الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم، أما بعد؛ فحيّاكم الله إخواني جميعًا وحياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
نبدأ إن شاء الله تعالى في هذا المجلس في التعليق الموضوعي على كتاب "الخرسانية" للشيخ الطريفي. وقبل أن نبدأ بالتعليق على المواضيع، بود أن أتكلم عن هذا الكتاب؛ كتاب "الخرسانية" للشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي، وقد ألفه من أجل بيان مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة.
قصد الشيخ أن يشرح عقيدة الرازيين: أبي زرعة وأبي حاتم الرازي. والشيخ الطريفي له منهج في التعليق على كتب الاعتقاد مخالف لعامة ما يصنعه مشايخ العصر من جهتين اثنتين: الجهة الأولى أن الشيخ كان يقصد التعليق على كتب السلف أكثر من قصده التعليق على كتب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وكان الشيخ يرى بأنه إذا علق على هذه الكتب قرّب الناس إلى السلف الصالح.
وكذلك كان الشيخ حريصًا على أن يبين بأن ابن تيمية ليس له اختصاص إلا البيان؛ أي أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ليست له عقيدة مختلفة عن عقيدة السلف الصالح. وتعرفون بأن عامة الطوائف الإسلامية تعظم السلف رضي الله عنهم ورحمهم، خاصة الأشاعرة والماتريدية، وأهل الحديث طبعًا لا شك بأنهم يعظمون السلف أكثر، ولكن كذلك الأشاعرة والماتريدية هم يعظمون السلف. فلما يأتي شخص ويجعل الصراع في المعتقد بين ابن تيمية فقط وهؤلاء المخالفين له، فإنه يبعد السلف الصالح، ثم يتنازع هؤلاء في من هم السلف الصالح؟
فالشيخ الطريفي كان عنده رأي وهو أنه يشرح هذه الكتب، فشرح اعتقاد سفيان الثوري، وكذلك شرح عقيدة المزني، وكذلك شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني لما ذهب إلى تونس؛ وكان الشيخ يحرص أن يشرح هذا الاعتقاد في البلد الذي يذهب إليه، فمثلاً تونس مالكية، فيشرح لهم هذه الرسالة، رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وسماها المغربية. وبعد ذلك فرغ الشيخ من تأليف هذا الشرح، وكان في مكان بعيد عن الكتب وهو سجن كما هو معلوم.
أقسم بذلك أن شيخنا كان حريصًا على هذا؛ فلم يكن الشيخ يريد أن يجعل الصراع فقط مع ابن تيمية، إنما كان الشيخ يريد أن يدخل كتب السلف لما للسلف من تعظيم، فلما يعرف الناس بأن هذا الكلام ليس خاصًا بابن تيمية، بل ابن تيمية هو ناقل ومبين وشارح وموضح لكلام السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم، هنا لن يكون الصراع فقط مع ابن تيمية، وهذا معنى يدل على عقل الشيخ.
فالشيخ الطريفي يختلف كثيرًا عن عامة المشايخ المعاصرين بطريقة إيصال الحقيقة، وأذكر بأنه كان يقول مرة لأحد المشايخ: «بأني لا أميل إلى ما يفعله الكثير من المعاصرين من المشايخ في ردهم على فلان وفلان وفلان من أئمة الضلال المعاصرين، وهم معروفون من غير أن أسميهم الآن، يقول إن الرد هكذا على هؤلاء الأربعة في سياق واحد يقويهم، ولكل واحد من هؤلاء أتباع». فيجتمع هؤلاء وهم لا يريدون الاجتماع، وهذا له شرح وله تعليق.
ولعل إن شاء الله تعالى في التعليق على كلام الشيخ حول عدم الشدة، أو أحيانًا اللين مع المعاند المتكبر بسبب الأتباع الذين يحسون به، أتكلم عن هذا المعنى وهذا الباب؛ باب إيصال الحقيقة، وكذلك باب التعامل مع الناس، باب شريف. والعلم شيء وإيصاله شيء آخر؛ قد يكون شخص عنده علم لكن لا يعرف كيف يوصل هذا العلم فيبعد الناس، والذي يفقه الإنسان يعرف كثيرًا طريقة إيصال الرسالة، بشرط أنه ما يخالف أصل الأوامر، لأن هنا الشخص قد يتأول في الإيصال فيخسر. فنعم، هو يقرب الشخص، لكن الحساب أصل ديني لا يجوز له أن يتنازل عنه؛ فالجمع بين فهم نفس ما جاء به الدين، مع فهم الإنسان الذي يتأثر، الإنسان الذي يتغير، الإنسان الذي يتعصب، هذا يعين الشخص على إيصال الرسالة.
وكان يقول الغزالي -كما نقل عنه الشاطبي في الاعتصام-: «إن أكثر الناس تعصبوا لباطلهم بسبب جهال أهل السنة»، وهذا كلام صحيح، وسياتي الحديث عنه. لكن قسم من ذلك الآن، فقط أريد أن أتكلم عن هذا الكتاب، كتاب "الخرسانية"؛ لماذا تم اختيار هذا الكتاب وما الميزة الموجودة في هذا الكتاب؟
هذا الكتاب يتكلم عن مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهذه العقيدة الموجودة في ذهن الشيخ الطريفي كان يستطيع أن يفرغها في شرح الواسطية، فكان يستطيع أن يفرغها في شرح العضوية أو شرح العقيدة الطحاوية أو شرح أي كتاب من هذه الكتب، لكنه اختار "الخرسانية" أو اختار عقيدة الرازيين من أجل أن يقرب الناس -مثلما ذكرت- إلى السلف الصالح، وأن يدخل السلف في المعركة. السلف اليوم غير موجودين في المعركة، السلف موجودون في المعركة اليوم فقط بالادعاء لا بالحقيقة؛ بالادعاء، يعني هذا يقول أنا معي السلف لكن بالحقيقة ليس سلف معه، فهذا الذي قصده الشيخ من التعليق. فالشيخ علق على جماعة من كتب السلف الصالح، ولا تجدون له تعليقًا على كتاب من كتب ابن تيمية؛ الشيخ الطريفي ليس له تعليق فيما أعلم على كتب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، رحمه الله واسعًا.
الأمر الثاني: هل الشيخ الطريفي له اختصاص في هذا الكتاب أو هو ناقل عن ابن تيمية عامة؟ هذا الكتاب هو نقل عن ابن تيمية، ولكن شتان بين شخص ينقل الكلام بنصه ولفظه من غير فهم للكلام، وبين من ينقل الكلام بعد استيعاب له. الشيخ الطريفي في كتاب الإيمان (70 صفحة) الذي شرح فيها أصل الإيمان هي اختصار واختصار للإيمان الكبير والأوسط، والزيادة قليلة جدًا، والزيادة من الشيخ -حفظ الله تعالى وبارك الله فيه وفرج الله عنه- قليلة جدًا، ولكن هذه السبعين صفحة التي شرح الشيخ فيها هذا المبحث تدل على عقل الشيخ الكبير.
كثير من الناس ينقلون كلام ابن تيمية ولكن من غير فهم لكلام ابن تيمية؛ كلامه كثير، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما كان يذكر المسائل، خاصة المسائل العقدية، الشيخ ذكرها كثيرًا وتوسع أحيانًا، يطنب وأحيانًا يجمل، وأحيانًا يختصر، وأحيانًا ينوع الخطاب، حتى إن شخصًا أحيانًا ينظر إلى الشيخ بأنه خالف، أو أحيانًا شيخنا لا يمكن جمع كلامه مع كلام ذكره في الكتاب الآخر، ومنهم من يؤول كلام الشيخ بالنسخ ويقول بأن لعل الشيخ هذا الكتاب ألفه في بداية حياته لا إلى آخرها، وهذا كثير في كلام ابن تيمية، هذا كثير في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، رحمه الله واسعًا، لكن الذي أفهم يفهم طريقة ابن تيمية في طرح المسألة.
سائل ما يستشكل أكثر كلامه؛ الذي يستشكل هو الإنسان القاصر، الذي يعتمد على القراءة فقط أو على الحفظ فقط وليس على الفهم. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ما كان يطرح المسائل بهذه الطريقة؛ لذلك هو ابن تيمية له كلام نفيس جدا في فهم الإنسان، وسأتكلم عن بعض ما يتعلق بهذا المعنى.
لما نأتي عند حديث الشيخ حفظه الله تعالى عن الاستعمال والجهل في المراد من الأدلة؛ ما المراد من هذا الدليل؟ إذاً هذا الكتاب هو أغلب مادته من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. رحمته واسعة، ولو ما كان شيخ الإسلام ابن تيمية موجوداً في طريق المؤلفين لما استطاعوا أن يؤلفوا بهذه الطريقة إلا بالفتح من الله سبحانه وتعالى. وأنا لا شك عندي بأن العلم الذي وهبه الله سبحانه وتعالى لشيخ الإسلام هو من قبيل الفتح، ليس العلم الذي هو من قبيل التعلم.
العلم ينقسم إلى قسمين: علم يأخذ الإنسان بالقراءة والتحصيل والكد والتعب مع جودة الذهن إلى آخره، هذه أسباب توصلك إلى شيء من العلم. لكن العلم الذي وصل إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ليس مبنياً على عقل شيخ الإسلام، ليس لأن شيخ الإسلام ذكي هو فهم هذه المسائل، إنما هو علم من قبيل الفتح الإلهي، من قبيل إعطاء الرباني؛ هذه عطايا إلهية يختص الله سبحانه وتعالى لها من يشاء ويصطفي لها من يريد سبحانه وتعالى.
وعامة العلماء الذين جاءوا بعد ابن تيمية ليسوا مثل ابن تيمية، ولا تجد عالماً من أهل الحديث جاءوا بعد شيخ الإسلام إلى زماننا هذا استطاع أن يخرج عن شيخ الإسلام. هذه كلمة حق؛ فالشيخ هنا لم يخرج إنما هو متبع، وإن كان هو لم يذكر ابن تيمية في كتابه إلا قليلاً، لكن عامة مادة الكتاب هي من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى خاصة في المباحث الاعتقادية.
وهذا الكتاب الشيخ توسع فيه كذلك في مباحث السياسة الشرعية، وهذا أمر مقصود من الشيخ؛ عاش في بيئة يغلب عليها العناية بالعقيدة، ولكن الشيخ كان يرى بأن هؤلاء عندهم قصور كبير في فهم مبحث السياسة الشرعية أو علم السياسة الشرعية. ووقعت بينه وبين بعض أقرانه بعض المناقشات في هذا الأمر.
والذي لا يفقه العلاقة بين علم العقيدة والسياسة الشرعية لابد أن يكفر من لا يستحق التكفير؛ لماذا؟ لأنه سيقول بأن هذه المسألة التي هي من قبيل الحلال والحرام، أو من قبيل دفع المصلحة الكبرى بدفع المفسدة الكبرى، أو بارتكاب المفسدة الدنيا لجلب المصلحة الكبرى بترك المفسدة الصغرى، سيقول بأنها ليست من هذا القبيل، إنما هي من قبيل التوحيد من قبيل الشرك والإيمان والكفر والإيمان. وهذا كثير في المعاصرين، حتى بلغ ببعضهم الحال أنه يكفر من يقول "يا طيبة يا دول عياله"، ويقول إن هذا من قبيل الاستغاثة بغير الله سبحانه وتعالى ودعاء غير الله سبحانه وتعالى. هذا من عجيب ما يقوله الناس، لكن هذا لما يدخل في العلم من لا فهم له، يقول مثل هذه الأقوال أو يطلق مثل هذه الطلقات ويأتي بمثل هذه الأحكام.
لذلك العلماء شددوا كثيراً على أهمية وجود العقل في طلب العلم، وأنتبه هنا -وأنا بينت هذا وذكرت في كثير من المحاضرات والقصد منه هو بيان أهمية طلب العلم لمن يستطيع عليه- أما من لا يستطيع عليه، فهل معنى هذا يترك العلم؟ لا، لا يترك العلم، لكن يكتفي بالعلم الواضح البين؛ يعني يتعلم السنن الواضحة البينة ولا يدخل في التفاصيل ويعرف قدره.
ويدل على ذلك ما جاء في سنن ابن ماجه من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، وهو عابد، الأصل فيه العبادة؛ أبو ذر ليس مثل معاذ بن جبل رضي الله عنه، فالصحابة أجمعين فكان يقول: قال لي رسول الله ﷺ: «لئن غدوتَ إلى المسجد فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مئة ركعة، ولئن غدوتَ وتعلم باباً من أبواب العلم عمل به أو لم يعمل خير لك من أن تصلي ألف ركعة». وهذا الكلام يقال لمن؟ لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وهو نفس الذي قال له النبي ﷺ: «لا تأمرن على اثنين؛ إنك أمر ضعيف».
فالنبي ﷺ لم يكن يترك أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، بل كان النبي ﷺ يوجه توجيهاً عاماً، ثم يوجه توجيهاً خاصاً، حتى ينضبط الميزان. وهذه الطريقة في البيان هي أعلى الطرق على الإطلاق؛ لذلك ليس مصاباً أن يكتفى بالبيان العام، بل لابد معه من التوجيه الخاص عند القدرة عليه. لأن البيان العام الهدف منه تقرير الحقائق والأصول، ثم لما تأتي في التوجيه الخاص تضبط الميزان؛ فالميزان يوضع في البيان العام ولكن يضبط بالتوجيه الخاص. وهذا معنى شريف وعالٍ ومنيف، ومن المهم أن يستوعب الإنسان وأن يعرفه في حال تدريس الناس وتعليم الناس وبيان المسائل والثغور إلى آخره.
فالقصد من ذلك أن الشيخ لم يكن قاصداً أن يبين هذه المسألة؛ لذلك لما نأتي مثلاً عند الحديث عن أمة الجور، ممكن تتكلم عنهم بكلام عام والحديث عن طاعة الأئمة إلى آخره والجهاد معهم إلى آخره، هذا مذكور في كتب السلف ولم يزل العلماء يذكرون هذا رداً على الخوارج. شيخ هنا لم يأتِ عند هذه المسألة ليبدأ يتوسع، لماذا؟ لأن الواقع تغير. فنفس كلام السلف الصالح رضي الله عنهم حول طاعة الأئمة وعدم الخروج على أئمة الجور، لا ينطبق انطباقاً كلياً على الزمان الذي نعيش فيه، فتغير الواقع.
هذا يتطلب منك أو يطلب من العالم أن يبين البيان الذي يوصل الناس إلى الفهم، حتى لا يتكلوا على كلام السلف ثم يأخذوا هذا الكلام وينزلوه على واقع مخالف. وهذا من أبواب الضلال الكبرى؛ أن يأخذ كلام العالم في سياق معين، ثم يتم إنزاله على واقع مختلف عنه، فيقال بأنك أنت تخالف فلاناً وفلاناً من الأمة وهذا الشخص مخالف إلى آخره. الشيخ هنا كان قاصداً أن يبين هذه المعاني وهذه الصور، كذلك يا شيخ أحياناً كان يدخل بعض الأفكار المعاصرة مثل لما تكلم عن نظرية النص المفتوح ولما رد مثلاً على الليبرالية.
في هذا الكتاب رد على الليبرالية، وعندما تكلم عن قضية الجهاد، وعن الجهاد ماض إلى آخر الزمان، وخالف في ذلك الرافضة، وذكر كذلك الليبرالية وذكر قضية جهاد الطلب، وهذه من الشبهات المعاصرة التي وقعت بعد سقوط الخلافة.
لماذا أدخلها يا شيخ مع هذه؟ ما تجدها في الكتب المعاصرة، في الكتب المعاصرة المصنفة في شرح المتون لا تذكر مثل هذه المسائل، إنما تذكر في كتب السياسة الشرعية، إنما تذكر في كتب السياسة الشرعية المستقلة.
الشيخ كان قاصد أن يقرب الناس وأن يصنع طلاب العلم صناعة شمولية، أو أن يتجاوز أو ينتقل بطلاب العلم الذين يستمعون له من مرحلة الخطأ أو الجمود على بعض المسائل إلى أن يستوعب الواقع بصورة عامة شمولية. فلا تأخذ العقيدة بطريقة مختلفة عن طريقة أخذ السلف الصالح لها؛ أن تأخذ الاعتقاد من خلال فقط معرفة المسائل المتعلقة بالرد على قضية القرآن مثلا، أو معنى الإيمان إلى آخره، أو تفسير الإيمان مع الصفات إلى آخره، والرد على الجهمية، والرد على الشاعر، والرد على المتكلمين، والرد على الخوارج والمرجئة إلى آخره.
ولكن كذلك هناك معركة في العصر الذي فيه هناك مخالفون مثل الليبرالية، وكذا وكذا وكذا من هؤلاء الطوائف الموجودة، وكذلك هناك أفكار جديدة في هذا العصر تتطلب منا أن نستوعب. الشيخ كان يدمجها وكان يدخلها ولكن يشير إليها إشارة، وما يتوسع فيها توسعًا كبيرًا لأن الكتاب ما يسع، والشيخ حريص أن لا يتضخم الكتاب حتى يصل إلى حد أن الناس ما يقرؤونه، وهذا كذلك من الفقه في طريقة التأليف؛ فليس من الصواب أن تؤلف الكتب الكبار التي ما تنشط همم الناس لقراءتها، ثم بعد ذلك تطلب من الناس أن ينتقلوا.
ممكن تؤلف الكتب الكبار للشريحة الخاصة، ولكن يا شيخ هو غير قاصد هؤلاء، هو غير قاصد الشريحة الخاصة، هو عالم عام هو ليس عالمًا خاصًا. يعني مثاله في هذا العصر مثال الأوزاعي وليس مثال سفيان الثوري؛ تعرفون أن الأوزاعي كان رجل عامة، وسفيان الثوري كان رجل خاصة، عالم الخاصة هو الذي يتوسع، ممكن يقرر المسائل بصورة بها هكذا أو يؤلف لهؤلاء، لكن عالم العامة ليس بهذه الطريقة.
الشيخ يعلم بأن الذي سيقرأ كتبه عدد كبير من الناس، وستصل كتبه إلى مكان بعيد والناس سيقبلون عليها بإذن الله، فلماذا يتوسع أو يعقد الكلام أو يستخدم العبارات الصعبة والثقيلة؟ لم يتم الوصول إلى نتيجة الكتاب، يعني هو لم يحصل المقصود منه. فهو كتب صح، لكن ما حصل المقصود، فما الفائدة من هذا التأليف؟ كان حريصًا أن يسبك عباراته وأن لا يتجاوز أو يتكلم عن المسألة أكثر مما تستحق. لم يكن الشيخ حريصًا على كثرة التقسيم والتنويع إلى آخره، لأنه يريد أن يوصل الطالب إلى حد معين في الفهم، فهو يريد أن يصنع هذا الطالب الشمولي؛ لذلك تكلم عن هذه المسائل بهذه الطريقة، وأدخل مباحث كثيرة من علم السياسة الشرعية في هذا الشرح وهذا الكتاب، وهذا هو المقصود.
إذاً هذه المقدمة تصور بأنها مهمة أن نفهمها قبل أن ندخل في قراءة هذا الكتاب. وميزة هذا الكتاب التي جعلتني كذلك أختاره، أن الكتاب به عقل، الكتاب يظهر به عقل المؤلف، وكلمات الشيخ شيء وما تحت الكلمات شيء آخر، فكتاب الشيخ شيء وفهمه شيء آخر. ومن الصور أو الطرق الحسنة أن يفعلها طالب العلم، إذا أراد أن يعرف عقل الشيخ أن ينظر في كتاب الإيمان الكبير والأوسط، يعني يقرأ هذين الكتابين قراءة جيدة متأنية، ثم بعد ذلك يرجع إلى قراءة مبحث الإيمان هنا.
تقول لي لماذا أقول لك؟ ما الذي ترك الشيخ وما الذي ذكره؟ يعني الشيخ لما تقرأ كتاب الإيمان الأوسط والكبير، تجد أن ابن تيمية توسع في الإيمان الكبير في أكثر من 400 صفحة ومطبوع كذلك في 600 صفحة، وكذلك الإيمان الأوسط وإن كان هو أصغر بكثير من الإيمان الكبير. الشيخ ما الذي تركه وما الذي وضعه؟ لماذا ترك الكثير من المباحث المذكورة في الإيمان الأوسط والكبير وذكر بعضها؟ هذا الذكر والترك؛ ابن تيمية لم يكن يتوسع إلا من أجل المصلحة، لكن الشيخ الطريفي هو لم يقصد ما قصد شيخ الإسلام، هو غير قاصد أن يوصل الناس إلى فهم دقائق الأشياء، إنما هو قاصد التأصيل، وفرق بين أن تقصد التأصيل وبين أن تقصد التوسع.
شيخ الإسلام كان قاصد التوسع، يعني شيخ الإسلام كان قاصد أن يؤلف كتبًا ما يأتي أحد بعد ذلك ينقضها؛ يعني شيخ الإسلام كان قاصد لما يوضح المسألة ويذكرها ما يستطيع أحد من المخالفين أن يحتج بحجة، ولم يذكرها شيخ الإسلام ولم يجِب عليها فلن يأتي شخص، أو لا أقول لن يأتي، ولكن أقول يصعب أن يأتي شخص ويذكر أدلة أو شبهات قوية في المسائل التي ذكرها ابن تيمية ورد فيها على الخصوم. لذلك تجدون بأن عامة الأشاعرة هم متكئون على كتابات أئمتهم، ويصعب أو يندر أن يأتي شخص أشعري أو طالب علم أشعري أو عالم من علماء الأشاعرة ويذكر شبهة ما ذكرها شيخ الإسلام، هذا لا تكاد تجده إلا شيء نادر واليسير نعم موجود في هذا العصر لكن شيء يسير جدًا، والشبهات هذه ذكرها يغني عن الرد عليها لوهائها وضعفها.
ونفس الشيء في زمان ابن تيمية، يعني عسروا لم يستطيعوا أن يجابهوا شيخ الإسلام، فأتوا بصفي الدين الهندي كما تعرفون وناظر ابن تيمية رحمه الله تعالى، قصد من ذلك أن الشيخ الطريفي ليس قاصد هذا، إنما هو قاصد التأصيل. هذا الكتاب من يتقنه ويضبطه يكون عنده أصل جيد يستطيع أن يبني عليه بعد ذلك. لذلك هذا الكتاب من الأفضل أن يقرأ الشخص الورد أكثر من مرة، وكذلك أن يختصر، لكن لا يختصر قبل أن يفهم؛ يعني الاختصار من أجل تثبيت المعلومات لكن الفهم مقدم على الاختصار. وليس معنى هذا أن شخصًا ما يختصر لأن المعلومات لن تبقى عنده، ستبقى عنده هكذا الصورة الهلامية، ولكن تثبيت المعلومات يكون مع الاختصار؛ فعلى رأيي أن الشخص يقرأ الورد أكثر من مرة وقراءة تفهم وتدبر وتأمل، ثم بعد ذلك يختصر، يختصر اختصارًا من ربع إلى الثلث هكذا، يكون اختصارًا بهذه الطريقة وهذه الكمية.
إذاً هذه مقدمة مهمة في الحديث عن هذا الكتاب، وأظن بأن هذا الكتاب سيبقى مدة من الزمن، الكتب المتأخرة تبقى مدة من الزمن ثم تأتي كتب أقوى منها.
تجدون في الزمان أن بعض العلماء تنتشر كتبه في شرح العقيدة الفلانية أو كذا، ثم يأتي عالم آخر ويؤلف كتابًا وينتشر كتابه على حساب الكتاب الأول، فيتم إبعاد الكتاب الأول ولا يقرأ إلا القليل من الناس ويأتي هذا الكتاب الثاني ويكون مكانه.
لماذا؟ لسببين؛ إما أن يكون الكتاب الثاني أجود من حيث التحرير والتأصيل فامتن، فيتم اتخاذه واختياره بدلاً عن الكتاب الأول، أو أن يكون له سبب من الأسباب الدنيوية، كوجود سطوة هذا الشيخ وشهرته، أو وجود من ينشر هذا الكتاب ويثني عليه، أو عدم قدرة الناس على قراءة الكتب التي بها تعقيد فيأخذون الكتب السهلة إلى آخره.
لكن هذه الكتب ما تبقى كثيرًا، الذي يبقى الكتاب المركزي الأصلي، هذا ما يذهب. كتب ابن تيمية إلى اليوم حاضرة وستبقى إلى آخر الزمان، والله أعلم، لماذا؟ لأن هذه الكتب محورية، هذه كتب أصلية. أما الكتب التي تري ذلك فتبقى مدة من الزمن، ثم يأتي بعد ذلك عالم ذكي أو عالم قوي فيؤلف كتابًا فيزيل هذا الكتاب ويأتي كتاب آخر، وهكذا. كتاب الشيخ طريفي -أتوقع بأنه سيبقى مدة من الزمن والله أعلم- سيكون صالحًا لمدة لا بأس بها من الزمن، بأن يكون في هذه المثابة، يكون من الكتب التي يتأصل بها طلاب العلم وينتفعون بها انتفاعًا كبيرًا بإذن الله.
ننتقل الآن إلى ورد اليوم، ذكرنا بأن الورد سيكون من المقدمة إلى صفحة رقم 29. الشيخ ذكر في هذه المقدمة بعض المسائل، وبودي أن أقف عند عدة مسائل ذكرها الشيخ. المسألة الأولى، أو الأمر الأول، أو الموضوع الأول المتعلق بشرف علم العقيدة وأهمية هذا العلم، والعلم يشرف بشرف المعلوم.
وتعرفون بعلماء يختلفون: أي العلوم أفضل؟ هل علم العقيدة أو التفسير أو الفقه أو علم الحديث؟ وكل قسم من هؤلاء يرجح العلم بناءً على النتيجة النهائية. فالعلم هنا -العلم بالله سبحانه وتعالى المتعلق بالاعتقاد- لا شك بأنه أشرف العلوم على الإطلاق، هو العلم بالله سبحانه وتعالى. ولما نقول العلم بالله سبحانه وتعالى، نقصد منه أمرين: الأمر الأول المتعلق بالجانب الإيماني التزكوي، والأمر الثاني المتعلق بالجانب العلمي المعرفي، وهذا بخلاف العلم بأمر الله؛ فالعلم علمان: علم بالله وعلم بأمره، وأشرف العلمين على الإطلاق هو العلم بالله.
والعلماء ثلاثة: الأول عالم بالله وعالم بأمره، والثاني عالم بالله ليس بعالم بأمره، والثالث عالم بالله ولكنه عالم بأمر الله؛ فأما الأول فهو العالم الكامل، وأما الثاني فهو العالم الناقص، وأما الثالث فهو العالم الفاجر. ووصول الشخص إلى أن يكون عالمًا بالله سبحانه وتعالى ثم عالمًا بأمره، فهذا لا شك بأن مرتبته عالية ومنيفة، وهؤلاء هم أكمل العلماء على الإطلاق. وللعلماء حديث طويل حول العلم بالله والعلم بأمره، ولابن رجب رسالة جميلة في شرح حديث «ورثة الأنبياء» وتكلم عن هذا المعنى كثيرًا، وكذلك ابن القيم وكذلك شيخ الإسلام، وأكثر العلماء تحدثوا عن هذه المسألة.
بودي هنا أن أبين بعض المعاني التي قد يغفل عنها طلاب العلم كثيرًا، وهو أن العلم بالله سبحانه وتعالى عطية إلهية؛ يعني الوصول إلى أن شخصًا يعيش مع الله سبحانه وتعالى ويأنس بالله سبحانه وتعالى، هذه ما ينالها إلا من يفتح الله عليه. فلما نقول هنا العلم بالله، أي العلم المتعلق بالعيش مع الله سبحانه وتعالى، فلما تستحضر بأن الله الآن يراك، «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، هذه مرتبة الإحسان.
هنا ممكن تأخذها بشق معرفي، هل هما مرتبتان أو مرتبة واحدة؟ مقام المشاهدة ومقام المراقبة إلى آخره، هذه معرفة علمية نظرية مهمة، ولكن القصد هنا أنك تعيش بأن الله سبحانه وتعالى يراك، تعيش بأن الله سبحانه وتعالى مطلع عليك. هذا العلم بالله، وأنك تعرف من هو الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن نصل إلى الله إلا من خلال الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن نعرف من هو الله إلا من خلال كتاب سبحانه وتعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام؛ الله سبحانه وتعالى أنزل هذا الكتاب العظيم حتى يعرفنا من هو سبحانه وتعالى، وهذا هو خلاصة القصد.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى -كما ذكر الزركشي في كتابه البرهان- بأن كل ما يقوله الأئمة، أي الإجماع، بأنه شرح للسنة، والسنة شرح للقرآن، والقرآن شرح للأسماء والصفات. فالوصول إلى الله سبحانه وتعالى ومعرفة من هو الله سبحانه وتعالى؛ من هو العزيز، من هو الجبار، من هو المتكبر، ثم معرفة صفات الله سبحانه وتعالى؛ كالإحاطة المطلقة، والعلم المطلق، وكذلك أن الله سبحانه ينزل في ثلث الليل الآخر، وعلو الله سبحانه وتعالى، إلى آخر هذه الصفات، وكذلك التعرف على أفعال الله سبحانه وتعالى.
القصد منه أن تعيش مع الله سبحانه وتعالى، هذا قبل أن نتكلم عن الخلاف مع المخالفين، قبل أن نتكلم عن النزول الحقيقي، وعن العلو الحقيقي وعلو الذات، ومن تأول بعلو الصفات إلى آخره وعلو القهر؛ فهذا قول المتكلمين وهو قول خاطئ ولا شك بأنه كفر، وكذلك نفي الصفات الذاتية إلى آخر هذه المسائل. هذا العلم، أي العيش مع الله سبحانه وتعالى والعيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى والأنس بالله سبحانه وتعالى، هذا هو القسم الأول من العلم بالله، أو المعنى الأول الذي يندرج في العلم بالله سبحانه وتعالى.
فالعلم بالله أنك تعرف من هو الله، وقد يصل الشخص إلى هذه المرتبة ولا يكون عنده كبير علم، أي العلم بالتفاصيل أو العلم بالأوامر الشرعية، مثل ما وصل إليه محمد بن واسع، وكذلك ربيع بن خثيم، وكذلك الفضيل بن عياض، وأويس القرني، وإلى آخره من هذه الشريحة. هؤلاء عندهم العلم بالله، وسيد هؤلاء على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين والصحابة الأجلاء هو أويس القرني؛ وأويس القرني لم يذكر له حديث في كتب السنة ومع ذلك هو خير التابعين وأفضل التابعين على الإطلاق رضي الله عنه ورحمه. إذاً هذا المعنى مهم ألا يغيب عن أذهان طلاب العلم، أنا لماذا أقول هذا وأكرر وأنبه عليه خاصة في مثل هذه المجالس المتعلقة؟
بالحديث مع طلاب العلم أو من يريد طلب العلم إلى آخره؛ لأن هذا الأمر يضمر عندهم كثيرا، ويستدلون دائما بالنصوص العامة المفضلة للعلم، ثم ينظرون إلى كلام الأئمة المفضل للعلم، ثم لما يدخلون من كتب الاعتقاد يدخلون إليها من أجل الصراع ومن أجل بيان الفارق بين معتقد أهل السنة والجماعة وكذلك المخالف. وليس معنى هذا أنه ليس بصواب، بل هذا من أعظم أبواب الجهاد على الإطلاق، ولكن قصدي الآن في السياق الذي أقوله، وهذا معنى مهم حتى يفهم الكلام حتى لا يتم تقليص المعنى ثم فهمه على خلاف قصد قائله.
أتكلم الآن عن معنى معين متعلق بالعيش مع الله سبحانه وتعالى، والعلم بالله هو أنك تتعبد الله سبحانه وتعالى، ولما تعرف بأن الله الآن في سماء الدنيا ينزل سبحانه وتعالى هنا. ممكن تأخذ المسألة من خلال الصراع مع المخالفين: نزول رحمته، نزول الملك، إلى آخره، وأنت تقول: لا، بل الله ينزل نزولاً حقيقياً، هذا أمر حسن وتؤجر عليه، بل أجر عظيم وليس قليلاً، وتصحيح العقائد أعظم من كثير من الأعمال.
ولكن هل العيش مع هذا الحديث كان موافقاً للمقصد من ذكر النبي ﷺ لهذا الحديث؟ هل لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ * مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ * مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ﴾ [البقرة: 186]، هل أنت الآن تعيش هذا المعنى؟ أم فقط تعيش أن نزولاً حقيقياً وتقرأ شرح حديث النزول لابن تيمية ثم تبين؟ هذا لا شك منه خلل في البنيان، وليس هذا هو القصد. ليس معنى هذا أنك تقصر بالثاني، سآتي عنده وأتكلم عن فضيلته وعظمته، لكن فقط أريد الآن أن أتكلم عن هذا؛ لأن قليلاً ممن يقرأ في كتب الاعتقاد يصل إلى ما وصل إليه بشر الحافي، ويصل إلى ما وصل إليه وسقرني، ويصل إلى ما وصل إليه فضيل بن عياض، ويصل إلى ما وصل إليه محمد بن واسع، إلى آخره من هؤلاء العباد الصالحين الأبرار.
لذلك مرتبة البخاري ومرتبة أحمد والحسن البصري وسعيد بن مسير، هؤلاء جمعوا بين العلم بالله والعلم بأمره، وهذه قليلة ونادرة جداً؛ لأن العلم بالأمر يسحب عند كثير من طلاب العلم بالله، فهو يتوسع في العلم بالأمر والحساب. هل معنى هذا أن يترك؟ لا، إنما الدين يحفظ بالعالم بأمر الله سبحانه وتعالى، فالذي لا يعرف كتاب الله سبحانه وتعالى ولا سنة النبي ﷺ لن يستطيع أن يحمي الإسلام وأن يدافع عنه، وسيخسر خسارة كبيرة، ولن يدخل في زمرة العلماء المفضلين.
لكن العالم الممدوح في القرآن الكريم هو العالم الكامل، احفظوا هذه الكلمة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. فسر هذا أحمد رحمه الله تعالى المعنى وليس نفس الآية؛ لما سُئل عن معروف وسُئل عن بشر الحافي، فقال: «هل يراد من العلم إلا ما وصل إليه بشر؟». رأس العلم عند المعروف؛ يعني المقصود من العلم هو أنك تصل إلى الخشية، أنك تصل إلى التعظيم، أنك تصل إلى هذه المعاني.
وليس معنى هذا عدم الاهتمام، فقد ذكرت قبل قليل حديث أبي ذر الغفاري، فهذا فيه حفظ، يعني أن تطلب العلم وتتعلم. أيه أفضل: أن تصلي مئة ركعة، وأن تعرف باب العلم، خير من أن تصلي ألف ركعة؟ ألف ركعة كم تأخذ منك؟ ممكن تجلس هكذا عشر ساعات أو أكثر من عشر ساعات، حتى ممكن تصل إلى عشرين ساعة حتى تصلي ألف ركعة، وهذا الباب من العلم ممكن تأخذ بربع ساعة أو بنصف ساعة. لماذا هو أفضل؟ لأن بهذا يكون حفظ الإسلام.
أنا أريد أن أضبط الميزان؛ فلما أتكلم عن أهمية العلم بالله والعبادة والعلم، ثم بعد ذلك نأتي ونضبط التقدير، هكذا يضبط التقدير. فلا أريد أن أتوسع في باب على حساب باب، إنما أريد فقط أن أبين هذا المعنى. إذن العلم بالله سبحانه وتعالى هو القصد منه، فلما تدخل وتقرأ في كتب الاعتقاد، ابدأ أبداً بالعيش مع الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك تعرف على هذه المسائل العلمية المتعلقة بالعلم بالله.
كذلك لما تأتي وتنظر إلى المخالفين، أهل السنة والجماعة، هم ينكرون صفة العلو لله سبحانه وتعالى، لابد أن تثور حميتك، ولا تجعل خلاف المعاصرين أو أناس لا تحبهم -مثلاً ممن أساء تمثيل مذهب أهل السنة والجماعة- يبرد هذا الاعتقاد عندك، وهذا خطأ كبير. لذلك لا تتابع كثيراً هذا الخلاف المعاصر؛ لأن هذا الخلاف المعاصر قد يبرد عندك هذا الشيء.
فلما يأتي أحد المعاصرين ممن يخالف ويرد على من أخطأ من علماء الإسلام الكبار -وهم إن شاء الله معذورون بالتأويل- فيرد عليهم ويبين الخطأ الموجود عندهم، ربما يصل به الحال إلى أنه يبدعهم حتى يكفرهم كما هو موجود اليوم في فتنة العصر. قد يأتي شخص ويدخل هذه المعركة وهو لا يحب هؤلاء، ويرى بعض المشايخ يرد على هؤلاء، فيبرد عندها الاعتقاد، فيعظم هذا العالم الجليل الذي هو في تقديرنا ومعظم على حساب تعظيم المسألة، فيجعل هذه الصفة التي هي لله سبحانه وتعالى محل تردد أو محل اشتباه، أو أنها ليست بكبيرة مقارنة بما هو أقل منها. لماذا هذا الشيء فعله؟ لأنه ما يحب فلاناً الذي يقول كذا فيرد عليه.
النتيجة النهائية بالنسبة لهذا الإنسان أن الذي ينفي علو الله يصبح الأمر عنده عادياً، أو خلافاً اجتهادياً والمسألة تحتمل كذا وكذا، أو يكون معذوراً. انتبه، احذر أن يضمر تعظيماً لله سبحانه وتعالى في قلبك حتى يوصلك إلى هذا. أعلم بأن هذا الأمر صعب، وأعلم بأن الإنسان ضعيف ولا يقوى كثيراً، لكن لابد أن تقاوم، ولا بد أن تعيش، ولا بد أن تعظم الله سبحانه وتعالى حتى يكون الله حقيقة هو الأعظم، ثم بعد ذلك تتعامل مع هذه المسائل كما أمر الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]. يعني هذا المخالف لنا من علماء الأشاعرة مثل ابن حجر رحمه الله تعالى أو النووي رحمه الله تعالى، أئمة كبار أبرار نحسبهم، لكن أخطأوا هنا؛ مبحث الخطأ غير نفس تقرير الصفة، غير نفس هذا الأصل.
غير نفس هذا المعنى، فضبط هذا الأمر مهم. هو صعب على النفس، لكن يحتاج الشخص إلى مقاومة حتى يجمع بين الغيرة على الدين ومحبة الله سبحانه وتعالى والذَّب عن دين الله سبحانه وتعالى، وخاصة عما يتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى، والجمع مع هذا بين هذا وكذلك عذر هؤلاء الأمة ومحبة هؤلاء العلماء الذين أخطؤوا بسبب التأويل الذي وقعوا فيه.
فالجمع بين هذا وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. لكن شخصاً ما يغار على الحرمات أو يبينها، تكون المسألة عنده عند نفي علو الله أمراً عادياً وليس بكبير، هذا لا شك بأنه مخالف لمذهب السلف الصالح ومخالف لنفس أمر الله سبحانه وتعالى. وهذا أمر ظاهر، وقد يكون من جهة النظر والعلم والمعرفة، لكن النفس ما تحضر؛ لماذا؟ لأن العلم بالله ما كان عنده قوي.
الصورة الأولى المتعلقة بالعلم بالله هي العيش مع الله سبحانه وتعالى وتعظيم الله، ما كان هو واصلاً إلى درجة عالية فيها، فلذلك في التطبيق العملي يقع عند اضطراب كبير. أنا أتكلم عن هذا الأمر حتى أبين الخطر الكبير، فالوصول للحق صعب، والذين جاهدوا فينا تحتاج إلى مجاهدة، ليس مساهلة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]. لابد أن تكون متذكراً، لابد أن تكون متعبداً، أن تبذل حتى ييسر لك، أما إذا ما بذلت لن ييسر.
والذين جاهدوا فينا جاهدوا، الآن تصل، طيب بعد ما تصل هل ممكن تثبت؟ صعب. هل ممكن تستمر؟ أصعب. هل ممكن توصل هذه المعاني إلى الناس؟ أشق وأشق، خاصة في زمان الفتنة. انظر، لذلك هنا من يفقه هذه المعاني على وجهها يعرف لماذا النبي عليه الصلاة والسلام شقّت عليه، أو شقّ عليه قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]. وكيف هذه الآية شيبت النبي عليه الصلاة والسلام؟ الاستقامة ليست سهلة، صعبة جداً.
وبعض العلماء كان يفسر الاستقامة بمعنى قريب، بل بعضهم يقول الاستقامة لم يحققها أحد، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استقيموا ولن تحصوا»، لن تطيقوا، لكن تحتاج إلى مجاهدة حتى تكون غالب حياتك على الاستقامة. وقال كذلك: «سددوا وقاربوا»، سددوا وقاربوا، فإذا لم تستطع على السداد دائماً تكون معها مقاربة، فهذا الذي نريد أن نوصل، لكن الشخص ما يسدد ولا يقارب، هذا يكون بعيداً بعيداً.
أظن أنه مصيب إذاً العلم بالله سبحانه وتعالى يشمل الأمر الأول المتعلق بالعيش مع نفس هذه الآيات وتعظيم الله سبحانه وتعالى، وتقوية هذا الاعتقاد، وأن الشخص يغار على الدين وما يتساهل. يعني يكون عنده مثلاً إمام هو على معتقد الأشاعرة ويصلي بالناس، وأنت تعرف خلاف هذا الإمام المبتدع، وإمام آخر من أهل الحديث، فيقول: أنا ما أذهب إلى هذا الإمام الذي من أهل الحديث لأنه بعيد عن منزلي، بيني وبينه كذا وكذا، بينما هذا يؤول صفات هذا على المنبر، ينفي صفات الله سبحانه، فهل تغار ولا تتأثر ولا تذود عن نفسك؟
هذا أمر لا شك أنه يدل على خلل كبير، أن هذا الإنسان عنده هذا الأمر سهل. من يفهم هذا يعرف لماذا ابن تيمية كان يشد كثيراً في رده، وكذلك ابن القيم رحمه الله تعالى عليهما، لأن هذه المسائل متعلقة بالله سبحانه وتعالى. فالجمع بين حق الله سبحانه وتعالى ثم حق هذا العالم الذي أمر الله سبحانه وتعالى بحفظه، هذا هو دين الإسلام، هذا هو المذهب السلفي النقي الذي صار عليه أئمة الإسلام في كل عصر. ولما لا يستطيع شخص يجمع هنا، يقدم حق الله سبحانه وتعالى، وهذا له تفصيل وله شرح لعله يكون إن شاء الله تعالى في المجالس القادمة لما نتكلم عن طريقة التعامل مع المخالفين.
إذاً هذا المعنى الأول الذي حبيت أن أنبه عنه المتعلق بالعلم بالله. الأمر الآخر المتعلق بنفس ضبط هذه المسائل؛ فالله سبحانه وتعالى يريد منا أن نعرف من هو الله، يريد منا أن نعرف من هو. فمن المهم جداً أن يكون الشخص بصيراً بمعتقد أهل السنة والجماعة، وأن يعرف ما المراد بالصفات وكيف سلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يمرونها كما جاءت. هل يمرونها على ما جاءت كما يفعل المفوضة بأنهم يقولون لا مع القطع بأن ظاهرها غير مراد؟ أو كما يفعل المؤولة بأنهم يؤولون هذه الصفات؟ أو ما المراد بأنهم كانوا يمرونها كما جاءت؟
ما المراد بقول الإمام الشافعي: أؤمن بما جاء عن الله سبحانه وتعالى كما أراد الله سبحانه، أو بما أراد الله سبحانه وتعالى، وكذلك كما جاء ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما أراد وقصد النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل معنى هذا التفويض؟ أو المراد هنا أنهم يفهمون هذه المعاني ولكن لا يخوضون في تفسيرها ولا يخوضون في تأويلها ولا يخوضون في الحديث عما لا يعرفون منها؟
إذ قصد من ذلك أن العلم بالله سبحانه وتعالى كذلك يشمل معرفة هذه الأصول، هذه أصول اعتقادية: ما معتقد أهل السنة والجماعة في مبحث الأسماء والصفات؟ ما معتقد أهل السنة والجماعة في أصل الإيمان؟ ما معتقد أهل السنة والجماعة في مبحث القضاء والقدر؟ ومن خالف أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات ولماذا خالفوهم؟ ومن الذي وافق أهل السنة؟ ما معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان ومن خالفهم ولماذا خالفوهم؟ وما هي الشبهات التي طرحها المخالفون وكيف طريقة الرد على هؤلاء؟
هذا هو الذي يدخل كذلك في مبحث أو قصد الشيخ هنا من قوله العلم بالله، فالعلم بالله يشمل هذا ويشمل هذا. وذكر هنا أفضل طريقة؛ أنك تعرف الأصول ثم بعد ذلك تنزل منها إلى الفروع. أفضل طريقة في دراسة العقيدة هو أنك تعرف أصول المسائل؛ لما تأتي عند الإيمان تعرف بأن الإيمان قول وعمل، والقول قول القلب وقول اللسان، والعمل عمل القلب وعمل الجوارح. ثم بعد ذلك تبدأ تنظر في المباحث المتعلقة في الإيمان، مثلاً الاستثناء في الإيمان، لماذا أسأل منهم من يستثني ومنهم لا يستثني، وهكذا تبدأ وتنزل حتى تنظر إلى المخالفين؛ ما الذي كان يقوله المرجئة وما هي طبقات المرجئة؟ وما الذي كانت تقوله الخوارج والمعتزلة؟ وما الفرق بين الخوارج والمعتزلة؟ ومتى نشأت بدعة الخوارج ولماذا نشأت بدعة الخوارج؟ ومتى نشأت المعتزلة ولماذا نشأت المعتزلة؟ وما الفرق بين معتزلة بغداد ومعتزلة البصرة؟ وهكذا تبدأ تتوسع وتفهم هذه المسائل بعد ما تضبط أصول المسائل، لكن لا تدخل إلى هذه المسائل من خلال الخلاف من غير أن تفهم أصول هذه المسائل، أو تدخل إلى الفروع وتنظر إلى الفروع من غير...
إذا فهمت نفس أصول المسائل، يقع عندك اضطراب وإشكال في فهم هذه الأصول العقدية. هذه الوقفة الأولى المتعلقة بالعلم بالله سبحانه وتعالى.
الوقفة الثانية المتعلقة بما ذكره الشيخ هنا؛ ذكر بأن أصل الخلاف أو الضلال يعود إلى سببين أصليين: السبب الأول الجهل، والسبب الثاني الهوى. أما الجهل، فذكر أنه إما بوجود الأدلة، أو بصحة الأدلة، أو بالمعنى من هذا الدليل. سبب خلاف العلماء أو سبب وقوع الناس في الضلال أو عدم إصابتهم الطريق الذي نصبه الله سبحانه وتعالى يعود إلى هذين الأمرين؛ إما أن الشخص لا يعرف أن هذا الدليل موجود، فهذا الإنسان غاب عنه هذا الدليل أو لم يصل إليه، أو وصل إليه لكن ظن بأنه ضعيف.
كما جاء عن شعبة في حديث الوضوء، قال: «أنصح هذا الحديث فهو خير لي من أهلي ومالي»، الذي طاف البلدان، طاف البصرة وذهب إلى المدينة وذهب إلى مكة، ثم عاد بعد ذلك إلى البصرة حتى ينظر لحديث عُقبة بن عامر في الوضوء، فقال بعد ذلك: «نصح هذا الحديث فهو خير لي من أهلي ومالي»، وكان يرى بأنه لا يصح لأن فيه سقط، قال: كبر عليه لا أصل له، قال: اضرب عليه لا أصل له، ثم بعد ذلك صح هذا الحديث لكن من غير الطريق الذي رواه شعبة، أو الذي وصل إليه شعبة بن الحجاج أبو بسطام رحمه الله تعالى.
فالقصد من ذلك أن السبب الثاني هو عدم المعرفة بصحة الدليل من ضعفه، فيظن بأنه صحيح أو يظن بأنه ضعيف، فيحكم بناءً على ما انتهى إليه علمه، فيخطئ في الطريق، ويخطئ في الإصابة. والسبب الثالث أو القسم الثالث من الجهل هو المتعلق بالمعنى، وهذا الذي وقع فيه عامة المخالفين لأهل السنة والجماعة.
السبب الأول والثاني وقعا من العلماء كثيرًا، وقد ذكر ابن تيمية في رسالته «رفع الملام عن الأعلام» بأن العلماء لم يكونوا يقصدون المخالفة، ولكن العالم قد لا يصل إليه الحديث، وقد لا يعرف أن هذا الحكم جاء به نص، أو قد يصل لكن مثل ما ذكرت يظن بأنه ضعيف إلى آخره، وذكر أسبابًا كثيرة. أما الثالث فهو المتعلق بالمعنى؛ يصل إليه النص، ولكن لا يفهم من النص ما كان يفهمه السلف الصالح.
أريد أن أقف عند هذه النقطة، وقفة ابن تيمية التي أطنب وأكثر من الحديث حول هذا المعنى؛ كيف نفهم الكلام؟ انظروا يا شباب، تحملوني قليلاً، أنا بودي أتوسع بس حاولوا أن تستحضروا وتجمعوا جميع الذرات الموجودة في أذهانكم حتى تفهموا من الكلام الذي سيقال.
المعنى لما يدخل إلى عقل الإنسان يتفاعل الإنسان معه. الإنسان إذا أراد أن يفهم كلامًا، كيف يفهمه؟ يفهمه من خلال المعلومات الأولية الموجودة عنده. الآن لما يأتيك شخص متخصص في الطب ويتكلم عن معنى دقيق في الطب، وأنت لست متخصصًا ولا عندك الأصول، لا تستطيع أن تفهم كلامه. ولما يأتيك شخص آخر يتكلم بلغة غير لغتك، لا تستطيع أن تفهم كلامه؛ لأن كلامه مختلف عن لغتك، واللغة هي أن تعبر عن المعاني الموجودة في جوفك بلسانك، أما هو فيعبر بلسانه، ولسانه غير لسانك.
الأمر الثالث، قد تكون أنت الآن نشأت في بيئة أو في بلد والناس يتكلمون عن مصطلحات معينة ويقصدون من هذا المصطلح معنى معينًا، وهذا المصطلح كان موجودًا قبل عشرين سنة، قبل أربعين سنة، قبل مئة سنة، ولكن هذا المصطلح عبارة عن قالب، والمصطلح هو القالب والمعنى هو المعنى، وهذا يتغير مع تغير الأزمان.
أنت الآن تقول عبارات لا يقولها والدك، لأنك أخذت الكلام من والدك ووالدتك، ووالدك يقول كلمات أنت لا تقولها. وكل خمس سنوات تتغير بعض مفردات الإنسان أو تتغير بعض المعاني من هذه المفردات. تأتي الآن عند كلمة معينة، هذه الكلمة بالنسبة لك تساوي كذا، وبعد مدة من الزمن يتم طرق الإنسان فتخرج من هذا اللفظ بعض المعاني وتدخل فيه معاني أخرى، فيصبح الإطلاق هو الإطلاق والمصطلح هو المصطلح، ولكن المعنى غير المعنى. يكون نصف المعنى القديم موجودًا، لكن النصف الثاني ليس مقصودًا، إنما هذا أتى بعد ذلك.
هذا صعب يُضبط، لذلك هنا أبو زرعة وأبو حاتم رحلوا وسألوا علماء الإنصاف؛ لماذا؟ لأن هذا ما يستقيم معه إلا النقل، لا يستقيم معه الاجتهاد، ولا تستقيم معه معرفة نفس اللسان، لأنك لا تستطيع.
أتمنى يكون هذا المعنى واضحًا. فقصد من ذلك أنك إذا أردت أن تفهم الكلام، تفهمه بناءً على المعلومات الموجودة عندك. يأتي شخص يذكر معنى دقيقًا وأنت ليس عندك المعلومات الأولية فلا تفهم كلامه، وتحمل كلامه على خلاف المقصود. لماذا؟ لأن عقل الإنسان مثل الآلة التي تحمل، فإذا كان هذا الإنسان عقله يحمل خمسة كيلو، وهذا المعنى ثقله خمسون كيلو، ماذا يصنع؟ هذه الآلة يفيض منها الكلام، ويفيد المعنى منها فيتساقط، فيبقى الخمسة كيلو التي يستطيع هذا الإنسان أن يأخذها.
تقول لي فسر أكثر، الكلام هذا خطير. أقول لك: هذا الإنسان من الذي يفهم؟ لماذا كان النبي ﷺ يقول: «ليِليني منكم أولو الأحلام والنُّهى»؟ لأن هؤلاء يفهمون قصد النبي ﷺ، والعبارة ما تستطيع أن تحمل جميع القصد مهما حاول الإنسان. لذلك الإسلام إذا أراد أن يبين معنى ثقيلًا يكرر بيانه؛ لماذا؟ حتى يستقر في النفس وحتى تصل حقيقته إلى الإنسان، وهكذا يكون الخطاب والبيان. غير هذا الطريق، وهم يقعون عند الإنسان في بداية حياته أو حتى في آخر حياته إذا لم يفهم هذا المعنى.
ابن تيمية حرص أن يبين هذا حتى في نقاشه في جواب اعتراضات المصرية، لما بين هذه الحقيقة وأن الحقائق الشرعية لا تؤخذ إلا من الشرع، لا تؤخذ من اللغة. لما تأتي عند الإيمان، تأخذه من خلال نفس الكتاب والسنة، وليس من خلال ما يقوله الأعشى: عليك كما صليت فتمضي نومًا ... فإن لجنب المرء مطجعًا
لما قالت قربت نحري وقربت رحى ... قالت بنيتي يا ربي جنب أبي الإصابة والوجعة عليك كما صليت، الصلاة في الإسلام.
ما المراد بها هذه الأفعال المخصوصة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، المأخوذة من قول النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»؟ تريد أن تفهم الصلاة من خلال اللغة؟ ما تستطيع، مستحيل؛ لأن الصلاة لها حقيقة شرعية. هذه الحقيقة الشرعية كيف نعرفها؟ نعرفها من خلال النصوص الشرعية.
الآن تأتي تتكلم عن الإيمان في إطلاق معين، تطلق على الإيمان بأنه هو الإسلام، في إطلاق آخر تطلق على الإيمان بأنه أخص من الإسلام، في إطلاق ثالث يكون الإيمان كذا والإسلام كذا. هذا كله تحتاج إلى وقت حتى تفهمه، وتحتاج إلى عيش مع النصوص حتى تستطيع أن تصل إلى الحقيقة. قبل ذلك تأخذها بطريقة سطحية، طريقة قريبة يسميها العلماء ليست طريقة بعيدة، ليست طريقة فيها توسع أو فقه أو معرفة في الدقائق، إنما تكون طريقة قريبة؛ تكون عندك المعلومات الأولية تقول إن الإسلام معناه كذا والإيمان معناه كذا، وإذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، ثم تستمر في التكملة.
فلما تأتي مثلا عند قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]، ما المراد هنا؟ تريد أن تعرف معنى هذا الكلام؛ اقرأ ما ذكره الشافعي رحمه الله تعالى، اقرأ ما ذكره ابن تيمية في الإيمان، اقرأ ما ذكره ابن رجب في شرح حديث جبريل في «جامع العلوم والحكم»، اقرأ ما ذكره ابن عبد البر، اقرأ ما ذكره محمد بن نصر المروزي في كتاب «التعظيم قدر الصلاة»؛ تعرف معنى، تعرف شيئًا من هذه المعاني. وانظر إلى تعامل الشافعي وتعامل ابن تيمية، ثم انظر بعد ذلك إلى تعامل الشيخ المعلمي في رفع الاشتباه.
القصد من ذلك أن الألفاظ هي قوالب المعاني؛ المعنى يكون بداخل اللفظ. لما تطلق هذا المصطلح، ما تستطيع دائمًا أن تحيط به. ابن تيمية يقول: «إذا اتضحت التصورات اتسعت العبارات». كيف؟ يعني يتضح تصور عندك. الآن عندك كلمة "المعروف" و"البر"، أحيانًا تقول البر وأحيانًا تقول المعروف، هل البر مطابق للمعروف؟ لا، ما الفرق بين البر والمعروف؟ ارجع للنصوص الشرعية وانظر متى استعملت البر ومتى استعملت المعروف، وهكذا. هذا قصد، وله شرح ابن تيمية؛ فله تعليقات نفيسة في هذه المعاني. فالقصد أن الإنسان هنا إذا أراد أن يفهم الكلام لابد أن يعرف العادة ولا بد أن يعرف السياق حتى يستطيع أن يصل إلى الحقيقة، ثم بعد ذلك لما يأتي من يذكر الشبهة، تكون هذه الشبهة مخالفة للأصل.
أضرب لكم أمثلة أقرب بها هذه المعاني؛ الآن لما تأتي وتقول مثلاً مصطلح "الله"، هل هو مطابق لاسم "الرب"؟ هل التوحيد والألوهية مطابق لتوحيد الربوبية؟ لا، طيب ما العلاقة بين توحيد الألوهية والربوبية؟ نقول من باب التقريب: إن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية.
طيب، أن يأتيك شخص ويعترض عليك ويقول لك إن النبي ﷺ قال بأن المنافق إذا دخل في قبره أو الكافر يسأل ثلاثة أسئلة: "من ربك؟"، فيقول: "ربي الله"، فسر هنا "الرب" بـ "الإله". كيف ترد؟ أقول لك لن تستطيع أن ترد عليه الآن، لا بد أن ترجع وتقول: اصبر، نحن الآن ليس من الصواب أن نقيم هذه المسألة من خلال هذا الحديث. تقول لي كيف؟ أقول لك: لا بد أن نرجع قليلاً حتى ننظر إلى اسم الله. ما المراد باسم الله سبحانه وتعالى؟ الله هو المعبود. طيب ما المراد بالرب؟ الرب هو المصلح للشيء، هو المالك، هو السيد. تقر معي بهذا أو لا تقر؟ إذا سلم، انتقلت معه، وإذا لم يسلم، ارجع معه وقل له: ابن عباس يقول: الله هو المعبود، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]، وابدأ تشرح له هذه المسألة وتبين له توحيد الألوهية، وتقول: ما الفرق إذاً بين توحيد الألوهية والربوبية؟ إذا كنت ترى بأن الربوبية هي الألوهية، الكفار نفس الشيء؛ كان يقولون هذا، الأمر سيأتيك برد، لكن سيكون ردًا ضعيفًا.
لا أريد أن أتوسع الآن كثيرًا في تقرير هذه المسألة، بس أريد أن أبين كيف نقيم هذه المسائل؟ فهمنا هذا الشيء، استطعنا أن نقرر بأن الإله المعبود غير الرب؛ وطبعاً كلمة "غير" هنا مجملة تحتاج إلى تفصيل، لكن القصد هنا أن معنى الإله المعبود ومعنى الرب هو السيد. فقوله "ربي" هنا يكون من باب بيان أن الله سبحانه وتعالى من أسمائه، وأنه إذا ذكر اسم الله الرب أو اسم الله الإله في موطن آخر يكون مقصودًا؛ فهنا لما يقال "من ربك؟" أي من الذي خلقك؟ من الذي ربّاك؟ فيقول: "ربي الله"، أي المسلم المؤمن. أما المنافق، فلا أدري لمَ يقول "ربي"، أي الرب هو المعبود سبحانه وتعالى، فلا يكون هناك إشكال، لكن من يأتي يريد أن يقرر بأن الرب مطابق للإله، فهذا خطأ، وهذه الطريقة خطأ، لكن هنا يطلق اسم الله مكان اسم الله الرب لهذا المعنى.
وكذلك مثلاً في: «لا رب غيرك ولا إله غيرك، اللهم لا خير إلا خيرك ولا إله غيرك». لماذا هنا توكل؟ لأن التوكل عبادة قلبية، والطيرة متعلقة بالربوبية. فإذا أنا أثبت بأن الله سبحانه وتعالى هو مالك الملك، وأثبت بأن الله له التقدير، وأن الله سبحانه وتعالى لا يخرج عن قدر شيء، وأن الله سبحانه هو الذي يقدر هذه الأشياء، أثبت عموم وشمول سلطان الله سبحانه وتعالى وعلم الله وتقدير الله سبحانه وتعالى، وكذلك أتوكل عليه، والتوكل عبادة متعلقة باسم الله. وإثبات العلم والسمع والتقدير متعلق باسم الله الرب.
أتمنى أن تكون هذه المسألة واضحة. وعلى هذا تقسيم؛ لما تأتي عند الإيمان، سيأتينا إن شاء الله تعالى: هل العمل يدخل في الإيمان أم لا؟ إذا قلت بأنه لا يدخل في الإيمان، نقول لك: الله يقول في كتابه العظيم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، أي صلاتكم، والإيمان ليس عملاً، فماذا تفعل مع هذا النص؟ النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، أليست الإماطة فعلًا وعملاً؟ لا يدخل بالإيمان؟
بلا يدخل بالإيمان، هو طبعًا يرد ويقول: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ هنا الواو تقتضي المغايرة، فالعطف يقتضي المغايرة، إذًا العمل لا يدخل في الإيمان.
هنا يكون عندنا جوابان: إما أن نقول بأن العطف هو عطف الخاص على العام، فيكون الإيمان يشمل العمل الصالح، وتقول هذا تحكم. لماذا قلت هذا؟ أقول لك لأن بقية النصوص الأخرى التي من خلالها قررنا أو فهمنا حقيقة الإيمان تُدخل العمل في مسمى الإيمان. أو نقول بأن العطف يكون من باب ذكر العمل الصالح، ويكون الإيمان المراد به في هذا السياق هو القلب مع اللسان.
تقول الآن وافقتنا، أقول لك لا؛ النصوص الأخرى هي التي تقرر، يعني مجموع النصوص هو الذي يوصلك إلى فهم الحقيقة، ولن تستطيع أن تأول الكلام أو تفهم الكلام من غير فهم الأصل. تقول لي كيف أفهم الأصل؟ أقول لك هنا تحتاج إلى النظر إلى السياقات، والنظر إلى استعمالات الشريعة الإسلامية لهذه الحقيقة، وبناء عليها تفهم المطلقات. وذكرت هذا في مواضع كثيرة وله تفصيل، لكن هكذا كل هذا من باب التقريب. المشكلة التي وقعت عند هؤلاء المرجئة أنهم...
وقبل ذلك من ضمن كذلك الأمور المهمة المتعلقة بفهم الكلام، المنظار الذي من خلاله تستوعب الكلام؛ أنت الآن لما تكون متخصصًا في علم معين أو في ثغر معين إلى آخره، ستلاحظ بأنك تنظر إلى كل شيء من خلاله. لما تكون قارئًا بالفلسفة أو قارئًا بعلم الكلام، يصنع عقلك بطريقة مختلفة عن الشخص الذي نزل عليه القرآن الكريم. الذين نزل عليهم القرآن الكريم هم كانوا أصحاب نفس هذا اللسان، هم كانوا يفهمون هذا الكلام؛ لأن هذا الكلام كما ذكرنا في المعنى الثاني أن اللغة هي اللغة، واللسان هو اللسان، وكذلك لم يكن في أذهانهم ولا في عقولهم ما يمنعهم من فهم الكلام.
تقول لي كيف؟ أقول لك لما تريد أن تصل إلى الحقيقة لما تعجز عنها، ارجع إلى الفطرة وارجع إلى العبادة، وهذا الذي كان يفعله شيخ الإسلام، وهذا الفقه العالي. لأن الإنسان لما يتشبع من القراءة في علم معين أو في شيء معين، لا يستطيع أن ينفك عن النظر لأي حقيقة من حقائق الوجود إلا من خلاله، ولا يستطيع أن يفهم الكلام إلا من خلال نفس هذا النظر، لأن هذا هو الإنسان. فلما تأتي وتقرأ في علم الكلام وتتوسع فيه، وقبل ذلك تقرأ بالفلسفة إلى آخره، يصنع عندك عقلًا جديدًا. هذا العقل الجديد ليس هو عقل عمر بن الخطاب، ليس هو عقل سعد بن عبادة.
لذلك العلماء يقولون بأن أصل المعنى لما يأتي الشخص ويقول ما المراد بالمعنى؛ نثبت المعنى ونفوض الكيفية. اشرح لي المعنى لما تأتي في صفة اليد لله سبحانه وتعالى، نحن نثبت لله سبحانه وتعالى صفة اليد، طيب كيف أثبتنا صفة اليد من خلال استعمالات الشريعة؟ فالشريعة، الله سبحانه وتعالى خلق آدم بيده، وجاءت البشر ويأتون يوم القيامة لآدم يقول: أنت الذي خلقك الله بيده، فخلق الله آدم بيده. وكذلك الله سبحانه وتعالى يطوي السماوات بيمينه، ويضع الله سبحانه وتعالى الأرضين على إصبعه، السماوات على الإصبع إلى آخره، وكذلك ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: 104]. بل ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، إذًا الله يقبض ويبسط، وخلق بيده، وكُتب في بعض الآثار التوراة بيده إلى آخره. إذًا هذه كلها تقضي على احتمال أن يكون المراد من اليد القدرة، هذا غير التثنية طبعًا في ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، إذًا هنا اليد تكون يدًا حقيقية.
إذا كانت يدًا حقيقية، هل معناها أنها مساوية أو مماثلة ليد البشر؟ لا، لا يأتي المخالف ويقول إذاً فسر لي ما المراد باليد، أقول لك المراد باليد هو ما وقع في ذهنك، انظر، هذا هو الذي استقر في أذهان أصحاب الفطرة الذين نزل عليهم القرآن الكريم، هم الذين هذا هو المقصود. أما الذي يدخل في علم الكلام إلى آخره، ما يستطيع أن يستوعب الشخص العادي، عامة المسلمين يقرؤون القرآن الكريم ويقرؤون مجيء الله وإتيان الله ونزول الله سبحانه وتعالى وعلو الله سبحانه، هل استشكلوا ما استشكل المتكلمون؟ لم يستشكلوا، لماذا؟ لأن الفطرة كانت هي الغالبة.
فلما يطرق العقل هذا الأمر، لما تأتي تقول له: هل تقصد هنا اليد مثل يدك؟ هو ما خطر في باله هذا المعنى، لم يخطر في باله هذا المعنى؛ لأنه يعرف أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء. المتكلم يريد منك أن تفصل هذه المسائل، ما تقبل التفصيل، إنما هذا الذي يقع في نفسك في وجدانك أول مرة هو المقصود. فلما تأتي تريد أن تفصل أكثر من ذلك، هنا تذكر أن الله له يد حقيقية يكتب بها ويخلق بها ويطوي وهكذا، لكن ما تريد منه أن تدخل بالكيفية، تقول أنت لما أفصل أكثر أدخل بالكيفية، فما أستطيع أن أفصل لكني أثبت المعنى.
طيب يقول لك إذًا ما المراد بمعنى؟ قلت لك المعنى، الآن لما يقول ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: 42]، هل بينك وبين الآية يعرفون؟ نقول الساق، هل الساق تفهم منها الوجه؟ لا، هل تفهم منها اليد؟ لا، طيب ما الذي تفهم منها؟ تفهم الساق، طيب هل هنا ننتقل للكيفية؟ هل الساق مثل البشر؟ لا، ليس كمثله شيء، والسميع البصير. نقف عند هذه الفطرة. فالعقل لما يكون مشوهًا، العقل لما يتشبع بخلاف ما جاء بالدين، لا يستطيع أن يصل إلى ما وصل إليه أصحاب الفطرة.
لذلك كان يقول بعض الكتاب إن ابن تيمية كان يريد من المسلم أن يفكر بعقله لا بعقل أرسطو. فلما دخل المنطق، أدخله المأمون، وقبل ذلك هو دخل، لكن لما دخل من خلال المأمون ودخل فيه علماء الكلام وتوسعوا فيه وأخذوا يقررون الحقائق الشرعية من خلال المنطق، فيقولون بأن الإيمان منهم هو ذاتي وعرضي، والذاتي هو القلب، أما العرضي فهو عمل الجوارح، واختلفوا باللسان هل يدخل ولا ما يدخل وسياتينا هذا. ثم بعد ذلك احتجوا باللغة: فإن الإيمان التصديق، والتصديق لا يكون إلا بالقلب، من هاتين المقدمتين أخرجوا العمل، واتفقوا أي المرجئة على إخراج العمل من الإيمان.
بينما لما تأتي عند السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم لم يكن هذا أمرًا موجودًا عندهم، لماذا؟ لأن العقل لم يكن بهذه الطريقة، إنما كان عقلًا فطريًا. لذلك قال ابن تيمية: أوتوا علومًا وما أوتوا فهمًا؛ أوتوا علومًا صح، لكن ما عندهم فهم.
فهم لماذا الشخص البسيط يعرف من يعرف؛ هؤلاء لأن هو لما يقرأ هذه النصوص يستقر في ذهنه وفي وجدانه المعنى المباشر لها ولا يتكلف. أما هؤلاء فأرادوا أن يصلوا إلى أشياء لا يمكن الوصول إليها، فهم يدخلونك بالكيفية ثم يقول لك المعنى، وهم لا يفهمون المعنى إلا الكيفية، هم لا يفهمون من المعنى إلى الكيفية.
هذا هو الخلل الذي كان موجودًا عندهم. القصد من ذلك أن هذه النظارة التي ذكرتها الآن المتعلقة بالجهل، أن الشخص تكون عنده نظارة بينه وبين عقله، فهو لما ينظر إلى هذا النص ينظر إليه من خلال هذا المنظار فلا يستطيع أن يفهمه؛ إذ نحتاج أن نزيل هذا المنظار حتى يرجع العقل السليم الذي يستوعب النص كما هو. أما الشخص إذا تشبع مثلما ذكرت بالقراءة، فهنا يصعب عليه أن يصل إلى فهم هذه المعاني، وهذا هو الذي وقع مثلما ذكرت عند المتكلمين، وهذا هو أصل من أصول الضلال الكبرى التي وقعت عند المخالفين لمذهب أهل السنة والجماعة.
إذًا هذا بعض ما يتعلق بالجهل في المعنى من أدلة الشريعة الإسلامية. لما تكرر النص ويتكرر استعماله تظهر حقيقته، فمن خلال مجموع الاستعمالات تستطيع أن تخرج بفهم حقيقة المعنى، حقيقة الكلمة، حقيقة المصطلح، ثم بعد ذلك تنظر إلى السياقات. فلما تنظر في السياقات، ما تقضي على الأصل من خلال السياق، إنما السياق يفسر بناء الأصل.
المشكلة أين تقع؟ لما يختل الأصل عند الإنسان، أو لما لا يستقر الأصل بمعناه الصحيح عند طالب العلم، فيستقر الأصل بمعنى مخالف لمذهب أهل الحديث، ثم يأتي الحديث فيتأوله، ثم يأتي النص فيتأوله فيقول هذا مخالف في الأصل، فيكون أصل استقرار المعنى خاطئًا. لذلك حقائق الإسلام وحقائق الشريعة لا تؤخذ إلا من نفس الشريعة، وننظر إلى فهم الصحابة والتابعين واتباع التابعين؛ فالعقيدة منقولة وليست اجتهادية. ولو كان شخص إمامًا من أئمة اللغة لن يستطيع أن يصيب ما أصابه العلماء السابقون والسالفون حتى لو لم يكونوا من علماء اللغة، لماذا؟ لأن هؤلاء أخذوها بمنقول، أخذوها بمنقول.
الخلل هنا يقع بسبب عدم فهم هذه المعاني، فيريد شخص أن يفهم حقائق الشرع من خلال اللغة من غير فهم الاستعمال، وإذا لم يفهم الاستعمال مثلما ذكرت، لم يستطع أن يفهم نفس القصد. الذي يفهم هذا يعرف بأننا مجبرون ومضطرون ومفتقرون إلى معرفة ما كان يقوله السلف الصالح. تريد أن تعرف الإيمان؟ لن تستطيع أن تعرفه إلا من خلال ما كان يقوله البخاري، ما كان يقوله الثوري، ما كان يقوله أحمد بن حنبل، ما كان يقوله فلان وفلان؛ وانظر إلى اتفاق السلف في هذه المسائل وهذه الأصول تعرف معنى الإيمان.
ثم يأتي بعد ذلك مثلما ذكرت استدلال وبيان المقصد، والمقصد منه إما أن شخصًا يدخل إلى هذه المسائل من خلال منظار علم الكلام، أو منظار الفلسفة، أو منظار الجهل باللغة، أو منظار الجهل بطريقة فهم مثل هذه المسائل وهذه المعاني؛ لن يستطيع أن يصل مهما حاول وسيتكلف تفسير النصوص التي لا توافق تأصيله، ولا يهدم الأصل على النص الذي قد يشكل أحيانًا. إذا فهم هذا المعنى تصور بانه يحل إشكالات كثيرة، ويستوعب شخص ما لا يستوعبه من عدم فهم هذا المعنى؛ إذا لم يفهم هذا المعنى لن يستوعب ما يستوعب الذي يفهم هذا المقصد.
ننتقل الآن إلى الأصل الثاني أو السبب الثاني للضلال، المتسبب الثاني هو الهوى. والهوى خطير، والهوى معناه الميول النفسية، وكل هوى ضلالة؛ كما ذكر عن ابن عباس في كتاب السنة لللكائي: «كل هوى ضلالة». فالهوى أي ميول النفس. ويروى في الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به».
صاحب الهوى ما ينفع معه إقامة الحجة، إنما تقام معه الحجة من باب الإقامة وليس من باب الهداية. كما ذكر ابن القيم في الكلام على مسألة السماء بأن هذا الذي تشرب الباطل والذي لا يريد أن يسمع الحق، هذا تقام عليه الحجة من باب إقامة الحجة حتى لا يأتي يوم القيامة يقول: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشَرٍ لِيُبَيِّنَ لَنَا﴾ [المائدة: 20]، أو حتى لا يعتذر ويذكر: إن لم يبلغني أحد، أنا وجدنا آباءنا على أمة وما بلغنا نبي ولا أتانا أحد يعلمنا هكذا. هذه تقام عليها الحجة حتى لا يعتذر يوم القيامة معذرة إلى ربكم. ونقول ونبلغ الحجة لهؤلاء ليس طمعًا في هدايتهم، فهؤلاء صعب أن يهتدوا؛ لأن الكبر والحسد والعجب وهذه الأهواء تمنع الشخص من الاستجابة.
فلما يقوى الهوى عند الإنسان لا يستجيب، وهؤلاء يحتاجون إلى إيمان، وهذا معنى كذلك مهم؛ أن الذي إذا أردت أن تناقش شخصًا وأن تهدي شخصًا، وأن تهديه وليس تقيم الحجة عليه، لابد أن تخفف الهوى عنده، إذا كان الهوى غالبًا عليه لن يهتدي ولن يستجيب. وهذا هو السبب الثاني، الهوى، والهوى يغلب على الناس إذا لم تكن عندهم تزكية إيمانية عظيمة وكبيرة. ويعسر أن الإنسان يخرج من جميع أهوائه، فتبقى بقية في الهوى لا ينظر إليها الإنسان.
لذلك الذي يريد أن يخرج من الهوى، والذي يريد أن يحمى من هواه، لابد أن يكون صاحب إيمان عظيم، وصاحب تجديد نفسي كثير، وصاحب ديانة وتعلق بالله سبحانه وتعالى حتى يحمى من الهوى. أما إذا لم يكن بهذه الطريقة، فلا بد أن يغلب الهوى؛ فشخص ينشأ على مذهب معين في بيئة معينة فيغلب عليه هذا المذهب، وهو لا يريد الحق، هو يريد فقط أن ينصر الذي يعتقده، هكذا. هذا ما تستطيع أن تقيم الحجة عليه، أقصد ما تستطيع أن تهديه، أما قامت حجة عليه فلعلك تذكر لكن هو لم يفهمها.
بالله عليكم، يخرج أناس في زمان علي بن أبي طالب، الرجل المعظم، الرجل الذي أثنى عليه النبي ﷺ بأحاديث كثيرة وزكاه ومواقفه في الإسلام مشهورة، وهو من خلفاء الراشدين، أناس من المسلمين يزعمون التعبد ويقتلونه ويتقربون إلى الله بقتله! هذا كيف يكون؟ هذا كله سبب الهوى. والله حذر أنبياءه من اتباع الهوى، الله يقول لداوود عليه السلام: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]؛ فالهوى يضل.
الهوى يضل الإنسان، وما منع الكفار من استجابة القيادة لأمر النبي ﷺ إلا بسبب الهوى، كبر وحسد وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً. فالهوى يغلب على الإنسان، فلما يغلب الهوى عليه يمنعه. ولا يظن الشخص بأنه بمعزل عما يقرأ؛ شخص مثل هذه الآيات يقول الكفار أصحاب هوى، نعم، لكن أنت لست صاحب هوى، أنت خارج من هذا مئة بالمئة، أليس كذلك؟
إذا كان الله يبين النبي ﷺ ويحذر نبيه من أتباعه، وهم أهل كتاب، ويقول لداوود عليه السلام، هذا العبد الصالح، هذا العبد المختار: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾؛ إذاً نحن من باب أولى أن نعيش مع هذه النصوص لأننا غير معصومين. فالهوى يضل الإنسان، وهؤلاء المخالفين لنا إذا غلب عليهم الهوى أقم الحجة ولكن لا ترجو هدايتهم.
تقول لي كيف؟ أقول لك الآن نحن في زماننا هذا ننظر إلى الخلافات الموجودة؛ فمن الصواب أن شخصاً يكون مخالفاً لمذهب أهل السنة والجماعة، هذا المخالف قد يكون مخالفاً بجهل ولا يعرف، فيحتاج أن نبين له فنبين له فيهتدي. وشخص آخر يصر على المخالفة، وتبين له الحجة تلو الحجة، وهو مع ذلك يقول عبارات تدل على هواه الطاغي الغالب، أنه لن ينقاد، لو قلت ما قلت، ولو فعلت ما فعلت. الآن تقيم الحجة من باب إقامة الحجة، لكن لا، هذا لن يرجع إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى؛ لماذا؟ لأن الهوى غالب، وهذا ليس إيماناً كبيراً ولا قوياً، وهذا كثير.
كان يأتي بعض الشباب يقولون: فلان وفلان، بعض الشباب هكذا مفتونون بدعوة فلان أو كذا، ويتناقش معهم نقاشاً علمياً، وأقول لك نعم لا بد من النقاش العلمي حتى تقيم الحجة، لكن مشكلته ليست بهذه الطريقة؛ هذا إنسان بسيط، إنسان عادي يبدأ يفتح بثاً وينقاد له الناس ويستجيبون له، هذا الإنسان يحتاج إلى تقدير، فهو يرى بأن تقديره لن يحصله إلا من خلال هذا الأمر.
شوفوا يا شباب، أنا نفسر هذه المعاني حتى لا نقرأها قراءة ذوقية؛ أنا أدري أن الكل يقرأ هذا والهوى يسمع، لكن هو بالحقيقة ما يفهمه، هو يفهم معنى كلمة الهوى أنها ميلان وكبر إلى آخره، لكن نفس التطبيق العملي لما يأتي عنده ما يعرف. الآن كل إنسان منا، من حيث هو إنسان، يحتاج إلى تقدير، مفتقر إلى تقدير، وهذا التقدير إذا ما أخذه سيتوسله سيطلبه. إنسان عامي يطلبه من خلال التجارة مثلاً، أو من خلال أي أمر آخر، وشخص دخل في العلم يطلبه من أين؟ يطلبه من العلم، يعني هو يريد أن يشتهر، يفتح بثاً يتابعه عشرون أو خمسون أو مئة ألف إلى آخره، فهو الآن هؤلاء هم يعطونه التقدير، هو لا يشعر بأن يحصل على التقدير إلا من هؤلاء، هذا هواه.
الآن لما يعلق تقديره على ما يقول الناس إلى آخره، هذا تأتي وتقول له: أنت مخطئ، أنت الآن مخطئ، كيف سيستجيب لك؟ هو الآن عنده مشكلة بالتقدير، عنده مشكلة بالهوى، كيف يستجيب لك؟ هل معنى هذا أنك لا تبين؟ لا، بَيِّن، لكن كيف تبين؟ هنا تحتاج إلى تقدير، قد يكون البيان مع مصاحبة له؛ لماذا؟ لكي نخرج الهوى من قلبه تدريجياً، فبين أنت صاحبه وهكذا تتقرب له، وتبدأ تعظم الإيمان عنده تدريجياً، وتأخذه إلى المقابر وتبدأ تنصح إيمانياً، تقول: ما رأيك نعيش مع سورة الكهف؟ هو لا يستطيع أن يعيش مع سورة الكهف، هو ما يعيش مع القرآن الكريم؛ أصحاب الهوى لا يعيشون مع القرآن الكريم، أصحاب الهوى ما يتعاملون مع القرآن الكريم تعاملاً صحيحاً، فالذي يتعامل مع القرآن تعاملاً صحيحاً لا يمكن أن يكون صاحب هوى.
لذلك لما قال بعض المخالفين عن ابن تيمية: «هذا لا يمكن أن يكون رجلاً متكبراً، لا يمكن أن يكون ابن تيمية صاحب هوى»، لماذا يقول هذا؟ لأن القرآن يجري على لسانه، فكيف يكون صاحب هوى؟ لكن ابن تيمية أخطأ بسبب التأويل، أخطأ بسبب كذا، مشكلة ابن تيمية بالنسبة له بسبب الجهل بالعلم إلى آخره، ولكن ليس بسبب الهوى كما يقول بعض أتباعه أو بعض الموافقين له على مذهبه. هذا الرجل الذي يقول ابن تيمية لا يمكن أن يكون صاحب هوى، نعم لا يمكن أن يكون صاحب هوى، صاحب الديانة يظهر من كلامه أو من تعامله مع القرآن الكريم، لكن يكون مخطئاً بسبب الجهل، ممكن، لكن ما يكون صاحب هوى، حاشا لله، وهذا هو المخطئ. لكن القصد أن هذا عالم، هذا عالم متدين، لكنه أخطأ بسبب الجهل. وانظروا كيف فسر أو بين حال ابن تيمية، ليس ابن تيمية صاحب هوى، إنما هو رجل أخطأ أراد الحق لكن أخطأ، هذا في رأيه، ولكن نحن نعكسها ونقول: لا، إنما الخطأ منك أنت لأنك ما فقهت ولا فهمت ما كان يذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
القصد من ذلك أن الشخص لم يكن صاحب هوى، إذا أردت أن تهديه، إذا كان شاباً صغيراً إلى آخره، هذا ممكن تأخذ صاحبه الآن، ثم تخرج الهوى من قلبه تدريجياً. أما إذا كان شخصاً صاحب إيمان، فالإيمان يطرد الهوى ويخرج الهوى، هذا الإنسان ما عنده إيمان قوي، هذا إنسان العلم بالنسبة له عبارة عن معركة، وهو يفرغ هواه كله في العلم مع المخالفين مع الأتباع، كله هوى؛ فمحبة التقدير، محبة المخالفة، الطاقة الغضبية إلى آخره، كلها يجعلها داخل النصوص الشرعية، فالنصوص أصبحت غطاءً لهواه. تريد أن تقيم عليه الحجة العلمية؟ ما يتأثر، لماذا؟ لأنه صاحب هوى.
طيب ما الحل إذا أردت أن تهديه؟ أقول لك لا بد أن تقرّي الإيمان عنده. تقول لي فسر أكثر؟ أقول لك تأخذه معك وتذهب معه إلى المقابر، تزور معه المرضى، ثم تقول له: يا أخي ما رأيك أن نقرأ تفسير سورة الكهف، تفسير سورة كذا؟ هذا التفسير، القراءة والعيش مع القرآن الكريم، يغير هذا الإنسان من غير أن يشعر. هو الآن إذا أقبل معك ورضي بذلك سيخرج الهوى تدريجياً، وهذا الإنسان لن يرجع إلى حاله الأولى بإذن الله؛ لماذا؟ لأن الآن يقوى الإيمان، فيقلب الهوى. الميزان النفسي قد يكون مقلوباً، أو دعونا نقولها بطريقة أخرى: عندنا نفس وعندنا عقل، النفس لما تكون مائلة العقل يميل معها، وقد تنقلب النفس فينقلب العقل، أنت تحتاج إلى تعديل النفس، ولما تعدل النفس يستقيم معها العقل فيفهم.
كلامك قبل ذاك هو ما يفهم، أنت تقول كلامًا ما يفهمه؛ لأن القلب مطبوع عليه، لأن هذا طرقته الفتن، وكان يتشرب الفتن حتى أصبح كلكوزي مجخية، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. هذا لا بد أن تعيده، يعني هذا يحتاج إلى إيمان وليس إلى علم، العلم من باب إقامة الحجة كما ذكرت، لكن يحتاج إلى إيمان إذا أردت أن تهديه، وأتمنى يكون هذا الكلام واضحًا.
فالآن الكلام حول ماذا؟ حول الظلال، لماذا هذا الظل؟ بسبب الهوى. كيف طريقة التعامل مع هذا الإنسان؟ أو قبل ذلك، كيف نتجرد من الهوى؟ أقول لك: التجرد من الهوى صعب؛ لأن النفس لها ميول، والنفس تميل لأشياء كثيرة جدًا، منها شيء غريزي فيها كما ذكرت قبل قليل، الافتقار إلى التقدير، شخص يحب أن يقدره، هذا الذي يقدره ممكن يذهب معه، يعتقد دينه ويعتقد مذهبه لأنه يقدره ولتعامله الحسن. لذلك النبي ﷺ بين قيمة وأهمية حسن الخلق، والله ذكر: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]، أنت لهم الرحمة هي التي جمعت هؤلاء بفضل الله سبحانه وتعالى، أتمنى تكون هكذا العلاقة واضحة.
فالقصد هنا أن الهوى خطير، والإنسان قد يكون هواه متعلقًا بشيء غريزي فيه، ليس فسادًا، قد يكون غريزيًا. أم عائشة كانت تقول عن النبي ﷺ: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»؛ أي الشيء الذي تميل إليه، وهذا أمر غريزي، مثل الزواج، وهذا أمر غريزي، فقد يكون هذا الميلان غريزيًا موجودًا في الإنسان، فإذا كان في المباح فلا مشكلة، لكن المشكلة لما يحمل الإنسان على أن يترك الدين من أجل كذا. أما الهوى الآخر الذي يكون معه علو وطغيان وكبر وحسد إلى آخره، فهذا كذلك خطير.
هذا الأمر المتعلق بالهوى كيف نعالجه في أنفسنا؟ أقول لك: لا بد أن تتعلق بالله سبحانه وتعالى، وأن تعيش مع القرآن الكريم، وأن تكون صاحب ديانة وعبادة حتى تصفو النفس. النفس تصفو من خلال أمرين اثنين: الأول متعلق بنفس الفعل، العبادة، دعاء الله سبحانه وتعالى، البذل، الصلاة، وتصفو كذلك من خلال مخالفة هواها الذي نقولها الآن في المجاهدة؛ فتدري أن هذا حرام، لما تخالف هواك تصفو نفسك تدريجيًا.
انظروا إلى الله يقول: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2]، كيف زكى النبي ﷺ الصحابة؟ مع أن التزكية هي من التعليم: «يعلمه الكتاب والحكمة ويزكيهم». لماذا أوري التزكية لأهميتها؟ كيف زكاهم النبي ﷺ؟ يقرر الإيمان في قلوبهم ثم يأتي البلاء والاختبار، كإسباغ الوضوء على المكاره، شيء تكره النفس فعله، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، فإذا فعلت الشيء الذي يكرهه الإنسان تتجرد نفسه وتصفو. الذي لا يخالف هواه لا تصفو نفسه.
الهوى يخرج من خلال طريقين: من خلال تعظيم الله سبحانه وتعالى والعيش مع القرآن والصلاة والدعاء، ومن خلال مخالفة الهوى. هذا الإيمان يعينك على المخالفة؛ فإذا أتت لحظة المخالفة، كأن تريد أن تنام وأوترت، إيمانك يجعلك تقوم، لكن تقوم مع مصارعة، فيخرج الهوى. أنت من البداية تطيب نفسك بأوامر الله، أي أمر يأتي عن الله سبحانه وتعالى والرسول ﷺ سمعنا وأطعنا، هكذا تطيب نفسك، لا تريد إلا ما يريد الله حقيقة، حتى يكون الإنسان مطابقًا لما جاء عن النبي ﷺ كما يروى في الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به».
أما الأمر الآخر المتعلق بهداية هؤلاء، أصحاب الهوى، الشخص المتشرب للهوى، أقول لك: إن استطعت أن تصحبه فاصحبه، لتخرج الهوى من خلال الإيمان ما استطعت، وإن لم تستطع فلا تنتظر منه شيئًا، إنما أقم الحجة عليه. وكم تكون الحجة؟ أبالشدة أم باللين؟ أقول لك: قد تستعمل الشدة وقد تستعمل اللين. الشدة تستعملها عندما يكون هذا الشخص مؤثرًا على أناس صالحين أو غير متأثرين به في الأصل لكنه سيؤثر عليهم، هنا ممكن تسقطه بالشدة فتشد عليه وتحذر منه حتى لا يؤثر على غيره.
أما اللين فتستخدمه لما يكون عنده أتباع مساكين، مثل ما استعمل النبي ﷺ اللين مع عبد الله بن أبي بن سلول؛ لماذا استعمل معه اللين؟ لأن بعض الأنصار من الخزرج متأثرون به وهو كبير من كبرائهم وسيد من ساداتهم، فكان النبي ﷺ يستعمل اللين مع رجل ما يستحق اللين، هؤلاء منافقون وهذا رأس النفاق، لكن استعمل معه اللين من أجل أتباعه الذين يتأثرون به ويحسنون الظن به، إلى أن ظهر النفاق الكامل.
الإنسان يتأثر بالمعظمين، شخص يكون مشهورًا ويتابعه عدد كبير، هؤلاء متأثرون به، فمتى تستعمل الشدة؟ تستعمل الشدة حتى لا يؤثر على بقية الناس، أما مع أتباعه فتستعمل اللين حتى تأخذهم، مرة لين ومرة شدة. وفسر أكثر من ذلك ياتي بعد ذلك على التقدير العقلي، وقبل ذلك وبعد ذلك التوفيق الرباني؛ لأن في هذه المسائل والصور لما يشتبه الأمر، لابد أن يكون هناك موازنة، فبالخطاب الخاص ممكن تقول كلمات لا تقولها بالخطاب العام، لكن بالخطاب العام ستنظر إلى المصلحة العامة ولو كان معها مفسدة صغرى.
ذهبت هذه المرحلة مرحلة استعمال اللين، كنت تستطيع في البداية، لكن بعد ذلك أنت الآن خطاب عام، وموقعك أو موقفك أو مكانك يتطلب منك الشدة حتى لا يضيع المتأثر بك لما تحسن الظن بهذا. كما سياتينا إن شاء الله تعالى الحديث عن هذا؛ الدار القطني لما كان يقبض الباقلاني، كيف تأثر بعض أتباع الدار القطني؟
لكن في المقابل، كيف كان بعض العلماء يذمون الباقلاني ويشدون عليه؟ متى تكون الشدة؟ أبو حامد السجستاني كان شديدًا على الباقلاني حتى كان الباقلاني يتبرقع حتى لا ينظر إليه أبو حامد، وكان شديدًا عليه. فننظر هنا: متى تكون الشدة ومتى تكون اللين؟ لا تكون اللين بحسب السياق، فأحيانًا تستخدم اللين لأجل مصلحة كبيرة، وأحيانًا تستخدم الشدة لأجل مصلحة كذلك كبيرة على حسب الحال.
هذه كلها قرائن تستطيع من خلالها أن تحدد هل الصواب تستعمل اللين أو الشدة. وأحيانًا تستخدم اللين وأحيانًا تستخدم الشدة، يعني أحيانًا نفس الشخص مرة اللين ومرة الشدة؛ تستعمل معه الشدة من أجل المصلحة، واللين من أجل المصلحة. وأحيانًا في سياق تستعمل فقط اللين، ثم في سياق آخر فقط الشدة. هذا كلام تقديري يحتاج إلى فهم القرائن، الذي لا يفهم القرائن إما لين وإما شدة.
هكذا لم يستعمل النبي ﷺ، النبي ﷺ والأنبياء كلهم كانوا أحيانًا يردون باللين وأحيانًا بالشدة، فقوله تعالى: ﴿قُل لَّهُۥ لَآ أَخَافُ عَلَيْكُم مَّا تُخَوِّفُونَ * وَلَآ أَنتُم عَلَى ٱللَّهِ تَخَافُونَ﴾ [المائدة: 67-68]، وقوله: ﴿فَقُل لَّهُۥ لِينًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44]. وهكذا علماء السلف أخذوا هذا من خلال نفس تعامل النبي ﷺ، كيف كان يقول: «أفغت يا أبا الوليد؟»، ثم في سياق آخر: «لقد جئتكم بالذبح». وكيف كان يقول النبي ﷺ: «يا أبا الحباب»، والله يقول: «واغلظ عليهم»، كان يشد على المنافقين.
متى هذا؟ متى هذا؟ هذا هو. فلما يستعمل العلماء الشدة أحيانًا، ليس المقصود منها الشدة على ذات العالم أنه فاسد، لا، ولكن نحن في زمان سنة؛ فإذا خالف عالم كبير في مسألة جزئية في زمان فشت فيه السنة، سيتأثر الناس به، فنسقطه من أجل الحق، وليس لأنه يستحق الإسقاط، فيكون هنا حفظ الحق أولى من حفظ الشخص.
في سياق آخر، نحن لسنا في سياق قوة السنة، بل السنة ضعيفة أو أهل السنة ضعفاء، كما قال أحد أهل خراسان: «لا يقوون على هذا». لماذا؟ لأن في خراسان انتشر علم الكلام وانتشرت الجهمية وفشت وعمت، فخراسان لا يقوون على ذكر حديث كلام الله سبحانه وتعالى لخلقه يوم القيامة؛ لماذا؟ لأن الجهمية انتشروا هناك، وهذا الأمر واضح.
فالقصد من ذلك أن أهل السنة لما لا يكونون أقوياء يتعاملون بطريقة، ولما يكونون أقوياء يتعاملون بصورة؛ فقد يتم إسقاط شخص من أجل مخالفة يسيرة في زمان قوة السنة، وقد يتم اللين مع شخص في مخالفة كبيرة في زمان ضعف السنة. انظر، الذي لا يفهم هذه الموازنات يقع بما يقع به هؤلاء الذين يسقطون من غير حق؛ إما أن يأخذ الإسقاط أو يأخذ البقاء، إما أن يأخذ اللين أو يأخذ الشدة، هذا لا وجود له في الدين بهذه الطريقة.
حتى مع الكفار، أحيانًا الله في بعض السياقات يقول: ﴿فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ﴾ [المائدة: 13]، و﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]، وسياقات أخرى: ﴿إِنَّهُمْ يَسْخَرُونَ مِنكَ وَمِمَّنْ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ۖ يَقُولُونَ أَهَٰذَا﴾ [الحجر: 95]، وجاهد فيهم جهادًا كبيرًا. وفي سياق النبي ﷺ يقول: «بئس أخو العشيرة»، لما يدخل عليه، يلين معه بالكلام اتقاءً لفحشته اتقاءً لشره، لكن ليس معنى كلام اللين معه أنه يستحق هذا الإنسان التقدير والتبجيل، فهنا التقدير ليس مثل تقدير أبي بكر أو تقدير عمر، إنما هنا التقدير حتى ندرأ المفسدة الكبرى من هذا الإنسان، لكن هو إنسان سيء، وهذه ليست غيبة؛ انظروا إلى ما قال: «بئس أخو العشيرة»، يعني هذا كلام. أتمنى كذلك يفهم بسياقه.
هذا بعض ما يتعلق بهذا المجلس، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري