الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم إخواني جميعا وبياكم وأسدد على طريق الخير خطانا جميعا. نستعين بالله سبحانه وتعالى ونكمل التعليق على رسالة الشيخ الإسلام، الرسالة المدنية. تفضل يا غازي.
نعم، قال رحمه الله: وأما المعتزلة فإنهم ينفون الصفات مطلقا، ويثبتون أحكامها وهي ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير. وأما كونه مريدا متكلما فعندهم أنها صفات حادثة أو أضافية أو عدمية، وهم أقرب الناس إلى الصابئة والفلاسفة، فلاسفة الروم ومن سلك سبيله من العرب والفرس؛ حيث زعم أن الصفات كلها ترجع إلى سلب وإضافة، أو مركب من سلب وإضافة. فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل، وما رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعا أنهم يلحدون في أسماءه وآياته، وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله. ولهذا كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه.
ويقولون: إن المعتزلة الفلاسفة والاشعرية المعتزلة. وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث. ومراد الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقال تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة. لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب بهذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب الشر.
والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير. قلت له: إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها المؤمنون الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، فصرف عن ظاهر لا يليق بجلال الله سبحانه وحقيقته المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر ومجاز ينافي الحقيقة، لابد فيه من أربعة أشياء.
نعم، أحسنت أحسنت. إذا هنا الشيخ الآن رحمه الله تعالى ذكر المعتزلة، وذكر بعد ذلك بأن الله سبحانه وتعالى من رزق معرفة بما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة ما أخذ هؤلاء علم قطعا أنهم يلحدون، أي يميلون عن الحق، في أسماءه وآياته، وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله. ولهذا كانوا يقولون إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه.
ما المقصد هنا من قول الشيخ بأنهم يقولون إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه؟ أنها شعبة من الأصل.
أحسنت. إذا البدع يكون اصلها من الكفر، وكذلك مآلها إلى الكفر. لذلك من درر الشيخ رحمه الله تعالى وفهمه العميق في النفس البشرية وما يتعلق بدخول الشيطان على الإنسان، وهذه فهم تتعلق بالدين وطريقة إغواء شيطان للإنسان في هذه المباحث، أنه في البداية تكون بدعة يسيرة، فالبدعة أول ما تبدأ تكون عبارة عن شبر، ثم بعد ذلك لا تلبث إلا أن تكون أميالا وفراسخ.
والذي يفهم هذا الكلام يفهم معنى كلام من يقوله من السلف بأن كيف أكون مرجئا ولا أرى السيف، كما جاء عن الإمام أحمد مثلا. كيف يكون مرجئا ولا يرى السيف؟ لأن البدع تتلاقى، البدع تتلاقى وتتقاطع بخلاف الصراط المستقيم. ذكر الله في كتابه العظيم لما يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. يقول مجاهد بن جبر: السبل الشبهات والشهوات. الشبهات والشهوات السبل هذه تكون في بنيات الطريق، ففي البداية تكون بدعة صغيرة ثم تكبر تكبر تكون بدعة متوسطة أو كبيرة على الخلاف عند العلماء؛ لأن بعض العلماء يرى بأن البدعة تنقسم إلى قسمين، وبعضهم يراها بأن تنقسم إلى ثلاثة أقسام، فمنهم من يقول البدعة تنقسم إلى ثلاث أقسام: بدع صغرى، مثل بدعة يسير الرجاء، ومتوسطة مثل بدعة القدرية وهم معتزلة، وقدرية ثانية معتزلة، وبدع كبرى مثل الجهمية والخوارج إلى آخره، والروافض إلى آخره.
وقسم لا يرى بأنها تققسم إلى قسمين، حتى يرى بأنها تنقسم إلى قسمين: صغرى وكبرى. قسم ذلك أن البدع الكبرى يكون صاحبها قد وقع بالكفر، يكون صاحبها قد وقع بالكفر، على خلاف العلماء في مثل الخوارج مثل ما ذكرنا، وكذلك بعض الفرق، وهذا له شرح يطول الفرق بين صاحب المقالة وصاحب الطائفة الكفرية، والمقالة الكفرية والطائفة البدعية، والمقالة الكفرية، وهذا له شرح يطول. لكن القصد من ذلك أن البدع هي بالاصل مشتقة من الكفر، هي بالاصل مشتقة من الكفر، وفي النهاية البدعة إذا استمر صاحبها فيها توقع بالكفر توقع وتوصل إلى الكفر.
هذا لما ننظر إلى التسلسل نجد بان الجهمية هم الأصل في النفي، يعني سقف المعطلة لهم الجهمية، فهم ينفون الأسماء والصفات ولا يثبتون إلا الذات. ولازم قولهم أن حتى الذات لا يمكن إثباتها؛ لأن الوجود الخارجي يتحقق بالكيفية، فلا يمكن أن تقول بأن هناك ذات إلا لما يكون معها كيفية. فلما يتم نفي الكيفية –ليس نفي العلم، أما نفي نفس الكيفية ليس نفي العلم بالكيفية إنما نفي الكيفية– فهنا لا وجود الذات، لا وجود في الحقيقه للذات.
ورد عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي في كتابيه «الرد على الجهمية» وكذلك «الرد على بشر المريسي»، وكذلك الإمام أحمد رحمه الله في «الرد على الزنادقة والجهمية»، وضربوا أمثلة في هذا الأمر؛ مثل مثال نخلة، كما سبق ذكر في غير هذه المجالس، أن المثال الذي يقول بأن في بيتنا نخلة، هل لها ساق؟ هل لها جذور؟ هل لها؟ يقول: لا لا. إذا لا ساق ولا جذور ولا ورق، كيف تكون نخلة؟ إذا ليس في بيتك أصلا نخلة. فكذلك هنا لما تنفي عن الله سبحانه وتعالى جميع الأسماء وجميع الصفات، ثم تقول بأن هناك... كيف يكون هناك هذه الذات، ما هي؟ واضح هذا الأمر.
فالقصد من ذلك، إذا الجهمية هم الأصل، ثم بعد ذلك جاء المعتزلة وأصبح الصراع بين الجهمية والمعتزلة كما تعرفون، وأخذ المعتزلة من الجهمية أشياء، وأخذ الجهمية من المعتزلة أشياء، وأثبت عامة المعتزلة الأسماء ونفوا الصفات. وهناك خلاف كبير بين معتزلة بغداد ومعتزلة البصرة في دقائق في اعتقاداتهم. ثم بعد ذلك جاء الأشاعرة، وأبو الحسن الأشعري كان بالاصل معتزليا، هذا باتفاق عند الأشاعرة، فهو مكث في أول عمره مع المعتزلة وتلمذ على أيديهم، ثم بعد ذلك انتقل من الاعتزال إلى مذهب آخر. ما المذهب الذي انتقل إليه؟ هنا يختلف العلماء ويختلف المؤرخون، فمنهم من يقول إنه انتقل إلى الحنابلة ثم بعد ذلك انتقل إلى الكلابية، ومنهم من يقول بل انتقل إلى الكلابية ثم بعد ذلك انتقل إلى أهل الحديث مثل ما ذكر ابن كثير، ومنهم من يقول لا، بل هو انتقل إلى الكلابية ولم يزل يقترب من مذهب أهل الحديث حتى مات، ولكنه لم يطابق اعتقاد الحنابلة الذين هم أهل الحديث.
لذلك هنا ابن تيمية ماذا يقول؟ يقول بأن من يقول بالإبانة، من يقول بالإبانة فهذا على معتقد أهل الحديث؛ لأنه ذكر في الإبانة بأن اعتقاده موافق لاعتقاد الإمام أحمد رحمه الله تعالى ووصفه الإمام الكامل إلى آخره، ولكن هو لم يكن بصيرا بتفصيل معتقد أهل الحديث، بتفصيل معتقد أهل الحديث، فلذا كان يوافقهم إجمالا ولكن يخالف بالتفصيل، لما يأتي يفصل يخالف أحيانا في بعض الحروف.
فالقصد من ذلك أن وإن كان كذلك هذا الكتاب يشنون حمله كبيره، يقولون بأن هذا الكتاب ألفه لما اقترب من حنابلة ثم رجع بعد ذلك، ومنهم من ينفي أصلا صحة هذا الكتاب أو يرى بأن هذا الكتاب زيد فيه، ولهم كلام طويل في هذا. وتم اتهم ابن تيمية كثيرا في نسبته لابي الحسن أقوال في هذا الكتاب، ثم لما طبع هذا الكتاب -طبعا مستشرق- أثبت فيه الكلام الذي نقله ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهذا كثير في الكتب أو المقالات التي عزاها ابن تيمية لأصحابها، وشن الأشاعرة على ابن تيمية حملات، ثم لما طبعت هذه الكتب وحققت، الناس منصفون ثبت فيها قول الشيخ ونقل الشيخ وأنه أمين في نقله رحمه الله تعالى.
القصد أن هنا ابن تيمية رحمه الله تعالى يبين بأن البدع هي مشتقة بالكفر وانها تؤول إلى الكفر، ثم قال: ويقولون إن المعتزلة فلاسفة، والأشعرية مثل المعتزلة. هنا ما المقصود بهذه الكلمه؟ المقصود أن المعتزلة ليسوا كما ذكر يحيى بن عمار، المعتزلة اخذوا الفلسفة ثم بعد ذلك ادلجوها، ثم بعد ذلك ادلجوها فوقعوا في شيء من الخلل وشيء من النقص، فليسوا هم أصحاب هذه الأصول، إنما هم اخذوا هذه الأصول ثم غيروا وبدلوا فيها.
وكذلك هنا الأشعرية. لذلك ابن تيمية لما رد الأشاعرة وراى بأن كان بداية ردود ابن تيمية على الأشاعرة، لكن بعد ذلك انتقل من الأشعرية إلى الفلاسفة؛ لأن الأشعرية أخذوا اصولهم من الفلاسفة، وذكر في مقدمة بيان تلبيس الجهمية قال: لما رايت هؤلاء لا يستقلون باصولهم -يعني الأصول التي أصلها علماء الأشعرية في علم الكلام ونفي الصفات هي مأخوذة بالاصل من الفلسفة- فابن تيمية دخل إلى هذا المعترك -أي المعترك مع الفلاسفة- من أجل نقض اصول الأشعرية، وليس كان دخول ابن تيمية للرد على الفلسفة من أجل ذات الفلسفة، يعني ابن تيمية ما كانت قراءته قراءه ثقافيه صرفه، هو دخل فقط حتى يرد على أرسطو وحتى يرد على... لا، هو دخل حتى يهدم الأصول التي يبني عليها الأشاعرة مذهبهم، الأصول التي يبني عليها الأشاعرة المذهب.
لذلك يقول ابن عمار: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث. يقصد بأن الأشاعرة اخذوا من المعتزلة، فالمعتزلة هم الأصل بالنسبة للأشعرية، والأشعرية هم إناث أي ليسوا مستقلين بهذه الأصول التي أصلوها في علم الكلام، إنما هم متكئون على المعتزلة، وقبل ذلك المعتزلة فلاسفة أي هم أخذوا هذا.
وضحت؟ وهذا الكلمة ما شن على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كثيرا، وليس هو قائلها إنما هو ناقل، وهذه كلمة في اصطلاحهم ليس فيها هذه العبارة المقصود منها بالتخنث، المقصود منه التشبه، تشبه الرجل بالأنثى، فالمقصود منه اللينة أو الانكسار أو عدم الاستقلال بشيء، هذه عبارة أوضح: عدم الاستقلال بشيء، وليس المقصود كما يفهم البعض أنها سبه إلى آخره، هكذا ليس هذا هو المقصود.
ثم قال بعد ذلك: والأشعرية الجهمية الإناث. ومرادهم الأشعرية الذين ينفون صفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب الإبانة -كتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقال تناقض ذلك- فهذا يعد من أهل السنة. لماذا كتاب الإبانة بناء على معتقد الإمام احمد؟ وإن كان غير بصير الإمام أو أبو الحسن الأشعري في تفاصيل معتقد أهل السنة والجماعة، وإن كان وافقهم بالاصول، وافقهم بالاصول، قال: فهذا يعد من أهل السنة.
لكن مجرد الانتساب للاشعري بدعة. الأشاعرة لما ندخل في داخل هذا المذهب الاشعري، المذهب الاشعري ليس عباره عن ليس هو له امام واحد وكل ما يقول هذا الامام الكل يتفق عليه فيه، لا، إنما داخل المذهب الاشعري -كما احصى بعض المتخصصين في في هذا المذهب- بان تسعين بالمائة مما يقال في مذهب الأشاعرة هو موافق لأهل الحديث.
ولكن ليس معنى هذا أن هناك أشعري يوافق أهل الحديث بنسبة تسعين بالمائة مسألة الاعتقاد، ولكن عامة الاقوال التي تقال داخل المذهب الاشعري موافقة لأهل الحديث، بمعنى لما تاتي تقول الإيمان قول وعمل هذا معتقد أهل الحديث، الأشاعرة المعتمد عندهم الإيمان عبارة عن قول في القلب أو محل إيمان القلب، واللسان شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، أما عمل الجوارح فهو خارج مسمى الإيمان. هذا هو المعتمد عند المتأخرين من الأشعرية، ولكن الأشاعرة عندهم أربع أقوال في الإيمان، الأشاعرة كلهم داخل المذهب الاشعري، لكن المعتمد الأشاعرة هو هذا القول، فمن ضمن الاقوال عندهم قول موافق لقول صالح، هذا هو القصد. يعني داخل المذهب الاشعري توجد أقوال كثيرة موافقة لأهل الحديث، فمجموع هذه الاقوال لو جمعت تصل تسعين بالمائة، لكن لا يوجد أشعري يقول بجميع هذه الاقوال إنما هذا يقول بكذا وهذا يقول بكذا.
وكذلك في مبحث الأسماء والصفات، منهم من رجع إلى مذهب أهل الحديث ومنهم رجع إلى التفويض وليس إلى مذهب الحديث، هكذا عندهم.
فالقصد هنا، قصد ابن تيمية رحمه الله تعالى، أن كتاب الإبانة أن هذا الكتاب قريب جدا من مذهب بل أصلا هذا الكتاب أصوله هي موافقة لأصول مذهب أهل الحديث، لكن في التفصيل قد يكون هناك بعض خطأ.
ثم قال: لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة، فتح بذلك أبواب شر. القصد هنا أن نفس الانتساب إلى المذهب بدعة؛ لأن هذا الانتساب أول شيء سيفرق الأمة؛ لأن أصبح الانتساب إلى غير شخص غير النبي عليه الصلاه والسلام، شخص بالاعتقاد غير النبي عليه الصلاه والسلام.
الأمر الآخر أن هذا المذهب لما تأخذ الناس وتجل أو تعظم أو تنتسب إلى شخص يوجد له اتباع كثر، بل استقر مذهبه أصلا خلاف مذهب أهل الحديث، هنا تكون كأنك كنت قنطره في سحب هذا الشخص من هذه الدائرة إلى دائرة، ثم بذلك هو سيستمع لكل من يقول بأن هذا المذهب هو مذهب أبي الحسن الأشعري إلى آخره. واضح هذا الأمر.
ابن تيمية يعالج مثل هذه المسائل علاجاً نفسياً وعقلياً واعياً، أن البشر كيف يتغيرون وكيف يتأثرون، وكيف أن هذا الإنسان يقول بكذا، ولكن لما يعظم عند شخص، كيف إنه يسلك مع كل من ينتسب إلى هذا المعظم، ويقبل منه حتى لو انتقل عن مذهبه هو لا يشعر، حتى لو انتقل مذهبه وهو لا يشعر.
ثم قال: قلت له: إذا وصف الله نفسه صفة أو وصفه بها رسوله أو وصفه بها المؤمنون الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، فصرفوا عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر ومجاز ينافي الحقيقة، لابد فيه من أربعة أشياء.
أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي، لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب أو خلاف الألسنة كلها، فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي مما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطن أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له وإن لم يكن له أصل في اللغة.
الآن هنا الإمام رحمه الله تعالى يذكر هذه الشروط الأربعة في تفسير اللفظ، بأن هذا اللفظ هل هو منتقل به من الحقيقة إلى المجاز؟ وتعرفون بأن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير موضع له، فعندنا وضع وعندنا استعمال، والمشكلة في الاستعمال.
والكلام في اللفظ وكذلك في الاستعمال طويل، وهذه المسألة أو هذه النظرية نظرية الحقيقة والمجاز هي غير منضبطة ولا يمكن أن تحد بحد، لأن نفس مقدمات هذه النظرية غير محكمة. فلما تأتي وتقول الوضع: من الذي وضع هذا اللفظ على هذا المعنى؟ هل تستطيع أن تجزم بأن هذه الكلمه وضعت بالأصل على هذا المعنى ثم بعد ذلك تم نقلها من هذا الوضع إلى هذا الاستعمال؟ لا تستطيع.
وإن استطعت في بعض الكلمات فلا تستطيع في جمهور ما جاءت به اللغة، واضح؟ فنفس هذه المقدمة أصلاً بها إشكال، ابن تيمية أطال النفس في البيان الكبير في الرد على من يثبت هنا. ابن تيمية كان يجاري هذا الأشعري، كان يجاريه في الكلام، فابن تيمية هنا في هذه الرسالة لم يكن قصده الحديث عن اغلاق جميع منافذ هذه النظرية أو إسقاط هذه النظرية من جميع الأوجه، بمعنى أصح إسقاط هذه النظرية من جميع الأوجه.
إنما هنا ابن تيمية استعمل لفظ المجاز، لكن لما تأتي في البيان الكبير تجد ابن تيمية نفس هذا المصطلح يشن حملة كبيرة عليه. هل اضطراب ابن تيمية؟ لم يضطرب، ولكن ابن تيمية في سياق يستعمل هذا وفي سياق لا يستعمله، واستعماله هنا ليس قصده هو نفس المعنى المجازي الذي اصطلح عليه العلماء الذين يقولون بنظرية الحقيقة والمجاز، إنما قصد أن هذا مما يجوز أو يكون هذا تابع.
يعني هذه هنا لا مشاحة من تيمية في المصطلح، ولكن في البيان الكبير إذا أراد أن ينفي المسألة بأصولها وجذورها وتوابعها ينفي حتى المصطلح، واضح هذا الأمر؟ يعني الآن لما تريد أنت أن تثبت حقيقة معينة في سياق، قد لا تتوقف كثيراً عن نفس المصطلحات لأنك تريد معنى معين، لكن في سياق آخر تقول: حتى هذا المصطلح أنازعك فيه، ونفس هذا المصطلح غير موجود، ونفس هذا المصطلح لا يصح ولا يستقيم لك.
وضحت؟ فابن تيمية هكذا كان يتكلم، ويخاطب الشخص لما يأخذ كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وينظر له من غير أن يفهم سياقات الكلام، وكذلك طبيعة النقد كيف تكون، هنا ممكن يقول: هو اضطرب، مرة استعمل، مرة ما استعمل.
لا تتعامل مع ابن تيمية كما تتعامل مع الكتب الدراسية، تأخذ هكذا مصطلح ثم لا، المصطلح هذا بباطنه معنى، فهو نعم ممكن يسلم لك الآن في مصطلح المجاز، ولكن في سياق آخر ليس مصطلح مجاز، لأنه هو أصلاً بالنسبة له هذا المصطلح غير، لكن في سياق هو يريد أن يثبت لك معنى معين، ولا يريد الآن أن يصدمك في كل شيء، أو أن هكذا يصارعك في كل جزئية، وإن كانت هي غير مهمة.
هنا شيخ الإسلام لا يريد أن يصارع في كل جزئية، هو الآن يريد ماذا؟ أن يثبت شيئاً واحداً، هو يناقش في ايش؟ أنا نفس نقل هذا اللفظ وزعمك بأن هذه الكلمة يراد منها كذا، أنا أعرضك عليه، وعندي أربعة شروط، إذا وجدت هذه الشروط الأربعة نعم ممكن نقول، لكن إذا ما وجدت هنا تصبح اللغة عبارة عن عبث، يعني تصبح اللغة كل شخص يريد أن يضع داخل هذه اللغة معنى معيناً أن يضعه.
بمعنى أن ابن تيمية يريد أن يقول: هل الآن لما يتم نقل الكلام من الحقيقة إلى المجاز، تجاوزاً من الحقيقة إلى المجاز، كيف نعرف تم النقل؟ هل المرجع إلى اللغة؟ يعني نفس اللغة هي التي تحكم هي الحاكمة؟ لأن كلام المبحث كله لغوي، أو نرجع إلى فلسفة وعلم الكلام؟
هنا نقض ابن تيمية، يعني الآن تريد أن تقل: رايت أسداً يخطب، مثلاً الأسد لو سلمنا بأنه في الوضع مراد به الحيوان المفترس، في الاستعمال الآن الخطيب مفوه، صح ولا لا؟ أو رأيت أسداً يقاتل، الرجل الشجاع. فهنا تم النقل، لو سلمنا جدلاً هذا الشيء، لو سلمنا جدلاً هذا الشيء، ابن تيمية يرى بأن في تقرير ابن تيمية لحقيقة نظرية الحقيقة والمجاز، هو يرى بأن الكلام يتفاوت بالمعنى، ولكن يرى بأن اللفظ المفرد لا يتم الجزم به إلا لما يكون في سياق، ولما يكون في سياق هذا هو حقيقة فيه.
هل كانت العرب تقول: رأيت أسداً يخطب؟ أو رأيت أسداً يقاتل، تريد حيواناً مفترسًا؟ هل ممكن؟ أبداً. طيب، تقول أنت مجاز، وهذا يقول حقيقة، خلاص ما في مشكلة الآن مشاحة بالاصطلاح عند تيمية، هذه المشاحة لن يدخل بقوة، لكن هو عنده مشكلة في الوضع، وعنده مشكلة في مثل ما ذكرنا في نقل الكلام من الحقيقة إلى المجاز، إذا سلمنا بأنها المراد بها كذا إلى المجاز.
إذا كان القاضي في النقل والحاكم هو علم الكلام، تيمية هنا يخالف، ويقول لك: هنا النقل إذا كان مبني على اللغة نعم، إذا كان مبني على العقل الفطري ما في مشكلة، ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23] هنا نعم سياتينا، ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23] هنا واضح لما يكون النقل مبني على النص الشرعي أو الشريعه، نعم، لأن تكون مجموع نصوص الشريعة تفسر لك اللفظ المفرد أو تفصل لك الحكم أو توصل لك اللفظ الذي قد يكون به خلاف أو إشكال، فترجع، هنا ترجع المشتبه إلى المحكم، المتشابه إلى المحكم فتقضي الشريعة به.
ولكن أن تاتي وتقول بأن هنا تدخل من خلال الحقيقة والمجاز، ثم يكون الحاكم بالنسبة لك علم الكلام، يعني تريد من خلال دليل الحدوث، من خلال دليل الحدوث أنك تنفي صفات الله سبحانه، ثم بعد ذلك تاتي بنظرة الحقيقة والمجاز، ابن تيمية هنا لا يسلم، يقول: نفس هذا العقل الصناعي الذي انتم أخذتموه من فلاسفة ومن المعتزلة ومن الجهمية، هذا نحن لا نسلم به، وهذا أصل خطأ، فلا تجعل المبحث لما يكون لغوي تدخل فيه الفلسفة وعلم الكلام.
هو هذا ابن تيمية يريد أن يبين أنك لا تجعل قاضياً في قضية الحقيقة والمجاز هو علم الكلام المحدث، علم الكلام المحدث هنا ابن تيمية وش عمله في البيان الكبير؟ شن حملة كبيرة، كان يتكلم عن المنطق ويتكلم عن، ويتكلم عن الذات والعرضي، وأن الإيمان يكون لما يكون أن أصل الإيمان أو الذاتي في مصطلح الإيمان هو القلب والعرضي هو العمل، لا، هنا شن حملة، شن حملة كبيرة ويغلق عليك باب كله، ولا يسلمك حتى بالحقيقة والمجاز ولا يسلمك حتى باللفظ، لا يسلمه.
أما هنا فيسمح باللفظ، لكن لا يسلم بالمعنى، وهو القصد عندك كله في المعنى ليس باللفظ، لكن اللفظ يكون من باب التبع، يعني يكون من باب هكذا النقض الكلي، أما هو بالاصل بالنسبة له يريد أن ينقض المعنى، وأن هذا المعنى العبث بمبحث الاسماء والصفات من خلال نظرية الحقيقة والمجاز المحدثة المحدثة التي يقضي فيها علم الكلام المحدث، فهذا لا يسلم به.
ولكن تريد أن تقول حقيقة ومجاز في غير أن تدخل في هذا المبحث، ابن تيمية لا يسلم النظرية كلها، ولكن يقول لك: إذا تريد أن تسمي هذا المجاز تسمية، أنا لا أرى أن هذا الكلام صحيح، وأرى بأن اللفظ المفرد لا يفسر إلا بالسياق، ولكن أردت أن تقول بناء على أن هذا مما يسوغ باللغة ويجوز باللغة، ما عندي مشكلة، تيمية ما يعارض هذا، وضحت؟
فذكر هنا الآن أربعة أشياء، الأول قال ايش؟ أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي، أن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب أو خلاف الألسنة كلها، فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي مما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له وإن لم يكن له أصل في اللغة، واضح؟
هذا المعنى الأول واضح أظن من كلام الشيخ.
ثم قال الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، والا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة وفي معنى بطريق المجاز لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء. ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف، وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.
الثالث: أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض، وإلا فإذا قام دليل قراني أو إيماني يبينان الحقيقة المرادة امتنع تركها، ثم إذا كان هذا الدليل نصاً قاطعاً لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهراً فلا بد من الترجيح.
الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته، فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وأنه أراد مجازه، سواء عينه أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أراد منهم فيه الاعتقاد والعلم دون عمل الجوارح.
فإنه سبحانه وتعالى جعل القرآن نوراً وهدى وبياناً للناس وشفاء لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. ثم هذا الرسول الأمي العربي بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين اخذوا عنه كانوا أعمق الناس علماً وأنصحهم للأمة وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلاً يمنع من حمله على ظاهره.
أما أن يكون عقلياً ظاهراً مثل قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23] فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من جنس ما يؤتى مثلها. وكذلك خالق كل شيء يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم. أو سمعياً ظاهراً مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر. ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعياً أو عقلياً.
لانه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب أن يعتقدوا، ثم أوجب ألا يعتقد بهذا الخطاب شيئاً من ظاهره لأن هناك دليلاً خفياً نستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، كان هذا تدريساً وتلبيساً وكان نقيض البيان وضد الهدى، وبالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان.
فكيف إذا كانت دلالة الخطاب على ظاهره أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟ أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس حقيقتها، ليس لها حقيقة؟ فسلم لي ذلك الرجل هذه المقامات. قلت: نعم.
نعم أحسنت، الآن ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ما ذكر هذه الأشياء الأربعة وبين بأن نقل الكلام حقيقة إلى المجاز لابد فيه من هذه الأشياء الأربعة ظاهرة، وبين ثم بعد ذلك عقب وبين بأن النبي عليه الصلاه والسلام هو أفصح الناس وأنصح الناس، وأصحاب النبي عليه الصلاه والسلام هم كذلك أفهم الناس.
فاجتمع بالنبي عليه الصلاه والسلام القدرة على البيان، وكذلك الرغبة في البيان. القدرة على البيان والرغبة في البيان، متى يشتبه الكلام؟ متى يشتبه الكلام على المتكلم؟ لما لا يكون صاحبه يريد أن يبينه، أو لما لا يقدر صاحبه على بيانه. يعني أنت الآن تريد أن تبين للناس معنى معين، هذا المعنى كيف تبينه؟ من خلال عبارات، من خلال ألفاظ. هذه العبارات والألفاظ لما تكون قادر على إظهارها بأفضل طريقى في الإظهار، يكون البيان أقوى وأوضح، ويكون المتلقي قادراً على فهمها بطريقة ظاهرة.
وكذلك لما تكون أنت مريد ناصح؛ مريد ناصح أن تبين لهم هذه المعاني. أما إذا تم البيان ثم لم يفهم أكثر الناس ما يقال، واحتاج الناس إلى أن يلجوا إلى أدلة خفية، فهذا يدل على ماذا؟ على أن الذي تكلم لم يكن يريد البيان أو لم يكن قادرا على البيان.
لم يكن قادرا على البيان، هذه الطريقة ابن تيمية كان يستخدمها كثيرا، لماذا؟ لأن المتكلمين يقولون بأن الاجتهاد في التأويل، يقولون بين طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لذلك جعلوا باب التأويل هذا من باب العظيمة في الاجتهاد، لماذا؟ لأن فيه نفي لما يتشبث به المخالفون في إسقاط الدين.
بمعنى، أنت الآن لما تأتي عند فلاسفة؛ فلاسفة يقولون بأن العالم قديم، لماذا العالم قديم؟ لأن تحل به الحوادث، لما رد عليهم المتكلمون ردوا عليهم بعدة أدلة، الأشاعرة أقوى دليل عندهم دليل الحدوث، والمتكلمون عندهم أربعة أدلة شهيرة، فدليل الحدوث هو أشهر الأدلة عند الأشاعرة، فقالوا: فدليل الحدوث يقوم بالأصل على ماذا؟ على أن العالم تحل به الحوادث، هذا دليل على أنه حادث.
هذا يعني وإن كانوا المتكلمون يختلفون كثيرا في المقدمات والنتائج ولا يتفقون كما يقول ابن تيمية: رؤساء المتكلمين في المقدمات والنتائج، لكن هذا الأمر يتفقون فيه؛ أن العالم تحل به الحوادث فهو حادث.
لما الآن هذا ما تحل به الحوادث، لما ننتقل الآن إلى صفات الله سبحانه وتعالى؛ الله سبحانه وتعالى يمتدح، والله سبحانه وتعالى يريد، والله سبحانه وتعالى يغضب، والله سبحانه وتعالى يحب، إذا هنا إثبات الصفات الاختيارية لله سبحانه؛ حوادث أو لا؟ هذه حوادث، طيب، هذه الحوادث لما تحل بذات الله سبحانه وتعالى، هنا يلزم، فهنا يكون مدخل قوي للفلاسفة على المتكلمين بأن أنتم تقولون الآن، فيفهم اضطروا إلى أن يؤولوا؛ ينفوا الصفات خاصة الاختيارية، حتى لا الدخول عليهم من هذا الباب، لذلك هم يشنون حملة كبيرة جدا على كل من يريد أن يثبت الصفات الاختيارية.
ثم بعد ذلك هم يرون بأن هذا الباب كلما كنت يعني تأول فيه أو تستطيع أن تنفي الصفات الاختيارية وتاتي بدليل من اللغة إلى غيره أو دليل من مما يمكن أن يفهم عندهم من الشرع، تكون أنت ايش؟ على خير كبير وعلى أجر عظيم، أنك الآن ذببت عن الدين.
فمثلا لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليله في ثلث الليل الآخر»، ينزل ربنا، ينزل هنا يقول تنزل رحمة الله سبحانه وتعالى أو ينزل ملك من الملائكة.
طيب، لماذا هذا التأويل؟ حتى ما يتم الدخول علينا ويتم إسقاط إلى آخره، واضح؟ فهم عندهم أن هذا باب التأويل من الأبواب الشريفة التي بها حفظ للدين، وشخص لما يجتهد في التأويل ويستطيع أن ينصب الأدلة على أن هذا المعنى في الشريعة غير مراد، هذا يكون ممن يعني ينصر الدين.
لذلك قالوا: طريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذا مما ابتلى الله سبحانه وتعالى العلماء فيه، والشيخ عبد الرحمن المحمود عنده كتاب جميل في موقف ابن تيمية من الأشاعرة، مر فيه على الصفات التي تأول المتكلمين، فيمر فيأتي عند كل عالم من علماء المتكلمين أو من علماء الأشاعرة، وينظر الصفات التي زادها في التأويل، يعني هو هذا العالم تأول هذه الصفة بكذا، وهذا العالم تأول هذه الصفة بكذا، حتى استقل هذا الأمر في زمان ابن تيمية كما تعرفون أو بعد الرازي.
فالقصد من ذلك أن ابن تيمية هنا يريد أن يبين، ابن تيمية مستوعب طريقة تفكير الأشاعرة ومدرك لها؛ أن التأويل عندهم هذا باب عظيم والأجر فيه كبير، لأن فيه حفظ للدين، وليس لأن في، يعني دعونا أن ننتقل وننظر إلى عقل المخالف وليس إلى عقل نفس الشخص الذي هو من أهل الحديث الذي يريد أن يدافع، لا، هو كذلك المخالف لك ومظم الدين ومحب الله ورسوله عليه الصلاه والسلام، أقصد الأشاعرة، ولكنه يرى بأن هذا الأمر لو ما فعله سيهدم الدين.
لذلك ابن تيمية يعني في سياق الرد شيء وفي سياق العذر شيء آخر، واضح؟ فهذا هو يرى بأن هؤلاء لو ما فعلوا هذا الشيء تقع مشكله كبيرة في إثبات الدين، وسيتسلط علينا الفلاسفة بالدلة التي نحن أعطيناها إياهم، فتحنا لهم هذا الباب، طبعا لم يعكس هذا الأمر، فهو لما رد هنا يبين بأن النبي عليه الصلاة والسلام لما بين هذه المعاني كان ناصح وكان قادر وكان مريد عليه الصلاة والسلام، والصحابة فهموا من هذا الشيء، فهل ستكونون أنتم أعلى من الصحابة في فهم هذا الباب الذي هو أخص الأبواب التي نزل بها القرآن؟
أخص المعاني المتعلقة بالله سبحانه وتعالى وصفاته وأسماعه، هذا الأمر لا يمكن أن يكون، هذا أمر لا يمكن أن يكون، وهل ممكن أن يكون التأويل في، يعني الذي يريد أن يؤويل لابد أن يعني يأتي في الأدلة الخفية من خلالها يؤول النصوص الظاهرة؟
كيف تؤول الظاهر البين في الخفي الذي لا يدرك إلا القليل من الناس؟ وهذا الدين ما نزل على الأذكياء، إنما نزل على جميع البشر؛ على الذكي والبليد والفقيه وغير الفقيه، هؤلاء لما كانوا يقرؤون، يعني عامة المسلمين لما يقرؤون الآيات الواردة في الصفات، ما الذي يفهمون منها؟ هل يفهمون الذي تقولون أنتم؟ قطعا لا، قطعا هم لا يفهمون هذا الشيء، إذا هل فهمهم هو كفر؟ يعني هم اعتقدوا الكفر؟ واضح؟
فهو ابن تيمية هنا يريد أن ينقل هذا الشخص من الدائرة التي هو عاش فيها والعقل الذي صنع من خلال الكلام الذي سمع، إلى أن يبين له بأن هؤلاء هم الصحابة الاجلاء وقبلهم كذلك النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يحدثون، وأن الإسلام لم ينزل على أناس معينين صنف معين من البشر، إنما نزل على جميع البشر، وكل هؤلاء يقرؤون القرآن الكريم، فهم منه الأمور الظاهرة والبينة.
نعم، ثم قال بعد ذلك فكيف إذا كانت دلالة خطاب ذلك خطاب على ظاهر أقوال بدرجات كثيرة؟ يعني الآن لو سلمنا كذلك، الآن هذه الصفات تدل على هذا المعنى وهذا المعنى، هذه الصفة الآن لما، مثلا في صفة اليد أو صفة مثلا الغضب أو الرحمة مثلا أو مثلا القدرة أو مثلا الإرادة، هي تدل على هذا أو على هذا، واضح؟
فيقول: لو سلمنا عند الآن احتمالين نجد بأن الأدلة التي تعضد قول أهل الحديث هي أقوى بكثير من الأدلة التي تنصر قول المتكلمين، ثم ضرب مثال ماذا صفة اليد.
نعم فسلم لي ذلك الرجل هذه المقامات، قلت ونحن نتكلم على صفة من الصفات ونجعل الكلام فيها نموذجا يحتذى عليه، وأنا أعبر بصفة اليد، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]، وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: 1]، وقال: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: 71].
وقد تواتر في السنة مجيء اليد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالمفهوم من هذا الكلام أن لله تعالى يدين مختصتان به ذاتيتان له كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السماوات بيده اليمنى، وأن يداه مبسوطتان، ومعنى بسطهما بذل الجود وسعة العطاء، لأن الأعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها، وتركه يكون ضما لليد إلى العنق، صار من الحقائق العرفية؛ من الحقائق العرفية إذا قيل: هو مبسوط اليد، فهم منه يد حقيقية، وكان ظاهره الجود والبخل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29].
ويقولون: فلان جعد البنان وسبط البنان. قلت له: فالقائل إن زعم أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين، وأن يده ليست جارحة، فهذا حق، وإن زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع فهو مبطل، فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة.
أما الأول: فيقول إن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية، تسمية للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، ومنه قولهم: لفلان عنده أياد، وقول أبي طالب لما فقد النبي صلى الله عليه وسلم: رب رد راكبي محمدا رده علي واصطنع عندي يدا، وقول عروة بن مسعود لأبي بكر يوم الحديبية: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.
وقد تكون اليد بمعنى القدرة؛ تسمية للشيء باسم مسببه، لأن القدرة هي تحرك اليد، يقولون: فلان له يد في كذا وكذا، ومنه قول زياد لمعاوية: إني قد امسكت العراق باحدى يدي ويدي الأخرى فارغة، يريد نصف قدرته ضبط أمر العراق، ومنه قوله: بيده عقدة النكاح، والنكاح كلام يقال، وإنما معناه أنه مقتدر عليه.
وقد يجعلون إضافة الفعل إليها؛ إضافة الفعل إلى الشخص نفسه، لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: 181-182]، أي بما قدمتم، فإن بعض ما قدموه كلام تكلموا به.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: 50-51]، والعرب تقول: يداك أوكتا وفوك نفخ، توبيخا لكل من جر على نفسه جريرة، لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيده وفمه.
قلت: ونحن لا أنكر لغة العرب التي نزل بها القرآن في هذا كله، والمتاولو الصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه وحد باسمائه وآياته، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، على هذا كله فقالوا إن المراد نعمته؛ أي نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقالوا بقدرته، وقالوا اللفظ كناية على نفس الجود من غير أن يكون هناك يد حقيقية، بل هذه اللفظة قد صارت حقيقية في الحقيقة؛ حقيقية في العطاء والجود، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] أي خلقته أنا، وإن لم يكن هناك يد حقيقية.
قلت له: فهذه تأويلاتهم؟ قال: نعم. قلت له: فننظر فيما قدمنا؟ طيب نقف عند هذا، والله أعلم، صلى الله على محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري