الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحييكم إخواني جميعًا وأبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا.
نكمل التعليق على الرسالة المراكشية لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أو القاعدة المراكشية لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى. تفضل أستاذي.
قال رحمه الله: فصل. فإذا تبين ذلك، فوجوب إثبات العلو لله تعالى ونحوه يتبين من وجوه. أحدها: أن يقال إن القرآن والسنن المستفيضة المتواترة وغير المتواترة، وكلام السابقين والتابعين وسائر القرون الثلاثة، مملوء بما في إثبات العلو لله تعالى على عرشه، بأنواع من الدلالات، ووجوه من الصفات، وأصناف من العبارات.
تارة يخبر أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وقد ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع. وتارة يخبر بعروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إليه، كقوله تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: 4]، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10].
وتارة يخبر بنزولها منه أو من عنده، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 4]، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: 102]، وقوله: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: 1-2]، وقوله: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية: 1-2].
وتارة يخبر بأنه العلي الأعلى، كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]. وتارة يخبر بأنه في السماء، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 16-17]؛ فذكر السماء دون الأرض ولم يعلق بذلك ألوهية أو غيرها، كما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الزخرف: 84].
وكذلك قال النبي ﷺ: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟»، وقال للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وتارة يجعل بعض الخلق عنده دون بعض، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: 19]، ويخبر عمن عنده بالطاعة كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]. فلو كان مقتضى "عندية" معنى عامًا، كدخولهم تحت قدرته ومشيئته، لكان كل مخلوق عنده، ولم يكن أحدًا مستكبرًا على عبادته، بل مسبحًا له ساجدًا، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]، ووصفه ووصف الملائكة بذلك ردًا على الكفار المستكبرين عن عبادته.
وأمثال هذا في القرآن لا يحصى إلا بكلفة، وأما الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين فلا يحصيها إلا الله تعالى. فلا يخلو إما أن يكون ما اشتركت فيه هذه النصوص من إثبات علو الله، من إثبات علو الله نفسه على خلقه، أو الحق نقيضه. فإذًا الحق لا يخرج عن النقيضين؛ فإما أن يكون نفسه فوق الخلق، أو لا يكون فوق الخلق كما تقول الجهمية.
ثم تارة يقولون: لا فوقهم ولا فيهم، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين ولا محايث، وتارة يقولون: هو بذاته في كل مكان. وفي المقالتين كلتيهما يدفعون أن يكون هو نفسه فوق الخلق؛ فإما أن يكون الحق إثبات ذلك أو نفيه. فإذا كان نفي ذلك هو الحق، فمعلوم أن القرآن لم يبين هذا قط، لا نصًا ولا ظاهرًا، ولا الرسول ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، ولا أئمة المذاهب الأربعة ولا غيرهم. ولا يمكن لأحد أن ينقل عن واحد من هؤلاء أنه نفى ذلك أو أخبر به، وأما ما نقل من الإثبات عن هؤلاء فأكثر من أن يحصى أو يحصر.
فإذا كان الحق هو النفي دون الإثبات، والكتاب والسنة والإجماع إنما دل على الإثبات ولم يذكر النفي أصلًا، لزم أن يكون الرسول والمؤمنون لم ينطقوا بالحق في هذا الباب، بل نطقوا بما يدل إما نصًا وإما ظاهرًا على الضلال والخطأ المناقض للهدي والصواب. ومعلوم أن من اعتقد هذا في الرسول والمؤمنين فله أوفر الحظ من قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].
فإن قال القائل: إذا كانت هذه النصوص أريد بها خلاف ما يفهم منها، أو خلاف ما دلت عليه، أو أنه لم يرد إثبات علو الله نفسه على خلقه وإنما أريد بها علو المكانة ونحو ذلك كما قد بسطنا الكلام عليه في غير هذا الموضع؛ فيقال له: فكان يجب أن يبين الناس الحق الذي كان يجب التصديق به باطنًا وظاهرًا، بل يبين لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يرد به مفهومه ومقتضاه. فإن غاية ما يقدر أنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة والباطل المخالف للظاهر، ومعلوم باتفاق العقلاء أن المخاطب إذا تكلم بمجاز، فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي.
فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم، يعلم أن المراد خلاف مفهومه ومقتضاه، كان عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد، لا سيما إذا كان باطلاً ولا يجوز اعتقاده في الله؛ فإن عليه أن ينهاهم عن اعتقاده في الله ما لا يجوز اعتقاده إذا كان ذلك مخوفًا عليهم ولو لم يخاطبهم بما يدل على ذلك، فكيف إذا كان خطابه هو الذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذي هو اعتقاد باطل؟
نعم، أحسنت. الآن الشيخ رحمه الله تعالى انتقل بعدما بين سبب اختلاف الصحابة في التفسير -قلنا اختلاف عامة من باب اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد- انتقل الآن إلى إثبات علو الله سبحانه وتعالى. وصفة العلو هي من الصفات الكبار التي يتعلق بها مجموعة من الصفات، كصفة النزول وصفة الرؤية وكذلك الاستواء؛ فصفة العلو هي الصفة الأم لهذه الصفات، فمن أنكر علو الله سبحانه وتعالى لابد أن يضطرب في بقية الصفات المتعلقة بها.
وصفة العلو هي صفة عقلية، نقلية، فطرية؛ أي أن أصحاب الفطرة السليمة يثبتونها، وأصحاب العقول السليمة الفطرية يثبتونها، وكذلك بالنقل جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة جدًا التي لا يحصيها الشخص إلا بكلفة كما ذكر الشيخ في إثبات علو الله سبحانه وتعالى. وصفة العلو هي من الصفات التي إذا خالف الشخص فيها يكون مخالفًا لمنهج أهل السنة.
والجماعة، وليس مثل الصفات التي يكون الاستدلال بها ضعيفًا مثل صفة الظل وغيرها من الصفات، هنا المخالف قد لا يكون خارجًا عن معتقد أهل السنة والجماعة، ليس خارجًا عن مذهب أهل السنة والجماعة، لكن الصفات البينة الظاهرة مثل العلو، فالذي يخالف فيها هذا خارج عن معتقد أو خارج عن مذهب أهل السنة والجماعة أهل الحديث.
والعلماء يتفقون وينقل الإجماع جماعة، ابن خزيمة وكذلك قبله أبو حنيفة ينقل عنه الإجماع بأن الذي ينفي علو الله سبحانه وتعالى كافر. ومع ذلك نجد بأن الكثير من المنتسبين إلى الإسلام من الطوائف والفرق ينفون صفة العلو. والعلو لما نأتي عند هذه الصفة يتفق علماء الإسلام بشتى مذاهبهم ممن يعظم الله سبحانه وتعالى ويعتقد صحة طريق النبي عليه الصلاة والسلام بإثبات علو الصفات.
إثبات علو الصفات ينقسم إلى قسمين: علو القهر وعلو القدر، لكن علو الذات هنا التي تكون بها المشكلة، وهنا المحك في الخلاف مع الأشعرية وكذلك المعتزلة ومن ينطلق من منطلق الجهمية في التعامل مع الصفات. لماذا أنكر الأشعرية وكذلك المعتزلة صفة العلو؟ لماذا أنكروها؟ أنكروها وتأولوها لعدة أسباب عندهم، ولكن المحصل النهائي عندهم هو إنكار أن الله سبحانه وتعالى في جهة، العلو في جهة، في مكان، ثم وقع عندهم هذا الاضطراب الكبير في التعامل مع هذه الصفة.
هل الآن المخالف في هذه الصفة يكون كافرًا؟ نعم، نقول بأنه نفي العلو كفر، ولكن هل كل من ينفي العلو هو بذاته كافر وبعينه كافر؟ هنا نحتاج إلى النظر في سبب نفيه وهل التأويل قوي عنده أم لا؟ وهذا له شرح. القسم من ذلك أن الإمام ابن تيمية هنا لما تقرأون في كلامه تجدون بأن كلامه واضح وبين، ويذكر أحيانًا أشياء يتعجب الشخص من ذكرها.
مثلاً هنا لما ذكر: «ومعلوم أن من اعتقد هذا في الرسول والمؤمنين فله أوفر حظ من قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ﴾ [النساء: 115]». لماذا يذكر مثل هذه الكلمات؟ شيخ الإسلام هذا أمر لا يتعمد أحد من هؤلاء الذين يقصد ابن تيمية الرد عليهم اتهام النبي عليه الصلاة والسلام أو الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، لكن الإشكال هو في التأويل.
فالمرور الآن على كلام الصحابة وقبل ذلك كلام النبي عليه الصلاة والسلام أصبح من خلال عقل ليس هو العقل الذي صنعه الكتاب الذي نزل على النبي عليه الصلاة والسلام والذي علم الصحابة، وهنا وقعت المشكلة. فهنا لما ينظر الشخص إلى نصوص شرعية ثابتة في العلوم يؤلها كلها ولا يبالي. وابن تيمية يريد أن يرسخ ويثبت هذا المعنى؛ هذا المعنى قد يكون مستقرًا صوريًا لكن ليس مستقرًا حقيقيًا.
لذلك إذا أردت أن تقيم أي مذهب من المذاهب أو أي عقيدة أو أي فرع حتى من الفروع، لا بد أن تقيم قبله الشخص الذي من خلاله تستقيم له هذا الأمر، لا بد أن تهدم الطريق الذي يتكئ عليه من يؤول. والآن الخطاب ليس خطابًا فقط مع من كان في مثال الرازي مثلاً أو الغزالي، لا، حتى مع الأفراد؛ لأن ابن تيمية الآن يريد أن يقيم الحجة على الجميع، وهؤلاء يختلفون في تقبلهم للحجة واستجابتهم وفهمهم لها.
فابن تيمية يريد أن يهدم التعظيم الموجود عندهم. وابن تيمية ذكر الجهمية بأن هؤلاء الأشعرية إذا كان الطالب منهم يريد أن يطلب العلم يعظم عنده أسماء معينة، فلما تعظم هذه الأسماء طبيعي جدًا أن الشخص يتقبل الكلام الذي يقولونه من غير أن يفكر به، فكلما يأتي كلام عن ابن عباس مثلاً أو عن عمر أو عن فلان وفلان من الصحابة الأجلاء، وفي المقابل يقوله فلان من المعظمين، هو مباشرة يتأول كلام الصحابة من أجل كلام أو فهم الذين عظموه. فابن تيمية يريد أن ينفي هذا التعظيم كله الذي عبر هذه القرون الثلاثة، يريد أن يكسره.
لذلك هو كثيرًا ما يذكر حديثًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام مريد وكذلك ناصح وكذلك عنده القدرة، يعني اجتمعت فيه الصفات التي يستطيع من خلالها أن يوصل الحق بأفضل طريق. ثم بعد ذلك يأتي الصحابة، ثم بعد ذلك يأتي بالتسلسل التاريخي وينظر من من علماء الإسلام وافق في هذا الاعتقاد يذكره، قد لا يكون هذا العالم مستقيمًا في جميع أقواله على مثل ما جاء عن السلف الصالح، ولكنه يذكره لبيان أو لهدم الصور الموجودة في ذهن الذي يتلقى.
وهكذا فابن تيمية واعي ومدرك لهذا الأمر، لذلك هو لما يكتب يكتب بناء على فهمه للقارئ؛ هذا القارئ كيف يفهم الكلام وكيف سيتقبل الكلام؟ فهو يدخل عليه من خلال هذا المدخل، لذلك تجد ابن تيمية عنده كتب كبار ووسائل صغار، وتجد ابن تيمية يشرح المعاني، وأحيانًا يظهر ابن تيمية نوع من التفوق العقلي والتفوق المعرفي والضوء، هذا كله مقصود عند شيخ الإسلام ليس لذاته إنما ليؤثر بك أيها القارئ.
ابن تيمية يفهم الذكي ويفهم العادي ويفهم المتوسط، فهو يريد أن يقيم الحجة بأبلغ طريق، وهنا الآن يأتيك بنصوص واضحة وبينة: لماذا النصوص الواضحة والبينة لا تتعاملون معها كما هي واضحة وبينة؟ كيف يصبح النص الواضح البين، والذي يوافق العقل الفطري والعقل البسيط المباشر وكذلك الفطرة، كيف مثل هذا يتم تأويله؟ إذا كان هذا يتم تأويله فلا يبقى شيء، لن تستطيع أن تبين أي حقيقة من الحقائق.
إذا كانت هذه الأمور بينة وواضحة ستتعامل معها بهذه الطريقة، وهذا أمر مهم جدًا أن يستوعبه من يؤلف ومن يشرح ومن يتكلم حتى يعرف كيف يخاطب الذي أمامه. فبعض الناس يحتاج أن تخاطبه بمثل خطاب ابن تيمية في رد المنطقيين وفي الدرء، وبعض الناس الخطاب كله خطأ أن تطلعه عنده، بل يكون الخطاب مثل خطاب الحموية وغيرها من كتب ابن تيمية اليسيرة والواضحة والبينة. فلا بد أن يستوعب الشخص طريقة الحوار والكلام ويعرف كيف يوصل الحقيقة.
صفة العلو مثل ما ذكرت يتم إقامتها من خلال ثلاثة طرق: الأول النقل وهذا هو الأصل، طبعًا الصفات لا تثبت إلا بالنقل، ولكن هي مع النقل، والنقل هنا موافق للعقل. بعض الصفات تكون خبرية محضة مثل الاستواء، يعني هل العقل يثبت الاستواء؟
ينفي الاستواء؟ لا. واضح؟ لكن صفة العلو ثابتة، والعقل يثبتها، لكن هل توجد صفة عقلية أثبتها العقل ولم يأتي بالنص؟ لا يوجد.
واضح؟ الصفات إما أن تكون سمعية عقلية، أو تكون سمعية خبرية محضة؛ مثل صفة الاستواء مثلاً، فصفة الاستواء صفة خبرية، بخلاف صفة العلو فهي صفة خبرية عقلية فطرية.
هنا استدل ابن تيمية في البداية بالنقل، فبدأ بالآيات، واستدل ابن تيمية -ومن عادته لما يسرد الآيات ما يحرص على الترتيب- شيخ الإسلام ليس من العلماء الذين يحرصون على أن يرتب على ترتيب كلامهم، بخلاف ابن القيم؛ ابن القيم يرتب، ويحرص أن يعطيك الجواب بطريقة مرتبة ومفصلة، أما ابن تيمية أبداً ليس بهذه الطريقة، ابن تيمية يجري به قلمه؛ لماذا؟ لأن قلمه خاضع لعقله.
وهنا فائدة نفيسة جداً نضعها تحت الهامش، وهي أن الكتاب ينقسمون إلى قسمين: قسم منهم يعتني كثيراً بالتفنين، وقسم منهم لا يعتني بالتفنين إنما يعتني بإيصال الحقيقة كما هي. من أفضل القسمين؟ هل القسم الأول أو الثاني؟ الذي يميل للتفنين يميل إلى الذي يقسم ويرتب، والذي لا يميل يقول كذا. هنا لا نريد أن ندخل في الميل، إنما نريد أن ننظر إلى نفس معنى الحقيقة.
العالم عندما تأتي عند حقيقة ثقيلة، هذه لما تبالغ في تقسيمها وترتيبها لابد أن يذهب شيء منها شئت أم أبيت؛ لماذا؟ من الذي يعرف؟ لما تأتي عند حقيقة صورتها صورة دائرة، والتفنين والتقسيم والترتيب هو عبارة عن تجزئة، فالتجزئة ستبقى أجزاء صغيرة، وهنا ما تستطيع أن توصلها كما هي، طبعاً هي موجودة بهذه الدائرة، ولكن المعنى لما تريد أن تضع فوق القاعدة وتضع معه ضابطاً وتضع معه كذا وكذا، أنت الآن حصرت المعنى وخنقته، وضعته ولكن خنقته.
فهنا تقع عند الشخص إذا وقف عند الترتيب والتقسيم مشكلة، لكن لو أخذها كما هي باصطلاحها من غير أن يتعامل معها بصرامة، هنا ما يكون خنق المعنى. واضح؟ ابن تيمية من النوع الذي لا يحرص كثيراً، هو يرتب لكن لا يبالي، الترتيب يكون معه غير متكلف، ترتيب ابن تيمية في سياقه وليس متكلفاً عند شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
الترتيب المتكلف لا بد أن يجعل الشخص يسهل له لكن يقع عنده إشكال؛ لأنه يريد أن يضع ضابطاً لكل شيء، وكثير من المعاني تكون هكذا، الشخص يصل إليها فيفهمها، لكن بعد ذلك كيف يخرجها؟ هنا الإخراج لهذا المعنى المستكن في نفسه يحتاج إلى كلام أو إلى كتابة أو إلى حديث طويل حتى يوصل لك المعنى، لكن بنفس الترتيب والتقسيم يقربه لك، يقربه لكن ما يوصله مئة بالمئة.
لذلك نجد ابن تيمية -حتى تعرفون معنى كلامي الآن- انظروا للكتاب المعاصرين كثير منهم يريد أن ينظر إلى علاقة المسائل بعضها في بعض، وهذا ابن تيمية ما في كتاب له وضحها فيه، ولا ابن تيمية يحرص أن يبينه. يعطيكم مثالاً: الآن لما تأتي مثلاً عند مبحث القضاء والقدر وتجد مبحث الصفات، قضية التحسين والتقبيح العقليين متعلقة بالقضاء والقدر أو بمبحث الصفات؟ الأصل قضاء وقدر، وهي تدخل في هذا وفي هذا وفي غيره كذلك.
لكن كيف تربط الآن بين هذين المبحثين بهذه المسألة؟ كيف تستطيع أن تحدد منزلة هذه القضية في هذين المبحثين؟ ما تجد ابن تيمية قد ألف كتاباً فيه، هو موجود في كتبه لكنه ما ألف كتاباً فيه. تجد المعاصرين لما يدونون الآن تأليفاً في مبحث التحسين والتقبيح، تجدهم يكثرون ويحشدون كلام ابن تيمية ويحاولون الوصول إلى كذا وكذا لكن يقفون عند نقطة معينة، وهذا موجود في عقل الإمام، يعني هذا المعنى.
طيب، هل ممكن شخص يفهم من غير أن يؤلف فيه؟ ممكن، إذا كان يستنطق كلام الشيخ ويقترب من الحقيقة التي توصل إليها الشيخ، وعلى هذا المثال فليقس، وهذا كثير. الآن لما تأتي مثلاً بحد العقل في مبحث الأسماء والصفات؛ فمثلاً عندما يقول ابن قدامة مثلاً في رده على الأشعرية في حكاية الصراط المستقيم، في إثبات أن حرف الكلام قديم النوع، يقول بأنه يثبت صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، ولكن كلام قديم النوع، لكن لا يثبت حادث الأحاد.
لماذا؟ كيف يكون الكلام قديم النوع ولا يكون حادث الأحاد؟ هذا يلزم منه كذا وكذا، مثل أنهم يستدلون عليه بالتعاقب والاقتران، كيف أن الكلام بالباء والسين والميم تكون هكذا مرة واحدة؟ يقولون كما أن الله يحاسب الخلق يوم القيامة مرة واحدة، فإذاً هنا نؤمن به، هنا دخلنا في محالات العقول. ابن تيمية ما يقع بهذا، وضح الصورة، فهنا تكون استخدمت العقل بطريقة ليست صحيحة؛ لأنك الآن أغلقت العقل، كيف تستطيع أن تحتج على النصراني لما يقول 1 + 1 + 1 يساوي ثلاثة، هو يقول واحد، أنت تقول إن هذه محالات؟ لا يمكن إذا أغلقت باب العقل.
طيب، إذا فتحت المجال للعقل وأخذت أن إدخالك للعقل لا يكون مبنياً على التشهي؛ مثال: الآن صفة الظل لله سبحانه وتعالى، من أنكر صفة الظل منهم من قال بأنه يلزم منه وجود الشمس فوق الله، قال الله سبحانه وتعالى، فهنا يكون إثبات الظل بالـ... إذا نفى صفة الظل بالعقل فهذا مستحيل لا يمكن، فنفى هذه الصفة. أما من أثبتها فيقول لا يلزم، كما أن الجنة لا يوجد بها شمس، ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: 13]، فكذلك لا يلزم، فمن وجود هذا الشيء.
فهنا إدخال وإخراج، متى يدخل ومتى لا يدخل؟ ضبط هذه المسائل هكذا بالمسطرة صعب، يكون من خلال القراءة والعيش حتى صورة الحقيقة هذه تنطبع عندك، فتفهم متى تدخل ومتى لا تدخل. نعم، هذا بعض ما يتعلق، وقبل ذلك أننا الآن الإمام رحمه الله تعالى...
بدأ بذكر الآيات وكذلك الأحاديث التي تدل دلالة واضحة وبينة وجلية على أن الله سبحانه وتعالى في العلو. ثم بعد ذلك، بعد ما انتهى من ذكر بعض الآيات والأحاديث وعظم بذلك، وقبل ذلك كذلك بيان النبي عليه الصلاة والسلام واختلاف الصحابة؛ ما كان متعلقًا بالصفات، وإنما اختلاف الصحابة كان في كذا وكذا.
ويريد أن يغلق الآن الأبواب التي انتشرت عند المتأخرين، أو الشبهات الكثيرة التي لا تنتهي. لذلك ابن تيمية كان يرحم من يناقشه؛ لأنه يعرف بأن في عقله مئة شبهة. ليست كلها شبهة، بل شبهة أن الصحابة اختلفوا، وشبهة أن بعض مباحث الصفات يدخل فيه المشتبهات، هذا كله شبهة، وليست شبهة عقلية صرفة، يعني ليست شبهة متعلقة بعلم الكلام، فهذا طبعًا دليل الحدوث والتركيب، هذا شيء آخر. لكن البسطاء ما عندهم هذا، إنما عندهم أن هذا يدخل في المشتبهات، فإذا نحن نثبت هذا وهكذا، ويكون التأويل في آية بنص.
فابن تيمية واعي ومدرك لكثرة الشبهات التي انتشرت، حتى أصبح الوصول للحق صعبًا جدًا بسبب وجود كثرة هذه الشبهات. وابن تيمية يريد أن يؤصل أصلًا ويكون هذا التأصيل قويًا عند المتلقي بأن الدين كمل، والنبي ﷺ بين الدين، وكيف يكتمل بيان بالإرادة والنصح والقدرة؟ فالإرادة والنصح والقدرة للنبي عليه الصلاة والسلام كانت في الذروة، والصحابة تلقوا وتقبلوا.
ابن تيمية يريد أن يؤصل أصلًا يقشع المئة شبهة الموجودة في طريق الوصول إلى الحق في هذا. ومع هذا كله ابن تيمية وضح وبين، ولكن مع هذا كله المخالفون ما احتملوا هذا؛ لذلك هو ذكر بعد ذلك وأدخل مبحث النفس. ابن تيمية بذلك يناقش نقاشًا عقليًا، لكن بعد ذلك قال: شبهات مقرونة بشهوات. بدأ بالحموي، ثم جاب الرد على الجهمية، ثم ألف بيان تلبيس الجهمية، وذكر بأن هؤلاء لا يستقلون بأصولهم، وأن المشكلة ليست عقلية صرفة، إنما معها شهوة.
هناك حظ نفسي، ليس تجردًا تامًا للحق، لو كان تجردًا تامًا للحق لانقادوا، ولكن بسبب وجود حظ نفسي هذا الحظ النفسي يمنع من الاستجابة التامة. لكن الكفار لماذا كفروا؟ لأن الحظ النفسي ليس إلى حد الكفر، ليس إلى حد رد الدين، إنما تأويل الدين؛ فرق بين هذا وبين هذا. لذلك لما يكون في سياق إقامة الحق ابن تيمية يشد، ويسفه، ويجهل، ولكن لما يكون في سياق العذر ابن تيمية يرحم. هذا الأمر مهم جدًا نستوعبه من شيخ الإسلام رحمه الله رحمة واسعة.
ثم قال بعد ذلك: فإذا لم يكن في الكتاب ولا في السنة ولا كلام أحد من السلف ولا أئمة ما يوافق قول النفاة أصلاً، بل هم دائمًا لا يتكلمون إلا بالإثبات، امتنع حينئذٍ أن لا يكون مرادهم الإثبات، وأن يكون النفي هو الذي يعتقدونه ويعتمدونه وهم لم يتكلموا به قط ولم يظهروه، وإنما أظهروا ما يخالفه وينافيه. وهذا كلام مبين لا مخلص لأحد عنه، لكن الجهمية المتكلمة هنا كلام، والجهمية المتفلسفة كلام.
أما المتفلسفة والقرامطة فيقولون إن الرسل كلموا الخلق بخلاف ما هو الحق، وأظهروا لهم خلاف ما يبطنون، وربما يقولون إنهم كذبوا لأجل المصلحة العامة، فإن المصلحة العامة لا تقوم إلا بإظهار الإثبات وإن كان في نفس الأمر باطلاً، وهذا فيه من الزندقة البينة والكفر الواضح، وقول متناقض في نفسه. فإنه يقال: لو كان الأمر كما تقولون والرسل من جنس رؤسائكم لكان خواص الرسل يطلعون على ذلك، ولكانوا يطلعون خواصهم على هذا الأمر، فكان يكون النفي مذهب خاصة الأمة وأكملها عقلاً وعلمًا ومعرفة، والأمر بالعكس.
فإن من تأمل كلام السلف والأئمة وجد أعلم الأمة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبي بن كعب وأبي الدرداء وأبو عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأمثالهم، هم أعظم الخلق إثباتًا. وكذلك أفضل التابعين مثل سعيد بن المسيب وأمثاله، والحسن البصري وأمثاله، وعلي بن الحسين وأمثاله، وأصحاب ابن مسعود وأصحاب ابن عباس وهم من أجل التابعين. بل نقول عن هؤلاء في الإثبات يجبن عن إثباته كثير من الناس.
وعلى ذلك تأول يحيى بن عمار وصاحبه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري ما يروى أن: «من العلم كهيئة مكنون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله، فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله». تأولوا ذلك على ما جاء من الإثبات، لأن ذلك ثابت عن رسول الله ﷺ وسابقيه والتابعين لهم بإحسان، بخلاف النفي فإنه لا يوجد عنهم ولا يمكن حمله عليه.
وقد جمع العلماء الأحاديث المنقولة عن السلف في الإثبات ما لا يحصى، عده إلا رب السماوات، ولم يقدر أحد أن يأتي عنهم في النفي بحرف واحد، إلا أن يكون من الأحاديث المخترقة التي ينقلها من هو من أبعد الناس عن معرفة كلامهم. ومن هؤلاء من يتمسك بمجملات سمعها، بعضها كذب وبعضها صدق، مثل ما ينقلونه عن عمر أنه قال: "كان النبي ﷺ وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما"، فهذا كذب باتفاق أهل العلم بالأثر، وبتقدير صدقه فهو مجمل؛ فإذا قال أهل الإثبات كان ما يتكلمان فيه من هذا الباب لموافقته ما نقل عنه، ما كان أولى من قول النفاة أنهما يتكلمان بالنفي؟
وكذلك حديث جراب أبي هريرة لما قال: «حفظت عن رسول الله ﷺ جرابين، أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته لقطعت هذا البلعوم». فإن هذا حديث صحيح لكنه مجمل، وقد جاء مفسرًا أن الجراب الآخر كان فيه حديث الفتن والملاحم، ولو قُدر أن فيه ما يتعلق بالصفات فليس فيه ما يدل على النفي. والثابت المحفوظ من أحاديث أبي هريرة، كحديث إتيانه يوم القيامة، وحديث النزول والضحك وأمثال ذلك، كلها على الإثبات، ولم ينقل عن أبي هريرة حرف واحد من جنس قول النفاة.
وأما الجماعة المتكلمة فيقولون: "إن القرينة الصارفة لهم عما دل عليه الخطاب هي العقل"، فاكتفوا بالدلالة العقلية الموافقة لمذهب النفاة. ويقال لهم أولًا: فحينئذ إذا ما إذا...
كان ما تكلم به إنما يفيد مجرد الضلال، وإنما يستفيدون الهدى من عقولهم. كان الرسول ﷺ قد نصب لهم أسباب الضلال، ولم ينصب لهم أسباب الهدى، وحالهم في الهدى على نفوسهم. فيلزم على قولهم أن تركهم في الجاهلية خير لهم من هذه الرسالة التي لم تنفعهم، بل ضرتهم.
ويقال لهم ثانيًا: فالرسول ﷺ قد بين الإثبات الذي هو أظهر في العقل من قول النفاة، مثل ذكره لخلق الله وقدرته ومشيئته وعلمه، ونحو ذلك من الأمور التي تعلم بالعقل أعظم مما يعلم نفي الجهمية. وهو لم يتكلم بما يناقض هذا الإثبات، فكيف يحيلهم على مجرد العقل في النفي الذي هو أخفى وأدق؟ وكلامه لم يدل عليه، بل دل على نقيضه وضده. ومن نسب هذا إلى رسول الله ﷺ فالله حسيبه على ما يقول.
والمراتب الثلاث إما أن يتكلم بالهدى أو بالضلال أو يسكت عنهما، ومعلوم أن السكوت عنهما خير من التكلم بما يضل. وهنا يعرف بالعقل أن الإثبات لم يسكت عنه بل بينه، وكان ما جاء به السمع موافقًا للعقل. فكان الواجب فيما ينفيه العقل أن يتكلم فيه بالنفي كما فعل فيما يثبته العقل، وإذا لم يفعل ذلك كان السكوت عنه أحسن منه. أما إذا تكلم فيه بما يدل على الإثبات، وأراد منهم أن لا يعتقدوا إلا النفي لكون مجرد عقولهم تعرفهم به، فإضافة هذا إلى الرسول ﷺ من أعظم أبواب الزندقة والنفاق.
ويقال لهم ثالثًا: من الذي سلم لكم أن العقل يوافق مذهب النفاة؟ بل العقل الصريح إنما وافق ما أثبته الرسول ﷺ، وليس بين المعقول الصريح والمنقول الصحيح تناقض أصلًا. وقد بسطنا هذا في مواضع بينا فيها أن ما يذكرون من المعقول المخالف لما جاء به الرسول ﷺ إنما هو جهل وضلال تقليد متأخرهم عن متقدمهم، وسموا ذلك عقليات وإنما هي جهليات. ومن طلب منهم تحقيق ما قاله أئمة الضلال بالمعقول، لم يرجع إلى مجرد التقليد إلا إلى مجرد تقليدهم.
وهم يكفرون بالشرع ويخالفون العقل تقليدًا لمن توهموا أنه عالم بالعقليات، وهم مع أئمتهم الضلال كقوم فرعون حيث قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: 54]. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 40-42]. وفرعون هو إمام النفاة.
ولهذا صرح محققو النفاة بأنهم على قوله، كما يصرح به الاتحادية من الجهمية النفاة، إذ هو أنكر العلو وكذب موسى فيه وأنكر تكريم الله لموسى. قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: 36-37].
والله تعالى قد أخبر عن فرعون أنه أنكر الصانع بلسانه فقال: «وما رب العالمين؟»، وطلب أن يصعد ليطلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبره أن إلهه فوق لم يقصد ذلك، فإنه لم يكن مقررًا به. فإذا لم يخبره به موسى لم يكن إثبات العلو لا منه ولا من موسى، فلا يقصد الاطلاع ولا يحصل به ما قصده من التلبيس على قومه بأنه صعد إلى إله موسى، ولا كان صعوده إليه كنزوله إلى الآبار والأنهار وكان ذلك أهون عليه، فلا يحتاج إلى التكلف.
ونبينا ﷺ لما عرج به ليلة الإسراء وجد في السماء الأولى آدم عليه السلام، وفي الثانية يحيى وعيسى، ثم في الثالثة يوسف، ثم في الرابعة إدريس، ثم في الخامسة هارون، ثم وجد موسى وإبراهيم، ثم عرج إلى ربه وفرض عليه خمسين صلاة، ثم رجع إلى موسى وقال: «ارجع إلى ربك واسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك»، قال: «فرجعت إلى ربي فسألته التخفيف لأمتي». وذكر أنه رجع إلى موسى ثم رجع إلى ربه مرارًا فصدق موسى، فصدق موسى في أن ربه فوق السماوات، وفرعون كذب موسى في ذلك، والجهمية النفاة موافقون لآل فرعون أئمة الضلال، وأهل السنة والإثبات موافقون لآل إبراهيم أئمة الهدى.
إذًا الآن الإمام رحمه الله تعالى بعد ما استدل بصحة دليل أهل الحديث على أن الله سبحانه وتعالى في العلو، وبعد ذلك ذكر بأن هؤلاء الأمم ينكرون علو الله سبحانه وتعالى بناءً على اعتقادهم بأن الدليل العقلي يقضي على هذا القول؛ فالآن لما تتكلم في كلام معين ثم بعد ذلك يكون عند المتلقي اعتقاد جازم بأنك ما تقصد هذا المعنى، فإذن هذا الكلام سينصرف مباشرة إلى المعنى الثاني ويكون كالنص على المراد وإن كان الكلام بأصله محتمل.
فالشيخ هنا ماذا يقول شيخ الإسلام؟ يقول بأن هؤلاء الذين يريدون نقل الكلام من الحقيقة إلى المجاز دليلهم في هذا العقل، لكن ابن تيمية يخالف ويقول: أين العقل؟ أو ما هو العقل الذي يتم نقل كلام النبي ﷺ الواضح البين في علو الله سبحانه وتعالى عليه بأن المراد به علو الصفات أو علو المكانة أو علو القدر وليس علو الذات؟ ما هو الدليل؟ بل العقل أصلًا يجزم بأن الذي قاله النبي ﷺ في الإثبات هو المراد، ولا يوجد ما يدل على خلاف ذلك.
إنما هؤلاء يستدلون بالعقل، وهنا ابن تيمية يشن حملة شرسة وكبيرة على من يقول بالمجاز، وذكرنا هذا في تلك الرسالة المدنية بأن شيخ الإسلام ينفي المجاز الذي يكون القاضي فيه والحاكم عليه هو العقل الصناعي. يعني ابن تيمية يقول: الآن نقلت هذا الكلام من هذا المعنى إلى هذا المعنى، هذا اللفظ قلته في سياق فنقلته من كذا إلى كذا، نقلته بناءً على ماذا؟ المرجعية في الحكم هنا إلى ماذا؟ هل الدين شرع أو لغة أو العقل؟ هل رجعت الآن إلى نفس المعاني الشرعية تنفي صحة هذا المعنى فيكون هذا الحديث يراد به كذا؟ أو اللغة تدل على أن العرب تقول هذا بهذا السياق ويكون قصدها كذا؟ أو العقل؟ ابن تيمية يريد أن يغلق الباب المتعلق بالعقل الكلامي؛ الشخص الذي صنع عقله من خلال علم الكلام، ومن خلال الفلسفة، ومن خلال المنطق، من خلال هذه الثلاثة اجتمعت وشكلت عقل هذا الشخص. فهذا الإنسان الذي اعتقد بدليل الحدوث، واعتقد بدليل التركيب، واعتقد بهذه...
الأدلة الكلامية، هذا بمجرد أن يأتيه نص فيه إثبات صفة تخالف ما استقر في عقله من صفات، هذا الدليل المباشر عقله سينفيها. ثم بعد ذلك سيبحث عن دليل من اللغة ويستدل به، وإن كان في العقل هو ما استدل به، إنما استدل بنفس عقله. فأصبح الحاكم هنا في المجاز ليست اللغة، إنما العقل. لكن أي عقل؟ الكلامي.
هنا ابن تيمية يريد أن يغلق هذا الباب، يقول بأن هذا العقل الذي تزعمون بأنه عقل ليس هو عقل عمر، ليس هو عقل عثمان. لما كان عمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة يسمعون هذه الآيات وأحاديث النبي ﷺ، ما كانوا يفهمون منها الذي تفهمونه. لماذا ما كانوا يفهمون الذي تفهمونه؟ لأن في مشكلة كبيرة عندكم في هذا الطريق، وهذا العقل أو هذه النظارة التي من خلالها تنظرون إلى الشرع. إذا انزعوا هذه النظارة حتى تنظروا إلى المعنى كما هو، ليس كما أنتم تتوهون.
وابن تيمية له ردود طويلة وكثيرة ومناقشات عظيمة وشريفة مع هؤلاء، تدل على براعة هذا الرجل وعلى وصوله إلى درجة عالية جداً في فهم طريقة تلقي هؤلاء للدين. وهذا كله يقوم على فهمه هو لطبيعة الإنسان. هذا الإنسان كائن ضعيف إذا تلقى شيئاً معيناً لمدة طويلة يصنع عقله بناءً على تلقيه، فبعد ذلك ينظر إلى كل شيء في الوجود بناءً على ما هو موجود في ذهنه. المعيار يتشكل عنده بعد عشر سنوات من خلال تلقيه في هذه المدرسة أو في هذا المكان، خلاص أصبح الآن يرى إلى هذه الأشياء بناءً على فهمه للحياة والوجود. ابن تيمية هذا كله مدركه.
هنا يريد أن يقرر شيئاً معيناً حتى يهدم عندك هذا، ثم ممكن يدخل معك في نقاش تفصيلي فيما تعتقده. وإن كان هو لا يريد أصلاً ولم يكن قاصداً في بداية رده على الأشعرية الدخول في هذه المناقشات، إنما دخل فيها اضطراراً ولم يدخلها ابن تيمية اختياراً. ابن تيمية لم تكن قراءته قراءة ثقافية أبداً، إنما دخل في هذا الباب من أجل أن يهدم الأصول التي بنوا عليها. لذلك ابن تيمية ما يحسن الرد على الفلاسفة، إنما يحسن الرد على ابن سينا، يحرص أن يرد على الغزالي، يحرص أن يرد على الرازي؛ قصد ابن تيمية هؤلاء.
ليس قصده هو أن يرد رداً ثقافياً فكرياً، وهذا غير موجود في ابن تيمية؛ لأن ابن تيمية دخل هذا الباب من أجل العبادة وتحقيق العبادة. فهو لما يرد على المنطقيين يقصد الرد على هؤلاء الثلاثة: كيف هؤلاء فهموا المنطق؟ وأحياناً يدخل معهم ابن حزم، ولكن ابن حزم ليس محققاً في هذه الأبواب بخلاف هؤلاء الثلاثة الذين يرى ابن تيمية أنهم هم الذين شكلوا العقل الصناعي عند عامة طلاب العلم في زمان ابن تيمية وقبله.
إن هؤلاء هم الذين شكلوا هذا العقل الذي من خلاله أصبحوا ينظرون إلى النصوص. ذاك كله يقول إن هؤلاء ما عندهم شيء، إنما يفعلون كما فعل أتباع فرعون مع فرعون. ولما تأتي عند هؤلاء الذين هم في زمان ابن تيمية -ويقصد العلماء الموجودين في عصره- تجد أن الواحد منهم غير محقق ولا يفهم أصلاً الكلام الذي يقرأه، وهذه المشكلة التي كان ابن تيمية يعاني فيها مع هؤلاء. وإنما هؤلاء مثال أتباع فرعون: ﴿سَفَّهَهُمْ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]. هو فقط لأنه الآن فرعون، فقط لأنه فلان.
هذا كله ابن تيمية الآن يريد أن يهدم هذا السور الكبير الذي وُجد في عقل المتلقي، وهو حقيقة أحسن، وضرب ضربات موجعة وجعل هذه المذاهب تستقيل. وبمجرد أن تغير الواقع انفجر كلام ابن تيمية وانتشر واستقر. وأي شخص يقرأ قراءة المتجرد لابن تيمية وخصوم ابن تيمية سيلاحظ الفارق الكبير جداً بين طرح هذا، وحتى بعض الموصوفين من الأشاعرة كانوا يقولون هذا. مثل ما كان يقول الغماري في حكمه على ابن تيمية والسبكي والردود التي كانت بينهما.
القصد هنا الشيخ رحمه الله تعالى يريد أن يبين بأن نقلكم الكلام أو نقل المعنى من الحقيقة إلى المجاز لابد أن يكون الحاكم فيه الشرع أو نفس اللغة، أما أن تنقله بناءً على عقلك الصناعي، فهذا الكلام لا يقبل منك. وهذا العقل ليس هو عقل من تلقى القرآن الكريم، لابد أن تصحح عقلك. لذلك قال بعد ذلك: "وليس ميلاً للمعقول الصريح"، وهذا المعقول الصريح هو العقل الفطري، العقل الطبيعي الذي ما شوه، والمنقول الصحيح تناقض أصلاً.
من الذي سلم لكم أن العقل يوافق مذهب هؤلاء؟ من أين أتيتم بقول بأن العقل يوافق مذهب هؤلاء؟ أي عقل هذا؟ والشيخ رحمه الله تعالى ولذلك هو هنا يشد؛ انظروا الآن في سياقه هذا: "وهم مع أئمتهم الضلال". هنا الشيخ ما يجامل ولا يبالي ولا يراعي؛ لأنه في سياق إقامة حق. فهنا المعظم عندك ما يعظمه ولا يبالي به. هل هذا يؤثر بالاستفزاز؟ نعم هو يؤثر، لكن لن تستطيع أن تقيم الحق إلا بهذه الطريقة.
انظروا إلى جميع الأنبياء كيف كانوا يقيمون الحق: بكسر الرموز. ما يقيمون الحق بمراعاة الرموز، مستحيل يقام حق بمراعاة الرموز، لابد أن تكسر الرمز ثم بعد ما تكسره تحكم عليه. لابد أن يكسر هذا الرمز الذي أصبح حائلاً. بل حتى أئمة الإسلام أحياناً كانوا يستخدمون هذا مع أئمة آخرين ولكن في سياق ضيق. لما أصبح مالك بن أنس -الإمام مالك- عند بعض المالكية تعصبوا له حتى قالوا: "قال رسول الله وقال مالك"، هنا غضب الشافعي غضباً لله سبحانه وتعالى، وحط من قدر مالك في ذلك السياق، لكنه يعظم مالك وكان يقول: «مالك نجم السنن»، لكن في هذا السياق حتى لا يكون مالك مقابلاً للنبي ﷺ.
هذه المسائل مهمة أن تفهم في سياقها وطريقة تطبيقها حتى نعرف كيف ننشر الحق. طبعاً هذا لا يكون في كل شيء، لكن هذا لما يصل الشخص إلى درجة من التعظيم فيقال: "قال رسول الله وقال مالك بن أنس"، فأصبح مقابلاً، حتى مالك ما يقبل بهذا الشيء، ويحمد للشافعي فعله؛ لأنه لا يوضع الشخص ويتخذ هكذا في هذه المنزلة ويرفع. ابن تيمية هذا كله يفهمه.
ابن تيمية هذا كله يفهمه، يفهم أن الحق لا يقام إلا بهذه القوة، وهذا الضرب القوي حتى تستثير هؤلاء، ثم تكسر هذا الجدار الكبير السميك الذي من خلاله هؤلاء كانوا يفهمون أو يؤولون النصوص.
نقف عند هذا، هذا والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري