دخولتسجيل الدخول

التعليق على الخراسانية 05 | فقه نصوص الإيمان ونقد الإرجاء العملي، ومسار أعمال القلوب

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل مدارسة هذا الكتاب، وكنا قد توقفنا عند مبحث الإيمان، وذكرنا في اللقاء الماضي بعض المسائل المتعلقة بهذا المبحث، واليوم إن شاء الله تعالى سأتكلم كذلك عن مجموعة من المسائل المتعلقة بهذا المبحث، مبحث الإيمان.

المسألة الأولى هي طريقة إطلاق القرآن الكريم للمعاني، أو كيف نستطيع من خلال جمع النصوص أن نشكل المعنى الأصلي من الإطلاق، أو نشكل المعنى الأصلي لنفس اللفظ أو المصطلح. فنضرب مثالاً متعلقاً الآن بمصطلح الإيمان؛ فمصطلح الإيمان مصطلح كبير، وتنوعت إطلاقات النصوص الشرعية في بيان معنى الإيمان وحقيقة الإيمان وكمال الإيمان. فكيف الآن نستطيع من خلال هذه الإطلاقات أن نبين معنى الإيمان؟ وركزوا معي في هذا المبحث الشائك والكبير.

مثلاً لو أخذنا قول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. فكذلك لو أخذنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وكذلك لو أخذنا قول الله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: 4]. وكذلك لو أخذنا قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14].

وكذلك لو أخذنا قول الله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66]. وكذلك لو أخذنا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]. وكذلك لو أخذنا قول النبي عليه الصلاة والسلام كما سأله جبريل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره». وكذلك لو أخذنا قول النبي عليه الصلاة والسلام لما سأل وفد عبد القيس عن الإيمان، قال: «أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله» وفي رواية: «وحده لا شريك له»، ثم ذكر بعض أركان الإسلام: «وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة»، ثم قال: «وتعطي الخمس من المغنم». إذاً الآن فسر الإيمان بالشهادة مع صلاة وزكاة وإعطاء الخمس من المغنم.

وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا إيمان لمن لا أمانة له». وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن من أمنه الناس». وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام لما سُئل عن أفضل الإيمان، قال: «السماحة والصبر». كيف نجمع بين هذه النصوص الكثيرة جداً المتعلقة بالإيمان؟ إذا أردنا الآن أن نشكل المعنى أو نريد أن نستخلص من هذه النصوص المعاني المتعلقة بهذا المصطلح، فهذا المصطلح الإيمان بداخله معاني كثيرة جداً، وهذه المعاني تتنوع إطلاقاتها في الشريعة الإسلامية. فأحياناً يطلق الإيمان مفرداً، وأحياناً يطلق الإيمان مقروناً بالإسلام؛ كحديث جبريل مثلاً، وكقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، وكذلك: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14].

وكذلك في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه: "يا رسول الله، مالك عن فلان فإني والله أراه مؤمناً؟ فقال: أو مسلماً؟". فخرجنا، فمن كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين؛ إذاً هنا تغير الإطلاق. كذلك أحياناً يقرن الإيمان مع العمل، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف: 30]، فهنا يُقرن الإيمان مع العمل الصالح. فأحياناً الإيمان يذكر من غير اقتران هكذا، يذكر مفرداً، وأحياناً يذكر مع هذا الاقتران.

كيف نستطيع من خلال هذه النصوص أن نصل إلى حقيقة الإيمان؟ أقول لك قبل أن أجيبك على هذا السؤال: لا تنسَ بأن الإيمان بالأصل منقول، إذاً دخولنا للنصوص الشرعية سيكون مبنياً على فهم السلف الصالح للإيمان؛ لماذا؟ لأن العقيدة منقولة. فالآن لما تأخذ هذه النصوص الكثيرة في الإيمان وتريد أن تبين معاني هذه النصوص من غير أن تقع بخطأ، أقول لك: لا بد أن تسبق هذا البيان بمعرفة قول السلف، ثم بعد ذلك يأتي التدليل على صحة قول السلف. فنحن ندخل إلى معرفة الإيمان قول وعمل من خلال نفس فهم السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، لماذا؟ لأن هذه العقيدة منقولة.

إذاً، إذا فهمنا بأن السلف الصالح يعتقدون بأن الإيمان عبارة عن قول وعمل، الآن نأتي عند النصوص الشرعية، هذه النصوص الشرعية ليست متعارضة. الإيمان لما يطلق بإفراده يشمل القلب واللسان والجوارح، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله»، هذا اللسان، «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، هذه الجوارح، «والحياء شعبة من الإيمان». هل هذا النص نستفيد منه ركنية هذه الثلاث؟ أقول لك لا، لكن نستفيد منه معنى الإيمان. إماطة الأذى عن الطريق هل هذا ركن من أركان الإيمان؟ لا، هو إنما هو من الأعمال المستحبة، لكن أطلق عليها بأنها من الإيمان؛ فالعمل يدخل في الإيمان فيستفاد منه بأن اسم الإيمان يشمل هذه الأركان الثلاث.

ولكن نفس الصور المذكورة هنا، بعضها نعم وبعضها لا؛ يعني الشهادة ركن، طبعاً هذا كله من باب التقريب، والسلف يطلقون أو بعض العلماء يطلق هذا الإطلاق من باب التقريب، والإيمان هو حقيقة واحدة. وإطلاق الركنية أصح من إطلاق الشرطية؛ فلما نقول شرط لصحة الإيمان، الشرط يكون خارجاً عن الماهية بخلاف الركن يكون داخلاً. وأصح من هذا كله أن نقول: إن هذا الإيمان هو هذه الثلاث، هو كلها الإيمان؛ مثل محمد بن فلان بن فلان، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام، أما محمد بن عبد الله بن خالد ليس هو النبي عليه الصلاة والسلام، ولا نقول بأن هذا ركن وهذا ركن وهذا ركن، لكن هذا كله من باب تقريب الحقائق.

إذاً الآن لما نأتي عند هذه النصوص الكثيرة، هذه النصوص الكثيرة كيف نستطيع من خلالها أن نفهم حقيقة الإيمان؟ نفهم أصل الإيمان، ثم نفهم أركان الإيمان، نفهم الإيمان الواجب، نفهم المستحبات. كيف نستطيع أن أفهم؟ أقول: قبل أن ندخل في هذا الباب لا بد أن ننظر إلى الذي قاله السلف الصالح، فنجد بأن السلف الصالح مطبقون ومجمعون على أن الإيمان قول وعمل. يأتي الآن الاعتراض من مرجئة الفقهاء مثلاً، الذين يقولون بأن العمل خارج عن مسمى الإيمان، ما هي الاعتراضات الموجودة عندهم؟ نبدأ الآن نجيب على هذه الاعتراضات.

وأحسن أبو عبيد القاسم بن سلام في رد وإجابة شبهات مرجئة الفقهاء الذين يخرجون العمل عن مسمى الإيمان. وابن تيمية لما يطرح مثل هذه المسائل، يقول بأن هنا الخلاف قد يكون لفظياً وقد يكون حقيقياً. متى يكون خلافاً لفظياً؟ يكون الخلاف لفظياً لما من يقول بهذا القول بأن العمل خارج عن مسمى الإيمان، هو يتفق معنا بالنتيجة، فنعم قد يكون الخلاف في الإطلاق لفظياً. ولكن لما يخالفنا بالنتيجة يخالفنا بالثمرة، فهنا يكون خلافاً حقيقياً ومعنوياً، بمعنى: شخص يقول بأن جنس العمل لو ترك شخص جنس العمل ما عمل خيراً قط مع ذلك سيدخل الجنة، نقول بأن هنا خلاف حقيقي. لكن لو هو يقول لا، إذا لم يعمل هنا سيرفع عنه، لكن لا نقول بأن العمل الإيمان، لأن الأصل الإيمان في القلب، تقول هنا خلاف لفظي.

القصد من هذا الكلام كله، أنا أريد الآن أن أُبين فقط كيف نقيم هذه المسألة، كيف نفهم الآن نصوصاً كثيرة جداً. يستطيع الشخص أن يجعل أصلاً، يجعل أحد هذه الآيات أو الحديث أصلاً، ثم بعد ذلك يأول بقية الأحاديث عليه، ولا يأتي شخص يقول لك بأن العمل خارج عن مسمى الإيمان بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، إذاً هنا الإيمان غير عمل الصالحات. طيب الآن كيف سيفسر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»؟ يقول: هذا إطلاق مجازي، فهو الآن يؤول هذه النصوص بناءً على الأصل الذي اعتقده.

طيب الآن نحن نريد أن نقيم الأصل، نريد أن نقيم هذا الأصل، ثم بعد ذلك الذي يخالف هذا الأصل، أو الذي قد يخالف ويظهر أنه مخالف للأصل، نبدأ نبحث عن الإجابات الموافقة عنه، وليس هذا من باب التأويل المذموم في شيء، لماذا؟ لأنه الآن لما يكون عندك بنيان ويكون عندك هذا الحجر، هذا الحجر أين ستضعه؟ ستضعه في المكان الناقص. طيب هل هذا وجوده في هذا المكان الناقص يكون خللاً في البنيان أو يكون باب التأويل؟ أبداً. متى يكون باب التأويل؟ لما لا يكون البنيان مبنياً بطريقة صحيحة.

بمعنى حتى يُفهم كلامي بطريقة صحيحة: الآن فرق كبير جداً بين شخص يكون عنده البنيان الموجود، ثم يأتي عنده حجر يحتمل أكثر من معنى، آية أو حديث يحتمل أكثر من معنى ولا يوجد إلا هذا الفراغ؛ سيحمل هذه الآية على أي معنى من المعنيين؟ المعنى الذي يلتئم مع الأصل، وليس المعنى الذي يخالف الأصل. هذا الحجر ممكن تضعه في هذا المكان فيلتئم، وممكن تضعه في مكان آخر فيكون زائداً؛ إذاً هنا أين ستضع هذا النص؟ ستضعه في المكان الذي يلتئم معه.

أين الإشكال الموجود هنا؟ كيف نبني الأصل؟ ما هو الأصل؟ هل الأصل أن نقول بأن العمل خارج مسمى الإيمان، أو الأصل أن نقول بأن العمل داخل في مسمى الإيمان؟ لما نأتي وننظر إلى كلام السلف الصالح نجد بأن السلف الصالح مجمعون ومطبقون على أن العمل داخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان عبارة عن قول وعمل. ثم بعد ذلك لما نأتي الآن وننظر النصوص الكثيرة، نستطيع أن نوجه هذه النصوص بناءً على هذا الأصل، وكذلك نستطيع أن نثبت من خلال هذه النصوص بأن الإيمان عبارة عن قول وعمل.

مثل الحديث الذي ذكرته قبل قليل: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، وكذلك تفسير النبي عليه الصلاة والسلام للإيمان، أحياناً يفسره بالأمانة، أحياناً يفسره بالصلاة مع الزكاة مع "وأن تعطوا الخمس من المغنم" مع الشهادة، وأحياناً يفسره بالباطن مثل حديث جبريل؛ فنجمع هذه النصوص أن الإيمان شامل لكل هذه المعاني. لكن لما يُقرن الإيمان مع الإسلام، يكون الإيمان منصرفاً للباطن، والإسلام منصرفاً للعمل الظاهر كما جاء في حديث جبريل. لما يُقرن الإيمان مع العمل الصالح، يكون الإيمان المراد به ما في القلب، والعمل الصالح يكون ثمرة لهذا الإيمان.

الخطأ الذي وقع عند مرجئة الفقهاء أو عند المخالفين أنهم لم يراعوا إطلاق النصوص وسياقات النصوص. فالإيمان المقترن بالإسلام أو الإيمان المقترن بالعمل الصالح يفسرونه هنا تفسيراً واحداً متعلقاً بالتصديق، بخلاف أهل السنة والجماعة الذين يفرقون بين هذه الإطلاقات؛ كيف؟ فهم كل إطلاق بناءً على القصد منه.

طيب الآن يأتي السؤال: لماذا تنوعت الإطلاقات؟ تنوعت الإطلاقات من أجل معاني معينة محددة. فالإطلاق لما يتنوع يكون المقصود منه إيصال المعنى الشمولي والكامل من غير مراعاة للقصد الأصلي فقط، إنما يكون معه بيان أن هذا العمل من الإيمان، وأن هذا الفعل يدخل بالإيمان، وأن هذا من أفعال المؤمنين، وهكذا. هذا الأمر الأول.

الأمر الثاني: من أجل التحفيز والتنفير، فلما يقول مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، ليس المقصود هنا بأنه نفي عنه أصل الإيمان، لكن المقصود كمال الإيمان الواجب. طيب تقول هذا كله تخصيص، من أين أتيت بأن هذا المقصود منه نفي كمال الإيمان؟ لماذا ما نقول كما تقول الخوارج، بأن هنا لا يزال حين يزني؛ ظاهر هذا الحديث بأنه ليس مؤمن، أي يعني كافر؟ أقول لك لا، ليس هذا من التخصيص في شيء، إنما هذا الحديث لا تأخذه لوحده، لو أخذنا هذا الحديث لوحده نقول نعم، ممكن يكون المقصود منه ماذا؟ هذا الحديث يحتمل الآن معنيين. نحن نريد أن نأخذ هذا الحديث الآن وننظر إليه، هل يحتمل هذا الحديث لو كان لا يوجد عندنا إلا هذا الحديث نفي أصل الإيمان؟ نعم يحتمل.

لكن لماذا قلنا وجزمنا بأن المقصود الآن نفي كمال الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان؟ لأن عندنا أحاديث أخر تدل على أن من شهد الشهادتين وإن زنى وإن سرق بأنه سيكون من أهل الجنة. إذاً هنا: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» هذه لا نافية لكمال الإيمان الواجب، وليس لأصل الإيمان. فلما نجمع بين النصوص يأخذ كل نص حظه ونصيبه ومكانه وقدره، لكن إذا ما جمعنا بين هذه النصوص هنا تقع عندنا الإشكالية. فالإشكالية في هذه الأبواب سببها أحد أمرين: إما عدم الجمع بين النصوص، أو عدم حسن الجمع بين النصوص؛ يعني أما عدم الجمع أبداً، إنما يأخذ شخص نصاً واحداً فقط ثم هذا النص من خلاله يريد أن يفهم حقيقة الإيمان الكاملة، وهو...

ليس بهذه الطريقة؛ الإيمان معنى كبير ليس معنى صغيراً، بمعنى أن الإيمان من المعاني الكبيرة جداً، ليس مثل المعاني التي تكون مثل إماطة الأذى عن الطريق؛ فهذا معنى سهل وواضح وقريب. لكن الإيمان مصطلح كبير يضم معاني كثيرة جداً، ويضم حقائق كثيرة جداً، فالمصطلح لما يكون بهذا الحجم لابد أن تتعامل معه بطريقة صحيحة. هذا المصطلح يمتد أثره إلى نفس العمل الدعوي الإصلاحي؛ فهو ليس قاصراً وفقط في دخول الشخص في الدين، لا، حتى في امتثال الشخص للإسلام، لذلك هذا مصطلح كبير وليس مصطلحاً صغيراً.

وكل المشكلات التي نعاني منها هي ترى متعلقة بالمصطلحات الكبيرة، ليست بالمصطلحات البينة والظاهرة. فالمصطلح مثل مصطلح الصلاة؛ بين ظاهر ما يحتاج أكثر من بيان، لكن لما تأتي لمصطلح مثل مصطلح الإسلام، مثل مصطلح الإحسان، مثل مصطلح الإيمان؛ هذه مصطلحات واسعة وتنوعت إطلاقات الشريعة الإسلامية فيها، فمن المهم أن نفهم هذه الإطلاقات، وكيف تطلق، ونعرف كيف نجمع بين هذه النصوص.

الخلل الذي يقع عند الدارسين في هذه المباحث إما أنه لا يجمع بين هذه الإطلاقات فلا يعرف قصد كل نص ولا حد كل نص، أو أنه يأخذ نصاً واحداً فقط ثم يبني الأصل بناءً عليه؛ فهو لا يراعي سياقه ولا يراعي وقت الإطلاق. فمثلاً لما نأتي الآن عند إطلاق الإيمان؛ مصطلح الإيمان كان يطلق قبل وجود الشعائر، وهذا من أدلة المرجئة أو من أقوى أدلة المرجئة؛ فالله سبحانه وتعالى خاطب أهل الإيمان بالإيمان قبل أن تفرض أركان الإسلام، كيف هذا؟ نقول: نعم هذا قبل أن تفرض يكون هذا هو الإيمان المقصود.

لذلك الإيمان ينقص ويختلف باختلاف أمرين اثنين: باختلاف ورود الشعائر أو نزولها، وكذلك باختلاف علم الشخص بها. فالآن لما يكون عندنا شخص لا يعرف بأن مما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً هذه الأحكام المعينة الجزئية؛ هذا الإنسان معه إيمان، لكن لم يؤمن بهذه إيماناً خاصاً، فهذا يكون إيماناً فيه نقص، وسبب النقص هو عدم العلم. شخص آخر يعرف هذا الشيء لكن ما يستطيع أن يطبقه، لماذا؟ لأنه عليه عذر، مثل المرأة؛ فالمرأة إذا حاضت لا تصلي ولا تصوم، المرأة هنا إيمانها يكون فيه نقص، والنقص يكون في التطبيق، وهذا جاءت الشريعة الإسلامية بأنها لا تطبق.

لكن القصد فقط الآن أن الإنسان إذا ما عرف الحكم، أو كان لم يصل إليه، يكون في إيمانه نقص، لكن ما يذهب أصل إيمانه. لذلك في آخر الزمان كما جاء في حديث حذيفة بأنه: «ويسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة حتى ما يدرى ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة، حتى يبقى الشيخ الكبير والمرأة العجوز يقولون: لا إله إلا الله، وما يدرى ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة». يعني الأعمال ما تكون موجودة. فقال صلة لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وما يدرى ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثلاثاً، ثم قال: «تنجيهم من النار». تنجيهم لماذا؟ لأنه ما يملك إلا هذا، ولا يعرف إلا هذا.

لذلك العمل له حالتان، أو الإيمان يثبت بالقلب واللسان ويستمر بوجود العمل. فلو أن رجلاً اعتقد الإيمان وأتى بقول القلب وعمل القلب وتشهد، نطق بالشهادة ولكنه مات بعد ذلك مباشرة قبل أن يعمل، هل يدخل الجنة أو يدخل النار؟ يدخل الجنة؛ لماذا؟ لأنه ما مكن من العمل. طيب شخص اعتقد الإيمان في قلبه لكنه ما نطق بالشهادة، هل هذا مؤمن ولا كافر؟ حكمه في الدنيا كافر وليس مؤمناً؛ نحكم عليه لماذا؟ لأنه لم ينطق بالشهادة مع قدرته عليها. فإذا كانت عنده قدرة على النطق وما نطق، فهنا هذا الإنسان لا يعتبر بأنه مؤمن.

شخص أتى وأراد أن يتعلم الإسلام وهو في باطنه اعتقد صحة الإسلام لكنه ما تلقن أو ما لقن الشهادة، ثم مات بعد ذلك قبل أن يلقن الشهادة، قبل أن ينطق بهذه الكلمة؛ حكمه بالنسبة لنا ماذا؟ كافر، ويوم القيامة أمره إلى الله سبحانه وتعالى، لكن نحن نتعامل معه بأنه كافر؛ لماذا؟ لأنه لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. طيب قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم مات قبل أن يصلي، قبل أن يصوم، قبل أن يفعل أو يأتي بعمل من خصائص ما جاءت به الشريعة الإسلامية؛ هذا الإنسان ما حكمه؟ مؤمن مسلم، لماذا؟ لأنه أتى بالذي يستطيعه.

إذاً العمل استمراره ركن، أو استمرار الإيمان يكون مع العمل، لكن ثبات الإيمان يكون مع القلب واللسان. فإذا وجد عمل القلب وقول القلب مع النطق باللسان، فهذا الإنسان دخل الإيمان، ثم نرقب؛ هل هذا الإنسان استمر في عمل للدين، أو جاء به شيء من شريعة النبي عليه الصلاة والسلام، أو ما طبق شيئاً؟ إذا ما طبق أي شيء هذا الإنسان لا يثبت إيمانه؛ لماذا؟ لأنه انتفى عنه ركن من أركان الإيمان الثلاثة، وهو العمل. المشكلة كلها في العمل؛ يعني الخلاف الآن كله متعلق بماذا؟ بالعمل، والإجابة على هذه الإشكالات الموجودة بالعمل تكون من خلال عدة طرق.

الطريق الأول أن نقول بأن السلف الصالح أجمعوا على أن الإيمان عبارة عن قول وعمل. هذا الطريق عليه اعتراضات؛ الاعتراض الأول يقولون بأن هذا الكلام غير صحيح، لم يجمع السلف الصالح ذلك بدليل أن العمل المقصود عند السلف الصالح ليس الذي تفهمونه. ما هي الاعتراضات التي يطلقها الآن مثل الأشاعرة؟ يقول بأن العمل المقصود منه ترك المحرمات وليس فعل الفرائض، يعني المقصود منه كف عن المحرمات وليس الإتيان بالأعمال. نقول بأن هذا قول بعيد؛ لماذا بعيد؟ لأن السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم مجمعون على أن المقصود بالعمل عمل الفرائض، وكلام السلف في هذا كثير. وكذلك السلف الصالح لما كانوا يذكرون المعتقد يذكرونه في سياق الرد على المرجئة، والمرجئة ماذا يقولون؟ يقولون بإخراج العمل -الذي هو عبارة عن فرائض- من مسمى الإيمان.

كذلك لهم اعتراض آخر؛ يقولون بأن العمل هنا يفسر بالقول، فمن قال فقد عمل، وهذا قول قديم وقال به شباب بن سوار، ورد الإمام أحمد عليه وقال بأن هذا قول خبيث. والاعتراض الثالث الذي يذكرونه هنا بأن العمل ليس المقصود منه أصل الإيمان، إنما المقصود منه الأعمال المستحبة، ونحن نقول بأن الأعمال تدخل في الإيمان مجازاً. نقول بأن هذا الكلام ليس بصواب، بدليل الإمام أحمد وكذلك الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، وكان إطلاق الأئمة في هذا في سياق بيان أصل الدين، وليس في سياق بيان الأعمال المستحبة، ولكن هذه اعتراضات كلها تالية بعد اعتقاد هؤلاء صحة ما ذهبوا إليه في الإيمان.

الطريق الثاني هو مثل ما ذكرت: نأتي الآن بالنصوص ونبين بأن النصوص لها سياقات، وأن الإيمان أحياناً يقرن بالإسلام، وأحياناً يقرن بالعمل الصالح، وأحياناً تأتي النصوص قبل ورود الشعائر. فالنص لما يأتي قبل ورود الشعيرة يكون هذا هو الإيمان الآن، ثم إذا نزل حكم جديد يكون هذا الحكم داخلاً في الإيمان، ثم إذا نزل حكم آخر يكون داخلاً في الإيمان، وهكذا. إذا مات الإنسان قبل نزول هذا الحكم نقول بأنه أتى بالإيمان الواجب عليه. الخلل يكون أين؟ الخلل يكون لما يأتي شخص ويستدل بالنصوص قبل نزول الأحكام، فلما يستدل بالنص الوارد في الإيمان قبل أن ينزل الحكم فهنا يتعامل مع الإيمان من غير النظر إلى شمولية هذا المصطلح؛ وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام هذا المعنى في الرد على مرجئة الفقهاء.

الاعتراض الثالث الذي يقع عند هؤلاء المخالفين لأهل السنة والجماعة في أصل الإيمان هو عدم التسليم بأن السلف الصالح مجمعون على أن الإيمان عبارة عن قول وعمل؛ فيقول لك: من أين قال لك أبو حنيفة النعمان؟ هل حماد بن أبي سليمان ليس من السلف؟ أو عمر بن قيس؟ أو ذر بن عبد الله؟ أليسوا من السلف؟ هؤلاء من السلف الصالح وكلهم أخرجوا العمل من مسمى الإيمان، فكيف هؤلاء خالفوا؟ فهنا يأتي الرد بأن هؤلاء مسبوقون بالإجماع.

كيف نرد ونقول بأن حقيقة هذا هو إجماع سلف؟ كيف نستطيع الآن نقول أن حماد بن أبي سليمان أو ذر أو قيس الماصر أو أبا حنيفة إلى آخره كانوا مسبوقين؟ طبعاً اختلف العلماء من أول من قال بالإرجاء؛ منهم من يقول ذر، ومنهم من يقول عمر بن قيس، ومنهم من يقول قيس الماصر، ومنهم من يقول حماد بن أبي سليمان. ما هو الرد؟ الرد نفس كلام السلف؛ فسعيد بن جبير لما بلغ أن ذراً يقول بإخراج العمل من مسمى الإيمان، وكان رأياً رآه، فبلغ ذلك سعيد بن جبير وكان هو يحضر عند سعيد، فأنكر عليه سعيد، فقال: ما هو إلا رأي رأيته. قال: ما تستحي أن تأتي بقول أنت أكبر منه؟ فهنا ننظر إلى الخط العام، وننظر إلى من ند عنه؛ هل الذي ند حماد بن أبي سليمان ومن كان معه، أو الجمهور الذين كانوا يقولون الإيمان عبارة عن قول وعمل؟ نجد الذي خرج هو حماد وذر إلى آخره.

وذر كان يرى بأنه رأي، ثم بعد ذلك اعتقد صحة هذا الرأي وكان في البداية خائفاً، ثم قال: أما والله إنه لدين نوح الذي بعثه الله عليه. كيف الشخص يرى رأياً ثم بعد ذلك يعتقد بأنه دين؟ أقول هنا التساهل؛ الشخص يفتن بنفسه، يعني شخص لما يأتي ويقول قولاً معيناً ثم بعد ذلك يصر على هذا القول، هذا الإصرار على هذا القول إما أن يكون دليلاً على أن هذا مفتون، أو يكون توفيقاً من الله سبحانه وتعالى أن يثبت قلبه عليه. طيب كيف نفرق بين هذا وهذا؟ أقول لك نفس النصوص؛ الذي يجتهد الإنسان لكن اجتهاداته هي في النهاية راجعة للنصوص الشرعية، ليست هي عبارة عن تخرصات أو أوهام أو إلهامات. هذه كلها ترجع للنصوص؛ الإنسان إذا ما ضبط هذا الباب يتوسع عنده، والرأي يصبح عنده عقيدة، ولكن هذا يكون باب الفتنة وليس باب أن هذا هو الدين.

لكن الإنسان دائماً لابد أن يخاف ودائماً أن يرجع؛ هنا ذر لو عقل لما قال هذا، لماذا؟ أين علماء الإسلام في ذلك العصر؟ هو لم يكن من علماء الإسلام المعدودين الكبار، ثم يأتي بقضية مثل هذه كبرى ويقول قولاً مثل هذا؛ هذه تكون فتنة، وهو بذلك قد يكون رأياً لكن بعد ذلك تكون شبهة طرأت على قلب الإنسان. كيف أن الله هنا يقرب بين الإيمان والعمل، فإذا كان العمل خارج مسمى الإيمان فيكون عبارة عن رأي يقوله؛ لكن لما يقول هذا الرأي من غير أن يرجع، يفتن به ويصبح بالنسبة له عقيدة، فيستمر على هذه العقيدة ويكتب ويكون حريصاً على تبليغها ويعظمها، وهذا كله من ضرب من الضرب على قلب الإنسان؛ نسأل الله السلامة والعافية.

لكن الإنسان إذا كان مجتهداً وقاصداً نصر الحق وقاصداً الوصول إليه، ثم بعد ذلك أخطأ، فالإنسان يخطئ وقد يكون معذوراً بهذا الاجتهاد. القصد من ذلك أن هنا لما نأتي عند حماد، حماد هو أول من قال بهذا؛ من قال قبل حماد هذا القول؟ وهذا معنى مهم، وهذا المعنى كذلك ننظر من الذي بدأ بهذا القول؛ يعني الآن لما يأتي حماد ويقول هذا الشيء، من أين قلت هذا؟ يقول بناء على النصوص؛ طيب جمهور العلماء لم يقولوا بهذا، إذاً هو أول من خالف، ويكون هذا من قبيل زلات العلماء، وهذا كان يقول ابن تيمية: من بدع الألفاظ، فهذه البدعة يسيرة وليست من البدع التي تعتبر كبيرة، وإن كان.

كلام السلف الصالح كثير في التشنيع، وبعض المعاصرين يقول بأن تشنيع السلف على الجهم وأتباعه وليس على حماد وأتباعه. فتشنيع السلف كبير وواضح وكثير على المرجئة، لكن هل المقصود من نصوص السلف في التشنيع على المرجئة مرجئة الفقهاء أو مرجئة المتكلمين؟ منهم من يقول بأن المقصود مرجئة المتكلمين، وسبب حملهم لهذا يقولون بأن بدعة إرجاء الفقهاء ليست كبيرة حتى يتم التشنيع عليها بهذه الطريقة.

في الحقيقة هذا أمر يحتاج إلى مراجعة؛ لماذا؟ لأن الإنسان لما يكون على دين أو المجموعة لما تكون على دين معين ثم يأتي شخص ويخالف، حتى لو كانت مخالفة يسيرة، ممكن الشخص يشنع تشنيعاً كبيراً. فهنا قوة التشنيع وثقلها لها عدة اعتبارات، من ضمنها نفس الواقع؛ يعني ليس الاعتبار الوحيد نفس المسألة، بل نفس الواقع معتبر. يعني لما تكون أنت الآن عبارة عن مجموعة كبيرة، وواحد يجتهد اجتهاداً ضعيفاً، لو كنت في زمان الإسلام فيه ضعيف، ما تبالغ بالإنكار عليه، لكن لما تكون بزمان القوة للدين والإسلام وتخاف من هذا الاجتهاد أن يسحب مجموعة معه، فممكن تبالغ في الشدة عليه، وترد عليه ردوداً شنيعة وقوية؛ لماذا؟ لأن الواقع يتطلب منك هذا الشيء.

ولا الإمام أحمد لما شد على يحيى معين أو على علي بن المديني وأمر بعدم الكتابة عنهما، وهما من هما بالمنزلة والديانة والرفعة والدرجة، فقط لأنهم لم يثبتوا كما ثبت هنا؛ لو وقع في زماننا هذا الآن أشخاص من العلماء إلى آخره ولم يثبتوا مثل ما ثبت الإمام أحمد، هل نشنع عليهم مثل ما شن الإمام أحمد عليهم؟ لا نستطيع أن نفعل هذا، لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما فعل هذا مع عمار بن ياسر. طبعاً يأتي اعتراض وهو أن عمار بن ياسر لم يكن يمثل الإسلام، صح، ولكن إذا وجد من يقوم بالعزيمة فليس الكل يستطيع أن يقوم على هذه العزيمة، لكن الإمام أحمد كان يرى بأن هؤلاء الصفوة العلية لا بد أن يثبتوا عليه؛ لأن لم يكن العلماء يتنازلون، لم يكن العلماء ينكسرون.

القصد من ذلك أن الواقع معتبر، والواقع في مثل هذه المسائل الشدة واللين إلى آخره معتبر. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أحياناً كان يستعمل الهجر وأحياناً كان يستعمل اللين مع المخالف، فالمخالف أحياناً يطبق معه اللين وأحياناً الهجر. ولا يأتي شخص يقول بأن لماذا الصحابة لما تخلفوا عن تبوك مثلاً نزلت بهم كل هذه الآيات الثقيلة؟ يعني ذهابهم إلى تبوك ورجوعهم أيسر بكثير من هجر النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة خمسين يوماً لهم. فالقصد من ذلك أن هذا الباب له أكثر من اعتبار، فالشخص لما ينظر إليه بمنظار واحد فقط وهو أن هذه المسألة ليست كبيرة أو ليست بدعة من البدع الكبرى، فهنا يقول نعم تشنيع لا شك أنه فيه مبالغة. وهذا سمعتها كذلك من بعض المعاصرين، وكذلك تقرؤون في بعض الكتب وكذلك بعض الكتابات هكذا، هذه الطريقة بالطرح فيها قصور، والسبب ذلك عدم فهم هذا الاعتبار أن الشدة أو اللين ليس لها اعتبار واحد فقط، أنها من أكثر من اعتبار.

والدين أحياناً يتم استعمال الشدة مع شخص فقط لأنه يصلي صلاة طويلة، مثل مع معاذ بن جبل، صلاة شدة كبيرة؛ لماذا؟ لأنه صلى صلاة طويلة، «أفتان أنت يا معاذ؟». فهل هذا الأمر يستحق هذه الشدة الكبيرة؟ نعم يستحق، ويكون المقصود من التربية. فقد يكون كذلك قصد السلف مثل واحد لما تأول أبو ثور حديث الصورة، هو ليس جهمياً ومع ذلك نُسب للجهمية؛ لماذا؟ حتى يغلق هذا الباب، حتى ينفر من هذه الأقوال، حتى لو كان هو أخطأ في التأويل وهو لم يكن منطلقاً من أصل كلامي يتأول الحديث بناءً عليه، لكن هو أخطأ في تفسير هذا الحديث ومع ذلك استعمل معه هذه الشدة، فهذه ما يستطيع أحد أن ينكرها، ما يستطيع أحد أن ينكرها.

فالقصد من ذلك أن مثل هذه المسائل يتم التعامل معها في هذه الصورة وهذه الطريقة، والذي ما يفهم الاعتبارات تقع عنده الإشكالات في تفسير الكلام وإطلاقات العلماء. إذاً هذا المعنى مهم جداً أن نستوعبه، فلما نجمع النصوص الشرعية وننظر إلى سياقات النصوص، وننظر كذلك إلى إطلاق مصطلح الإيمان على اختلاف الواقع، هنا نفهم المراد من هذا المصطلح، وهذا المصطلح كبير مثل ما ذكرت ويمتد أثره إلى نفس التطبيق العملي للدين.

سأنتقل من هذه المسألة، المسألة الأولى الكبيرة هذه، الخلاف فيها داخل دائرة طلاب العقيدة أو داخل دائرة علم الاعتقاد أو من هو مهتم بهذه المباحث العقدية والكبيرة، وليس الخلاف عصرياً معاصراً إنما الخلاف قديم وهذا وقع في زمان السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، لكن أثر هذا الخلاف ممتد، يصل هذا الأثر إلى نفس فهم نفس الإيمان العملي. يعني الآن لما نأتي عند الحديث عن أركان الإيمان، نقول بأنه عبارة عن قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وكذلك عمل الجوارح، ثم لما نأتي عند عمل الجوارح، أقول إنه لا بد أن يأتي بعمل من خصائص ما جاءت به الشريعة المحمدية، فيكون هذا العمل خاصاً بهذه الشريعة، لم نعرف هذا العمل إلا من خلال النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يدل على الانقياد، يدل على الانقياد، فهذا نثبت أو لما يقوم بهذا العمل نثبت له ماذا؟ الإيمان. أما إذا ما أتى بهذا العمل فلا يثبت له عقد الإيمان؛ لماذا هذا النوع نوع من الأعمال؟ لأنه لم ينقد، لأنه لم ينقد إلى شريعة النبي عليه الصلاة والسلام.

كذلك من ضمن الأمور قبل أن نغلق هذا المبحث أو الحديث عن هذه المسألة الكبيرة، شيخ الإسلام أحياناً يستخدم طريقة بالرد وأتمنى تركزوا معي جيداً فيها، وكذلك ابن القيم. لما أتى شيخ الإسلام وتحدث عن حكم تارك الصلاة، وقال بأن هؤلاء الذين يقولون بأن تارك الصلاة ليس بكافر إذا كان تارك الصلاة متهاوناً، ابن تيمية يقول كل ما يقولونه في المتهاون ينطبق على الجاحد وليس لهم فرق. ثم أتى بحديث واحد فقط، أتى بحديث: «من حافظ على الصلوات...»، الذي لم يحافظ على الصلوات، «إن شاء عذبه وإن شاء غفر له»، هنا «إن شاء عذب وإن شاء غفر له»، ابن تيمية يفسر هذا الحديث، يقول هذا أقوى دليل عندهم، ويقول بأن هذا «إن شاء عذب وإن شاء غفر له» هذا متعلق بالمحافظة على الصلاة وليس بإقامة الصلاة، والمحافظة قد شخص لا يحافظ على الصلاة بمعنى أنه يخل بها أو يخل بوقتها إلى آخره، فهذا الإنسان لا يكون محافظاً على الصلاة وإن كان هو مصلياً، فالخلاف يكون محصوراً في هذا وليس في الذي لا يصلي أبداً.

ثم ابن تيمية ماذا يقول؟ يقول هذه المسألة الخلاف فيها نظري ولا يمكن أن يكون عملياً. يعني الآن شخص لا يصلي يُقتل حداً أو ردة؟ يُقتل ردة عندنا، لكن عند الكثير من العلماء بأنه يُقتل حداً. يقول ابن تيمية كيف الآن يؤتى بشخص، ركزوا معي جيداً بهذا المعنى الشريف، هذه المعنى لا تأخذونها هكذا في دراسة حكم تارك الصلاة فقط، لا، افهموا كيف ابن تيمية الآن يقيم المسائل. الآن شخص لا يصلي يُؤتى به، يُستتاب ثلاث أيام ثم يقال له: تصلي وإلا قتلناك؟ فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبداً، هذا الشخص الذي يصر على عدم الصلاة وهو مع ذلك سيُقتل، ما الذي يحمله على الثبات؟ ولو كان في قلبه إيمان، هل ممكن يكون في قلبه إيمان ولا يصلي وهو سيُقتل؟ يقول ابن تيمية هذا لا يمكن.

مثال آخر: الآن النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً يعارض الكفار أو يريد الكفار أن يهجموا عليه وهو لا يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا يظهر منه أي امتعاض، هل هذا ممكن يكون في قلبه تعظيم وحب للنبي عليه الصلاة والسلام؟ مستحيل. إذاً ابن تيمية الآن يلج، يريد ابن تيمية، ابن تيمية طبعاً يقيم المسائل بطرق كثيرة، الأول يقول هذا قول السلف، ثم بعد ذلك يدخل لك من النصوص الشرعية، ومن خلال طرحه للنصوص يبدأ يبين المعاني، ثم بعد ذلك يأتي عند الاعتراضات، ثم يذكر الحجج العقلية التي لا يستطيع الشخص أن ينفك عنها.

فلما تأتي الآن وتنظر إلى شخص يُعذب أو شخص يسب أو شخص يهاجم النبي عليه الصلاة والسلام وما تفعل أي شيء، أي شيء يدل على إنكارك لهذا الفعل، هل ممكن يكون في قلب الإنسان تعظيم؟ هل ممكن؟ يقول مستحيل. إذاً هنا انتفاء هذا التغير أو العمل في الظاهر، عدم وجوده يدل على أن الباطن لا يوجد به أصلاً شيء، يعني هذا الإنسان ليس عنده إيمان، لا يوجد في باطنه، في قلبه تصديق ولا حب ولا تعظيم إلى آخره، فنفس عمل القلب هذا أصلاً غير موجود، هذا لم يوجد لهذا الإنسان. فابن تيمية يأتي ليضرب الأمثلة التي لا انفكاك لهم عنها. فالآن هذه الصورة الآن التي كلنا نتفق أن الذي لا يقوم بالمدافعة والدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يكون مؤمناً، إذاً لماذا تستنكرون علينا هذا الشيء؟ والشبهات التي تطرحونها هي شبهات عقلية ذهنية افتراضية وليست حقيقية وليست حقيقية، إنما الشبهة التي وقعت عندكم بأنكم رأيتم بأن العمل قُرن مع الإيمان، نعم لما يُقرن العمل بالإيمان يكون العمل المراد به أن نقول بأنه داخل في مسمى الإيمان، يكون هنا باب عطف المترادفات، أو يكون هنا عطف العام على الخاص، أو عطف الخاص على العام، فيُعطف الخاص "العمل" على العام الذي هو "الإيمان".

طيب تقول هذا تأولك، ليس تأولاً، إنما هذا مبني على نفس الأصل الذي فسرناه قبل قليل، إنما هو هذا مبني على نفس الأصل الذي فسرناه قبل. طبعاً تأتي عندهم اعتراضات أخرى يقولون: طيب الآن الأحاديث الكثيرة واردة في إدخال الله سبحانه وتعالى الجنة أُناساً لم يعملوا خيراً قط، أقول لك الآن هذا الحديث الذي هو "لم يعملوا خيراً قط"، وسياتينا إن شاء الله تعالى في الدروس القادمة التفصيل في الإجابة عليه، لكن فقط أريد الآن أذكره في السياق الذي نحن الآن نتحدث عنه، هل هذا الحديث هو مخالف للأصول التي قررناها؟ أو نستطيع أن نتأول هذا الحديث بناءً على ذاك الأصل؟ نستطيع أن نتأول بناءً على ذاك الأصل.

المشكلة كلها الآن في إقامة الأصل كيف تكون، إذا فهمنا كيف يُقام الأصل تنحل عندنا الإشكالات في هذا الباب. لماذا أقول هذا الكلام؟ أقول هذا الكلام لأن لما نأتي عند حديث مثل هذا الحديث، لما يأتي الخوارج يستدلون به «لا يزني حين يزني وهو مؤمن»، ويأتي المرجئة يستدلون بهذا الحديث الذي «يخرج أقوام من قعر جهنم لم يعملوا خيراً قط»، وهؤلاء يقيمون الأصل بناءً على هذا، يقيمون الأصل -أي معنى الإيمان- بناءً على هذا، أقول بهذه الطريقة لا نستطيع أن نصل إلى حقيقة الإيمان؛ لأن هذا الحديث لا بد أن نجمع كل الأحاديث الواردة والآيات في الإيمان، ثم لا بد أن ننظر إلى فهم السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم.

فإذا قررنا بأن السلف الصالح يقولون بأن الإيمان قول وعمل، ودفعنا جميع الاعتراضات، الآن من السهل جداً علينا أن نفسر إطلاقات النصوص الشرعية للقرآن الكريم، فنعرف من هذا الإطلاق بين النص المقصود منه هنا نفي الإيمان الواجب، وهنا المقصود منه نفي أصل الإيمان، وهنا المقصود منه أن هذا النص جاء قبل أن الخطاب مخاطبة أهل الإيمان بمصطلح الإيمان ومسمى الإيمان قبل أن تنزل الأحكام، فنفهم سياقات النصوص ونفهم حدود هذه النصوص ولا تشتبه علينا الصور والمسائل. لكن إذا ما دخلنا إلى هذا الباب بهذه الطريقة، ولم نفهم طريقة إقامة الأصل، هنا تقع عندنا الإشكالات. لذلك أنت ستأخذ حديث «الإيمان بضع وستون شعبة»، وهذا سيأخذ حديث «لا يزني حين يزني»، وهذا سيأخذ حديث «لم يعملوا خيراً قط»، فكل واحد سيقيم أصله بناءً على الحديث الذي اختاره أو الآية التي انتقاها واختارها، وهي ليست بهذه الصورة ولا هذه الطريقة.

لذلك السلف الصالح تجدونهم بأنهم لا يستدلون كثيراً بالنصوص، وليس من هذا أنهم لا يستدلون، بل الشافعي وكذلك الحميدي فسروا بأن الإيمان شامل واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]، فأُمروا بالإخلاص وهذا عمل قلبي، وكذلك بالصلاة والزكاة وهذه كلها أعمال جوارح، أعمال ظاهرة، فاستدلوا بمثل هذه الآية وردوا على المرجئة من خلال هذا النص. لكن الطريقة التي يصنعها ابن تيمية رحمه الله تعالى في جمع النصوص إلى آخره، هذه طريقة تالية، وهذه الطريقة ليست مخالفة لما كان عليه السلف الصالح، لكن السلف الصالح لم يحتاجوا إلى هذا الشيء، إنما الذي فعل هذا هو أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان في الرد على مرجئة الفقهاء، وبين لهم الخلل الذي وُجد عندهم في فهم النصوص الشرعية، فأخذ النصوص ثم أخذ يفسر لهم هذه النصوص بعد اليقين والاعتقاد بأن الإيمان عبارة عن قول وعمل. لذلك لما تأتي وتقرأ كلام ابن تيمية في الإيمان الكبير مثلاً وتنظر إلى الاستدلال الكثير بالنصوص، ثم توجيه النصوص الواردة في الإيمان، ما تجد أحداً فعل هذا قبل ابن تيمية، وليس هذا خللاً.

هذا من باب المبالغة في البيان والإيضاح؛ لأن الأزمة لما تبتعد عن زمان السلف الصالح، من السهل أن نقول: تأتي بنص واحد تستدل به، أو تاتي وتقول بأن هذا كلام السلف ثم تنتهي القضية. لكن لما بعد الناس عن زمان السلف الصالح وأخذوا يتأولون نفس إطلاقات السلف -يعني نفس إطلاقات السلف التي هي عبارة عن قول وعمل- أخذوا يتأولونها، هذا التأويل أضعف الاستدلال بكلام السلف، أضعفهم في إقامة الأصل بناءً على اعتقاداتهم وبناءً على أصولهم الكلامية، فيخرجون عمل مسمى الإيمان، ثم بعد ذلك يتأولون كلام السلف بتأويلات ضعيفة، فيتم إسقاط كلام السلف.

الآن تأتي بإبراز معنى كلام السلف، وتبين بأن فهمك لكلام السلف ليس بهذه الطريقة بدليل، ثم تأتي بالنصوص وتبدأ تفسر هذه النصوص وتضع كل نص في مكانه، ولا تتعارض عندك هذه النصوص. لكن لما تأخذ نصاً واحداً هنا؛ طبيعي جداً النصوص تتعارض عندك، خاصة في معنى كبير مثل الإيمان، فالمعنى كلما كان كبيراً وواسعاً كان الخطأ فيه أكبر، كان الخطأ في الاستدلال به أكبر وأكثر. ومع وضوح هذا الأصل، فالإمام ما بنى على نص واحد إنما بنصوص كثيرة، وهذه النصوص قاضية على الاحتمالات، لكن مع ذلك تبقى الاحتمالات لما يأخذ الشخص نصاً من غير أن يجمع النصوص. إذاً هذه المقدمة أو هذه المسألة الأولى أحببت أن أنبه عليها وأنوه بطريقة الاستدلال بها، وهي معنى شريف وعالي وكبير.

خاتمة هذه المسألة هو ما ذكرته من استدلال ابن تيمية بالأدلة العقلية، أن يقول هذه الصورة الآن متفق عليها -وذكر صورتين: صورة الصلاة وصورة نصرة النبي عليه الصلاة والسلام-. فصورة الصلاة الآن: شخص يؤتى به ويوضع سيف على رأسه وتقال: صلِّ وإلا قتلناك، فيقول: تقتلوني ولا أصلي أبداً. كيف يكون هذا مع إيمان؟ وكيف هذا يقتل حداً، يقتل ردة وهو مصر على أنه لا يصلي؟ هو مصر على أنه لا يصلي ولا يريد أن يقوم بهذا الشيء. هل ممكن يصر وهو لا يكون مؤمناً، ويكون في قلبه إيمان وفي باطنه حب لهذا الدين ولو كان يسيراً؟ وكذلك الصورة الأخرى، وهي الآن لو رؤي بأن شخصاً يسب النبي عليه الصلاة والسلام أو يهاجم النبي عليه الصلاة والسلام، وشخص لا يتمعر وجهه ولا يتحرك أي شيء في جوارحه، هل هذا ممكن يكون محباً؟ هذا لا يمكن أن يكون محباً، وهذه الصورة متفق عليها.

المسألة الثانية التي أريد أن أتكلم عنها في هذا المجلس: الإيمان العملي. الآن فهمنا بأن الإيمان عند السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم مركب من أركان، أو العمل مركب من أركان الإيمان. لكن أريد أن أتكلم في هذه المسألة عن العمل الواجب القيام به. لما نحصر في كتب الاعتقاد وننظر إلى الخلاف مع المرجئة، مع الخوارج، مع الوعيدية، مع المعتزلة، وكذلك مع الكرامية إلى آخره، ومع الأشاعرة مع المخالفين لأهل السنة والجماعة، سيكون خلافنا نعم خلافاً نظرياً، ويكون كذلك عملياً بقدر هذا الخلاف. يأتي الآن السؤال: الصحابة رضي الله عنهم كيف فهموا الإيمان في تطبيقهم العملي في حياتهم التي عاشوها؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾. «لا إيمان لمن لا أمانة له»، «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم»، «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه».

هم كيف فهموا الإيمان في حياتهم العملية؟ هل كان الإيمان عندهم عبارة عن أعمال خاصة ليس معها جهاد؟ ليس معها هجرة؟ هل كان عندهم إيمان بهذه الطريقة؟ لم يكن إيمانهم بهذه الصورة. إذاً نفس الإيمان ليس عبارة عن خلاف هكذا فقط داخل دائرة التاريخ الإسلامي بين المرجئة والخوارج، لا، إنما هو كذلك تطبيق عملي. وهناك مرجئة عمليون، أو مرجئة بالعمل، والشيخ سفر له كتاب جميل بعنوان "ظاهرة الإرجاء"، ظاهرة الإرجاء ليس الإرجاء الذي هو عبارة عن إخراج العمل عن مسمى الإيمان كما هو مذكور في كتب الاعتقاد، بل كذلك إرجاء في نفس التطبيق العملي؛ فهم لا يطبقون الذي يريده الله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه يريد من هذا الشخص الآن أن يهاجر في سبيله، أو يجاهد في سبيله، يعني يريد منه عملاً معيناً محدداً؛ إخراج هذا العمل الآن من التطبيق هذا معناه أن هذا الشخص لم يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى، وفي إيمانه نقص وخلل، وهذا للأسف هو كثير.

لكن من المهم جداً أن نستوعب أثر الإيمان، أن نستوعب نفس الإيمان الذي يريد الله سبحانه وتعالى منا أن نقيمه في الأرض؛ فالله سبحانه وتعالى يريد منا أعمالاً معينة محدودة. هنا لما نوسع هذه الدائرة، إماطة الأذى عن الطريق هذا داخل في الإيمان، الجهاد داخل في الإيمان، الهجرة داخلة في الإيمان، بر الوالدين داخل في الإيمان، إلى آخره من هذه الأعمال. لكن هذه الأعمال هي ليست هكذا مفرقة فقط، إنما لها منظومة، لها طريقة؛ وهذه الطريقة وهذه المنظومة من المهم على الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى وطلاب العلم أن يستوعبوها.

فالآن لما تأتي وتتكلم عن الإيمان، أقول لك: الإيمان عبارة عن مشروع، الإيمان عبارة عن عمل، الإسلام نفسه دين له هدف ترتقي فيه مع تطبيقك أنت العمل الخاص، يعني داخل الواجب عليك القيام به من أجل أن تصل للإسلام، سواء كان هجرة، سواء كان جهاد، سواء كان قول حق إلى آخره، سواء كان أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر؛ هذه كلها داخلة في الإيمان، داخل نفس الهدف العملي المرحلي للإسلام الذي هو الإيمان. هناك تعبدات خاصة وهي كذلك من الإيمان. فهنا لما يخل الشخص بالتطبيق العملي الواجب عليه -أي في نصرة الإسلام التي يريدها الله سبحانه وتعالى منه- هذا الإنسان أخل بالإيمان.

فهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فإيمان الصحابة كان معناه موافقة القدر بالشرع، كان معناه التفرقة بين مشروع الإسلام وبين عمله هو الخاص، ولما يتعارض هذا مع هذا يُقدم مشروع الإسلام ولا يقدم عمله هو الخاص. لذلك ابن تيمية رحمه الله لما بقي في مصر سبع سنوات، هو يفهم بر الوالدين، ويعلم أن بر الوالدين من أعظم القربات، لكن يفهم بأن الإسلام الآن يريد منه شيئاً معيناً محدداً، هذا هو دليل الإيمان، هذا هو دليل الإيمان وثمرة الإيمان.

فلما نأخذ الإسلام عبارة عن أحكام مفردة من غير أن نستوعب بأن الإسلام له هدف، بأن الإسلام له قصد؛ هنا لا نفهم لماذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى لما زار أبا زرعة ما قام الليل، ولما زار أبا زرعة وجلس معه مكث شهراً كاملاً لا يصلي سنن، وهو من الذي كان يصلي باليوم ثلاثمائة ركعة. تقول لي كيف؟ أقول لك هذا هو الإيمان؛ هو يعرف بأن الآن الله يريد مني عبادة معينة محددة، ويعرف بأن الآن الهدف أن أفعل كذا، والمقصود الآن أن أفعل كذا، هذا هو الإيمان. أما أن يؤخذ الإيمان عبارة عن ساحات جدل وجدال ونقاش حول صحة معتقد أهل السنة والجماعة ورد على المرجئة وعلى الخوارج من غير أن نطبق الإيمان حقيقة، هذا الإيمان فيه نقص، ليس هو إيمان الصحابة؛ الصحابة لم يكن إيمانهم هكذا عبارة عن نظري صرف. وليس معنى هذا الكلام التقليل من شأن هذه المسائل، بل هي مهمة وعظيمة ولا بد منها، وهذه متعلقة بأصل الدين وأصل الإيمان، لكن كذلك نفس التطبيق العملي الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

إذا ما أخذنا الإيمان بشموليته، لا نستفيد كثيراً عند الحديث عن القضايا الإصلاحية؛ لأن كل ما نتحدث عنه في قضايا الدعوة والإصلاح هو خاضع ومتكئ وقائم على نفس حقائق الدين الكبرى، على نفس الإيمان، على نفس الإسلام، نفس هذه الحقائق، نفس معنى كلمة الدين، فإذا ما استوعبنا هذا؛ هنا يكون عندنا خلل كبير جداً في تطبيق الإيمان. لذلك قد ينجو الشخص من الوقوع في البدعة في الإيمان، لكن ما ينجو من التقصير في التطبيق العملي، ما ينجو من التقصير في التطبيق العملي؛ ولا أقصد بالتقصير الخاص الذي لا يسلم منه أحد، فلا يوجد أحد يطبق جميع الشعائر، لكن أقصد التقصير في نفس تنفيذ المهمة التي من أجلها هو موجود فوق الأرض في نصرة الدين؛ فهناك أمر خاص بك أنت: صلاة، صيام، هذه لا بد منها وهي أركان وبعضها واجبات وبعضها مستحبات، لكن هناك أمور كذلك متعلقة بنفس الإسلام، بنفس الدين.

فالذين لم يهاجروا إلى النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة وبقوا في مكة، هؤلاء إيمانهم كان بنقص، الذين هاجروا لكن ما جاهدوا إيمانهم به نقص، لماذا؟ لم يطبقوا الواجب عليهم. وليد شخص هنا يتأول ويترك نفس التطبيق العملي الذي يريد الله سبحانه وتعالى بحجة أنه منشغل بأمر آخر أو منشغل بعمل خاص، هذا يثلم الدين في شيء، هذا يثلم الدين في شيء. لذلك من المهم جداً أن نستوعب الإيمان بشموليته، سواء كان المتعلق بما يذكره علماء الاعتقاد في مثل هذه المباحث، أو ما يتعلق بنفس التطبيق العملي الذي من خلاله نحقق الواجب علينا تحقيقه، ونحقق العبودية لله سبحانه وتعالى كما يريد الله سبحانه وتعالى منا، ونعرف بأن الإسلام دين له هدف، وأن هذه الشعائر كلها مربوطة بخيط، لابد أن نأخذه؛ ما نأخذ الخرزة هكذا بعيداً عن نفس هذا الخيط، فهنا ما نستوعب التطبيق العملي للدين ونقصر كثيراً. وللأسف هذا هو الغالب على الناس، ولا ينجو من هذا إلا أفراد من طلاب العلم الذين يحسنون تطبيق الإسلام، يحسنون تطبيق الإيمان، يأخذون الإيمان بشموليته في واقعهم الذي يعيشون فيه، ولا يغتروا بجانب على حساب جانب، إنما يأخذون الإيمان هكذا بهذه الشمولية.

وأنا تعمدت أن أذكر هذه المسألة في مثل هذا المبحث حتى لا نقصر ولا نتعامل مع هذه المباحث تعاملاً نظرياً صرفاً من غير أن يكون عندنا تطبيق عملي حقيقي، فيه تطبيق للإيمان في الواقع كما طبق أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، كما طبق عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فهؤلاء إيمانهم كان معه عمل، إيمانهم كان معه تحرك للدين، إيمانهم كان معه نصرة للإسلام، وليس انكفاءً وانعزالاً وتطبيقاً فردياً للدين. فهذه الطريقة في تعاطي الدين ليست هي طريقة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولم يكونوا يتعاملوا مع الدين بهذه الصورة؛ والإيمان يدفع الإنسان للتطبيق، والإيمان الحقيقي يدفع الإنسان لسد الثغر الذي هو فيه، أو سد الثغر الذي ما يصلح له إلا هو. إذاً هذه الوقفة الثانية المتعلقة بالإيمان.

الوقفة الثالثة المتعلقة بالإيمان في هذا المبحث: أركان الإيمان، الشيخ هنا ذكر أربعة: قول القلب، وعمل القلب، وكذلك قول اللسان، وعمل الجوارح. قول القلب هو التصديق، ولا يخالف أحد إلا جهم فيقول المعرفة. لما نأتي عند قول القلب؛ قول القلب هو أصل الدين أو أصل الإيمان، فلما نقول التصديق، الذي لا يصدق هذا ليس في قلبه، هذا الذي لا يصدق هذا أصل الإيمان ليس موجوداً عنده.

طيب هل يكفي قول القلب؟ لا ما يكفي، لماذا؟ لأن إبليس كان عنده التصديق. والكفر أكثره كان متعلقاً بماذا؟ بالاستكبار. الكفر خمسة أنواع، كفر الجحود والتكذيب ليس كثيراً، إنما الكثير هو الإباء والاستكبار؛ هو يعلم بأنه نبي، ويعلم بأنه مبعوث من قبل الله، ويعلم بأن هذا الدين حق، ولكن يحمل الكبر والحسد على عدم الانقياد. فهنا قول القلب المفترض أنه يوصل إلى عمل القلب، يعني الآن وجد تصديق أن هذا نبي مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى، هذا التصديق المفترض ماذا؟ يقود إلى عمل القلب؛ إلى الحب، الخوف، الرجاء من الله سبحانه وتعالى، التوكل على الله إلى آخره، هذا كله لم يوجد لماذا؟ لأن الكبر والبغي والتجبر هذا كله منع القلب من أن يصل إلى عمل القلب، فلم يصل. فالتصديق أصبح عبارة عن أمر قلبي صِرْف، لكن ما أثمر عمل جوارح، ولا نطقاً باللسان، ولا وجود أعمال قلوب. وهذا هو الكفر، وهو عامة ما كان يقع به أعداء الرسل؛ يعرفون بأنه نبي، والله ما كذب محمد قط، لكن مع هذا دائماً عادوه، لماذا؟ لوجود الكبر، وجود الحسد، البغي، الظلم، هذا كله يمنع القلب أو يضعف مسير القلب. فممكن الشخص يحسد، لكن مع وجود الحسد هذا لا يصل إلى المنع الكامل. شوفوا يا شباب، انتقال الإيمان من قول القلب إلى عمل القلب، يعني من وجود التصديق إلى الحب والرجاء والخوف والخشية والتوكل، هذا انتقال طبيعي أن ينتقل إذا وجد.

الحسد والكبر عبارة عن سدود تمنع هذا الماء من التدفق، وبقدر قوة الحسد والكبر وشدته يكون منع الماء من الوصول، فيضعف ويضعف حتى ما يصل إلى الشيء اليسير. فيكون هذا الإنسان عنده إيمان وعنده نفاق، فيكون مركباً بين إيمان، فيكون إيمانه ضعيفاً؛ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم بسرعة يكفر، كلمة واحدة يقول هكذا يخرج من الدين. لماذا؟ لأن إيمانه ليس قوياً، حبه وتعظيمه وإجلاله لم يكن كبيراً، ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء. لماذا قالوا هذه الكلمات؟ تساهلوا بها لأن الإيمان القلبي لم يكن قوياً، فلما قالوا هذا وقعوا بالكفر وانتفى عنهم الإيمان القلبي.

فقول القلب علاقته مع عمل القلب هو الأصل أنه يثمر قوة العمل، ولكن إذا وجدت النفس وحضرت النفس بالحسد والكبر والبغي والعلو إلى آخره، هذه تضعف تضعف حتى تغلقه، حتى يغلق هذا السد فيبقى محصوراً. لذلك إبليس لماذا ما آمن؟ لأنه قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]. حسدٌ منعه، حسدٌ منعه. لماذا أبو جهل ما آمن؟ كنا مع بني هاشم كفرة رهان، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى إذا كنا كفرس رهان قالوا فينا نبي. فمنع أيش؟ الكبر ما انقاد. لماذا فرعون ما انقاد لموسى؟ الله يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. فالظلم مع العلو يمنع قول القلب من وصوله إلى، وهذا قول القلب لا ينفع الإنسان.

يعني إذا وجد عنده تصديق، إبليس عنده، واليهود كانوا يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام نبي، ثم لما سأل ياسر حوي ماذا أعددت له؟ قال: عداوته ما بقيت. طيب لماذا عداوته ما بقيت؟ حسدٌ، حسدٌ. فهذا الحسد والكبر يضعف يضعف هذا الأثر حتى يلغيه وحتى ما يدخل الإيمان في قلبه. يعني يكون عنده التصديق فقط، لكن ما يكون عنده مع التصديق ماذا؟ شيء من أعمال القلوب، إذا ما وجد عمل القلب هنا ما يثمر عمل الجوارح، لأن عمل الجوارح بالأصل هو قائم على ماذا؟ عمل القلب والنطق باللسان. النطق باللسان هو قائم على قول القلب وعمل القلب، لكن بأصل عمل القلب. فهذا صدق، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكن هو ممكن ما يقولها، لماذا؟ لأنه حاسد متكبر. فهو يعلم بأنه نبي لكن ما ينطق بهذه الكلمة، لماذا؟ ما عنده شيء من الحب، ما عنده شيء من الخوف، ما عنده شيء من الإجلال والتعظيم إلى آخره، ما عنده هذا الأمر، فلذلك ما يثمر عنده النطق وكذلك التطبيق.

لذلك خطر الحسد خطر، الكبر خطر، ويمنع الإنسان، إما أن يمنع أصل الإيمان مثل ما وقع عند أبي جهل وأبي لهب وكذلك فرعون إلى آخر هؤلاء إبليس، أو يمنع كمال الإيمان الواجب، فيضعف عنده الإيمان، يضعف عنده الإيمان. وهذا كله سببه عدم تزكية النفس، كل سببه عدم تزكية النفس. فلكن النفس إذا زكيت هنا يصل التصديق هذا إلى القلب، إلى عمل القلب مباشرة، فيثمر مباشرة قوة الإيمان والحب والتعظيم والإجلال والخوف والخشية. لكن إذا وجدت هذه المعاني تضعف تضعف تضعف حتى تسد، فما يصل إلى شيء إلا يسد، والناس يتفاوتون بإيمانهم بقدر حضور نفوسهم وبقدر تزكية النفس.

لكن الله سبحانه وتعالى جعل من وظيفة الأنبياء تزكية النفس، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2]؛ لأن التزكية تقوي الإيمان، فلما تطهر النفس الإيمان يقوى عند الإنسان. وكل من يقرأ القرآن الكريم ويشاهد النبي عليه الصلاة والسلام يصدق بأنه الغالب، يصدق بأنه ماذا؟ نبي، وأن هذا كتاب، لكن الذي يمنع هو الكبر والحسد والبغي والطغيان. هذا الكبر والحسد والبغي والطغيان تجبر، إذا ذهب أو إذا ضعف يقوى الإيمان، وإذا ذهب يكون إيماناً جداً قوياً، إني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما ثمة لقوة الإيمان. لماذا هؤلاء ما كان هؤلاء عندهم تسليم عالٍ؟ طيب هذا التسليم العالي معناه أيش؟ أن هؤلاء نفوسهم ما كانت حاضرة، ولا حتى عقولهم، خلاص هو قالها ونصدق ونؤمن بها، بخلاف من يكون في بقية من حضور النفس أو بقية من حضور العقل -أقصد حضور العقل هنا مع الدين وليس ضد الدين-، فهذه البقية تمنع الشخص من الوصول لدرجات عالية بالإيمان، بقدر حضور عقله ونفسه.

ولا يظن الإنسان أن هذا كلام سهل، هذا كلام ثقيل، يعني وصول الشخص إلى درجة أنه يتجرد تماماً من حضور نفسه وتماما من تدخل عقله، جعل رأيت في اليمن هذه المرتبة، هذه مرتبة الصحابة وبهذا تميزوا. وهذا الباب هو باب مربوط ارتباطاً قوياً مع التسليم والاستجابة، فسرعة الاستجابة والتسليم هذه هي العبادة التي تميز بها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. لم يكونوا أكثر الناس عملاً، لكن كانت الاستجابة عندهم قوية، والتسليم عندهم كان عالياً. والله يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

هذا التسليم مع لا يجدوا في أنفسهم حرجاً تسليم ما قضيت، هذه هي التي تثمر قوة الإيمان عند الإنسان. لما تضعف هذه، لما يضعف التسليم أو تحضر النفس أو يحضر العقل وهكذا، ويخالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام ويدخل عقله في التقدير على حساب نفس معرفة المراد، أو نفس تحقيق المراد، هذا الإنسان ما يكون عنده الإيمان قوي، وذلك قد يتوه، قد يخطئ في الاستدلال والفهم والمعرفة، لماذا؟ لأن هذا الإنسان حضر عند هذا الشيء. لكن تيمية في إيمان الكبير، أول ما بدأ تقرير أصل الإيمان قرر قاعدة عظيمة جداً، وذكرها في مجموعة من كتبه، قال: بأننا ندخل إلى هذا الباب من خلال نفس الآيات والأحاديث، فلا ندخل عقولنا ولا نفوسنا، إنما ننظر ما الذي يريد الله سبحانه وتعالى منا، ولا نجعل هناك أصلاً قبل أن ندخل إلى نفس معرفة المراد، وبناءً عليه نفسر المراد.

لا يعارض هذا الكلام ما قلته قبل قليل بأن كلام السلف الصالح إلى آخره، لكن القصد أننا هنا ما نعتقد قول المخالف لنفس النصوص، ثم بعد ذلك نقصر النصوص عليه ونحاول أول النص هنا ما نهتدي، هنا ما نهتدي. بخلاف الذي يدخل إلى النصوص وهو معتقد صحة هذا الدين، ومعتقد ومسلم لأمر الله سبحانه وتعالى، وليس عنده قول يريد أن يقرره، إنما هو يريد أن ينصر الدين، يريد أن يعرف مراد الله سبحانه وتعالى، وأن يثبت هذا ويطبق هذا المراد، بهذه الطريقة نعم يهدى الإنسان ويوفق ويستدل بالنصوص بطريقة صحيحة، وتكشف له النصوص والمعاني. أما إذا لم تكن هذه الطريقة يتأول بأفهام النصوص.

الخوارج لما كفروا الصحابة رضي الله عنهم بما يظنون خطأً، هذا سبب حضور النفس، حضور النفس نعم مع الجهل، لكن كذلك النفس كانت حاضرة. كذلك في المقابل المرجئة لما خالفوا هؤلاء، اعتقدوا أو أطلقوا إطلاقات من غير أن تكون إطلاقات مبنية على النصوص، مبنية على أدلة، مبنية على سؤال، فهؤلاء المرجئة الذين ظهروا مثل ذر وقيس الماصري إلى آخره، كانوا في زمان في صحابة، ومع ذلك ما رجعوا إلى الصحابة، إنما هم بأنفسهم، وهم لم يكونوا من العلماء المبرزين من أهل العلم والإيمان والمعرفة، فأخطأوا ووقع عندهم هذا الأمر. لذلك الإنسان يسلم، الإنسان يسلم بقدر تسليمه لنصوص وعدم حضور نفسه ولا تدخل عقله، يهدى بإذن الله هذا الإنسان ويوفق لإصابة الحق. أما إذا حضرت النفس وتدخل العقل، هذا الإنسان ما يهدى كثيراً.

وكذلك الوقفة الأخرى المتعلقة بهذه، بهذا حديث عن أركان الإيمان، الشيخ ذكر هنا عمل القلب وقال بأن أعلى الناس هو من لا يصرف شيئاً من أعمال القلوب لغير الله سبحانه وتعالى، فالذي لا يصرف شيئاً لغير الله سبحانه وتعالى، إلا الطبيعي الغريزي العادي، فهذا يكون أعلى الناس إيماناً. وهذا الإنسان لما يتعارض هو نفسه مع أدنى مراد الله سبحانه وتعالى مباشرة يقدم المراد، بل يصل به الحال إلى ما وصل إليه يوسف عليه السلام لما قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]. كيف يقول هذه الكلمة يوسف عليه السلام؟ لأن إيمانه كان بذروة. كيف سليمان عليه السلام لما هكذا انشغل بالخيل قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: 33] مباشرة، لماذا؟ لأن الإيمان عظيم، استعظم أن يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، فتكون الرجعة، تكون عودة هذا الإنسان قوية، ولتكون استجابته قوية. يعني هذا الإنسان تكون استجابته لأمر الله سبحانه وتعالى جداً عالية، لماذا؟ لأن القلب منصرف له هو، فلما تدخل في قلبه لا يوجد في قلبه إلا الله سبحانه وتعالى، التعظيم الحب الكامل لله. أما الحب الغريزي الفطري هذا يكون محصوراً بالحد الفطري، ما يكون غالباً عليه حتى لو كان مباحاً: يا عائشة ذريني الليل أتعبد لربي.

انظر إبراهيم عليه السلام لما نظر في المنام بأنه يذبح ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ [الصافات: 102]، لماذا؟ حتى يخلص القلب. فالإنسان لما يصرف عاطفته، لما يصرف عاطفته الحب الخوف الرجاء التوكل الخشية لله سبحانه وتعالى، هنا يكون هذا الشخص صاحب إيمان عالٍ جداً، ويكون هذا من أعلى الناس إيماناً. لكن لما تنازع هذه العاطفة عاطفة أخرى أو لما ينازع هذا الحب حب آخر ويكون قوياً في قلب الإنسان، لا هنا الإنسان تنقص درجته. تقول: إنه يجوز؟ أقول لك: إذا كان فطرياً عادياً فلا بأس، من أحب الناس إليه؟ قال: عائشة، في حب عائشة، لكن ما يصل الحب هذا إلى درجة أنه يخالف المراد الإلهي أبداً. طيب أحياناً يقع شخص في المخالفة، أقول لك: هذا الوقوع في المخالفة دليل على النقص الضعف. لكن إذا ما وقعت في مخالفة أبداً، يعني لما يتعارض محبوب الله سبحانه وتعالى الذي يحب الله سبحانه وتعالى مع ما تحبه أنت، أو ما يحبه الذي تحبه من قريب صديق صاحب إلى آخره، فإذا قدمت مراد الله دائماً أقول لك: الآن إيمانك عالٍ، وهذا لا يكون إلا مع قوة الحب لله سبحانه وتعالى.

لكن لما يضعف هنا وتكون في المنازعة، ممكن يقع الشخص أحياناً في بعض المخالفات، ويقع في شيء من التقصير والخلل، فيضعف عند عمل القلب، ما يكون بالذروة، إنما يضعف عند عمل القلب. فالناس في هذا الباب يتفاوتون تفاوتاً عظيماً وكبيراً وجلياً. إذاً هذا ما يتعلق بهذا المجلس، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.