دخولتسجيل الدخول

التعليق على القاعدة المراكشية 03

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

في تبيين وجوب الإقرار بالإثبات وعلو الله على السماوات، أن يقال: من المعلوم أن الله تعالى أكمل الدين وأتم النعمة، وأن الله أنزل الكتاب تبياناً لكل شيء، وأن معرفة ما يستحقه الله وما ينزه عنه هو من أجل أمور الدين وأعظم أصوله، وأن بيان هذا وتفصيله أولى من كل شيء.

فكيف يجوز أن يكون هذا الباب لم يبينه الرسول ﷺ ولم يفصل، ولم يعلم أمته ما يقولون في هذا الباب؟ وكيف يكون الدين قد كمل وقد تركوا على الطريقة البيضاء وهم لا يدرون بماذا يعرفون ربهم؟ أبما تقوله النفاة أو بأقوالها للإثبات؟

الوجه الثالث أن يقال: كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة للعبادة لابد أن يخطر بقلبه هذا الباب، ويقصد فيه الحق ومعرفة الخطأ من الصواب. فلا يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا، لا يسألون عنه ولا يشتاقون إلى معرفته، ولا تطلب قلوبهم الحق فيه، وهم ليلاً ونهاراً يتوجهون بقلوبهم إليه، يدعونه تضرعاً وخيفة ورغبة ورهبة.

والقلوب مجهولة مفطورة على طلب العلم بهذا ومعرفة الحق فيه، وهي مشتاقة إليه أكثر من شوقها إلى كثير من الأمور، ومع الإرادة الجازمة والقدرة يجب حصول المراد. وهم قادرون على سؤال الرسول ﷺ وسؤال بعضهم بعضاً، وقد سألوه عما هو دون ذلك، سألوه: «هل نرى ربنا يوم القيامة؟» فأجابهم. وسأله أبو رُزَيْل: «أيضحك ربنا؟» فقال: «نعم»، فقال: «لن نعدم من رب يضحك خيراً».

ثم إنهم لما سألوه عن الرؤية قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر». فشبه رؤية المرئي بالمرئي، والنفاة لا يقولون يرى كما ترى الشمس والقمر، بل قولهم الحقيقي أنه لا يرى بحال، ومن قال يرى موافق لأهل الإثبات ومنافق لهم، فسر الرؤية بمزيد علم فلا تكون كرؤية الشمس والقمر. والمقصود هنا أنهم لابد أن يسألوه عن ربهم الذي يعبدونه، وإذا سألوه فلا بد أن يجيبهم. ومن المعلوم بالاضطرار أن ما تقوله الجماعية لم ينقل عن أهل التبليغ عنه، وإنما نقل عنه يؤول أهل الإثبات.

الوجه الرابع أن يقال: إما أن يكون الله يحب منا أن نعتقد قول النفاة أو نعتقد قول أهل الإثبات، أو لا نعتقد واحداً منهما. فإن كان مطلوبهم منا اعتقاد قول النفاة، وهو أنه لا داخل للعالم ولا خالجه، وأنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله، وأن محمداً ﷺ لم يعرج به إلى الله، وإنما عرج به إلى السماوات فقط لا إلى الله، وأن الملائكة لا تعرج إلى الله بل إلى ملكوته، وأن الله لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، وأمثال ذلك؛ وإن كانوا يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام وإيهام، كقولهم: ليس بمتحيز ولا جسم ولا جوهر ولا هو في جهة ولا مكان.

وأمثال هذه العبارات التي تفهم منها العامة تنزيه الرب عن النقص، ومقصدهم بها أنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله يعبد، ولا عرج بالرسول إلا إلى السماوات، والمقصود أنه إن كان الذي يحبه الله لنا أن نعتقد هذا النفي، فالصحابة والتابعون أفضل منا، فقد كانوا يعتقدون هذا النفي والرسول ﷺ كان يعتقده. وإذا كان الله ورسوله يرضاه لنا، وهو إما واجب علينا أو مستحب لنا، فلا بد أن يأمرنا الرسول ﷺ بما هو واجب علينا، ويدعنا إلى ما هو مستحب لنا، ولا بد أن يظهر عنه وعن المؤمنين ما فيه إثبات لمحب الله ومرضيه وما يقرب إليه.

لا سيما مع قوله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3]، لاسيما وأنه جعل هذا أصل الدين، وهو عندهم التوحيد الذي لا يخالفه إلا شقي. فكيف لا يعلم الرسول ﷺ أمته التوحيد؟ وكيف لا يكون التوحيد معروفاً عند الصحابة والتابعين؟ والفلاسفة والمعتزلة ومن اتبعهم يسمون مذهب النفاة للتوحيد، وقد سمى صاحب المرشدة أصحابه الموحدين، إذ عندهم مذهب النفاة هو التوحيد.

وإذا كان كذلك، كان من المعلوم أنه لا بد أن يبينه الرسول ﷺ، وقد علم بالاضطرار أن الرسول ﷺ أصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة. إنه ليس بواجب ولا مستحب، بل علم أنه ليس من التوحيد الذي شرعه الله تعالى لعباده، وإن كان يحب منا مذهب الإثبات هو الذي أمرنا به، فلا بد أيضاً أن يبين ذلك لنا.

ومعلوم أن في الكتاب والسنة من إثبات العلو والصفات أعظم مما فيهما من أحكام الوضوء والتيمم والصيام وتحريم ذوات المحارم وخبيث المطاعم ونحو ذلك من الشرائع. فعلى قول أهل الإثبات يكون الدين كاملاً، والرسول ﷺ مبلغا مبيناً، والتوحيد عن السلف مشهوراً معروفاً، والكتاب والسنة يصدق بعضهما بعضاً، والسلف خير هذه الأمة وطريقهم أفضل الطرق، والقرآن كله حق ليس فيه إضلال، بل هو الشفاء والهدى والنور، وهذه كلها لوازم ملتزمة ونتائج مقبولة، فقوله مؤتلف غير مختلف ومقبول غير مردود.

وإن كان الذي يحبه الله منا أن نثبت، وإلا فإننا سنبقى بالجهل البسيط، وفي ظلمات بعضها فوق بعض، لا نعرف الحق من الباطل، ولا الهدى من الضلال، ولا الصدق من الكذب، بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكين الحيارى، المذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا مصدقين ولا مكذبين.

لازم من ذلك أن يكون الله يحب منا عدم العلم بما جاء به الرسول ﷺ، وعدم العلم بما يستحقه الله سبحانه وتعالى من الصفات التامة، وعدم العلم بالحق من الباطل، ويحب منا الحيرة والشك، ومن المعلوم أن الله لا يحب الجهل ولا الشك ولا الحيرة ولا الضلال، وإنما يحب الدين والعلم واليقين.

وقد قدم الحيرة بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَىٰ أَتِهْدَىٰ ۚ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71]. وقد أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7].

وعن رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهم رب جبرائيل، ورب ميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». فهو ﷺ يسأل ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، فكيف يكون محبوب الله؟

عدم الهدى في مسائل الخلاف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. وما يذكره بعض الناس عنه أنه قال: "زدني فيك تحرًّا"، كذب باتفاق عن العلم بحديث؛ بل هذا سؤال من هو حائر، وقد سأل المزيد من الحيرة، ولا يجوز لأحد أن يسأل ويدعو مزيدًا من الحيرة إذا كان حائرًا، بل يسأل الهدى والعلم.

فكيف من هو هادي الخلق من الضلالة؟ وإنما ينقل مثل هذا عن بعض الشيوخ الذين لا يقتدى بهم في مثل هذا، إن صح النقل عنهم. وقول هؤلاء الواقفة الذين لا يثبتون ولا ينفون، وينكرون الجزم بأحد القولين، يلزم عليه أمور:

أحدها: أن من قال هذا فعليه أن ينكر على المثبتة؛ فإنهم ابتدعوا ألفاظًا ومعاني لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة. وأما المثبتة، إذ اقتصروا على النصوص، فليس له الإنكار عليهم. وهؤلاء الواقفة هم في الباطن يوافقون النفاة أو يقرونهم، وإنما يعارضون المثبتة؛ فعلم أنهم أقروا أهل البدعة وعادوا أهل السنة.

الثاني: أن يقال إن عدم العلم بمعاني القرآن والحديث ليس مما يحبه الله ورسوله، فهذا القول باطل.

الثالث: أن يقال إن الشك والحيرة ليست محمودة في نفسها باتفاق المسلمين، وغاية ما في هذا الباب أن من لم يكن عنده علم بالنفي ولا بالإثبات يسكت. فأما من علم الحق بدليله الموافق لبيان رسول الله ﷺ، فليس للواقع، قف، الشاك الحائر أن ينكر على هذا العالم الجازم المستفسر المتبع للرسول، العالم بالمنقول والمعقول.

الرابع: أن يقال إن السلف كل منكروا على الجهمية النفاة وقالوا بالإثبات وأصحوه به، وكلامهم في الإثبات والإنكار على النفاة أكثر من أن يمكن إثباته في هذا المكان. وكلام أئمة مشاهير مثل مالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن زيد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وأصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، موجود كثير لا يحصيه أحد.

وجواب مالك في ذلك صريح بالإثبات؛ فإن السائل قال له: "يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟" فقال مالك: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول». وفي لفظ: «استواؤه معلوم أو معقول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».

نعم، أحسنت، بارك الله فيك. الآن الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى يسدد في الرد على من ينكر علو الله سبحانه وتعالى. يبين الشيخ رحمه الله تعالى بأن مذهب العلو هو مذهب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك أمة الإسلام، وذكر كثيرًا من الكلام، ذكر شيخ الإسلام -حتى هو متكرر وكثيرًا ما ذكره ابن تيمية رحمه الله تعالى في أجوبته-.

ثم بعد ذلك انتقل الشيخ إلى الحديث عن الواقفة، وباب من هؤلاء الواقفة الذين لا يثبتون ولا ينفون وينكرون الجزم بأحد القولين يلزم عليه أمور. ثم ذكر هذه الأمور. مذهب الواقفة هذا مذهب متكرر عبر التاريخ، ففي كل مسألة يصطدم الناس فيها تنشأ طائفة أو مجموعة تقف في الوسط، وهذا الوسط كثيرًا ما يكون وسطًا وهميًا.

ففي زمان النبي ﷺ كان أبو طالب هذا الوسط، وبعد ذلك في زمان الإمام أحمد رحمه الله تعالى نشأت هذه الفرقة المعروفة بالواقفة، والتي كانت تقول: لا نقول القرآن مخلوق ولا غير مخلوق، بل نسكت؛ نقول القرآن كلام الله، ولكن هل هو مخلوق وغير مخلوق؟ لا يتكلمون ولا يزيدون، ولا يثبتون لا النفي ولا الإثبات.

وسبب ذلك هو أن هذا القسم من الناس المشكلة عنده نفسية. هذه المشكلة النفسية في هذا القسم من الناس؛ ففي بعض البشر من طبعه عدم محبة المفاصلة، فلا يفاصل في شيء، إنما دائمًا يقف بالوسط. فإذا كان شخص مال إلى جهة اليمين وآخر إلى جهة اليسار، هو يقف بالوسط، سواء كان هذا الوسط حقيقيًا أو وهميًا، هو لا يكون منطلق نفس أصابت الحق، إنما منطلق نفسي صرف، وهذه وسطية لا شك بأنها وسطية موهومة.

والعلماء شددوا شدة كبيرة على من يكون هذا حاله؛ وذلك قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «الواقفة شر من الجهمية»، وكان يقول: «الجهمية ثلاث فرق، منهم الواقفة». وفي لفظ وفي سياق يقول: "بينهم شر من الجهمية"، وفي لفظ يقول: "بينهم قسم من أقسام الجهمية".

لماذا؟ لأن الواقفة يميلون بالناس إليهم. فالآن لما يوجد صراع بين طائفتين أو مجموعتين، قسم يقول بكذا وقسم يقول بكذا، السواد الأعظم من الناس أو الكثير من الناس لا يحب الدخول بهذه المشكلات، فيقف بمنطقة بين المنطقتين؛ هذه المنطقة الرمادية، والرمادية لا وجود لها في الشريعة، إنما في الشريعة إما علم أو جهل، إما حق أو باطل. إذاً الشخص ما عرف الحقيقة هنا يسكت ويبحث ويسأل، ويسأل الله سبحانه وتعالى أن يهديه، ولكن لا يجعل من سكوته وعدم معرفته أن هذا هو الصواب.

فهذه الوسطية كما قلت وسطية نفسية وليست وسطية دينية ولا شرعية ولا حقيقية. وهذه الوسطية، وهذا النوع من الناس الواقفة، ليس من الصعب أن نقرأها عبر التاريخ ثم نسكت، حتى في زماننا هذا الواقفة موجودة، بل هم كثرة وكبيرة جدًا من طلاب العلم ومن الداخلين في مثل هذه المسائل وغيرها. نجد بأن الكثير منهم هو من الواقفة؛ هو يقف في المنطقة الرمادية، لا يقف مع أهل الحق ولا يفاصل أهل الباطل، إنما يكون في منطقة رمادية، وبعض هؤلاء ينصر أهل الحق بالخفاء، ولكن بالعلن لا ينصرهم، إنما يقف بالوسط، وهذا كثير جدًا.

لو ما انقسم الناس، لمال هذا الشخص إلى الحق؛ يعني لو ما وجد صراع ووجدت هكذا أقوال ورد على القول وانفصال الناس وانقسام الناس، لمال هذا الشخص إلى الحق. ولو انتصر الباطل وأصبح له الظهور لمال إلى الباطل، ولكن ما دام الباطل لم ينتصر انتصارًا كليًا، وهو يوجد أن الحق من يبين الحق ويدافع وينافع عن الحق ولكن ليس لديه قوة، فله كلفة.

هنا هذا القسم من الناس يقف في منطقة الوسط، وهذا أمر خطير جدًا. ففي مسائل الاعتقاد لا وسط فيها؛ في مسائل الاعتقاد والعقيدة والتوحيد لا وسط فيها. ونفرق بين أمرين اثنين: نفس الحق، وبين طريقة التعامل. وهذا من أبواب اللبس الكبيرة التي نجدها في هذا الزمان، والخلاف الكبير الذي يقع في زماننا؛ الناس كثيرًا ما يخلطون بين نفس الحق وبين طريقة التعامل. فبعض الناس بسبب الخلاف يجعل الحق ليس متمحضًا في هذه المسألة، فهذه المسألة تكون المسألة المشتبهة أو الحق فيها محتمل، وهكذا، وهي ليست بهذه الطريقة. لكن هذا الإنسان لما رأى هذا الخلاف ورأى بأنه قال بقول آخر بعض...

المعظمين إلى آخره، فهنا يقذف بموقف الشك والريب والحيرة وهكذا الاحتمال إلى آخره. والقسم الآخر من الناس من يسحب الحق إلى نفس التعامل، فيغلق عند باب العذر أو يضعف عند باب العذر، ولا يحسن تطبيق قاعدة العذر وكذلك التعامل مع المخالفين. وهذه فتنة العصر الذي نعيش فيه اليوم، فاليوم لما نجد بعض الأشخاص يمثلون مذهب أهل السنة والجماعة وأهل الحديث، قد يكون معهم نفس المعتقد مثل علو الله سبحانه وتعالى إلى آخره، ويكون الحق معهم في هذا الشيء، ولكن الفتنة تكون في طريقة التعامل أو بالتكفير وعدم العذر إلى آخره.

فيتسع هذا الباب عند هذا القسم من الناس، ويفتن عامة الشباب بمثل هذه الإطلاقات؛ لذلك من المهم جداً أن نجمع بين معرفة الحق وعدم التنازل عن الحق بحجة الخلاف الموجود إلى آخره، وكذلك بين طريقة التعامل مع المخالفين. ونحسن إتقان باب عوارض الأهلية وباب الأعذار، ولا نضيق هذه الدائرة بحجة اتساع الدائرة الأولى، وكذلك العكس؛ فلا نجعل من دائرة العذر سبيلاً لزعزعة المسألة أو قوة المسألة، فتصبح المسألة مشتبهة بحجة أن هذا القول قال به فلان أو فلان من العلماء، إنما الحق واضح وبين، وهو ما عليه الصحابة والتابعون وأمة الإسلام، ورحمة الله تعالى واسعة.

ثم بعد ذلك يأتي باب العذر، وباب العذر كذلك له ضوابطه وشروطه وقواعده. وهنا تلاحظون شدة الشيخ رحمه الله تعالى في البيان، لأن هنا القصد إظهار الحق، وليس القصد الحديث عن المخالفين أو عذر المخالفين، إنما القصد نفس بيان الحق. فالشخص لما يكون في سياق بيان الحق، طبيعي جداً بأنه يشد حتى يثبت الحق. وذكرت لكم عدة مرات بأن الحق إذا تعرض إلى تشويه، وأصبح القائم بالحق أو الصادع بالحق أو مبين للحق ليس بقوي، إنما يكون صوته خفيفاً أو ضعيفاً، هنا لابد أن يرجح الباطل ولا بد أن يضرب الباطل ضربة قوية حتى يكسر الباطل، ولو تسبب ذلك بإسقاط بعض من هو معذور.

فلما يكون السياق سياق بيان للحق، فهنا الأصل القوة فيه. لكن لما يكون السياق سياق عذر، أو سياق بيان هؤلاء من أمة الإسلام إلى آخره، فيكون العرض بطريقة أخرى. والجمع بين هذا وهذا مهم جداً، والذي لا يجمع بين هذين الأمرين يستشكل كثيراً من كلام الإمام ابن تيمية وغيرها من العلماء الكبار المحققين.

ثم انتقل بعد ذلك وذكر أئمة الإسلام الكبار مثل مالك والثوري والوزاعي وإلى غيره، وكذلك أبي حنيفة النعمان وحماد بن زيد وحماد بن سلمة. ثم بدأ يفصل الآن بكلام الإمام مالك رحمه الله تعالى، ورحمة الله واسعة، وسبب ذلك أن هذه الرسالة إلى المالكية في مراكش، ومراكش في المغرب كما تعرفون، وذكرنا بأن المرابطين هم الذين بنوا هذه المدينة. وذكر كذلك قبل ذلك صاحب المرشدة، وهو محمد بن تومرت، وهو الذي قام بإسقاط دولة المرابطين وأنشأ دولة الموحدين.

وكان المالكية في المغرب على مذهب أهل الحديث حتى فشت وانتشرت دولة الموحدين التي كان يقودها محمد بن تومرت، وهو ما مات قبل أن يصل إلى الحكم، وحكم صاحبه وتلميذه عبد المؤمن بن علي. وثبت هذا الكتاب عندهم، وهو كان من طلاب الغزالي، هذا محمد بن تومرت، ونشر المذهب الأشعري في المغرب الإسلامي. ولم يكن المذهب الأشعري له ظهور كبير، إنما كان انتشاراً خفيفاً وضعيفاً بين المالكية. وكانت دولة المرابطين تحارب المذهب الأشعري وتقر مذهب أهل الحديث، حتى تم القضاء على دولة المرابطين وبدأت دولة الموحدين تنشر هذا المذهب، وانتشر بين المالكية التشيع الأشعري، فأصبح عامة المالكية بعد دولة الموحدين من الأشاعرة، وقبل دولة الموحدين من أهل الحديث.

وكذلك الشافعية، الصراع كبير في داخل المذهب الشافعي بين الأشاعرة وأهل الحديث، ولم يستقر على المذهب الأشعري بسبب وجود جماعة كبيرة من أهل الحديث؛ فالذهبي وابن كثير وكذلك المزني، هؤلاء كلهم من أهل الحديث مع أن عامة الأشاعرة هم من الشافعية بالأصل، لكن وجود المدافعة من أهل الحديث داخل المذهب الشافعي منع انتشار المذهب الأشعري فيهم. أما الحنابلة فلم ينتشر فيهم المذهب الأشعري، وهم كانوا من أشد الناس عداءً للأشاعرة كما تعرفون. أما الأحناف فقد انتشر فيهم الاعتزال، وكذلك استقر المذهب الحنفي عند عامة علماء الحنفية على مذهب الماتريدية، وإن كان فيهم بعض علماء أهل الحديث، لكن أكثر الأحناف بعد أبي منصور الماتريدي هم من الماتريدية، واستمر الماتريدي إلى اليوم عند عامة الأحناف في شرق العالم الإسلامي.

أحسن الله إليكم، فقد أخبر رضي الله عنه بأن نفس الاستواء معلوم، وإن كيفية الاستواء مجهولة، وهذا بعينه قول أهل الإثبات. وأما النفاة فما يثبتون استواءً حتى تجهل كيفيته، بل عند هذا القائل الشاك وأمثاله أن الاستواء مجهول غير معلوم، وإذا كان الاستواء مجهولاً لم يحتج أن يقال الكيف مجهول، لأن إذا كان الاستواء منتفياً فالمنتفي المعدوم لا كيفية له حتى يقال هي مجهولة أو معلومة.

وكلام مالك صريح في إثبات الاستواء، وأنه معلوم وأن له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن. ولهذا بدع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية، فإن السؤال إنما يكون عن أمر معلوم لنا ونحن لا نعلم كيفية استوائه، وليس كل ما كان معلوماً وله كيفية تكون تلك الكيفية معلومة.

يبين ذلك أن المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك أنه قال: «الله في السماء»، وعلمه في كل مكان. حتى ذكر ذلك مكي خطيب قرطبة في كتاب التفسير الذي جمعه من كلام مالك، ونقله عن أبي عمرو الداني، وأبي عمر بن عبد البر، وابن أبي زيد في المختصر، وغير واحد. ونقله أيضاً عن مالك غير هؤلاء ممن لا يحصى عددهم، مثل أحمد بن حنبل، وابن عبد الله، والاثرم، والخلال، والأجر، وابن بطة، وطوائف غير هؤلاء من المصنفين في السنة. ولو كان مالك من الواقفة أو النفاة لم ينقل هذا الإثبات. والقول الذي قاله مالك قاله قبله ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخه، كما رواه عنه سفيان بن عيينة، وقال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون كلاماً طويلاً يقرر فيه مذهب الإثبات ويرد على...

فقد ذكرناه في غير هذا الموضع، وكلام المالكية من جميع النفاة مشهور في كتبهم، وكلام أئمة المالكية قدماء بالإثبات كثير مشهور، حتى علماؤهم حكوا إجماع أهل السنة والجماعة على أن الله بذاته فوق عرشه.

وابن أبي زيد إنما ذكر ما ذكره سائر أئمة السلف، ولم يكن من أئمة المالكية من خالف ابن أبي زيد في هذا، وهو إنما ذكر هذا في مقدمة الرسالة لتلقن لجميع المسلمين؛ لأنه عند أئمة السنة سنة من الاعتقادات التي يلقنها كل أحد. ولم يرد على ابن أبي زيد في هذا إلا من كان من أتباع الجهمية النفاة، لم يعتمد على من خالفه على أنه بدعة ولا مخالف للكتاب والسنة، ولكن زعم من خالف ابن أبي زيد وأمثاله أن الله على العرش في السماء وفي الأرض، فقال إذا أنكر أنه في السماء كفر؛ لأنه تعالى في أعلى عليّ، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.

وقال عبد الله بن نافع: كان مالك بن أنس يقول: الله في السماء، علم في كل مكان. وقال بعد أن سألت سفيان الثوري عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: 4]، قال عنه حماد بن زيد فيما ثبت عنه من غير وجه -رواه ابن أبي حاتم والبخاري وعبد الله بن أحمد وغيرهم-: إنما يدور كلام الجهمية على أن يقول: ليس بالسماء شيء.

وقال علي بن الحسن بن شقيق: قلت لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته، على عرشه بائن من خلقه. قلت: بحد؟ قال: بحد لا يعلمه غيره، وهذا مشهور عن ابن المبارك ثابت عنه من غير وجه أيضًا. وصحيح ثابت عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغير واحد من الأئمة.

وقال رجل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، قد خفت من كثرة ما أدعو على الجنية. قال: لا تخف، فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس به شيء. وقال جرير بن عبد الحميد: كلام الجهمية أوله شهد وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس بالسماء إله، رواه ابن أبي حاتم وغيره.

وثبت عن عبد الرحمن بن مهدي أن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله عز وجل كلم موسى بن عمران، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا، تابوا إلا أن ضربت أعناقهم. وقال يزيد بن هارون: من زعم أن الله على العرش استوى خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي.

وقال سعيد بن عامر الضبعي -وذكر عنده الجهمية-: فهم أشر قولا من اليهود والنصارى، وقد أجمع المسلمون في الأديان على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس عليه شيء. وقال عباد بن العوام الواسطي: كلمت بشراً المريسي وأصحابه، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا.

وهذا كثير في كلامهم، وهكذا ذكر أهل الكلام الذين ينقلون مقالات الناس، مقالة أهل السنة والحديث، كما ذكر أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي صنفه في اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين، فذكر فيه أقوال الخوارج والروافض والمعتزلة والمرجئة وغيرهم.

ثم قال: ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث، وجملة قولهم الإقرار بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاء من عند الله، وبما روى الثقات عن رسول الله ﷺ، لا يردون من ذلك شيئًا. إلى أن قال: وإن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، وإن له يدين بلا كيف كما قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وإن الله يعلم كما قال: ﴿إِنَّهُ بِعِلْمِهِ يُحِيطُ﴾ [طه: 114]، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [لقمان: 34]، وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة.

وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]. ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ، مثل أن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: «هل من مستغفر فأغفر له» كما جاء في الحديث. ويقرون بأن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]، وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16].

قال الأشعري أيضًا في مسألة الاستواء: قال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء، وإنه على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله في القول، فنقول: استوى بلا كيف، وإن له يدين بلا كيف كما قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وإن الله ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء بالحديث. قالت المعتزلة: استوى على عرش مما استولى.

وقال الأشعري أيضًا في كتاب الإبانة في أصول الديانة، في باب الاستواء: قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله مستوٍ على العرش كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، وقال: ﴿يَصْعَدُ إِلَيْهِ﴾، وقال: ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وحكى عن فرعون قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِ إِلَهِي﴾ [القصص: 38]، فكذب فرعون موسى في قوله إن الله فوق السماوات.

وقال الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: 16]، فالسماوات فوقها العرش، وكل ما هو فوقها فهو السماء، وليس إذ قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أنه ذكر السماوات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: 16]، ولم يرد أنه يملأ السماوات جميعًا.

ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله مستوٍ على العرش الذي هو فوق السماوات، فلو لم يكن الله على العرش لما رفعوا أيديهم نحو السماء. وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى استوى: استولى وملك وانقهر، وإن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق.

وذهبوا في الاستواء إلى القدرة؛ فلو كان كما قالوا، لكان الفرق من العرش والأرض السابعة أن الله قادر على كل شيء، والأرض لله قادر عليها وعلى الحشوش والأخلية، فلو كان مستوٍ على الأشياء لما جاز أن يقال هو مستوٍ على الأشياء.

ولما لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقال إن الله مستوٍ على الأشياء كلها وعلى الحشوش والأخرى، بطل أن يكون معنى الاستواء هو الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها. وقد نقل هذا عن الأشعري غير واحد من أئمة أصحابه، كابن فورك والحافظ ابن عساكر في كتابه الذي جمعه في تبيين كذب المفترى فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري، وذكر اعتقاده الذي ذكره في أول الإبانة.

وقوله فيه: «فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تتدينون؟ قيل لهم: قولنا الذي به نقول وديانتنا التي بها ندين هي التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون بما كان عليه أحمد بن حنبل -نظر الله وجهه- قائمون، ولما خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح المنهاج به، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين، ورحمه الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم».

وعلى جميع أئمة المسلمين، وجملة قولي: أننا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه ثقات من رسول الله ﷺ. وذكر ما تقدم غيره من قول كثير، أوردت في غير هذا الموضع. وقال أبو بكر الآجري -رحمه الله- في كتاب الشريعة الذي يذهب إليها العلم: «إن الله تعالى أعلى في فوق السماوات، علمه محيط من كل شيء، قد أحاط بجميع ما خلق في السماوات العلى، وجميع ما في سبع أرض، يرفع إليه أفعال العباد».

فإن قال قائل: أي شيء معنى قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: 7]؟ قيل له: علمه، والله على عرشه وعلمه محيط بهم، كذا فسروا أهل العلم، والآية يدل أولها وآخرها أنه العلم وهو على عرشه. هذا قول المسلمين.

والقول الذي قاله الشيخ محمد بن أبي زيد: إنه فوق عرش المجيد بذاته، وهو بكل مكان في علمه، قد تأوله بعض المتناطنين بأن رفع المجيد ومراد أن الله والمجيد بذاته، وهذا مع أنه جهل واضح؛ فإنه من المنزلة أن يقال: الرحمن بذاته، والرحيم بذاته، والعزيز بذاته. وقال ابن أبي زيد في خطبته الثالثة أيضًا: «على العرش استوى، وعلى الملك احتوى»، ففرق بين الاستواء والاستيلاء على قاعدة أئمة المتبوعين. ومع هذا فقد صرح ابن أبي زيد في المختصر بأن الله في سمائه دون أرض، هذا لفظه.

والذي قاله ابن أبي زيد ما زالت تقول به أئمة السنة من جميع الطوائف. وقد ذكر ابن عمر طالمانكي الإمام في كتابه الذي سمى الوصول إلى معرفة الأصول: أن أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله استوى بذاته على عرشه. وكذلك ذكر محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حافظ الكوفة، في طبقة البخاري ونحوه، ذكر ذلك عن أهل السنة والجماعة. وكذلك ذكره يحيى بن عمار السجستاني الإمام في رسالته المشهورة في السنة التي كتب إلى ملك بلاده.

وكذلك ذكر أبو النصر السجزي الحافظ في كتاب الإبانة له، قال: «وأئمتنا كثور، ومالك بن أنس، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد، وإسحاق، متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان». وكذلك ذكر شيخ الإسلام الأنصاري، وأبو العباس الطرقي، والشيخ عبد القادر الجيلي، ومن لا يحصى عدده إلا الله من أئمة الإسلام وشيوخه.

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني صاحب حلية الأولياء وغير ذلك من المصنفات المشهورة في الاعتقاد، الذي جمع طريقنا طريق السلف المتبعين: الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وقال: «ومما اعتقدوا أن الله لم يزل كاملاً بجميع صفاته القديمة، لا يزول ولا يحول؛ لم يزل عالماً بعلم، بصيراً ببصر، سميعاً بسمع، متكلماً بكلام، وأحدث الأشياء من غير شيء، وأن القرآن كلام الله، وكذلك سائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق، وأن القرآن من جميع الجهات مقروء ومتلو ومحفوظ ومسموع منفوظ، كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة، وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق، وأن الألفاظ اللفظية من الجهمية، وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به غير كلام الله فهو عندهم من الجهمية».

وذكر الأشياء إلى أن قال: «وأن الحادثة التي ثبتت عن النبي ﷺ في الإثبات، واستواء الله عليه، يقولون بها ويثبتون من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل بهم ولا يمتزج بهم، ومستوٍ على العرش في سمائه دون أرضه». وذكر كسر سائر اعتقاد السنة وإجماعهم على ذلك.

وقال يحيحى بن عمار في رسالته: «لا نقول كما قالت الجهمية إنه داخل الأمكنة وممازج لكل شيء، ولا نعلم أين هو، بل نقول هو بذاته على عرشه، وعلمه محيط بكل شيء، وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء»، وهو معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4].

وقال الشيخ المعمر بن أحمد، شيخ الصوفية في هذا العصر: «أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين»، فذكر شيئاً من الوصية إلى أن قال فيها: «وإن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تأويل، والاستواء معلوم والكيف مجهول، وإنه مستوٍ على العرش بائن من خلقه، والخلق بائنون منه بلا حلول ولا مزاجة ولا ملاصقة، وإنه عز وجل سميع بصير عليم خبير، يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء بلا كيف ولا تأويل، ومن أنكر النزول أو تأوله فهو مبتدع ضال».

وقال الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتاب الرسالة في السنة: «ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سماوات على عرشه كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة وأعيان سلف الأمة لم يختلفوا أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته».

وقال الإمام أبو عبد الله الشافعي في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة بالكفارة، وإن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها، بخبر معاوية بن الحكم، وأنه أراد أن يعتق جارية سوداء عن الكفارة وسأل النبي ﷺ عن إعتاقها، فامتحنها ليعرف أنها مؤمنة أم لا، فقال لها: «أين ربك؟» فأشارت إلى السماء، فقال: «أعتقها».

فإنها مؤمنة فحكم بإيمانها لما أقرت أن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في باب القول بالاستواء: قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، ثم قال: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾، وأراد من فوق السماء كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ بمعنى على جذوع النخل، وقال: ﴿فَاسْيَحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي على الأرض، وكل ما على فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، فمعنى الآية: أأمنتم من على العرش كما صرح به في سائر الآيات.

قالوا: فيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية أن الله بذاته بكل مكان، وقوله: ﴿هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ﴾ إنما أراد به علم الله بذاته. وقال أبو عمر بن عبد البر في شرح الموطأ لما تكلم على حديث النزول: «هذا حديث لم يختلف أهل الحديث بصحته، وفيه دليل أن الله بالسماء والعرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة»، وهم من حجتهم على المعتزلة. قال: وهذا أشهر عند الخاصة والعامة، وأعرف من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم.

وقال أبو عمر أيضًا: «أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله: ما يكون من أحد إلا وهو معه، ثلاثة، ورابعهم هو: على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله». فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف، إذ لم ينقل عنهم غير ذلك، إذ هو الحق الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. فنسأل الله العظيم أن يختم لنا بخير ولسائر المسلمين، وأن لا يزيق قلوبنا بعد إذ هدانا بمنه وكرمه، إنه أرحم الراحمين، والحمد لله وحده.

نعم، أحسنتِ، بارك الله فيكِ. الإمام رحمه الله تعالى بنى بعد ما ذكر وسرد لصحة مذهب السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم عقب ذلك نقولات، فنقل هذه النقولات الكثيرة عن العلماء من السلف من جاء بعدهم من القرون المفضلة. وقصد الشيخ رحمه الله تعالى من ذكرى لهذه النقولات هو إثبات بأن هذا المذهب لم ينقطع، وأن هذا المذهب مذهب أهل الحديث.

المشكلة الكبيرة التي كان يعاني منها من يعيش في زمان الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، بأن المذهب الأشعري قد استقر منذ ما يقارب قرنًا ونصف من الزمان، وهذا الاستقرار أثر في عقول الناس. فيحتاج الآن العالم إذا أراد أن يعيد الناس إلى الحق، وأن يجدد من شعائر الإسلام، يحتاج إلى بيان كثير جدًا حتى يستوعب المتلقي بأن الواقع الذي يعيش فيه، والأقوال المنتشرة في الواقع الذي يعيش فيه، ليست هي أقوال أئمة الإسلام ولا هي ما يقوله علماء الإسلام، إنما هذا كله من التأويل الذي انتشر وفشى بسبب ضعف أهل الحديث وقوة وسلطان المخالفين لهم.

فعمت هذه الأقوال وانتشرت، والقول ما ينتشر بصحته، إنما انتشار القول يكون بحسب المؤثرات التي تكون معه، فإذا كانت المؤثرات قوية لقول من الأقوال، طبيعي جدًا بأنه ينتشر ويعم ويؤثر على الناس. وواهم من ظن بانه يستطيع أن يتحكم بعقله، وواهم كذلك من يظن بأن نسبة الاعتقادات الموجودة عندها لا تتغير على مر الأيام والليالي، فالاعتقاد الذي تعتقده إما أن يضعف أو يقوى مع الأيام والليالي.

فالاعتقاد مثالًا مثل قوة الإنسان، فالإنسان كما أن قوته لا تثبت، إما أن ترتقي أو تنزل؛ فالإنسان في بداية حياته يكون ضعيفًا ثم يقوى ويقوى، هكذا، ثم بعد ذلك ينتكس وتضعف قوته، كذلك ترى الاعتقادات إما أن تقوى أو تضعف. وواهم من ظن بأن اعتقادًا يبقى على نفس قوته التي نشأ عليها أو التي موجودة عنده الآن؛ فاعتقادك الذي موجود عندك بعد مدة من الزمان ممكن يتزلزل ممكن يتزحزح.

لذلك عظم الله سبحانه وتعالى من أجر المجددين، وبين الله سبحانه وتعالى بأن الذي يحافظ على الإسلام وتكون تصوراته الدينية واضحة وبينة وصحيحة وموافقة للحق ثم ينافع عنها، يكون هذا أجر عند الله سبحانه وتعالى أعظم. ذلك أن الأنبياء كانوا أصل دعوتهم هي بيان التصورات الإسلامية، بيان نفس الحق الذي جاء من عند الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك يكون قصد هداية الخلق، لكن قبل هداية الخلق بيان الحق؛ بيان الحق أولى من هداية الخلق. وليس معنى هذا افتراض التعارض بين البيان والهداية دائمًا، إنما القصد أن التعارض إذا وجد، فهنا الأصل أن يقدم البيان حتى لو معتدى، والله لو حدث أمة.

فهنا الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى كان يعلم بأن دوره التاريخي المطلوب منه ليس كما قاله بعض من يعيش في زمان ابن تيمية ممن يحب ابن تيمية بأن الصواب أن ابن تيمية هكذا يلين مع المخالفين له ويجمعهم إلى آخره؛ لأن ابن تيمية يعلم بأنه لو فعل هذا الشيء هم سيسلمون له بنسبة معينة. لكن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كان حريصًا على بيان الحق أكثر من حرصه على أن يهدي المخالفين، وليس معنى هذا أنه ما كان حريصًا لهداية المخالفين، لكن كانت الموازنة بينهما واضحة عند ابن تيمية.

والذي ما يفهم الإسلام لا يستطيع أن يحكم على علماء الإسلام، وأن يبين لهم وجه الخطأ الذي وقعوا فيه لو وقعوا فيه، وهذا كثير عند من يحكم على العلماء. من ذلك أن الشيخ رحمه الله تعالى كان واعيًا ومدركًا أن الحق قد تتعرض لحملة تشويه كبيرة جدًا، خاصة المتعلقة في هذه المباحث: مباحث الأسماء والصفات، وكذلك مبحث القدر، وكذلك الإيمان. تصحيح هذه الأبواب يحتاج إلى حملة قوية جدًا ويحتاج إلى بيان كثير، ليس قليلًا بل بيان كثير.

والشيخ واعٍ ومدرك أن الإنسان ما يتأثر بالكلام العادي أو الكلام العام، إنما لا بد أن يكون مع الكلام قوة في الطرح. لذلك الذي يقرأ كلام الشيخ هنا لا ينتهي من هذه الرسالة -وهي صغيرة وموجزة- إلا وهو يشعر بقوة في طرح الشيخ، لماذا؟ لأن نفس طرح الشيخ كانت حاضرة فيه؛ ليس فقط استدلال شيخنا قوي، بل كذلك نفس طرحه، يعني قوة نفسه قوية جدًا في عبارات الشيخ، وهذه القوة النفسية الموجودة في كلام الشيخ تؤثر على القارئ وتؤثر على المستمع، وهذا أمر مقصود من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

لذلك، من الواهم جداً من يظن بأن طرحه لما يعتقد بأنه صواب، من غير أن تكون نفسه حاضرة معه في الطرح، أنه سيؤثر؛ لا، لن يؤثر كثيراً حتى لو كان حقاً. لماذا؟ لأن هذا هو الإنسان. فاطرح القول، لكن لابد أن يكون القول صحيحاً، اطرح بجزم، اطرح بقوة. أما إذا كنت دائماً تتردد، دائماً تسكت، دائماً تقول مسألة محتملة تطرحها هكذا، تطرح القولين ثم تقول أنت اختر، فهذا يكون في المسائل المشتبه أو المسائل العادية أو المسائل الظنية في الدين، لكن ما يكون في المسائل التي بها جزم أو التي بها قطع في الدين.

فالمسائل التي بها قطع والتي بها جزم، ما يكون الطرح بهذه الطريقة، إنما يكون الطرح بالقوة والوضوح والبيان. أما المسائل التي بها ظن، فيتعامل الشخص معها مثل ما يتعامل مع المسائل الظنية؛ فالمسألة الظنية هي باب الظن والمصيب له أجر، وليس القصد البت فيها إنما الاجتهاد، فالتعامل معها يكون أخف، وهذا أمر طبيعي جداً، لذلك لا يتم الاستقصاء فيها، والاستقصاء فقط موجود في زماننا هذا، لكن في الأزمنة السابقة لم يكن يتم التعامل معها بهذه الطريقة.

القصد من هذا أن هذه المسائل: علو الله سبحانه وتعالى، وإثبات كذلك صفة الاستواء، والنزول، والرؤية إلى آخره؛ هذه مسائل جزمية قطعية ليست مسائل ظنية. والشيخ سلك طرقاً في بيانها؛ الطريق الأول أنه أقام الحجة الدينية من خلال نفس النصوص، ومن خلال نفس الدوافع الموجودة عند أولى الناس بمعرفة الحق، وهم أصحاب النبي ﷺ. ثم بعد ذلك تدرج الشيخ وذكر اعتقاد أئمة السلف رضي الله عنهم ورحمهم، وسمّى هؤلاء العلماء.

ثم بعد ذلك استمر الشيخ وذكر أبا الحسن الأشعري، وذكر كذلك بقية العلماء الذين ذكرهم، وقصداً من هذا الذكر ليس الموافقة في كل ما يقولونه؛ فالشيخ يعلم بأن الحسن الأشعري، حتى مع رجوعه أو اقترابه من مذهب الحديث، لديه أخطاء، وكذلك مثلاً أبو إسماعيل الهروي الأنصاري وغيره كذلك من العلماء الذين ذكرهم. لكن قصد الشيخ هنا أن يبين بأن الحقل لم ينقطع، وبأن هذه المسألة كانت واضحة وبينة وجلية.

ولكن في هذا الزمان الذي نحن نعيش فيه الآن، في القرن السابع والقرن الثامن، استقر استقرار الباطل، وسبب استقرار الباطل هو أن القوة السياسية التي كانت تحكم الأمة الإسلامية دعمت هذا المذهب. ففي المشرق الأقصى وجدت دولة السلاجقة، وكان نظام الملك الطوسي يدعم الأشاعرة ضد المعتزلة، واستقر مذهبهم في المشرق الأقصى. ثم في المشرق الأدنى نشأت الدولة الزنكية وكذلك الدولة الأيوبية، وكذلك استقر معها المذهب الأشعري.

ثم في المغرب الأقصى جاءت دولة الموحدين، وكذلك استقر معها المذهب الأشعري. فاستمرار هذه الدول أو وجود هذه الدول في المشرق الأقصى والآدنى، وكذلك المغرب الأقصى، ثبت في هذه الأماكن هذا المذهب. ولكن قبل ذلك، هل هذا المذهب كان ثابتاً؟ لم يكن ثابتاً، إنما كان الثابت هو مذهب أهل الحديث، لكن لما دعمت القوة السياسية، السلطة السياسية هذا المذهب، طبيعي جداً بأنه يستقر؛ لأن هذه الدولة تملك أدوات التأثير، والدولة تستطيع أن تعيد تشكيل المجتمعات لو أرادت؛ الدولة تستطيع أن تذيب المجتمع ثم تعيد تشكيله كما تريد وكما تشاء.

إلا إذا وجد أمام الدولة عالم له ظهور، ليس عالماً عادياً، عالم لا ظهور له لن يؤثر، لكن عالم له ظهور كبير جداً كما كان حال مثلاً مع الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ فالإمام أحمد عالم كان له ظهور، هذا الظهور أوقف السلطة وما استطاعت السلطة أن تنشر مذهباً. لكن إذا لم يوجد هذا الظهور الكبير عند هذا العالم، وما وجد من يقف مع هذا العالم، طبيعي جداً بأن هذا القول ينتشر. ولما ينتشر هذا القول، في البداية يصدم العقول والناس تكون تعيش في صدمة، لكن مع طول الزمن وطول الأمد، نفس أتباع هذا العالم سيعتقدون قول المخالف لاعتقاد العالم، ولا يقول الشخص هذا الشيء، كيف؟ أقول لك: هذا هو الإنسان، هذا هو الأمر الطبيعي.

فالآن لما يأتي عالم من العلماء الكبار ويقول قولاً معيناً مثلاً عند الطلاب إلى آخره، هذا العالم يذهب، ينقسم الطلاب إلى أقسام؛ لما يطغى قول معين أو لما توجد قوة معينة ويتأولون، ثم بعد ذلك يتغير هذا، ثم بعد ذلك ينقلب التصور ويستقر الناس على الباطل. لذلك من رحمة الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة، بأن الله سبحانه وتعالى يبعث لها على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها. ومن ظن بأن التصورات من السهل أن يحافظ الشخص عليها، فهذا لا يعرف الإنسان، ولا يعرف طبيعة هذه التصورات وهذه المسائل.

فالتصورات لما تتصادم، أو المذاهب لما تتصادم؛ المذهب القوي يؤثر بالضعيف، وليس فقط القوي يؤثر بالضعيف، بل كذلك الضعيف يؤثر بالقوي؛ فالضعيف يروج بعض خطابه في عقول بعض من ينتصر هنا. يأتي دور المجدد الذي يقشع هذه التصورات الخاطئة عن الدين وعن الإسلام، ويستقر معه مذهب أهل السنة والجماعة، والله سبحانه وتعالى يختار في كل جيل من يجدد به الدين.

القسم من ذلك أن الشيخ هنا رحمه الله تعالى بين بأن هذه المسألة: علو الله سبحانه وتعالى، وكذلك استواؤه على عرشه، هي مسائل البينة الظاهرة الجلية بالنصوص الشرعية، وكذلك عند الصحابة الأجلاء، وكذلك عند التابعين واتباع التابعين وأئمة الإسلام إلى قبل زمان الشيخ بمدة يسيرة. أراد الشيخ أن يوصل هذا الانقطاع، وأن هذا الانقطاع ليس تاريخياً وطويلاً، إنما هو في مدة معينة وله أسباب.

ولهذا، فإن الشيخ هذا الاتصال بين، وبين وجه التأويل الذي وقع من بعض العلماء في تفسير مثلاً كلام الإمام مالك رحمه الله تعالى، أو كلام ابن أبي زيد القيرواني -وهو من أئمة المالكية كما تعرفون- وذكر كذلك ونقل عن ابن عبد البر، وكذلك أبو عمر الطلمنكي؛ ليبين أن المالكية لم يكونوا على هذا المذهب الذي يراه علماء المغرب اليوم، ففي زمان ابن تيمية كانوا يقولون بأقوال ويعتقدون مذهب أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، وهذا الاعتقاد ليس هو موافقاً لاعتقاد مالك بن أنس ولا لأتباع مالك بن أنس، إنما هو اعتقاد مخالف. ثم بعد ذلك ذكر الشيخ قول أبي الحسن الأشعري، لماذا ذكر كلام أبي الحسن الأشعري في...

تبيّن المقالات الإسلامية كذلك بأن أبا الحسن الأشعري وقع عليه التأويل. وأبو الحسن الأشعري مر -كما تعرفون- بالمرحلة الأولى، حيث كان على الاعتزال، وهذا باتفاق الأشاعرة وأهل العلم. ثم المرحلة الثانية انتقل إلى مذهب الحنابلة على قول، والقول الآخر بأنه اقترب من مذهب الحنابلة ولم ينتقل إليه انتقالاً تاماً وكاملاً، وهذا يمين له ابن تيمية وابن القيم. كذلك ومنهم من يقول: لا، بل انتقل كذلك إلى مذهب الحنابلة.

فمر بثلاث مراحل: المرحلة الأولى أنه كان معتزلياً، ثم المرحلة الثانية بأنه كان على مذهب الكلابية، ثم المرحلة الثالثة كان على مذهب أهل الحديث. وابن تيمية يرى بأنه ما لم يزل على مذهب ابن كلاب ولم ينتقل منه إلى مذهب الحديث، لكنه اقترب.

في هذه المسألة، مسألة الله سبحانه وتعالى، هو استقر على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيها، وبين بأن الله سبحانه وتعالى له العلو، وأن إنكار علو الله سبحانه وتعالى بعيد العقل وكذلك الفطرة، وكذلك النصوص قاضية فيه. ولكن الإشكال الذي وقع عند الأشاعرة هو أنهم إذا أثبتوا علو الله سبحانه وتعالى، فكأنهم أثبتوا لله سبحانه وتعالى مكاناً أو حيزاً، إلى آخره، تكون هذه عبارات مجملة.

هنا عرض ابن تيمية، أو ذكر ابن تيمية، على سبيل الاعتراض وليس على سبيل التفصيل والبيان، إنما الإجمال؛ فعرض فيها ابن تيمية وبين أن هذه العبارات المجملة تحتاج إلى بيان وتفصيل. وفصّل ابن تيمية فيها كثيراً في كتبه، خاصة في "بيان تلبيس الجهمية"، وابن تيمية عامة قشع الشبهات. وابن تيمية في رده على من أنكر علو الله سبحانه وتعالى، وتأول صفة النزول وكذلك الاستواء إلى آخره، سلك طرقاً عديدة جداً، فما بين كتب قصيرة ورسائل موجزة، مثل هذه الرسائل كافية في بيان الحق.

ولكن ابن تيمية اضطر أن يدخل معهم في معركة أطول من هذه، وأن يقشع جميع الشبهات الموجودة عندهم، ويبين وجه الخلل والخطأ الذي وقعوا فيه. وكان رد ابن تيمية علمياً عقلياً وكذلك نفسياً، بيّن فيه سبب انتشار هذه المذاهب عند الطلاب؛ أنهم كانوا يعظمون عندهم أسماء معينة، ثم طبيعي أن الإنسان لما يعظم عنده اسم معين هو يعتقد قوله، حتى لو لم يفهمه، بل يقول: إنه أفهم مني وأعلم مني، فإذا أنا ما استطعت أن أفهم هذا الكلام.

ابن تيمية هذا كله ذكره وبينه، ولم يجعل لمذهب الأشاعرة أي حجة أو دليل يقوم عليه هذا المذهب. ومن يقرأ كتب الإمام ابن تيمية وينظر كذلك في كتب المخالفين له ويمر عليها، سيظهر له الفارق الكبير جداً في الاستدلال بين ابن تيمية ومخالفيه رحمه الله تعالى، شيخ الإسلام، وجزاه الله عما قام به من نصرة الإسلام وبيان الحق. ولم يزل الحق ظاهراً وجلياً بعد المعركة التي خاضها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في بيان هذه المسائل مع المخالفين له من معتزلة وجهمية وأشاعرة.

إذن هذا بعض ما يتعلق بهذه الرسالة، وأتمنى منكم أن ترجعوا الآن بعد ما انتهينا منها إلى قراءتها مرة أخرى. هي رسالة موجزة تقرأ في أقل من ساعة، لكن في قراءتكم الآن أنا أجزم بأنكم سترون أشياء ما رأيتموها في المرة الأولى، في القراءة الأولى أو سماع القارئ قبل قليل، ممكن مرور سريع، لكن لما ترجعون الآن وتقرؤونها سيظهر لكم شيء من عقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وتسلسل ذهن ابن تيمية في طرحه المسائل وإجابته هذا السائل.

إذن هذا ما يتعلق بالتعليق على هذه الرسالة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.