجلس يظهر الإنسان الحقيقي. ربما يخفي هذا الإنسان مرة أو مرتين، لكن لابد أن تأتي لحظات يظهر الإنسان ما يخفيه، لا يستطيع الإنسان أن يكتم الأمر كثيراً.
أذكر أني خلطت أحد الرجال، وهذا الرجل استفدت منه كثيراً في هذه المباحث المتعلقة بالإنسان، فكانت عنده قدرة هائلة على إخفاء الذي يريد أن يظهره، حتى إني تعلمت منه كثيراً. كان يستطيع أن يتحدث معك ثلاث ساعات من أجل شيء هو لا يريده، حتى يأخذ منك دقيقة واحدة هو يريدها؛ رجل الله سبحانه وتعالى أعطاه شيئاً من الموهبة الشيء الكبير. لكن لما تأتي لحظة تحرك القلب الحقيقي ما يستطيع إخفاءها، ما يستطيع. فكنت أقول له في هذا فيقول: هذا مستحيل تخفيه، فقلت: دائماً أنت حياتك كلها تمثيل؟ قال: نعم صح، حياتي كلها تمثيل، لكن هذا ما أستطيع. فهذا هو الإنسان.
هذا الذي لا يفهم الإنسان، لا يفهم الإسلام. الآن إنسان يزعم محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام، ثم لا يظهر أي أثر من آثار المحبة على الجوارح مع كثرة الاختبارات؛ هذا لا يمكن أن يكون في قلبه إيمان، لا يمكن أن يكون في قلبه إيمان. أحكام الإسلام أو الآيات القرآنية والأحاديث النبوية هي نازلة على الإنسان ليست على الملائكة، فهي تخاطب هذا المخلوق الذي خلقه الله سبحانه وتعالى بهذه الصورة.
فلما الله سبحانه وتعالى يذكر أن أهل الإيمان هم الذين يفعلون كذا وكذا وكذا، ويعلق الأعمال بالإيمان، ثم يجعل دافع العمل الإيمان، ويجعل الاستمرار في العمل مبنياً وقائماً على الإيمان، ويجعل الثبات على الإيمان، انظروا كيف خطاب الإيمان يتم تنويعه: تارة يأتي خطاب الإيمان في الدفع للعمل، وتارة يأتي خطاب الإيمان في التثبيت على العمل، وتارة يأتي خطاب الإيمان في الزيادة من العمل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 136] وهكذا.
فمصطلح الإيمان يتم استخدامه في أكثر من صورة وأكثر من طريقة؛ إذاً هذا المصطلح الذي يتم استخدامه بهذه الطريقة هو يخاطب هذا الإنسان. فهذا الإنسان الذي في قلبه إيمان، في قلبه حب، في قلبه تعظيم، لابد أن يظهر شيء من ذلك على جوارحه وعلى أفعاله. إذا لم يظهر أي شيء فهذا يدل على أن هذا الإنسان لا يوجد في قلبه أصلاً إيمان، لا يوجد في قلبه إيمان. لذلك قلنا تلازم هذا الأصل، تلازم الظاهر مع الباطن، هذا الأصل لابد أن يضبط وفق معتقد أهل السنة والجماعة المبني بالأصل على الآيات والأحاديث الموافقة والنازلة على هذا المخلوق الذي هو الإنسان.
لذلك الله سبحانه وتعالى لما يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]، وما كان قول المؤمنين إلا أن قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285]. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، وهكذا فالنصوص الكثيرة الواردة في الحديث عن الإيمان.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]، ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] -يعني صلاتكم- وهكذا. القصد من ذلك أن هذه النصوص فيها ذكر أن الإيمان يشمل الظاهر مع الباطن، يشمل ما يقع في القلب من تصديق، من حب، من تعظيم، من إجلال، عمل القلب وقول القلب، ويشمل كذلك ما يظهر على جوارح الإنسان وما يقوم الإنسان بفعله والقيام به.
إذاً هذا أصل التلازم بين الظاهر والباطن أصل مستقر عند الإنسان، وجاء الإسلام موافقاً لهذا الاستقرار الذي هو موجود بالأصل عند الإنسان. لكن هل هذا الأصل يرجع في تفصيله إلى تقدير الإنسان كما تفعل الخوارج مثلاً؟ وتقول: بما أن النبي عليه الصلاه والسلام قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، وهذا الإنسان الذي يزني هذا ليس في قلبه تعظيم الله سبحانه وتعالى، هل ليس في قلبه تعظيم، أو التعظيم في قلبه قليل، أو التعظيم في قلبه يسير؟
إذا قلنا: ليس في قلبه تعظيم، إذاً هذا الإنسان كافر. أما إذا قلنا: هذا الإنسان في قلبه تعظيم لكن التعظيم ضعيف، طيب الآن ما الذي يفصل؟ ما هو الحد الفاصل بين قولنا بأن نفس الإيمان خرج من قلب هذا الإنسان ولم يعد عنده إيمان، فبمجرد قيامه بهذا العمل ارتفع هذا الركن أو ارتفع هذا الجزء من هذه المسميات، ثم تبع تبعا لذلك ما في القلب، أو أن نقول بأن هنا لم يرتفع الإيمان كله، إنما ارتفع بعض الإيمان أو الكثير من الإيمان، حتى أصبح الإيمان فوق كالظلة، ولكن ليس كالظلة بمعنى أنه لم يعد في قلبه شيء من الخوف أو الحب أو التعظيم إلى آخره، إنما ارتفع الإيمان الذي يمنع من الوقوع في هذه المعصية؛ فليس عنده الإيمان الكبير القوي، التعظيم، الخوف القوي الذي يمنع من الوقوع في هذه المعصية.
ما هو الدليل الذي من خلاله نميز بين هذا القول وهذا القول؟ ما هو الفرقان الذي نستطيع من خلاله أن نميز بين قول أهل السنة والجماعة وبين قول الخوارج؟ هل هو فهمنا للإنسان أو لابد من دليل من الكتاب والسنة؟ أقول لك: لابد من دليل من الكتاب والسنة، فليس فهمنا للإنسان هو المرجع؛ هذا الفهم المتعلق بالإنسان هو يبين لك كيف نزلت هذه النصوص أو من تخاطب هذه النصوص، حتى لا تخطئ في فهمها في الشق المتعلق بالإنسان، وتكون هكذا بعيداً، فتتعامل مع هذه المسائل تعاملاً نظرياً بعيداً عن الحقيقة الواقعية.
لذلك ابن تيمية -هذا من فهمه العظيم- فهم العظيم للإنسان، والذي أشكل على كثير ممن تعامل مع العلم تعاملاً نظرياً حتى أصبح يتعامل مع الإنسان على أنه ليس هو الإنسان، على أنه مخلوق آخر. لما يأتي ويقول لك: بأن هذا الإنسان لما تتم استتابته ويتم عرضه على السيف ويقال له: "تُصلِّي وإلا قتلناك"، فيقول: "اقتلوني ولا أصلي أبداً"، كيف هذا الإنسان يكون مؤمناً؟ كيف يكون في قلبه إيمان؟ يعني أين الحب الآن والتعظيم الموجود في قلب هذا الإنسان الذي مستعد هو أن يموت ولا يصلي؟ هذا لا يفعله شخص عنده دافع، هذا لا يفعله شخص عندنا دافع.
كذلك في المقابل لما يكون شخص مثلاً يهجم على النبي عليه الصلاة والسلام، أو يريد أن يهدم الكعبة، إلى آخره من هذه الصور الظاهرة في انتفاء أصل الإيمان من قلب الإنسان، هذا لا يمكن أن يكون شخصاً في قلبه إيمان وهو يفعل هذا. طيب الآن لما نأتي ونريد أن نضع الحد الفاصل أو نريد أن نضع الفرقان، كيف نأخذ الفرقان وكيف نضع هذا الفرقان؟
أقول لك: لابد من وجود النصوص الشرعية. الآن لما نأتي وننظر في على سبيل المثال النصوص الواردة في الزناة: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». طيب هل كل من يزني كافر؟ أو هل الزنا كفر؟ كيف نعرف الآن الزنا كفر أو كبيرة من كبائر الذنوب أو صغيرة من الصغائر أو مكروه من المكروهات؟ الزنا ما حكمه في الإسلام؟ حرام. أي درجة أو أي مراتب التحريم؟ هل وصلت إلى حد الكفر؟ هل الزنا مثل الذبح لغير الله؟ مثل الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى؟ أو أن الزنا معصية من المعاصي؟ الزنا معصية من المعاصي.
طيب ما الدليل؟ الدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن زنى وإن سرق»، هنا «وإن زنى وإن سرق» يبين لنا بأن «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» أي هنا نفي كمال الإيمان الواجب، وليس نفي أصل الإيمان وليس نفي أصل الإيمان. إذاً هنا لما نأتي عند أصل التلازم بين الظاهر والباطن لابد أن يحسم الدليل، أن يحسم الدليل ويفرق لنا بين ضعف الإيمان وبين نفي أصل الإيمان.
ليس هنا المرجع إلى فهم الإنسان، وليس هنا المرجع إلى تقدير الإنسان العقلي، وليس حتى إلى تعظيم الإنسان واستبشاعه في نفسه؛ لأن الناس هنا يتفاوتون، فشخص يقول: عنده إيمان كبير ويستعظم الأمور التي يراها الناس صغيرة فيقول: لا يمكن يفعل هذا. شخص يخاف الله، هنا يخاف الله ما المقصود به؟ هل المقصود به بأنه كافر أو المقصود به بأن هذا ليس خوفاً من الله كبيراً أو خوفه ضعيف؟
إذا كان المقصود أنه كافر أقول: لابد من الدليل، لابد أن تأتي بالدليل. أما إذا كان القصد هنا بأن هذا الإنسان فعل هذا الفعل وتجرأ عليه بسبب ضعف خوفه من الله، أقول لك: نعم، إذا كان معصية وذنباً فأقول لك نعم، وكل من عصى الله سبحانه وتعالى فهو جاهل، وكل من عصى الله سبحانه وتعالى في هذه المعصية هو لم يقدر الله سبحانه وتعالى حق قدره، ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13].
نعم، فهنا لابد أن نفرق بين طريقة الإطلاق وانتقاء العبارات إلى آخره، وبين نفس الفرقان العلمي بين نفي أصل الإيمان وبين نفي كمال الإيمان الواجب. نفي كمال الإيمان الواجب هذا ما يرجع إلى استعظام الإنسان أو تقدير الإنسان العقلي الذهني الصرف، إنما لابد فيه من الدليل الذي يفرق لنا بين رفع أصل الإيمان وبين رفع كمال الإيمان الواجب.
إذاً هنا أصل التلازم بين الظاهر والباطن هو بالأصل مثل ما ذكرت يفهم من خلال نفس فهم الإنسان، لكن تفصيل ما يتعلق بهذا الأصل لابد أن ننظر من خلاله إلى الدليل. الآن نريد أن ننظر: متى نقول بأنه إذا انتفى الإيمان بالظاهر انتفى الإيمان في الباطن؟ أقول لك: ينتفي الإيمان بالظاهر لما ينتفي الإيمان بالظاهر ثم ينتفي تبعاً لذلك الإيمان في الباطن، لما لا يقوم الإنسان بعمل أي عمل من أعمال الإيمان.
تقول لي: كيف؟ أقول لك: إنسان يزعم بأنه مؤمن، يزعم بأنه مصدق بهذا الدين، وكذلك أنه محب لله والرسول عليه الصلاة والسلام ومعظم إلى آخره، وكذلك قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، ثم عاش يوماً ويومين وثلاثة أيام وأربعة أيام وسنة وسنتين وعشر سنوات ولم يظهر منه أي عمل من أعمال الخير، أي عمل من أعمال البر، ولم يفعل أي فعل من الأفعال التي اختصت بها شريعة النبي عليه الصلاة والسلام.
لماذا هنا اختصت بها شريعة النبي عليه الصلاة والسلام بالذات؟ هذا الاختصاص يدل على الانقياد. الآن لما يأتي شخص ويقول لك: طيب كل الأدلة التي تستدلون بها أنتم، لا تتفقون على أن ترك نفس هذا العمل هو ترك جنس العمل. الآن لما تقولون مثلاً: بأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول كذا وكذا وكذا، ثم تقولون: إن تارك الصلاة فيه خلاف، وتارك الزكاة فيه خلاف، وتارك الحج كذلك فيه خلاف، إذاً أنتم أهل السنة والجماعة لا تتفقون على الذي يترك فرداً من هذه الأفراد، أفراد الأعمال، أن يكون عمل؟
أقول لك: نعم صح، لكن ليس معنى هذا أننا لم نتفق على أن جنس العمل لابد من الإتيان به. طيب كيف الآن تقيم الدليل على أن نفس جنس العمل لابد أنك تأتي به؟ أقول لك: إقامة الدليل هنا بالأصل من كلام السلف: "الإيمان قول وعمل"، فهم نقلوا هذه العقيدة، فهم نقلوا هذه العقيدة، ثم بعد ذلك نأتي بالأدلة الكثيرة التي ذكرت على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، على أن.
الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، ثم نأتي بعد ذلك ونقول بأن هذه الدلالة عقلية موافقة لخلق الله سبحانه وتعالى للإنسان؛ فكيف يكون الإنسان في قلبه إيمان ولا يظهر على جوانح هذا الإنسان أي عمل يدل على هذا الإيمان الموجود في قلبه؟ كيف يكون هذا عند الإنسان؟
تقول لي: طيب، هنا الاستدلال ليس بتلك القوة. أقول لك: هذا الاستدلال على ما يمكن أن تعترض عليه هو أقوى من كل استدلال يأتي المخالف به. لذلك قلت لكم بأن المسائل لما يتم التشكيك بها والضرب عليها وإثارة الطعون حولها تضعف دلالتها.
لكن الآن الطرف المقابل منهم الفقهاء، ما هي الأدلة التي عندكم؟ الآن دعونا نضع في الميزان الأدلة الموجودة عندنا والأدلة الموجودة عندكم، أي الأدلة أقوى؟ إذا كان لكم اعتراض علينا فنحن لنا عليكم عشرة اعتراضات. لماذا تريدون منا أن نجيب على جميع الاعتراضات بنفس القوة التي تريدونها أنتم، وأنتم ليست عندكم القدرة على إجابة اعتراضاتنا بنفس القوة التي نحن نجيبكم عليها على الأقل؟
القصد من ذلك حتى تفهم هذه المسائل بهذه الصور، أنه لما تأتي ويشكل عليك أمر ولا تستطيع أن تجيب الإجابة التي يريدها منك الخصم، فقل: بآدلتك وبأدلتي. أنا آتي بأدلتي ثم أذكر اعتراضات، وأنا أذكر اعتراضاتي، ونضعها كلها في الميزان وننظر إليها نظر المتجرد؛ أيهما أقوى بالاستدلال من معه الدليل؟ مَن الذي يرجح بالكفة؟ هل هي الأدلة التي نستدل نحن بها وكذلك الإجابات التي نجيب بها على اعتراضاتكم، أو العكس؟ هنا لا تفر من الرمضاء وتقع في النار.
بالنسبة لي هذا الأمر محسوم بالأصل لقول السلف رضي الله عنهم ورحمهم: «الإيمان قول وعمل». الإيمان قول وعمل، والسلف رضي الله عنهم لم يكونوا يطيلون بالاستدلال لوضوح هذه المسائل عندهم، وشدوا شدة كبيرة على مرجئة الفقهاء في أواخر القرن الثاني وكذلك منتصف القرن الثالث. وسبب هذه الشدة الكبيرة، مثلما ذكرت لكم في اللقاء الماضي، أن هذا القول له ما بعده، وأحياناً تكون المخالفة يسيرة في أصلها، ولكن بسبب وجود المخالفة في زمان الجماعة كلها على قول، تكون شدة بها على المخالفين. وهكذا في قسم من ذلك، فإن عامة انتقادات السلف واعتراضاتهم كانت موجهة لهذا القسم من الناس، أي لمرجئة الفقهاء، ولا شك أن أدلة السلف كانت أقوى وأظهر.
القصد من ذلك، الآن لما نرجع ونقول بأن أصل التلازم بين الظاهر والباطن، متى إذا ارتفع الظاهر يرتفع تبعاً له الباطن؟ أو هل يدل ارتفاع الظاهر على عدم وجود الإيمان في الباطن؟ أقول لك: أولاً إذا ارتفع جنس العمل، أو إذا لم يوجد عند الإنسان عمل يدل على الانقياد.
تأتي الآن تقول: لماذا تشترطون الانقياد؟ يعني هذا الشرط، أنتم تحددون الصلاة مثلاً. الحنابلة يقولون: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، وهي أظهر العبادات العملية. ثم بعد ذلك انتقلت هذه المسألة من كونها عقدية -على فكرة هذه المسألة بالأصل هي عقدية، أي كفر تارك الصلاة- ثم انتقلت بعد ذلك وأصبحت فقهية، وطبعاً هي تذكر في كتب الاعتقاد، لكن حتى مثلاً في سنن أبي داود إلى آخره، كان يقال بأن الذي لا يقول بهذا القول هو من المرجئة، حتى أصبح بعد ذلك هذا المذهب -أي مذهب الحنابلة- متفرداً في هذه المسألة، وكان قبل ذلك إجماع العلماء كما ينص عليه إسحاق بن راهويه وأبو أيوب بن تميم.
كما لما تم إخراج هذه المسألة من طرحها في الدروس العقدية إلى طرحها في المجالس الفقهية، أصبح التعامل معها في هذه الصورة، فأصبح يقال: جمهور العلماء يرى أن تارك الصلاة غير كافر، والحنابلة يقولون بأن تارك الصلاة كافر، وهم مختلفون متى يكفر تارك الصلاة. فضعفت هذه المسألة في نفوس الناس لنقلها من كونها عقدية إلى كونها فقهية. وأقصد هنا عقدية لأنها كانت تذكر مع ذكر هذه المسألة: الإيمان قول وعمل، وإن كان ليس بالضرورة أن سلف الصالح كانوا ينصون بأن من يترك الصلاة ليس بكافر، أنه مرجئ هكذا بعينه، ولكن القصد من ذلك أن هذا القول يشيع عند هذا القول، ينتشر عند المرجئة.
وهنا فائدة منهجية جليلة القدر عظيمة النفع؛ مثل هذه المسائل أحياناً يطلق العلماء فيها التبشيع في سياق استدلال الخصم، أو دخول الخصم من مدخل الخلاف الفقهي، وإن كانوا هم يعرفون بأن المسألة بها خلاف فقهي. ركزوا معي جيداً الآن، لما نأتي مثلاً لمسألة كفر تارك الصلاة، هذا الإنسان الذي يترك الصلاة كافر أو ليس بكافر، هل المرجع هنا إلى الإيمان قول وعمل؟ أو المرجع هنا إلى العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة: «فمن تركها فقد كفر»؟ هل المرجع إلى الدليل نفسه، أو إلى نفس أصل معتقد أهل السنة والجماعة؟ ثم هل هذا الدليل قائم على نفس هذا المعتقد، يعني لا يزيد الإيمان شيئاً، أو أن هذا متعلق بأصل الإيمان وكماله الواجب؟
ثم إذا قلنا بأن تارك الصلاة الآن كافر كفراً أكبر، هل لأنه ترك جنس العمل الذي يثبت من خلاله الإيمان، أو لأن هذا الشخص خالف النص الذي جاء بأن تارك هذه العبادة كافر؟ واضح، فهنا قد يطرح العلماء هذه القضية طرحاً فقهياً ويقولون بأن تارك الصلاة كافر لأن النبي ﷺ يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، وهذا بالنسبة لهم هو العمل الذي يثبت به عقد الإيمان كما هو عند الحنابلة والموافق للحنابلة من جماهير العلماء من السلف.
الآن القول المخالف لهؤلاء الذين خالفوا الحنابلة في هذه المسألة بالذات، بأن تارك الصلاة ليس بكافر، ما هو البديل بالنسبة لهم؟ هل معناه أن ترك العمل ليس بكفر؟ لو إنسان لم يعمل خيراً قط يدخل الجنة؟ يعني هل هم على قول مرجئة الفقهاء بالضرورة وموافقون لهم؟ لا، هنا الذي يقول بقول مرجئة الفقهاء ممكن يستدل بمثل قول هؤلاء، فيقول: هؤلاء يرون بأن ترك الصلاة ليس بكفر، فإذا كان ترك الصلاة ليس بكفر، فالمسألة هي أن العمل ليس ركناً في الإيمان. لذلك السلف الصالح لما كانوا يقولون بأن الذي يقول بترك الصلاة مرجئ، فليس معنى هذا بأن...
الذي يقول بعدم كفر تارك الصلاة بأنه مرجئ، لكن لأن هذه المسألة يتم الدخول من خلالها على هذا الأصل، يعني من خلال هذه المسألة يتم نفي العمل؛ فهنا نفي العمل نعم كفر، نفي العمل هذا يدل على المرجئة الذي يقول بأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، وأن الذي لا يعمل أي عمل من الأعمال التي تدل على انقياد الشخص لشريعة النبي عليه الصلاة والسلام بأنه مؤمن، هذا قول المرجئة.
الخلاف معه ليس خلافاً فقهياً، إنما الخلاف معه عقدي، لكن هذه المسألة تطرح من وجه عقدي ومن وجه فقهي، ومنهم أن تضبط هذه المسألة وتفهم بهذه الصورة، حتى نفهم كلام السلف ونحسن فهمه، وإن كان أحياناً بعض العلماء يطلق هذه الإطلاقات، لكن ليس في زمان السلف، إنما بعد زمانهم، ويذكرونها من غير فهم الأصول التي تقوم عليها المسائل، فيشتبه عليهم الأمر، وهذا طبيعي يحدث في كل زمان، والعبرة بالمحققين من أهل العلم وليس بعامة العلماء، إنما العبرة بالمحققين من العلماء في كل زمان، أما عامة العلماء فهم تبع ولم يتم الدخول معهم بالتفاصيل؛ طبيعي أنهم ما يضبطونها مثل ما يضبطها المحقق من أهل العلم.
إذاً هنا لما ناتي عند أصل التلازم بين الظاهر والباطن، إذا انتفى جنس العمل نقول بأن الباطن ليس به إيمان، لما ذكرناه قبل قليل، الحنابلة ومن كان معهم يقولون الصلاة، البقية يقولون بأنه لابد أن يأتي بعمل خاص يدل على انقياده، هذه كلمة أنه إن يأتي بعمل خاص يدل على الانقياد لشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، هل قال أحد من السلف؟ يعني هل قالها الأوزاعي الذي يقول بالإيمان قول وعمل ويرد على المرجئة؟ هل قالها سفيان بن عيينة؟ هل قالها الحميدي؟ هل قالها الشافعي؟ هل قال أحمد ممن رد على المرجئة؟ هل قالها البخاري ممن رد على المرجئة؟ لم يقل أحد من السلف.
طيب، من الذي قالها؟ أبو العباس بن تيمية، أبو العباس بن تيمية من أين يأتي أبو العباس بن تيمية بهذا التفصيل؟ لماذا يا شيخ الإسلام تأتي بكلام تنص أن العمل الذي لابد أن يأتي به الشخص هو بهذه الصورة، ثم تقيد بهذا القيد وتصف بهذا الوصف؟ لماذا؟ هل هذا مخالف للسلف؟ لا، ليس مخالف للسلف، لماذا؟ لأن ابن تيمية يرى بأن الأصل واضح، فالإنسان لما يفعل هذا الفعل، هذا الفعل مبني على ماذا؟ مبني على انقياده، مبني على محبته، مبني على تعظيمه.
إذاً هذا الفعل الذي هو يدل على المحبة، على التعظيم إلى آخره، هل ممكن يكون من الأفعال المشتركة؟ أو لابد أن يكون من الأفعال التي تدل على أن قالها هذا الرجل الذي يعظمه أو الذي يحبه؟ هنا لما تكون الأفعال المشتركة، ما الفاصل؟ ما الفاصل الذي من خلاله نستطيع أن نفصل بين ما هو موجود في قلبه وبين مشاركته لعامه الناس؟ لأن هذا الفعل ممكن يفعله الإنسان مشاركة لعامه الناس، مثلاً بر الوالدين، الكافر يقوم ببر الوالدين، يبر والديه، لكن هل الشخص الكافر يأتي بشرعة خاصة؟ أو الإنسان الذي يزعم الإيمان يأتي بشرعة خاصة من غير أن يكون في قلبه إيمان؟ مستحيل.
إذاً هنا الذي يفصل بين نفس المشاركة العامة الظاهرة التي تأثر بها الإنسان لفعل الناس لها، أو تأثر بها بحكم الثقافة إلى آخره، وبين نفس الإيمان الموجود في قلب هذا الإنسان، هو أنه يفعل شيئاً يدل على أنه حقيقة معظم لهذا الكتاب، معظم ومنقاد لهذا النبي الكريم، لو ما أتى بهذا، هذا الإنسان ليس مؤمناً، لأن هذا العمل ليس قائماً بالأصل على ما في قلبه، هذا العمل ليس قائماً بالأصل على ما في قلبه، والقلب هو الذي يدفع لتطبيق هذا العمل.
إذاً هنا نفس هذا التأصيل أو هذا الوصف وهذا القيد هو مذكور بناء على نفس الحقيقة، فليس هذا القيد هو بدعة من كلام ابن تيمية، وهكذا أتى بهذا الوصف هكذا إطلاق من غير أن تكون له، من غير فهم طبيعة هذه المسألة، وكيف سيقوم الشخص هذا بعمل ما يكون في قلبه له دافع؟ أما أن يقوم بعمل كل الناس تفعله، فهذا ليس بدليل على أن فعل هذا مبني على محبة أو تعظيم إلى آخره، فلابد أن يكون هذا العمل من خصائص ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام.
ثم هل هذا العمل لابد أن يكون واجباً؟ أو عادي أن يكون مستحباً؟ يعني مثلاً الإنسان ما يصلي مثلاً ولا يصوم إلى آخره، ولكن يفعل فعلاً خاصاً مثلاً بالشريعة الإسلامية من الأمور المستحبة، مثلاً صيام الاثنين والخميس، ما تستطيع تعرف صيام يوم الاثنين إلا من خلال النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الإنسان يصوم مثلاً افتراضاً يوم الاثنين، لماذا تصوم يوم الاثنين؟ يقول لك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اليوم ولدت فيه وأحب أن أصوم فيه»، فهو يصوم في هذا اليوم، لكن هو ما يصلي ولا يفعل أي فعل من أعمال البر إلا صيام يوم الاثنين.
طيب هذا العمل مستحب ليس واجب، هل هذا يثبت به الإيمان أو لا يثبت به الإيمان؟ أقول لك هذه المسائل الظنية، هذا ذكرت لكم في بداية المجالس، أن هل يثبت الإيمان بمثلها؟ هو هذا كلام لا تستطيع أن تثبته 100% أو أن تنفيه، يعني يكون في ترجيح، وهذه صور بعيدة هذه حتى في التطبيق، يعني قد توجد ولكن قليل، وعادة لما توجد مثل هذه الصور تكون مثلاً في البلدان البعيدة عن الدين، البلدان التي لا يكاد يصل إليها العلم، فيكون شخص مثل ما ذكر كما جاء في حديث صلة في آخر الزمان، على كتاب الله عز وجل في ليلة حتى يبقى الشيخ الكبير والمرأة العجوز يقولون: لا إله إلا الله، ولا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا صوم ولا صدقة ولا نسك.
فقال صلة لحذيفه: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ قال: «تنجيهم من النار يا صلة، تنجيهم من النار يا صلة».
فالقصد من ذلك أن هذا ممكن يكون في البلدان البعيدة، نعم هذه الصورة ممكن تقع في البلدان البعيدة، أو في الأزمنة التي لا يكون بها العلم ظاهراً، أزمنة الجهل في آخر الزمان وهكذا، فنعم هذا الأمر ممكن يقع، ومن يسافر إلى البلدان البعيدة ويجلس مع أصحابها ما يستنكر الشخص الذي يكون في حواضر الاسلام التي بها كثير من الشعائر ظاهرة.
القصد من ذلك أن هذه الصورة نعم ممكن، لما يكون شخص في بلدان بعيدة ويفعل هذا الفعل، نقول لأنه لو ما عرف شيئاً من العمل أصلاً سنثبت له عقد الإسلام، فكيف لما هو يعمل بعمل يعتقد بأن هذا العمل جاء به الدين أو جاء به الدين حقيقة ولا يعرف الأعمال التي هي أعظم منه أجراً وأشرف؟ فهذا لا شك بأنه يتم إثبات له هذا، لكن لما لا يكون بهذه الطريقة، هذا الإنسان يعرف صلاة الخمس ويعرف صيام رمضان ويعرف الحج إلى آخره، ومع ذلك ما يصوم هذا كله ولا يصلي ولا يحج ولا يزكي، ويصوم يوم الاثنين، امرأة ما تفعل أي عمل من أعمال البر، لكنها محجبة وتلبس الحجاب الشرعي، تقول: لا هذا دين لابد أني ألبسه، لكن صلاة ما تصلي ولا تصوم إلى آخره، هل هذا يثبت لها عقد الإسلام؟ هذه المسألة التي يكون بها احتمال واجتهاد، وهي مسائل مسائل الظن قطعا وليست مسائل القطع، وإن كان الحجاب طبعا هو واجب ليس مستحب.
الصورة الثانية: الصورة الثانية التي إذا انتفى الظاهر ينتفي تبعاً له الباطن، وقوع الشخص بالأعمال التي تنافي أصل الإيمان، ما المراد بأصل الإيمان؟ أصل الإيمان هو الذي لا يحتمل أن يجهل الإنسان، ولا يعذر الإنسان به بالجهل، يعني ايش؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كل ما تتضمن هذه الشهادة أو ما تدل عليه دلالة واضحة وبينة، هذا هو أصل الإيمان، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
لو أتى شخص وقال بأنه يشهد بأن نبياً آخر غير النبي عليه الصلاة والسلام، أو أن يجوز له أن يتبع غير النبي عليه الصلاة والسلام، أو أن هناك إلهاً نعم يؤمن بالله سبحانه وتعالى، لكن مع الإيمان بالله سبحانه وتعالى يؤمن بأن هناك آلهة أخرى غير الله سبحانه وتعالى إلى آخره من هذا الاعتقاد، أقول لك هذا ما عرف الشهادة الآن، هذه المشكلة معه ليست في الذبح والاستغاثة إلى آخره، إنما هذه المشكلة معه بأصل الشهادة، بأصل الكلمه، يعني هو لما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذه الكلمة ليس لها معنى، بلا معنى.
طيب ما هو المعنى؟ لا معبود بحق إلا الله، ويؤمن بأن النبي عليه الصلاة والسلام مبعوث من قبل الله ولا يجوز اتباع أحد غير النبي عليه الصلاة والسلام، لا نبي بعدي، هذا أصل الشهادة، أما تفصيل ما يتعلق بأركان الإيمان إلى آخره، وأن أي عمل من أعمال يقع بها أو صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى توقع الشخص بالكفر، هذه مسألة أخرى متعلقة بأركان الإيمان، لكن نتكلم الآن عن نفس أصل الدين، أصل الإيمان، عن نفس أصل الإيمان، إذاً هذا ما يدخل به الجهل.
لماذا؟ هذا لو دخل به الجهل لما بقي إسلام أصلاً، يعني هذا أصلاً ما أسلم، هذا الشخص الذي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولكن هو نبي خاص بالعرب، هذا لم يدخل الإسلام أصلاً، الذي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله ولكن ليس هو وحده متفرد بالعباده سبحانه وتعالى، متفرد بالخلق وتدبير بالربوبية، إنما معه آلهة أخرى، لكن هو إله ومعه آلهة أخرى، هذا لم يؤمن بهذه الشهادة، لم يقل: أشهد أن محمداً رسول الله، وهناك نبي بعد النبي عليه الصلاة والسلام أو يجوز اتباع أحد غير النبي عليه الصلاة والسلام أو يحق لنا أن نحب أحداً أكثر من النبي عليه الصلاة والسلام إلى آخره، هذا لم يؤمن بأن محمداً رسول الله، أما تفصيل ما يتعلق بالعبادة وصرف العبادة لغير الله مثل الذبح لغير الله كفر، الاستغاثة بغير الله كفر إلى آخره، هذه أركان العبادة، هذه تحتاج إلى أدلة تفصيلية، أما هنا لما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إذا ما آمن بهذه الشهادة بمعناها الواضح البين، هذا لم يدخل أصلاً بالإيمان.
لذلك إذا خالف أصل هذه الشهادة مباشرة ينتفي عنه الإيمان، طيب كيف تكون المخالفة؟ تكون المخالفة بزعمه أن هناك إلهاً آخر، شخص يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو المعبود، ومع هذا يقول: هناك خالق آخر غير الله يستحق العبادة مع الله سبحانه وتعالى، هذا ما يقول الكفار وهذا نفي لشهادة أن لا إله إلا الله، أو يؤمن بأن هناك رسولاً آخر غير النبي عليه الصلاة والسلام مثل ما كان يفعل بعض كفار العرب، يعني الذين كفروا من العرب في زمان الصديق رضي الله عنه وأرضاه، لم ينكروا كلهم نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، بل يزعمون بأنه نبي ولكن كذلك هذا نبي، مسيلمة الكذاب الأسود العنسي.
لذلك مسيلمة الكذاب ماذا فعل؟ يعني الآن أنظروا إلى هذا المشهد لما أرسل مسيلمة الكذاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لما قال من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، ثم ذكر له بأن الله قد أشركني معك في الرسالة وأن قريشاً قوم يعتدون، الآن هؤلاء بني حنيفة الذين آمنوا بمسيلمة، هؤلاء في هذه اللحظة ألم يكونوا مؤمنين بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ بلَى، لكن ايش؟ نبي آخر مع محمد عليه الصلاة والسلام، الآن هذه النبوة التي ادعاها مسيلمة الكذاب أليست كفراً؟ بلى كفر، الذين آمنوا بمسيلمة بمجرد إيمانهم بمسيلمة كفروا، حتى مع إيمانهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، لأن نفس الإيمان هنا بمسيلمة هذا رفع لمحمد رسول الله.
فالقصد من ذلك أن الشخص هنا إذا فعل فعلاً من الأفعال أو قولاً من الأقوال، وهو غير مكره، نتكلم الآن عن الجهل، ينافي أصل الشهادة، ينافي أصل الشهادة هذا كفر، هذا كفر، مثلاً السب، شخص يسب الدين والعياذ بالله، يسب الله سبحانه وتعالى ويسب النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول لك جهلاً جهلاً، هذا غير لا يقبل منه الجهل هنا، لماذا؟ هذا متعلق بالتعظيم، لو كان في قلبه تعظيم لما فعل هذا، وهذا أمر ظاهر وبين ليس أمر خفي، لذلك لا يوجد شخص يسب من يعظمه، لا يوجد مستحيل.
وكان في إحدى البلدان العربية قاض، وكانوا هؤلاء في هذا البلد العربي كان كثير منهم يعتقدون بالأولياء بعضهم، لكن يعتقدون به، فأتى هذا القاضي وطلب من هذا الشخص لما وقع في، هو شخص مجرم، طلب منه أن يحلف على المصحف بأنه ما فعل، فحلف أنه ما فعل، قال: والله الذي لا إله إلا هو.
ما فعلت، ثم قيل له: احلف بالشيخ فلان في قبل عدة سنوات، فأبى أن يحلف، مع أن هذا الإنسان نفسه مجرم. لماذا؟ لأن في قلبه تعظيماً، لأن في قلب هذا الإنسان تعظيماً؛ فمن يكون في قلبه تعظيم لا يمكن أن يسب من يعظمه، خاصة لما يكون التعظيم تعظيم التأله.
وعلى فكرة، هذه المسائل شرحها النظري ليس مثل استشعارها، تعظيم التأله، حب التأله، خوف التأله، هذا صعب أن تسبك العبارات أو تنمق الكلمات التي توصل المعنى للناس من خلاله، هذا كل إنسان يشعر به بنفسه؛ لأن الإنسان أصلاً مخلوق حتى يعبد. فهذا الموجود الآن في قلبك تجاه الله سبحانه وتعالى، ما تستطيع تأخذ المصحف وترميه، ما تستطيع تفعل، مستحيل، وما تستطيع تنظر إلى أحد يفعل هذا بالمصحف وما تتحرك أبداً. لو كان كتاباً آخر ممكن تفعله، ولو كان شخصاً آخر ممكن تفعل، أو ممكن ما تفعل شيئاً، لكن لماذا لم يكن هذا الكتاب المقدس في قلبك شيء من التعظيم يمنعك؟
هذا التعظيم هو المقصود هنا، هذا التعظيم إذا ارتفع، انتفى الإيمان؛ لا يوجد في قلب شخص لا يوجد في قلبه تأله، هذا غير موجود. فلما شخص هنا يسب الدين أو يسب الله سبحانه وتعالى، يسب النبي عليه الصلاة والسلام ويطعن هكذا بالدين أو يطعن به، ثم يقول: أنا ما كنت أدري أن هذه الكلمة ترفع الإيمان، أنا ما أدري أن هذا كفر، أقول لك: قصد الفعل كفر، ولا يشترط أن تقصد الكفر، إذا قصدت نفس الفعل، نفس الآن ارتفع الإيمان، لو كان في القلب إيمان، إيمان التأله هذا، أو حب التأله وخوف التأله إلى آخره، لو كان موجوداً لما فعل الإنسان هذا الفعل. إذاً هذه الصورة الثانية، أن يقع شخص بالأعمال الظاهرة التي تنافي أصل الإيمان، طبعاً نتكلم نحن عن الجهل، أما لو كان بإكراه مثلاً إلى آخره، فالأمر هنا مختلف وهذا له تفصيل كذلك.
الصورة الثالثة المتعلقة بالتلازم بين الظاهر والباطن، أن تدل النصوص الشرعية على أن فعل هذا العمل بالذات كفر، أو ترك هذا العمل بالذات كفر، مثلما ذكرنا قبل قليل بالصلاة. فمثلاً لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، و«بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة». الآن لما نأتي عند الكفر هنا، هل كفر أكبر أو كفر أصغر؟ الذي يقول بأنه كفر أكبر يقول هنا: خلاص ما دام دل النص على أن هذا الفعل كفر، إذاً الذي يترك الصلاة ينتفي عنه أصل الإيمان.
طيب، شخص الآن ما يصلي لكن يقول في قلبه تعظيم وحب للدين ويتصدق وينصر المسلمين، لكن هو ما يصلي، أقول: كل هذا الإيمان الذي هو يظنه، إيمان غير معتبر بالشريعة، هذا ليس إيماناً، هذا مثال الشجرة الفاسدة، نعم موجودة الشجرة لكنها فاسدة، ليست شجرة صالحة، يعني هو يظن بأنها شجرة صالحة لكن هي في الحقيقة شجرة فاسدة.
طيب الآن كيف نفرق بين عدم وجود الشجرة وبين الشجرة الفاسدة؟ أقول لك: عدم وجود الشجرة هو انتفاء جنس العمل، قلع الشجرة، وقوع الشخص بأعمال الكفر الظاهرة، الشجرة الفاسدة دلالة النصوص الشرعية. تقول لي: طيب الآن كيف نفرق بين هذا وبين الخوارج؟ أقول لك: النصوص الشرعية فقط، لا يوجد شيء آخر يفرق، النص الشرعي هنا يقول بأن الزنا كبيرة من الكبائر وليس كفراً إلا إذا استحل، فهنا نرجع إلى ما في القلب، نرجع إلى الاستحلال والجحود والتكذيب، يعني هنا يكون المرجع إلى ما في قلب الإنسان. ولكن هنا ليس المرجع إلى ما في قلب الإنسان، هنا نفس الدليل الشرعي دل بأن هذا كفر عملي أكبر، ما دام الدليل دل بأنه كفر عملي أكبر. تقول لي: هل يوجد كفر عملي أكبر؟ أقول لك: نعم عند أهل السنة والجماعة، نعم. عند المرجئة؟ لا، المرجئة ما يقولون كفر عملي أكبر، يقولون كل كفر عملي أصغر، ولكن الكفر يقيد بما في القلب.
فهنا لما يكون الفعل كفراً بالنسبة لهم، يقولون: لأنه في القلب استحل أو أنه كذب أو جحد إلى آخره، فعندهم ارتباط الظاهر مع الباطن فيه إشكال عند المرجئة، فعندهم نفس الكفر العملي لا يرفع ما في القلب، بينما أهل السنة والجماعة عندهم الكفر العملي يرفع ما في القلب. طيب الآن لما تأتي عند المرجئة وتذكر له مثلاً بعض الاعتراضات مثل سجود لصنم أو تذلل لأصنام، يقولون: هنا النص دل عليه، وما دام النص دل عليه إذاً كذلك القلب لا يوجد به عمل، لكن هؤلاء المرجئة يقيدون الأعمال الظاهرة بمثل هذه الصور، فقسموا ذلك أن النص الشرعي إذا قال بأن هذا العمل كفر فنقول نعم.
الآن نأتي لهذا السؤال المهم، الآن لما تأتي صورة من الصور العملية، مثل ما ذكرنا قبل قليل عن ابن تيمية، شخص مثلاً يريد أن يهدم الكعبة، يأخذ هكذا المعول ويريد أن يهدم الكعبة، لماذا تهدم الكعبة؟ يقول: حتى أحصل المال، أعطوه جماعة من الناس مالاً حتى يهدموا الكعبة. أو دعوني أذكر لكم مثالاً آخر أقرب حتى أنتقل بالصور إلى الحزم: الآن لما نأتي عند شخص كافر مع شخص مسلم يتشاجران، فيأتي هذا المسلم لأنه يبغض المسلم الآخر لعداوة شخصية بينهما ويعطي الكافر مثلاً حجراً أو يعطي الكافر مثلاً سكيناً، فيضرب الكافر المسلم، هنا هذا المسلم هل فعل كفراً أو معصية؟ معصية وليس كفراً، لماذا؟ طيب بالاتفاق نعم، بالاتفاق لماذا؟ لأن هنا ما لا علاقة بالدين، إنما عداوة شخصية، فلكن نصر الكفر على الإيمان، لا، هو نصر كافراً على المسلم وليس كفراً على الإيمان.
صورة ثانية: شخص عمل مع الكفار ونصر الكفار على بعض المسلمين، هكذا مجموعة من الكفار نصرهم على عشرين أو خمسين مسلماً، هذه لا شك أنها جرمها أعظم وأكبر لكن هو مسلم، هو ليس كافراً، هذا لا شك بأن جرمها أكبر وأعم. طيب شخص آخر نصر الكفار على المسلمين من خلال إسقاط بلد من بلاد الإسلامية، يتعاون مع الكفار ضد المسلمين، اللي غزوا بلداً مسلماً واستحل الكفار هذا البلد المسلم وأظهروا فيه شعائر الكفر بعد ما كانت شعائر الإسلامية ظاهرة، هذه الصورة ما حكمها؟ هل كذلك نقول بأنه لا بد أن نرجع إلى ما في القلب، أو هنا نفس الفعل العملي هذا كفر أكبر؟
صورة والتي تليها: شخص الآن واقف مع الكفار في جيش من أجل غزو الكعبة، لماذا غزوت الكعبة مع هؤلاء الكفار المجرمين؟ لأن الذي يحكم مكة قتل والده فيريد أن ينتقم منه. طيب هذا الانتقام، ألا تعلم بأن معه هدم الكعبة؟ يقول: أنا ما أقصد هدم الكعبة لكن أقصد انتقاماً من هذا الشخص، ثم هو يتسبب بهدم الكعبة ويأتي بمعلومات خاصة يستفيد منها هؤلاء الأعداء الكفار فيتم غزو مكة وهدم الكعبة. صورة تليها: هذا الإنسان نفسه هو الذي يقود الجيش الذي سيهدم الكعبة، لماذا تهدم الكعبة؟ يقول: سيعطوني مالاً، أنا لن أريد أعوذ بالله أن أكون قاصداً هدم الكعبة، لكن أنا فقير أريد المال. انظروا الآن الصورة الأولى انتقام وهو جندي جاسوس، لكن الآن هو نفس القائد الذي سيهدم الكعبة، هو نفس الذي سيقود الجيش، لماذا هذا كله؟ يقول: أنا لا أريد هدم الكعبة لكن أريد المال، وهكذا يقاتل النبي عليه الصلاة والسلام ويعطى هكذا مجموعة من المال أو حتى يقتل النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول: أنا ما قتلت النبي عليه الصلاة والسلام لأنني ما أحب، أنا أحبه وهو نبي، ولكن أريد المال.
هل هذه الصور الأخيرة ممكن تشتبه على شخص، أو يقول شخص بأن هذه الصورة ممكن لا تكون كفراً، لا بد أن نرجع وننظر إلى ما في قلبه، ما الموجود في قلبه؟ يعني هذا الإنسان الذي يفعل مثل هذه الأفعال هل ممكن يوجد في قلبه شيء من التعظيم، شيء من الخوف؟ إذاً هذه الصور تعود على أصل الشهادة، تعود على أصل التعظيم، على أصل الإيمان، بخلاف الصور التي قبل ذلك. فالصور الأولى مثل إعطاء حجر وإعطاء سكين إلى آخره، هذه الصورة ليست ظاهرة بموالاة الكفار على المسلمين، لكن الصورة الأخيرة هي ظاهرة في موالاة الكفار، ولا عبرة بما في قلب الإنسان، وليس من ذلك شك أنه ما دام ارتفع العمل في الظاهر فليس في قلبه أصلاً إيمان، ولكن هنا هل نقول بنفس الفعل كفر عملي أكبر أو نقول هو كفر لأن في قلبه استحل أو جحد؟ طيب هذا ضابط الجحود والاستحلال والتكذيب كيف ستعرفه؟ إذا قلت: لا، أنا ما جحدت ولا استحللت، أقول لك: أنا مخطئ بهذا العمل، أقول لك: نفس العمل هذا أصلاً كفر. فهنا هذا الفرق بين المرجئة وبين أهل الحديث، فأهل الحديث يرون بأن هناك كفراً عملياً أكبر ويستدلون بمثل ما ذكرتها قبل قليل، وهذا يدل بالنسبة لهم دلالة قطعية تلازمية على ذهاب ما في قلب الإنسان، فلا نقول ما في قلبه، إنما نقول نفس هذا العمل يدل على ما في قلبه، نفس هذا العمل يدل.
طيب تقول الخوارج يقولون هذا، أقول لك: الخوارج ما يضبطونها بضابط أهل السنة والجماعة، ما يضبطونها بضابط؛ ضابطهم نفس تقديرهم يعود إليهم هم، وليس إلى نفس تقدير النصوص الشرعية وضبط النصوص الشرعية. وأهل السنة وسط بين المرجئة وبين الخوارج في ضبط مثل هذه الصور وهذه المسائل، لذلك ابن تيمية أحياناً يستخدم مثل هذه الأمثلة ويذكر مثل هذه الأمثلة التي تحرج المرجئة والتي لا يستطيع المرجئة أن ينفكوا عنها. إذاً القصد من ذلك أن هنا إذا وقع شخص بعمل ظاهر يوجب الكفر ويدل الدليل عليه، نقول بأن هذا الإنسان ارتفع الإيمان من عمله، أو ارتفع العمل فيرتفع ما في القلب تبعاً لذلك، وهذا يدل على أنه ليس في قلبه إيمان، وإن زعم هو بأنه في قلبه إيمان، نقول: إن نفس النصوص الشرعية دلت على أن هذا الإنسان ليس في قلبه إيمان. إذاً هذا ما يتعلق بالمسألة الأولى التي أحببت أن أنبه عنها وأبينها.
المسألة الثانية المتعلقة بنفس تحقيق الإيمان. الآن يا شباب لما ننظر إلى أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، هل تتعجبون من تبجيل الصحابة وتقديم الصحابة لأبي بكر وعمر؟ ثم بعد ذلك لما تنظرون في سيرة هذين الرجلين، هل نجد بأن الصديق والفاروق أكثر الصحابة عملاً، أو كان الصحابة رضي الله عنهم بعضهم أكثر من الصديق والفاروق عملاً؟ أقصد العمل الظاهر. لما نأتي الآن في سيرة الصديق رضي الله عنه وأرضاه، نجد بأن الصديق يقول عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه، كما جاء عنه بإسناد صحيح في شعب الإيمان للبيهقي: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح بهم». ويقول كذلك أو يقول النبي عليه الصلاة والسلام إنه رأى عمر بن الخطاب في المنام بأن عليه قميصاً يجره، قالوا: يا رسول الله ما أولت ذلك؟ قال: الدين. ولما كان يتحدث مع أصحابه ويقول عن آخر الزمان: بقرة تتكلم، وذئب يتكلم، فالناس كانوا يتعجبون، يقولوا: سبحان الله، كلمة تقال عند التعجب، فكان يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر».
ثم هذه كلمة الإيمان الكبيرة جداً، دراستها النظرية العلمية المعرفية في الرد على المرجئة وعن الخوارج إلى حتى نفس ما ذكرنا في اللقاء الماضي، تحقيقها العملي المتعلق بنفس قضايا الإصلاح إلى آخره، شيء، ونفس هذا المعنى الآن المبحث الخاص الذي هو أخص ما يتعلق بالإيمان شيء آخر. الإيمان ممكن نقرأ عشرين سنة في الإيمان سواء بالكتب المصنفة أو أعمال القلوب أو الكتب التي بل حتى في كتب التفاسير بالسيرة إلى آخره، ممكن نقرأ لكل من تكلم عن الإيمان، لكن لماذا ما نصل؟ لماذا ما نصل إلى درجة مثل ما وصل إليها الصحابة؟ لماذا؟ وما الفارق حقيقة؟ ما الفارق؟ يعني الآن نحن عندنا مدة زمنية نعيش فيها فوق الأرض، هذه المدة الزمنية التي الآن نحن فوق الأرض فيها، كيف نحقق الإيمان الذي لو رجح هذا الإيمان بإيمان هذه الأمة لرجح به؟ وكيف نرتقي؟ يعني كيف نصل إلى درجة بعيدة بالإيمان، عالية بالإيمان؟ ما يكون إيماننا عبارة عن إيمان هش، أو إيمان عبارة عن معلومات، وعبارة عن تنظير، أو عبارة عن مجالس، عبارة عن دروس، كلمات فقط وليس هو ثقيلاً لما يوضع في الميزان.
لماذا أبو بكر لما وضع في الميزان رجح بعمر، وعمر رجح بعثمان، ولماذا إيمان الصديق لو وضع هو هكذا إيمانه في كفة والأمة كلها، والله يعني هذا الأثر عمر رضي الله عنه وأرضاه لا بد أن نقف عنده، يعني كيف رجل واحد يوضع إيمانه، ثم تأتي بعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وحمزة وخالد بن الوليد وابن تيمية وأحمد بن حنبل والشافعي إلى آخر هؤلاء الأفذاذ إلى آخر الزمان، وأعدوا من تريدون في كفة هو لوحده، لوحده إيمانه أثقل من إيمانهم، طيب هذا أيش الإيمان الذي هو أثقل؟
هل كثرة الصلاة تعني أنه صلى صلاة أكثر من هؤلاء؟ هل صيام أكثر منهم؟ ما هو لب الإيمان؟ هذه حقيقة الإيمان، وكيف الإنسان يقفز بالإيمان؟ يعني كيف الإنسان يكون إيمانه بهذه الطريقة، ثم بعد شهر هو؟ شوف يا شباب، هذه الأمور إذا ما شعرها الإنسان مع نفسه هو في خطر. إذا ما شعر الإنسان أن إيمانه الآن لا يزداد، وأن هو ما زال إيمانه الأول، الذي كان يتساهل فيه ما زال يتساهل فيه، هو إلى الآن ما تغير، يعني إلى الآن ما يشعر بأن كل سنة هو يرتقي، أو كل شهر هو يرتقي في محبته وفي تعظيمه.
حتى والله أمس كان يقول لي شخص كلمة، عملت في قلبي، والله كان يقول: الله سبحانه وتعالى فتح لي باب التوكل، قلت: كيف؟ قال: والله لا أشعر إلا بالتوكل. سبحان الله، الله يصنع على عينه بلاءات عجيبة تقع له ويقابلها بالتسليم والصبر، يقول: والله خلاص، أنا وصلت لدرجة. هذه هي الشريحة التي تتم صناعتها الإلهية بهذه الطريقة، هي التي ترأس، هذه إبراهيم عليه السلام، طبعاً إبراهيم الذروة، هؤلاء الأنبياء ثم الصحابة رضي الله عنهم هم الذروة.
لما تأتي تقول: كيف فلان؟ لا توجد؛ كيف هذا الإنسان أسكن الله في قلبه شيئاً معيناً؟ هذا الذي أسكن الله في قلبه الحب والتعظيم، الإمام أحمد لما يجلد ويقول الجلاد: لو جلدت به فيلاً لمات، كيف يثبت؟ لما قيل له، وبكوا لما كان أحمد يقص بعض ما كان يقع عليه في البلاء، كما ذكر أبو عمر التميمي في كتاب المحن، هذا كتاب جميل، لما قال: «ما وضع الصدق والإخلاص على جرح إلا برئ». هذا كيف يصل الإنسان؟
كلمة التوكل هذه كلمة سهل نقولها وسهل نضبطها نظرياً، الخوف والفارق بين خوف الشرك وخوف المحرم، كذلك الحب إلى آخره، ورابط الحب هذا كله كلام نظري، لكن التحقيق العملي كيف يكون تطبيقه؟ كيف ما تقدم أحداً على الله؟ ما تقدم أحداً، مستحيل، لو كان من كان، لو كان أحب الناس إليك، لو كان أقرب الناس إليك، الله يريد هذا، ما أفعل الذي يريده فلان، الله لا يريد هذا ما أفعله. لو كان يريده فلان من أجلي أو من أجل غيرك ما راح أفعلها، مستحيل، حتى لو خسرت، ويرى بأن الخسارة غنيمة.
أنا هذا الإنسان ممكن يفعلها مع الناس الذين لا يحبهم كثيراً، لكن الذين يحبهم كثيراً يكون قريباً منه، ابنه، ﴿فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: 80]، مع أنه كان صالحاً، الأب والأم صالحة، الله رحم هذا الأب وهذه الأم بقتل هذا الابن. طيب هذا الأب وهذا الأم لو كبر هذا الابن ممكن يفتن، لماذا يفتن؟ لأن هنا فيه شيء من التعلق القلبي، هذا التعلق القلبي ممكن يسقط إيمان الإنسان. مع أن هذا الإنسان لو قاوم هذا التعلق القلبي وما رد على ابنه ممكن يصل إلى الفردوس الأعلى، لكن اختباره فتنة، والإنسان ما يدري ماذا يصنع لهما معه مع الاختبار.
طيب الآن ما الحل؟ ما هي الطريقة؟ ما هو الطريق الذي من خلاله يتم الارتقاء؟ لماذا الصديق وصل؟ لماذا الصديق أصبح إيمانه لو وضع في كفة، ووضع إيمان الأمة جمعاء في كفة لرجح إيمان الصديق؟ لماذا عمر الفاروق يسلم بعد الكثير من الصحابة، قيل أربعون وقيل ستون شخصاً، ومع ذلك يستطيع عمر أن يصل إلى أن يكون عمر؟ سنوات يسيرة عاشوها وصلوا إلى هذه المراتب العالية، هل فقط لأنهم صاحبوا النبي عليه الصلاة والسلام؟ وصاحبوه، طيب من جاء بعدهم لماذا أويس القرني وصل؟ لماذا أويس القرني يصل إلى هذه الدرجة بالإيمان؟ لماذا الحسن البصري؟ لماذا محمد بن سيرين؟ لماذا هؤلاء يصلون إلى أن يكون عندهم الإيمان بهذا الثقل؟ هل كثرة العبادة؟ يعني هل الميزة فيهم أنهم كانوا يكثرون من الصلاة، يكثرون من الصيام، يكثرون من التطبيق العملي، أو هناك شيء آخر؟
أين هو المفتاح؟ أقول لك المفتاح هنا معلق، هنا المفتاح، عطاء من الله سبحانه وتعالى، الله يهب من يشاء، لذلك الإمام أحمد لما قيل له: كيف يستعين المرء على قصر الأمل؟ قال: لا أدري. هذه كلمة لا أدري من أحمد بن حنبل، والله أنا شوف الإمام أحمد رحمه الله تعالى في إجاباته "لا أدري"، هذه أنا كانت تعمل فيَّ قديماً والآن تعمل فيَّ أكثر. قديماً كنت أتعامل معها تعاملاً هكذا، يعني تعامل تواضع الإمام، يعني لما كان لما قيل له مثلاً كما ذكر ابن قدامة في المغني، لما قال: متى يقول الشخص استغفر الله؟ متى يلتفت الإمام إلى المصلين أو هل هنا الالتفات يجلس يعني يلتفت إليهم أو يقوم؟ قال أحمد: لا أدري. فكانت، وكذلك كلمات مالك لما كان يقول: لا أدري، كنت أقول تواضع الأئمة وتورع الأئمة، لكن الآن بعض "لا أدري" ليست من هذا الباب، ليست من باب التواضع أو من باب التورع، إنما هي من باب عدم القدرة على الشرح.
يعني في قسم لا أدري يتورع الإمام أن يفتي، صح، هذا كانت مسألة متعلقة بالفقه، لكن هنا كيف يستعين الشخص على نفسه بقصر الأمل؟ يعني كيف شخص يعيش أنه لا يوسع آماله، إني سأعيش، سأفعل، سأفعل، لا، كيف وإنسان ضعيف؟ والله يقول: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131]. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون».
فالإنسان الدنيا حلوة خضرة، والإنسان تميل عينه للخضرة، ممكن أن تسمع محاضرة تتأثر، لكن بعد قليل خلاص يذهب هذا الأثر، فما تستحضر أنك ستموت، يعني لو يقال لك أنك ستموت بعد قليل ما تتعامل مع هذه الكلمة الحقيقية مثل تعاملك مع المحاضرة الذوقية. لماذا هذا لما يقول الآن ستموت ما عنده مشكلة؟ أما هذا الشخص لما يقول الآن ستموت يقول: لا، الأمر أصبح جد، قبل ذلك كان تعاملاً مع ذوق، يعني هكذا روحانيات، حديث جميل، ثم هو يفك، لماذا؟ لأن هذا في قلبه معشش الدنيا، هذا الإنسان يفكر في قلبه إني سأفعل كذا وسأفعل كذا، وهذا تأتي هكذا مثل نسمة الهواء، الكلام هنا لا يكون واقعياً، لا يكون حقيقياً، إنما يكون عبارة عن دغدغة مشاعر، عبارة عن هكذا تحريك القلوب وتأثر، ثم هو سيرجع إلى الدنيا التي امتلأ قلبه منها.
الصديق ما كان بهذه الطريقة أبداً، ولا عمر الفاروق، ولا حتى بقية الصحابة، ولا حتى التابعين إلى آخره، يعني هؤلاء الدنيا ما كانت داخلة، بخلاف ما كانت الدنيا داخلة في قلبه ومتمكنة منه، فهو تأتيه مثل هذه النسامات التي تريح ضميره، تريح ضميره، وتحرك نوعاً ما، يعني هي منها فائدة لكن ليست، ليست مثل ما يقصد هنا السائل. الإمام أحمد رحمه الله تعالى لما قال لا أدري، هذه كلمة لا أدري معناها أن هذه كرامة إلهية، هذا معنى كلمة لا أدري، مع لا أدري أن هذا الباب ليس متكلفاً.
طيب كيف متكلف؟ يعني ما فيه أسباب، فيه أسباب، لكن لابد أن الله سبحانه وتعالى يفتح قلبك، لابد أن الله سبحانه وتعالى يمن عليك، وأن الله سبحانه وتعالى يعطيك. تقول: طيب ماذا أفعل؟ أقول لك لازم تدعو الله سبحانه وتعالى، وأيضاً لابد أن تتعامل مع أوامر الله تعامل الجندي، لابد، خذها من الآن، ودع عنك الكلام الذي لن ينفعك كثيراً، إذا أتاك الأمر من الله سبحانه وتعالى قل: سمعاً وطاعة، مباشرة، قل سمعاً وفعل الذي تستطيع منه، والذي لا تستطيع حتى لو كنت معذوراً قل: يا رب أعني، يا رب لا تجعلني أشقى خلقك.
هكذا تعامل مع أوامر الله ونواهيه، ولا تتعامل معها تعامل الشخص الذي ينتقي، ولا تتعامل معها تعامل الشخص الذي يدخل عقله وتقديره، انتبه أن تتعامل معها بهذه الطريقة، إذا تعاملت معها بهذه الصورة الثانية لن يفتح لك هذا الباب أبداً، ستعيش بالباب العام هكذا الدائرة البعيدة، لكن هذا الباب، أبو بكر الصديق يقول: الصحبة يا رسول الله. انظر كيف رجل في مكه يتحين لحظة الهجرة ويريد أن يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام، ولما شعر هكذا، لمس بأن ممكن تكون هجرة قريبة، يأتي براحلتين، ما هذا؟ ثم يبكي فرحاً، ما هذا الإنسان؟ ثم لم يأتِ بأبيه، ويقول، ويبكي، تذكرت وددت أن تكون هذه اليد هي يد عمك. كذلك عمر الفاروق لما قالها العباس ما قال له قبل فتح مكة، هنا، هنا هذه المسارعة، هذه المبادرة، والشخص يكون هكذا يعيش حياته كلها، ليس يوماً ويومين، لا، جندي، الله الآن يريد مني كذا، سأفعل كذا، ثم يفعل الذي يستطيع، والذي لا يستطيع يقول: يا رب خلاص، أنا أفعل هذا، سأفعل هذا.
ما يتعامل الإنسان مع الله سبحانه وتعالى تعامل الشخص الذي يفعل متى ما أراد، يؤجل كما يريد، أفعل هذا بعدين، لا، هذا تعامل مع غير الله، هذا التعامل في العمل الكل يلعبه، لأن التعامل مع الله مختلف، التعامل مع الله، هذا التعامل تدرون وين المشكلة فيه؟ المشكلة في أن هذا الإنسان ما كان ينظر إلى نظر الله، هذه المشكلة، يعني هو ما تعامل على أن الله الآن ينظر إليه ويرقبه، ويظن هذا الإنسان، هذا الخطر أن الله سبحانه وتعالى، هو ما يقولها، لكن هو التطبيق العملي يوحي بهذا. الله غني عنك، تصور الآن، تصور لو هناك ملك، وملك عنده جنود، هو يستطيع أن يستبدل الجنود، جنود غيرهم وعنده جنود أفضل منهم، الآن من الذي حريص على أن يثبت حضوره الملك أو الجندي؟ من الذي يريد أن يثبت مقامه الملك أو الجندي؟
فهنا الجندي يبذل كل ما يستطيع فقط حتى يقترب، حتى يلفت نظر الملك إليه، حتى يلفت نظر الملك إليه. والله سبحانه وتعالى المثل الأعلى، الله عنده جبريل، الله خلق جبريل، الله خلق، الله غير مفتقر لأحد، الله هو الغني سبحانه وتعالى، الله خلق محمد صلى الله عليه وسلم، خلق إبراهيم، يعني من أنت؟ يعني من أنت في الميزان؟ هذا لا شيء، لا قيمة عليك بالكون هذا كله ولا بالتاريخ، أنت لست من الصفوة المختارين، لست من أنبياء الله ولا رسله ولا من الصحابة، فأنت المفتقر، يعني أنت الآن الذي تريد أن تدخل دائرة قريبة، الدائرة تقول: يا رب أنا اجعلني مع هؤلاء، يا رب هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، أنا المرء مع من أحب، أنا مفتقر إليك أنت يا ربي.
الله سبحانه وتعالى هو الغني، لكن أنا يا ربي أريدك، أنا أريد نصيبي، ثم لما يأتي التطبيق العملي سيختبرك الله كل يوم، كل يوم اختبارات، وعلى مستوى المراحل اختبارات كبرى، يعني كل يوم فيه اختبار كذا، اختبار كذا، اختبار كذا، ماذا تفعل وقت الاختبار؟ هذا هو الذي تحصل فيه الإيمان. يعني الصديق لما هاجر مع النبي عليه الصلاة والسلام ليس هو صديق قبل أن يهاجر مع النبي عليه الصلاة والسلام، الصديق لما قال، كان قال فقط صدق، هذا الموقف، الدقيقة هذه ونصف دقيقة إيمان الصديق الآن انتقل نقلة كبيرة. هذا ما يحصل الإنسان بقراءة ألف جزء، ما يحصل الإنسان بصلاة عشرة آلاف ركعة، ما يحصله، هذا الموقف لا يحصل بكثرة العمل، إنما يحصل بنفس موافقة هذه اللحظة بمراد الله سبحانه وتعالى ولو كان مع حمل النفس.
هذا هو الذي يرتقي ويرتقي ويرتقي، في كل سنة تجد يقفز قفزات، فينتقل انتقالاً حتى نفس هذا الإنسان، وهذه الشريحة هو يشعر كل سنة أن إيمانه يختلف، هو هذا الإنسان يفهم هذا الشيء، ليس مثل عامة الناس الذين يتعاملون تعاملاً نظرياً، هؤلاء ما يعيشون هذه المعاني ولا يستوعبونها أصلاً، لأنه ما يتعاملون بهذه الطريقة، هؤلاء سيرهم أفقي، ما يرتقون، يعني هؤلاء يحصلون التحصيل المبني على كثرة العمل، بخلاف أولئك الذين يحصلون التحصيل المبني على التسليم، المبني على المبادرة، المبني على إثبات الحب والتعظيم، إثبات الجندية، إثبات الصدق. الصدق والله يمتحن عباده كثيراً، كل يوم امتحانات خاصة وامتحانات عامة، على مستوى المراحل هذه الامتحانات هي التي بها يرتقي الإنسان، وهي التي بها يحصل الإنسان المقامات الإيمانية، وهي التي بها يفتح عليه ويقذف في قلبه الإيمان والحب والتعظيم.
لذلك الله لما أحب إبراهيم عليه السلام ألقى في قلبه الوجل، هذا غير متكلف، يعني نفس الإنسان ممكن يخاف بنسبة معينة، يرجو، يحب، هذا الأصل، لكن كيف يزداد؟ يعظم عندك هذا، أقول لك بالذكر، لكن الذكر لا بد مع استحضار ومع التأمل، فيكون ومع الدعاء ومع التنفيذ، التنفيذ المبادرة والتطبيق، الذي يريد الله سبحانه، الآن من كذا افعل كذا، وستختبر بكل أحد، ستبتلى بأقرب الناس إليك والله العظيم، لكن قد تنجح وقد تسقط، إن سقطت لن ترتقي. ستبتلى بأقرب الناس إليك جميعاً، ستبتلى، الله سينظر إلى قلبك، هل تقدم الآن فلاناً أو تقدم الله؟ إن نجحت بتقديم الله انتقل إيمانك، ثم إن نظرت إلى الدقائق وسعيت جاهداً أنك تطبقها وتفعلها وتحمل نفسك على إثبات الحب والتعظيم لله سبحانه وتعالى، وأنك عبده، ويكثر منك هذا الفعل، أقول لك أنت الآن بدأت تقترب من منازل هؤلاء وبدأت تعيش ما يعيش هؤلاء العليا من الناس الذين ما.
شممنا لهم رائحة، ونسأل الله أن نكون وإياكم ممن يبلغنا وإياكم أن نصل إلى مقامات هؤلاء، أو أن نقترب من هؤلاء، وألا يقبضنا سبحانه وتعالى إلا وقد بلغنا أعلى مراتب الإيمان، ومنَّ علينا بذوق هذه اللحظات الإيمانية، أو الوصول إلى هذه المقامات الإيمانية العظيمة التي اختص الله سبحانه وتعالى لها من يشاء من عباده في كل جيل.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم، وأن يهدينا وإياكم، وأن يسددنا لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري