الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحياكم الله إخواني جميعاً وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل التعليق على كتاب الخوصانية، وكنا قد ذكرنا في اللقاء الماضي الحديث عن طريقة تلقي العقيدة، وكذلك علم الكلام والمدارس الكلامية، وطرق انتشار المذاهب، وشيوع وانتشار المذهب الأشعري على وجه الخصوص في العالم الإسلامي، حتى جاء زمان أبي العباس بن تيمية رحمه الله تعالى.
المناظرات التي وقعت بين ابن تيمية والأشاعرة زلزلت الأشعرية؛ فابن تيمية أبان أغوار هذا المذهب والثغرات الكبيرة الموجودة به، وهذا هو سبب الحرب الكبيرة على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فابن تيمية لم يكتفِ في مناقشة الأشاعرة بالفرعيات أو بالأمور التي يحتملها عقل العلماء الأشاعرة، إنما ناقشهم بالأصول وهدم الأصول الكلامية التي أقاموا عليها مذهبهم. فابن تيمية أتى بدليل الحدوث وكذلك التركيب وكذلك التخصيص، وهدم هذه الأصول الثلاثة من أساسها.
وهدم هذه الأصول معناه عند المتكلمين أنهم هدموا الإسلام؛ فهذه الأصول هي التي من خلالها يثبتون صحة الدين. فلما يأتي أبو العباس رحمه الله تعالى ويهدم هذه الأصول، معنى هذا عندهم أنه يهدم الإسلام وأنه هادم الإسلام، لذلك لم تحتمل عقول هؤلاء ولا نفوسهم ما كان يصنعه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وأبو العباس بن تيمية كان بصيراً بهذا المذهب، أي المذهب الأشعري، وبصيراً بالبدع، وكان يقول: لا توجد بدعة في الأمة إلا وهو يعرف موطن هذه البدعة وسبب هذه البدعة، وكذلك طبيعة تأثر الناس في البدع.
الشيخ حفظه الله تعالى في هذه المقدمة لما يتكلم عن طريقة انتقال علم الكلام وطريقة تأثر العلماء، وكيف أن العالم لما يكون مبرزاً في الحديث مثل الهروي وكذلك الباقلاني يتأثر به؛ فهو لأنه بارز في هذا العلم، كل ما يقوله عند الناس أو جل ما يقوله عند الطلاب يأخذون منه، فيبدأ الناس يتأثرون بالشخص لمكانته ومنزلته ودرجته بأشياء ربما لم يقلها أحد قبله، وسبب هذا هو أنه مبرز في هذا العلم الذي الناس يعظمون أصحابه وهو علم الحديث. وهكذا فالقصد من شيخنا في تحليله في هذه المقدمة يدل على عقل جيد وعلى فهم لطبيعة البشر.
وابن تيمية رحمه الله تعالى كان من هذه الشريحة التي تتعامل مع الإنسان على أنه إنسان. وهذا الأمر إذا ما استوعبه الإنسان لن يستوعب طريقة تأثر الناس، ولن يستوعب كذلك طريقة إصلاح الناس ولا توجيه الناس، وسيكون بعيداً غاية البعد. وهذا الباب لا يؤخذ من الكتب؛ فهذه المسائل أو التحليل بهذه الصورة لا تؤخذ مجردة من الكتب، إنما تؤخذ من خلال فهم الإنسان. فلما يفهم الإنسان، بعد ذلك لما يقرأ يعرف كيف يتأثر الإنسان، ويعرف لماذا هذا تأثر بهذا، وكيف هذا تأثر بهذا، وما هي الأسس والأصول التي من خلالها يستطيع أن يفهم مثل هذه الأشياء.
القصد من ذلك أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما ظهر وناظر الأشاعرة ولم يستطع الأشاعرة عليه، وناظرهم في مناظرات عديدة مجموعة في بعض المؤلفات مثل مناظرات ابن تيمية للشيخ عبد العزيز العبد اللطيف، وفيه عامة المناظرات التي ناظر بها الأشعرية وكذلك الصوفية، تبين أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عاقل المذهب الأشعري، وبين بأن متأخري الأشعرية أصبحوا يوافقون المعتزلة، بل تأويلات متأخري الأشاعرة هي عين تأويلات بشر المريسي.
مع أن الأشعرية بالأصل هم أعداء المعتزلة؛ إذاً كيف الآن انتقل هذا المذهب من كونه ضد المعتزلة، وسبب نشأته أصلاً هو خلع مؤسس هذا المذهب أبو الحسن الأشعري لثوب الاعتزال، إلى أن يصبح نفس المتأخرين المنتسبين لهذا الرجل يوافقون المعتزلة؟ هذا هو شأن البدع؛ البدع تدور. الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. سبيل الله سبحانه وتعالى واحد، لكن البدع لما تشط يمنة أو يسرة بعد مدة من الزمان تدور حتى تتلاقى.
لذلك الإمام أبو العباس بن تيمية يقول بأن البدع في بدايتها تكون عبارة عن شبر، ثم بعد ذلك تنتقل عند الأتباع حتى تصبح أميالاً وفراسخ، ثم تبدأ البدعة تلتف، والبدعة التي عن اليسار كذلك تلتف، فتلتقي البدع. وهذا هو الذي يفسر قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: كيف أكون مرجئاً ولا أرى السيف؟ السيف متعلق بالخوارج وهم أصول الخوارج، فأما المرجئة فليس أصولهم السيف؛ فكيف يكون مرجئاً ولا يرى السيف؟ هذه هي البدع، لما يبتعد الناس عن الطريق المستقيم تتلاقى هذه البدع وتدخل المذاهب بعضها في بعض.
فتجد متقدمي الشيعة مثلاً كانوا مجسمة، كانوا مشبهة، والمتأخرين منهم على مذهب المعتزلة في نفي الصفات؛ كيف هذا؟ أقول لك هذا شأن البدع؛ فالمبتدعة ما يثبتون على مذهب واحد، إنما تتغير هذه المذاهب عندهم. والذي لا يفقه هذا يتعامل مع الناس بناءً على انتسابهم، والذي يفقه هذا المعنى يتعامل مع الناس بناءً على حقائقهم؛ فالذي يأتي وينتسب مثلاً إلى إبراهيم عليه السلام كقريش، وإن كان يظن بأنه منتسب إلى إبراهيم، أو كالرافضة ينتسبون إلى علي، والنصارى ينتسبون إلى المسيح عليه السلام، هذا الانتساب لا يغني وليس من مرجوع.
كذلك الانتساب هنا في المذاهب؛ ففرق كبير بين الرازي وبين أبي الحسن الأشعري، فأبو الحسن الأشعري أقرب بكثير إلى مذهب السلف، بل بعض العلماء كان ينص بأنه كان موافقاً لمذهب السلف وأن توجهه النهائي كان مطابقاً لمذهب السلف مثل ما كان يقوله ابن كثير، وكذلك بعض المتأخرين مثل الشيخ حافظ حكمي. وإن كان ابن تيمية وابن القيم يقولان بأنه بقيت فيه بقية، وأنه اقترب إلى مذهب السلف لكنه لم يحقق مذهب السلف، إنما لما كان يذكر مذهب السلف كان يذكره إجمالاً، وأما لما يأتي عند المذاهب التي هي خاصة الاعتزال كان يذكرها تفصيلاً لأنه عاش في هذا المذهب وعلم تفاصيله.
القصد من ذلك أن هذا المذهب مذهب الأشعري استقر قبل أن يوجد ابن تيمية، فلما جاء ابن تيمية رحمه الله ثم طلاب ابن تيمية خاصة ابن القيم وابن عبد الهادي في كتابه الصارم المنكي، أقالوا هذا المذهب وضربوه ووجهوا انتقادات حادة وقوية له. ولكن غلبة السلطان كانت مع الأشعرية، لذلك ابن القيم يقول في نونيته: ما لهم عند التناظر حجة، إن بها المقلدين حيراني. لا يفزعون إلى الدليل وإنما يفزعون إلى السلطان، فكانوا يفزعون إليه لما لا يستطيعون على شيخ الإسلام، وحرضوا كثيراً السلطان على اعتقال ابن تيمية، وهذه سنة متكررة عند كل من يخالف أهل الحق، يفزع إلى السلطان حتى يقضي على المخالف له، بل أقول كلمة ربما هي أبلغ من ذلك، أن هذا الأمر طبيعي يفعل، وليس معنى طبيعي أنه صواب، لكن طبيعي أن السلطان يقضي على المذهب المخالف له، ويدخل على السلطان من خلال تخويفه عادة بأن فلاناً يريد الملك ويريد السلطان إلى آخره.
القصد أن تحليل الشيخ عبد العزيز حفظه الله تعالى في حديثه عن طريقة انتقال المذاهب والتأثر وطبيعة الفلسفة وعلم الكلام، وكيف أن الأشاعرة والمعتزلة أبصروا أثر الغنم ولم يبصروا أثر الغرب عليهم في مذهبهم، هذه الطريقة في التحليل هي مبنية على فهم الشيء. وجل ما قاله شيخنا من تحليلات هي مأخوذة من ابن تيمية رحمه الله تعالى، إلا أن الشيخ زاد في ذكر التفاصيل، أما ابن تيمية رحمه الله تعالى فهو بصير بالإنسان. وسر تميز الشيخ الطريفي في بيان هذه المعاني بالذات، أننا لا نجد المعاصرين كثيراً يبينون ما يبينه شيخنا؛ يعني تجد في كثير من الكتب المعاصرة ينقلون عن ابن تيمية نصاً، ولا يستطيعون أن يفعلوا مثل ما يفعل شيخ الإسلام، وسبب ذلك هو عدم الفهم.
الشيخ الطريفي بصير بالإنسان، وهو ألف كتاباً بعنوان فصل بين العقل والنفس، وهذا الكتاب يدل على فهمه للإنسان، وعلى فهمه لطبيعة علاقة العقل مع النفس، وكيف أن الإنسان كائن متأثر، كيف يتغير؟ وكيف يبدأ تدريجياً بالابتعاد ولا يبقى على حال محددة معينة؟ فالإنسان كل يوم يتغير، وطبيعة هذا التأثر قد تكون قوية وقد تكون ضعيفة، والتأثر يكون قوياً لما تكون مع التأثر موجباته وأسبابه؛ فلما يكون الشخص في مقام الطالب والذي تغير شيخه هنا التأثر يكون قوياً وليس ضعيفاً، بخلاف ما لو كان المتغير إنساناً لا أثر له عليه أو إنساناً لا ينظر إليه بأنه مبجل ومعظم إلى آخره.
والإنسان كذلك يبجل ويعظم من يبجله الجمهور عادة، أو المذهب الذي ينتشر عنده؛ فلما يأتي شخص ويدعي الانتساب إلى هذا المذهب ثم بعد ذلك يتكلم بكلام من عنده لا علاقة لأرباب المذهب به، يتأثر هذا الإنسان لظنه بأن هذا الإنسان لا يقول إلا ما يقوله هؤلاء، ولظنه بأنه أعلم منه، فيبدأ الإنسان يتأثر ويذوب بسرعة. لكن لو كان نفس هذا الكلام يقوله شخص ليس في هذا المقام لا يتأثر هذا الإنسان مثل تأثره بالشخص المنتسب إلى المذهب المعظم. هذه الأمور كلها ما يفهمها العالم الجامد أو من يقرأ من الكتب ولا يفهم طبيعة الإنسان، هذه يفهمها الذي يخالط الإنسان، لذلك تحليلات شيخنا التي أثنى عليها أكثر من يتكلم من العلماء وطلاب العلم في هذا العصر على هذا الكتاب يثنون عليه في المقدمة، أما البقية فيرون بأنها معسورة، أو دعونا نقول: أكثرها من كلام شيخ الإسلام.
أنا أقول حتى المقدمة، لكن هناك فرق بين الشخص الذي يفهم والذي لا يفهم؛ وفهم كلام الكبار دليل على أن الشخص كبير، يعني إذا فهم الشخص كلام الغزالي أو كلام ابن تيمية، فهذا يدل على أنه صاحب عقل كبير. ولو تريدون تعرفوا صدق كلامي، انظروا مثلاً في مقدمة كتاب مقاصد الفلاسفة لسليمان دنيا، أو في محاضرة مفرغة للعقاد في حديثه عن الفلاسفة: هل الغزالي فيلسوف أو ليس بفيلسوف؟ جل من يتكلم عن الغزالي يذكر أنه فيلسوف، مع أن الغزالي هو نفسه يرد على الفلاسفة ويقول تهافت الفلاسفة. ما القصد هنا؟ القصد أن فلسفة الغزالي مختلفة عن الفلاسفة الذين يرد عليهم، فهو يكفر الفلاسفة في ثلاث مسائل، ويبدعهم في سبع عشرة مسألة، لكنه مع ذلك فيلسوف، فيلسوف باعتبار ماذا؟ ويرد على الفلاسفة باعتبار ماذا؟ هذا التحقيق وهذا التحليل وهذا البيان هو الذي يخرج الإنسان من دائرة الخطأ الظاهر، ولا أقول حتى الخفي في الرد، فيقول الفلسفة كلها هكذا.
الفلسفة في زمن الغزالي كان هذا الاسم سيئاً، والفلاسفة لما يتكلمون عن الطبيعيات، كما يقول ابن تيمية، يحسنون كثيراً، أي لما يتكلمون عن المسائل المتعلقة بعالم المشاهدة، لما يتكلمون عن الفلك، لما يتكلمون عن الهندسة، لما يتكلمون عن الطب إلى آخره، يحسنون كثيراً. ولكن لما يتكلمون عن الإلهيات يخبطون خبط عشواء؛ لماذا؟ ما السر؟ ما السبب؟ السبب هو أن الفلسفة معلقة، أو الفيلسوف لا يصبح فيلسوفاً إلا لما يكون صاحب عقل قوي، والعقل له حد. الذي لا يفقه حدود الأشياء لا يستطيع أن يتعامل معها التعامل الصحيح؛ فالإنسان مهما كان عظيماً بعقله، هو في النهاية هذا العقل له حد، العقل مثال لقوة الإنسان، فكيف أن الإنسان مهما كان قوياً لا يستطيع أن يحمل بيتاً، مع أن البيت الذي هو عبارة عن خمسمائة متر أو ألف متر هو لا قيمة له بالنسبة للمنطقة التي هو فيها، فضلاً عن الدولة التي هو فيها، فضلاً عن القارة، فضلاً عن الكرة الأرضية، فضلاً عن هذا العالم الواسع!
وهذا من؟ هذا أقوى الناس ولا يستطيع، لماذا لا يستطيع هذا الإنسان الذي هو أقوى الناس؟ لأن هذه قدرة الإنسان، فالإنسان كائن له قدرة لا يستطيع أن يتجاوز حد هذه القدرة؛ فكذلك عقل الإنسان، له حد لا يستطيع أن يخرج عنه. وحد الإنسان نستطيع أن نقول بأنه متعلق بأمرين اثنين؛ الأمر الأول: قدرة الإنسان حتى مع وجود المعلومات التي من خلالها يستطيع أن يصل إلى الحقيقة، فقد توجد عند شخص المعلومات، لكن هذا العقل لا يستطيع أن يصيب الحقيقة مع وجود هذه المعلومات وهذه المقدمات؛ لماذا؟ ما السبب؟ ما السر؟ هو أن عقل الإنسان هنا أضعف من قدرته على تفكيك هذه المعلومات، وعلى تحليلها التحليل المناسب لها، ثم على تركيبها من جديد، ثم الوصول إلى النتيجة؛ فلا يستطيع أن يصل إلى البرهان مع وجود المعطيات.
لماذا؟ لأن هذا الإنسان له حد. وأذكى الناس لا يستطيعون، مع وجود المعلومات، الوصول إلى الحقيقة دائمًا. لما ترى عباقرة البشر يستشكلون بعض المسائل الرياضية التي يمكن أن يصلوا فيها إلى النتيجة، وسبب ذلك أن عقل الإنسان هنا ما يستطيع، خلاص يقف.
إذًا كل إنسان له عقل له حد في الوصول إلى النتيجة والبرهان حتى مع وجود المعطيات. هذا الشق الأول. الشق الثاني: إذا لم توجد عندك المعطيات، كيف تستطيع أن تصل إلى الحقيقة؟ وهذا المتعلق بجانب عالم الغيب. الأول خطأه يكون في عالم الشهادة، ففي عالم الشهادة الإنسان يخطئ في التحليل أحيانًا. لماذا؟ ليس لنقص المعلومات، لكن لعدم قدرة العقل أحيانًا على تفكيك هذه المسألة. فأحيانًا تكون بعض المسائل تحتاج إلى أن تفكك إلى عشرين مسألة، وبعض الحالات ما تحتاج أن تفكك إلى عشرين مسألة، عقل الإنسان مع قوته يفككها إلى عشر أو خمس عشرة، لكن ما يستطيع أن يفككها إلى عشرين، لا يستطيع أن يقيمها الإقامة المناسبة لها، يعني ما يستطيع أن يعطي المسألة حظها وقدرها المناسب لها.
القصد من هذه المسائل أن الإنسان يصل فيها إلى حد لا يستطيع أن يفكك هذا التفكيك، ثم لا يستطيع أن يعطي كل مسألة حظها وقدرها المناسب لها. القسم الآخر هو المسائل التي لا توجد عند الإنسان المقدمات لها والمعطيات التي ستثبت.
لا إله إلا الله. يا شباب، القصد أن هذه المسائل لها حدود، والعقل مهما كان عظيمًا يبقى عقل الإنسان محدودًا، فلما يأتي الفيلسوف ويتكلم في الإلهيات فيما وراء الطبيعة وفي الغيبيات لا يستطيع أن يصيب الحق فيها؛ لماذا؟ لأن هذه المسائل معلقة بالنقل وليست بالعقل. وأقول هنا من باب التقريب أن عقل الإنسان مهما كان قويًا وعظيمًا في هذه المباحث لا يستطيع أن ينتفع به، لذلك من غرور الإنسان أن يدخل عقله في هذه المباحث، إذا أدخل عقله في هذه المباحث يخطئ ولا بد ويخبط خبطة عشوائية؛ لماذا؟ لأنه الآن أدخل عقله في دائرة لا يقوى العقل عليها.
سبب الاختلاف الكبير الذي يقع في الغيبيات وفيما لا يقوى العقل عليه هو إدخال العقل في هذه الدائرة، فلما يتم إدخال العقل في هذه الدائرة يعجز الإنسان ويصاب العجز والشلل عن إصابة الحق فيخطئ هذا الإنسان. وهذه فائدة كل مسألة من المسائل، أو كل مبحث من المباحث، أو كل علم من العلوم، لا بد أن يفهم الإنسان طبيعته، أو أن يجتهد في فهم طبيعته، فإذا لم يفهم طبيعة هذا العلم لن ينتفع بكثرة القراءة فيه. ولا يشترط أن تكون القراءة الكثيرة فيه موصلة إلى الطبيعة، فقد يقرأ الإنسان قراءة كثيرة فيه لكن ما يصل إلى الطبيعة، وقد لا يقرأ قراءة كثيرة فيه ولكنه يفهم الطبيعة، ثم لما يقرأ يقرأ بناء على فهمه لهذه الطبيعة.
لما نأتي الآن عند عالم الغيب، هذا عالم معلق بالوحي فقط، لا يستطيع الإنسان بعقله سواء كان قويًا أو ضعيفًا أن يصل إلى تحقيق ما يجري في يوم القيامة، هذا فقط معلق بالتسليم. هذا الباب معلق فقط بالتسليم، كذلك الباب المتعلق بالاعتقاد، باب العقائد هذا كله معلق بالتسليم، هذا ليس معلقًا باجتهاد الإنسان وقوة الإنسان وقدرة الإنسان وبحث الإنسان وعلم الإنسان إلى آخره، إنما هذا المبحث معلق فقط بالتسليم.
متى نحتاج إلى العقل في هذه المسائل؟ نحتاج إلى العقل لما نأتي نرد على المخالفين، وليس في تقرير المسائل، وفارق كبير جدًا بين إقامة المسألة وإقامة الأصل، وبين الرد على المخالف لما يشغب على هذا الأصل. والإنسان لما يبحث ويدخل في الدقائق هنا ممكن يخطئ كذلك، ممكن يخطئ في التفاصيل، لكن في نفس التأصيل الأولي هذا يؤخذ من نفس كلام السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم.
لما نأتي ننظر في الاعتقاد، نجد بأن الإيمان عبارة عن قول وعمل، لكن لما تدخل في التفاصيل وأدق التفاصيل، تجد بعض المسائل لم يتكلم عنها السلف، مثلًا لما تأتي في الحديث عن جنس العمل، فالعمل يدخل في مسمى الإيمان. الصراع بين السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، وبين المخالفين لهم من الوعيدية في كون العمل هل هو داخل في مسمى الإيمان أو غير داخل فيه؟ فإذا قلنا بأن العمل داخل في مسمى الإيمان كما هو معتقد السلف الصالح، فالمرجئة بجميع أطيافها يخرجون العمل من مسمى الإيمان.
متى يثبت العمل؟ أو متى نقول بأن الشخص يقع في الكفر لما يخالف في العمل؟ أو متى نقول بأن الشخص قد أتى بأصل الإيمان أو بأصل العمل أو بشرط الصحة كما يقول ابن تيمية في بعض كتبه؟ متى نقول بأن هذا الإنسان حقق الإيمان بأركانه الثلاث؟ القلب واللسان واضح، لكن العمل متى؟ هل لما يأتي بالصلاة، أو لما يأتي بشيء خاص في شريعة النبي ﷺ؟ هنا يأتي ابن تيمية ويفسر.
قبل ابن تيمية هنا ما تجد نص ابن تيمية، هذا موجود عند السلف الصالح، لكن ابن تيمية واعي ومدرك لطبيعة هذه المسألة وطريقة إقامة العقيدة، ثم بعد ذلك لما ينظر في كلام علماء الإسلام يجد بأن هذا العمل لا يمكن أن يكون ركنًا من أركان الدين إلا لما يثبت الشخص انقياده للدين. طيب متى يثبت الانقياد؟ لما يأتي بشيء خاص بشريعة النبي ﷺ. هذا كلام ابن تيمية، ابن تيمية ما تكلم عن الواجب أو المستحب، إنما ذكر بأن الحنابلة ينصون بأن يثبت الإيمان بالصلاة؛ فالعمل الذي من خلاله يثبت الشخص إيمانه. وليس الكلام في النقاش الفقهي هل تارك الصلاة كافر أو ليس بكافر، لا، إنما نفس الصلاة التي يتركها كافر؛ لماذا؟ لأنه ترك العمل؟ أو لأنه خالف النصوص؟ هذا أو هذا؟
ثم المخالف للحنابلة في تارك الصلاة الذي يقول بأن تارك الصلاة ليس بكافر حتى لو كان متعمداً، إنما هو واقع في كبيرة من كبائر الذنوب واقع في الشرك الأصغر إلى آخره، هذا متى يثبت عنده؟ هل هذا مرجئ؟ لا ليس مرجئًا، متى يثبت عنده الإيمان؟ يثبت لديه الإيمان لما يأتي بأمر خاص بشريعة النبي ﷺ، يأتي بعمل خاص جاء به الإسلام، فلما يأتي بهذا العمل الخاص.
يثبت. هل هذا العمل الخاص لا بد أن يكون واجباً؟ أو لو كان مستحباً يجوز؟ يعني الآن شخص أتى بعمل مستحب، قام بأداء عمل مستحب، هذا العمل المستحب الذي ما عرفنا أن هذا العمل يحبه الله سبحانه وتعالى إلا من خلال النبي عليه الصلاة والسلام. هذا العمل المستحب ما جاء في نص عن السلف الصالح بأن هذا الذي يقوم به يدخل بالإيمان أو يكون محققاً للإيمان.
هنا لما نأتي ونفصل في المسائل يقع الاجتهاد. هذا الذي أقصده، هنا يقع الاجتهاد، هنا يدخل العقل، لكن في أصل المسائل ما يدخل. في أصل هذه المباحث ما يدخل العقل، حتى لما نأتي ونحتج على هذه المسائل من خلال القرآن الكريم ومن خلال السنة النبوية. فلما نأتي ونقول بأن الإيمان عبارة عن قول وعمل، ما الدليل؟ الدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. الدليل بأن الله سبحانه وتعالى يقول كذا، الدليل بأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الإيمان بضع وسبعون شعبة». وهكذا فنأتي ونحشد الأدلة التي تدل على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان. ثم لما يأتي المخالف يقول بأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 277]، وهنا عطف العمل الصالح على الإيمان كذا وكذا، فنأتي ونرد. هل هذا كله اجتهاد من خلال أننا أقمنا صحة هذا الأصل، أو الأصل هنا أننا نقلنا هذه العقيدة ثم بعد ذلك أقمنا الدليل عليها؟
أي الطريقين هو الأصل؟ هل الأصل الآن أننا من خلال بحثنا وقراءتنا في القرآن والسنة فهمنا بأن الإيمان عبارة عن قول وعمل؟ أو الأصل هنا أن الإيمان عبارة عن قول وعمل ليس لأن هذا هو اجتهادنا، إنما لأن هذا هو كلام الصحابة وهذا كلام التابعين وهذا كلام أتباع التابعين، ثم بعد ذلك بحثنا ونظرنا في الأدلة التي تدل على صحة هذا القول؟ فالعقيدة هنا منقولة. يعني هنا إدخال العقل والاجتهاد في الوصول إلى إصابة الحق هو تابع لفهم العقيدة المنقولة وليس سابقاً عليها. هذا إذا ما فُهم هنا تقع عند الشخص المشكلة، ويقع عنده الاضطراب في فهم هذه المباحث العقدية.
ثم بعد ذلك لما تأتي وتأخذ هذا الأصل في الإيمان، الأصل في الأسماء والصفات أنها تمر كما جاءت وأنها لا تفسر، وأن تفسيرها هو تلاوتها أو قراءتها وعرضها وذكرها، فلا يتم الدخول والتوسع فيها. هنا هذا هو المعتقد، المعتقد بأن الصفات يفهمها الإنسان من غير أن يدخل في التفاصيل، من غير أن يدخل إلى الحديث الطويل الذي ذكره ابن تيمية في الرد على المخالفين، وأن هذه الصفات الإنسان بمجرد أن يسمعها يفهمها ويفهم أصلها. الدخول بالتفاصيل والتكلف فيه يوقع الشخص بالإشكال ويوقع الشخص بالخطأ. وكذلك هذا المبحث مبحث الصفات، الصفات الكبرى معدودة، ثم لما تدخل كذلك في تفصيل الصفات هنا كذلك يقع عندك الخطأ. هل هذا يدخل في الصفات أو ما يدخل في الصفات؟ هل هذا الحديث أو هذه الآية تدخل في الصفات أو ما تدخل في حد من الصفات؟ هل المقصود منها إثبات صفة كذا أو عدم إثبات هذه الصفة؟ والمخالف هنا في هذه المسائل الفرعية وإن كانت في باب العقيدة، نقول عنه بأنه مبتدع، نقول عنه بأنه من الجهمية، نقول عنه بأنه هكذا مخالف لأهل السنة والجماعة.
فالذي يثبت مثلاً صفة الظل لله سبحانه وتعالى، أو يثبت اسم الدهر لله سبحانه وتعالى، ﴿أَنَا الدَّهْرُ﴾ كما يثبت ابن حزم، هل نقول بأن هذا اسم مخالفة أو أنه أخطأ؟ نقول بأنه أخطأ لكن لا نقول بأنه مبتدع. هل نقول بأنه أثبت شيئاً لم يثبته الله سبحانه لنفسه، أو نأتي ونحتج عليه ونقول بأن هذا الحديث ليس مقصوداً منه إثبات الاسم إنما المقصود منه كذا وكذا؟ واضح هذا الأمر؟ فالقصد من ذلك أننا إذا فهمنا هذه الطبيعة بعد ذلك يكون باب الاجتهاد فيها واضحاً وبيناً. إذا ما فهمنا هذا ما ننتفع كثيراً بكثرة القراءة، بل نفتن بالقراءة. لماذا؟ لأن أبا زرعة وأبا حاتم الرازي وهما من هما في المنزلة والرفعة والديانة لم يأخذوا هذه العقيدة بناءً على علمهم، إنما أخذوها من نفس العلماء الذين لقوهم في رحلتهم، وهؤلاء العلماء أخذوها ممن فوقهم، وهذه العقيدة المنقولة هي عبارة عن صفحات معدودة. ثم لما يأتي التشغيب ويأتي الاعتراض والكلام والتفصيل هنا يضطر العالم لذكر الصواب، لكن هل يصيب العالم الآن بعد التفصيل أو لا يصيب؟ قد يصيب وقد لا يصيب، وقد يخطئ وقد يوافق المخالفين.
الذي يفهم هذا الكلام ما يستعظم كثرة الخطأ الذي وقع من العلماء بعد القرون المفضلة. يعني أنت لما تأتي وتفكر وتجلس هكذا وتقول: الآن من القرن الثالث إلى القرن السابع أربع قرون، لا نكاد نجد عالماً من علماء أهل السنة والجماعة لم يقع بخطأ بالعقيدة. أقول لك إن طبيعة المسائل هكذا، ولا يأتي شخص كذلك ويقول بأن العقيدة أصلاً الحق توزع، بدليل وجود الخلاف في كذا وكذا، إلى آخر ما يقال. هذا كله خطأ، وسبب هذا الخطأ أن الشخص لم يفهم في البداية طبيعة هذه المسائل، وحدَّ العقل فيها، ولم يفهم كذلك طبيعة الإسلام. ففي الإسلام الشخص يُهدى ويُسدّد ويُوفّق إذا سار وفق الطريق الشرعي، ثم لما يخطئ هذا الإنسان يكون معذوراً، وليس معنى عذره أن قول هذا صائب، إنما قول هذا خطأ بدليل كذا وكذا وكذا.
وهذا كله له تفصيل، لكن قصدي هو التقريب. فعلم الكلام واللغة والفلسفة هذا كله ما ينفع في تقرير العقيدة، علم الكلام واللغة والفلسفة هذه العلوم كلها ما تنفع في تقرير العقيدة الغيبية. تقرير هذا الباب فقط فرضه النقل. ثم بعد ذلك يأتي عقل الإنسان ويجتهد، لا بأس يجتهد في بيان هذه الأصول، لا بأس. ثم بعد ذلك لما يأتي في التفريع إذا اضطر أن يفرع يفرع ويرد ويسعى جاهداً لإصابة الحق وأن يكون هذا الفرع موافقاً للأصل ومتدلياً منه، أما قبل ذلك فالأصل أنه يسكت. هذه المسائل العقدية مسائل نستطيع أن نقول بأنها مسائل في أصلها جامدة. أقصد في أصلها جامدة في سياق أن هذه المسائل لا مدخل للعقل في الاجتهاد فيها، ولكن تمام هذه المسائل أو تمام هذه المصطلحات يختلف الناس فيها كثيراً، والاختلاف هنا متعلق بنفس استحضار العبد لهذه الحقائق الإيمانية.
فلما نأتي عند أركان الإيمان، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، هذه نستطيع أن نفصلها تفصيلاً واضحاً وبيناً. لكن لما تأتي بعد ذلك وأنك تؤمن بالله، هذه كلمة تؤمن بالله الناس يتفاوتون بها، فأصل الإيمان بالله شيء وتمام الإيمان بالله شيء آخر. والناس يتفاوتون تفاوتاً عظيماً في العيش مع مثل هذه الأصول الإيمانية. الإيمان بيوم القيامة واضح أن هناك يوم قيامة وفي يوم القيامة سيقع كذا وكذا وكذا مما جاءت به النصوص، الكل يؤمن به، لكن هل قوة إيمان هذا مثل إيمان هذا؟ هذا يؤمن بوجود يوم القيامة وأنه سيقع كذا وكذا ويعمل ليوم القيامة عملاً عالياً، أما هذا يؤمن ومسلم بأن هناك يوم قيامة لكن فعله كفعل الذي لا يؤمن بيوم القيامة لضعف إيمانه بهذا اليوم.
مسائل العقيدة قُصد منها هو أنك تفهم التنظير لها وتحققه ثم بعد ذلك تعيش في آثار هذه الأصول، وتسعى جاهداً لتطبيقها. ليس القصد من ذكر هذه المباحث العقدية هو أن الإنسان يبدأ يصالح فيها المعتزلة والفلاسفة والأشاعرة والمتكلمين إلى آخره، إنما القصد هو أن الإنسان يعيش ويتعبد الله سبحانه وتعالى بما يفهمه من هذه النصوص. فالله سبحانه وتعالى يعلّم العباد في هذا الكتاب من هو، وأخص ما جاء في هذا الكتاب العظيم هو التعرف على أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته. فلما يكون التشغيب في باب الأسماء والصفات ويدخل الداخل في الرد على المخالفين فيه لا بد مع دخوله أن يستحضر بأن هذا الدخول ليس هو الأصل، إنما الأصل هو أن تتعبد الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
لما تأتي وتدخل في مبحث الإيمان انتبه واحذر أن يكون مبحث الإيمان بالنسبة لك هو عبارة عن خلاف وصراع مع الوعيدية، إنما هذا بالأصل تابع، والأصل بالإيمان هو أنك تحقق الإيمان قبل أن تلقى الله سبحانه وتعالى. ما الذي يريده الله مني أن أعظمه؟ إذا فهمت الآن قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح فهمت هذه، لكن الآن كيف أحققها؟ ثم بعد ذلك بعد ما تنتهي من تحقيق أصول هذه المسائل ما هو الإيمان الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم والذي طبقوه في حياتهم؟ فلما تأتي وتنظر في حياة الصحابة كيف كان الإيمان يحرك هؤلاء؟ لما تأتي لمبحث الإيمان بالقضاء والقدر، انتبه أن يكون هذا المبحث بالنسبة لك فقط صراعاً مع القدرية والجبرية، والقدرية تنقسم لأقسام والجبرية لأقسام وتخوض وتدخل في تفاصيل الحديث عنهم، ثم بعد ذلك تنسى تحقيق الإيمان بالقضاء والقدر في حياتك الخاصة، في مدة الاختبار التي أنت الآن تعيش بها فوق الأرض حتى تحقق هذا المبحث.
انتبه حتى ما ينقلب عليك، تقول لي هل ممكن ينقلب؟ أقول لك ممكن تؤمن بمعتقد أهل السنة والجماعة تنظيراً وتصارع المخالفين وأنت بالحقيقة بالتطبيق العملي موافق لهم، فتكون أنت تظن وتعتقد إيمان السلف الصالح ومبحث الإيمان تفهمه كما فهمه السلف الصالح بالتنظير ولكن بالتطبيق أنت مرجئ، موافق للمرجئة، عندك الإرجاء العملي وإن كنت تصارع. تقول لي كيف هذا؟ أقول لك أنت الآن حصرت العمل في الصراع التاريخي الأزلي. تقول لي كيف يعني؟ أقول لك الآن العمل من يخالف فيه؟ يخالف فيه المرجئة، والوعيدية الذين يقولون بأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، ويخالف فيه كذلك المتكلمين الذين يرون بأن ذهاب بعض العمل ذهاب الإيمان كله. فالآن الوعيدية والمرجئة يفهمون الصراع التاريخي الذي وقع معهم هو بهذه الصورة.
طيب وبعد ذلك صراع آخر، وقبل ذلك كذلك كيف فهم الصحابة مبحث الإيمان أصلاً؟ يعني هم الإيمان كان بالنسبة لهم عبارة عن ماذا؟ هل عبارة عن هذه الأركان بهذه الصورة الجامدة؟ أو عبارة عن تمام هذه الأركان؟ أو بعد ما ننتهي من تحقيق الإيمان الخاص نبدأ الآن بالسعي في تطبيق الإيمان وتفعيل الإيمان بالواقع، وكيف فعلوه بالواقع؟ إذا أردت أن تمتثل وأن تكون موافقاً لمذهب أهل السنة والجماعة أقول لك هذا هو تمام مذهب أهل السنة والجماعة. والذي تدرسه في كتب العقيدة هو مبتدأ مذهب أهل السنة والجماعة، يعني أصل مذهب أهل السنة والجماعة، لكن تمامه هو أنك تكون مثل الأنبياء، وتسير على طريق الأنبياء، فتجمع بين التنظير والتطبيق، تجمع بين التأصيل والتفعيل.
أما أنك هكذا تكتفي بباب ثم تترك، أقول لك هذه كذلك فتنة وتكون موافقاً من حيث لا تشعر للمخالفين لك الذين ترد أنت الآن عليهم، فأفعالك هي موافقة لأصولهم وإن كنت لا تعتقد هذا بالأصل. كذلك لما تأتي بمبحث القضاء والقدر وردٍّ على مثل ما ذكرت على القدرية والجبرية، ممكن توافق مذهب أهل السنة والجماعة وتنجو بإذن الله في مبحث أصل تحقيق العقيدة، ولكن في التمام يكون نفس استدلالك موافقاً لهم. كان يقول بعض المستشرقين الألمان بأن المسلمين كانوا في السابق أي في زمان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يقاتلون ويقولون: ﴿لَن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51]، انظروا إلى فهمهم لهذه الآية، ثم بعد ذلك أصبحوا لا يعملون ولا يفعلون ويقولون: ﴿لَن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾. كيف هذا؟ كيف انقلب الاستدلال؟ فكان مبحث القضاء والقدر وأصل الإيمان بالقضاء والقدر دافعاً لتغيير الواقع، ثم أصبح نفس الإيمان بمبحث القضاء والقدر دافعاً إلى عدم تغيير الواقع. نفس الآية ونفس الأصل، لكن تغير العمل.
القصة أننا هنا الآن لما نأتي عند هذه المباحث، الشيخ تكلم عن علم الكلام، وتكلم عن اللغة، وتكلم عن الفلسفة، ثم بعد ذلك يبدأ يحلل ويبين بأن طبيعة الإنسان يحب أن يتوسع، فلما تأتي وتحصر هذا الإنسان في مسائل معينة ومحددة وتقول بأن هذه المسائل منقولة ولا تدخل عقلك فيها، هو لا يريد. لماذا؟ لأنه يريد أن يتوسع. ثم المخالف يبدأ يتوسع إلى آخره، وأنت دورك فقط أنك تأمر المخالف بأنه ما يتكلم في هذه المسائل، وأن هذا المخالف لا بد أن يسكت وأن هذه المسائل مسائل محسومة والأصل فيها النقل ولا يجوز دخول العقل فيها بالصورة التي ذكرتها قبل قليل. هنا المخالف لا يسلم لك مثل ما تقول أنت، فهنا يأتي ويشغب ويبدأ يرد ثم هذه الردود الكثيرة التي تقع من المخالفين كما وقعت من المعتزلة والجهمية في زمان أحمد رحمه الله تعالى لما وصلوا إلى درجة التأثير، انقسم المنتسبون إلى أهل الحديث إلى قسمين، قسم سلك مسلك أحمد وهو أنه أخذ يرد عليهم بالأدلة العقلية التي.
تدل على صحة معتقد أهل السنة والجماعة من غير أن يدخل في الأدلة الكلامية. وقسم آخر دخل في علم الكلام مثل ابن كلاب ومثل بشر المحاسبي. فدخول هؤلاء في علم الكلام جعل بعض متأخري الأشعرية مثل السبكي يلوم هؤلاء ويقول بأن هؤلاء لو قاموا لما استطاع المعتزلة أن يبتلوا أحمد. وكأنه يقول بأن الجهمية والمعتزلة استطاعوا أن ينتصروا على أهل الحديث؛ لماذا؟ لأن أهل الحديث لم يكونوا قد دخلوا في علم الكلام ولم يستطيعوا أن يردوا على هؤلاء لدخولهم في علم الكلام، فعندهم القدرة العقلية والأدلة العقلية التي من خلالها يستطيعون أن يثبتوا ما هم عليه، ما لا وجود له عند أهل الحديث الذين هم عبارة عن أناس بسطاء وعاديون.
مع أن أحمد أصلاً هنا جدد في طريقة الرد، وكان يقول كما ينص بأن من سلف كانوا يكتفون بالردود العامة والمجملة؛ لماذا؟ يقول لأنه لم تكن لهم شوكة هؤلاء المخالفين، فكان يكتفي العالم بالتحذير منهم. لكن لما جاء زمان أحمد رحمه الله تعالى أصبح المخالف في قوة، فاضطر أحمد للدخول في مناظرة معهم وقال: إن يسكتوا نسكت. لكن لم يدخل رحمه الله تعالى في علم الكلام.
بخلاف ابن تيمية؛ ابن تيمية دخل في علم الكلام واستوعب علم الكلام، ولكنه لم يقرر مذهب أهل السنة والجماعة بناءً على علم الكلام، إنما رد على المخالفين بسلاحهم. لكن ابن القيم يقول في نونيته: ومن العجيب أنه بسلاحهم أرضاهم تحت الحضيض الداني كانت نواصينا بأيدينا فما منا إلا هم أسير عاني فصارت نواصيهم بأيدينا فلا يلقوننا إلا بحبل أماني يدري بذلك من له خبر بما قد قاله في ربه الفئتان والفدم ليس يحوشنا فحضوره ومغيبه سيان اقرأ كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثاني القصد أن تأسيسه أصبح نقضه أعجوبة العالم الرباني. فابن القيم هنا يقول بأن ابن تيمية هو الذي حرر أهل الحديث. هذا الانتقال الثالث ذكرت لكم هذا في اللقاء الماضي، إذ أن التجديد في طريقة تلقي العقيدة.
فالآن لما تأتي وتدخل في هذه العلوم ثم تريد أن تقيم الحق بناءً عليها أقول لك لابد أن تخطئ، حتى لو دخلت من خلال اللغة؛ لماذا؟ لأن اللغة واسعة فضفاضة، وكل متكلم له قصد من كلامه واللغة هي عبارة عن الوعاء الحاوي لهذا المعنى. وفهم كلام المتكلم لا يكون مبنياً فقط على اللغة، إنما مبني على أمور عديدة منها مخالطة المتكلم، فهم طبيعة المتكلم، النظر إلى تكرار الكلام وتنوعه، وكذلك فهم القرائن، والعيش معه. كما قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: بأن القرآن نزل في بيوتنا فعلمنا فيما نزل، وسيأتي أقوام بعدنا يقرأون القرآن ولا يعرفون فيما نزل فيخطئون.
فنفس كلام الشخص أوثق الناس له هم أقرب الناس إليه؛ لماذا؟ لأن هذا الإنسان يقول كلمات معينة محددة في سياقات معينة محددة. هذا الكلام المعين وهذا السياق المعين إذا ما كان الشخص مخالطاً له ما يستوعبه، ما يستوعب حد قصده، لذلك يتوسع الشخص لما يأخذ الكلام عبارة عن عبارات. لما يأخذ الشخص الكلام عبارة عن عبارات هو يفهم هذه الكلمات بناءً على أمور معينة هو عاشها، فيبدأ يؤول هذا الكلام أو يزيد أو ينقص منه، وفي الأمور المتكلم له حد في كلامه وله قصد من كلامه، فيبدأ الشخص يتوسع في تحليل هذا النص وتحليل هذا القصد؛ بمعنى القصد ليس بهذه الطريقة.
معنى قصد المتكلم هو ليس بهذه الصورة ولا بهذه الطريقة، فالشخص لما يدخل في علم الكلام أو لما يدخل عقله سواء كان في علم الكلام أو في الفلسفة أو حتى في اللغة، هذا الثوب الفضفاض يخالف لنفس القصد؛ فيبدأ يوسع من هذا القصد أو يضيق منه، أو يبدأ يشذبه أو يبدأ يؤول إلى آخره فيقع بالخطأ الكبير. وهذا من الأسباب الرئيسية في ابتعاد الناس عن الحق لما يتأخر الزمن وما يبقى إلا القليل على الطريق الأول وعلى النهج الأول، مع أن هذا القليل قد لا يكونوا هم من أعلم الناس، لكن هم مع ذلك يصيبون الحق لعدم دخولهم فيما لا يسوغ لهم الدخول فيه.
وتساهل الإنسان في الدخول في هذه الأبواب يوقع بالخطأ؛ يعني شخص يتساهل في دخولها في قراءة كتب الفلاسفة، لابد أن يخطئ؛ لماذا؟ لأن هذا لم يكن دخوله بالأصل من أجل إقامة الحق إنما دخوله من أجل التعرف أو من أجل الثقافة، هذا الدخول الذي من أجل التعرف ومن أجل الثقافة منهي عنه عن السلف الصالح. وبين النبي عليه الصلاة والسلام بأن كثرة المسائل من أسباب الاختلاف، فلما يدخل شخص ويكثر يخطئ ولا بد؛ لماذا؟ لأن هذا الدخول لا يقام الحق من خلاله، إنما الحق أصلاً يقام بالمنقول، ثم لما تضطر للدخول من أجل الرد على المخالفين هنا تعان وتوفق وتسدد، كما يقول حذيفة بن اليمان وكما يقول طاووس بن كيسان اليماني.
فهذا العلم وهذا الدين ليس قائماً فقط على اجتهاد الإنسان إنما على هداية الله سبحانه وتعالى الغالبة فوق هذا الاجتهاد، وهذا الاجتهاد إذا ند الإنسان وأخطأ في طريقه لابد أن يخطئ. هذه هي المشكلة؛ القصد من ذلك الحديث عن هذه المقدمة أو فهم هذه الصور وهذه المسائل، ثم النظر قبل ذلك في كلام السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، يحد عقل الإنسان ويضبط الاستدلال لديه ويبين له طريق الخطأ، فإنه قد تخطئ وأنت صاحب عقل وافر وقد تصيب وأنت صاحب عقل عادي؛ لماذا؟ لأن هذه المسائل بالأصل ليس مدخلها العقل كما ذكرت في المقدمة، هذه المسائل بالأصل ليس إصابتها معلقة على عقل الإنسان وقوة عقله وجودة عقله إنما هي معلقة على هداية الله سبحانه وتعالى، وهذه العقيدة منقولة.
والإنسان لما يكثر من القراءة في شيء معين محدد، ويتم التشغيل بالكثير على أصل من الأصول الموجودة عنده، يضعف أثره في نفسه ولا بد، تضعف قوته في نفسه ثم بعد ذلك يحلل بطريقة مقلوبة؛ لماذا؟ لضعف الاعتقاد في هذا الأصل، فيبدأ الآن التحليل وتبدأ التأويلات الغريبة؛ يعني مثل التأويلات الكثيرة التي يقول الناس فيها في هذا الزمان أو في الأزمنة المتأخرة هي ليست لا وجود لها في الأزمنة الأولى، ولكنها في الأزمنة المتأخرة أصبحت تظهر تحليلات غريبة وعجيبة. الآن الشيخ في المقدمة هذه يحلل، لكن هل تحليلات الشيخ هنا صائبة أو خاطئة؟ هل هي قوية أو ضعيفة؟ هل هي تميل إلى الجزم واليقين من قبيل الظن الغالب أو هي عبارة عن تحليلات مبنية على كلام عام؟
كثير من الناس يقول لك بأن الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث كلهم أهل السنة والجماعة من المعاصرين من العلماء الكبار؛ لماذا يقولون هذا؟ يقولون بأن الأشعري وإلى آخره من علماء الكلام توسعوا وأولوا النصوص لأن العجم دخلوا في الإسلام والعجم ما يفهمون ما يفهم العرب فاضطروا أن يتوسعوا؛ هذا الاضطرار في التوسع في التأويل إلى آخره المصيب فيه بين أجر وأجرين، فجعلوا الخلاف في نفس تأويل صفات الله سبحانه وتعالى مثل الخلاف في مسائل الفقه مثل الخلاف في الفروع الفقهية. لماذا يقولون بأن قصد هؤلاء حسن وقصد هؤلاء هو كذا؟ ثم يحللون ويقولون بأن كيف نقنع الآن العجم؟ كيف نقنع هؤلاء؟ كيف نبين لهم؟ ليس نقنعهم كيف نبين لهم المقصود من نزول الله سبحانه وتعالى، والقصد من علو الله سبحانه وتعالى والقصد من صفة الوجه إلى آخره واليد.
هؤلاء ما يفهمون، وكل إنسان يفهم بناءً على ثقافته مثل ما ذكرت لكم؛ يعني كفار العرب كانوا يعتقدون بأن الإله عبارة عن صنم مع إيمانهم بالإله الغالب، لذلك لما أبو طالب رأى من النبي عليه الصلاة والسلام بعض شيء وكيف أن الله نصر النبي عليه الصلاة والسلام قال: نعم الرب ربك يا محمد، فاعتني به. كيف يقولها الشخص هذه الكلمة فاعتني به؟ لماذا؟ لأنه يفهم الإله عبارة عن هبل، أنك تعتني بهبل أو تهتم به، هكذا العزى وتهتم به هذا؛ ما هو مع إيمان العرب بالإله الغالب، ومع أن العرب مثل ما ذكرنا في الدرس الماضي، الخطأ عندهم كان بالنفس أكثر من العقل، والمشكلة عندهم كانت نفسية أكثر منها عقلية لبساطة العقل، لعدم وجود التشوه العقلي عندهم، لما زال تأثر النفس رجع العقل صحيحاً، والعقل له ارتباط وثيق باللغة والبيان والفصاحة كما يقول ابن تيمية، فقوة البيان دليل على قوة العقل بالأصل.
القصد أن هنا لما تأتي عند فهم الناس، فهم الناس له صور وهو بالأصل يقوم على ما عند الإنسان من ثقافة من معرفة إلى آخره، فقد يكون الشخص قارئاً باللغة ومتوسعاً بالقراءة بها ثم لما يأتي عند النصوص يخطئ، وقد يكون شخصاً بسيطاً ويصيب الحق؛ لماذا؟ لأن المدخل هنا هو بهذه الطريقة في النقل، ليس في نفس التعلق في اللغة إلى آخره. لذلك يخطئ كثيراً من الشباب لما يحتجون ببعض المتأخرين بأهمية علم اللغة ثم ينزلون هذا على مسائل العقيدة، فيأتي شخص ويحتج بأهمية اللغة ويأتي بكلام الشاطبي في أهمية علم اللغة، وأن الشخص قوته في فهم الدين بقدر قوته في فهم اللغة، ثم يبدأ يتوسع ويظن بأنه بقراءته في النحو والبلاغة والصرف إلى آخره سيصيب الحق في مسائل العقيدة.
بينما هو نفس عامة المؤلفين في هذه العلوم من المتأخرين هم على مذهب الأشاعرة، بعد القرن الرابع عامة من دخل في علم اللغة وتميز فيه وتوسع، فهم على مذهب الأشعرية ليسوا على مذهب أهل السنة والجماعة. ولما ننظر في مناقشة ابن تيمية لأبي حيان نجد هذا الأمر ظاهراً وبيناً؛ فأبو حيان كان يستدل باللغة، وابن تيمية كان يبين له بأن الاستدلال لا يكون باللغة إنما الحقائق الشرعية تعرف بنفس الشريعة وليس بنفس اللغة. فلما تأتي حقيقة الإيمان انظر لاستعمالات الشريعة في الإيمان بعد فهمك للإيمان المنقول، بعد فهمك لأن الإيمان قول وعمل الذي أجمع وأطبق عليه السلف الصالح؛ فابن تيمية كان يأخذ ما يقوله السلف الصالح ثم بعد ذلك ينظر في طريقة استعمال النصوص فيرد على المخالفين بناءً على هذا.
لأن المخالفين شغّبوا في نفس هذه الأصول، فلما جاءوا عند إيمان قول وعمل أخرجوا العمل وقالوا بأن العمل المقصود به عند السلف ماذا؟ أنتم تقولون إنما المقصود كذا وكذا وكذا، وكل مسألة طبيعي المخالف لابد أن يحدث عليها نوعاً من تشغيب إذا كان هذا الاسم معظماً، إذا لم يكن معظماً لا يرد عليه من البداية، لكن إذا كان معظماً مثل أحمد بن حنبل؛ لك أن مذهب أبي الحسن الأشعري أصلاً هو مذهب أحمد بن حنبل، وأن أحمد بن حنبل بالأصل دخل في علم الكلام، وهكذا. لماذا هذا كله؟ مع أن هذا لا يعرف لأحمد ولا لأصحاب أحمد، ولكن هذا لأن أحمد معظم فلا بد أن نسحب أحمد في دائرتنا، فيقول أحمد هكذا هو إمام من أئمتنا ثم بعد ذلك بناءً عليه نبدأ ولا نجعل للمخالف أسماءً معظمة.
ومن أقوى أسباب انتشار الباطل هو الانتساب للمعظمين، سواء كان الانتساب حقاً أو باطلاً؛ يعني هذا العالم المعظم أخطأ في هذا فتقول فلان قال بس أخطأ، هذه زلة العالم التي تهدم شيئاً كبيراً من الدين، وهذه زلة العالم مثالها في هدم الدين مثال جدال المنافق والكتاب؛ تصور كيف حكم الأئمة المضلين أو عالم فاجر أو حاكم فاجر أو منافق يجادل في الدين، أثر هؤلاء في هدم الدين مثله زلة العالم. عالم كبير أحمد بن حنبل، الحسن البصري، سعيد بن المسيب، فلان هذا العالم لما يزل ويعطى هو معذور في خطئه، ولكن هذه الزلة لها أثر كبير في هدم الدين؛ لماذا؟ اسم معظم كبير هو بالأصل صالح.
فسواء كان انتساب إليه بحق أو بباطل، يعني تم تحميل هذا العالم ما لم يقل أو كان هذا العالم قال هذه ولكن أخطأ بهذه المسألة؛ هذا من أقوى أسباب انتشار الباطل وهدم الحق. فالقصد هنا لما نأتي وننظر في فهم الكلام؛ فهم الكلام هو بهذه الصورة، ففهم الكلام ثم التحليل يكون قائماً على نفس هذا الفهم، التحليل يكون قائماً يعني شخص يعتقد ويقتنع بصحة هذه المذاهب ثم بعد ذلك يبحث عن التأويلات فيقول هم قالوا كذا من أجل كذا، قالوا كذا وفعلوا كذا من أجل كذا؛ هذه من أجل كذا مبني على فهم الإنسان ولا طبيعة هذا الشيء الذي وصل الإنسان إليه، لكن هل هو بالحقيقة موافق لفهم الإنسان؟ هل هو بالحقيقة الإنسان يحتاج إلى هذا كله حتى يصل إلى إصابة الحق أو إصابة الحق ليست أصلاً ليس هذا طريقها؟
لذلك لما يأتي الشيخ ويقول بأن الغزالي وينقل بعد ذلك هو يحلل، هو يذكر الكلام ثم سطرين ثلاث أسطر تحليل من الشيخ، ثم بعد ذلك يرجع ويستدل بما وصل إليه من تحليل أو بما فهم من هذا الكلام.
أبو حامد الغزالي ألف كتاب مقاصد الفلاسفة، ثم ألف تهافت الفلاسفة ورد فيه على الفلاسفة. هو قصد في دخوله هذا الباب أن يبين المذهب الحق، ولما رد على هؤلاء هو لم يكن متشبعاً قبل ذلك بالكتاب والسنة، لم يكن متشبعاً في مذهب السلف الصالح؛ فوقعت عنده ثغرات، لما كلمة شيخ الإسلام ثغرات وفجوات وسد هذه الفجوات علم الكلام إلى آخره، هذا مبني على فهم شيخ الإسلام.
ثم يأتي بعد ذلك يقول: لما أراد أن يخرج الفلاسفة من جوفه ما استطاع، بقيت فيه بقايا، ويستدل بعد ذلك بكلام ابن العربي تلميذه أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى. بخلاف لما تأتي ابن تيمية؛ ابن تيمية لما بلع الفلسفة ثم استقاها لم يتأثر بها، بدليل أنه لم يقم الحق بناءً على ما تعلمه من الفلسفة ولا من علم الكلام إلى آخره، ولا حتى لم يتأثر في رده على المخالفين؛ لماذا؟ لأن ابن تيمية كان داخلاً وعنده باب العقيدة ومقولته واضحة.
لكن لما تأتي بالتفصيل، ودخول ابن تيمية في التفاصيل، هل كل التفاصيل التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله هو مصيب بها؟ وهل تستطيع بهذه التفاصيل التي ذكرها ابن تيمية أن تثبت مستنده فيها كثيراً؟ أقول لك ما تستطيع. كثيراً أقول لك ما تستطيع تثبتها مئة بالمئة؛ لأن الدخول بالتفاصيل يضعف، التفصيل غير الأصل. لما تأتي الآن عند الإيمان قول وعمل، هذا أصل؛ هل قوة هذا الأصل في إثباته مثل قوة لما تقول أن العمل المستحب إذا جاء به الإنسان وكان خاصاً بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام يثبت أصل الإيمان؟ لا، مش بهذه القوة، فهنا ممكن نختلف، ممكن تقول لا، الواجب لابد أن يأتي بالواجب، فلابد أن يكون العمل واجباً، أما المستحب فلا نستطيع أن نثبت به هذا الركن، ركن العمل الذي يثبت تبعاً له أصل الإيمان، لكن نفس الإيمان قول وعمل.
هل الاستدلال على هذه المسألة وإثبات صحة هذا الأصل مثل إثبات هذه المسألة الفرعية أو الصورة التي قد يقع فيها الخلاف؟ قطعاً لا؛ لماذا؟ لأن هذه أقوى من هذه، فالدخول في التفاصيل ثم الاستدلال على صحة المذهب بناءً على هذا التفصيل قد يخطئ الإنسان فيه أحياناً. ولكن هذا الخطأ لا يحمل الشخص على إسقاط الأصل، بل الأصل ثبت بالنقل. الأصل ثبت بالنقل وليس بالاستدلال وليس بالاحتجاج وليس بالعقل وليس باللغة.
اللغة هي عبارة عن هذا الثوب الكبير الفضفاض الذي من خلاله يتم إيصال المعنى. هذا الثوب الكبير المتكلم له قصد، يخرج هذا القصد بألفاظ وبعبارات؛ هذه الألفاظ والعبارات توصل قصد المتكلم. هذا الذي يقرأ في اللغة ويفهم اللغة ويستوعب كثيراً من مفردات اللغة، هل بالضرورة سيفهم الكلام الذي يقوله المتكلم؟ لا؛ لماذا؟ لأن هناك استعمالاً. وطبيعي جداً أن اللغة تتغير عند الناس مع تغير أزمنة، نفس حد القالب هذا يتوسع ويضيق، وأقول كلمة أبلغ من هذا: بنفس هذه القوالب تتداخل. فلما تأتي عند كلمة المعروف وكلمة البر وكلمة الإحسان وكلمة التقوى، هذه الكلمات بينها تداخل كبير.
فكلمة التقوى ما تستطيع أن تضبطها بضابط تقول بأن المعروف ما يدخل بها، أبداً. ما العلاقة بين المعروف والبر؟ ما العلاقة بين الإحسان والتقوى؟ ما العلاقة بين التقوى والعبادة؟ ما العلاقة بين التقوى والتوبة؟ إذا أخذت الكلمات عبارة عن هكذا كلمات مفردة، لا علاقة ولا تداخل بين معانيها، أقول لك لن تستطيع أن تفهم. تقول: ما الحل؟ أقول لك الحل أنك تفهم أصل معنى هذه الكلمة، ثم تنظر إلى استعمالات الشريعة الإسلامية، وتنظر إلى تطبيقات النبي عليه الصلاة والسلام، وتنظر إلى ما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم حتى تفهم حدود هذه المعاني وتستوعبها. أما بغير ذلك لن تنتفع كثيراً، أما بغير ذلك لن تستطيع أن تصيب القصد.
لذلك أختم هذه الكلمة بقولي بأن العقيدة ليست خفية، وإنما معتقد أهل السنة والجماعة ليس معتقد من الصعب الوصول إلى حقيقته أو من الصعب فهمه. ولكن الصعوبة أين تكمن؟ تكمن بالتفاصيل، وتكمن كذلك في طريقة التطبيق العملي، هنا تصعب؛ لماذا؟ لوجود التداخل الكبير، ولوجود الفتن الكثيرة، ولوجود الاختلاف الكبير إلى آخره. ولكن نفس فهم أصل معتقد أهل السنة والجماعة ليس من الصعب فهمه، لأن هذا معتقد نقل بالتواتر، والوصول إلى أصله سهل، والطريق إليه ليس بخفي. ولكن لما يدخل الشخص بهذه الطرق الفرعية ولا يستوعب طبيعة هذه الطرق عليه وأثر هذه الطرق عليه، هنا طبيعي أنه يتأثر ولا يصيب الحق، حتى لو كان صاحب علم واسع، حتى لو كان أبو حامد الغزالي، حتى لو كان أبو عبد الله الرازي، حتى لو كان فلان أو فلان من هؤلاء أصحاب العقول الكبيرة والعلم الواسع والإدراك الكبير والقراءة المكثفة إلى آخره، هذه كلها لا تنفع الإنسان كثيراً في إصابة الحق، لأن هذا الإنسان ما سلك الطريق الذي من خلاله يصيب الحق.
علماء الحديث في رد على المتكلمين تفصيلاً، لما غلبوا لم يستطيعوا؛ ردوا بعض الردود، لكنهم كذلك وقعوا بأخطاء في تفاصيل ردودهم؛ لماذا وقعوا بأخطاء في تفاصيل؟
خلاص يا شباب نقف عند هذا، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري