دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس في ساعات الفجر المباركة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا المجلس مجلساً مباركاً، وأن يفتح علينا فتوح العارفين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا فيه العلم النافع، وأن ينبني عليه العمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

فخير المدارس التي يجلسها الإنسان ويتدارسها، تلك المدارس التي يتعلم فيها علماً يقوده إلى الله سبحانه وتعالى، ويزيده خطوة منه، وينبني عليها ثور عملية في حياته يستفيد منها. وشر المدارس المدارس التي تبلغ باللغو والرفث، أو المدارس التي لا تزيد الإنسان علماً، أو تعطيه علماً غير نافع؛ فنعوذ بالله أن يكون مجلسنا من هذه المدارس، فإن هذه المدارس حسرة على أهلها. اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، أنت نعم المولى ونعم النصير.

حياكم الله أحبابنا الكرام. هذا المجلس القصير الذي أحبنا أن نعقده في كل أحد وأربعاء، مدة برنامج وتزودوا حتى العشرين من رمضان، نسأل الله سبحانه وتعالى الثبات والديمومة والاستمرارية. وطبيعة هذا المجلس التعليق على رسالة نافعة جامعة لأبي العباس بن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى عليه. هذه الرسالة فيها قواعد عامة تصلح شأن المؤمن في دينه ودنياه، وعرفت ووسمت بالوصية الصغرى. ومن اسمها وصية، ما دامت وصية إذاً مفهوم من سياق ذلك أن ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه يوصي أحداً. وعندما نقرا مطلع هذه الرسالة سنعرف أن هذه الرسالة هي في حقيقتها وخلاصتها جواب من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه لأحد طلابه الذي ساله سؤالاً، طلب فيه كما سياتي معنا أن ينصحه شيخ الإسلام نصيحة جامعة تفيده في دينه ودنياه. فتبنى ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه سؤال طالبه وأجابه بهذه الإجابة، وكم من سؤال كان بركة على المسلمين؛ فهذا السؤال من هذا الطالب أنتج لنا هذه الرسالة المباركة التي عم نفعها لعموم المسلمين على أنها صغيرة؛ يعني لا تتجاوز 10 ورقات أو 12 ورقة كما يقولون.

والطالب الذكي النبيه أحبابنا الكرام هو الذي إذا وجد شيخاً يمتلك فوائد ومنهج، ويمتلك رؤية واضحة في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، يسارع في الاستفسار والسؤال والتعلم على يديه. وهذا حال أبي القاسم المغربي الذي استغل وجود شخص مثل ابن تيمية في زمانه، وعرف أن ابن تيمية تعلم على يديه، بالتالي عرف أن ابن تيمية رحمه الله عليه إنسان يمتلك رؤية واضحة، يمتلك قواعد جيدة، يمتلك علماً جماً، يمتلك فهماً ثاقباً؛ بالتالي سؤال أمثال هؤلاء غنيمة الإنسان في هذه الحياة قبل أن يفقدهم. وهذا يا طالب العلم، يا أيها المسلم عموماً، يجعله منهجاً في حياتك: متى ما وجدت طالب علم أو عالم أو شيخ تنتفع منه، ووجدت هذا الشيخ والعالم يمتلك رؤية واضحة وسلوكاً جيداً، فعض عليه بالنواجذ، وإياك أن تتركه ولزم ظله. فهؤلاء وجدوا اليوم، فهم من والله من بقايا السلف؛ هؤلاء الذين يمتلكون العلم النافع والرؤية الثاقبة والفهم المتزن، وينفعون طلبتهم؛ هؤلاء إن وجدتهم اليوم فعض عليهم بالنواجذ واسلك دربهم في غرزهم، فإنهم والله من بقايا السلف.

فكما قلنا إذاً هذه الوصية الصغرى أحبابي الكرام هي سؤال من أبي القاسم المغربي لشيخه ومعلمه وأستاذه أبي العباس بن تيمية رحمه الله عليه. خلاصتها أنه طلب منه أن يعطيه جواباً نافعاً ووصية تنفعه في دينه ودنياه، فجاءت الوصية الصغرى التي بين أيدينا. ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه كعادته تفنن فيها بذكر قواعد السلوك وقواعد السير إلى الله، وما الذي ينبغي أن يكون عليه حال المؤمن إلى آخر ما سياتي معنا في هذه الرسالة. وقضية التعلم عن طريق السؤال والجواب هذه حقيقة من أساليب التعلم النافعة الرائقة، ولذلك القرآن الكريم اعتمدها في الكثير من بياناته للأحكام، أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد عليه في حواراته مع الصحابة. التعلم عن طريق سؤال يسال وجواب ياتي؛ لأنه عندما يكون الجواب إثر سؤال يكون الجواب مركزا على السؤال، فبالتالي السامع ينتبه، هناك سؤال طرح بالتاكيد الجواب غرضه أن يجيب عن هذا السؤال.

مثلا في كتاب الله سبحانه وتعالى الله عز وجل يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]، ويسألونك، ويسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، ويسألونك عن الأهلة، ويسألونك عن اليتامى؛ كلها أسئلة ثم الله سبحانه وتعالى يجيب عن هذا السؤال. ممتاز، يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج، يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم؛ وهكذا فتجد السامع عندما يسمع السؤال يبدأ يركز في الإجابة؛ لأنه يعلم أن الإجابة وظيفتها أن ترد على هذا السؤال، فتكون الإجابة مركزة وواضحة، ويكون السامع في قمة انتباهه لها. كذلك النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الأحاديث التي وردت في سنته إنما هي إجابات عن تساؤلات الصحابة؛ يأتي رجل فيقول: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. وياتي شخص آخر فيقول: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. وشخص آخر يسال النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، عن جوامع الخير. والصحابه الكرام أصحاب همم ونفوس شريفة. بالتالي إذا التعلم عن طريق سؤال وجواب هذا من أساليب التعلم المهمة، وقد وردت في الكتاب والسنة وعلى سنة العلماء عبر التاريخ جيلا بعد جيل، وهذه الرسالة التي بين أيدينا هي من هذا النمط أيضاً؛ فهناك سؤال صدر من طالب وهناك إجابة مركزة وعميقة لهذا السؤال. طبعا شيخ الاسلام ابن تيمية إنسان كثير الاستطراد، فبالتالي هذه تعتبر من أقصى كلماته؛ أنه استطاع في 13 صفحة أو 10 صفحات أن يجيب إجابة مختصرة وافية حول هذا السؤال، وإلا ففي عادة أبي العباس أنه يستطرد ويأتي بالفنون العجيبة، مما حماه الله سبحانه وتعالى به من سعة الاطلاع.

فإذا هذه قضية أيضاً حول هذه عن طريق السؤال والجواب. وحقيقة قضية من النظر في سؤالات الصحابة وفي سؤالات طلبة العلم لمشايخهم عبر القرون، يجد أن الإنسان الموفق هو الذي تكون أسئلته وتفكيراته وخواطره حول ما يصلح أمر دينه ودنياه تماماً. يعني الإنسان الذي وفقه الله عز وجل للخير وأصلح قلبه وهداه ونور بصيرته، كما كان حال الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، تجد أسئلتهم تدل على ما فيه الخير والنفع، ويريدون في النهاية الوصول إلى الجنة. يأتي أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث -لا يسمع عدوي، يسمع عدوي صوته ولا يعرف ما يقول- فقال: يا محمد صلى الله عليه وسلم، ماذا افترض الله علي من الصلوات؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات. ماذا افترض الله عليه من الزكاة؟ ماذا افترض الله عليه من الصيام؟ ثم يقول: لا أفعل غيرها. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق».

الفكرة أن الإنسان الموفق هو الذي تجده دائماً يفكر في الأمور التي تنفعه، ويبحث عن إجابة حولها، وليس كحال كثير من الناس اليوم لا تجد عندهم همة أن يسألوا عما ينفعهم في دينهم وما يرقيهم في علاقتهم مع الله سبحانه وتعالى. غريب الله، عندما أنظر في سؤالات الصحابة وأنظر في اهتمامات الناس اليوم، هم الأسئلة أحباب الكرام هي تعكس الاهتمام دائماً، أسئلة الشخص تعكس اهتماماته؛ الذي دائماً يسأل عن سعر الخضار نزل ولا ارتفع، وعن سعر البنزين أين وصل، ويسال عن سعر أو الأخبار ماذا حدث في فلان وفلان ذهب ولا كذا، أمه في مجريات الأحداث، تجد أن هذا الإنسان لا يحمل كثيراً هم الآخرة، ولا يفكر كثيراً عن استعداداته وهل هو استطاع أن يفعل أفعال مفيدة للقاء الله سبحانه وتعالى أم لا، كل تساؤلاته عن الدينار والدرهم ومجريات الحياة الدنيا. في المقابل تجد الموفقين -وفقكم الله سبحانه وتعالى- دائماً يسألون عما يصلح قلبهم، عما يصلح مسيرهم، عما يقربهم من الله سبحانه وتعالى. انظر في سؤالات الصحابة جميعاً تجد الحرص: يا رسول الله، أريد عمل يقربني من الله. يا رسول الله، دلني على كذا. يا رسول الله، أريد شيئاً من جوامع الكلم. يا رسول الله، أريد شيئاً مختصراً أعمله وأتمسك به أدخل الجنة. الهم والتفكير والاهتمام منصب على ما فيه صالحهم، وما فيه نفعهم، وما يقربهم من مولاهم. فهذا هو الإنسان الذي رزقه الله بصيرته، ورزقه انتفاعاً، ورزقه فهماً، هو الذي يدندن كلامه حول هذه الأمور.

وبالتالي أنصح نفسي أولاً، وأنصح إخواني وأخواتي الكرام أن تستيقظ وأن تنتبه في زمن الغفلات وفي أزمات الفترات من نعمة الله عليك. أن تستيقظ وأن تنتبه في أزمات الفترات، الأزمنة التي يخفى فيها أو يضعف فيها نور علوم الشريعة وتكون الناس تكالفت على الدنيا، ودخل هناك شيء من أمور الجاهلية في حياتهم، وأصبحت حياتهم بعيدة. أن يرزقك الله البصيره والانتباه في أزمات الغفلات والفترات والله نعمة ما بعدها نعمة، وخير ما بعده خير. ذلك العامل في آخر الزمان كما جاء في الحديث أجره وعمله مضاعف على العامل في أزمات الصلاح؛ يعني الذي يعمل في زمان صلاح يجد معينين، يجد إخواناً يعينونهم، أما في أزمات الفترات وأزمات الغفلات العامل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يجد أحداً يعين وعد الخير، فهو يعتمد على وسعه الداخلي، يعتمد على طاقته الداخلية في طبعا بعد استعانته أولاً وآخيراً واتجاهه إليه. مراد أنه لا يوجد بيئة محيطة مساعدة حتى يلتفت لهذه الأمور، وربما كثير مما يسمعني الآن هو فعلاً يفتقد البيئة، يفتقد العامل المساعد المحفز حتى يستمر في هذا الخير الذي قصده وطرق بابه. فنسال الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا، وأن يرزقنا البصيره والاستمرار على هذه البصيره والهمه حتى نصل إلى نهاية الطريق، حتى تصل ركائبنا إلى الله عز وجل بأمان، إنه سبحانه وتعالى المرجو في الدنيا وفي الآخرة.

حتى لا أطيل عليكم ونبدأ التعليق على هذه الرسالة المباركة، هذه الرسالة نقرا مطلعها وقد أرسناها لكم على مجموعة وتزودوا، الإخوة الذين يتابعون معنا عبر البث المباشر أرسلنا هذه الرسالة عبر مجموعة وتزودوا لمن يريد أن يتابع معنا أو يتابع معنا أثناء القراءة.

هنا سؤال: سؤال أبي القاسم بن يوسف بن محمد التجبي السبتي المغربي. هذه من خيرات أهل المغرب على أهل الاسلام، هذه من خيرات أهل المغرب على أهل الاسلام أن هذا الطالب المغربي سأل شيخه. فيقول: يتفضل سيدنا الشيخ الفقيه الإمام الفاضل العالم بقية السلف وقدوة الخلف المبدع المغرب المعرب المفصح أعلم من لقيته ببلاد المشرق والمغرب تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية -أبقى الله بركته- بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي.

شوف الطالب المنتبه، شوف الطالب الذي يسأل السؤال النافع! قال: بأن يوصيني، أن يتفضل شيخي شيخ الإسلام ابن تيمية بماذا يتفضل؟ يتفضل بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي. وهذا أيضاً من فقه السؤال؛ يعني واضح أن أهل الإيمان وأهل البصيرة يقولون في أدعيتهم دائماً ماذا؟ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]. فليس المطلوب منك أن تسأل فقط خير الآخرة، لا؛ اجعل سؤالك جامعاً أنني يا رب أريد السعادة في ديني ودنياي، أريد يا رب أن أحقق اجتماع الدين والدنيا، يا رب آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. فليس من فقه السؤال أن تسأل فقط عن ماذا؟ عن أمور الآخرة فقط، فنسأل عما يصلحك في دينك وفي دنياك، اسأل عن كل طيب.

قال: بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي، ويرشدني إلى كتاب يكون عليه اعتمادي في علم الحديث، أخرى في علم الحديث؛ يريد كتاباً جامعاً في علم الحديث. قال: وكذلك في غيره من العلوم الشرعية. يسال عن طرائق طلب العلم. قال: وينبهني، وينبهني -أن يريد منك أن تنبهني- على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات؛ يعني ما هي أفضل النوافل التي أتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى بعد أن أؤدي الفرائض؟ إن الإنسان لا يسأل عن النوافل إلا بعد أن يؤدي الفرائض كما جاء في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». أولاً المسلم يؤدي الفرائض، ثم بعد ذلك يبحث عن ما هو أعلى من النوافل.

طيب، ويبين لي أرجح المكاسب؛ أيضاً يريد من شيخ الإسلام أن يعرفه ما هي أفضل حرفة يحترفها في الحياة: التجارة أم الزراعة أم الصناعة أم ما شابه ذلك؟ فإذاً يريد أن يعرف ما هي أفضل مكسب؛ يعني ما أفضل حرفة أشتغل بها في حياتي وتكون محبوبة لله سبحانه وتعالى؟ قال: كل ذلك على قصد الإيماء والاختصار؛ يعني أريد جواباً مختصراً، ولا أريد جواباً عاماً طويلاً، أريد جواباً مختصراً حتى أضبطه وأحفظه دائماً. بعض الإجابات هي فعلاً ينبغي أن تكون مختصرة ومركزة؛ لأنه إذا كانت مختصرة ومركزة ينتفع بها الطالب ويضبطها، لكن إذا أعطيته إجابات عامة واستطردت استطرادات كثيرة يتيه الطالب ويفقد أصل المسألة. قال: والله تعالى يحفظه، والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته.

واضح أن هذا السؤال ليس سؤالاً مباشراً، واضح أنه سؤال مكتوب وصل إلى شيخ الإسلام مكتوباً، ممتاز، وأن الرجل يدعو له في ظهر الغيب، فقال: والله تعالى يحفظه، والسلام الكريم.

هنا بدأ شيخ الإسلام عليه رحمة الله تعالى يجيب عن هذا التساؤل، فأجاب شيخ الإسلام بحر العلوم ابن تيمية رحمه الله عليه فقال: الحمد لله رب العالمين، قال: أما الوسيّة. سيبيّن الآن الطالب، ماذا سأل؟ أول قضيّة في سؤاله: أريد وصية يكون فيها صلاح ديني ودنياي. فشيخ الإسلام إنسان متشبع من نصوص الكتاب والسنة، ودائماً عندما يكون أستاذك وشيخك ومعلمك متشبعاً من نصوص الكتاب والسنة، فإن كلامه إنما ينبع منهما، ينبع من هذا المعين العذب، بخلاف الذين علومهم وثقافتهم وفكرهم لا ينبني على الكتاب والسنة وليسوا متشبعين منها؛ فعندما يقدمون النصائح يقدمون نصائح بناء على أمزجتهم، بناء على الثقافة العامة التي تلقوها، طبعا هذه الثقافة تكون هجين ربما من كتب الغرب والشرق والشمال والجنوب ومن فلسفات متعددة، فأمثال هؤلاء نصائحهم لا تكون فيها البركة ولا يكون فيها الوضوح.

بخلاف الذين امتلوا وتضلعوا من نصوص الكتاب والسنة، فهؤلاء عندما يجيبون تجد في أجوبتهم نور الكتاب والسنة على ألسنتهم، وتجدهم دائماً يستحضرون ما أمر الله به في كتابه وما أمر به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فتكون الإجابة هي الإجابة النافعة المركزة التي هي صواب لا شك فيه؛ لأنها اعتمدت على ماذا؟ على الحق الذي فيه. وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نتمسك بهذين الأمرين: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي». فأي شيخ وعالم يكون كلامه واعتماده في إجاباته على معين الكتاب والسنة، تجد النور والبركة في هذه الإجابات والخير العميم. فبالتالي احرصوا على هذا النوع من المعلمين، فإن كلامهم أكثر نفعاً وأعمق أثراً وأكثر إصابة من غيرهم.

فمثلاً هنا، انظروا شيخ الإسلام بماذا بدأ؟ قال: أما الوصية فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لمن عقلها واتبعها. يعني أنا لا أحتاج أن أتكلم بشيء من عندي، هكذا يقول ابن تيمية: أنا لا أحتاج أن أوصيك بشيء زائد، ما في كلام الله وفي كلام رسوله من الوصايا هو الجامع النافع. ما هي وصايا الله ورسوله للناس؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]. يعني هذه وصية الله سبحانه وتعالى للأولين والآخرين، تقوى الله سبحانه وتعالى هي رأس كل شيء.

وأيضاً في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً لما بعثه إلى اليمن فقال: «يا معاذ، اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». وجل هذه الوصية ستحوم حول حديث معاذ، لكن المهم الآن المقطع الأول: يا معاذ اتق الله حيثما كنت؛ في أي مكان كنت في هذه الحياة الدنيا، في سر أو في علانية، في شرق أو في غرب، في وظيفة، في مسجد، في درس، رئيس شركة، قم، في بيت، مسؤول، في أي مكان، اتق الله حيثما أقامك الله. فابن تيمية إذاً يرى أن نصوص الكتاب والسنة ركزت على هذه القضية، واعتبرتها أعظم وأجمع الوصايا التي ينتفع بها الإنسان، والذي يستطيع أن يحقق تقوى الله سبحانه وتعالى في حياته حصل على جماع الخير، والذي فاتته هذه الخصلة فلن يحصل على خير بعدها؛ فأساس الخير، وأساس الصلاح، وأساس السير إلى الله سبحانه وتعالى، وأساس الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، أن تحقق تقوى الله في حياتك، وسناتي بعد قليل لنعرف ما معنى تقوى الله سبحانه وتعالى.

طبعاً هنا يعلق شيخ الإسلام بعد حديث معاذ بن جبل ووصية النبي صلى الله عليه وسلم له فيقول: وكان معاذ رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة؛ له مكانه خاصة عند النبي عليه الصلاه والسلام، فانه قال له: «يا معاذ، والله إني لأحبك». وبالتأكيد النبي صلى الله عليه وسلم ما يقول هذه الكلمة لأي شخص. النبي عليه الصلاه والسلام لما يأخذ بيد معاذ ويقول: «والله يا معاذ إني لأحبك»، هذه دلالة أن معاذ حصل على مكانة سامية رفيعة، ويا بخت، زي ما بيقولوا، معاذ الذي النبي الأعظم والقائد الأعلى ومعلم الناس الخير صلوات ربي وسلامه عليه يقول له بصراحة ووضوح: «إني لأحبك». شوف ما أجمل هذا الكلام! وما أجمل هذا النصيب الذي حصل عليه سيدنا معاذ! تخيل النبي عليه الصلاه والسلام يقول لك إنني أحبك! ليس أي شخص، ليس زميلك في جامعة، أو موظف في الشركة، أو حاكم في دولة، كل هذا يهون، النبي الأعظم بنفسه وشحمه ولحمه يقول لمعاذ: «والله إني لأحبك». فعلاً مرتبة عظيمة، واطمئنان وسكينة وجمال، أن الرسول الذي أرسله الله إلى البشرية ليخرجهم من الظلمات إلى النور يحبني! فحقيقة مرتبة عظيمة لهذا الرجل رضي الله عنه.

قال: وكان يردفه وراءه، مما يدل على احتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بمعاذ أنه كان يجعل معاذ يركب خلفه، كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه خلفه وناداه ثلاثاً: يا معاذ. وكل ذلك يقول معاذ: لبيك يا رسول الله. فقال: «هل تدري ما حق العباد على الله وما حق الله على العباد؟». فقال: الله ورسوله أعلم. فذكر الحديث. طبعاً، فكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يركبه وراءه، هذه دلالة أخرى على الاختصاص. قال: وروي فيها الخصيصة الثانية: أعلم الأمة بالحلال والحرام، أعلم أمتي بالحلال والحرام أي بمسائل الفقه، معاذ بن جبل. هذه الخصيصة الثالثة وروي أنه يحشر أمام العلماء برتوة، يعني ما روي في فضيلته أنه يوم القيامة يكون متقدماً على جميع علماء الأمة خطوة، دلالة أنه أفضل علماء هذه الأمة؛ يوم القيامة يكون أمام جميع العلماء متقدماً عليهم بخطوة، دلالة ماذا؟ دلالة كما قلنا أنه أفضل العلماء، فبالتالي كأنه قائدُهم وأميرُهم بين يدي الله.

قال: ومن فضله أيضاً أنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مبلغاً عنه، داعياً، ومفقهاً، ومفتياً، وحاكماً إلى أهل اليمن. هذه منقبة أخرى لمعاذ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه نائباً عنه يتولى الإفتاء والقضاء وتعليم الناس وإرشادهم وإقامة الحجة عليهم إلى أهل اليمن. والحديث المشهور في إرسال معاذ إلى اليمن: «يا معاذ، إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أجابوك بذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» إلى آخر الحديث.

وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم قال له عندما أراد أن يرسله إلى اليمن: «يا معاذ، بم تقضي؟». فقال: بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد؟». قال: فبسنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فإن لم تجد؟». فقال: أجتهد رأيي ولا آلو. إلى غير ذلك من الأحاديث. النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً لأنه يعرف قدر معاذ وفقه معاذ وقراءة معاذ، ارسله إلى اليمن، واليمن عندئذ تعتبر إقليماً كبيراً من أقاليم العرب، وليست اليمن بالحدود الجغرافية الصغيرة اليوم، تعتبر منطقة كبيرة ومهمة جداً، وفيها من القبائل والعشائر الشيء الكثير.

أيضاً من خصائص معاذ، طبعاً احنا الان راح نعرف ليش شيخ الإسلام ابن تيمية عم يذكر مناقب معاذ هنا، مع أن وصيته صغيرة؛ يعني الأصل أنه ما في عنا مجال نذكر مناقب الصحابي، لا، شيخ الإسلام له هدف من ذكر مناقب معاذ بعد الحديث، خلونا نكمل. قال: وكان يشبهه بإبراهيم الخليل عليه السلام. وكان يشبه، أي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشبه معاذ بابراهيم الخليل من حيث الفهم والفقه والامامة، وإبراهيم إمام الناس، إذن معاذ فيه من عناصر الإمامة في الدين ما فيه. قال: وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن معاذ كان أمة، أي إماماً قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين، تشبيهاً له بإبراهيم عليه السلام.

قال: ثم إنه، أعظم، بعد كل هذه المزايا، لماذا يا شيخ الإسلام عم يذكر مناقب معاذ؟ لما يكون عندك شخص عزيز عليك، وترى فيه من الفقه والعلم والحكمة والدراية ما ترى، هذا الشخص بالتأكيد النبي عليه الصلاه والسلام اختصه بأعظم الوصايا وأجمعها؛ لأنه شخص فقيه، على دراية وحكمة، والله أعطاه عقلاً كبيراً جداً، وأنت تحبه وتوده، إذن بالتأكيد مثل هذا الشخص أنت في العادة لن تتهاون في وصيته، أو لن تعطيه شيئاً هكذا عاماً يمشي الأمور، ستعطيه خلاصة ما عندك، ستعطيه أعظم الوصايا وأجمع الوصايا وأفخم الوصايا. فشخص من النبي صلى الله عليه وسلم بهذه بهذا المكان وهذه الحظوه، بالتأكيد النبي عليه الصلاه والسلام أعطى أفخم الوصايا وأعمقها وأجمعها، أنه شخص زي معاذ فقيه وعاقل، لا يحتاج إلى التفصيل الكثير، لا يحتاج إلى التوضيحات بالتشريح، لا يحتاج إلى كلام جامع، هو بعد ذلك يعرف مراميه؛ فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما يقول لمعاذ: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»، إذن هذه بالتأكيد نصيحة محب لمحب، ونصيحة القائد الأعلى لشخص يرى فيه البصيرَة والفقه والعلم، وأنه يستحق أن يعطى قواعد النجاح في الحياة. فكان ابن تيمية أراد أن يرمي إلى هذه القضية، إذن لا يمكن إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أعظم الوصايا وأجمعها باختصار واعتصار؛ لأنه شخص يمكن أن يستفيد من هذه الوصايا بأكمل نفع، على أكمل الوجوه.

إذن قال: ثم إنه صلى الله عليه وسلم وصاه هذه الوصية، فعلم أنها جامعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعطي هذا الكلام الجامع إلا كما قلنا لمن كان له من الحظوة والفهم والعلم عنده. قال: وهي كذلك لمن عقلها، شيخ الإسلام يقول: وفعلاً هذه الوصية: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحوها، وخالق الناس بخلق حسن، قال هي فعلاً وصية عظيمة لمن فهم أبعاد هذه الجمل الثلاث التي عليها يقوم صلاح الدين والدنيا. قال: مع أنها في نفس الوقت هي تفسير الوصية القرآنية. يعني هذه الوصية: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحوها، وخالق الناس بخلق حسن، هو يراها ابن تيمية هي تفسير للوصية القرآنية التي ذكرت في الآية الأولى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131].

طيب كيف تكون هذه الجمل الثلاث تفسيراً للوصية القرآنية؟ سيبين ابن تيمية في هذه الرسالة ارتباط وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالجمل الثلاث لمعاذ بعموم قوله تعالى: اتقوا الله. فإن هذه الجمل الثلاث: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحوها، وخالق الناس بخلق حسن، هذه الجمل الثلاث مرتبطة بعضها ببعض وليست منفصلة كما يمكن أن يتوهم في بادئ الأمر. قال: أما بيان جمعها -الآن سيبين كيف أن وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وصية جامعة- قال: أما بيان جمعها، يعني أما بيان ما اشتملت عليه من جوامع الأمور، فقال: فلأن العبد عليه حق، كل إنسان منا في هذه الحياة الدنيا عليه حق، قال: حق لله، حق بينك وبين رب العالمين، حق الله عليك، وحق لعباده، حق بينك وبين الناس. فالإنسان عليه إما حق لله أو حق للعباد، ممتاز.

قال: ثم الحق الذي عليه، الحق الذي عليك سواء كان حق الله أو حق العباد، قال: لابد أن يخل ببعضه أحياناً بسبب طبيعتنا التي تقوم على النقص. حق الله تقصر فيه ولابد، وحق الناس تقصر فيه ولابد؛ لأننا جبلنا على نقص. طيب، إذاً ثم الحق الذي عليه لابد أن يخل ببعضه أحياناً، إما بترك مأمور به أو بفعل منهي. في علاقتك مع الله: كم من أمر أمرك الله إياه وقصرت فيه! وفي أيضاً باب النهي: كم من شيء نهاك الله عنه وارتكبته واقتحمته! فالتقصير حاصل من بني الإنسان للضعف الذي نحن فيه.

إذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت»، وهي كلمة جامعة. يعني اتق الله، كأنه يريد أن يقول لك: اتق مساقط الله. اجعل، ما معنى كلمة التقوى؟ أنت عندما تتقي شيئاً تجعل بينك وبينه وقاية، حاجزاً. وليس المراد بالتأكيد أن تجعل بينك وبين الله حاجزاً، بالعكس، أنت تريد الوصول إلى الله، فكيف تجعل بينك وبين الله حاجزاً؟ المراد بتقوى الله أن تجعل بينك وبين معاصي الله، بينك وبين سخط الله، بينك وبين غضب الله، حاجزاً. هنا أنت تحتاج أن تضع الحاجز. التقوى هي حواجز، والحواجز لا أضعها بيني وبين الله؛ فأنا أحب الله وأريد أن أصل له، وإنما أضع الحواجز بيني وبين ما يسخط الله، بيني وبين ما يغضب الله، بيني وبين أن يحل علي غضب الله.

فالمطلوب إذاً منك أيها الإنسان وأنت تسير في هذه الحياة الدنيا وتفر إلى الله وتراعي الوصول إلى الله وتذهب في هذا المسير، المطلوب منك ماذا؟ المطلوب منك أن تجعل بينك وبين ما يغضبه وما يسخطه وما يبعدك عنه حواجز وحصوناً وجدراناً وحوائط في أي مكان كنت في الحياة: اتق الله حيثما كنت. في العموم هذه العبارة، والله فعلاً عبارة عميقة: اتق الله حيثما كنت؛ كنت في خلوة ما أحد يراك إلا الله، اتق الله؛ كنت أمام الناس في المجتمع وفي الحياة العملية، اتق الله؛ كنت كما قلت من الرعاية، رئيس لشركة، أم في منزل، حاكم، رئيس وزراء، موظف في الدولة، أينما كنت اجعل تقوى الله بين عينيك، إياك أن تتجاوز حرمات الله، إياك أن تنتهك حرمات الله، إياك أن تقترب مما يسخط الله سبحانه وتعالى، إياك أن يغضب إلهك منك، دائماً اجعل حواجز وحصوناً وجدراناً.

وأمور كثيرة بينك وبينه يغضبه وما يسخطه في أي مكان كنت، إذا قال: «اتّقِ الله حيثما كنت»، وهذه كلمة جامعة. وفي قوله: «حيثما كنت»، تحقيق لحاجته، أي دلالة لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية، حيثما على العموم. ففيها دلالة على أن تقوى الله يجب أن يكافح ويجاهد الإنسان لتحصيلها في سره وفي علانيته.

ثم قال: «وأتبع السيئة الحسنة تمحوها». لما كان تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى وأداء حق الله عليك كما قلنا سيقع فيه تقصير، شيخ الإسلام يقول: الإنسان عليه حق لله وحق للناس. ثم قال: إن الحق الذي عليك ستقصر فيه إما بترك أمر أو فعل، فهنا أخبرك الله أنه إذا حصل منك تقصير في أداء حق الله سبحانه وتعالى فماذا أفعل؟ قال: «وأتبع السيئة الحسنة تمحوها». إنه يا أيها الإنسان أنت لن تؤدي حق الله كاملاً، وسيعرو منك تقصير، وستقع منك ذنوب، وستقع منك خطايا، فالله من رحمته جعل لنا حلولاً مساعدة وشيئاً من الترميم لما أتلفناه.

فهنا الترميم يكون بماذا؟ باتبع السيئة الحسنة تمحوها. أخطأت، عملت معاصي، قصرت في جوانب؛ طيب، عوض بحسنات. إنا عارفين أنك ضعيف، والإنسان فيه أخطاء ولابد أن يخطئ حتماً، لكن ما هي طرق العلاج؟ ما هي طرق الترميم عندما يقع الخطأ؟ طرق الترميم: أخطأت مباشرة، افعل حسنة، افعل طاعة. وسيفصل ابن تيمية أكثر وأكثر في هذه القاعدة وبشكل جميل. قال: فان الطبيب متى تناول المريض شيئاً مضراً، أمره بما يصلحه.

والله سبحانه وتعالى هو طبيبنا ونحن المرضى، فاذا فعلنا ما يضرنا من المعاصي والذنوب التي تضعف حاجز التقوى وتنهكه، فهو سبحانه يعطينا الدواء، الدواء: افعل طاعة، قصرت، زد نصيبك من الخير. قال: والذنب للعبد كأنه أمر حتم، أي ما من عبد إلا ويذنب، والذنب للعبد كأنه أمر حتم أي شيء ملازم لنا لا يمكن أن تحاشى، سنخطئ تماماً. فالكيس هو الذكي، قال: فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات.

هذا هو الإنسان الذكي النبيه، الذي هو: أنا عارف أني ضعيف كإنسان، وعارف أنني ساخدش حاجز التقوى الذي بيني وبين الله بسبب ضعفنا الذي خلقنا عليه، وخلق الإنسان ضعيفاً. فما هو العلاج السريع لترميم الأخطاء؟ قال: وإنما قدم في لفظ الحديث السيئة وإن كانت مفعولة -أي مفعول به ثانٍ- لأن المقصود هنا محوها، فصار كقوله في بول الأعرابي: «صبوا عليه ذنوباً من ماء».

سأقف اليوم عند هذه العبارة وأختم بها وأبينها لكم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا قال؟ قال: «وأتبع السيئة الحسنة». لو أرادنا أن نعرب هذه العبارة: أتبع فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، أي أتبع أنت. الآن أين المفعول به الأول وأين المفعول به الثاني؟ الحسنة هي المفعول به الأول، والسيئة هي المفعول به الثاني. فترتيب الجملة أصلاً كان ينبغي أن يكون هكذا: وأتبع الحسنة السيئة، هكذا كان أصل ترتيب الجملة باعتبار أن الحسنة المفعول به الأول والسيئة هي المفعول به الثاني، أتبع الحسنة السيئة، أي جيب حسنة بعد السيئة.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم عدل عن المفعول به الثاني فقدمه على المفعول به الأول، ليه؟ دائماً في لغة العرب إذا تم تقديم شيء حقه التأخير، فيكون هذا للاهتمام بما تم تقديمه. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «وأتبع السيئة الحسنة»، وقدم المفعول به الثاني على المفعول به الأول، لأن الاهتمام والتركيز والكاميرا مسلطة على المفعول به الثاني. يعني النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخبرك أن إتيانك بالحسنة هنا ليس بمجرد أنك تريد أن تفعل حسنة، لا لا؛ هنا الإتيان بالحسنة وظيفته محاولة إلغاء السيئة وهدم السيئة التي فعلتها.

فلأن السيئة هي المقصودة هنا بفعل الحسنات ولأن التركيز منصب على إجالتها وإزاحتها ومحوها، قدم السيئة على الحسنة ليركز عليه أنه: أنا أخطأت، أنا عملت سيئة، فمحتاج أعمل حسنة، فبالتالي ذكر السيئة وتقديمها دلالة تركيز واهتمام، أن المقصود في هذا الحديث أنني لست أريد أن أفعل حسنة لأنني أفعل حسنة عموماً -وإن كان هذا مطلوباً في سياقات أخرى- لا، أنا أفعل الحسنة هنا في هذا الحديث بأنني أريد أن أمحو بها سيئة وأريد أن أهدم بها خطأ فعلته. فالتقديم السيئة على الحسنة يوضح هذا الأمر ويبين ما هو المقصود هنا بالتحديد من فعل الحسنة، قال: لأن المقصود هنا محوها، أي محو السيئة وليس فقط أن أفعل الحسنة من أجل أن أفعلها، لا، فعل الحسنة أي من أجل أنها حسنة.

قال: فصار كقوله في بول الأعرابي الحديث، لما جاء أعرابي فبال في المسجد، النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ قال: «صبوا عليه» أي على البول «ذنوباً من ماء»، والذنوب هو الدلو، صبوا عليه دلواً ممتلئاً من الماء. ما موطن الشاهد الآن؟ هذه الجملة: صبوا عليه ذنوباً من ماء، الأصل عليه تكون متأخرة، الأصل: صبوا ذنوباً من ماء عليه، صبوا دلواً من ماء على بول الأعرابي، هكذا الأصل، فعليه كان ينبغي أن تكون متأخرة. لكن هنا تم تقديمها، فقال: صبوا على بول الأعرابي دلواً من الماء، ولم يؤخرها، لماذا؟ قال: لأن الشيء المطلوب التركيز عليه هو البول، يعني هو ليس المراد صبوا ذنوباً من ماء، يعني هو ليس أمره أنه مجرد ألقوا دلو من ماء، لا لا، هو يريد من إلقاء الدلو ماذا؟ إزالة البول. فلما كان الشيء المهتم به المعتنى به إزالة البول ومحو أثر البول من المسجد، قدمه في الذكر فقال: صبوا على بول الأعرابي دلواً من الماء.

وهذه قاعدة عامة نافعة لأحبابنا: إذا قدم الله شيئاً أو قدم النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً كان حقه أن يؤخر في الكلام، فإن الاهتمام يكون متوجهاً لهذا الشيء ومنصباً عليه. ثم قال: وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات، لما تتبع السيئة بالحسنة ينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات. هذه القاعدة نافعة، لكن حتى تركزوا فيها أكثر، بدي أخليه إن شاء الله للمجلس القادم؛ لأن وعدنا أحبابنا أن المجلس لا يزيد على نصف ساعة.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. جزاكم الله خيراً جميعاً على الحضور والاهتمام والالتفات إلى هذه المعاني الشريفة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا دوماً على خير وعلى طاعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً.