الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نستعين بالله يا شباب ونبدأ بأول مباحث هذا الكتاب، وهو مبحث الإيمان، بعدما تكلمنا في المقدمة عن مجموعة من المسائل التي طرحها الشيخ حفظه الله. وننتقل الآن إلى الحديث عن بداية هذه العقيدة، وبدأ الشيخ بشرح كلام الرازيين المتعلق بالإيمان، وأن الإيمان عند السلف الصالح هو عبارة عن قول وعمل، ولنأخذ كما ذكرنا في هذا الدرس مجموعة من المسائل المتعلقة بالإيمان.
المسألة الأولى المتعلقة بالإيمان: الحديث عن أول خلاف وقع في الأمة. يرى البعض أن أول خلاف وقع هو الخلاف بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام في الإمامة، وهذا ليس بصواب. والفائدة المنهجية الأولى أن الخلاف الذي وقع بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كان عبارة عن آراء، وليس عبارة عن خلاف أورث النزاع والشقاق. فعندما نقول خلاف، أي ما أورث النزاع والشقاق، أما إذا لم يورث ذلك فلا يسمى خلافاً، إنما يسمى رأياً؛ شخص يرى أو يميل إلى هذا الشيء.
وأقرب لكم الصورة الآن؛ لما ننظر مثلاً إلى قول عمر بن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام: "ألست رسول الله؟" في الحديبية، ولما الصحابة في البداية انتظروا نزول الوحي، هل هذا الموقف من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يقاس عليه موقف شيخ الخوارج الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام: "إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، اعدل يا محمد"؟ هنا اعتراض؛ هذا الموقف من هذا الخبيث فيه اعتراض على أمر النبي عليه الصلاة والسلام. أما الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فكانوا يقولون هذا من باب البيان، أو النصح، أو المعرفة، أو الشورى، أو الرأي، وما كان الواحد منهم يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الطريقة ثم يستمر على هذا الشيء أبداً، فهذا ما كان موجوداً عند الصحابة، لذلك لا يسمى نزاعاً ولا شقاقاً؛ فهم يستجيبون لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. أما الذي وقع من هذا المجرم الخبيث الذي ولى مدبراً ولم يبال، فهذا هو الشقاق والنزاع.
بين النبي عليه الصلاة والسلام أنه يخرج من هذا الناس أقوام تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. ثم استقام هذا الأمر واستمر كذلك في زمان الصديق رضي الله عنه وأرضاه، ثم بعد ذلك في زمان عمر الفاروق، حتى جاء زمان عثمان كما تعرفون، ووقع خلاف ونزاع على عثمان رضي الله عنه حتى قتل شهيداً سعيداً رضي الله عنه. ثم بعد ذلك جاء الخوارج في زمان علي رضي الله عنه وأرضاه، وزمان علي هو الزمان الذي ظهرت فيه الفرق واضحة وبينة وجلية. قبل ذلك كانت اعتراضات على عثمان؛ اعتراضات في ظاهرها سياسية متعلقة بالظلم، أو تولية الأقارب، إلى آخره. هذه الاعتراضات لم يكن الاعتراض فيها إيمانياً، أي لم يكن متعلقاً باتهام عثمان بإخراج العمل المسمى الإيمان، أو بالتكفير بالكبيرة، هذا ما كان موجوداً. هذا متى وجد؟ وجد في زمان علي رضي الله عنه لما صاح الخوارج في المسجد وقالوا: "لا حكم إلا لله"، وانفصلوا عن علي رضي الله عنه وأرضاه، وتحيزوا وتحزبوا، هنا بدأت ظاهرة الخوارج.
هؤلاء الخوارج المجرمون وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب الجهل والغلو. وذكر الشيخ في المقدمة -وعلقنا على أسباب الضلال- بأنها تنقسم إلى قسمين: الجهل والهوى. الخوارج كانوا جهالاً؛ لم يكن فيهم أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا من أجهل الناس في الدين مع شدة عبادتهم، حتى إن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، وكذلك أبو سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، لما رأوا عبادة الخوارج تعجبوا من قوتها وثقلها، لكن هذا هو نص الحديث: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم"، فصلاة الصحابة بالنسبة لصلاة الخوارج لا شيء من كثرة صلاة الخوارج، حتى كانت وجوههم مثالها مثال ركب البعير من شدة التقشف وكثرة السجود. يقرؤون القرآن لكن لا يجاوز حناجرهم؛ يقرؤون ويحسبون أنه لهم وهو عليهم، هذه مشكلة الخوارج.
المشكلة الثانية متعلقة بالغلو، والغلو في الدين خطير، «لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا». لا تشددوا في الدين بشدة، فإن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، لكن ما لا تستطيع عليه هو سيغلبك. فالقصد أن هذا النفر من الناس -الخوارج- هم أول خلاف وقع في الأمة وأورث النزاع والشقاق وظهور الفرق في الإيمان. في المقابل كان هناك الرافضة، والرافضة غلوا بعلي رضي الله عنه وأرضاه، لكن ما تحيزوا ولا خرجوا من جيش علي.
إن أصل الرفض وأصل الخوارج ليس النفاق، إنما هو الغلو والجهل. سبب وقوع الخوارج فيما وقعوا فيه ليس النفاق، لذلك قال علي: «من الكفر يفر المنافقون»، لا، هم يفرون من الكفر، هم يريدون الكفر أو هم كفار، لكن هؤلاء لما قيل لهم أكفار هم؟ قالوا بالكفر فروا. الخوارج ما وقعوا فيما وقعوا فيه نفاقاً، إنما بسبب الجهل والغلو، والجهل والغلو يحمل صاحبه على أن يقع في الكفر؛ قد يعذر بسبب جهله فيرفع عنه الكفر، لكن يبقى عنده الإثم، وهم خوارج. جماهير علماء الإسلام يرون أنهم ليسوا بكفار، لكنهم من أهل الضلالات ومن الفرق الضالة، وهم كلاب أهل النار؛ لماذا؟ لأنهم ما كانوا قاصدين الحق قصداً كاملاً، وما بذلوا وسعهم في إصابة الحق، فالهوى كان داخلاً بقوة، مع أنهم يؤمنون بالقرآن والسنة.
عجيب أن هؤلاء الخوارج -والعياذ بالله- أرادوا أن يكون عثمان وعلي مثل أبي بكر وعمر، وأبوا أن يبايعوا لشخص لا يكون مثالاً لعمر، حتى قالوا: لا نبايع إلا رجلاً مثل عمر، ونريد من علي أن يصبح مثل عمر. ثم العجيب أنهم بايعوا رجلاً عندهم يقال له عبد الله بن وهب الراسبي، وهذا لا يعرف بعلم ولا بفقه ولا بمعرفة ولا بدين، ومع ذلك بايعوه وجعلوه مكان عمر الفاروق! تصوروا، عثمان بن عفان هذا الرجل كم فيه من نصوص؟ وعلي كم فيه من نصوص؟ وهذا عبد الله بن وهب حتى تتم بيعته بهذه الطريقة! لكن هذا هو الضلال؛ فالإنسان لما يضل عن الطريق لا بد أن يضع أحداً في هذا المقام، مقام قيادة الإمامة؛ فإذا ما وضع علياً سيضع هذا، انظروا كيف أن الشيطان يتلاعب بالناس.
ماذا قالوا؟ قالوا بأن علياً كافر، وكفروا كذلك معاوية، لماذا؟ لأنهم حكموا الرجال في كتاب الله. هم الآن كفروا بكبيرة واحدة، أو فيما يظنون أنه كبيرة أو استحلال في قضية واحدة، في صورة واحدة، في مسألة واحدة، ليس بجميع الكبائر، إنما بدأوا بهذا في تحكيم الرجال في كتاب الله، في الحكم بغير ما أنزل الله. تعرفون الحكم بغير ما أنزل الله، الأصل فيه إذا كان على سبيل التشريع أنه كفر، لكن في التطبيق ليس بكفر، هذا قول الخوارج كما تعرفون، وسياتينا الحديث عن هذه المسألة إن شاء الله تعالى في أبواب السياسة الشرعية. فالقصد أن هؤلاء لم يفرقوا بين الصور التي يجوز فيها التحكيم، وبين الصور التي تكون من باب التطبيق؛ المخالفة في التطبيق وليس في التشريع.
فأول خلاف وقع في الأمة هو الخلاف في الإيمان وكان من قبل الخوارج، فقد كفروا من حكم الرجال في كتاب الله، ثم بعد ذلك ترتب مذهب الخوارج حتى أخذوا يكفرون بغير مكفر، ويستحلون بعد ذلك الدماء المعصومة، والذي ينطبق فيه هذان الوصفان هذا هو الخارجي: يكفر بغير مكفر، ويستحل الدماء المعصومة. ثم اختلفوا حتى وصل بهم الحال أن يختلفوا هل الذي يحلق شعرة واحدة من اللحية يكفر؟ فبدأوا هكذا، وهذا شأن النزاع والفرقة؛ فالنزاع والفرقة يوقع الناس في مثل هذه الخلافات والنزاعات.
الذي يفترق عن أهل السنة والجماعة يحمل هذا الخلاف والنزاع إلى أن يتمزق من داخله، وهذه من علامة ضلال أهل البدع، بخلاف أهل السنة والجماعة؛ أهل السنة والجماعة ممكن يختلفون ولكن الاختلاف ما يحملهم على البغي، ما يحملهم على الخروج عن الحق، ما يحملهم على التكفير والتبديع والتفسيق. وإن وقع منهم أحياناً فسبب هذا هو الجهل، أو قلة العلم، أو ضعف الديانة، فهنا يكون مخالفاً أصلاً لأهل السنة والجماعة في هذا؛ هو لم يستقم الآن على أمر الله. ولكن لو استقام على أمر الله، المخالفة لا تحمله إلى أن يصل فيه الحال كما وصل بين الصحابة بالقتال، لكن لا يصل إلى التكفير؛ فالصحابة وقع منهم ما وقع ومع ذلك ما كفر بعضهم بعضاً، ولا بدع بعضهم بعضاً، ولا فسق بعضهم بعضاً. انظروا هذا هو الفارق؛ ممكن يصل الخلاف أن الشخص يعتقد أن صاحبه على خطأ، لكن لا يحمله اعتقاده ذاك على أن يبدعه أو يكفره، وإن كان ممكن يتكلم فيه من باب تحذير الناس من رأيه وإبعاد الناس عن قوله، ولكن هذا غير الطعن به والطعن بدينه والحكم عليه بأنه كافر إلى آخره.
هذا يقع عند أهل البدع والضلال، لذلك يسهل عندهم هذا الباب، وهذا هو شأن المخالفين. والذي يقع من هذا ممن هو من أهل السنة والجماعة، فسبب وقوعه في هذا ليس أنهم أهل السنة والجماعة، ولكن السبب هو الجهل أو عدم ضبطه لهذه الأصول، وكذلك ضعف الديانة الموجودة عنده. أما هذا أو هذا أو كلا الأمرين يتسبب بالانسان حتى قد يصل به الحال إلى أن يخرج من مسمى أهل السنة والجماعة إذا استمر بهذا الأمر وقوي عليه وغلب على حاله.
القصد من ذلك أن أول خلاف وقع في الأمة هو متعلق بالإيمان، ثم استمر هذا الخلاف حتى كبر ووصل بعد ذلك إلى أن يخرج بعض المنتسبين لأهل السنة والجماعة العمل من مسمى الإيمان، مثل ما وقع من حماد بن أبي سليمان وكذلك أبو حنيفة النعمان؛ وليس القصد هنا إخراجه بالكلية، نعم يخرجونه بالكلية، لكن ليس القصد هنا أن العمل لا يحاسب الإنسان عليه، أو لا ترفع درجته في الجنة إلى آخره، وهذا له تفصيل، إن شاء الله تعالى الحديث عنه. لكن القصد من ذلك أن هؤلاء اشتبهت عليهم النصوص، ثم وجد عندنا الجهم بن صفوان الذي يقول إن العمل عبارة عن المعرفة فقط، ثم وجد عندنا مثل قيس الماصر وذر بن عبد الله، واختلف العلماء منهم من يقول من أول من أرجأ هو قيس الماصر، ومنهم من يقول ذر بن عبد الله؛ وذر كان في البداية يرى رأياً، كما يقول الإمام أحمد، ثم بعد ذلك انتقل هذا الرأي إلى أن يكون عنده عقيدة، وأخذ يكتب إلى الأمصار بأن هذا هو دين نوح عليه السلام ويقسم على ذلك.
ثم استمر بعد ذلك هذا الأمر وبدأ يتوسع، وظهرت عندنا بعد ذلك في الصورة النهائية طائفتان: طائفة الوعدية وطائفة الوعيدية. طائفة الوعدية هي المرجئة والمرجئة أصناف وأنواع، وطائفة الوعيدية هم الخوارج والمعتزلة، فالخوارج يكفرون من يقع بالكبيرة.
وكذلك يحكمون عليه بالنار، فهم في الاسم يسمونه كافرًا، وبالأحكام يحكمون عليه بالنار. المعتزلة وافقوا الخوارج بالحكم في الآخرة، ولكن خالفوهم بالحكم في الدنيا؛ ففي الدنيا يسمونه فاسقًا في منزلة بين المنزلتين.
وأول ما وقع هذا كان من واصل بن عطاء في حلقة الحسن البصري، لما جاء رجل وسأل الحسن رحمه الله تعالى عن المسلم الذي يقع في كبيرة ما حكمه؟ فقال الحسن: منافق. فرد واصل بن عطاء وقال بأنه في منزلة بين منزلتين. والحسن لما قال منافق، قالها قول الواعظ العالم؛ والعالم لما يتكلم له طريقة بالكلام، والواعظ لما يتكلم له طريقة في الكلام، لكن العالم لما يتكلم عند عامة الناس، أو لما يجمع بين العلم والوعظ، فهذا له طريقة أخرى في الكلام.
الحسن البصري كان عالماً واعظاً، ليس هو من العلماء الخاصة مثل سفيان الثوري، هو من علماء العامة؛ فلما قال منافق هو لم يكن يريد أن يأتي بمصطلح يوجد به تنطع، إنما هو يريد -وهذا الوقت كان وقت الصراع في هذه المسألة، والخوارج كانوا كثرة في القرون الأولى- هو لم يكن يريد أن يقول مؤمن هذا الإنسان، فقال منافق، ومنافق يعني أن هذا الإنسان يخالف فعله قوله. وكلمة منافق كلمة عامة؛ يعني هذا الذي وقع بكبيرة، لو كان صاحب إيمان ما وقع بكبيرة، لو كان إيمانه قوياً ما وقع، لماذا؟ لأنه يعتقد الإيمان بيوم القيامة إلى آخره، كيف يقبل الكبائر؟ فهذا فعل من لا يكون إيمانه قوياً، فقال عنه منافق، قال عنه بأنه منافق؛ كلمة وعظية، ليس المراد هنا حقيقة النفاق الذي هو عبارة عن إبطان الكفر وإظهار الإيمان.
وهذه كلمة عامة واسعة، هذه كلمة علقت في ذهن واصل بن عطاء، فقال واصل بأنه في منزلة بين منزلتين، ثم طرده الحسن، وقيل هو اعتزل حلقة الحسن ومعه عمرو بن عبيد، وشكلت المعتزلة، وسموا معتزلة نسبة لواصل بن عطاء المعتزلي. فالمعتزلة يرون بأن الذي يقع بكبيرة في منزلة بين منزلتين، ليس بمؤمن ولا كافر إنما هو فاسق في الدنيا، وفي الآخرة حكمه في النار. استمر هذا الأمر ولم يزل الخلاف يقع ويتسع حتى وصل الحال إلى زماننا هذا.
فلما وصل الحال إلى زماننا هذا، الخلاف الواقع بين أهل السنة والجماعة في هذا العصر؛ المشاهد هو في الإيمان، يعني في أصل الإيمان. في قضاء القدر لا يوجد خلاف كبير، لا يوجد عندهم خلاف، كذلك في الأسماء والصفات لا يوجد عندهم خلاف، كذلك في الصحابة لا يوجد عندهم خلاف؛ يعني هذه الأصول لا يوجد بها خلاف. الخلاف الواقع بين أهل السنة والجماعة في زماننا هذا هو في الإيمان، خاصة في مسألتين اثنتين: في الحكم بغير ما أنزل الله، وكذلك في الموالاة العملية.
فمتى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً؟ وهل هو من قبيل الكفر الأكبر أو هو من قبيل الكفر الأصغر؟ هذا وقع به خلاف وكثر الخلاف فيه. وفي المقابل الموالاة، متى تكون الموالاة العملية كفراً، أو الموالاة العملية لا تكون كفراً أبداً؟ هذا كذلك وقع به الخلاف. والمسألة الثالثة التي ليست لها علاقة مباشرة في الإيمان: العذر بالجهل. فهذه المسائل الثلاث هي التي وقع بها النزاع الكبير بين أهل السنة والجماعة في هذا العصر. وأخذ كل فريق يعتقد بقول، أو يضع له حداً في هذا القول، ينسب الذي عن يمينه بأنه خارجي، وعن يساره بأنه مرجئ، وهم يتفاوتون في هذا الباب.
والخلاف هنا قد يكون أحياناً في المسائل، ليس في التأصيل، إنما في نفس المسائل؛ والخلاف بالتأصيل شيء، والخلاف بالمسائل شيء، وكذلك الخلاف بالمسائل الظاهرة شيء، وبالمسائل الضبابية شيء. لذلك أنا قلت في المقدمة هنا قبل بداية الدرس، قبل التسجيل، إنه من المهم تضبط هذا الباب، المهم يكون عندك الضبط العقلي؛ حتى تعذر وتعرف مواطن النزاع ومواطن الاتفاق؛ ليس كل مسألة المخالف فيها مرجئ، أو المخالف فيها خارجي، ليست بهذه الطريقة.
القصد من ذلك أن هذا الباب ما ضُبط عند المعاصرين بسبب عدم ضبط أصل الإيمان؛ يعني هم لم يعرفوا أو كثير منهم لم يتعامل مع هذا الباب كما ينبغي. فمنهم من دخل إلى كتب السلف وولج إليها ولوجاً مباشراً من غير أن يفهم طبيعة هذه المسائل، ولا يفهم كيف تقام الأصول، ثم بعد ذلك يسحب كلام السلف العام على المسائل التفصيلية فيقع بالخلل الكبير والخطر العظيم. ومنهم من يقرأ كتب ابن تيمية لكن من غير فهم، وهذا كثير في المعاصرين.
وسبب ذلك أمران اثنان في تقديري، أو ثلاثة. الأول هو ضعف العقل؛ ابن تيمية يتكلم كلاماً عالياً، لذلك ابن تيمية كثيراً ما يقول: بسطناه في غير هذا الموضع، لأن العقل يجري بالإنسان فيبين المسألة بصورة معينة بناءً على السياق، ثم بعد ذلك لما يذكر نفس المسألة في سياق آخر يبينها بصورة أخرى، فيظن ضعيف العقل بأن ابن تيمية هنا بين كل شيء، ويظن كذلك ضعيف العقل بأن ابن تيمية متناقض؛ الأول لحبه لابن تيمية وتعظيمه له ما يحمل.
شوفوا يا شباب، كلام الناس يفهمونه على أربع أقسام؛ منهم من يكون حسن الظن للمتكلم، يعتقد بأن هذا المتكلم فاهم ويحسن الظن به، هذا إذا فهم كلامه مع حسن ظنه يستقيم عنده الأمر، وهذا الأمر يكون واضحاً، وهذا قسم هو أفضل الأقسام، وأنت لازم تراعي هذا القسم في البيان.
القسم الثاني من يكون حسن الظن ولكنه ما يفهم، ضعيف العقل، هذا يتأول كلامك ولا بد؛ هذا قسم لأنه يحبك ويستعظم أنك تكون مخطئاً، فلو كان هو ما يفهم، سواء كنت مصيباً أو مخطئاً، يعني سواء القول الذي قلت هو صواب أو خطأ، هو لأنه ما يفهم حسن ظنه يجعل أول كلامك بناءً على فهمه هو، حتى لو كان كلامك بعيداً عن فهمه؛ سواء كنت أنت المصيب أو هو المصيب، لا أتكلم أنا عن نفس الإصابة، أتكلم عن طريقة تعامل الإنسان مع الكلام.
إذا كان شخص ما يستوعب الكلام، يكون الكلام أثقل من عقله، هذا الإنسان إذا كان يحسن الظن ويحب هذا الإنسان ويرى بأنه عالم إلى آخره، يستعظم أن يقول أخطأ، لماذا؟ لأنه يحسن الظن، لماذا؟ لأنه معظم له، فهذا الأمر يحمل على تأويل الكلام بناءً على ماذا؟ بناءً على فهمه هو. لذلك قد يقول الشخص كلاماً، خمسة أو ستة أو عشرة يسمعون كلامه أو يقرأونه، كلهم يحسنون الظن به، كل واحد يثب بناءً على فهمه، ثم هم يتنازعون، وهذا الشخص قد يكون خارج المعركة كلها، لا علاقة له بهذا النزاع؛ لماذا؟ هذا هو السبب.
القسم الثالث من الناس من يفهم مع إساءة الظن، هذا يتعمد حرف كلامك، ويتعمد إظهار خطئك، أو يتعمد إسقاطك، حتى لو كنت مصيباً يتعمد بأنه لا يحمل الكلام على يعني لو يكون الكلام مثلاً له أكثر من محمل، ويكون الظاهر من هذا الكلام إذا نظرت إلى السياق وإلى بقية كلامه يحمل على كذا ما يحمل على كذا، لماذا؟ لأن حسنه سيء ظن، حتى لو كان هو عنده عقل واضح.
القسم الرابع من الناس هو الذي لا يفهم ويسيء الظن، هذا لازم يفهم خطأ، ولو ممكن كنت تقرأ آية من القرآن الكريم، هذا قسم مشكلة. ابن تيمية كان واعياً لهذا كله، ابن تيمية يقول: ما تستطيع أن في كل كلام تقوله أن تقيده وتعلقه وتبدأ تذكر الشروط إلى آخره؛ إذا هذا سيخرجك عن القصد من البيان، سيخرجك عن التحذير وعن الإيضاح إلى آخره، فهذا التقييد الكبير يخنق الكلام ويضعف أثره في النفس، والكلام لما يأخذ الإنسان يأخذ عقلاً ونفساً، فيضعف أثره في نفس الإنسان، وهذا أصلاً خارج عن سياق البيان.
لذلك هو يقول: بسطناه في غير هذا الموضع، هو يذكر في سياقات معينة والحقيقة واضحة عنده، كلامه لا يوجد به تعارض ولا تناقض، لكن المتلقي على حسب قوة عقله يكون فهمه للكلام. إذن ابن تيمية مثل ما ذكرت، أو القسم الآخر الأول يلج إلى كلام السلف من غير فهم لطبيعة هذه المسائل، فيبدأ يخبط خبط عشواء ويقع بأنه يقول لك بالاستقراء، هو كيف استقرأ؟ ما تدري، لكن هذا موجود في المعاصرين؛ كما بعضهم يقول: الاستقراء أن السلف يقولون كذا، هو لا يفرق بين واقع السلف وواقعنا، وهو لا يعرف كيف السلف كانوا يتكلمون، هو لا يفرق لماذا النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا الله سبحانه وتعالى ما عاقب من تخلف في يوم أحد وعاتب ثلاثة تخلفوا في يوم تبوك؟ ما يفرق بين هذه المسائل.
ابن تيمية يقيم الأصول ثم بعد ذلك يفهم كلام السلف بناءً على هذه الأصول المستقرة في الشريعة، ثم يتعامل معها بناءً عليها، هو ليس متناقضاً لكن هي هكذا المسائل، هذه طبيعتها. القصد إن شاء الله أنه وضح.
القسم الثاني هو هذا الذي يقرأ من غير أن يفهم، أو يقرأ نعم يقرأ من غير أن يفهم، فهو يقرأ كلام ابن تيمية ويظن بأنه بين كل شيء هنا، فيحمل كلام ابن تيمية ذاك، تجدون كثيراً العلماء يختلفون في قول ابن تيمية في كثير من المسائل؛ هل ابن تيمية؟ ابن تيمية أكثر عالم تكلم في هذه المسائل، أكثر عالم، طيب كيف فينا الاختلاف الكبير في هل هو كلامه إلى هذه الدرجة مشتبه؟ هل كلامه إلى هذه الدرجة محتمل؟ هل كلام ابن تيمية لو الشخص تكلم بسطر أو سطرين تقول صح؟ ما تستطيع أن تفهم كلامه، لكن لما يكثر هو يكثر كثيراً من البيان، ويروع طرق البيان إلى آخره، هذا كله يوصلك إلى حقيقة المعنى.
فلما يقع عند الأشخاص هكذا الخلاف في فهم كلامه، هذا سببه إما ضعف العقل عن الفهم، أو عدم وصول الشخص إلى نفس طبيعة المسائل؛ فهنا تقع عند إشكالات في فهم الكلام ولا يستطيع أن يستوعبها الاستيعاب الذي يطلقه. والشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى واعٍ ومدرك لأمور كثيرة ليست قليلة، من ضمن الأمور الأساسية والمركزية هو مدرك لطبيعة الأشياء وطبيعة المسألة وطبيعة الإنسان، فهو يفهم كيف الإنسان يفهم الكلام.
لذلك لما تدخل في هذا الباب، كيف تفهم الشخص؟ أكثر الناس لما ينظرون إلى الخلل في الفهم لما يقع بسبب بيان الشخص، يقول هذا سبب؛ طيب إذا الخوارج سبب ظهورهم هو نفس الأحاديث؟ كيف ترد هذا الكلام؟ هذا يستلزم الرد على البكري، يقول لو احتاط شخص لنفسه ما احتاط لن يأمن أن يفهم بعض الناس كلامه خطأ. فإذا كان القرآن قد أوضح البيان، أوضح الكلام، وكذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام جماعة كبيرة فهموها خطأ، لماذا؟ لكذا وكذا وكذا، فكيف بكلام العلماء إلى آخره؟ فهذا لا شك أن يكون باباً أولى.
إذن كيف نبين هذا الشيء؟ يأتي هو يقول لك في سياق آخر بين التقييد إلى آخره، ليس من الصعب، ثم يأتي، ثم هو خلاص لما يبين المسائل بصورة معينة والقارئ، ابن تيمية سيحضر القارئ دخل معه ببيانه، فلما يذكر المسألة هنا من غير أن يذكر قيودها إلى آخره، هو يقول لك هي واضحة، يعني هو في ذهنه أن هذه المسألة واضحة، فلما تكون واضحة ما يحتاج أن يذكر هذه القيود لها. طيب يأتي المتأخر الذي هو ما قرأ إلا هذا الكتاب أو ما فهم إلا هذه المسألة ويأخذ كلامه، ثم يقول كلامه بين وظاهر، بينما هو قد يكون ذكر في سياق، وهذا يقوم بالأصل على أصل معين عن شيخ الإسلام؛ هنا تقع المشكلة الكبيرة في فهم كلام الشيخ أبي العباس رحمه الله تعالى عند المعاصرين، ويخطئون كثيراً في فهم كلامه، ثم يحملون كلامه على غير ما يقصد رحمه الله تعالى.
القسم الثالث، الآن نبحث الإيمان، مبحث الإيمان.
والإنسان إذا ما تلقى هذا المبحث وأخذ بالطريقة الصحيحة، يقع عند الخلل في فهم هذا الباب. أي باب؟ باب الإيمان، لابد أن يقع عند الخلل في فهم الباب المقابل له وهو الكفر؛ لأنه ما من فعل إيمان أو كفر إلا وهو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن. فإذا اختلت عندك مساحة الإيمان، لابد أن تأخذ منها مساحة الكفر.
لابد فتكفر ما لا يستحق التكفير، لماذا؟ لأن أصل الإيمان لم يقم لديك بطريقة صحيحة، ثم لم تنزل بعد ذلك من هذه الأصول إلى المسائل البينة والظاهرة، ثم إلى المسائل الضبابية، ثم إلى المسائل التي قد تكون ضعيفة مثل ما ذكرنا قبل قليل بطريقة صحيحة؛ فقد يخالف الشخص في مسألة ضعيفة أو مسألة ضبابية وتكفره. ويمكن أن تكفر اجتهادًا، لكن لا تكفر يقينًا.
يمكن أن تقول بأن مثلا الذي يقع بكذا وكذا هو كافر، ونختلف في عمل من الأعمال، هذا ليس مشكلة، عادي يقع، لكن لا نختلف بأصل الإيمان، لا نختلف بأصل، ممكن نختلف بالحكم على شخص معين، ويرى قسم من الناس أن هذا كافر وقامت عليه الحجة فيكفر بعينه، والقسم الآخر لا يكفر بعينه. لا يقول هذا بأن هذا خارجي وهذا بأن هذا مرجئ؛ لأن هذا الشخص يرى بالقرائن أنه قامت عليه الحجة، مثل تكفير الحجاج مثلاً، فجماعة من العلماء يكفرون الحجاج وقسم آخر لا يكفرون الحجاج. فمن يكفر الحجاج يقول: عجباً لإخواننا يزعمون بأن الحجاج مؤمن لكن لا يحمل هذا، وتكفير العين للحجاج على أنه يقول بأنهم مرجئة لأنه ما كفروا الحجاج وكذا، لا يحملهم أن يقولوا بأن الذي كفر هو خارجي.
فهذه المسائل يسع فيها الاجتهاد. هذه المسائل يسع فيها؛ لما كفر الشافعي مثلاً حفص الفرض، هل كفر بعينه أو لم يكفره بعينه؟ هل هذا هنا قد تحتمل؟ لو كفر بعينه وجاء شخص آخر ولم يكفره بعينه لكن قال بأن هذا القول كفر، وأن الذي تقام عليه الحجة هكذا بأنه كافر، لكن هو قد لا يرى أن الحجة قامت عليه، وضبط الحجة هذا شيء ومسألة أخرى. فهنا لا نقول بأن هذا مرجئ وهذا خارجي إلى آخره، هذه ليست إلا في الأمور البينة والظاهرة.
أما في الأمور مثل شخص يسب الدين، هذا لا تأتي وتقول بأن هذا ممكن يحتمل، يعني قامت عليه الحجة عليه، هذا انتفى منه الإيمان، هذا انتفى منه الإيمان؛ فالسَّبُّ هو الذي انتفى منه التعظيم، فهذا لا يدخل في أي باب من باب العذر. كلامنا هنا كله في الأبواب التي يدخل فيها العذر، فالعذر يدخل في الجهل، ويدخل في بعض المسائل بالجهل، ويدخل فيها كذلك التأويل والتقليد إلى آخره، لكن لما يأتي شخص يسب بالدين، فهذا أصل الإيمان قد انتفى، فنسخة الشهادة لم يعد لها وجود عنده أصلاً فارتفع الإيمان، فهنا هذا الشخص لا يُعذر إلا بالإكراه طبعًا، أما بقية الأعذار لا تنطبق على هذا الشخص.
فشخص يسب الدين ثم يقول بعد ذلك أنا ما قصدت، مثلاً قصدت الكلام ولا ما قصدت؟ إذا انتفى الإيمان، الآن انتفى التعظيم، أما نفس القصد القلبي هذا لا علاقة لنا به، أن شخص استحل أو ما استحل، هذا قول المرجئة، لكن نفس أصل الإيمان إذا فعل أفعال الشخص أو الأعمال أو قال الأقوال التي ينتفي معها ويرفع معها أصل الإيمان، فهنا يكون ارتفع هذا الأصل.
القصد أن هذا الباب، باب الإيمان، هو من أهم ما ينبغي أن يعتني به طلاب العلم في هذا العصر؛ حتى يعرضوا كيف يتعاملوا مع المخالفين، وحتى يعرفوا كيف يحكمون على الأفعال وكذلك على الفاعلين. إذا ما ضُبط هذا الباب سيقع لا شك الخلاف والنزاع، ووقوع الخلاف في الحكم العيني أو الخلاف في بعض المسائل ليس مشكلة، عادي وقع عند السلف الصالح، لكن هذا مع صحة الأصل ومع عدم التبديع والتفسير. لكن لما لا يكون الأمر بهذه الطريقة، هنا نقع بالنزاع والشقاق الذي حذر منه النبي ﷺ: «ستكون افتراقات»، وهذه الأمة أعداتها بالفرقة.
وأعدها بالفرقة، وأسعد الناس من ضبط أصل السنة وأصل الجماعة، فلم يحمل أصل السنة على التساهل أو على إخراج الناس من الجماعة، ولم يحمل أصل الجماعة على التساهل في تحقيق السنة وبيان السنة وبيان الحق.
هذا الأمر الأول المتعلق بالإيمان، عندنا الآن طائفتان كبار: عندنا المرجئة أو الوعيدية الذين هم المرجئة، الذين يستدلون دائماً وكثيراً بالأدلة الواردة بدخول الناس الجنة بالشهادة، والطرف المقابل عندنا الخوارج والمعتزلة الذين يرون بأن فاعل الكبيرة كافر خارج من الإيمان، ويسدّون كذلك بالنصوص الواردة بدخول أهل النار لأصحاب الكبائر، وأن دخولهم النار دليل على أنهم ليسوا بمؤمنين إلى آخره، فهم أصلوا لهم أصولاً بناءً على أحاديث معينة.
أما أهل السنة والجماعة فهم جمعوا بين الحديث وقاموا أصلهم بناءً على نفس ما جاء به الدين. وقبل هذا، قبل أن آتي وأتحدث الآن عن طريقة إقامة الأصل من خلال الأحاديث، أقول لك بأن أهل السنة والجماعة يقولون بأن الإيمان يزيد وينقص، هذا هو أصل أهل السنة والجماعة، هذه العقيدة المنقولة التي اتفق عليها علماء الإسلام، توارثوها عالماً عن عالم، كابراً عن كابر، واستقرت هذه العقيدة، ثم بعد ذلك يأتي الاستدلال.
ثم بعد ذلك يأتي علماء السلف، ما يتوسعون كثيراً بالاستدلال، يذكرون بأن الإيمان قول وعمل، لكن ما يذكرون أدلتهم على أن الإيمان قول وعمل، ويكثرون بالاستدلال. نعم، أبو عبيدة قاسم بن سلام صنع هذا، مع من؟ مع بعض الفقهاء، وهو الذي بدأوا البحث، لأن مرجئة الفقهاء والخلاف الذي كان بينهم وبين أهل السنة، هم أهل السنة والجماعة، كان هناك اشتباه في النصوص، ليس الدخول في علم الكلام، ولا تعمد المخالفة، إنما اشتبهت عليهم النصوص؛ بأن هنا حط في الأعمال الصالحة على الإيمان، وكذلك الذي يدخل النار ويدخل الجنة أقوام قد امتحشوا لم يعملوا خيراً قط، يقولون كيف دخلوا الجنة ولم يعملوا خيراً قط؟ وهكذا فهم استدلوا بهذه الأدلة وقاموا أصلهم بناءً لهذا.
أبو عبيدة القاسم بن سلام يريد أن يبين لهم بأن هذه النصوص هناك إجابات عليها، وأن الأصل لا يقام بهذه الطريقة، إنما يقام أول شيء بالنقل، ثم بعد ذلك نأتي وننظر في النصوص التي فيها بيان أن العمل داخل في مسمى الإيمان.
مثل قول النبي ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، فجمع بين القول والقلب والجوارح، فهنا العمل داخل في مسمى الإيمان. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، يعني صلاتكم، فهذا يدل على أن الأعمال يطلق عليها بأنها إيمان بهذه الطريقة.
فهنا لما يكثر العالم بالاستدلال بسبب وقوع الخلاف، لكن هو نفس الأصل، هو أصلاً مقام من خلال النقل. وهذا باب ضبط؛ من شخص المسائل واستقر، واستقام له العلم واستوعب كلام العلماء، ووضع كل كلام في خانته اللائقة به وفي مكانه المناسب له. أما إذا لم تقم عندها الأصول بهذه الصورة، هنا يقع عند النزاع ويتوه في الاستدلال ويخطئ كثيرا في الاستدلال.
لكن اقبض الأصل، ثم بعد ذلك فرق عليه. لكن الشيخ لما قال بأن هذا الباب إذا ما ضُبط أصل الإيمان فيه ما تستقيم عندك الفروع، ما تستوعبها ولا تستوعب الباب المقابل له الذي هو الشرك، فمن الطبيعي أن هذا الباب إما يأخذ من أصل الشرك فتقع في الإرجاء ولا تكفر إلا بالاستحلال والتكذيب، إذ لا بد يرجع الأمر إلى القلب، أو يظمر عندك باب الإيمان فتكفر بأي عمل يخالف فيه الشخص الإسلام، أي أي خطأ يقع فيه الإنسان أو أي مخالفة يقع فيها الشخص خاصة إذا كانت كبيرة.
لذلك بعضهم يقول حتى قول الخوارج: التكفير غير مكفر، لأنها تكون كبيرة. وحتى في الزمان الذي نعيش فيه نحن الآن، البعض يكفر بمباح؛ اليوم في زماننا بعض الطوائف التي نشأت منغلقة في القتال والجهاد، وصل بها الفجور كثرة. طبعاً هذا شك أنه كبير وعظيم، لكن بالضبط الحديث عن الخوارج أنهم يكفرون بغير مكفر، أدق من التكفير بالكبيرة، لكن أصل نشأتهم كان يكفرون بالكبيرة. فالحكم بغير ما أنزل الله بناء على الخوارج كان كبيرة، هو بالأصل هذه الصورة كانت صورة هي ليست كبيرة، لكن الحكم بغير ما أنزل الله في المسألة ونحوها هذه من كبائر الذنوب وليس الكفر، وسيأتي الحديث بإذن الله عنها.
القصد من ذلك أن هذا المبحث لابد أن يضبط بهذه الطريقة، لابد أن يضبط بهذه الصورة وهذه الطريقة، إذا ضبط بهذه الصورة وهذه الطريقة يستقيم عند الإنسان هذا الباب، ثم يستقيم له الباب المقابل له الذي هو الكفر.
الحديث عن الإيمان عند السلف الصالح كان يأخذ مسارين؛ إما الحديث عن كتاب الإيمان باعتبار الإيمان شامل للأركان الستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، كما صنف الإمام مسلم؛ وإما الحديث عن الإيمان ويكون القصد فيه الرد على المرجئة.
كذلك أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب الإيمان، وكذلك ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان، وكذلك ذكر علماء أهل السنة والجماعة الحديث عن الإيمان في الكتب المصنفة في بيان معتقد السلف الصالح، مثل شريعة الأجرى، وكتاب الإيمان لابن بطة العكبري، وكتاب السنة للآlaki، وغيرها من الكتب المصنفة في ذلك. واستمر التصنيف في هذه المسألة، وأكثر العلماء من الحديث عن الإيمان وقضايا الإيمان، سواء كان تحت باب الإيمان أو تحت الحديث عن نفس أصل الإيمان أو الحديث في شرح الأحاديث إلى آخره، وفي التفسير والآيات في كتب التفسير، وهذا كثير كما تعرفون.
واستمر هذا الأمر حتى جاء زمان ابن تيمية. قبل ذلك الكتب كانت عادية، يعني كان هناك كتاب الإيمان للقاضي أبي يعلى، وكذلك صنفت كتب هكذا عامة في الحديث عن الإيمان أو تكون مندرجة في معتقد أهل السنة والجماعة، معتقد السلف الصالح، مثل كتاب الصابوني الإسماعيلي.
حتى ابن تيمية رحمه الله تعالى درس هذه المسألة دراسة تفصيلية، وابن تيمية له كتب تعتبر مركزية، هو أغلب كتبه مركزية، لكن الأبواب التي بحثها ابن تيمية بالتحقيق لم يأت شخص بعده وزاد عليه إلا بالاستدلال أو حديث هكذا يسير، يعني في تحليل مثل ما يذكر الشيخ هنا تحليلات يضيفها، كأن يذكر بعض النقول أو بيان وشرح للكلام، لكن أكثر من ذلك هذا لم يوجد.
الشيخ ابن تيمية رحمه الله في كتابين: كتاب الإيمان الأوسط وشرح حديث جبريل، ثم بعد ذلك جاء كتاب الإيمان الكبير الضخم الموجود الآن في المجلد السابع وطبع مفرداً وطبع عدة طبعات، هذا كتاب الإيمان الكبير. الشيخ بحث هذه المسألة بحثاً شاملاً، ودخل معهم في التفاصيل وتكلم عن عدة أمور، تكلم عن معتقد أهل السنة والجماعة وتأصيله، ثم رد على المخالفين وبين طرق الضلال أو سبب الضلال الذي وقع عندهم، ثم دخل في مسائل فرعية كثيرة.
دخل في مسائل، وإذا أراد الشيخ رحمه الله تعالى أن يحقق المسائل يجري به عقله حتى يتحدث في المسائل التي قد تكون لصيقة في هذه المباحث، لكن هو يطارد المذهب. والشخص لما يستوعب المذهب ويستوعب تفاصيله ودقائقه؛ أضرب لكم مثالاً: الإنسان لما يأخذ أرضاً فاضية فارغة ويبدأ يعمرها ويكون هو المشرف على العمارة، هو بنفسه يضع الأسلاك، هو بنفسه يضع الجدران والأبواب إلى آخره، هذا يكون واعيًا ومدركًا لتفاصيل هذا المنزل.
ابن تيمية كان واعيًا ومدركًا لتفاصيل المذهب الأشعري، لذلك هو يجري معه؛ فلما يدخل يقول هؤلاء ثم ذاك، هو يؤصل لهم، يعني هو يذكر الأصول التي قد هم أنفسهم ما يكونوا مستوعبين لها، هم قد يكونوا يستدلون بطريقة هم لم يستوعبوا تأصيل هذه المسائل عندهم، فيأتي ابن تيمية ويؤصل هذه المسائل أو يبينها.
شوفوا يا شباب، شخص لما يدخل في طائفة معينة يكثر فيها الشقاق والخلاف، ثم ذاك يجمع خيوط هذه الطائفة ويذكر أصولها التي يرجعون إليها، هذه مرتبة عالية جداً. ابن تيمية كان يبحث معهم هكذا، يقول لك بأن حديثهم عن الإيمان أنهم أخرجوا العمل من مسمى الإيمان، هؤلاء المتكلمون سبب أو مدخل هذا هو بالأصل المنطق، فهم دخلوا من بوابة المنطق وقالوا بأن الحد لابد أن يكون متعلقاً بالذاتيات، إذا العرضيات...
تخرج عن الحد ولا تدخل في دائرة الحد. ما هو الذاتي هنا؟ القلب، إذاً خلاص القلب يدخل في مسمى الإيمان. ما هو العرضي هنا؟ الجوارح؛ عمل الجوارح معطوف عليه. ثم طبعاً هذه اللغة الثانية؛ فيخرجون من أي كتب في قلوبهم الإيمان، إذاً الإيمان في القلب، والجوارح هذه خارجه. إذاً خلاص الإيمان هو التصديق.
الآن تأتي اللغة، فعندهم مدخلان: المدخل الأول منطق، والمدخل الثاني اللغة. المدخل الأول منطق، وهو هذا الأصل عندهم؛ فيخرجون العمل من مسمى الإيمان لأن العمل ليس ذاتياً، إنما الذاتي هو القلب. ثم يختلفون في المسألة؛ فما يدخل بالذاتي يقع عندهم نزاع في هذا، والنزاع هو السبب. المسألة عندهم ليست تقوم على نقل السلف، إنما قول "العمل ليست كما هو معتقد عند أهل السنة والجماعة"، إنما تقوم بالأصل على نفس هذا الحد. دخولهم في المنطق هو الذي أورث عندهم الاستدلال بهذه الطريقة، ثم بعد ذلك يعضدون هذا الاستدلال باللغة.
فيقولون بأن الأزهري مثلاً نقل الإجماع بأن الإيمان هو التصديق. والله يقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: 17]، فعبر هنا عن التصديق بالإيمان، أو عبر الإيمان بالتصديق. فهنا هذا التصديق يدل كذلك على أن تصديق محل القلب، التصديق محله القلب. إذا المدخل الأول كان عندهم هو المنطق، والمدخل الثاني كان هو اللغة، فبعد المنطق واللغة يقوم عندهم هذا الأصل، ثم بعد ذلك يبحثون فيما يؤيد هذا القول، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وهكذا.
الآن هؤلاء صدموا كلام السلف الصالح؛ لما يأتي السلف صحابة وتابعين يقولون بأن الإمارة عبارة عن قول وعمل، صدموا به. يبدأون بتأويل كلام السلف، منهم من لا يتأول ولا يلتفت إليه أصلاً ولا يرفع به رأساً، ومنهم من يتأول كلام السلف فيعيد كلام السلف إلى القلب؛ يعني هو يتأول هنا "قول وعمل" بأن القول هو الاعتقاد والنية والمعرفة والإقرار، والعمل هو الاعتقاد في الجنان والقول في اللسان والعمل بالجوارح والأركان. هذا كله يعيده إلى القلب أو إلى القلب واللسان، ويخرج العمل منه؛ فيؤولون كلام السلف الصالح بناءً على هذا، فيكون عندهم "قول وعمل" أي هذا العمل لا قيمة له، العمل يرجع إلى القلب، إلى القول، إلى القلب. فيفرغون كلام السلف الصالح من مقصده، ويحرفون كلام السلف الصالح ويتأولون على خلاف ما قالوه ونصه عليه رحمه الله تعالى.
وتعدد كلمات السلف مع بيان السلف التفصيلي يصعب عليك أن تخالفه، لكن هم يخالفون الأصل، وهذا أصل، فحملهم هذا التصور الخاطئ على تعريف هذا الكلام، وإخراج هذا الكلام من قصد القائل. هنا يأتي ابن تيمية؛ ابن تيمية لما يدخل هنا يدخل بنقاش عالٍ، فلا يترك مسألة ويناقشها. لا يترك مسألة من المسائل التي يعتمد فيها المخالف؛ لأن المخالف لما تبدأ تعارضه وهو يستدل، ثم لما تعارضه هو يتوسع معك في النقاش، وابن تيمية لا يترك هذه المسائل، إنما يطاردهم في جميع هذه المسائل حتى في المجاز.
هو ابن تيمية بالأصل ذكر الأسماء والصفات في الرسالة المدنية بالحقيقة والمجاز، ولكن كذلك هنا، وأكثر وأقوى مكان أو أطول مكان توسع فيه ابن تيمية الحديث عن المجاز كان في "الإيمان الكبير"؛ في قرابة مئة صفحة يتكلم فيها عن المجاز، ويتكلم فيها عن قضية المجاز وهدم نظرية المجاز. ابن تيمية هنا دخل في هذا النقاش التفصيلي في الحقيقة والمجاز وبين هذا المذهب.
"الإيمان الكبير" و"الإيمان الأوسط" أسهل بكثير من "الإيمان الكبير"؛ هو شرح لحديث جبريل، لذلك من الحسن أن يقرأ شخص هذين الكتابين. بعد هذين الكتابين لما تقرأ "الإيمان الكبير" و"الإيمان الأوسط" ثم تأتي وتقرأ لابن القيم رحمه الله تعالى، تجد كلام ابن القيم رحمه الله تعالى عامته مقتبس من شيخ الإسلام، وتوسع ابن القيم قليل، ليس بكثير، وغالبه في الأمور هكذا، إما استدلال من طريق الاعتراض وليس بالتأسيس وليس بالاحتجاج.
ثم تأتي في زماننا هذا، وطار جماعة من المعاصرين جزاهم الله خيراً في الاهتمام بعلم العقيدة ودراسة كلام أبي العباس ابن تيمية، وعامة كتاباتهم فيها تقريب لكلام شيخ الإسلام. وهي لا شك بأنها كتابات حسنة ورائعة ومهمة، وشخص قد لا يصل بنفسه أو لوحده لفهم كلام أبي العباس كاملاً إلا إذا قرأ لبعض المعاصرين. فمنهم صاحب علم ومعرفة وعقل فيستوعب ما لا يستوعبه الشخص العادي. مشكلة الشخص العادي أن يستوعب مثل ما الكلام، قد يأخذ بعض الكلام أو يكون هو حسن الظن لكن ما يستوعب، إلى آخره، فتقع عند الإشكالات الكبيرة ويحمل كلام ابن تيمية على غير مقصده.
إذن، هنا أبو العباس ابن تيمية هو يعتبر نقطة الفاصلة بين السلف الصالح رضي الله عنهم وبين المتأخرين. وعامة ما ذكره ابن تيمية في الإيمان هو في هذين الكتابين، ذكر غير ذلك ذكر قضية الإيمان ومس الإيمان في كتب أخرى، لكن ما كان توسعه فيها مثل توسعه هنا. فشخص في تقديري لو جمع بين قراءة بعض الكتب المعاصرة الجيدة والعالية، وبين قراءة كتب ابن تيمية وإدمانها وتكرارها، وكذلك الرجوع إلى كلام السلف الصالح، سيفهم هذا الباب إن شاء الله تعالى.
الأمر الآخر، النقطة التي تبي، هذه النقطة: الحديث عن الإيمان لغة وشرعاً. الإيمان باللغة اختلف العلماء في تعريفه؛ فمنهم من يقول الإيمان تصديق، وهذا قول مثل ما ذكرت الأزهري الذي نقل الإجماع به، وهذا القول الحقيقة ليس قول الأزهري فقط، إنما هو كذلك ابن فارس، بل هو قول كذلك بعض علماء الحديث مثل الطبري، وكذلك مثل ابن كثير؛ فابن كثير يفسر الإيمان بالتصديق لغةً.
والقول الآخر أن الإيمان المراد به الطمأنينة، ومشتق من الأمن. والقول الثالث أن المراد به الإقرار، وهذا قول الراغب الأصفهاني، وكذلك رجح أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وأطنب في الاستدلال له وبيان صحته، وكذلك الشخص الطريعي مال إليه. ولكن دعونا نقف الآن عند هذه المسألة الأولى المتعلقة بالإيمان لغة؛ هل الآن المخالف لمن يقول... يقول شيخ...
لو أن شخصًا الآن رأى بأن الإيمان لغةً حقيقةً يراد به التصديق، وكل ما ذكر ابن تيمية من اعتراضات على من يقول هذا القول لم يقتنع بها؛ فقد ذكر أربع اعتراضات، ذكرها الشيخ الطريفي هنا في شرحه، فإذا لم يقتنع بها، هل نقول بأن هذا الشخص مخالف لأهل السنة والجماعة بمسألة كبيرة، مضال، فاسق، مخالف لشيخ الإسلام في تعريف الإيمان، أو في تعريف الإيمان لغةً؟ إن هذه مسألة قريبة، ابن تيمية لما رد على من يقول بأن الإيمان لغةً هو التصديق، وبين أن هذا ليس بصواب وذكر أدلته، ماذا قال؟
نسلم بأن الإيمان باللغة المراد به تصديق، ولكن تصديق مخصوص وليس تصديقًا عامًا؛ لماذا؟ لأن النبي ﷺ يقول: ﴿يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ﴾ [الفتح: 27]، هنا يصدق ذلك أو يكذبه الفرج، هنا العمل عمل وليس كلامًا، نعم؛ إذًا هنا يدخل العمل، فهو تصديق مخصوص. وكذلك هنا البيت الذي ذكره الشيخ: «صَدَقَ القَولُ بِالفِعالِ فَإِنِّي لَسْتُ أَرْضَى بِوَصفٍ قِيلَ وَقَالِي»، قوله هنا يدل كذلك على أن القول والفعل يدخلان بالتصديق، فيكون تصديقًا مخصوصًا وليس مطلق التصديق، إنما يكون تصديقًا مخصوصًا، هذا كله في اللغة.
لكن الآن لما نأتي عند الشرع، هل في الشرع نحتاج إلى قول علماء اللغة؟ إذا أردنا أن نعرف الحقيقة الشرعية، هل نحتاج لمعرفتنا بالحقيقة الشرعية قول علماء اللغة؟ لا نحتاج إلى علماء ولا إلى غيرهم، إنما نحتاج فقط إلى معرفة مراد النبي ﷺ من خلال فهم الصحابة والتابعين واتباع التابعين. فلما يقول علماء الإسلام بأن الإيمان عبارة عن قول وعمل، إذاً هذا هو الإيمان الشرعي.
لما نريد أن نعرف الصلاة، هل حقيقة الصلاة نعرفها من خلال قول علماء اللغة أو من خلال نفس صلاة النبي ﷺ، ونفس ما فعل الصحابة، ونفس ما يقوله علماء الإسلام وفقهاؤه؟ واضح، إذًا الحقيقة الشرعية لا تفتقر إلى معرفة الحقيقة اللغوية، وإن كان هذا -كما يقول ابن تيمية- يكون بابًا للتوسع والزيادة بالمعرفة؛ أن تعرف أن الصلاة مثلاً باللغة هي الدعاء، لكن هنا الدعاء مخصوص. الحقيقة الشرعية توسع أو تقيد الحقيقة اللغوية، ويكون هذا باب التوسع في المعرفة وقد يكون محمودًا أحيانًا.
وكذلك عند الرد، يكون الشخص عنده معرفة، لكن هل الوصول إلى الحق مفتقر إلى قول علماء اللغة؟ غير مفتقر في أبواب الاعتقاد، وفي كثير من الحقائق الشرعية كالزكاة. إذا أردت أن تعرف المراد بالزكاة، هل ترجع إلى أقوال علماء اللغة من النماء والطهارة إلى آخره، أو ترجع إلى نفس ما يقوله علماء الإسلام: ما المراد بالزكاة؟ وما أقسام الزكاة وأصناف الزكاة إلى آخره؟ كذلك بالصيام، هل نقول فقط الإمساك أو نرجع إلى حقيقة الصيام الشرعية؟
إذًا، القصد من ذلك أن الحقائق الشرعية تأخذ من نفس الشريعة الإسلامية، تأخذ من نفس القرآن وسنة النبي ﷺ، وهي غير مفتقرة لقول علماء اللغة. وهنا كلامي واضح وجلي، نريد أن نضبط؛ ليس معنى كلامي أنها غير مأخوذة، بل قد تكون مهمة وهي زيادة المعرفة كما يقول أبو العباس، لكنها غير مفتقرة. يعني الشخص إذا لم يعرف أن الإيمان باللغة هو التصديق، فما المشكلة عنده في معرفة نفس الإيمان الشرعي؟ وإذا لم يعرف أن الصلاة باللغة هي الدعاء، فما المشكلة عنده في معرفة نفس الصلاة الشرعية التي عبارة عن أقوال وأفعال مبتدئة بالتكبير ومختتمة بالتسليم؟ وهكذا.
ثم بعد ذلك لما نأتي لننظر إلى كلام علماء الإسلام قبل ذلك، نجد أن هذا الخلاف ليس كبيرًا، هو خلاف في اللغة؛ هل المراد بالإيمان التصديق، أو الطمأنينة، أو الإقرار إلى آخره؟ الشخص ممكن يميل إلى قول ابن كثير أو إلى قول ابن جرير الطبري. قد يصعب أحيانًا على شخص أن يقول كيف ابن جرير يخطئ في تعريف الإيمان لغةً؟ هو ابن جرير، وكذلك كيف ابن فارس يخطئ وهم بالأصل علماء اللغة؟ لكن لم يأتِ ابن تيمية ويذكر استدلالاته لتكون بهذه الطريقة.
هنا ممكن المسألة تكون فيها ترجيح، وممكن يجزم بصواب ما يقوله شيخ الإسلام ويخطئ من يقول غيره، لكن هذه التغطية لا تُحمل؛ نحن نريد أن نضبط الآن يا شباب، إما أن تقول بأن هذه المسألة ما بين الراجح والمرجوح فهي ظنية، أو تقول بأنها ليست ظنية بل هي واضحة، بأن الإيمان باللغة هو التصديق أو الإقرار مثلاً، ولكن المخالف لنا في هذه المسألة معذور، أو أن المخالف لنا في هذه المسألة مخالف بشيء يسير ليس بشيء كبير، لأن هذا لا يترتب عليه شيء في الدين، إلا إذا سحب الشخص الحقيقة اللغوية فسرها بالتصديق إلى الحقيقة الشرعية، هنا يكون مخالفًا ويدخل في البدعة.
لكن إذا لم يكن بهذه الطريقة، ابن كثير يرى بأن الإيمان عبارة عن قول وعمل واعتقاد وهو على منهاج أهل السنة والجماعة، وابن جرير لغةً يرى بأنه تصديق. فالقصد أن ضبط هذه المسألة يكون بهذه الصورة؛ هذه المسألة ليست مسألة كبيرة في الدين، المسألة التي تحتمل الترجيح والخلاف فيها قريب وليس كبيرًا.
نأتي الآن إلى المسألة، أهل السنة والجماعة يقولون بأن الإيمان عبارة عن قول وعمل، وهذا هو قول أكثر علماء السلف الصالح. ثم لما نأتي إلى تفصيل القول والعمل، يقولون بأن القول عبارة عن قول القلب وقول اللسان، والعمل عبارة عن عمل القلب وعمل الجوارح. هذا التفصيل من أتى به؟ هل السلف الصالح نصوا على هذا التفصيل؟ هل السلف رضي الله عنهم فسروا بأن قول القلب هو التصديق واليقين والإقرار، وأن عمل القلب هو حركة القلب مثل الخوف والخشية والرجاء والتعظيم والحب والتوكل؟ وكذلك قول اللسان هو الشهادة، وعمل الجوارح... طبعًا الجوارح لابد أن يكون لها شيء خاص بشريعة النبي ﷺ، فهل السلف نصوا على هذا التفصيل أو احتجوا به أو بين العلماء مراد السلف منه؟
معرفتهم لمبحث الإيمان، وهو يكون باب التقسيم الاصطلاحي أو التقسيم التقريبي. هم لم يقولوا قول وعمل، هل ممكن لا يدخل عندهم تصديق القلب؟ مستحيل. هل ممكن لا يدخل عندهم التعظيم والإجلال والخوف والخشية؟ كذلك مستحيل.
ثم هل ممكن الشخص يؤمن ولا يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ النصوص ما تدل على هذا؛ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، إذاً هذا قول لسان. ثم يأتي عندنا بعد ذلك عمل الجوارح، وهو المشكلة كلها في عمل الجوارح. المشكلة كلها إذاً هنا نفس تفصيل السلف الصالح، قد لا يكون كبيرًا في هذه المسائل، لكن يقول قول وعمل.
لكن يأتي بعد ذلك المستدل يقول لك إن هذا الأمر بين، وظاهر ومقول قول وعمل، قول قلب: تصديق ويقين. فهل ممكن شخص يقول دين هو مصدق؟ حتى المرجئة يقولون بالتصديق، عامة المرجئة يقولون بأن يكفي تصديق القلب، والجهم يقول المعرفة، والجهم ينسب له هو اتباعه بأن كلون المعرفة.
إذاً هنا، ما الفرق بين قول القلب وعمل القلب؟ لماذا جعلوا التصديق واليقين خاصًا بقول القلب، والعمل عبارة عن حب وخوف ورجاء وخشية إلى آخره؟ لماذا فرقوا؟ ومن أول من فرق؟ من أول من ذكر هذه القسمة خاصة لقول القلب وعمل القلب؟ من أول من ذكر هكذا قسمة؟
ثم يأتي أبو العباس ابن تيمية رحمه الله كيف يبين هذه المسألة، وذكر ابن تيمية أنه قال في الوسطية: "عمل لسان"، كذلك هذا في بعض النسخ من الوسطية، وبعضهم يقول إن هذا سبق قلم، وفي بعض النسخ لم تذكر، وفي بعض النسخ ذكرت. ثم يأتي بعض المعاصرين ويفسرون قول ابن تيمية هنا "عمل لسان" بأن عمل اللسان المقصود منه غير قول اللسان، ويكون هذا من باب الزيادة، لكن هذا يعني موجود عند بعض المتأخرين ولم يَقُله أحد من المتقدمين، إن هم من المعاصرين من شرح الوسطية يذكر هذه.
ثم ابن تيمية لما يأتي يفسر الآن هذا الباب، يأتي يفسر هذا الباب: قول القلب، يقول هو أصل قول اللسان، وعمل القلب هو أصل عمل الجوارح. قول القلب اليقين والتصديق، هذا اليقين والتصديق يثمر "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"، إذاً هنا قول القلب تصديق اليقين يثمر قول اللسان وقول الجوارح. وقول وعمل القلب يثمر عمل الجوارح؛ عمل القلب الحب والخشية والخوف إلى آخره، تحمل الإنسان على العمل.
شخص يحب ولا يعمل، غير محب يعمل أي عمل، هذا كيف يكون عنده حب؟ شخص يخاف ولا يظهر منه شيء ويكون هذا مستمر معه طيلة عمره، لا يمكن. كذلك الشخص لما يعظم إلى آخره، لا يمكن أن يوجد عمل القلب عند الإنسان ولا يظهر هذا على جوارحه أبدًا، لا يمكن ولا يظهر على جوارحه أبدًا.
هذا عندما يستدل استدلالًا عاليًا يقول: لا يمكن، هذا ليس إنسانًا. يعني شخص يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يبر والديه ولا يفعل أي فعل من الأفعال التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، طبعًا بر الوالدين هو مشترك، لكن لا يأتي بفعل خاص بشريعة النبي ﷺ. يقول هذا: كيف يكون مؤمنًا؟ هل هذا ممكن يكون مؤمنًا؟ هو ممكن يأتي بشيء من أعماله ويخالف بأخرى، هذا يدل على أن الإيمان ضعيف أو أن عمل القلب عنده ضعيف، لكن لا يأتي بأي شيء.
يعني شخص الآن يزعم بأنه يحب شخصًا وهو معه عشرون أو ثلاثون سنة ولا يظهر أي فعل ولا أي عمل ويقول لك أنا أحبك، طيب كيف هذا؟ يظن بأنه يحب، لكن هو بالحقيقة لا يحب، بالحقيقة لا يوجد حب في قلبه. بالحقيقة إن هذه البذرة إما غير موجودة أو هي فاسدة ميتة، إما غير موجودة أصلًا أو هي ميتة فاسدة، لو سكت عليها ما سُقيت من الماء لن تثمر لأنها غير موجودة.
تعرفون بعض المشايخ المعاصرين، مجاهد في الله رحمه الله تعالى، قال لي إن شخصًا قال له: يا شيخ أنا كنت في مكان وكتبت أني هكذا مع الإسلام وحب للدين ومع العاملين للإسلام سبع سنوات، وهو يرى بأنه فعل شيء كبير، فقال له الشيخ كلمة عظيمة، قال له: كيف استطعت؟ يعني الإسلام والحب هذا ما يستطيع تكتمه كثيرًا، ما تستطيع هو يفضحك في النهاية.
فهذا ليس بإنسان، هو إما هذا الإنسان ليس بإنسان، هذا مخلوق آخر، أو أن هذا الإنسان حقيقة لا يوجد الحب أصلًا، هو يظن بأن عنده حب فهو كتمه، هذا مع مرور الزمن أمات الحب في قلبه، أماته وهو يظن بأنه هو الآن... يبقى الآن هو يناقش نقاشًا عقليًا ليس وجدانيًا، يعني لا توجد عاطفة دينية عنده، لا توجد عنده محبة وهو يظن بأن هذا ذكاء منه، ولا يعلم أنه مع مرور الأيام والليالي ينحر شجرة الحب في القلب فلم يبقَ عنده شيء. ذاك الشيخ صدم، قال: كيف استطعت؟ هو يرى بأنه استطاع بذكائه وقوته على الكتمان، أما الشيخ يقول: كيف استطعت؟ كيف تكون محبًا؟! كيف يعني هذا؟ هذا معجب بفعله، وهذا الثاني الشيخ العارف -نحسبه زكيًا والله- مصدوم بأن شخصًا يحب ولا يظهر كيف هذا؟ هو الإنسان، هذا هو الإنسان.
لذلك هذا الباب، إذا ما استوعب شخص طبيعة النفس البشرية ما يفهم هذه الأبواب مئة بالمئة، يتعامل مع الإنسان على أنه مخلوق آخر. لذلك كيف يكون العمل؟ يعني شخص يقول كذا ثم لا يفعل أبدًا، كيف يكون مؤمنًا؟
ومن أجمل الكتب المصنفة في الحديث عن هذا الموضوع كتاب، طبعًا ابن تيمية أطال في هذا وذكر، لكن الذي فصل فيه فصل فيه الشيخ سفر الحواري في "ظاهرة الإرجاء"، الكتاب هذا نفيس، وهذا كتاب نفيس ويدل على عقل ومعرفة هذا الرجل، لا يقرأ قراءة عادية، إنما يقرأ ما فهم ومعرفة. فكتاب هذا جاء من الكتب المهمة كذلك في هذا المبحث، وكذلك في تفسير كلام السلف، يقوم بالأصل على فهم نفس الأصول؛ يعني لما تفهم الأصول وتفهم الطبيعة تستطيع توجيه كلام السلف وتفهمها، لكن قبل ذلك تستشكل كثيرًا من كلام السلف.
إذاً هنا قول القلب، طيب لماذا فرقوا بين قول القلب وعمل القلب؟ بعض المعاصرين استشكل هذا يقول لا أجد هناك سببًا...
هكذا بين للتفرقة، وهو قد تكون التفرقة في ظني، والله أعلم، أن قول القلب مربوط باللسان، وعمل القلب مربوط بالجوارح؛ فيكون هذه تفرقة من هذا الباب. وكذلك قد تكون هذه التفرقة في الرد على المخالفين؛ فالمخالفون كثير منهم لا يدخل، أو بعضهم مثل الجهمية، لا يدخلون عمل القلب، وعامة المرجع يدخلون أعمال القلب وإن لم ينصوا على ذلك في الإيمان.
بعضهم لا ينص على أن الأعمال قد تدخل، لكنهم بتطبيق العمل يدخلونها، أو بشرح تفصيلي يدخلونها؛ هنا تكون التفرقة من باب زيادة المعرفة، وكذلك من باب ربط الثمرة بالأصل. لعله يكون التفرقة من هذا الباب، ولو قيل فقط القلب واللسان والجوارح، والقلب يشمل التصديق والحب والخوف من غير تفصيل؛ هكذا بين قول القلب وعمل القلب، هو في النهاية الحقيقة واحدة والمعنى واحد، لكن هذا التفصيل لعل سببه هو هذا في الرد على المخالفين.
وكذلك في بيان الرد على المخالفين الذين يخرجون العمل من القلب ويكتفون بقول القلب، فيخرجون الحب إلى آخره واكتفوا بالتصديق أو المعرفة العامة أو الإقرار، وكذلك الربط بين قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح؛ لعل كذلك من هذا الباب، هذا الذي ظهر لي في هذه القسمة؛ لماذا قسموها وفرقوا بين قول القلب وعمل القلب.
إذاً، هذا بعض ما يتعلق بهذا المجلس إن شاء الله تعالى، كون ممكن درسين أو ثلاثة، نسأل الله سبحانه وتعالى فتحًا وتوفيقًا وسدادًا، أنه لذة عليه هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
جزاكم الله خيرًا يا شباب، بارك الله فيكم. من يريد أن يتوسع يا شباب، مثلما ذكرت، أنا أرشح قراءة كتب السلف، مر عليها سريعًا، مثل الإيمان لأبي عبيد، والإيمان لابن أبي شيبة، وكذلك الإيمان لابن منده، والإيمان لابن أبي يعلى.
ثم قراءة كتب ابن تيمية الأوسط والكبير، ثم قراءة كتاب الشيخ سفر الحوالي الذي هو "ظاهرة الرجاء" في كتب معاصرة، وكتاب اشتهر كثيرًا هو "كتاب الإيمان عند السلف"، وهو كتاب جيد بالجملة. الشيخ محمد محمود الخير، المكتبة التي هكذا نصيت وظهور، فممكن شخص يقرأ هذا الكتاب لكن لا يكتفي به، يعني هذا الكتاب ممكن شخص يقرأه، هو يقرب لك المسائل العامة في البداية، لكن بعد ما تقرأ مرة واحدة خلاص لا تقرأه.
ارجع إلى ابن تيمية، وأكرر كتب ابن تيمية كثيرًا حتى تفهم طريقة عرض ابن تيمية؛ ابن تيمية ذهنه متشابك، هذه المشكلة ذهنه متشابك وعرضه عالٍ، وإذا ما استوعبت سياقه ما تستوعب كلامه، وإذا ما استوعبت طبيعته أو ما أخذت الطبيعة منه ما تستفيد كثيرًا من النقل عن ابن تيمية رحمه الله.
فابن تيمية عالم عارف وواعي ومدرك لكثير من الأمور التي ما يدركها أكثر الناس لعجز عقولهم ونقص عقولهم، ابن تيمية كبير وليس قليلًا. هذا بعض ما يتعلق في هذا المجلس، وأعذروني عن الإطالة، فكأنها تعويض. جزاكم الله خيرًا، استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري