دخولتسجيل الدخول

التعليق على القاعدة المراكشية 01

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وإياكم، وأسدد على طريق الخير خطانا جميعًا.

نكمل هذه المجالس التي بها تعليق على بعض الرسائل للإمام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى رحمة واسعة، واليوم إن شاء الله تعالى ستكون معنا رسالة قصيرة الحجم، عظيمة الفائدة، وهي الرسالة المراكشية. وسميت بهذا الاسم نسبةً إلى مراكش، ومراكش هي منطقة كما تعرفون، مدينة في المغرب والمملكة المغربية المعاصرة، والتي بناها المرابطون.

المرابطون هم الذين بنوا هذه المدينة وجعلوها عاصمةً لهم، ومعنى مراكش في لسان البربر أي أسرع المشي. فهذه المدينة من المدن التي كان لها نصيب وحظوة كبيرة في زمن دولة المرابطين، ومنها كانت تنطلق الجيوش المرابطية العظيمة في تثبيت الإسلام في تلك البلاد، وكذلك في بلاد الأندلس، وهي ما زالت موجودةً إلى اليوم في بلاد المغرب أو المملكة المغربية المعاصرة.

لماذا سميت هذه الرسالة بهذا الاسم أو هذه العقيدة بهذا الاسم؟ نسبةً لمن سأل الشيخ؛ الذين سألوا الشيخ كانوا من المغرب، ونعم كانوا من مراكش. وكانت الرسالة هذه أو هذا السؤال الذي ورد للشيخ رحمه الله تعالى وهو في مصر. والشيخ كما تعرفون مكث في مصر سبع سنوات، من سنة 705 إلى 712. هذه السنوات السبع مكث فيها الشيخ رحمه الله تعالى في مصر، وهو بالأصل كما تعرفون من حران، لكنه استقر بدمشق، وكانت أغلب حياته ودعوته كانت في دمشق.

إلا أن هذه السنوات السبع منّ الله سبحانه وتعالى على أهل مصر بأن انتقل إليهم الشيخ حتى يقيم معوج من نظام الإسلام، ويصحح ما طرأ عليه الغبش في التصور الإسلامي، لذلك بقيت دعوة الشيخ في مصر، وبقي للشيخ أتباع في مصر، وانتشرت كثير من كتب الشيخ في مصر، ليس كانتشارها بالشام، هذا أمر طبيعي، ولكن الشيخ كان يرسل الرسائل، فكان يرسل إليه من العراق، فيرسل الشيخ.

وكان مثل ما ذكرنا الرسالة المدنية، سميت بالمدنية نسبة لمن أرسل له من المدينة، فإذًا هنا دعوة الشيخ رحمه الله تعالى عمت وانتشرت. وسبب هذا الانتشار للشيخ رحمه الله تعالى بعد توفيق الله سبحانه وتعالى وعونه هو نفس المواقف التي كان يقوم بها الشيخ، فالموقف يكون له صدى، وهذا الصدى يوصل الاسم إلى مكان بعيد. وهذا المكان البعيد لما يقع في نزاع وخلاف وتصل بعض كلمات الشيخ أو مواقفه، يتم إرسال له، فيقوم هو بالرد، فتسمى هذه الرسالة أو هذه القاعدة أو هذه العقيدة باسم أهل هذه البلدة.

أي مسائل الشيخ، مثل الحموية نسبة لحماة، والتدمرية نسبة لتدمر، وهكذا كانت تسمى الرسائل. فالقصد أن الشيخ عم ذكره، وهذا أمر ترى صعب، لا تظنوا بأن هذا الأمر سهل أن الشخص ينتشر؛ لأن الشخص إذا ما كانت عنده وسائل التأثير صعب جدًا أن يصل إلى هذه المرتبة. الشيخ رحمه الله تعالى ما كان هو المفتي العام، وما كان من المفتين الأربعة المذاهب، وما كان عنده منصب ديني عالي بحيث أن هذا المنصب يوصله، الشيخ ما كان عنده هذا أبدًا.

لكن مواقف الشيخ بعد صدقه في تعامله مع الله سبحانه وتعالى هي التي أوصلته إلى أن يذيع صيته بين الناس. وهذا القسم هو الذي اختاره الله سبحانه وتعالى، الذي اختاره الله سبحانه وتعالى يوصله، ويمن عليه بأن يعم خيره وعلمه إلى الآفاق، وإن كان هو معدوم الأسباب. وإن كان هو معدوم الأسباب، لكن البركة مع الصدق مع الله سبحانه وتعالى والبذل هذا يوصل العبد.

فهنا هذه الرسالة متعلقة برجلين أرسلا إلى الشيخ وهما من مراكش، وهي متعلقة بالأسماء والصفات، وأخص ما يتعلق بقضية ما وصف الله به نفسه: صفة العلو. هذه الرسالة بصفة العلو.

تفضل يا أخي.

بسم الله. سئل شيخ الإسلام فريد الزمان بحر العلوم تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله عن رجلين تباحثا في مسألة الإثبات للصفات والجزم بإثبات العلو على العرش، فقال أحدهما: لا يجب على أحد معرفة هذا ولا البحث عنه، بل يكره له كما قال الإمام مالك للسائل: «وما أراك إلا رجل سوء»، وإنما يجب علينا أن يعرف ويعتقد أن الله تعالى واحد في ملكه، وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه، بل ومن تكلم في شيء من هذا فهو مجسم حشوي. فهل هذا القائل لهذا الكلام مصيب أم مخطئ؟ فإذا كان مخطئًا فما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات الصفات والعلو على العرش الذي هو أعلى المخلوقات؟ وما معنى التجسيم والحشو؟ أفتونا وأبسطوا القول بسطًا شافيًا يزيل الشبهات، في هذا مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى.

فأجاب: الحمد لله.

والآن هذا هو السؤال الذي بعث إلى الشيخ رحمه الله تعالى في رجلين اختلفا في هذه القضية الكبرى، وهي قضية الأسماء والصفات خاصة المتعلقة بعلو الله سبحانه وتعالى على عرشه. وهنا ذكر الإمام مالك بالذات ولم يذكر غيره؛ لماذا؟ لسببين اثنين. السبب الأول أن هذا القول انتشر عن مالك، وإن كان هو متواتر عند السلف، ولكن هذا القول انتشر عن مالك وفُسر بغير قصد مالك.

الأمر الثاني أن هؤلاء من أهل المغرب، والمذهب المنتشر في المغرب هو المذهب المالكي. وهنا وقفة، الآن في زمان الشيخ هذا في القرن الثامن، وهذه الرسالة وصلت للشيخ في مصر، يعني هذه الرسالة ألفها الشيخ، وهذا الجواب من 705 إلى 712، الآن في المغرب ما هو المذهب المنتشر؟ ما هو المذهب الذي عم المغرب الآن؟ المالكي، نعم، هذا بالمنهج الفقهي، لكن المنهج العقدي؟ الأشعري.

وأهل المغرب هم آخر من تأثر بالأشاعرة، بخلاف المشرق الأدنى، وكذلك المشرق الأقصى، أو المشرق عمومًا، ولكن خص المشرق الأقصى المتعلق ببلاد خراسان، والتي كان يحكمها السلاجقة، انتشر فيها المذهب الأشعري في النصف الثاني من القرن الخامس، ثم بعد ذلك بدأ ينتشر المذهب حتى وصل إلى العراق، ثم وصل إلى الشام، ففي القرن السادس تقريبًا استقر المذهب الأشعري في المشرق، لكن المغرب لم يستقر؛ لماذا؟ دولة المرابطين كانت دولة سلفية، دولة على معتقد أهل الحديث، لكن لما جاءت بعد ذلك دولة الموحدين التي...

كان يقودها محمد بن تومرت وهو لم يتملك، ومات قبل أن ينتصر على المرابطين، إنما يتملك تلميذه عبد المؤمن بن علي. وقاموا بنشر المذهب الأشعري، فانتشر وعم. وعادوا المرابطين، فلم يبق من المرابطين ممن ينصر مذهب أهل الحديث إلا القليل. وطبيعي جدًا أن السلطة السياسية لما تتبنى مذهبًا، ينتشر ويعم.

إذًا هنا في هذا القرن، في القرن الثامن، انتشر المذهب الأشعري في بلاد المغرب، حتى وقع الالتباس عندهم. والانتشار للمذهب ما يكون بجيل واحد، أو لا يستقر بجيل واحد، إنما يستقر بما يليه. لماذا؟ لأن الجيل الأول، جيل المرابطين، وإن لم يكن هذا الشخص منتسبًا للمرابطين كدولة، إنما هو عالم يعيش في هذه البيئة من العلماء المالكية.

هذا العالم الذي يعيش في هذه البيئة، لما يأتي محمد بن تومرت أو دولة محمد بن تومرت وتريد السلطة الجديدة أن تفرض مذهبًا جديدًا، هذا ما يتغير عادة. إنما الجيل الذي يليه يبدأ فيه التغير ويكون فيه الصراع، لكن الجيل الذي قبله يبين بأن هذا المذهب ليس هو المذهب الصائب، إنما هذا المذهب باطل إلى آخره، لكن الجيل الثالث خلاص، ينتهي.

فهنا المسائل تكون إجماعًا، ثم تصبح خلافية، ثم بعد ذلك يكون الخلاف بها ما بين راجح أو شاذ وقول قوي، ثم ذلك يكون إجماعًا. بالطرف المقابل، هكذا تتغير صور المسائل أو منازل المسائل ومراتبها في أذهان الناس. ففي البداية، الجيل الأول يقول لنا إجماع أن هذا لا يجوز. الثاني يقول لك بأن المسألة خلافية، لكن الأرجح بأنه لا يجوز. الثالث يقول لك المسألة خلافية، لكن قول الجمهور بأنه يجوز. الرابع يقول لك بالإجماع يجوز، والذي يخالف هذا مخالف للإجماع.

تقول كيف يعني المسألة تغير القول فيها بهذه الطريقة؟ نقول لأن الإنسان تغير، لأن الناظر تغير، لأن العقل تغير. فإذا تغير العقل الذي يتعاطى هذه المسألة، طبيعي جدًا هذه المسألة تتغير عنده. لذلك هنا يأتي دور المجدد الذي يقشع ويكسر ما يستقر من الباطل في أذهان الناس بسبب المؤثرات.

أتمنى تكون هذه الكلمة واضحة. القصد هنا أن الشيخ رحمه الله عليه لما سئل هذا السؤال من قبل أناس على مذهب مالك: مذهب مالك كيف تقولون أنتم بتأويل الصفات هنا؟ وهذا القول ثابت عن مالك بن أنس، فكيف تم تأويل قول مالك بهذه الطريقة؟ هذا سبب التغير. هذا التأويل ما كان إلا عند المتأخرين بسبب وجود السلطة والضغط الكبير الذي وقع، هذا يغير صور المسائل ومراتبها في أذهان العلماء قبل العامة، والعامة تبع العلماء.

العامة تبع للعلماء فيما يعتقدونه. الذي يقوله العلماء، العامة طبيعي جدًا أن يكون قولهم موافقًا لهم إلا ما يسبق إلى العقل والفطرة مما لا يسألون به العلماء. هذا له شرح أطول من هذا، لكن فقط هنا القصد البيان أن كيف المالكية الآن في المغرب بدأوا يتغيرون وأصبحت عندهم هذه المسألة بها اضطراب.

وهنا هذا الجيل الذي سأل الشيخ يكشف لك أن ما زال المذهب الأشعري مع استقراره إلا أن هناك من أهل الحديث يبين بأن هذا ليس بصواب. مثل الآن الذي يقع في عصرنا، كيف لما كانت القوة للمسلمين أو العلماء الصادقين الصالحين ظهورًا معينًا، ثم بعد ذلك لما تغير هذا الظهور أتى جيل جديد بعيد عن جيل مصبوغ بالواقع، فبدأ يتكلم، فبقي قلة قليلة تدافع وتبين بأن هذا ليس هو الصواب. وهذا الاستقرار قطعًا بأنه غير صحيح، فهم يدافعون حتى ما يستقر الباطل استقرارًا يصعب إزالته. هكذا يكون الأمر.

ثم قال الشيخ في جواب هذا السؤال؛ طبعًا هؤلاء أفتونا وبسطوا القول بسطًا شافيًا يزيل الشبهات في هذين المذهبين المذكورين. يريدون بسطًا شافيًا، هذا الاختلاف الذي يكون عادة بين الناس، لا تعطيني كلامًا عامًا، أريد منك توضيحًا شافيًا. الشيخ بسطه كان شافيًا. دعونا نجيب هذا السؤال بعد ما نقرأ الرسالة، لأن الآن نريد أن نفهم ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ ليس عالمًا عاديًا، هو لا يعطيك الذي تريده، بل يعطيك الذي يرى بأنه أنسب لك.

فالآن إجابة الشيخ ليست طويلة، ثلاثون صفحة، وفي طبعًا مجموع الفتاوى عندنا ثلاثون صفحة وأكثرها كلام منقول. الشيخ أجابه بطريقة، إن شاء الله نجيب عليه بعد ما ننتهي من قراءة الإجابة.

فأجاب: الحمد لله رب العالمين، يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي ﷺ، فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة، وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلًا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ. هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. فمن شهد أن رسول الله ﷺ صادق فيما يخبر به عن الله تعالى، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة، إذ الكاذب ليس برسول فيما يكذب. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: 44-46].

وبالجملة، فهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لا يحتاج إلى تقريره هنا، وهو الإقرار بما جاء به النبي ﷺ من القرآن والسنة. كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]. وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 151].

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ﴾ [البقرة: 231]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: 64]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]. ومما جاء به الرسول ﷺ...

السابقين الأولين وعمن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]. ومما جاء به الرسول إخباره بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

ومما جاء به الرسول أمر الله له بالبلاغ المبين؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: 44]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].

ومعلوم أنه قد بلغ رسالته كما أمر ولم يكتم منها شيئاً؛ فإن كتمان ما أنزله الله إليه يناقض موجب الرسالة، كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة. ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من كتمان شيء من الرسالة، كما أنه معصوم من الكذب فيها. والأمة تشهد له بأنه بلغ رسالته كما أمره الله، وبين ما أنزل إليه من ربه.

وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه؛ فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده، كما قال صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك». وقال: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما تركت من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به». وقال أبو هريرة: «لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً».

إذا تبين هذا فقد وجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله تعالى من أسمائه وصفاته، مما جاء في القرآن والسنة الثابتة عنه، كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين تبعوهم بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؛ فإن هؤلاء هم الذين تلقوا عنه القرآن والسنة، وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل.

كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: «لقد حدثنا الذين كانوا يقرؤون لنا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً». وقد أقام عبد الله بن عمر -وهو من أصاغر الصحابة- في تعلم البقرة ثماني سنين، وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة.

وهذا معلوم من وجوه؛ أحدها: أن العادة المضطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتنائهم بالقرآن المنزل عليهم لفظاً ومعنى، بل يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد؛ فإنه قد علم أنه من قرأ كتاباً في الطب أو في الحساب أو في النحو أو الفقه أو غير ذلك، فإنه لا بد أن يكون راغباً في فهم المعاني. فكيف من قرأ كتاب الله تعالى المنزل عليهم الذي به هداهم الله، وبه عرفوا الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي؟

فمن المعلوم أن رغبتهم في فهم وتصور المعاني أعظم الرغبات. بل إذا سمع المتعلمون العالم حديثاً فإنه يرغب في فهمه، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه؟ ومن المعلوم أن رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعريف معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه؛ فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود، إذ اللفظ إنما يراد للمعنى. الوجه الثاني أن الله قد حظ مع التدبر والتعقل والاتباع.

نعم أحسنت، الآن الشيخ رحمه الله تعالى لو تلاحظون دائماً ما كثيراً ما يفتتح الرسائل ببيان بأن النبي عليه الصلاة والسلام بلغ، ويعيد السائل دائماً إلى فعل النبي عليه الصلاة والسلام وتبليغ النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك إلى فهم الصحابة رضي الله عنهم. لماذا يا شيخ يكرر هذا المعنى كثيراً في رسائله؟ لأنه لا إله إلا الله، لأهمية الأصل الذي يتمسك فيه، وكذلك ضبط مصادر المعرفة.

نعم صحيح، هو الشيخ الآن يرى بأن الإشكال الكبير الذي وقع، والسبب الرئيسي، ليس هو اشتباه المعنى؛ فالمعنى بذاته ليس مشتبهاً، ولكن الاشتباه وقع في عقل هذا الذي نظر إلى هذه النصوص. هو لماذا هذه النصوص الواضحة البينة الصريحة اشتبهت في عقل الناظر؟ لأن هذا الناظر عظم أشخاصاً لا يستحقون التعظيم. هذه المشكلة.

الشيخ رحمه الله تعالى يتفنن في إبراز المعاني البينة. وصعب أن يبرز شخص معنى بين. الشيخ سلام رحمه الله تعالى ما ألف البيان التبييزي الجامع إلا بعد الحموية، والحموية أكثر من نقولات. وفي مقدمة الحموية الشيخ تكلم وذكر هذه المعاني؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ، وذكر كيف يتم إيصال المعنى.

الآن تريد أن تفهم شخصاً معنى معيناً، كيف تفهمه؟ لا بد أنك تكون حريصاً، وكذلك تكون القدرة موجودة. فالنبي عليه الصلاة والسلام هو أفصح الناس، وأحرص الناس. والصحابة أكمل الناس عقولاً بعد الأنبياء والمرسلين؛ إذن هل يمكن أن الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم لم يفهموا هذا المعنى؟

هنا عند المتأخرين، أي عند المتكلمين، وقعوا في مأزق في الرد على مثل هذا الطرح. فماذا يقولون؟ يقولون بأن المتقدمين كانوا أسلم والمتأخرين أعلم وأحكم. واضح؟ طيب، هنا الشيخ يثور، الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى ويغضب غضباً لله سبحانه وتعالى ولأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في الطعن بهم بهذه الطريقة.

فشيخنا يريد أن يبين لهذا الشخص وأمثاله ممن يقرأ هذا الكلام بأنكم لا بد أن ترجعوا إلى الأساس، ثم بعد ذلك تتنقلون في فهم الدين أو من خلاله تفهمون الدين. أما أن تأخذوا الدين بعد ما وصل إليكم بالقرن الثامن، وبعد ما عرضت له كل هذه التغيرات، وتريدون بعد ذلك من خلال العقل الصناعي الذي انتشر عندكم، أو الذي عم وأصبح الذي تلقى العلم تلقاه بهذه الطريقة. والشيخ واعي ومدرك إدراكاً تفصيلياً ودقيقاً لمثل هذه المعاني. أنا ما أتكلم الآن عن المعرفة المجردة، إنما أتكلم عن نفس هذا الكائن الذي هو الإنسان، كيف يتأثر؟

فالشيخ في مقدمة البيان التبييزي الجامع ذكر بأن هؤلاء لما رأيتهم أنهم لا يستقبلون بأصولهم، أي الأصول التي بنى عليها الأشاعرة مذهبهم، هم ليسوا مستقلين بها إنما أخذوها من...

الفلاسفة من الجهمية، فالشيخ شرح لهدم نفس الأساس الذي من خلاله بنوا هذه الأصول. فالمشكلة الآن ليست مشكلة في إجابة أسئلة فرعية، وإنما هذه نتائج عن عقل معين، هذا العقل هو الذي يريد ابن تيمية أن يهدمه، وأن يعيد الشخص إلى العقل الفطري الطبيعي.

يريد أن يعيد الشخص إلى أن هذا العقل لما تغطيه بنظارة سوداء، ينظر إلى الأشياء بأنها سوداء؛ مثل النظارة لما تلبس الآن على عينك نظارة سوداء تنظر لكل شيء أسود. كذلك العقل لما تغطيه بهذا الغطاء، ما تنظر إلى المعاني الواضحة البينة على أنها واضحة بينة، وإلا كيف أناس ينتسبون للإسلام ومن أئمة المسلمين وينفون علو الله سبحانه وتعالى؟ هذا ما يتصوره عاقل.

لذلك السبب كانوا يجمعون على أن نافي العلو كافر، لكن لماذا ابن تيمية ما كفر؟ لأن هنا في شيء وهو التأويل، والتأويل سببه الشبهة؛ الشبهة القوية عند المتأخرين وعند المتقدمين. فقد يكون الشخص في موطن أو في سياق تاريخي معين تقول هذا لا يحتمل التأويل، وهذا يقول هذا قول كافر، وفي سياق آخر تقول قول كفر، لكن قال ليس كافر؛ لأن عقله واضح.

لذلك هو قعد قاعدة شريفة وعظيمة جدا: «كل من قصد الحق من خلال طريق النبي ﷺ وبذل وسعه فيه فهو معذور». وهذا له ترتيب؛ فمعذور يعني هل المعنى أنه لا يلحق إثم؟ نعم، ولكن إذا قصر ببذل الوسع يلحق إثم، لكن لا يكفر. واضح؟ هذا سبب عدم تكفير الخوارج، أو من أسباب عدم تكفير الخوارج، نقول لهم باطل وفعلهم كذلك باطل، لكن لماذا لم يكفروا الخوارج؟

القصد هنا أن هذا المعنى، أن النبي ﷺ بلغ الرسالة وأدى الأمانة، لابد أن يستقر في ذهن الذي يريد تعلم الإسلام، وأن الصحابة هم أكمل الناس، وأن المرجع يكون إليهم، خير الناس قرني. ثم بعد ذلك ابْنِ عقيدتك على هذا. أما أن تبني عقيدتك بالعقل الجديد الذي انتشر وعم حتى أصبح الذي يريد يتلقى العلم يأخذ هذا العقل الجديد الذي ليس هو عقل الصحابة الذي كان يقرأ القرآن، وليس هو عقل عامة المسلمين الذين هم على الفطرة النقية السليمة، ثم تريد بعد ذلك لما يأتيك كلام للصحابة رضي الله عنهم تقول بأن الصحابة كان يقصدون كذا، أو الصحابة ما شغلوا بهذا الشيء؛ فتكون بين هذين الخيارين: بين أن تجهل الصحابة رضي الله عنهم، وبين أن تقول بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعلمون لكن ما كانوا يقولون.

هذا هو الذي ابن تيمية يريد أن يهدمه في البداية، لذلك كثير من رسائله وكتبه يبنيها على هذا ثم بعد ذلك يرجعنا إلى هذا. فالإشكال الذي وقع للشيخ رحمه الله تعالى هو هذا المعنى في مع خصومه، هو أنهم يريدون منهم أن يفكروا بهذه الطريقة، إذا ما سلموا للشيخ هذه المقدمة فهو لا يمكن الوصول معهم إلى نتيجة، ويصعب أن الشخص لما يواجه بمثل هذه المقدمة أن النبي ﷺ يبلغ الرسالة، هذا لا يكون مسلمًا. إذا بلغ الرسالة لكن بعد ذلك يأتي التأويل الضعيف وليس التأويل القوي.

هنا الشيخ يبين هذا وذاك ويستدل بمثل هذه الأمور الواضحة والبينة. لماذا يذكرها؟ لأنك أنت الآن عشت في بيئة سلفية، فبالنسبة لك هذه الأحاديث وهذه الآثار واضحة وبينة، لكن لما يعيش شخص في بيئة أشعرية ما يتلقى هذه المعاني. الشخص الذي يعيش في بيئة أشعرية أو بيئة صوفية هو ما يتلقى هذه المعاني، يكون له التعظيم صوري ليس حقيقيًا عامًا، لكن في الحقيقة المتجذر في قلبه التأويل، متجذر في قلبه كذا وكذا، ليس متجذرًا في قلبه أن النبي ﷺ بلغ. فالشيخ لما يبين هذا يبين لي أن هذا الكلام ما ترك سمعه، فيحتاج أن يعيد هذا الأصل حتى يعيد الترتيب عنده.

مثل الآن الذي تلقى الفقه مثلاً بطريقة المدارس بعد ما استقرت، طبعًا ليس معنى هذا أن الشخص يخالف، لكن معنى هذا: هل الآن الأعظم العالم المتأخر أو ابن عباس أعظم؟ هذا أعظم أو سعيد بن المسيب؟ تجد الآن عامة من يطلب العلم وربما وصل إلى درجة عالية فيه، تجده لما يقال له قال فلان من المتأخرين يعظمه، لكن لما يقول هذا قول ابن عباس، قول ابن عمر، كأنه إنسان عادي، لكن لما تقول هذا قول فلان من عالم معاصر يكون هذا عنده عظيم. لماذا؟ لماذا يقول فلان أصبح هو قطعًا؟ يعظم ابن عمر وابن عباس أكثر، لكن هو ما يعترف بقول ابن عمر، لأن هذا ما طرق سمعه كثيرًا.

بعد ذلك يأتي طبعًا بعد آية التنزيل، هو قد يكون حقًا، ليس معنى هذا الكلام أن الشخص يأخذ القول هكذا من غير سياق ومن غير فهم، لا، لكن أنا قصدي فقط الآن التعظيم الذي يقع عند الإنسان. فشيخنا يبين في هذه المقدمة بأن الأصل أن النبي ﷺ بلغ، وأن الأصل نرجع إلى فهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وأن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا كما تقولون، الذين تأولوا وعذروا لهم بأنهم كانوا مشغولين بالجهاد؛ فانشغال بالجهاد يعني ماذا؟ يعني ما تفقهوا في الدين لانشغالهم بالجهاد والانشغال بكذا وكذا.

هنا الشيخ يقول: ابن عمر وهو من أصاغر الصحابة تعلم البقرة في ثماني سنين. طيب لماذا ابن عمر مكث ثماني سنوات يتعلم سورة البقرة التي يدرسها شخص اليوم يمكن في شهر يقرأ نفس البقرة كاملة؟ ابن عمر مكث ثماني سنوات من أجل أن يحقق المعاني ويفهم كلام الله سبحانه وتعالى. إذن هم أعلم الناس بكلام الله سبحانه وتعالى، ناهيك عن أن توفر عندهم شيء لم يتوفر عند من جاء بعدهم وهو معاصرة الوحي؛ يعني لما كانت تنزل النصوص هم ينظرون إلى نزول النص وسياق نزول الآيات فيعرفون هذا النص ما المراد منه. ناهيك عن أنهم هم أعلم الناس وأفهم الناس، وهم أكمل الناس عقلًا، وكذلك لسانهم لسان القرآن الكريم، ليس فقط لسان العرب بل لسان القرآن الكريم خاصة، خاصة القريشيين منهم.

الوجه الثاني أن الله سبحانه وتعالى قد حظهم على تدبره وتعقله واتباعه في غير موضع، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [طه: 23]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].

فإذا كان قد حظ الكفار والمنافقين على تدبره، علم أن معانيه مما يمكن للكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها، فكيف لا يكون ذلك ممكناً للمؤمنين؟ وهذا يبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم.

الوجه الثالث أنه قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: 3]. فبين أنه أنزله عربياً ليعقلوا، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه.

الوجه الرابع أنه ذم من لا يفهمه، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، وقال في موضع آخر: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: 46]. وقال تعالى: ﴿فَمَا لِهَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [المؤمنون: 78]. ولو كان المؤمنون لا يفقهون أيضاً لكانوا مشاركين الكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به.

الوجه الخامس أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى واتباعه، فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 171]. وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: 24].

وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول ﷺ ولم يفهموا، وقالوا: «ماذا قال آنفاً؟» أي الساعة، وهذا كلام من لم يفقه قوله. فمن جعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان غير عالمين بمعاني القرآن، جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى عليه.

الوجه السادس أن الصحابة فسروا للتابعين القرآن، كما قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية منه وأسأله عنها». ولهذا قال سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به». وكان ابن مسعود يقول: «لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته». وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقلوا عنه من التفسير ما لا يحصيه إلا الله. ونقول بذلك عن الصحابة والتابعين، فهي ثابتة معروفة عند أهل العلم بها.

فإن قال قائل: قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافاً كثيراً، ولو كان ذلك معلوماً عندهم عن الرسول ﷺ لم يختلفوا فيه؛ فيقال: الاختلاف ثابت عن الصحابة، بل وعن أئمة التابعين في القرآن، وأكثرهم لا يخرج عن وجوه.

أحدها أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه، فالمسمى واحد وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه اسم آخر، وكلاهما حق، بمنزلة تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى، وتسمية الرسول ﷺ بأسمائه، وتسمية القرآن العزيز بأسمائه؛ فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الإسراء: 110]. فإذا قيل: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، فكلها الأسماء والمسمى واحد، هو الله سبحانه وتعالى، وإن كان كل اسم يدل على نعت لله تعالى لا يدل عليه اسم آخر.

ومثال هذا التفسير كلام العلماء في تفسير الصراط المستقيم؛ فهذا يقول: هو الإسلام، وهذا يقول: هو القرآن أي اتباع القرآن، وهذا يقول: السنة والجماعة، وهذا يقول: طريق العبودية، وهذا يقول: طاعة الله ورسوله. ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها، ويسمى بهذه الأسماء كلها، ولكن كل واحد منهم دلل المخاطب على النعت الذي به يعرف الصراط وينتفع بمعرفة ذلك النعت.

هنا الآن، بعد ما ذكر الشيخ ما يتعلق بأهمية تعلم القرآن، وذكر آيات دالة على أهمية فهم القرآن الكريم، وما به من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أنهم هم أولى الناس وأحرص الناس على تفهم معاني هذا الكتاب العظيم، ثم بعد ذلك قال: «فإن قال قائل قد يختلفون في تفسير القرآن اختلافاً كثيراً، لو كان ذلك معلوماً عندهم عن الرسول ﷺ لم يختلفوا فيه».

أين محل هذا الاعتراض؟ في مما يتعلق بجواب الشيخ على هذا السائل. الآن الشيخ بين بأن الصحابة هم أولى الناس بفهم الدين، وأن هذا الدين فهموه عن طريق النبي ﷺ، وذكر الأوجه التي تدل على هذا المعنى. ثم ذكر عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما والتابعين أنهم تلقوا كذلك عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم العلم بكتاب الله سبحانه وتعالى.

الشيخ يريد أن يبين بأن هذه المعاني منقولة، ليست معاني خاضعة للاجتهاد؛ إنما النبي ﷺ بلغ الصحابة الدين، والصحابة فهموا الدين وبلغوه التابعين. إذاً هذه العقيدة عقيدة منقولة، ليست عقيدة خاضعة للاجتهاد، ليس لأن الشخص يكون أعلم من غيره باللغة يحق له أن يجتهد في العقيدة؛ لأن هذه العقيدة نقل.

الصحابة، مثلما تعرفون الرازيين ومثلاً كذلك الإمام البخاري، أنهم سافروا إلى مصر والشام ونقلوا هذه العقيدة، لم يكن واحد منهم يجتهد في مسائل العقيدة؛ لأنها نقلية. فالشيخ بعد ما ذكر بأن النبي ﷺ بلغ الدين وتلقاه الصحابة، ثم بلغوا التابعين، ذكر بعد ذلك الاعتراض: «فإن قال قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافاً كثيراً، ولو كان ذلك معلوماً عندهم عن رسول الله ﷺ لم يختلفوا فيه»، أي أن الصحابة كانوا يجتهدون في العقيدة.

بالضبط، فهذا الاجتهاد في التفسير هو الذي نحن نقوله الآن. الشيخ يريد أن يبين بأن الدين الذي نقلوه أكثره ليس خاضعاً للاجتهاد، فإذاً كيف اختلفوا في التفسير كثيراً إذا كان بهذه الطريقة؟ الآن يأتي الشيخ ويبين.

تقوله يدخل في ذهن الذي يعيش في هذا الجيل بطريقة طبيعية. واضح؟ لما ينتقل هذا وينسلخ إلى جيل آخر، الوعاء الذي يحمل هذه المعاني أو الوعاء الذي من خلاله تستطيع أن تفهم الكلام أو يأخذ الكلام حظه ونصيبه.

مثلاً الآن تريد أن تأتي بسرير تضعه في غرفة النوم أو في الصالة؟ غرفة النوم صح؟ تريد أن تأتي بإناء تضعه في المطبخ وهكذا. لماذا؟ لأن الشقة هذه أو البيت والشخص واعي ومدرك لحاجته لهذه الأمور، فكل جزء من هذه الأجزاء يُعرف ما يستخدم فيه فيوضع فيه. تصور أن أتاك شخص ما بحالته كلها، ما رأى كأساً أو إناءً، يقع عنده ماذا؟ واضح؟ لأنه هو ما يعرف يشرب من هذا، ماذا يعمل فيه؟ طبعاً هذا مثال للتقريب.

الآن كذلك لما تريد أن تنقل المعاني، تريد تنقل المعاني لشخص عاش مع النبي ﷺ عشرين سنة، فلما تأتي آية ويأتي حديث هو مباشرةً سيضع فيه مكانه اللائق فيه في الشرع؛ لأنه هو مستوعب أن الشرع جاء بصورة معينة محددة، فهو يعرف أن هذا الحديث يقع هنا وهذا الحديث يقع هناك وهذه الآية. واضح؟

تصور أنك تأتي الآن في جيل هو ما عنده هذا الوعاء، هذا الوعاء غير موجود عنده، فلما لا يكون الوعاء موجوداً عنده، الآية والحديث أين يضعها؟ أين يضعها عندما تأتيه؟ يقع عنده ماذا؟ الآن هو لأنه ما عنده الوعاء ويقرأ كلام العلماء الذين تفننوا بإيصال المعنى.

الآن الخلاف ليس خلافاً حقيقياً، إنما الخلاف في كيف أُتم؟ الآن لما تأتي عند الخبز مثلاً وشخص لا يتكلم العربية تريد تبين له هذا خبز، فلان كعبد الكريم مثلاً يبين الخبز بكلمة معينة، والثاني يبين بكلمة، هذا التعدد أو هذا التنوع لماذا؟ حتى نوصل الحقيقة. هو المعنى واضح بالنسبة لكل من يعيش في هذا الجيل، ولكن اختلفوا في إطلاق العبارات، وقد يكون عنده قصد إبراز شيء معين فيه، لكن نفس المسمى ونفس الحقيقة هي ما تغيرت.

الآن لما يأتي العالم المتأخر في القرن الخامس أو السادس أو السابع، وينظر ويفتح تفسير الطبري، في تفسير الصراط المستقيم يجد أنهم اختلفوا، منهم من قال القرآن، منهم من قال الإسلام، منهم من قال ابن جرير ما يعرف. الذي جاء بعده بقرنين أو ثلاثة قرون ماذا يقول لما ينظر إلى هذا الكلام؟ يقول إنهم اختلفوا.

ابن تيمية هو الذي بين بأن هذا الاختلاف ليس اختلاف معنى مستقر، لكن ابن تيمية الآن يريد أن يقعد القواعد التي من خلالها تصل. ابن تيمية هو المجدد الثاني بعد الشافعي؛ فالشافعي في زمانه وقع اضطراب عند أهل الحديث في طريقة الاستدلال وكيف نتعامل مع النصوص، والحنفية عندهم أصول، فيأتيك الحديث الجديد كيف تتعامل معه؟ فالشافعي ألف الرسالة بناءً على طلب عالم كبير في زمانه وهو عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى، يريد الآن أن تؤصل لنا أصولاً وتضع لنا قواعد من خلالها نستطيع أن نفهم النص ونتعامل معه.

في زمان ابن تيمية كذلك عاد هذا الأمر، وهذا أمر طبيعي يقع لما تتعدد الأجيال ولما يتم التباعد عن الزمان الأول، فتستقر بنسبة معينة ثم بعد ذلك يبدأ الأمر تدريجياً هكذا يتفتح حتى يأتي شخص يضبط ويعيد الوعاء بشكل جديد حتى تستطيع أن تصل إلى المعنى بطريقة صحيحة.

فالشيخ هنا يقول بأن هذا الاختلاف ليس اختلافاً حقيقياً، ليس اختلاف تضاد، إنما هذا اختلاف تنوع، وهم كلهم يعرفون بأن كلمة الصراط المستقيم تدل على كذا وعلى كذا، هذا كله متفقون عليه. فلما ذكر ابن جرير أو ذكر غيره، هم نفسهم يعرفون هذا الشيء، لكن بعد جيلين أو ثلاثة لم يعودوا كذلك، كله اختلاف. فيأتي مثلاً ابن الجوزي في زاد المسير ويذكر فيه تفسيراً، تقول يذكر ثلاثين قولاً، لماذا ثلاثون قولاً؟ هي مرجعها كله ترجع إلى قولين لكن هنا التعبير اختلف.

فيأتي الآن الإمام ويبين، لكن ابن تيمية هو الذي لما قعد هذه القواعد -وهي موجودة في الأذهان لكن هو الذي قعدها- جاء بعد ذلك ابن كثير وطبقها، وصارت المقدمة للشيخ ابن تيمية رحمه الله في أصول التفسير، بين العلماء وأصبح العلماء يتنافسون في طريقة سبك الأقوال؛ كيف نجمع على كلام السلف الصالح في سياق واحد ونجعلها كلها عبارة عن معنى واحد، إلا إذا لم يمكن الجمع فيكون اختلاف، وهذا موجود لكنه قليل، الشيخ لا ينفيه لكن يقول لنا هذا هو الذي يخضع للاجتهاد.

أما نفس البيان العام، أو دعنا نقول أكثر آي القرآن الكريم هي تم بيانها، والصحابة مستقر في أذهانهم معاني القرآن الكريم، والنبي ﷺ نقل وبين، والله أمر بأن يبين فبين عليه الصلاة والسلام، فالأمر الذي خضع للاجتهاد يكون في دائرة ضيقة، نعم هذا الذي يريد الشيخ أن يبينه.

ثم قال الوجه الثاني: أن يذكر كل منهم من تفسير الاسم بعض أنواعه أو أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب. إذن الوجه الأول: أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة الآخر، صحيح المسمى واحد ولكن العبارة تكون مختلفة لكن نفس الحقيقة هي نفسها. ثم قال الوجه الثاني: أن يذكر كل منهم من تفسير الاسم بعض أنواعه أو أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب لا على سبيل الحصر والإحاطة، كما لو سأل أعرابي عن معنى لفظ الخبز فأري رغيفاً وقيل هذا هو، فذاك مثال للخبز وإشارة إلى جنسه لا إلى ذلك الرغيف خاصة. الآن الرغيف له أكثر من شكل، لما قال هذا الرغيف، يجي يقول لا، هذا قال لي هذا الرغيف ليس هذا، واضح؟ يعني في خبز كذا، وفي كذا، على اختلاف البلدان في تسميتهم للأنواع.

ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32]. فالقول الجامع أن الظالم لنفسه هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور، والمقتصد القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، والسابق بالخيرات بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله تعالى.

بالنوافل بعد الفرائض، حتى يحبه الحق. ثم إن كلا منهم يذكر نوعًا من هذا؛ فإذا قال القائل: "الظالم مؤخر الصلاة عن وقتها، والمقتصد المصلي لها في وقتها، والسابق المصلي لها في أول وقتها، حيث يكون التقديم أفضل".

وقال آخر: "الظالم لنفسه هو البخيل الذي لا يصل رحمه، ولا يؤدي زكاة ماله، والمقتصد القائم بما يجب عليه من الزكاة وصلة الرحم، وقرى الضيف، والإعطاء في النائبة، والسابق الفاعل المستحب، الفاعل المستحب بعد الواجب، كما فعل الصديق الأكبر حين جاء بماله كله، ولم يكن مع هذا يأخذ من أحد شيئًا".

وقال آخر: "الظالم لنفسه الذي يصوم عن الطعام لا عن الآثام، والمقتصد الذي يصوم عن الطعام والآثام، والسابق الذي يصوم عن كل ما لا يقربه إلى الله تعالى"، وأمثال ذلك. لم تكن هذه الأقوال متنافيّة، بل كل ذكر نوعًا مما تناولته الآية.

الوجه الثالث: أن يذكر أحدهم لنزول الآية سببًا، ويذكر الآخر سببًا لا ينافي الأول، ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعًا، أو نزولها مرتين، مرة لهذا، ومرة لهذا. وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا في اختلاف تناقض، فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه.

كما أن التنازع في بعض مسائل السنة، كبعض مسائل الصلاة والزكاة والصيام والحج والفرائض والطلاق ونحو ذلك، لا يمنع أن يكون أصل هذه السنن مأخوذة عن النبي ﷺ وجملها منقولة عنه بالتواتر. وقد تبين أن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج النبي ﷺ أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة.

وقال غير واحد من السلف إن الحكمة هي السنة. وقد قال ﷺ: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه». فما ثبت عنه من السنة فعلينا الاتباع، سواء قيل أنه في القرآن ولم نفهمه نحن، أو قيل ليس في القرآن.

كما أن ما اتفق عليه السابقون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان فعلينا أن نتبعهم فيه؛ سواء قيل أنه كان منصوصًا في السنة ولم يبلغنا ذلك، أو قيل أنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهاد من الكتاب والسنة.

فصل. نعم نقف عند هذا. والله أعلم وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.