دخولتسجيل الدخول

التعليق على الخراسانية 02 | العقيدة منقولة وحقيقة علم الكلام وانتشار المذاهب بالسلطان

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدّد على طريق الخير خطاكم. نكمل التعليق على كتاب الخرصانية، فقد كنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند الحديث عن المقدمة من بداية الكتاب إلى صفحة رقم 29، ونكمل إن شاء الله تعالى الآن في الحديث من بداية حديث الشيخ عن طريقة تلقي العقيدة، وذكر عقيدة الرازيين إلى بداية حديث الشيخ عن مبحث الإيمان.

سأقف مع هذا المبحث بخمس وقفات، وربما في هذا المجلس نأخذ وقفتين أو ثلاث، وفي المجلس القادم إن شاء الله تعالى نكمل باقي الوقفات. الوقفة الأولى: المتعلقة بطريقة تلقي العقيدة؛ العقيدة منقولة وليس فيها اجتهاد، فمسائل العقيدة لا اجتهاد فيها لأنها من الخبريات، والواجب على الإنسان هو اعتقاد الصواب فيها، وهذا الصواب يؤخذ من التلقي وليس بالاجتهاد، فلا مدخل لعلم اللغة في العقيدة، إنما العقيدة تنقل كما هي.

ودعوني أقدم بمقدمة مهمة متعلقة بطريقة تلقي الكلام أو فهم الكلام، وكنت قد ذكرت في اللقاء الماضي شيئاً من ذلك؛ فهم الكلام لا يكون إلا بعد فهم طبيعة هذا الإنسان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى. إذا لم نفهم الإنسان لا نستفيد كثيراً من كثرة القراءة؛ لماذا؟ لأن الإنسان لما يعرف قسماً من الأقسام، أو لما يعرف طريقاً من الطرق التي من خلالها يصل إلى المعرفة، يظن بأن الطرق الأخرى لا توصل الشخص إلى المعرفة التي يجهلها، وهذه لا يكاد يخرج منها إلا القليل من الناس. بمعنى بعض الناس يظن بأن المعرفة تحصل من خلال الذوق والوجد والكشف كما هو الحال عند الصوفية، وهم يجدون ذلك، ولما يأتي من هو بعيد عن هذه الأحوال يستنكر هذا وربما يستبشع ويتعجب وينكر وجود شيء من هذا، إنما يقول هذا كله غير صواب وأن هذا كله من قبيل الوهم، وهذا الكلام ليس بصحيح؛ فهذا ترد النصوص الشرعية، بل كذلك يرده الواقع. لكن الإنسان لما يجهل طريقاً من الطرق ينبذه ويرد عليه، وهذا كثير عند الناس، وكل إنسان يتشكل بصورة معينة بناءً على ثقافة معينة يعيش بها؛ فتحكم هذه الثقافة في طريقة الفهم، فلا يفهم إلا من خلال التشكل الذي تشكّل هذا الإنسان من خلاله.

لذلك -وهذه كلمة نفيسة وغالية-: مجالسة صاحب العقل أعظم من قراءة الكتب. وليس معنى هذا أن شخصاً ما يقرأ الكتب لا، لكن معنى هذا أن الجلسة التي يكون فيها محاورة ومباحثة وتقريب لطريقة المعرفة أو طبيعة الأشياء إلى آخره، هذه من الصعب أن يأخذها الإنسان من كتب مباشرة، ربما يأخذها لكن يحتاج إلى دُرْبة كبيرة وقراءة كثيرة وقد يصل وقد لا يصل، لكن نفس المجالسة فيها تلاقح للعقول. لذلك كان يقول عمر بن عبد العزيز: ساعة أجلس فيها مع فلان خير لي من كذا وكذا وكذا؛ لماذا؟ لما في هذه الجلسة من ملاقحة العقول. فالإنسان يقرأ ويظن بأنه يفهم، ولكن لما يجلس مع من يفهم يبيّن له وجه الصواب في فهمه، وكذلك وجه الخطأ الذي وقع عنده؛ لذلك يقولون بأن العلم في الكتب والمعلم هو المفتاح، وكذلك كان يقال: من لم يشافه عالماً بأصوله، فيقينه في المشكلات ظنونه. فشخص إذا جلس مع من يفهم يوضح له الذي لا يفهم، بخلاف ما لما يقرأ ويظن بأنه قد فهم.

كانوا يقولون كذلك: قال حمار الحكيم توما: لو أنصف الدهر كنت أركب، لأنني جاهل جهل بسيط، وصاحبي جاهل جهل مركب. وهذا توما كان يريد أن يصبح حكيماً وكانت عنده كتب كثيرة، ولكن الحكمة لا تؤخذ من الكتب هكذا مباشرة، وإن كان في الكتب حكمة، هي وسيلة ولكن ليست هي الوسيلة الأقوى، إنما هي وسيلة من الوسائل. القصد أن الإنسان من حيث هو إنسان، كيف يتلقى الكلام؟ يتلقى الكلام بناءً على الثقافة التي عاش بها. تقول: فسّر أكثر؟ أقول لك: لماذا اختار الله سبحانه وتعالى العرب بالذات حتى يجعلهم محل العقيدة في ذلك الزمان؟ لماذا لم يتم اختيار الفرس؟ لماذا لم يتم اختيار مثلاً الرومان؟ لماذا بالذات العرب؟ أسباب كثيرة، واختلف العلماء وتنوع كلام العلماء في سر اختيار العرب، وعامة من يتكلم يقول بأن سبب اختيار العرب هو أخلاق العرب؛ الأخلاق التي كانت موجودة عند العرب هي التي جعلتهم محل اختيار الله سبحانه وتعالى لهم، ومنهم من يقول لفصاحة لسان العرب، وابن تيمية يقول بأن فصاحة لسان العرب دليل على قوة العقول، فاللسان الفصيح كاشف عن عقل الإنسان، وذكر هذا في اقتضاء الصراط المستقيم وتوسع به.

الآن لما نأتي عند العرب، الله سبحانه وتعالى ذكر اعتقاداتهم في القرآن الكريم، وذكر بأنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان إلى آخر ما كانوا يفعلونه. طيب هل العرب كانوا أصح الناس عقولاً مع وجود هذه العبادة الوثنية عندهم؟ الجواب: نعم، العرب كانوا وثنيين، ولم تكن الوثنية خاصة في العرب، إنما كانت منتشرة في العالم كله، ولكن العرب كان علمهم بسيطاً، والمشكلة الكبيرة عند العرب كانت متعلقة بالنفس وليست بالعقل. والنفس لما تغلب تسيطر على العقل؛ بمعنى الإنسان قد يكون عنده عقل وافر وكبير، ولكن كذلك يكون نَزِق النفس، أو يكون متعصباً، أو يكون غير متجرّد من هوى نفسه، هذا الإنسان طبيعي جداً أن هذه النفس تسيطر على العقل، فالنفس لما تقوى ولا يجردها الإنسان، حتى لو كان صاحب عقل كبير ما ينتفع بعقله. ولنا مثال في خالد بن الوليد، ولنا مثال كذلك في عمرو بن العاص؛ فخالد بن الوليد لو قدّر له أن يموت قبل أن يموت الوليد بن المغيرة لما أسلم، وكذلك عمرو بن العاص، مع أن خالداً هو خالد الذي أظهر الناس بعقله، وإلى اليوم لم يأتِ قائد مثل خالد بن الوليد عسكرياً، وعمرو بن العاص الذي كان يلقب بأرطابون العرب، هذا الداهية الكبير، هذا العقل صاحب العقل الوافر الواسع لم يسلم، بينما نجد أناساً قد يكونوا أقل وأسلموا وقادوا إلى الدين. لماذا؟ ما السر؟ السر هو النفس، قوة النفس؛ فالنفس هنا كانت متعصبة، فالعرب كان عندهم هذا الإشكال، التعصب النفسي؛ التعصب النفسي منع العقل، لكن هل العقل كأداة كان عند العرب مشوّهاً؟ لا لم يكن مشوهاً.

هذا هو الفارق بين العرب وبين بقية الأمم، العرب لم تكن عندهم فلسفة، العرب لا يعرفون أرسطو ولا أفلاطون، العرب لم يكن عندهم من علمهم التعليم المسموم، إنما كانوا جهلاء جهل بسيط، وصاحب الجهل البسيط أسرع بالفهم من صاحب الجهل المركب. فلما تأتي عند شخص متعلم ومثقف إلى آخره ولكن تعلمه وثقافته لم تكن بطريقة صحيحة، هذا يصعب أن تقنعه، ليست تقنعه فقط، يصعب أن يفهم الكلام؛ لا أقول الإقناع، الإقناع حالة تالية، لا قبل هذا أن يفهم كلامك الذي تقوله، ما تستطيع أنك تفهمه؛ لماذا؟ لأن هذا الإنسان عقله مشوش، عقله مسرطن، فتحتاج إلى معالجة كبيرة حتى تزيح السرطان الموجود في عقله حتى يفهم كلامك؛ حتى يفهم الكلام الذي تقوله. أما الشخص لما يكون عنده لا يوجد في عقله شيء، إنما هو جهله جهل بسيط، المشكلة كلها متعلقة بالنفس، هذا يفهم الكلام.

لذلك حتى أقرب لكم الصورة، الآن لما تأتي عند مفهوم الإله، من هو الإله؟ هو المعبود. لما تأتي الآن عند الرومان من عندهم الإله؟ لما تأتي عند النصارى من عندهم إله؟ لما تأتي عند اليونان من عندهم إله؟ صورة الإله عبارة عن رجل عظيم ضخم كبير، فلما تذكر اسم الله أو لما تذكر المعبود هو مباشرة ذهنه يتصور رجلاً لكنه كبير ضخم وهكذا، فهذا الإنسان الذي عنده التصور للإله بهذه الطريقة، يصعب أن تثبت عنده العقائد الإسلامية كما نزلت، لأنك تحتاج الآن إلى إزالة كبيرة جداً لما في عقله، ثم بعد ذلك أن تبني العقيدة الإسلامية أو التصور الإسلامي كما هو. لذلك تجدون الصحابة لما فتحوا البلدان اعتنوا بالصغار الذين لم تسبق إلى عقولهم تصورات آبائهم وأجدادهم، فأصبح عندنا مجاهد بن جبر، وأصبح عندنا محمد بن سيرين، وفلان وفلان؛ الحسن البصري إلى آخره من العلماء الكبار، لماذا؟ هؤلاء لم تسرطن عقولهم، هؤلاء ولدوا على الفطرة، فأخذهم الصحابة وهم على الفطرة. أما الكبار ليسوا بهذه الطريقة، ولا بهذه الصورة، فيصعب أن يصل التصور الإسلامي كما هو عند صاحب عقل تعرّض إلى سرطان فكري.

إذاً لما تأتي عند العرب ما كان في عقولهم شيء، المشكلة كلها بالنفس، فلما كُسرت هذه النفس، أو لُبّت هذه النفس، أو لما تم الانتصار عليهم، العقول صافية؛ العقول لم يكن بها شيء، لم تكن مسرطنة. فجاءت التصورات الإسلامية تنزل في مكة 13 عاماً متتابعة متتالية، حتى يستقر عند الناس مفهوم الإله، حتى يستقر عند المسلمين وعند الكفار من هو الله، وما المراد بيوم القيامة، وما معنى يوم القيامة، وما المراد بالنبوة والرسالة إلى آخره. فنفس التصورات الإسلامية نزلت بهذه الطريقة، ثم لما تأتي وتنظر إلى صفات الله سبحانه وتعالى، إلى الإيمان، ما المراد بالإيمان؟ ما المراد بصفات الله سبحانه وتعالى، سواء كانت الصفات الخبرية أو كانت الصفات الفعلية؟ ما المراد بهذه الصفات؟ الصفات الذاتية، الصفات الخبرية، الصفات الفعلية، أفعال الله سبحانه وتعالى، هل تنسب هذه الأفعال له حقيقة، أو هذه الصفات تُؤوّل، هذه الأفعال تُؤوّل؟ كذلك لما تأتي عند الصفات الذاتية المتعلقة به؛ الوجه، اليد إلى آخره.

فالقصد من ذلك أن لما نأتي الآن عند الصفات، الصحابة كيف فهموا هذه الصفات؟ فهموها بصورة معينة محددة، ونزلت هذه الآيات تباعاً، ثم الصحابة علّموا التابعين، ثم التابعين علّموا أتباع التابعين، فانتقلت العقيدة بهذه الصورة، وليس من خلال اللغة؛ أي ليس من خلال أن اليد تحتمل باللغة مثلاً معنى القدرة أو معنى النعمة، فهنا اليد تُؤوّل على القدرة أو تُؤوّل على النعمة. ومن تأوّل من الصحابة رضي الله عنهم -أقصد هنا بالتأويل التفسير، ولا أقصد بالتأويل المعنى الآخر- فمن تأوّل في بعض الصفات ليس قصده صفة؛ فمثلاً في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: 42]، يقول ابن عباس: الشدة، والعرب تقول: إذا اشتدت المعركة قامت الحرب على ساقها، فهنا قال: يوم يكشف عن ساق عن شدة، هو لم يأخذ هذه الآية بأنها من آيات الصفات، إنما فسّرها على أنها عن شيء سيكون في يوم القيامة أو معنى سيحدث في ذلك أو وصف لذلك اليوم، ولكن ليس المقصود هنا عن صفة، ليس المقصود أن هذه الآية هي من قبيل الصفات. فهنا التفسير ليس من قبيل الصفة، إنما هو من قبيل هذا الأمر.

فالقصد من ذلك أن لما نأتي الآن وننظر في آيات الصفات وأحاديث الصفات الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، نجد بأن الصحابة تلقوها بالقبول ولم يتأوّلوها ولم يفوّضوها، بل كانوا يفهمون هذا الكلام، ثم جاء بعد ذلك التابعون وأخذوا منهم هذه العقيدة، وهكذا فبدأ الناس يتناقلون هذه العقيدة. المشكلة التي وقعت في علم الكلام، أو المشكلة المتعلقة في تأويل الصفات إلى آخره أو عدم أخذ العقيدة هكذا، وقعت عند العجم ولم تقع عند العرب، ووقعت في البلاد البعيدة عن الحجاز، عن جزيرة العرب، ولم تقع في بلاد العرب؛ إنما وقعت بالعراق، وقعت بخراسان، وأكثر الفتن وقعت هناك، أكثر الفتن والبدع وقعت هناك، سواء كان قصد من ابتدع حسناً أو غير حسن، هذا لا عبرة له، لا عبرة لقصد الإنسان إلا في الحكم عليه هو، لكن في نفس المذهب نقول بأن هذا قول خاطئ؛ لماذا؟ لأن هذا قول مخالف لما جاء في كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولما فهم الصحابة والتابعون، فهذا القول نفسه خاطئ.

لذلك ليس من الصواب أن نطيل في الحديث عن الأشخاص مقارنة بالحديث عن المذاهب، ليس من الصواب أن نبحث بحث حديث: ما حكم ابن رشد الحفيد؟ هل هو كافر أو غير كافر؟ ونبدأ هكذا نسعى جاهدين حتى نصل إلى الحكم على الشخص المعين، وبالنهاية لا نجد حكم العلماء عليه واضحاً وبيّناً، إنما الأصل أن ننظر إلى نفس المذهب، إلى نفس المسألة، ثم بعد ذلك المرجحات التاريخية في الحكم عليه؛ هل هو قصد السوء أو لم يقصد السوء؟ القصد للشخص هذا يأتي بعد ذلك، وليس هذا بكبير أهمية، فلن تسأل عن أعيان الأشخاص، إنما ستسأل عن نفس المعتقد. وهذه أصل منهجي مهم أن يتعامل معه طلاب العقيدة، لأن كثيراً من طلاب العقيدة يسعى للحكم على الأشخاص، ويبذل الجهد الكبير حتى يحكم على هذا الشخص بعينه وذاك بعينه، وهذا الإنسان إذا لم يكن معاصراً لك ليس مصاباً أنك هكذا تبحث عنه بهذه الصورة، وممكن يكتفي الشخص بكلام العلماء المعاصرين له أو إذا ظهر من كتبه.

بأن بأنه قاصد القصد السيئ، فهذا نعم ممكن أن ينسب إليه هذا، ولكن في كثير من الرجال لا تستطيع أن تحكم عليهم بهذه الطريقة، لا تستطيع أن تحكم عليهم بهذه الصورة. وسأبين مثل ما ذكرت، أن شخصاً يبالغ في التشدد في الحكم على الأشخاص، خاصة التاريخيين، أي ممن مضوا وانقضوا.

مثل لما نأتي الآن عند أبي الحسن الأشعري، هل أبو الحسن الأشعري رجل قصد السوء، أو أبو الحسن الأشعري رجل كان كذا وكذا؟ لما نقرأ في كلام الهروي مثلاً في «ذم الكلام وأهله»، نجد بأنه كان يقول بأن أبا الحسن الأشعري لم يكن يصلي، وأنه كان يفعل كذا ثم يصلي من غير وضوء؛ كان يقول يصلي من غير وضوء. هل هذا الكلام تثبته؟ كثير من هذا لا يمكن أن يثبت، كثير من هذا لا يمكن أن يثبت، وليس من الصواب الدخول الكبير به. وهذه فائدة وقاعدة وأصل منهجي مهم جداً في قراءة وفي الحكم على الآخرين، وكذلك في طريقة تلقي العقيدة، وبحث المسائل.

فليس كل شيء تستطيع أن تحكم عليه، أقصد الأشخاص، لكن نفس المسائل نحن نجزم بصحتها ونجزم أنها عقيدة منقولة، ونجزم أن هذا معتقد أهل السنة والجماعة، ومن يخالف فيه فهو ما بين البدعة والكفر على حسب المخالفة، وكذلك على حسب حال الشخص؛ إذا كان متأولاً وغير متأول، مكرهاً وغير مكره، إلى آخره.

فالقصد من ذلك أننا لما نأتي عند الاعتقاد نجد بأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم بلغوا الاعتقاد بهذه الطريقة، بلغوا الاعتقاد بهذه الصورة، ولم يتعمق ولم يتكلف الصحابة في مسائل الاعتقاد، إنما كانوا يفهمونها كما هي. والقصد هنا كما هي: أي نفس الشخص لما يقرأ الكتاب، ويستقر في وجدانه، في نفسه، في عقله، في ذهنه المعنى؛ هذا هو المعنى الذي فهمه الصحابة.

فلما تقرأ مثلاً في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر»، هنا تفهم معنى النزول، وتفهم بأن النزول ليس معناه الارتفاع، تفهم بأن النزول ليس معناه الذهاب إلى اليمين أو إلى اليسار، تفهم معنى كلمة النزول. ما معنى كلمة النزول؟ إذا استقر في ذهنك الآن؛ لكن هل هذا النزول هو مساوٍ ومطابق لما يقع ومماثل لما يقع من البشر؟ لا، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، فنفصل بين المعنى وبين الكيف. بين المعنى وبين كيف ينزل؟ لا ندري، ولكن نفهم المعنى. نفهم المعنى، والمراد هنا بالمعنى هذا أصل المعنى، وليس تمام المعنى الذي يدخل به الكيفية.

الإشكال وقع لما أراد هؤلاء أن يتكلفوا في فهم هذه المعاني، أرادوا أن يتكلفوا في فهم هذه المعاني، ولم يتقبلوا الفهم العام الإجمالي، فأرادوا أن يدخلوا في هذه المعاني وتكلفوا معها، وتعاملوا مع مسائل الاعتقاد مثل ما يتعامل الشخص مع مسائل الفقه، مثل ما يتعامل مع المسائل الفقهية، هنا لم يستطيعوا أن يصلوا، فاضطروا إلى أن يتكلفوا. ثم لما تكلفوا، بدأوا يؤصلون هذه التأصيلات والقواعد العقلية الكلامية التي من خلالها راموا الدفاع، ولكنهم وقعوا باضطراب لم يستطيعوا الخروج منه.

فالقصد من ذلك أن الرازيين كانوا على علم بهذا، لذلك لم يكتفوا بفهم هذه المصطلحات الشرعية من خلال اللغة، ولم يأخذوها من علماء خراسان، إنما انتقلوا وطافوا البلدان وأخذوها من مصدرها. وهذا كان هدي العلماء. فكذلك البخاري لما ذكر في عقيدته قال: بأني أدركت عالماً كلهم يقولون بأن الإيمان قول وعمل. هنا قول وعمل في تفسير الإيمان، تستطيع أن تفسره من خلال اللغة، وتستطيع أن تأخذه من خلال نفس أصحاب العلم أو نفس من نزل عليهم القرآن الكريم.

إذا دخلنا من باب اللغة نستطيع أن نثبت أن الإيمان قول وعمل، ولكن يستطيع المخالف كذلك أن يخرج العمل من مسمى الإيمان. وليس معنى هنا أن المخالف الذي يخرج العمل من مسمى الإيمان قوله مصيب، لا، ولكن قصدي هنا أن الذي سيدخل من خلال اللغة يستطيع أن يتأول هذه النصوص، ويستطيع أن يتأول اليد بكذا، ويستطيع؛ نعم، سيتم الرد عليه ولا بد من الرد والبيان، ولكن هل الأصل الآن في إثبات العقيدة هو نفس الرد الذي كان يطبقه ابن تيمية وكذلك ابن القيم، أو نفس نقل هذه العقيدة من خلال السلف الصالح؟

يعني لما نأتي الآن عند اليد، ونقول بأن اليد معناها اليد الحقيقية اللائقة بالله سبحانه وتعالى، ونرد على من يقول بأن اليد معناها القدرة أو معناها النعمة، ثم نأتي بعد ذلك بالتثنية: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، هل المراد هنا باليدين اليدين حقيقة أو المراد باليدين النعمتين أو القدرتين؟ هل يستقيم هذا؟ لا يستقيم هذا. هذه الاعتراضات التي كان يقدمها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وكذلك ابن القيم مهمة ومفيدة، ولكن هذه الردود كلها قائمة بالأصل على العقيدة المنقولة.

يعني الأصل في هذه الردود التي كان يظهر فيها شيخ الإسلام صحة معتقد أهل السنة والجماعة، ويرد على الشبهات التي كان يقولها علماء الكلام؛ هي قائمة بالأصل على نفس العقيدة المنقولة، أي العقيدة المنقولة لم تؤخذ بالأصل من اللغة. هذا الذي يقصده؛ العقيدة المنقولة هي منقولة، ليس الأصل فيها أن نرجع إلى ما يقوله علماء اللغة ثم بعد ذلك أن نقول بأن المراد كذا، لا، إنما الأصل أن هذه العقيدة هي عقيدة الصحابة، هي عقيدة التابعين، هذه العقيدة هي التي كان يعتقدها البخاري، وكان يعتقدها أحمد بن حنبل، وكان يعتقدها سفيان الثوري وفلان وفلان وفلان من أمة الإسلام، ولا نجد هؤلاء العلماء يختلفون.

لماذا أقول هذا الكلام؟ أقول هذا الكلام لأن بعض مسائل العقيدة يعسر على الشخص أن يستدل عليه، لكن ينقله، يأتيه منقولاً. وهذه المسائل الضيقة أو القليلة التي ممكن الشخص أحياناً ينظر إليها ويتعجب، المخالف لنا من الأشاعرة وكذلك الماتريدية إلى آخره من المذاهب البدعية، ما عندهم أكثر وأكبر بكثير من هذا، إنما هذه المسائل فقط تنقل، فيكتفي الشخص بالنقل، ثم بعد ذلك يأتي ويبين. لذلك من المهم جداً أن نثبت أولاً طريقة تلقي العقيدة، ما هي الطريقة التي من خلالها نستطيع أن نأخذ العقيدة؟ أعني السلفية أو عقيدة أهل الحديث؛ هل من خلال اللغة؟ هل من خلال الاجتهاد؟ هل من خلال كذا وكذا؟ أو من خلال نفس ما كان يقوله الصحابة والتابعون وأتباع التابعين؟ واضح هذا الأمر.

إذاً، هذا الأمر الأول مهم جداً أن يستوعبه الإنسان وأن يفهمه. هنا الرازيان أبو زرعة وأبو حاتم صنعا هذا الشيء، فلم يكتفِ أبو زرعة وأبو حاتم بأخذ العقيدة من علماء خراسان، بل طافا العالم، ذهبا إلى مصر والشام والحجاز واليمن، وتلقيا العقيدة من مصدرها، وتلقيا العقيدة من أئمة أهل السنة والجماعة، وكان الواحد ينقل عن الواحد حتى يصل إلى الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

ولم يكن من هدي أهل السنة والجماعة التفسير للعقيدة، فلم يكونوا يفسرون العقيدة، إنما كانوا ينقلونها من غير خوض في تفسيرها، خاصة ما يتعلق بالصفات أو مبحث الصفات، فكانوا يذكرونها ويقولون بأنها لا تفسر. يقولون بأنها لا تفسر كما كان يقول الإمام أحمد، وقبل كذلك سفيان بن عيينة، وكذلك قال الإمام مالك كما نقل عنه ابن عبد البر لما ذم علم الكلام ثم قال بعد ذلك: ولم يسكتوا كما سكت الصحابة والتابعون. أي هذه العقيدة تؤخذ كما هي، تؤخذ كما هي من غير خوض في التفاصيل.

هذا الأمر استمر حتى جاء زمان الإمام أحمد. لما جاء زمان الإمام أحمد ظهرت البدعة. قبل ذلك كان ظهورها ضعيفاً، فكان علماء أهل السنة والجماعة يكتفون في البيان والرد العام والإجمالي والتحذير من هؤلاء فقط، لم يكونوا يخوضون معهم في التفاصيل، لم يكونوا يخوضون معهم في النقاش إلى آخره. لكن بعد ذلك لما ظهرت البدعة في زمان المأمون وقويت، وقوي أصحابها وأصبحت لهم شوكة وظهور، هنا خاض العلماء معهم، وأخذوا يناظرونهم، وبين ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى بأننا كنا نسكت، لكن لما تكلموا تكلمنا، فإذا سكتوا سكتنا.

هنا انتقل علماء أهل الحديث في المناظرة والمحاجة والمناقشة إلى مرحلة ثانية، اضطر العلماء فيها للبيان، اضطر العلماء فيها لضرب بعض الأمثلة العقلية، ولكن لم يدخل أحد منهم في علم الكلام، بل كانوا يذمون هذا العلم. وهذه هي الانتقالة الثانية.

علم الكلام والمدارس الكلامية: تعريف علم الكلام هو العلم الذي يقوم على الأدلة العقلية التي اعتمدها المتكلمون في إثبات العقائد الدينية، وفي إيراد الحجج على تثبيت صحة العقائد الدينية ورد الشبهات. وعلم الكلام لما ندخل به نجد بأن الحديث عنه كثير، والمصنفات فيه قليلة ليست كثيرة، وأهم مصنف فيه تاريخي هو «ذم الكلام وأهله» للهروي الأنصاري أبي إسماعيل الهروي الأنصاري رحمه الله تعالى، لكن هذا المصنف فيه نقل لما كان يقوله السلف الصالح، وفيه بعض الزيادات، وليس كتاباً محرراً، إلا أنه مهم من حيث معرفة ما كان يقوله السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم.

وابن تيمية أكثر الكلام رحمه الله تعالى وله رسالة طبعت قبل عدة سنوات بعنوان: «بيان معنى الكلام وما كان يقوله السلف وما يقصدون من علم الكلام»، طبعت في «جامع المسائل» في المجموعة التاسعة، أول رسالة فيه تقريباً عشر صفحات، هذه الرسالة أو أكثر بقليل، رسالة مختصرة وفيها بيان المراد من علم الكلام؛ لأن علماء الكلام شغبوا كثيراً على كلام السلف، وحرفوا كلام السلف عن مقصده وعن معناه.

وكذلك في المعاصرين كتب كثيرة، منها «القواعد السلفية»، كتاب رسالة صغيرة هكذا 100 صفحة جيدة، فيها جمع جيد. ومن أراد أن يتوسع في دراسة تاريخ هذا العلم يرجع إلى كتاب «المرجع في تاريخ علم الكلام»، هذا الكتاب طبع قبل عدة سنوات كذلك من مجلدين كبيرين، وفيه هو كتاب مترجم من 37 بحثاً، وفيه حديث موسع عن علم الكلام وتاريخ هذا العلم.

القصد من ذلك أن علم الكلام كان متقدماً في الأمة، ومنهم من يقول بأن أول من ابتدع هذا العلم أو من تأثر به وأخذ يثبت العقيدة من خلاله التي كان يعتقدها، هو واصل بن عطاء، ومنهم من يقول بل الجهم بن صفوان. والجهم بن صفوان وواصل كانا متعاصرين، وجهم كان في خراسان وواصل كان في العراق.

القصد من ذلك أن أبرز المدارس الكلامية مدرسة الجهمية، وكذلك المعتزلة، وكذلك الأشعرية، وكذلك الماتريدية، هذه المدارس الأربع هي أبرز المدارس الكلامية المنتسبة للمسلمين. بدأ علم الكلام في الأمة قديماً ولكن لم يكن له ظهور، فلم يدخل السلف الصالح معهم، إنما ثبت عن جماعة من السلف ذم هذا العلم. وأكثر من تكلم عنه من علماء الإسلام الإمام الشافعي، فكان يقول: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال. وكان يقول: لو ارتكب شخص ما ارتكب من الذنوب والمعاصي ما خلا الشرك أفضل من أن يدخل في علم الكلام. وكان يستطيع لو أراد أن يصنف كتاباً في علم الكلام، لكنه لم يفعل ذلك لعدم وجود الحاجة في زمانه.

وكان كذلك مالك يشد، بل بعض المتكلمين وهذا من العجيب كما ذكر في حاشية الإيجي، أنه أول من قال بالكلام هو الإمام مالك، ولكن مالك كان يشد كما ذكر ابن عبد البر في كتاب «جامع بيان العلم وفضله»، وكذلك الهروي في «ذم الكلام»، ذكر بأن مالكاً كان يشد على هؤلاء وكان يرد عليهم. وكذلك أبو حنيفة النعمان؛ كان محمد بن الحسن الشيباني يقول: كان أبو حنيفة ينهانا عن علم الكلام ويأمرنا بالإقبال على علم الفقه.

وكذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ الإمام أحمد في زمانه انتقل مثل ما ذكرت الحال، فأصبح ظهور للمعتزلة وكذلك للجهمية، فاضطر الإمام أن يرد عليهم وأن يدخل معهم، وأورد الإمام بعض الحجج العقلية في الرد على هؤلاء، وإن كان هو بالأصل كان يقول: لا أحدثكم إلا بما في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واستمر هذا الأمر، وبرز كذلك في زمان أحمد ثلاثة من علماء الكلام: الأول ابن كلاب، والثاني الحارث المحاسبي، والثالث أبو العباس القلانسي. وابن كلاب والحارث والقلانسي، هؤلاء الثلاثة كانوا من متكلمة أهل الحديث مع تجوز في هذا الإطلاق، وكان يقول بعض المتأخرين مثل السبكي: لو قام ابن كلاب وناظر هؤلاء لما تسلط هؤلاء على أحمد بن حنبل، فكان يرى بأن أحمد لم يكن يقوى عليهم كما.

كان يقوى ابن كلاب لدخوله في علم الكلام. فالمقصود من ذلك أن هؤلاء الثلاثة هم سلف الأشعرية، وإلى الآن من اللحظات التاريخية الضبابية هي طريقة تلقي أو تأثر الأشعري بابن كلاب؛ كيف تأثر الأشعري بابن كلاب؟ فالأشعري ولد في سنة 260، وابن كلاب مات في سنة 240، أي بينهما 20 سنة. وبالاتفاق أن الأشعري في أول 40 سنة من حياته كان على مذهب أهل الاعتزال، وممكن في هذه الأربعين سنة، ثم بعد ذلك خلع الاعتزال وانتقل بعد ذلك إلى المذهب الآخر.

واختلفوا بعد ذلك: هل انتقل إلى الحنابلة، الحنبلية، أهل الحديث، ثم بعد ذلك انتقل إلى مذهبه الجديد الأشعري الذي يُنسب إلى الكلابية واقترب كثيراً من ابن كلاب؟ أو أنه انتقل إلى مذهبه الذي استقر عليه عامة المتأخرين من الأشاعرة ثم انتقل إلى أهل الحديث واقترب منهم؟ ومنهم من يقول بأنه اقترب ولم يزل يقترب كما يقول ابن تيمية وابن القيم، ومنهم من يقول بأنه وصل إلى مذهب أهل الحديث كما يقول ابن كثير وكما نقله الزبيدي في طبقاته.

المقصود من ذلك أن الأشعري هو أبرز علماء الكلام الذين يُنسب إليهم هذا المذهب، المذهب الأشعري، وولد في سنة 260 في العراق، ثم مات في سنة 330 وقيل 324. وبرز معه أبو منصور الماتريدي، وانتشر مذهب الماتريدية ودخل عامة الأحناف به، فأصبح المذهب الحنفي ماتريدياً، فأصبح هناك التقاء بين الأحناف وبين الماتريدية، بينما قبل ذلك كان عامة المعتزلة من الأحناف، والأحناف كانوا على ثلاثة أقسام: منهم من أهل الحديث، ومنهم معتزلة، ومنهم ماتريدية. لكن عامة أحناف المتأخرين، بل من زمان أبي منصور الماتريدي إلى زماننا الذي نعيش فيه اليوم، هم على مذهب الماتريدية، والقليل منهم من يكون على مذهب أهل الحديث مثل ابن أبي العز الحنفي وآخره، وليسوا كثرة.

أما المذهب الشافعي فبدأ المذهب الأشعري يدخل به، ولم يستحكم دخول المذهب الأشعري في المذهب الشافعي إلا بعد انقضاء زمان ابن كثير والذهبي والمزي رحمهم الله تعالى. قبل ذلك كان هناك دخول قوي للمذهب الأشعري في الشافعي، وأصبح الكثير من الشافعية على معتقد الأشاعرة، وكذلك المالكية؛ فلم يدخل المذهب الأشعري في المالكية إلا بعد مدة من الزمان بعدما جاء ابن تومرت، وقضى على المخالفين الأشاعرة، قضى على المرابطين؛ هنا انتشر مذهب الأشعري بقوة في بلاد المغرب وتمكن من عامة المالكية، بينما المالكية قبل ذلك كانوا ينفون، وكان يقول أبو عمر الطلمنكي -شيخ ومعلم ابن عبد البر- كان يقول بأن علماء المالكية ينفون الانتساب إلى الأشعري ويمنعون طلابهم من الانتساب له، وكذلك كان ابن عبد البر. لكن بدأ يدخل تدريجياً بعد ذلك المذهب الأشعري في المذهب المالكي.

ولما نقول المذهب، الأصل في إطلاق المذهب عند السالفين هو المذهب العقدي، ثم بعد ذلك غلب الإطلاق على المذهب الفقهي. فالمقصود من ذلك أن المذهب الأشعري تمكن من الشافعية وكذلك من المالكية، وسبب التمكن هذا يعود إلى أمرين اثنين: الأمر الأول إلى السلطة، والأمر الثاني إلى وجود أصحاب العلم أو إلى ظهور الشخص. وهذه فائدة متعلقة بالإنسان أو متعلقة بانتشار المذاهب؛ المذاهب لا تنتشر عادة لصحتها، إنما تنتشر المذاهب لوجود وسائل التأثير.

لذلك من يأتي من المعاصرين ويقول بأن الإسلام لم ينتشر بالسيف ويستعظم هذه الكلمة، ويقول لا؛ الإسلام لم ينتشر بالسيف إنما انتشر بالدعوة، ثم بعد ذلك يقف طويلاً عند انتشار الإسلام في إندونيسيا، لا شك أن هذا الكلام غير صحيح، ويكذب هذا نفس السنة النبوية. متى انتشر الإسلام؟ متى دخلت جزيرة العرب في الإسلام؟ هل دخلت جزيرة العرب في الإسلام قبل الجهاد؟ متى دخل أهل مكة في الإسلام؟ هل دخل أهل مكة الإسلام قبل السيف أو دخلوا بعد ذلك؟ دخلوا بعد ذلك قطعا. ولكن السيف علاقته مع الدعوة هو أنه يمهد الطريق ويزيل اللبس ويزيل الموانع النفسية، ثم بعد ذلك يجعل الإنسان مع عقله مباشرة من غير وجود سيطرة على عقله، فإما أن يدخل هذا الشخص في الدين أو لا يدخل به، هذا الأمر يعود إليه، لا إكراه في الدين. لكن مثل ما ذكرت، البعض أحياناً يريد أن يبرر الإسلام بطريقة مخالفة لطبيعة انتشار المذاهب.

طبيعة الأشياء؛ الله سبحانه وتعالى خلق هذا المخلوق -أي الإنسان- وجعل لهذا الإنسان طرقاً بالتأثير على عقل هذا الإنسان وعلى نفس هذا الإنسان؛ من ضمن هذه الطرق الإعلام، من ضمن هذه الطرق القانون، من ضمن هذه الطرق القوة، الظهور، ومن ضمن هذه الطرق المال، هذه كلها تؤثر على الإنسان، والعقل يتأثر في هذه كلها إلا عند صفوة من الناس، أما عامة الناس فيتأثرون. فلما تأتي الآن عند إنسان عادي وينظر إلى شخص مشهور، ألا يتأثر به؟ يتأثر به. فينتشر المذهب بسبب شهرة هذا الإنسان، وهذا نراه في واقعنا المعاصر الآن؛ هذا إنسان مشهور يتابعه مليون، يتابعه مليونين، هذا يتابعه العدد الكبير، هؤلاء كلهم تأثروا به. هذا بمجرد أن وصل إلى هذا المقام تأثر الناس به، حتى لو كان كلامه ضعيفاً، لو كان كلامه لا يُستحب؛ لماذا؟ لأنه أصبح مشهوراً. هكذا تنتشر المذاهب.

المقصود من ذلك أن المذهب الأشعري سبب انتشاره الأصلي هو وجود السلطة. لما قامت دولة السلاجقة، في بداية هذه الدولة كانت ضد الأشاعرة، وكان ألب أرسلان ضد الأشعرية، والأشاعرة مثل ما ذكرت دخلوا في الشافعية؛ فوقعت صراعات بين الأحناف وبين الشافعية كثيرة، والأحناف كانوا ماتريدية، والشافعية كان كثير منهم أشعرية. فانتصرت الدولة السلجوقية في بدايتها للأحناف، انتصرت للحنفية وانتصرت للمعتزلة، وكان العميد الكندري معتزلياً، فانتصرت للمعتزلة وكذلك الحنفية على الشافعية الأشعرية، وأصبح المذهب الأشعري منزوياً، بل هو كان قبل ذلك منزوياً، لم ينتشر. فانتقل إمام الحرمين الجويني من المشرق الأقصى إلى بغداد إلى العراق، ثم انتقل بعد ذلك إلى مكة والمدينة، وأصبح إمام الحرمين.

ثم بعد ذلك جاء نظام الملك الطوسي، فلما جاء نظام الملك وكان وزيراً لألب أرسلان استدعى الجويني وبنى له المدرسة النظامية، فالآن الدولة تبنت الجويني، تبنت المذهب الأشعري؛ هذا التبني طبيعي جداً أن يشهره، وهذا سبب انتشار المذهب الأشعري بالأصل. فتبنت الدولة السلجوقية في عهد نظام الملك وأسس المدارس النظامية، فجاء الجويني ودرس في هذه المدرسة وبنى له مدرسة خاصة به، فجاء الجويني إمام الحرمين ودرس في هذه المدرسة. وطبيعي لما تتبنى الدولة مذهباً من المذاهب وتصرف له الأموال وتعطي من يطلب العلم عطيات إلى آخره، طبيعي جداً هذا المذهب ينتشر، فانتشر المذهب الأشعري في المشرق الأقصى.

ثم ورثت الدولة السلجوقية الدولة الزنكية، عماد الدين زنكي ثم نور الدين زنكي، هؤلاء كلهم كانوا أحنافاً بالأصل، فانتشر مع ذلك المذهب الماتريدي، وكذلك المذهب الأشعري. ثم بعد ذلك ورثت الدولة الزنكية الدولة الأيوبية، فجاء صلاح الدين الأيوبي وكان يحكم مصر، ثم لما مات نور الدين حكم بعد ذلك الشام وسيطر على مصر والشام، وهو درس المذهب الأشعري في صغره ولم يكن هو من المتعمقين في الأشعرية ولا من المتخصصين بها، إنما هذا المذهب تلقاه في صغره، فاعتمد هذا المذهب وانتشر هذا المذهب، وتعرض الحنابلة لحملات كثيرة. والحنابلة كذلك هم كفوا أنفسهم من الدخول في سلك الدولة والقضاء إلى آخره، فانحصر المذهب الحنبلي في العراق وكذلك في فلسطين، لم يكن له حضور كبير في خارج هاتين البقعتين، وانتشر المذهب الشافعي وانتشر كذلك المذهب الأشعري.

المقصود من ذلك أن مذهب الأشاعرة انتشر من خلال هذه الدول، ثم بعد ذلك في المغرب لما جاءت دولة ابن تومرت، دولة الموحدين، وانتصرت على دولة المرابطين، ودولة المرابطين كانوا من أهل الحديث، بل كانوا يحرقون كتب الغزالي، وكان كتاب إحياء علوم الدين يُحرق في بلاد المغرب ولم يكن أحد يقرأها، حتى جاءت دولة ابن تومرت، وابن تومرت كان من طلاب الغزالي، وانتصر عبد المؤمن بن علي تلميذه على المرابطين، وقد مات ابن تومرت ولم يشهد هذا الانتصار، إنما مات كمداً بعد انتصار المرابطين عليه. فلما جاء عبد المؤمن بن علي وانتصر، نشر هذا المذهب فعم هذا المذهب بقوة، وكانت هذه الدولة هي أشد الدول في معاداة أهل الحديث، أشد من الدولة الأيوبية وكذلك من دولة السلاجقة؛ هذه الدولة، دولة الموحدين، كانت تقيم هذا المذهب بالقوة، فبخلاف تلك الدول فكانت تقيمه بوسائل التأثير: تبني لهم المدارس وتعطيهم المعطيات إلى آخره، فطبيعي جداً الناس يتأثرون لصاحب الصوت الأعلى. ولم يؤمن العرب إلا بعدما وصل النبي عليه الصلاة والسلام إلى فتح مكة؛ قبل فتح مكة كان عدد المسلمين قليلاً، بعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1-2].

المقصود من ذلك أن المذهب الأشعري انتشر بالأصل لما تبنته هذه الدول الثلاث: دولة السلاجقة وكذلك الدولة الأيوبية وكذلك دولة ابن تومرت، دولة الموحدين. وكذلك من ضمن الأسباب القوية في انتشار المذهب الأشعري وجود العلماء الذين أصبح لهم ظهور قوي مثل الباقلاني؛ الباقلاني رد على الرافضة ورد على النصارى ورد على الفلاسفة، فأصبح لهذا الرجل ظهور عالٍ، وكان إمام أهل الحديث في زمانه الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني، كان يقبل بين عينيه. فوجود شخص يبرز بهذه الصورة طبيعي جداً أنه يؤثر، فلما يصل درجة عالية بالتأثير يتسرب مع هذا التأثير فكر هذا الإنسان ومذهب هذا الإنسان، وهذا أمر طبيعي في الإنسان من حيث هو إنسان.

فالمذهب الأشعري برز منه مجموعة من الأشخاص الأقوياء، أو مجموعة من الرجال الذين كان لهم دور كبير في حماية الإسلام، وهذا أمر ما يُنكر، وكم لهم كانت حسنات مذكورة كما يقول ابن تيمية. وابن تيمية كان يعيب على أهل الحديث التقصير؛ من بعد زمان أحمد بن حنبل، الإمام أحمد إلى زمان ابن تيمية هذه القرون الأربعة تقريباً، لم يبرز عالم من علماء الحديث استطاع أن يصنع كما يصنع هؤلاء العلماء؛ لماذا؟ للجمود. تقول لي كيف يعني؟ أقول لك ابن تيمية له انتقادات كثيرة لعلماء الحديث، ليس انتقاداً موجهاً إلى المعتقد، لا، إنما لطريقة إيصال هذا المعتقد.

فابن تيمية كان يقول ويرى بأن أهل الحديث قصروا في مبحث العقليات كثيراً، فلما قصروا به سد هذا المسد المتكلمون، فلما سده المتكلمون تسبب هذا بانتشار هذا المذهب، هذا من الأسباب الرئيسية كذلك بالانتشار؛ يعني لا نكتفي ونقول بأنه انتشر فقط بالسلطان إلى آخره، وإن كان هذا سبباً رئيسياً وقوياً بل هو الأقوى، ولكن كذلك من الأسباب القوية وجود عالم مثل الباقلاني، وجود عالم مثل الجويني، وجود عالم مثل أبي حامد الغزالي، رجل عبقري، والرجل العبقري طبيعي جداً أنه يحرف مجرى التاريخ ويغير مجرى التاريخ.

وابن خلدون رحمه الله تعالى في المقدمة نص بأن أبا حامد الغزالي هو الفيصل بين الأشاعرة المتقدمين والمتأخرين، فالمذهب الأشعري أو علم الكلام قبل أبي حامد الغزالي، ليس فقط علم الكلام بل العلم عموماً، طريقة تلقي العلم بعد أبي حامد الغزالي ليست كقبل أبي حامد الغزالي. وأبو حامد الغزالي رجل من عباقرة البشر، ولا ينكر هذا أحد، ولا يصل شخص إلى أن يكون هكذا في مقام عالٍ عند الناس إلا وهو عبقري، يعني إنسان عادي مستحيل لا يمكن؛ لماذا؟ لأنك ممكن تؤثر على البسطاء لكن لا تؤثر على الأذكياء، تؤثر على الأذكياء لكن لا تستطيع أن تملك قلوب وعقول العباقرة، مستحيل، ما تستطيع.

لذلك الشخص الذي يتجرد، والذي يتجرد كثير من الناس ليس قليلاً -أقصد كثير نسبياً في كل جيل يوجد من العلماء من هو متجرد- هذا المتجرد ما يخضع إلى السلطان الذي يخضع إليه عامة الناس. فلما تأتي عند المتجرد ويقرأ كتب أبي حامد الغزالي ثم يقرأ كتب مثلاً بعض المعاصرين من أهل الحديث، يعني لا يقول بأن هؤلاء أعلم من أبي حامد بالمعرفة والعقل إلى آخره، ولكن نعم قد يكون هو مخطئاً لأنه خالف الكتاب والسنة، وهذه المخالفة تكون بينة واضحة، لكن هذا شيء والعقل شيء آخر. هذا الشيء والعقل، والعقل كذلك لما تأتي عند ابن تيمية والمخالفين مثلاً له من الأشعرية، المتجرد منهم ينص على أن ابن تيمية رجل عبقري وأن ابن تيمية إنسان ليس عادياً، وإن كان هو يخالفه ويرى بأنه أخطأ في كذا وكذا وكذا، لكن لا يستطيع هو أن يغض من حق الآخر، من الذي يغض من حق الآخر؟ إذا كان هو حقيقة متميزاً بهذه الصفة. الشخص الذي لا يتجرد، أو الشخص المتعصب، أو الشخص البسيط إلى آخره، نعم هذا الإنسان هكذا يتعامل.

الشخص الذي يكون عنده عقل ما يستطيع أن ينكر هذا، الإنسان ذكي لكنه ذكي ومع ذلك مخطئ، وقد يكون كافرًا. ابن تيمية كان يقول عن ابن سينا كان كافرًا ذكيًا، وكان ينقل عمن يقول هذا عنه، نعم كان ينقل عمن يقول هذا عنه، لكنه كان كافرًا، ذكر في الانتصار لأهل الأثر.

القصد من ذلك أن وجود الرجل الذكي والعبقري هذا يؤثر في مجرى العلم، وهذا أمر طبيعي؛ يؤثر في مجرى العلم لأن الذكي لا يتأثر إلا بمن هو أذكى منه. الإنسان الذكي لا يتأثر بالشخص العادي، مستحيل؛ إلا إذا كان متجردًا تجردًا كبيرًا، ممكن شيء من هذا، لكن الإنسان أو يكون عنده تعصب مثل ما ذكرنا في المقدمة، يكون عنده تعصب، نعم، لكن الإنسان الذي يكون عنده عقل يفكر، وليست عليه سطوة هكذا نفسية معينة، هذا ما يتأثر إلا بشخص أذكى منه. فلما يكون هذا الرجل أذكى هو يذوب فيه، وطبيعي جدًا أن الأقل يذوب بالأقوى، هذا هو الإنسان، رجل قوي تأتي بشخص أقوى منه يذوب فيه، إنسان ذكي تأتي بشخص أذكى منه يذوب فيه.

هذا هو الإنسان من حيث هو إنسان، يذوب بمن هو أعلى منه، إلا من كما ذكرت، إلا من يعصم، والعصمة هنا إما أن تكون بدين أو تكون باعتداد نفسي، والاعتداد هذا يكون مزيفًا غالبًا ليس حقيقيًا. ذاك المناظر إسحاق بن راهويه والإمام الشافعي، وكان يرى بأنه أعلى منه رحمه الله تعالى عليهما، وهو من أهل الحديث، والشافعي لم يكن مبرزًا في هذا إنما كان مبرزًا بالفقه، فلما ناظر في إيجار بيوت مكة وحاجّه الشافعي وكسرها الشافعي، فكان يقول بعد ذلك حياءه من الشافعي، وكان يستحي من الشافعي، هذا كسر الاعتداد.

القصد أن المذهب الأشعري كان به علماء كبار وأثروا في مجرى العلوم، من هؤلاء أبو حامد الغزالي، بل هو أعلى هؤلاء، وقبله الجويني شيخه، وقبله الباقلاني، فهناك لهم أثر كبير. هذا الأثر في الرد على المخالفين؛ الرد على الباطنية، أبو حامد رد على الجميع؛ أبو حامد ألف كتابًا في الفلسفة فرد على الفلاسفة: مقاصد الفلاسفة والرد على الفلاسفة، وكذلك الرد على الباطنية: فضائح الباطنية، ورد على الكثير من المخالفين لأهل السنة والجماعة. هذا كله مع صياغة العلم، يعني لما تقرأ في كتب المصنف في أصول الفقه قبل أبي حامد، ثم لما تأتي عند أبي حامد رحمه الله تعالى تجد العلم تغير، لأن نفس صياغة أبي حامد الغزالي، أبو حامد مميز بصياغته، أبو حامد يشرب العلم ثم بعد ذلك يذيب بقلمه، والذي يقرأ لأبي حامد الغزالي من غير أن يقرأ لابن تيمية سيذوب فيه.

وجرب طبعًا هذا ليس للجميع، لكن لمن عنده هكذا قدرة أن يقرأ لبعض كتب أبي حامد، يعني يقرأ مثلاً له إلجام العوام، اقرأ له مثلاً إحياء علوم الدين، اقرأ مثلاً له مقاصد الفلاسفة، اقرأ تهافت في الرد على الفلاسفة، اقرأ كتب أبي حامد، كتب أبي حامد سهلة ليست صعبة، يعني أبو حامد أسلوبه سهل، ليس من الأشخاص الذين أساليبهم صعبة بكتابته، ستلاحظ بأنك تذوب فيه إذا ما كان عندك علم مسبق بردود ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه؛ لماذا؟ لقوة عقل الإنسان. أبو حامد رجل عبقري، هذه العبقرية تؤثر في الإنسان، فهو أثر في الناس في زمانه ثم أثر في الناس في كتبه.

لذلك لما جاء محمد رشاد سالم في كتابه مقارنة بين ابن تيمية والغزالي، ورأى بأن الذي يمثل المذهب الأشعري هو الغزالي وليس الرازي، والذي يمثل مذهب أهل الحديث هو ابن تيمية، قال: ولم يزل هذين المذهبين يتصارعان، والغلابة؛ وهذا الكتاب ألف في سنة 1973م يعني قبل الصحوة الإسلامية المعاصرة التي حملت معها ابن تيمية والتي قامت على ابن تيمية، يقول بأن الغلبة للمذهب الأشعري؛ لماذا؟ لأن الدول تبنت هذا المذهب، وفي المقابل ابن تيمية، ثم عقد مقارنة بين هذين الرجلين وهذا الرجل خبير وبصير في كتب أبي حامد وكذلك في كتب ابن تيمية، بل هو الذي حقق كتب ابن تيمية الكبار محمد رشاد سالم رحمه الله تعالى.

القصد من ذلك أن أبا حامد رحمه الله تعالى أثر في مجرى العلم وأثر في عقول الناس. وابن تيمية من درره العظيمة التي تدل على عبقرية هذا الرجل وعلى عظمة هذا الإنسان، لما يتكلم في طريقة أو سبب انتشار هذا المذهب، ذكر في مقدمة بيان تلبيس الجهمية في رده -طبعًا هو الأشعرية كما تعرفون لأن هذا الكتاب ألف بعد ما ألف الحموية ثم اعتراضات المصرية على الحموية ثم بعد ذلك ألف هذا- يقول بأن الواحد منهم كان يخوف في صغره، فكان يؤتى الطالب ويعظم عنده صورة الشيخ، فلما يعظم عنده هو يستصعب أن يخالفه ويقول لا يمكن أن يكون عنده جواب، هذا هو الإنسان. هذا كله علم عالٍ من ابن تيمية، وابن تيمية رجل عبقري، والعبقري لا يخضع عادة لغيره، لكن ابن تيمية مع عبقريته الله سبحانه وتعالى نور قلبه بنور الإيمان والعلم والهداية والقرآن، فهو تشرب الكتاب والسنة ثم ذلك حكم بناء على هذا النور، أي لم يتكئ على عقله، لكن هو بين وأبرز، وهذا إبراز عالٍ وليس عاديًا من هذا الرجل.

فكان يبين بأن ابن تيمية متعجب لماذا المذهب الأشعري ينتشر بهذه الطريقة مع أن المذهب مليء بالثغرات مليء بالتناقضات، ولا بعض المعاصرين محمد بن ياسين كتاب جميل بعنوان تناقضات الأشعرية التي أبرزها ابن تيمية رحمه الله تعالى، كيف مع وجود كل هذه التناقضات ينتشر هذا المذهب؟ فابن تيمية يدخل الآن إلى كشف الإنسان كيف الإنسان يتأثر، فلما تأتي عند طالب علم ثم تضخم عنده صورة هذا الإنسان تضخم عنده صورة هذا العالم، هو لما تقع عنده هكذا الاعتراضات العقلية الذهنية يقول: لا، لا يمكن أن لا يكون عنده جواب، ثم هو لأن نفسه ثابتة ينقاد مباشرة لأن خلاص العقل ما يكون له تأثير على الإنسان من حيث هو إنسان فيتأثر مباشرة ويذوب في هذا الإنسان ويتقبل منه الكلام.

لذلك لا تجدون أصحاب البدع والمخالفين لأهل السنة والجماعة يكفون عن النقاش؛ لماذا؟ كلما تذكر معنى هو يعترض عليك ولو كان الاعتراض يستحي الشخص أن يقوله، لماذا؟ لأن هذا الاعتراض سيؤثر بالتابع، لأن هذا الاعتراض، والله قبل فترة يعني قبل عدة سنوات كنت أقرأ في كتاب لأحد المداخله في كنت أريد أنظر يعني في رد هذا على الرجل هذا العالم الكبير المعاصر، فقرأت في هذا الكتاب لا أدري كيف يتأثر الناس بهذا الكلام لكن يتأثرون، لماذا؟ لأن قيل كذا، فقط بمجرد أن يقول هذا الإنسان قولًا أو يرد أو يعترض خلاص، هذا اعتراض، اعتراض ليس اعتراض، هذا ليس اعتراض أصلاً يستحي الشخص أن يقوله، وبعض الكلام معارضته تغني عن الرد عليه كما يقول العلماء، لكن لأن تم الاعتراض يتقبل الإنسان، هذا هو الذي يقع مع الناس، وهذا تقع مع الإنسان من حيث هو إنسان، فهو يتشرب المذهب المعين ثم يعظم عنده هذا الشخص ثم بعد ذلك يقبل منه هذا الاعتراض ولو كان الاعتراض لا يقوله الإنسان، لماذا؟ لأن العقل انتهى الآن، العقل غير موجود، الآن فقط التسليم لما يقول هذا الرجل وهذا العالم.

القصد من ذلك أن المذهب الأشعري السبب الثاني في انتشاره هو وجود هؤلاء، فانتشر المذهب الأشعري وعم في هذه البلاد، فعامة دول المشرق بل كذلك المغرب هي على مذهب الأشعرية، أما المشرق الأقصى أي من العراق فمن يليها إلى بلاد الهند هذه كلها على مذهب أبي حنيفة النعمان في الفقه، وكذلك على مذهب الماتريدية في الاعتقاد على مذهب منصور الماتريدي في الاعتقاد إلا ما ندر، إلا ما قل، أما عامة هؤلاء فهم على هذا المذهب. ولما نأتي وننظر في البلدان الإسلامية نجد بأن الجزيرة العربية المذهب الغالب عليها الفقهي هو المذهب الحنبلي، ثم لما نأتي وننظر إلى مصر نجد المذهب الشافعي مع وجود حضور المذهب الحنفي، بلاد الشام نجد المذهب الحنفي مع الشافعي ما زالا يتصارعان ما كانت الغلبة إلى الآن للمذهب الحنفي، ومع وجود بعض الحنابلة هناك، وكذلك بلاد المغرب نجد من ليبيا إلى بلاد المغرب ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا إلى آخره، هذه كلها على المذهب المالكي الفقهي.

ولكن المذاهب التي انتشرت في هذه البلدان هي المذهب الأشعري، فالمالكية تمكنت منها الأشعرية في القرن السابع لما قامت دولة ابن تومرت أدخلت المذهب الأشعري في المذهب المالكي، وقبل ذلك كان هناك دخول للمذهب الأشعري في المذهب المالكي؛ فأبو الوليد الباجي كان من الأشاعرة وتأثر بالأشعرية وأدخل هذا المذهب، وكان في زمان أبي الوليد الباجي صراع مع أهل الحديث، وعامة أهل المغرب كانوا على معتقد أهل الحديث، وكان ابن عبد البر وكذلك ابن حزم يرد على الأشاعرة يرد عليهم ردودًا شنيعة وقوية، ومن ثم رد على الأشعرية وعنف ابن حزم عليهم كثيرًا وكان يقول عنهم كلامًا لا يقوله إلا هو.

القصد من ذلك أن الصراع كان قويًا في المغرب، لكن لم يستقر هذا إلا مع وجود الدولة، فتمكن المذهب الأشعري من المذهب الشافعي والمذهب المالكي، ولم يدخل في المذهب الحنبلي مال بعض الحنابلة لكنهم كانوا قلة، وعورضوا ووقعت عليهم صراعات ومعارضات وردود قوية من الحنابلة، حتى بعضهم كان يفكر بأن يترك المذهب الحنبلي. القصد أن المذهب الأشعري استقر حتى جاء بعد ذلك زمان ابن تيمية، وقبل ابن تيمية كانت هناك ردود، يعني من أحمد بن حنبل إلى ابن تيمية كانت هناك ردود، وكان هناك كتب تؤلف ليست بالكبيرة وأكثرها كتب تعرض مذهب السنة والجماعة مثل كتاب الشريعة للآجري، مثل كتاب مثلاً الإبانة لابن بطة العكبري الصغرى والكبرى، مثل كتاب اللالكائي، الإمام البربهاري كان في زمان الأشعري وكان له صولة وجولة وكان له حضور كبير في زمانه في بغداد، كذلك بعد ذلك رد بعض علماء الشافعية.

وإلى الآن المذهب الأشعري لم يستقل، الصراع قوي والمذهب الأشعري انتقل إلى من طور أبي الحسن الأشعري وطلابه إلى بعد ذلك، أصبحت هناك محطات في انتقال هذا المذهب، جاء الباقلاني ثم جاء بعد ذلك الجويني، والجويني هو أول من أصل لتأويل أحاديث ونصوص الصفات، لكن ابن تيمية لما يقول إن أول من تكلم بالتأويل هو الجويني وأتى بعض المعاصرين يقول بأن الجويني مسبوق بمن تأول هذه النصوص، ابن تيمية لا يقصد هذا إنما يقصد ابن تيمية رحمه الله تعالى أن أول من أصل لهذه المدرسة الكلامية في طريقة التعامل مع النصوص هو الجويني، يعني أول من جعل هذا أصلاً، ثم جاء بعده تلميذه الغزالي وألف كتابه الشهير قانون التأويل، فاستمر هذا الأمر.

من أجمل الكتب المصنفة في المذهب الأشعري هو كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة للشيخ عبد الرحمن المحمود، فالمجلد الأول كان في مذهب الأشاعرة وطريقة تلقي أو طريقة انتقال الأشعرية وتأويل الأشاعرة للصفات، ومن أول من أول صفة الوجه، وهكذا، فالشيخ درس دراسة معمقة ورجع إلى قريب من تسعمئة مرجع، وكتاب حقيقة يستحق القراءة ومن أفضل الكتب التي ألفت في هذا، وهناك كتب كثيرة كذلك معاصرة لكن هذا الكتاب من الكتب الجيدة وفيها ردود ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذا المذهب التفصيلية والإجمالية، فبدأ بالردود الإجمالية ثم بعد ذلك انتقل إلى رد تفصيلي على الأشعرية.

القصد أن الأشاعرة استقروا، ولم يكن لعلماء الحديث ردود عليهم إلا ردود عامة، فرد عليهم مثلاً ابن قدامة المقدسي في كتابه رد عليهم في صفة الكلام وكذلك في العلو، إثبات صفة العلو، وكذلك في حكاية المناظرة، وكانت ردود ابن قدامة عامة، وابن تيمية كان يقول بأن ردي على الأشاعرة أو طريقته هو في تعامله مع الأشعرية أفضل من ابن قدامة، ذكر هذا المجلد السادس، وابن تيمية مستقرئ لهذا كله، فلما جاء زمان ابن تيمية رحمه الله تعالى وكان المذهب قد استقر شن ابن تيمية هذه الحملات الكثيرة على الأشعرية، وكان ابن تيمية كثيرًا ما يطلق عليهم كلابية ويسميهم بالأشعرية، ثم وقعت معه مناظرات كثيرة وألف ابن تيمية كتبًا عديدة، وكان الله سبحانه وتعالى اختار هذا الرجل حتى يعيد إقامة مذهب أهل السنة والجماعة وأن يظهر بوضوح وجلاء.

الوقفة التي أريد أن أقفها هنا وأختم الحديث عن هذا المبحث هو هل ابن...

دخل بعض علماء الحديث في علم الكلام، كما يذكر ابن رجب في ذيل الطبقات، وكانوا ينكرون على ابن تيمية. الذهبي كذلك في زغل العلم كان يقول: لو لفقت بين المعقول والمنقول لما وصلت إلى ما وصل إليه ابن تيمية، ومع ذلك انظر إلى اختلاف الناس على ابن تيمية؛ فكان الذهبي يستنكر توسع ابن تيمية في الرد على المتكلمين، ويرى بأن هذه ليست طريقة أهل الحديث. وكذلك ابن رجب في ذيل الطبقات ذكر بأن بعض الحنابلة لم يكونوا يرتضون طريقة ابن تيمية في الرد. ومن أبرز المعاصرين الشيخ الألباني؛ فالشيخ الألباني لم يكن يرى بأن الذي كان يصنعه ابن تيمية في التوسع في الرد -مع تعظيمه وتبجيله لشيخ الإسلام- كان مصيباً.

دعونا الآن ننظر، هل تأثر ابن تيمية بعلم الكلام؟ لا. هل أقام ابن تيمية العقيدة من خلال علم الكلام؟ من يقول هذا فليأتِ بدليل؛ من يقول بأن ابن تيمية أثبت معتقد أهل السنة والجماعة من خلال علم الكلام البدعي المذموم فليأتِ بدليله على هذا. إنما ابن تيمية رحمه الله تعالى كان ينقض هذا، ولكن المشكلة التي وقعت عند هؤلاء هي توسع شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الدخول في التفاصيل؛ ومن ينشأ على مذهب معين ويعتاد طريقة معينة يستصعب ما يفعله المجدد في كل عصر.

هذه كلمة ثقيلة تجعلونها بالهامش: في كل عصر نحتاج إلى مجددين، ولما يكون التغير كبيراً في طريقة تلقي الدين نحتاج إلى مجدد من طراز ابن تيمية. هنا الذي يكون اعتاد على طريقة أخذ العلم قبل شيخ الإسلام ربما لا يتقبل ما كان يفعله شيخ الإسلام؛ مع أن نفس ابن تيمية رحمه الله تعالى لم يأتِ بشيء جديد، إنما هو أثبت معتقد أهل السنة والجماعة، ولكن ابن تيمية يرى بأن هذا المذهب انتشر وعم.

فلهذا المذهب ثلاث مراحل: المرحلة الأولى مرحلة السلف الصالح، وفي هذه المرحلة -أي من زمان الصحابة أو هو بدأ في آخر عصر الصحابة وفي عصر كبار التابعين- كان العلو والظهور لأهل السنة؛ فلم يكن أهل السنة يحتاجون إلى الدخول في المناقشات، ولا يناقش الشخص إلا إذا كان للمذهب ظهور. لماذا؟ لأن من طرق إماتة الباطل عدم الرد على أصحابه وعدم الدخول معهم والتحذير منهم؛ فالآن أنت لما تكون في مكان معين ويظهر رجل من أهل الباطل لا يوجد عنده أتباع، هل من الصواب أن تناظره؟ إذا ناظرته شهرته. يروى عن عمر أنه قال: أميتوا الباطل بالسكوت عنه.

فما يجيء شخص وكتاب ما انتشر ولا أحد يعرفه، ويبدأ هكذا يكتب في تويتر ويكتب في وسائل التواصل ويعنف، أنت الآن تنشر هذا الكتاب. وكان بعض المعاصرين أو المتأخرين لما أُلف كتاب سيء وأراد أن ينشره، فنُشر في المكتبات ومكث الكتاب ثلاثة أسابيع لم تُبع منه نسخة، حتى قال بعد ذلك لأحد أقاربه: اكتب مقالاً في نقدي، فكتب مقالاً، ثم بعد ذلك أوصل هذا الكتاب إلى الأزهر، وكانوا كلهم في مصر، فلما أوصل هذا الكتاب إلى الأزهر مباشرة الأزهر نزل بياناً في تكفير صاحب هذا الكتاب، فرد صاحب هذا الكتاب وقال: لماذا تصنعون بي كذا؟ أنا أريد أن يصل لهذا الحد، لكن لم تبقَ منه نسخة بيع هذا الكتاب؛ لماذا؟ لأنك انتشرته. فمن طرق إماتة الباطل السكوت عنه وعدم الرد على أصحابه، لكن هذا يكون متى؟ لما يكون في زمان خمود الباطل أو ضعف الباطل، لكن لما يكون للباطل ظهور هنا لا بد من المناقشة ولا بد من الحجة ولا بد من المناظرة.

ففي الزمان الأول في زمان التابعين وأتباع التابعين لم يكن لأهل الباطل حضور، نعم نقرأ في المعتزلة لكن المعتزلة كانوا قلة؛ لما تقرأ في كتب المقالات لا تظن بأن هؤلاء كانوا منتشرين، الغلبة لعامة الناس، الكثرة الوافرة من طلاب العلم والحديث والمساجد كلها كانت لأهل الحديث ولم تكن للمعتزلة. المعتزلة كان واصل بن عطاء يجتمع خمسة من طلابه فقط، ثم الخمسة انتشروا، نعم هو خطط ودبر كما يقول صاحب كتاب المنية والأمل، ونقل هؤلاء الخمسة ونشرهم بعد ما علمهم وانتشروا في البلدان وبثوا هذا المذهب، صح، لكن هؤلاء كانوا قلة ولم يتمكنوا التمكن الحقيقي إلا بعد ما أثروا على المأمون، فلما أثروا على المأمون انتشروا، لكن قبل ذلك لم يكن لهم هذا الظهور ولا هذه القوة.

لما جاء زمان المأمون وبدأ يحمل الناس على هذا المعتقد، هنا ظهر أحمد بن حنبل، وبدأ الإمام أحمد ومن كان معه من أهل العلم يناظرون هؤلاء، ولم يدخلوا معهم في علم الكلام، إنما ذكروا لهم بعض الأمثلة العقلية، وليست هذه الأمثلة مأخوذة من علم الكلام البدعي المذموم. القصد من ذلك أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في زمانه رأى بأن وجب عليه الكلام وقالوا: إذا سكتوا نسكت؛ وقال: إذا سكتوا نسكت، أما هم يتكلمون ونحن لا نرد فقط نحذر، لا، لا بد أن نرد وأن نبين. لكن إلى الآن واحد ما دخل معهم في التفاصيل والدقائق، لماذا؟ لأنه لم يكن مضطراً إلى ذلك، وأكثر الناس كانوا مع أحمد بن حنبل فشهرة أحمد كانت غالبة، فلم يستطع ثلاثة خلفاء: المأمون والمعتصم والواثق، على كسر أحمد، بل لما كان المعتصم يعذب أحمد اجتمع طلاب العلم خارج سور قصر المعتصم، وقال لعمه: انظر يا عماه إلى هؤلاء؛ فأتت طلاب العلم وكانت أعدادهم كبيرة ومعهم الورق وكذلك الدواة ينتظرون ماذا يقول أحمد رحمه الله تعالى؛ فكان له ظهور قوي، وهذا الظهور منع علماء الحديث من أن يتأثروا بهؤلاء ومنع طلاب الحديث من أن يتأثروا.

لكن لما مات أحمد هنا بدأ ينتشر هذا المذهب، ولم يظهر لأهل السنة أو من علماء الحديث من هو في منزلة وظهور الإمام أحمد رحمه الله تعالى، واستمر الحنابلة على نقل كلام أحمد من غير الدخول بالتفاصيل في المناقشة، وكان لهم الظهور البارز، وكان له ظهور كبير، وحاول الأشعري أن يقترب منه، حاول أبو الحسن الأشعري أن يقترب منه، لكن الحنابلة لم يقبلوا به، وكان لهم ظهور قوي، وتعرفون قصتهم مع ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى. فالقصد أن بعد ذلك خبا ضوء الحنابلة ولم يكن لهم ذاك الظهور، لماذا لأمرين اثنين؟ الأول أن الدولة لم تتبنَّ المذهب الحنبلي، والثاني أن الحنابلة لم يكونوا يقبلون بالقضاء اقتداءً بإمامهم، فابتعدوا عن وسائل التأثير، وبقيت بقية من الحنابلة يردون ويبينون.

وكذلك من أهل الحديث، والمذهب الحنبلي لا اختصاص له بأهل الحديث، أي ليس أهل الحديث كلهم حنابلة والحنابلة كلهم من أهل الحديث، بل مذهب الحديث هو معتقد أهل السنة والجماعة، والمذهب الحنبلي هو أحد المذاهب الفقهية الأربعة، وأحياناً كان يطلق بعض العلماء ومنهم من الشافعية: إني على معتقد أحمد بن حنبل أو أني حنبلي ما حييت، فوصية الناس أن يتحنبلوا، هنا المقصود التحنبل على معنى المذهب العقدي مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، بل كذلك الأشعري لما قال في كتابه: "بُني على عقيدة الإمام الكامل أحمد بن حنبل". فالقصد أن الحنابلة كان لهم ظهور ثم بعد ذلك ضعف هذا الظهور، وبقي اسم أحمد، لكن ضعف ظهور الحنابلة وقصر، كما يرى ابن تيمية رحمه الله تعالى، أهل الحديث بالرد على المتكلمين فلم يدخلوا معهم في تفاصيلهم ولم يفهموا كلامهم تفصيلاً.

وشخص في ردوده يرد رداً إجمالياً إذا ما كان محتاجاً إلى تفصيل؛ يعني الآن لما تريد أن ترد على النصارى لا يشترط أنك تدخل معهم بالتفاصيل وتقرأ الأناجيل، إنما يكفي أن تقول للناس للمسلمين: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]. لكن لما تريد أن تكون في مقام الدفاع عن الإسلام وفي موطن مناظرة النصارى، لا بد أن تعرف تفصيل معتقد النصارى وما يقولون حتى تعرف كيف ترد عليهم.

هذا الثاني هو الذي صنعه ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ فابن تيمية رأى بأن هذا المذهب انتشر ولم يعد يكفي معه الرد العام، لماذا؟ عامة طلاب العلم الآن يأتون ابن تيمية ولا يذهبون إلى الأشاعرة، هل طلاب العلم في زمان ابن تيمية كانوا مثل طلاب العلم في زمان الإمام أحمد؟ هل كانوا يحضرون عند يحيى بن معين؟ الذي كان يحضر عند يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني إلى آخره من هؤلاء العلماء؛ علماء الحديث هم أنفسهم في زمان ابن تيمية كانوا يحضرون عند ابن تيمية، لا، إنما كانوا يحضرون عند الأشعرية، لماذا؟ لأن الظهور كان لهم؛ فاحتاج ابن تيمية الآن إلى أن يدخل بالتفاصيل.

فدخول ابن تيمية بالتفاصيل كان من أبواب التجديد التي لا يستطيع ابن تيمية أن يجدد الدين إلا من خلال الدخول بها؛ فاضطر ابن تيمية أن يدخل ولم يكن قاصداً الدخول، بل نفس القراءة للفلاسفة لم يقصد ابن تيمية قراءة لهم إلا بعدما رأى بأن الأشاعرة لا يستقلون بأصولهم، وذكر هذا في "بيان تلبيس الجهمية"، قال: لما رأيت هؤلاء لا يستقلون بأصولهم، هنا الآن دخل في ابن سينا وقرأ له، وهو قبل ذلك كان يرى بأنه يناظر ابن سينا، لكن هو دخل بالتفاصيل لما رأى بأن الأشاعرة لا يستقلون بأصولهم، فاضطر أن يدخل حتى يصحح المسار، وكما يقول بعض الكتاب المعاصرين: كان ابن تيمية يريد للمسلم أن يفكر بعقله لا بعقل أرسطو.

فابن تيمية دخل هذا الباب من خلال المذهب الأشعري من أجل أن يقيم مذهب أهل السنة والجماعة وأن يبينها، هذه الطريقة التي سلكها ابن تيمية أو التي صرحها ابن تيمية في دخولها في التفاصيل التي ما كان علماء الحديث يدخلون بها، وإنما كانوا يكتفون بالتحذير العام والإجمالي ولم يكونوا يدخلون بالتفاصيل في الرد عليهم، هي التي جعلت بعض أهل الحديث -مثل الذهبي، ومثل كذلك ما ذكره ابن رجب عن بعض أهل الحديث- يخالفون ابن تيمية بهذا، وأنهم كانوا يرون بأن عدم دخوله كان أفضل، ولو اكتفى بما كان يصنع السالفون كان أفضل من أن يدخل بهذا. لكن لو ما دخل ابن تيمية هل سينتشر مذهب الحديث؟ هل سيبقى لمذهب الحديث هذه القوة؟ ابن تيمية كان يرى بأن هذا نوع التجديد، هذا المرحلة الثالثة؛ في المرحلة الثانية كانت في زمان أحمد، ثم ابن تيمية رحمه الله رأى بأنه من الواجب الدخول بالتفاصيل من غير أن يتأثر بعلم الكلام؛ فابن تيمية لم يتأثر بعلم الكلام.

ما المراد بعلم الكلام؟ علماء الكلام كلهم لما يذكرون علم الكلام يذكرونه في سياق المدح، ويختلفون في بيان سبب تسمية هذا العلم بهذا الاسم؛ منهم من يقول لأنهم كانوا يصدرون الأبواب بالكلام، ومنهم من يقول لأنهم كانت أكبر مسألة يذكرونها هي مسألة الكلام -أي كلام الله عز وجل- ومنهم من يقول لأنهم من خلاله نصل إلى العلم، وهكذا فيختلفون، ووصلها بعضهم إلى تسع أسباب؛ لكن الحقيقة أن علماء السلف لما كانوا يذكرون علم الكلام كانوا يذكرونه في سياق الذم وليس المدح.

والمستقر عند علماء الكلام المتأخرين أن علم الكلام هو العلم الذي من خلاله يثبتون صحة العقيدة، يعني أصول عقلية اخترعوها يثبتون من خلالها صحة العقائد الدينية ويدفعون الشبهات التي كان يطلقها الفلاسفة؛ فعلم الكلام عندها هؤلاء هو الطريقة الوحيدة التي من خلالها نستطيع أن نثبت صحة الدين. بدايه علم الكلام كان بالدخول بالجوهر والعرض والجسم، ثم قاموا بعد ذلك بأدلتهم الكلامية الشهيرة؛ وأشهر دليل كلامي هو دليل الحدوث، فلم يستطيعوا أن يثبتوا للفلاسفة أن هذا العالم حادث إلا من خلال دليل الحدوث، فلما أثبتوا لهم بأن هذا العالم حادث، إذاً هناك موجد لهذا العالم، هناك محدث له، من المحدث؟ هو الله سبحانه وتعالى القديم؛ فأثبتوا وجود الله سبحانه وتعالى من خلال دليل الحدوث.

وكلهم عامة أساطين هؤلاء -كما يذكر ابن تيمية- مختلفون في المقدمات والنتائج، لم يتفق اثنان من رؤساء المتكلمين في المقدمات والنتائج في إثبات صحة دليل الحدوث؛ بل حذاق المتكلمين لما وصلوا إلى نهايته كانوا ينصون بأن هذا الدليل -أي دليل الحدوث- وكذلك علم الكلام لا ينبغي الدخول فيه وأنه لا يزيد الشخص إلا تحيراً. وابن تيمية رحمه الله اختصر الطريق ورأى بأن دليل الحدوث نعم صحيح يوصل إلى المطلوب، ولكن ليس بالطريقة التي كانوا يصنعونها، ثم بعد ذلك بين الطريقة القرآنية.

في إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى أو وجود الله سبحانه وتعالى إلى آخره، دخل ابن تيمية رحمه الله تعالى معهم في الكلام، وأسقط جميع أدلة المتكلمين وبين الضعف الموجود فيها، ثم قال: أسلم من هذا كله طريقة القرآن. ويقول: المشكلة التي وقعت عند علماء الكلام هي أنهم لم يكونوا يعتقدون بأن في الأدلة السمعية أدلة عقلية، وهم أرادوا أن يثبتوا صحة الأدلة السمعية ولا يستطيعون أن يثبتوا دليل السمع إلا من خلال العقل، فالذي لا يسلم بالسمع كيف ستقنعه؟ لا بد من العقل.

ابن تيمية يقول إن هذه الأدلة العقلية التي ابتدعوها بها أخطاء ولوازمها تفسد العقيدة الإسلامية. وفي القرآن الكريم هناك أدلة عقلية، لكن المشكلة أن هؤلاء لم يعلموا بأن في القرآن الكريم أدلة عقلية، والأدلة العقلية كان يقيمها مثل أحمد بن حنبل إلى آخره، لم يكن بها دخول في علم كلام مذموم، أي ليست لها مضرة في نفس تأويل النصوص. أما هؤلاء أبصروا كما يذكر هنا الشيخ قدر الغنم ولكن لم يبصروا قدر الغرب، فلما أثبتوا وجود الله سبحانه وتعالى وأثبتوا صحة النبوة بالمعجزة والآية ثم بعد ذلك سلموا؛ فهم يرون بأن الأصل أن النقل لا يثبت إلا بالعقل، ثم بعد ذلك يستقيل العقل ويسلم للنقل، لذلك قالوا بعد ذلك بالتحسين والتقبيح الشرعيين.

وابن تيمية كان يطاردهم في هذه المسائل مسألة مسألة، حتى لما أثبتوا صحة الدين من خلال العقل الكلامي -وليس العقل الفطري- يقول: طيب هل تستطيعون أن تثبتوا بأن الله سبحانه وتعالى لا يكذب بالعقل؟ هل تستطيع أيها الأشعري أن تثبت من خلال التحسين والتقبيح الشرعيين بأن الله سبحانه وتعالى لا يكذب؟ كيف تستطيع أن تثبت هذا؟ هنا مشكلة وتناقضات كثيرة في هذا المذهب. القصد من ذلك أن ابن تيمية رحمه الله تعالى أبرز صحة الدين من خلال نفس الأدلة العقلية التي جاء بها الكتاب، وبدأ يستدل بهذه الأدلة العقلية الموجودة في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ فنفس وجود هذا المحدث دليل على وجود المحدث، فنفس وجود الإنسان دليل على وجود الله سبحانه وتعالى.

القصد أن علم الكلام هو عبارة عن أدلة عقلية ابتدعها هؤلاء المتكلمون من أجل أن يثبتوا صحة العقائد الدينية، ويردوا على الشبهات التي كان يطلقها الفلاسفة. فعلم الكلام بالنسبة لهم هو هذا، وهذا هو علم الكلام المذموم عند السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم، فلما كانوا يذكرون الكلام كانوا يذكرون في هذا السياق، سياق الذم وليس في سياق المدح.

تقول الآن: لماذا لا نقول بأن استعمال العقل مفيد في إثبات العقيدة؟ نقول: نعم مفيد، ولكن بشرط أن لا يكون لهذا العقل أثر في تحريف العقيدة؛ لا بأس بأن تضرب الأمثلة، ولكن لا تأتِ بمثال أو أصل عقلي تريد من خلاله أن تثبت صحة الدين ثم بعد ذلك يلزمك هذا الدليل العقلي على إثبات النصوص. فلما تأتي بدليل الحدوث، المشكلة الكبيرة فيه هو أنه لما تم تسليطه على نصوص الصفات تم نفي هذه الصفات؛ لماذا؟ لأن الفلاسفة كانوا يقولون بأنكم تثبتون بأن الله يتكلم، وتثبتون بأن الله سبحانه وتعالى يفعل كذا وكذا، إذاً يلزمكم من ذلك أن الله تحل به الحوادث، فقاموا حتى يسلموا أو حتى يثبتوا صحة هذا الدليل الذي من خلاله أثبتوا صحة الدين، نفوا هذه الصفات وأولوها، ثم بعد ذلك دخلوا بالمنطق وفرقوا بالذاتيات والعرضيات، وكذلك دخلوا باللغة وقالوا في اللغة هذه الآية يكون معناها كذا وهكذا.

ابن تيمية طاردهم في هذا كله وألقى هذه المداخل كلها، ابن تيمية ما ترك لهم لا كبيرًا ولا قليلًا؛ أي نفس دليل الحدوث. لذلك قال ابن الوردي لما نقل في ترجمة ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن ابن تيمية دخل في مسائل كبار لا تستوعبها عقول ذلك الزمان، فهو لم يكن يناقشهم في تفاصيل دليل الحدوث، بل كان يسقط الدليل من أصله، وهذا إسقاط الدليل معناه عند المخالفين أن الدين لا يمكن أن يثبت صحته، لذلك هم شنعوا، لذلك لم يحتملوا كلام ابن تيمية لا عقلًا ولا نفسًا، نفس العقول ما استطاعت أن تحتمل ما كان يقوله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

القصد أن علم الكلام هو هذا العلم الذي هو عبارة عن أدلة عقلية ابتدعها هؤلاء المتكلمون حتى يثبتوا صحة الدين، فلما تسلط الفلاسفة وكذلك الجهمية وكذلك المعتزلة على الأشعرية، وكذلك الجهمية على المعتزلة والفلاسفة على البقية، بدأ كل قسم من هؤلاء يستدل بهذه الأدلة الكلامية لإثبات صحة معتقده وتناقضوا تناقضًا كبيرًا، وإلى اليوم كتاب يبحثون في هذه التناقضات التي وقع بها علماء الكلام، لكن منها ما هي تناقضات واضحة وبينة وجلية، ومنها ما يحتاج الشخص فيها إلى مزيد نظر، ومنها ما لا يستطيع الشخص أصلًا أن يصل إلى إثبات نفس معتقد هذا الرجل؛ مثلًا ابن كلاب ما هو معتقد ابن كلاب؟ تستطيع أنك تثبت بعض ما كان يقول، لكن تفصيل ما كان يقوله لا تستطيع أنك تثبته. القصد أن هذا الدليل لم يكونوا يعرفون إلى أين سيصل بهم، وهذا هو علم الكلام المذموم الذي ذمه التابعون وأتباع التابعين، فلما ألف الهروي هذا الكتاب في ذم علم الكلام وأهله، القصد منه هذا الكلام المذموم.

وذكرنا لكم كلام أبي حنيفة بن نعمان، وكذلك كان ينهى عن الإقبال على علم الكلام ويأمر بالإقبال على علم الفقه، وكذلك كلام الإمام مالك رحمه الله تعالى ذكر ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله"، وكذلك ذكر الهروي في كتابه، وكذلك كلام الإمام الشافعي ذكر كذلك البيهقي في "مناقب الشافعي"، وكذلك ذكر الهروي، والهروي كتاب هذا هو أجمع كتاب جامع لما كان يقوله، وابن تيمية له هذه الرسالة النفيسة الجميلة التي عبارة عن صفحات أكثر بقليل، تقريبًا 12 صفحة جيدة، وكلام ابن تيمية كثير وموزع في كتبه في علم الكلام. فالقصد من ذلك أن هذا هو علم الكلام، والمدارس الكلامية التي انتشرت هي أربع: الجهمية، ثم المعتزلة، ثم بعد ذلك الماتريدية والأشعرية. إذاً هذا هو العلم، هذا هو علم الكلام باختصار وإيجاز. ونقف عند هذا ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.