السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله شيخنا. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أحييكم. تريد نبدأ شيخنا؟ تفضل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا. ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا. وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد.
فأحمد الله عز وجل على ما من به من هذا الللقاء الذي نتدارس فيه رسالة الصلاة للإمام إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. وقبل أن نقرأ هذه الرسالة أحب أن أقدم بثلاث مقدمات.
الأولى عن صحة نسبة هذه الرسالة للإمام أحمد رحمه الله تعالى. فأقول هذه الرسالة صحت نسبتها للإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقد نقلها عنه تلميذه مهنا الشامي رحمه الله تعالى، كما أوردها عنه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة في ترجمة مهنا، فقد أورد الترجمة، فقد أورد الرسالة كاملة في ترجمة مهنا، ومما يدل على ثبوتها أن الحنابلة رحمهم الله تعالى تتابعوا في النقل عنها، فتارة يقولون قال الإمام أحمد في رسالة الصلاة كذا وكذا، وتارة يذكرون حديثا ويقولون رواه الإمام في رسالة الصلاة، وتارة يقولون قال الإمام أحمد في رواية مهنا وينقلون شيئا من هذه الرسالة.
وجد من أهل العلم من أنكر نسبة هذه الرسالة للإمام أحمد رحمه الله، ومنهم الإمام الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء حيث ذكر أن هذه الرسالة ذكر في ترجمة الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: وكذلك رسالة المسيء في الصلاة باطلة. ولما نقل عن ابن الجوزي رحمه الله تعالى بعض مؤلفات الإمام أحمد قال: وكتاب الرسالة في الصلاة. قال الذهبي تعليقا عليه: قلت هو موضوع على الإمام. ولعل الذهبي رحمه الله تعالى إنما أنكر نسبتها إلى الإمام أحمد لأن في إسنادها مجاهيل، وفي أحاديثها مناكير. وفي إسنادها رجال الإسناد إلى هذه الرسالة مجاهيل، وفي أحاديثها بعض الأحاديث مناكير. والإمام أحمد رحمه الله من أهل الحديث، من أئمة الحديث الذين يميزون صحيح الحديث من سقيمه، وهذا الذي جلع الذهبي رحمه الله تعالى إلى إنكار هذه النسبة.
ومن المعاصرين المتأحرين الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في رسالته صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وجدت في بعض الطبعات أن الإمام الألباني رحمه الله تعالى ذكر أن هذه الرسالة لا تصح نسبتها للإمام أحمد رحمه الله تعالى. ولكن كما قلت أهل العلم رحمهم الله تعالى من الحنابلة وهم أخبر بكلام إمامهم فتتابعوا على النقل عنها، فأبو يعلى نقلها كاملة، ابن قدامة في مواضع من المغني، وابن مفلح في الفروع وفي النكت على المحرر، والمرداوي في الإنصاف، والبهوتي في الروض المربع، وكذلك في الكشاف وشرح المنتهى، كلهم ينقلون عن هذه الرسالة، في الروض نقل الذي أستحضره ثلاث نقولات في موضع واحد هو الذي قال رواه الإمام أحمد في رسالته في الصلاة، وفي موضعين يقول قال الإمام أحمد كذا وهو موجود في هذه الرسالة.
في حاشية بعض النسخ الخطية كلام لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في إثبات نسبة هذه الرسالة للإمام أحمد نقله وهذا الكلام موجود بخط ابن عروة والذي نقله من خط شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن المحب. ونص كلام الشيخ رحمه الله تعالى يقول: هذه الرسالة معروفة عن أحمد عند أصحابه حتى أخذوا منها مذهبه في مواضع، وقالوا قال في رواية مهنا كذا، يعنون هذه الرسالة كما يذكر ذلك القاضي أبو يعلى وأبو محمد المقدسي وغيرهما، أبو محمد المقدسي ابن قدامة رحمه الله.
ولفظ الحديث يتناول في اصطلاحه، يعني الآن سيأتينا في هذه الرسالة وفي الحديث ويذكر كذا، قد يكون في الحديث ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل من كلام كما سيأتينا مثلا من كلام عمر الموقوف، فيقول شيخ الإسلام يقول: ولفظ الحديث يتناول في اصطلاحه، يعني اصطلاح الإمام أحمد، كل ما روي بإسناد، سواء كان عن الصحابة أو التابعين، سواء كان مسندا أو مرسلا، أو كان من الإسرائيليات.
طيب عندنا إشكال ثاني وهو هل تجوز رواية الأحاديث الضعيفة؟ يقول الشيخ رحمه الله في هذا الكلام: وإذا لم يكن في هذه الآثار ما يخالف الأصول، ولا يعلم أنه كذب، ومعناه يوافق الأصول، جازت روايته. طيب يأتينا بعض الأحاديث بالمعنى، فيقول الشيخ: والحديث يذكره المفتي تارة بلفظه وتارة بمعناه ليفهم المخاطبين. إذا هذه الكلام شيخ الإسلام أجاب عن عدة استشكالات قد تطرأ في ذهن القارئ، قد يستشكل كيف يقول الإمام أحمد كذا، فهذه فيها إشكالات.
هناك حاشية أخرى لابن المبرد رحمه الله تعالى وكأنها جواب على كلام الذهبي، يقول: واعلم أن بعضهم أنكر هذه الرسالة أن تكون للإمام أحمد، وقال إن رجال إسنادها مجاهيل وفيها أحاديث لا تعرف. قال في الجواب: أقول هذه الرسالة من له أدنى معرفة يعلم أنها في الأصل للإمام أحمد ولكن فيها زيادات لغيره، يعني قد تكون في بعض النسخ لأنه سيأتي ذكر بعض الزيادات التي أشار إليها، يعني بعض النسخ يأتي الحديث في نهايته رواه مسلم، وما الإمام أحمد قبل الإمام مسلم، كيف يقول رواه مسلم؟ يقول: هذه الزيادات هي التي زيادات لغيره، ولكن أصل هذه الرسالة لأحمد، ولكن فيها زيادات لغيره، وليس في سندها أحد مجهول إلا عند من لا معرفة له، وليس فيها حديث لا يعرف إلا عند من لا معرفة له بالأحاديث، ولكن غالب ما فيها مقاطيع ومنتقى من أحاديث مذكورة لأحاديث مشهورة معروفة عند ذوي المعرفة، ذكرها في مقام الاحتجاج للرواية، يعني هو لا يروي لأجل أن يقال لابد أن يكون الحديث صحيحا، لا، هو الآن يحتج، فالاحتجاج العلماء يحتجون أحيانًا بما ضعف سنده إذا كان لا يوافق الأصول. قال: وأما المزاد عليها فمعلم عليه وهو يعلم ضرورة فإن فيها أحاديث مزادة معزوة إلى من هو بعد أحمد من صحيح مسلم وسنن أبي داود، وذلك معلوم والله أعلم. وهاتان الحاشيتان ذكرهما الشيخ عبد الله سليمان في قناته كناش النفائس سابقًا.
هذه المقدمة الأولى. المقدمة الثانية: هذه الرسالة كتبها الإمام أحمد رحمه الله كما سيأتينا نصيحة لأناس وجد منهم أخطاء في الصلاة، وأغلب الأخطاء تتعلق بمسابقة الإمام في الصلاة، فكتب هذه النصيحة والتحذير وضمنها بعض أحكام الصلاة، وسنستعرض المسائل التي تكلم فيها الإمام، تكلم عن مسابقة الإمام، وتكلم عن أن المشروع هو المتابعة، وفيها كلام عن المسابقة ذكر أن مسابقة الإمام لن يستفيد من سبقه لأنه سينتظر إلى سلام الإمام، فهو لن يسلم قبل الإمام، تكلم أيضًا عن المتابعة المشروعة كما قلنا، وتكلم عن إثم من لم ينبه المسابق في صلاته، وتكلم عن شيء من تلبيس الشيطان على المصلين، وهذا كله في مسابقة الإمام في الصلاة.
ثم تكلم عن تعظيم أمر الصلاة في القرآن، وذكر أوجها لتعظيم أمر الصلاة في القرآن، ثم تكلم عن تنبيهات متعلقة باطمئنان الإمام في الصلاة، وأن اطمئنانه في الصلاة سبب لعدم مسابقة المأمومين له، ثم تكلم عن تقديم الأولى في الإمامة، وذكر أن من مهام الإمام تسوية الصف، وتكلم عن تسوية الصفوف، ثم تكلم عن بعض المسائل المتعلقة بصفة الصلاة، من سكتات الإمام، كيفية السجود والرفع منه، النظر لموضع السجود، صفة السجود المشروع، صفة الركوع المشروع، صفة الجلوس للتشهد، الصلاة إلى السترة، ما يفعل من مر بين يديه أحد. أيضا تكلم عن ما يفعل إذا صلى راتبة الفجر، ماذا يفعل بينه وبين الإقامة، ثم تكلم عن آداب المشي إلى المسجد، ثم تكلم عن الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، ثم عاد في آخر الرسالة إلى الكلام إلى أن تضيع الصلاة ومسابقة الإمام فيها، ثم ذكر أن سبب وجود الأخطاء والنقص في الصلاة سكوت أهل العلم عن النصيحة، وهذا كله تقريبا يدور حول أخطاء وتنبيهات في الصلاة.
طيب، المقدمة الثالثة: لماذا نقرأ مثل هذه الرسائل؟ هذه الرسائل حقيقة فيها نصح وواعظ وتحريك للقلوب وليست مجرد أحكام، وطالب العلم ينبغي له ألا يدع القراءة في كتب الوعظ وما يرقق قلبه، سواء كانت من كتب الوعظ أو كانت من كتب التفسير أو كتب الأحاديث التي تهتم بهذا الجانب، لأن العلم حقيقة هو الخشية لله عز وجل، والذي يزيدك الخشية لله عز وجل هو التفكر في أسماء الله وصفاته وعظيم قدره وجلاله ونحو ذلك، هذا لا تستفيده بقراءة كتب الأحكام المجردة، صحيح قراءة كتب الأحكام المجردة فيها خير عظيم، لكن تحتاج إلى ما يسقل قلبك ويزيدك إيمانا وخشية من الله عز وجل، فتقرأ مثل هذه الرسائل، فالإمام أحمد رحمه الله يعني مازج الوعظ والنصح ببيان الأحكام في هذه الرسالة.
طيب هذه مقدمة يسيرة تكلمت فيها قبل أن نبدأ في هذه القراءة. وكما قلت لكم إن هذه الرسالة موجودة في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى في ترجمة مهنا وطبعت مفردة مراراً.
الله يحسن إليك يا شيخ. جزاكم خير. كذا واضح الصوت شيخنا عندكم؟ واضح واضح.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
قال القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى رحمه الله في طبقاته في ترجمة مهنا بن يحيى الشامي رحمه الله تعالى صاحب الإمام أحمد: أخبرنا المبارك قراءة قال: أخبرنا إبراهيم قال: أخبرنا أبو عمر قال: أخبرنا أحمد القطان الهيثي قال: حدثنا سهل التستري، قرئ على مهنا بن يحيى الشامي: هذا كتاب في الصلاة وعظم خطرها، وما يلزم الناس من تمامها وإحكامها، يحتاج إليه أهل الإسلام لما قد شملهم من الاستخفاف بها والتضييع لها ومسابقة الإمام فيها، كتبه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه إلى قوم صلى معهم بعض الصلوات.
أي قوم، إني صليت معكم فرأيت من أهل مسجدكم من يسابق الإمام في الركوع والسجود والخفض والرفع، وليس لمن سبق الإمام صلاة بذلك. جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.
جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار» وذلك لإساءته صلاته، لأنه لا صلاة له، ولو كانت له صلاة لرجى له الثواب ولم يخف عليه العقاب أن يحول الله رأسه رأس حمار. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم».
وجاء عن البراء.
أحسنت، هنا يتكلم عن المسابقة، وذكر أن من سابق الإمام في الصلاة فلا صلاة له، طبعا هذا الإطلاق هو أحد الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والمشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى التفصيل في هذه المسألة، وأنه إذا سبق إلى الركن وأعاد قبل أن يدركه الإمام فإنه تصح صلاته، لكن هنا الإمام أحمد رحمه الله أطلق الكلام في هذا، وهذه كما قلنا إحدى روايات الإمام أحمد، ولذلك ابن مفلح في الفروع والمرداوي في الإنصاف ذكروا هذه الرواية عن الإمام أحمد وعزوها إلى رواية مهنا، بل إلى هذه الرسالة، وأيضًا الموفق والشارح ذكروا هذا الرأي للإمام أحمد وعزوه إلى رواية مهنا. نعم.
أحسن الله عليكم. قال رحمه الله تعالى: وجاءني البراء بن عازب قال: كنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا انحط من قيامه للسجود لا يحني أحد منا ظهره حتى يضع النبي صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض. فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبثون خلفه قيامًا حتى ينحط النبي صلى الله عليه وسلم لركبته.
وجاء الحديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستوي قائمًا وإنا لسجود بعد.
وجاء الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه نظر إلى من سبق الإمام فقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت. والذي لم يصل وحده ولم يقتدي بإمامه فذلك لا صلاة له.
وجاء الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه نظر إلى من سبق الإمام فقال له: ما صليت وحدك ولا صليت مع الإمام، ثم ضربه وأمره أن يعيد الصلاة. ولو كانت له عند عبد الله بن عمر لما أوجب عليه الإعادة.
وجاء عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: صلى بنا أبو موسى الأشعري، فقال رجل خلفه أق.
أقرت الصلاة؟ هكذا يا شيخ؟ عندك كذا الأقرت؟ إي نعم. إي طبعًا هي الموجودة في صحيح مسلم. أقرت الصلاة، أنا عندي أقورنت. أقورنت في الصلاة، طبعًا المعنى واحد. المعنى واحد ولذلك. الإمام النووي رحمه الله قال في شرحها: قالوا معناه قرنت بهما، قرنت في الصلاة في البر والزكاة. فكأنه هنا ذكرت في المعنى. نعم.
صلى الله عليكم، قال لنا في الحاشية حاشية الشيخ أحمد شاكر: وفي المخطوطة أقورنت الصلاة، وأقرت استقرت معها وقرنت بهما. الله أحسن. قال فقال رجل خلفه: أقرت الصلاة بالبر والزكاة. فلما قضى أبو موسى الصلاة قال: أيكم القائل هذه الكلمات؟ فأرم القوم ثم سألهم فأرموه، فقال: لعلك يا حطان قلتها. قال: قلت والله ما قلتها، لقد خفت أن تبكعني بها.
فقال أبو موسى: ما تدرون ما تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ علمنا صلاتنا وعلمنا ما نقول فيها، قال رسول الله ﷺ: «إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يحيكم الله، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، وإذا رفع رأسه وقال سمع الله لمن حمده فارفعوا رؤوسكم وقولوا اللهم ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم، فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، وإذا رفع رأسه وكبر فارفعوا رؤوسكم وكبروا». قال رسول الله ﷺ: «تلك بتلك». «وإذا كان في القعدة فليكن من قول أحدكم: التحيات لله والصلوات والطيبات» حتى تفرغوا من التشهد.
قول النبي ﷺ «إذا كبر فكبروا» معناه أن تنتظروا الإمام حتى يكبر ويفرغ من تكبيره وينقطع صوته ثم تكبرون بعده. والناس يغلطون في هذه الأحاديث ويجهلونها مع ما عليه عامة الناس من الاستخفاف بالصلاة والاستهانة بها، فساعة يأخذ الإمام في التكبير يأخذون معه في التكبير، وهذا خطأ لا ينبغي لهم أن يأخذوا في التكبير حتى يكبر الإمام ويفرغ من تكبيره وينقطع صوته.
وهكذا قال النبي ﷺ: «إذا كبر الإمام فكبروا»، والإمام لا يكون مكبراً حتى يقول الله أكبر، لأن الإمام لو قال الله ثم سكت لم يكن مكبراً حتى يقول الله أكبر فيكبر الناس بعد قوله الله أكبر، وأخذهم في التكبير مع الإمام خطأ وترك لقول النبي ﷺ، لأنك إذا قلت: إذا صلى فلان فكلمه، معناه أن تنتظره حتى إذا صلى وفرغ من صلاته كلمه، وليس معناه أن تكلمه وهو يصلي.
وكذلك معنى قول النبي ﷺ «إذا كبر الإمام فكبروا»، وربما طول الإمام في التكبير إذا لم يكن له فقه، والذي يكبر معه ربما جزم التكبير ففرغ من التكبير قبل أن يفرغ الإمام، فقد صار هذا مكبراً قبل الإمام، ومن كبر قبل الإمام فليست له صلاة لأنه دخل في الصلاة قبل الإمام وكبر قبل الإمام فلا صلاة له.
أحسنت هنا يتكلم عن المتابعة المشروعة، فالمتابعة المشروعة أن ينتظر الإمام حتى يفرغ من العمل ثم يتبعه، وهي واجبة في تكبيرة الإحرام. في تكبيرة الإحرام يجب على المأمومين ألا يشرعوا في تكبيرة الإحرام حتى ينتهي الإمام من التكبير، فيقول الله أكبر وينطقها كاملة ثم يشرعوا. فإن شرعوا معه أو قبله أو شرعوا بعده لكن قبل أن ينتهي، يعني وهو يقول أكبر، جاء واحد يكبر قبل أن ينطق الإمام حرف الرَّاء من أكبر، فنقول هنا لا صلاة له لأنه دخل في الصلاة قبل أن ينتهي الإمام من التكبير فلم يطبق الحديث: «إذا كبر فكبروا»، وهذا خاص بتكبيرة الإحرام، فالموافقة فيها أو المسابقة هذه محرمة ولا تنعقد معها الصلاة.
أما غيرها من التكبيرات فإنها أخف منها فتكون على الكراهة. وهنا المؤلف رحمه الله تعالى الإمام أحمد رحمه الله تعالى ظاهر كلامه هنا أن المتابعة المشروعة -وسيأتي ذلك قريبا أيضا- أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد أن ينتهي الإمام منها. ففي الركوع مثلا إذا استقر الإمام راكعا وانتهى من قول الله أكبر يبدأ المأموم يشرع في التكبير. وفي السجود إذا وضع جبهته في الأرض وانتهى من قول الله أكبر يبدأ المأموم يشرع في السجود، وهكذا.
وهذا كما قلنا هو كلام الإمام أحمد رحمه الله هنا، وهو الذي نص عليه الموفق في المغني والشارح في الشرح، لكن المتأخرين من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى من المرداوي فما بعده ذكروا أن المتابعة المشروعة -يقصدون طبعًا في غير تكبير الإحرام في الأفعال غيرها- أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد الإمام، يعني لا يلزم أن يصل الإمام إلى الركن الآخر، لا، حتى لو لم يصل فإن هذا مشروع، لك أن تأتي بعده. هكذا قرر الإمام، وإن كان ظاهر فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع النبي ﷺ كما جاء في حديث البراء التي قبل قليل أنهم ينتظرونه حتى يجد النبي ﷺ قد وضع جبهته في الأرض ثم يتبعونه. نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وقول النبي ﷺ «إذا كبر وركع فكبروا واركعوا» معناه أن ينتظروا الإمام حتى يكبر ويركع وينقطع صوته وهم قيام ثم يتبعونه. وقول النبي ﷺ «فإذا رفع وقال سمع الله لمن حمده فارفعوا رؤوسكم وقولوا اللهم ربنا لك الحمد» معناه أن ينتظر الإمام ويثبت ركوعًا حتى يرفع الإمام رأسه ويقول سمع الله لمن حمده وينقطع صوته وهم ركع ثم يتبعونه فيرفعون رؤوسهم ويقولون اللهم ربنا ولك الحمد. وقوله «وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا» معناه أن يكونوا قيامًا حتى يكبر وينحط للسجود ويضع جبهته على الأرض وهم قيام ثم يتبعونه، وكذلك جاء عن البراء بن عازب، وهذا كله موافق لقول النبي ﷺ: «الإمام يركع قبلكم ويسجد قبلكم».
وقول النبي ﷺ: «وإذا رفع رأسه وكبر فارفعوا رؤوسكم وكبروا» معناه أن يثبتوا سجودًا حتى يرفع الإمام رأسه فيكبر، فإذا انقطع صوته وهم سجود اتبعوه فرفعوا رؤوسهم. وقول النبي ﷺ: «فتلك بتلك» يعني انتظاركم إياه قيامًا حتى يكبر ويركع وأنتم قيام ثم تتبعونه، وانتظاركم إياه ركوعًا حتى يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده وأنتم ركوع، فإذا قال: سمع الله لمن حمده وانقطع صوته وأتم ركوع وأنتم ركوع اتبعتموه فرفعتم رؤوسكم وقلتم: ربنا لك الحمد. وقوله: «فتلك بتلك» في كل رفع وخفض، وهذا تمام الصلاة، فاعقلوه وأبصروه وأحكموه، واعلموا أن أكثر الناس اليوم ما يكون لهم صلاة لسبقهم.
أحسنت، قوله: «فتلك بتلك» ما معناها؟ يقول النووي رحمه الله: معنى تلك بتلك أن اللحظة التي سبقكم بها الإمام في تقدمه للركوع تنجبر لكم بتأخيركم في الركوع بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة بتلك اللحظة وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه. وقال مثله في السجود، فكونكم أنتم تأخرتم عن الإمام قليلًا في الركوع لأجل المتابعة المشروعة، قد يقول قائل: طيب الإمام ركع أكثر منه؟ نقول: لا، إذا رفع الإمام من الركوع فأنت مكثت قليلًا بعد رفعه من الركوع، فهذا المكث القليل بعد رفع الإمام من الركوع يقابل سبق الإمام لك في الركوع في أول الركن، فتلك بتلك.
قال رحمه الله: وهذا تمام الصلاة فأعقلوه وأبصروه وأحكموه، واعلموا أن أكثر الناس اليوم ما يكون لهم صلاة لسبقهم الإمام بالركوع والسجود والرفع والخفض، وقد جاء الحديث وقال: «يأتي على الناس زمان يصلون ولا يصلون»، وقد تخوفت أن يكون هذا الزمان. لو صليت في مائة مسجد ما رأيت أهل مسجد واحد يقيمون الصلاة على ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه رحمة الله عليهم.
فاتقوا الله وانظروا إلى صلاتكم وصلاة من يصلي معكم، واعلموا لو أن رجلاً أحسن الصلاة فأتمها وأحكمها ثم نظر إلى من أساء في صلاته وسبق الإمام فيها فسكت عنه ولم يعلمه بإساءته ومسابقته الإمام فيها ولم ينهه عن ذلك ولم ينصحه، شاركه في وزرها وعارها، فالمحسن في صلاته شريك المسيء في إساءته إذا لم ينهه ولم ينصح. وجاء الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة لتركهم ما لزمهم وما وجب عليهم من التغيير والإنكار على من ظهرت منه الخطيئة.
طيب أحسنت، هنا يتكلم عن إثم من لم ينبه المسابق في صلاته، يقول: إن من أحسن صلاته وأتى بها على الوجه المطلوب لكنه رأى أناساً يسيئون صلاتهم وسكت عنهم، تراه مشاركاً لهم في الإثم لأنه لم يغير هذا المنكر الذي رآه وهو قادر على تغييره وتنبيهه، وتغيير المنكر كما لا يخفى عليكم على درجات، إما أن يكون بيده إذا كان له سلطة، أو بلسانه، أو بقلبه وذلك أضعف الإيمان. نعم.
أحسن الله عليكم، قال: وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: «ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه»، فلولا أن تعليم الجاهل واجب على العالم لازم له وفريضة وليس بتطوع ما كان له الويل في السكوت عنه وفي ترك تعليمه، والله تعالى لا يؤاخذ من ترك التطوع إنما يؤاخذ من ترك الفرائض، فتعليم الجاهل فريضة فلذلك كان له الويل في السكوت عنه وترك تعليمه. فاتقوا الله في أموركم عامة وفي صلاتكم خاصة، واتقوا الله في تعليم الجاهل فإن تعليمه فريضة واجب لازم، والتارك لذلك مخطئ آثم، فأمروا أهل كل مسجد بإحكام الصلاة وإتمامها، وألا يكون تكبيرهم إلا بعد تكبير الإمام، ولا يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم إلا بعد تكبير الإمام وبعد ركوعه وسجوده ورفعه وخفضه، واعلموا أن ذلك من تمام الصلاة وذلك واجب على الناس واللازم لهم كذلك جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه رحمة الله عليهم.
أحسنت الآن سأتكلم عن تلبيس الشيطان على بعض المصلين في أنهم يأتون بأمور فاضلة لكنهم يضيعون أمورا تؤثر عليهم في أجر صلاتهم. نعم. أحسن الله عليكم.
قال: ومن العجب أن الرجل يكون في منزله فيسمع الأذان فيقوم فزعًا يتهيأ ويخرج من منزله يريد الصلاة ولا يريد غيرها، ثم لعله يخرج في الليلة المطيرة ويتخبط في الطين ويخوض الماء وتبل ثيابه، وإن كان في ليالي الصيف فليس يأمن العقارب والهوام في ظلمة الليل، ولعله مع هذا أن يكون مريضًا ضعيفًا، فلا يدع الخروج إلى المسجد فيحتمل هذا كله إيثارًا للصلاة وحبًا لها وقصدًا إليها. أحسن الله عليك، فيحتمل هذا كله إيثارًا للصلاة وحبًا لها وقصدًا إليها لم يخرجه من منزله غيرها.
فإذا دخل مع الإمام في الصلاة خدعه الشيطان فيسابق الإمام في الركوع والسجود والخفض والرفع، خدعًا من الشيطان له يريد إبطال صلاته وإحباط عمله فيخرج من المسجد ولا صلاة له. أحسن الله عليك، هنا يقول يعني هو من تلبيس الشيطان على بعض المصلين أنه يجعل هذا الإنسان مبادرا للصلاة ويتحمل المشاق في سبيل الصلاة في المسجد، لكن لو وصل المسجد يسابق الإمام، يسابق الإمام ذهب أجره، ذهب أجره لأنه لا صلاة له، فالشيطان أشغله عن الحصول على الأجر، أشغله ووسوس له وسول له وحصل أجر أن يبادر إلى الصلاة، لكن ذهب أجر الصلاة كله بمسابقة الإمام. وهذا من وساوس الشيطان ومداخله على بني آدم، فإنه فإن له خطوات معه، ومن ذلك أن يشغلهم بالعمل المفضول على الفاضل، فالآن الغاية أن يصلي ويأتي بأجر الصلاة تامة، فالشيطان يجعله يهتم بالوسائل، فإذا جاءت الغاية أبعده عنها فلم يحصل أجر الصلاة، لماذا؟ لمسابقته التي من آثارها أو من أسبابها قد يكون من أسبابها الجهل بالحكم، قد يكون من أسبابها ترك التناصح والتواصي. طبعًا الجهل بالحكم هذا يكون عذراً إلا إذا كان منه تقصير أو تفريط في ترك التعلم، فهذا كما يقرره العلماء أنه لا يكون عذراً. نعم.
أحسن الله إليكم، قال ومن العجب بأنهم كلهم يستيقنون -أحسن الله إليك- أنه ليس أحد ممن خلف الإمام ينصرف من صلاته حتى ينصرف الإمام، وكلهم ينتظرون الإمام حتى يسلم وهم كلهم إلا ما شاء الله يسابقونه في الركوع والسجود والرفع والخفض، هذا من الشيطان لهم واستخفافًا بالصلاة منهم واستهانة بها، وذلك حظهم من الإسلام، وقد جاء في الحديث: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة»، فكل مستخف بالصلاة مستهين بها هو مستخف بالإسلام.
مستهين بها هو مستخف بالإسلام مستهين به. وإنما حظه من الإسلام على قدر حظه من الصلاة، ورغبته في الإسلام على قدر رغبته في الصلاة.
فاعرف نفسك يا عبد الله، واعلم أن حظك من الإسلام وقدر الإسلام عندك بقدر حظك من الصلاة وقدرها عندك. واحذر أن تلقى الله ولا قدر للإسلام عندك. فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك.
وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصلاة عمود الإسلام. ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط، ولم تنتفع بالطنوب ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنوب والأوتاد، فكذلك الصلاة من الإسلام».
فانظروا رحمكم الله واعقلوا وأحكموا الصلاة، واتقوا الله فيها، وتعاونوا عليها، وتناصحوا فيها بالتعليم من بعضكم لبعض، والتذكير من بعضكم لبعض من الغفلة والنسيان؛ فإن الله عز وجل قد أمركم أن تتعاونوا على البر والتقوى، والصلاة أفضل البر.
وجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة. ولا يصلين أقوام لا خلاق لهم».
وجاء الحديث أن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من أعماله صلاته؛ فإن تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله، وإن ردت عليه صلاته رد سائر عمله. فصلاتنا آخر ديننا وهي أول ما نسأل عنه غدًا من أعمالنا، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين.
فإذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام، فكل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه. فتمسكوا رحمكم الله بآخر دينكم.
وليعلم المتهاون بصلاته المستخف بها المسابق الإمام فيها أنه لا صلاة له، وأنه إذا ذهبت صلاته ذهب دينه. فعظموا الصلاة رحمكم الله وتمسكوا بها، واتقوا الله فيها خاصة وفي أموركم عامة.
اعلموا أن حظ الإنسان من الإسلام هو حظه من الصلاة، وإذا حافظ على الصلاة وأتى بها الوجه المطلوب فهذا هو قدر الإسلام عنده، فهذا هو قدر الإسلام في قلبه؛ قدر الإسلام في قلبك قدر الصلاة في قلبك.
جاء التنبيه من شيخ الإسلام رحمه الله في هذه الرسالة أن قوله في الحديث يعني ما روي بإسناد، كان إما أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول الصحابة والتابعين وغيره. وهذا القول جاء في شرح الزركشي عن مختصر الخرقي قال: وقال عمر، كذا ذكره الإمام أحمد في رسالته.
وهذا النص أيضًا وما بعده، فكل مستخف بها مستهين بها إلى قوله: وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنوب والأوتاد؛ هذا نقله ابن القيم من كلام الإمام أحمد. نقله ابن القيم في كتابه رسالة في الصلاة وحكم تاركها، وذكر أنه من كلام الإمام أحمد في رسالة الصلاة.
ثم نقل أيضًا ما بعده: وجاء في الحديث أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله صلاته، إلى قوله: فكل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه. والموفق والشارح ذكروا هذا الكلام بنحوه، أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله الصلاة. وقال الإمام أحمد: كل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه، ليست بهذه العبارة التي في المغني والشرح. وأيضًا في الروض، هذه إحدى العبارات التي وردت في الروض من كلام الإمام أحمد رحمه الله في الرسالة، يعني بنحو هذه العبارة.
صلى الله عليكم، قال رحمه الله تعالى: واعلموا أن الله عز وجل لقد عظم خطر الصلاة في القرآن وعظم أمرها وشرفها، وخص أصحاب الذكر من بين الطاعات كلها في مواضع من القرآن كثيرة، وأوصى بها خاصة.
فمن ذلك أن الله تعالى ذكر أعمال البر التي أوجب لأهلها الخلود في الفردوس، فافتتح تلك الأعمال بالصلاة وختمها بالصلاة، وجعل تلك الأعمال التي جعل لأهلها الخلود في الفردوس بين ذكر الصلاة مرتين.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]. فبدأ من صفتهم بالصلاة عند مديحه إياهم، ثم وصفهم بالأعمال الظاهرة الزكية المرضية إلى قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 8-11]. فأوجب الله عز وجل لأهل هذه الأعمال الشريفة الزاكية المرضية الخلود في الفردوس، وجعل هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين.
هذا الموضع الأول الذي خص الله به الصلاة بمزيد فضل؛ فذكر من صفات المؤمنين أول صفة: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، ثم ذكر عدة صفات، ثم ختم بالصلاة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فبدأ بالصلاة وختم بها، وهذا دليل على عظمها.
ثم هنا ليست للترتيب وإنما هي لعطف الخبر على الخبر؛ يعني كأنه يقول: والموضع الثاني كذا كذا، والموضع الثالث كذا كذا، فستجد أنه يكرر «ثم» فليست للترتيب، وإنما هي لعطف الخبر على الخبر. وقد جاءت في القرآن بهذا المعنى في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 154]. جاء قبلها الوصايا العشر: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151] إلى آخره. ثم في الآية الثالثة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: 153]. ثم قال: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾. فإيتاء موسى الكتاب ليس بعد أمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الوصايا العشر، وإنما هذا عطف خبر على خبر، كأنه يقول: وأيضًا فنحن آتينا موسى الكتاب وكذا وكذا. وبذلك فسره ابن كثير رحمه الله تعالى وأنها ليست بالترتيب. ولها نظير في الشعر، في قول الشاعر: كل من ساد ثم ساد أبوه، ثم قد ساد قبل ذلك جده. فسيادة الجد قبل سيادة الأب، وسيادة الأب قبل سيادة الابن. فهذا من عطف الخبر على الخبر وليس للترتيب.
قال: ثم عاب الله عز وجل الناس كلهم وذمهم ونسبهم إلى اللؤم والهلع والجزع والمنع للخير، إلا أهل الصلاة فإنه استثناهم منهم. فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 19-25].
ثم وصفهم بالأعمال الزاكية الطاهرة الماضية الشريفة إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: 33]. ثم ختم بالثناء عليهم ومدحهم بأن ذكرهم بمحافظتهم على الصلاة فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: 34-35]. فأوجب لأهل هذه الأعمال الكرامة في الجنة، وافتتح ذكر هذه الأعمال وختمه بالصلاة، فجعل ذكر هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين، وهذا مثل السابق في آية سورة المعارج ومثل آية سورة المؤمنون بدأ بذكر الصلاة وختم بذكر الصلاة.
قال: ثم أذن الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الطاعات كلها جملة وأفرد الصلاة بذكر بين الطاعات كلها والصلاة هي من الطاعة. وقال عز وجل: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 27] وأقم الصلاة. ففسر أحمد التلاوة هنا بأنها اتباع كتاب الله، ففي تلاوة كتاب الله فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المعاصي. فخص الصلاة بالذكر فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] وإلى الصلاة خاصة.
هنا: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ يشمل جميع الطاعات واجتناب جميع المعاصي، لماذا؟ لأن التلاوة هنا بمعنى الاتباع، فهي تأتي بمعنى القراءة وبمعنى الاتباع. وجاء في اللغة يقول: جاء زيد يتلوه خالد، يعني يتبعه. وهذا منه: اتل الكتاب، اتل ما أوحي إليك من الكتاب، يعني اتبع ما أوحي إليك من الكتاب. فتلاوة القرآن إذا تتضمن معنى الاتباع، وفي الكتاب أمر بإقامة الصلاة بعد ذلك. الله عز وجل قال: وأقم الصلاة، فكأنه أمر بإقامة الصلاة مرتين، وهذا دليل على أهمية الصلاة حيث عطف الخاص على العام، وعطف الخاص على العام يقتضي الاهتمام بشأنه.
قال: وإلى الصلاة خاصة ندبه الله عز وجل فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: 132]. فأمر أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها، ثم أمر الله تعالى جميع المؤمنين بالاستعانة على طاعته كلها بالصبر، ثم خص الصلاة بالذكر من بين الطاعات كلها فقرنها مع الصبر بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
وكذلك أمر الله تعالى بني إسرائيل بالاستعانة بالصبر والصلاة على جميع الطاعة، ثم أفرد الصلاة من بين الطاعة فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45].
ومثل ذلك ما أخبر الله عز وجل به من وصية خليله إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 72-73]. فذكر الخيرات كلها جملة وهي فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المعصية، وأفرد الصلاة بالذكر وأوصاهم بها خاصة.
ومثل ذلك ما ذكر عن إسماعيل عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55]. فبدأ بالصلاة.
ومثل ذلك عن نبيه موسى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: 9] إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. فأجمل الطاعة واجتناب المعصية في قوله لموسى فاعبدني، وأفرد الصلاة وأمر بها خاصة.
ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُمْسِكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: 170]. والتمسك بالكتاب يأتي على فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المعصية، ثم خص الصلاة بالذكر فقال: وأقاموا الصلاة.
وإلى تضييع الصلاة نسب الله عز وجل من أوجب له العذاب قبل المعاصي فقال عز وجل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. فمن اتباع الشهوات ركوب جميع المعاصي، فنسبهم الله إلى جميع معصيته في تضييع الصلاة.
فهذا ما أخبر الله به من آي القرآن من تعظيم الصلاة وتقديمها بين يدي الأعمال كلها، وإفرادها بالذكر من جميع الطاعات، والوصية بها خاصة دون أعمال البر عامة. فالصلاة خطرها عظيم وأمرها جسيم، وبالصلاة أمر الله تبارك وتعالى رسوله أول ما أوحي إليه بالنبوة قبل كل عمل وقبل كل فريضة. وبالصلاة أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من الدنيا قال: «الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم».
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أوجهًا من اهتمام القرآن بأمر الصلاة، إما أن يؤمر بها وحدها، أو تكرر، أو تعطف على الأعمال كلها، ونحو ذلك. وفي الموضع الأخير ذكر أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بها قبل كل عمل، وذلك لأن من أوائل ما نزل سورة المزمل، وفيها أمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2]. وهذا دليل على عظم أمر الصلاة، وقد أمر بها في أول الإسلام؛ طبعًا لم تكن الصلاة التي نعرفها خمس صلوات في اليوم والليلة ونحو ذلك، لا، كانت ركعتين وتزاد ركعتين ركعتين، ثم جاء تحديدها في خمس صلوات في ليلة الإسراء والمعراج.
ثم قالوا: بالصلاة أمر النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من الدنيا: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم». فعبادة أمر الله عز وجل بها وأكد أمرها في آيات كثيرة، وبدأ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها في أول البعثة، والنبي صلى الله عليه وسلم أكد عليها قبل خروج روحه، فهذه عبادة حقيق بنا أن نحرص على أدائها على الوجه المطلوب.
قال رحمه الله: وجاء الحديث أنها وصية كل نبي لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا. وجاء في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجود بنفسه ويقول: «الصلاة الصلاة».
الصلاة أول فريضة فرضت عليه، وهي آخر ما أووصى به أمته، وآخر ما يذهب من الإسلام، وهي أول ما يسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة، وهي عمود الإسلام، وليس بعد ذهابها إسلام ولا دين.
فالله الله في أموركم عامة وفي صلاتكم خاصة، فتمسكوا بها واحذروا تضييعها والاستخفاف بها ومسابقة الإمام فيها وخداع شيطان أحدكم وإخراجه إياكم من دينكم؛ فإنها آخر دينكم، ومن ذهب آخر دينه فقد ذهب دينه، فتمسكوا بآخر دينكم.
بارك الله فيك، بارك الله فيك. الله يبارك.
إيه نقف عند هذا، ونكمل إن شاء الله الأسبوع القادم. جزاكم الله خيراً.
جزاكم عنا خيراً يا شيخ ويجزي الله أجوركم. بارك الله.
أحسن الله إليك يا رب. الله يبارك فيك يا شيخ.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان