دخولتسجيل الدخول

التعليق على رسالة العبودية 07

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل ما ذكرناه عن ابن القيم رحمه الله تعالى مع شيخه ابن تيمية، وكيف ذكر شيخ الإسلام مصطلح الفناء، ثم قسم الفناء إلى ثلاثة أقسام.

الفناء الأول: فناء عن الإرادة، وهذا هو فناء أهل التوحيد. والقصد هنا بكلمة الفناء أن الشخص لا يكون عنده شيء إلا هذا الشيء، فهو يفنى، أي يذوب أو يغيب عنه ما سوى هذا الأمر. فهنا الفناء عن إرادة ما سوى الله سبحانه وتعالى معناه الإخلاص، أي أن القلب لا يلتفت لغير الله سبحانه وتعالى. لماذا أُتي بمصطلح الفناء هنا؟ لأن القوم أخذوا يطلقون هذا الإطلاق على الفناء عن شهود السوى، وهو أقرب ما يكون لتوحيد الربوبية، فهو ينظر فقط إلى الخالق سبحانه وتعالى وأفعاله، ويغيب عن الخلق.

أما الفناء الآخر الذي هو عن وجود السوى، فهؤلاء يفسرون ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا موجود إلا الله سبحانه وتعالى. تعالى الله سبحانه وتعالى عن هذا القول علواً كبيراً، وكفر هؤلاء أكثر من اليهود والنصارى؛ لأن النصارى قالوا بالحلول في شخص واحد هو عيسى عليه السلام، أما هؤلاء فيقولون والعياذ بالله بالحلول في جميع المخلوقات، ولهم كلام شنيع يتنزه الشخص عن ذكره. فالقصد من ذلك أن الإمام أتى بمصطلح الفناء ثم صرفه وبين معنى هذا الفناء المحمود، وحمل كلام من يتكئ عليه هؤلاء على هذا القصد، وليس ذاك القصد.

وابن القيم رحمه الله لما شرح مدارج السالكين، سلك هذا الطريق. كان يستطيع ابن القيم أن يشرح أو يتكلم عن هذه المعاني بعيداً عن الهروي وبعيداً عن المصطلحات التي ذكرها، ولكن ابن القيم لعله أراد أن يصلح من الداخل؛ فهذا الكتاب له انتشار وأصبح له ظهور، والكتاب لما يصبح له ظهور ليس من السهل التعامل معه مثل التعامل مع الكتاب الذي ليس له ظهور. هذا الكتاب له ظهور، ولما يكون لشيء ظهور يصعب أن تسقطه إلا إذا كان أمراً لا بد أن تسقطه أو تحاربه، لكن هو صعب يسقط، بخلاف الأمر الذي يستطيع الشخص أن يدخل فيه وأن يصلح. هذا هو الأصل، كتاب الهروي أصبح له ظهور وكثر في شرحه، والناس ضعفاء عند الشرح؛ فهم يحملون كلام صاحب الكتاب على الشارح، فالشارح يوجه الكلام بحسب فهمه أو كما يريد بإطلاق آخر. لذلك إذا كان الشخص الذي يشرح غير مستوعب بالكلام الذي يقرأ يكون في شرحه قصور حتى لو كان صادقاً، وإذا كان مستوعباً لكن يريد أن يحرفه فهذا يحمل معه الناس إلى الفهم السيئ.

ابن القيم لعله أخذ من شيخه هذا الأمر، وابن تيمية رحمه الله تعالى له كلام نفيس في بيان لبس الجهمية حول طريقة التعامل مع مصطلحات المتكلمين. وأن التعامل مع هذه المصطلحات لما فشَت وانتشرت مثل لبس لباس الكفار؛ فلبس لباس الكفار الأصل فيه الكراهة وعدم الجواز، ﴿مَن تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ﴾، وأقل أحوال التشبه هو الكراهة. ولكن لما يكون في الحرب وهذا فيه مصلحة للجيش المسلم، هنا الأمر يختلف؛ فكذلك استعمال المصطلحات هنا يكون من هذا الباب، خاصة إذا فشَت وانتشرت مثل هذه المصطلحات وعمّت.

ثم بعد ذلك يتوسع الشيخ رحمه الله تعالى بالرد على أصحاب الحلول والاتحاد، وكذلك بيان أن أول ما وقع عند أصحاب الصنف الثاني، وهم الذين فنوا عن شهود السوى، كان عند قراء البصرة أو عند عباد وزهاد البصرة. والبصرة انتشرت فيها العبادة بخلاف الكوفة فانتشر فيها العلم، فكان يقال: يا حبذا علم الكوفة مع زهد البصرة. ثم بعد ذلك بدأت البصرة تتسع في هذا الباب حتى بدأ هذا النوع من الابتعاد يزداد ويكبر، حتى وصل الناس إلى ما وصلوا إليه، والبدع أو الأخطاء في بدايتها تكون صغيرة لكن مع مرور الزمن تفشو وتكبر. القصد من ذلك ذكر ما وقع لزرارة بن أوفى أنه لما قرأ آية فصعق ومات رحمه الله تعالى، وقال كيف أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يقرؤون هذه الآيات ولا يحدث معهم هذا الحال.

العلماء انقسموا إلى قسمين: قسم منهم يقول بأن هؤلاء الذين كانوا يصعقون لما يسمعون القرآن الكريم من أهل البصرة الذين كان فيهم ابن سيرين، وكان ابن سيرين يستنكر هذا ويقول: لو كان الواحد صادقاً ليجلس على جدار ثم ليتلى عليه القرآن ثم لننظر هل سيسقط ولا ما يسقط، هل سيغشى عليه ولا ما يغشى عليه؟ فكان يستنكر ويستبعد هذه الحال. أما القسم الثاني فهو الذي يقول بأن هذا الأمر ممكن يقع، وسبب وقوع هذا الشيء ضعف الإنسان بخلاف الذي يملك القوة النفسية؛ فهذا يتأثر من غير أن يغلب التأثر على نفسه. وأقرب لكم الصورة: الآن شخص يموت له قريب، قسم من الناس يحزن ولكن ما يغيب، وقسم آخر ممكن يغشى عليه. طيب لماذا هذا أُغشي عليه وهذا لم يُغشَ عليه؟ هل بالضرورة أن يكون تأثر هذا أقل من تأثر هذا؟ لا، ولكن هذا الحمل الذي وقع عليه ما وافق نفساً قادرة على حمله ومقاومته من أن يصل إلى قطع الإنسان عن عقله أو قلبه، يعني يصل إلى السكرة. أما القسم الأول فكانت عنده قوة نفس، فتأثر لكن ما حمل هذا التأثر على أن يغيب عن الحلم فيصعق أو يغشى عليه. هكذا، وهذا هو الذي ذكره ابن تيمية والذي مال إليه، وهذا من علم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بحال الإنسان.

القصد من ذلك أنه نعم ممكن بعض الناس يتأثر لما يسمع المواعظ بكاءً شديداً وممكن يصعق كذلك أو يغشى عليه أو ممكن يموت كذلك كما وقع، ولكن ليس مع هذا، بل هذه الحال أكمل من حال الذي يتأثر ولا يعتري له مثل هذه الأشياء. الأمر الثاني، انظر هنا كيف ابن تيمية خلص من خلال هذا المبحث كله إلى الموازنة بين حال النبي عليه الصلاة والسلام وحال موسى عليه السلام، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أُسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء وشاهد ما شاهد عليه الصلاة والسلام، غاب ولم يغش عليه، بخلاف موسى عليه السلام لما تجلى له الله سبحانه وتعالى غشي عليه، ﴿فَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143].

لماذا هنا النبي عليه السلام ما غشي عليه وموسى عليه السلام غشي عليه؟ هذه موازنة الأنبياء، لكن انظروا كيف خلص من خلال الحديث عن هذه المشاهد إلى الوصول إلى مثل هذه الحالة الدقيقة التي وقعت للنبي عليه الصلاة والسلام وكذلك التي وقعت لموسى عليه السلام. القصد من ذلك أن مثل هذا الأمر قد يقع، وهذا الأمر هل إذا غاب الشخص في الربوبية عن مشاهدة الخلق، هل هذه حال ممدوحة ولا مذمومة؟ هي ممدوحة في سياق، لكن حال نقص في سياق آخر؛ ممدوحة لما يكون القصد منها أن الشخص يغيب في المعبود عن العبادة، أي هذا الإنسان ارتقى وتجاوز مرحلة المجاهدة على تحقيق الشيء إلى درجة النظر إلى المعبود سبحانه وتعالى، هذه مرتبة عالية جداً وهذه أعلى المراتب، ﴿وَجُعِلَتْ قُرَّتُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ﴾. لكن متى تكون مذمومة؟ تكون مذمومة لما يقصر الشخص في تحقيق الإرادة، لما يقصر الشخص في تحقيق الإخلاص، أو لما مثل ما ذكر هنا الشيخ يغمى عليه أو يحدث معه شيء من هذا، فهذا يكون حالاً مذمومة.

ومثل هذه المباحث ذكرها الشيخ لها ذيول كثيرة، فجمع المشهد كله مهم؛ وهو أن هذا المشهد كله مثل ما ذكرنا في المقدمة، بأن بعض الناس يغلب عنده توحيد الربوبية فيأخذ من توحيد الإلهية، فيكون عنده زيادة في توحيد الربوبية، وإذا زاد الأمر عن حده في أي حقيقة من حقائق الدين سيأخذ من حق آخر، فيكون شهود الرب أو هكذا استحضار مبحث القضاء والقدر إلى آخره من هذه المباحث العظيمة، وهي التي تُحمل على حساب نفس تحقيق العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى. وهذا الباب دقيق يحتاج إلى ضبط وإلى دقة، المخالفات قد تكون يسيرة أو قليلة ولا تخرج الشخص عن التوحيد ولا حتى توقعه في البدعة، لكن يقع في تقصير في مقابلة القدر بما يحب الله سبحانه وتعالى منه، وأكمل الناس من أعطى كل حقيقة في الدين حقها وحظها وقدرها على الحد الذي جعلته الشريعة الإسلامية.

لذلك مثل ما ذكرت في مقدمة الكلام، أن مثل هذه المعاني واهم من ظن بأنه يدركها في البداية؛ إنما الإنسان يبدأ حياته كلها يصلح من فهمه للتوحيد وفهمه للعبادة. نعم هو ممكن يدرك المعاني العامة والإجمالية أن العبادة معناها كذا، والتوحيد شرحه كذا أو تفسيره كذا، لكن التعريف شيء وتحقيق هذا الأمر في حياة الإنسان شيء آخر. لذلك مثل ما ذكرنا في التعليق على مدارج السالكين كلمة الحسن البصري في التفكر والتذكر، وما زال أهل العلم يعودون في التفكر على التذكر، والتذكر على التفكر، ويناطقون هذه القلوب حتى نطقت. فهذه المعاني يحتاج الإنسان دائماً أن يكررها ويعيدها، ويبدأ يرتقي فيها حتى يصل إلى أعلى حال ممكن يصل إليها في تحقيق هذه المعاني.

ثم بعد ذلك ذكر شيخنا ما يقوله هؤلاء الذين طمس الشيطان على قلوبهم وعلى أبصارهم، ولم يزل الشيطان يسحبهم مرحلة فمرحلة حتى أسلموا أعناقهم وقلوبهم للشيطان، فوصلهم الشيطان إلى أقوال لا تخطر في بال الإنسان، كيف واحد منهم يقول إنه ما يقول لا إله إلا الله يخاف أن يموت بعد النفي يعني يموت بعد لا إله قبل أن يقول إلا الله، أي الإثبات. فانظروا كيف يقول: لا، نقول كمل، نقول ماذا الله هكذا أو الاسم المضمر هو هو. فهذا لا شك كله من الشيطان، وهذا كله من الشيطان والواحد يتعجب، لكن الذي يفهم الإنسان ما يتعجب؛ الشيطان له طرق في إغواء الإنسان وله طرق في إغواء المذاهب أو حرف المذاهب. فالمذهب العام الكبير الشيطان يسحب مرحلة مرحلة، والإنسان كذلك يسحب مرحلة مرحلة، فتبدأ المذهب ويبدأ الشخص بانحراف يسير، وأصحابه يغلون به أو يحبون ويعظمونه فيبدؤون يتوسعون ثم يتوسعون حتى بعد ذلك ينحرف. لذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالاستقامة على نفس الصراط المستقيم، وأمر الله سبحانه وتعالى بمحاكمة جميع الناس إلى هذا الكتاب، فليس أحد هو حكم القرآن، إنما القرآن هو الحاكم على جميع أفعال الناس، والمعيار هو سيد البشر عليه الصلاة والسلام.

ثم بعد ذلك ذكر الشيخ الذكر وطبيعة الذكر التي جاءت النصوص الشرعية بها، وكذلك أزيد على ما ذكر شيخنا قول موسى عليه السلام لما قال: يا ربي علمني شيئاً أدعوك به وأذكرك به، فقال: قل يا موسى لا إله إلا الله، فقال: يا ربي كل عبادك يقولون هذا، فقال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله. ما يتقرب العبد به من الكلمات هي هذه الكلمة، كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وليس كما يقول هؤلاء كلمة الله أو هو هكذا، فليس هذا من الدين في شيء، والعبد يرجع في كل ما يريد أن يعبد الله سبحانه وتعالى به إلى نفس ما جاء به الدين.

قال رحمه الله: ولفظ الحرف يتناول الأسماء وغيرها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف». وقد سئل الخليل بن أحمد أصحابه عن النطق بحرف الزاي من زيد فقالوا زاي، فقال جئتم بالاسم وإنما الحرف زا. ثم إن النحاة اصطلح على أن هذا المسمى في اللغة بالحرف يسمى كلمة، وأن لفظ الحرف يخص ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل كحروف الجر ونحوها، وأما ألفاظ حروف الهجاء فيُعبّر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ، وتارة باسم ذلك الحرف. ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب، ومنهم من يجعل لفظ الكلمة في اللغة لفظاً مشتركاً بين الاسم مثلاً وبين الجملة، ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ الكلمة إلا الجملة التامة.

والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه هو ذكره بجملة تامة وهو المسمى بالكلام، والواحد منه بالكلمة هو الذي ينفع القلوب، ويحصل به الأجر والثواب، ويجذب القلوب إلى الله ومعرفته ومحبته وخشيته، وغير ذلك من المطالب العالية والمقاصد السامية. أما الاقتصار على الاسم المفرد، مظهراً أو مضمراً، فلا أصل وضعاً أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات وأحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد، كما قد وُسط الكلام عليه بغير هذا الموضع.

فصل: وجماع الدين أصلاً ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده.

إلا بما شرع؛ لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله؛ فبالأولى لا نعبد إلا إياه، وبالثانية أن محمدًا هو الرسول المبلِّغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره، ونطيع أمره، وقد بيَّن لنا ما نعبد الله به، ونهانا عن محدثات الأمور، وأخبر أنها ضلالة، قال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112].

وكما أننا مأمورون ألا نخاف إلا الله، ولا نتوكل إلا على الله، ولا نرغب إلا إلى الله، ولا نستعين إلا بالله، وأن تكون عبادتنا إلا لله، فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرَّمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]. فجعل الإيتاء لله وللرسول كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وجعل التوكل على الله وحده بقوله: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾، ولم يقل: ورسوله، كما قال في وصف الصحابة رضي الله عنهم في الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].

ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]، أي: حسبك وحسب المؤمنين، كما قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]. ثم قال: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾؛ فجعل الإيتاء لله وللرسول، وقدَّم ذكر الفضل لله لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، الله ذو الفضل العظيم، وله الفضل على رسوله وعلى المؤمنين، وقال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، فجعل الرغبة إلى الله وحده، كما في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 7-8]، وقال النبي ﷺ لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».

والقرآن يدل على مثل هذا في غير موضع؛ فجعل العبادة والخشية والتقوى لله، وجعل الطاعة والمحبة لله ورسوله، كما في قول نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]، وقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]، وأمثال ذلك. فالرسل أُمروا بعبادة الله وحده، والرغبة إليه، والتوكل عليه، وطاعته، والطاعة لهم، فأضل الشيطان النصارى وأشباههم فأشركوا بالله وعصوا الرسول؛ فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، والمسيح ابن مريم، فجعلوا يرغبون إليهم، ويتوكلون عليهم، ويسألونهم، مع عصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنتهم.

وهدى الله المؤمنين المخلصين لله، أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق فاتبعوه، فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين، فأخلصوا دينهم لله، وأسلموا وجوههم لله، وأنابوا إلى ربهم، وأحبوه، ورجوه، وخافوه، وسألوه، ورغبوا إليه، وفوضوا أمورهم إليه، وتوكلوا عليه، وطاعوا رسله، وعزروهم، ووقروهم، وأحبوهم، ووالوهم، واتبعوهم، واقتفوا آثارهم، واهتدوا بمنارهم؛ وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد دينًا إلا إياه، وهو حقيقة العبادة لرب العالمين؛ فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه، ويكمله لنا، ويميتنا عليه وسائر إخواننا المسلمين، والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

نعم أحسنت، قال هنا الشيخ رحمه الله تعالى: فصل، وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، وهذا هو معنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ فلا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله، فلا نعبد غير الله سبحانه وتعالى، ولا تتوجه القلوب إلا له سبحانه وتعالى، ولا نعبد إلا بما شرع، هذا هو مضمون قول: "وأن محمدًا رسول الله". فالشهادة بأن النبي عليه الصلاة والسلام رسول مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى تتضمن عدة أمور، من ضمنها أن الطريق الذي سلكه النبي عليه الصلاة والسلام هو الطريق الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، والله يقول: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].

ثم بعد ذلك ختم الشيخ في بيان العبادة بأن لا نخاف إلا الله، ولا نتوكل إلا على الله، ولا نرغب إلا إلى الله، ولا نستعين إلا بالله، ولا تكون عبادتنا إلا لله؛ ونحن مأمورون كذلك أن نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرَّمه، والدين ما شرعه، إلى آخر ما ذكره الشيخ هنا، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.