دخولتسجيل الدخول

التعليق على رسالة العبودية 01

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل التعليق على رسائل الإمام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، ومعنا اليوم إن شاء الله تعالى تعليق على هذه الرسالة التي عُنونت بـ«العبودية».

والحديث عن هذا الموضوع، موضوع العبادة وما يتعلق بها وفروع العبادة، هو الدين. فهذا الموضوع من المواضيع الكبرى في الدين، وجاء الإسلام ببيان العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى من العبيد. الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العظيم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. وبين الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم معنى العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى من الإنس والجن. وكذلك الله سبحانه وتعالى رتب العبادة، فالعبادة عبارة عن مراتب ودرجات، وكذلك لها منهج ولها طريقة، وبين النبي صلى الله عليه وسلم بتطبيقه العملي العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى.

فالعبادة كلمة عامة وكبيرة وعظيمة، ويدخل بها كل ما جاء بالإسلام؛ فالعبادة تشمل كل ما يحبه الله سبحانه وتعالى من الأقوال والأفعال، كما سيأتينا في تعريف الإمام رحمه الله تعالى. فالتوحيد عبادة، والصلاة عبادة، والزكاة عبادة، وبر الوالدين عبادة، وهذه العبادة عبارة عن مراتب ودرجات وليست على مستوى واحد، وفي كل لحظة الله سبحانه وتعالى يحب من الإنسان عبادة معينة محددة.

لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يبين العبادة، والقرآن الكريم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبين له العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى من أهل الإسلام، وامتثل النبي صلى الله عليه وسلم هذه العبادة، وبين هذه العبادة بقوله وبفعله عليه الصلاة والسلام. واستمر هذا الأمر عند الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، وكانوا على مراتب ودرجات في هذه العبادة، ثم بعد ذلك انتقل الأمر إلى التابعين، وهكذا ولم يزل الأمر ينتقل إلينا، ولكن دخل الشيطان وغير العبادة، فلا يكاد يوجد شخص إلا وعنده نوع اشتباه في كلمة العبادة.

وإدراك معنى العبادة التفصيلي والدقيق هذا أمر يحتاج إلى مجاهدة كبيرة، أما إدراك معنى العبادة العام فقد سعى الشيطان وغير العبادة، فحصر الشرك في نوع معين مما جاء به الدين. فجعل العبادة عند صنف من الناس التي يشرك العبد بها إذا صرفها لغير الله سبحانه وتعالى، لابد أن يكون معه أو معها اعتقاد الربوبية؛ فهنا الآن أصبح هناك تداخل بين كلمة العبادة وبين توحيد الربوبية، وألغى الشيطان وأخرج توحيد العبادة وغير فيه، فبقي عند صنف من الناس توحيد الربوبية. إذا فقهنا هذا الأمر، نفهم لماذا ابن تيمية رحمه الله تعالى هنا في هذا الكتاب ذكر قول الصوفية، وذكر قول من يعظم من توحيد الربوبية ولا يعظم كثيراً من توحيد الألوهية.

وابن تيمية من أعظم المجددين، بل هو المجدد الكبير في تاريخ الأمة الإسلامية في توحيد العبادة. فابن تيمية رحمه الله تعالى قام بنوعين من التجديد رحمه الله تعالى: النوع الأول التجديد في توحيد العبادة، والنوع الثاني التجديد في توحيد الأسماء والصفات. وكان له نوع تجديد في توحيد الربوبية، ولكن العمل الأكبر الذي خاضه ابن تيمية في حياته، والذي نحسب بأنه فاز عند الله سبحانه وتعالى به، أنه أجلى وبين وأوضح تصورات الإسلام في توحيد العبادة وتصورات الإسلام في توحيد الأسماء والصفات. وألف الإمام ابن تيمية رسائل كثيرة جداً في توحيد العبادة، ورسائل أكثر منها بكثير في توحيد الأسماء والصفات. وتكلم ابن تيمية عن المسائل التي وقع بها إشكال كبير في توحيد العبادة كالتوسل مثلاً والاستغاثة بغير الله سبحانه وتعالى، وأكثر رحمه الله تعالى من الحديث عن هذه المسائل.

وهذه الرسالة، رسالة العبودية، ابن تيمية يبين فيها معنى العبادة. فهذه الرسالة لطيفة بالحجم ولكنها عميقة جداً بالفهم، وهذه الرسالة لابد أن يقرأها الشخص عدة مرات، ومع قراءته لهذه الرسالة يقرأ القرآن الكريم حتى ينظر إلى معنى العبادة في القرآن الكريم؛ فكلمة العبادة كلمة كل واحد منا يفهم منها معنى معيناً محدداً. استمر هذا الأمر بعد زمان ابن تيمية رحمه الله تعالى وقبل ابن تيمية، وقع نوع انحراف في توحيد العبادة أي توحيد الألوهية، وأصبح توحيد الألوهية يخص باعتقاد معنى الربوبية، بل فسر الإله عند المتكلمين بالرب؛ فإذا صرف العبد العبادة لغير الله سبحانه وتعالى إذا لم يكن مع هذا الصرف اعتقاد بالربوبية لا تكن هذه عبادة، ثم بعد ذلك دخلت التأويلات. طبعاً هذا ليس على إطلاقه، إنما من حيث التأصيل وقعوا في إشكالات كبيرة وأخطاء عديدة، وأجلى ابن تيمية رحمه الله تعالى وبين هذه الأخطاء التي وقعوا بها.

واستمر هذا الأمر بعد زمان ابن تيمية رحمه الله تعالى والصراع كبير، واستطاع ابن تيمية أن يبرز معنى توحيد الألوهية، وبين بأن صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى شرك حتى لو لم يتم معها اعتقاد الربوبية. ثم هذا أمر استمر حتى جاءت المصادمة الكبيرة بيننا وبين الغرب، وحصرت العبادة عند الكثير من الناس بما فيهم الخاصة بالشعائر التعبدية الخاصة؛ فأصبح نفس أتباع ابن تيمية، أو كثير من أتباع الإمام ابن تيمية، يتعاملون مع العبادة على أنها خاصة بكذا وكذا وكذا. أما أن تكون العبادة عبارة عن منهج جاء به الدين، وعبارة عن دخول بالسياسة مثلاً، وعبارة أن الإسلام دين شامل لكل شيء حقيقة لا ادعاء، فهذا الأمر وقع به نوع قصور، وألف جماعة كذلك من العلماء وبينوا الخطأ والقصور في فهم كلمة العبادة، وكيف أن هذه الكلمة العظيمة جداً تم تقليلها وتصغير حجمها حتى أصبحت في أذهان الناس عبارة عن كذا وكذا، ولم يأخذوا العبادة بشموليتها التي جاء بها الدين.

والعبادة أو قضايا العبادة تطرح من خلال طرحين اثنين، ومن ورائهما طرح ثالث. الطرح الأول الذي يكون به صراع كبير في توحيد الألوهية، وهذا يكون مع من يخالف أهل السنة والجماعة في توحيد الألوهية، وهؤلاء هم المتكلمون الذين يفسرون الإله بالرب، فلا إله إلا الله أي لا خالق إلا الله، أو لا قادر على الاختراع إلا الله، وكذلك مع الصوفية أصحاب وحدة الوجود إلى آخره. فكل من يخالف في توحيد الألوهية هذا ابن تيمية خاض معه معركة، وعامة من يطرح العبادة وكلمة العبادة وتوحيد الألوهية يكون القصد منه الصراع مع هؤلاء، وبيان نفس توحيد الألوهية، وأن الذبح لغير الله سبحانه وتعالى شرك، والاستغاثة بغير الله سبحانه وتعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى شرك، وهكذا. وتفصيل وبيان معنى كلمة الإله، والمراد بالإله هو المعبود، فالإله هو المعبود، فلا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، ويذكرون شروط توحيد الألوهية وهكذا. وأبرز ما صنف في هذا هو الإمام ابن تيمية مثل ما ذكرت.

ولم يقع الخلط في هذا النوع من التوحيد إلا بعد القرون المفضلة؛ فلما بدأ الشيعة يحكمون في دولة بني بويه، واستطاعوا أن يسيطروا على الدولة العباسية في العراق وشيدوا المشاهد في آخر القرن الثالث، ثم بعد ذلك انتقلت الدولة الشيعية إلى المغرب ثم إلى مصر كما تعرفون، وبدؤوا يشيدون هناك المشاهد وحكموا مصر قرنين من الزمان حتى قضى عليهم الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، انتشرت المشاهد وانتشرت القبور وتدريجياً بدأ الناس يعبدون القبور ويطوفون حول القبور، فانتشر الشرك في القبور. وأصبح هناك نوع تداخل بين الصوفية وبين المذهب الذي انتصر بقوة السلاح وهو مذهب الأشاعرة، وأصبح هناك تداخل بين الصوفية والأشعرية؛ وقبل ذلك لم يكن تداخل، كان ظاهراً وبيناً، لكن بعد القشيري وكذلك الغزالي أصبح هناك تداخل بين الصوفية والأشعرية، فأصبح لا تستطيع أن تفرق بين الصوفي وبين الأشعري، فكل أشعري صوفي، ولكن ليسوا على درجة واحدة في التصوف.

إنما عامة الأشاعرة لم يكونوا مثل غلاة الصوفية، لم يكونوا أصحاب وحدة الوجود، أو يقولون بما كان يقوله ابن عربي وابن سبعين وابن فارض وهؤلاء الضلال الكبار، فأصبح هناك نوع تداخل. والصوفية تأثروا قبل ذلك بالرافضة وأصبح عندهم التعظيم، حتى كان يقول بعض المتخصصين في التصوف بأنه ليس فرق بين الشيعة والصوفية إلا بتعظيم الصحابة فقط، فالصوفية لا يسبون الصحابة بخلاف الرافضة، أما نفس الشرك الواقع بالألوهية وكذلك حتى في الربوبية فالصوفية مع الشيعة بالصورة النهائية تقريباً واحدة، صورة واحدة.

ثم بعد ذلك جاء الإمام ابن تيمية ورأى بأن هذا النوع من التوحيد، توحيد الألوهية، هذا قسم من أقسام التوحيد العظيمة التي جاءت الرسل عليهم السلام بإقرارها وبيانها للناس، وقع به خلاف كبير جداً ووقع به إشكال، وانصرف الناس حتى العلماء، وهذه هي المشكلة. فالناس ما يتغيرون إلا إذا وصل التغير إلى العلماء، والعلماء يتغيرون لما يتغير عالم كبير، فإذا تغير العالم الكبير بعد ذلك بقية العلماء طبيعي جداً أنهم يتغيرون. خذوها قاعدة، العالم أو العلماء، المدرسة العلمية، الطريق العلمية، ما تتغير إلا من خلال طريقين اثنين لا ثالث لهما: الأول أن تكون هناك قوة كبيرة جداً من الأعداء فيفرضون المذهب الباطل بالقوة، فيتساهل بعض أهل العلم، فإذا تساهلوا غيروا، نوع تأويل إكراه إلى آخره، فيبدأ التغير يسري في كل من يريد طلب العلم بعد ذلك.

وكذلك إذا تغير نفس العالم الكبير، يعني يأتي عالم مثل الغزالي، أبو حامد الغزالي، عالم كبير جداً وصاحب ذكاء نادر ومفرط ومشارك في جميع الفنون، والعلم بعد الغزالي ليس كعلم قبل الغزالي؛ فالغزالي دخل في جميع العلوم، وتأثر الناس به لقوة الغزالي وسطوة الغزالي ورفعة الغزالي، والناس يتأثرون بالشخص الذي يكون متعدد المواهب، وكذلك داخل في جميع هذه العلوم، صعب جداً أن يخرج الناس عنه. القصد من ذلك أن هنا استقر هذا الأمر وبدأ ينتشر، وجاء الإمام ابن تيمية من ضمن حركة التجديد الكبيرة العلمية التي قام بها، بين بأن هذا من الشرك، أي الاستغاثة بغير الله سبحانه وتعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، ثم أخذ يبين ويفصل معنى العبادة ومعنى التوحيد ومعنى كلمة الله ومعنى الشهادة وهكذا. فبدأ ابن تيمية رحمه الله تعالى يتكلم ويفصل، مؤلفاً المؤلفات الكثيرة جداً في تجلية هذا المبحث العظيم الذي جاءت الرسل عليهم السلام بإقراره.

ثم بعد ابن تيمية جاء تلميذه ابن القيم، وكذلك ألف المقريزي كتاباً شهيراً "تجريد التوحيد المفيد"، والمقريزي هو من علماء مصر كما تعرفون، وجل كلامه أخذ من ابن القيم، ثم ابن تيمية. فكتابه صغير الحجم وعامة كلامه هو من ابن القيم، أخذ من كتب ابن القيم ثم من كتب الإمام ابن تيمية، ولكنه لم يسمِّ ابن تيمية ولا ابن القيم في كتابه حتى يروج الكتاب وينتشر بين الناس؛ فالناس كانت تنفر من اسم ابن تيمية وابن القيم بسبب السطوة الكبيرة التي وقعت عليهم، والحملة الكبيرة في تشويه هذين الإمامين العظيمين.

ثم جاء بعد ذلك، أو قبل ذلك، أو في زمان ابن القيم لكن هو مات قبل ابن القيم، ابن عبد الهادي الحنبلي، والكتاب الشهير جداً "الصارم المنكي في الرد على السبكي" وفيه دفاع عن شيخ الإمام ابن تيمية. لما مات ابن تيمية ألف السبكي كتاباً وأسماه "شفاء السقام"، فألف هذا الكتاب "الصارم المنكي" ورد عليه ولكنه ما أكمله، مات قبل أن يكمل، وأكمل بعد ذلك الشيخ حامد الفقي رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

واستمر هذا الأمر حتى جاءت دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وألف كتباً كثيرة جداً في توحيد العبادة، وأجلى هذا النوع من التوحيد، وألف كتابه الشهير "كتاب التوحيد"، وألف كتباً كثيرة جداً، فكتاب التوحيد أصبح هو الكتاب الأشهر في توحيد العبادة، وانتشر هذا الكتاب انتشاراً كبيراً وشرح أكثر من مئة شرح، وهو كتاب الآن الكل يعرفه ومشهور في كل مكان. وألف الكتب الكثيرة كذلك، وجاءت مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وألف طلابه وتلاميذه إلى زماننا هذا وهم يؤلفون الكتب الكثيرة في بيان توحيد العبادة والرد على المخالفين فيه.

وكذلك ألف الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني كتاباً شهيراً جداً، "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله"، وهذا هو أفضل كتاب في تقديري في توحيد العبادة، أفضل كتاب في بيان معنى العبادة هو كتاب الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله". هذا الكتاب حري بأن يقرأ، وأن يعيش الشخص معه، وأن ينظر إلى منهجية هذا الإمام الفريد في بيان وإجلاء وإيضاح التصورات الإسلامية، خاصة في هذه الكلمات الثقيلة، العميقة، العالية جداً. "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله" كتاب عظيم جداً، درس فيه التوحيد في القرآن الكريم وقصص الأنبياء، وكذلك نظر إلى الشرك.

الذي وقع به أعداء الأنبياء والمخالفون لهم، وأبدى براعة نادرة جداً وفيه تحقيق لا يوجد في غيره من الكتب أبداً. ثم بعد ذلك في زماننا هذا أُلفت الكتب الكثيرة في العبادة، وانتشرت هذه الكتب في جلاء وبيان معنى العبادة، ووقعت كذلك ردود كثيرة وكتب نافعة عديدة وبعضها قوي، لكن الكثير منها كان متكئاً على ابن تيمية؛ فإذا خرجت عن ابن تيمية وابن القيم -وابن القيم كلامه يسير في توحيد العبادة الذي أفرد به هكذا مصنفاً، أو تكلم به بنوع زيادة قليل جداً-؛ ابن القيم له صارم، ابن عبد الهادي عنده صارم المنكي، ثم بعد ذلك يأتي الشيخ محمد بن عبد الوهاب وطلابه، وكذلك الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

هذا ما يتعلق بتوحيد العبادة بالقسم الأول، وعامة الصراع كان مع الصوفية ومع الشيعة في هذا النوع من التوحيد. النوع الثاني من العبادة والقسم الثاني المتعلق بالعبادة، الذي انتشر في المئة سنة الماضية بعد ما وقع الصراع مع الغرب وصدام كبير مع الغرب، هنا بدأ بعض العلماء يبينون، ومن خاض معركة الفكر من العلماء أو من طلاب العلم -وليس من المفكرين؛ المفكرون لم يتكلموا كثيراً بهذه المعاني- لكن لما خاضها بعض طلاب العلم وكانت في البداية، وكان في ظنهم أن المشكلة في النظريات الإصلاحية وطريقة الإصلاح وطرق الإصلاح وطريقة التغيير إلى آخره، هذا الكلام الكثير عندهم؛ ظنوا بأن هذه المشكلة في البداية، لكن بعد ما تقدم بهم السن وجدوا بأن المشكلة حقيقة في فهم العبادة وكلمة الإيمان؛ ما المراد بالإيمان؟ ما المراد بالعبادة؟ ما المراد بالتوحيد؟ ما المراد بهذه الكلمات؟ ما المراد بالإسلام؟ ما المراد بهذه الكلمات الكبيرة جداً؟

فبدأوا يؤلفون؛ فألف أبو الأعلى المودودي كتابه الشهير المصطلحات الأربعة، وألف كذلك الأستاذ الكبير محمد قطب رحمه الله تعالى أربع كتب في توحيد العبادة أو في كلمة العبادة، وفي آخرها جمع كلامه في كتاب في العبادة، وحاول أن يعمق الفهم في العبادة وأن العبادة ليست قاصرة على الشعائر الخاصة بالإنسان إلى آخره. وكذلك تلميذه الشيخ سفر ألف في ظاهرة الإرجاء في العالم الإسلامي، وتكلم عن الإيمان والخلل في فهم الإيمان، وبين العلاقة بين الإيمان العملي والإيمان العلمي، وأن الكثير من طلاب العلم بل من أهل السنة والجماعة حصروا الإيمان بالعلم؛ عبارة عن قول وعمل وصراع مع المرجئة، ولكن ظاهرة الإرجاء المتعلقة بنفس العمل، نفس التطبيق، وما هو العمل الذي كان يريد الله سبحانه وتعالى أن يدخل بالإيمان؟ هذا وقع به قصور كبير جداً، وبين وجه هذا القصور الذي وقع، وألف هذا الكتاب الشهير، ومن أعظم الكتب المصنفة في بيان وفي تجديد كذلك هذا النوع من التوحيد، وبيان معنى كلمة الإيمان بعمقها الكبير. وكذلك جماعة من المعاصرين ألفوا في هذه المعاني الكبيرة، والتي حري بالشخص الذي يريد أن يصلح ويريد أن يتعبد لله -نحب عبادة لله- أن يتأمل في مثل هذه المصنفات، ويعيش مع القرآن الكريم، وينظر إلى طريقة تطبيق العبادة وليس فقط إلى فهم العبادة؛ ففهم العبادة مهم وكذلك تطبيق العبادة مهم. هذا القسم الثاني المتعلق بالعبادة.

القسم الثالث المتعلق بالعبادة: أعمال القلوب، وفاز بتجديد في هذا النوع من العبادة الذي يعتبر هو صميم العبادة الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه الشهير مدارج السالكين وفي غيره من الكتب كذلك، لكن في مدارج السالكين بين معنى العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى، وبين معنى العبادة القلبية، وبين هذه المنازل في كتابه العظيم مدارج السالكين. إذاً نستطيع أن نقول بأن كلمة العبادة هي كلمة عميقة جداً وكلمة واسعة الأرجاء، وليست كلمة سهلة أو واضحة أو بينة إلا في أول وهلة؛ فالشخص يفهم العبادة العامة، لكن نفس تحقيق العبادة وفهم دقائق العبادة -سواء كان على المعنى الأول فهذا أجله ابن تيمية وبينه وأبرزه، أو على المعنى الثاني فهذا أجله جماعة من المعاصرين من المفكرين وقادة الفكر والإصلاح ممن فتح الله سبحانه وتعالى عليهم، أو المعنى الثالث وهذا الذي قام وفاز به والله سبحانه وتعالى أعطى هذا الكنز لابن قيم الجوزية في كتابه العظيم مدارج السالكين-؛ العبادة تشمل هذه الأقسام الثلاثة. هل إدراك ما يتعلق بهذه المعاني يحتاج إلى جهد كبير وليس إلى جهد قليل؟ ويحتاج إلى نظر وإلى تأمل وإلى تفرس وإلى تحقيق وإدراك؛ فالمعاني الدقيقة في العبادة من حيث النظر وكذلك من حيث التطبيق أصعب من مسائل الفقه وأدق بكثير.

ففي كتب الفقه أو في علم الفقه الذي هو عبارة عن أحكام عملية تطبيقية، ألف العلماء بها كثيراً وضبطوا منهج الاستدلال بها، ولكن في توحيد العبادة ألفوا كذلك، والإشكال الذي وقع في توحيد العبادة أن الشخص إذا ما أدرك تفاصيل هذا العلم سيكفر غيره أو سيدخل في الإسلام من هو كافر وليس بمسلم، هذا هو الإشكال؛ فهنا التحقيق في مثل هذه المسائل مهم جداً. وفي زماننا هذا -أو في الزمان المتأخر في الأربعين والخمسين سنة الماضية- وقع بين أهل السنة والجماعة إشكال كبير جداً في تحقيق بعض مسائل توحيد العبادة مثل الحاكمية مثلاً توحيد الحكم، وكذلك مثلاً مسألة الولاء والبراء، الموالاة العملية على وجه الخصوص الموالاة العملية، وكذلك العذر بالجهل؛ فهذه المسائل وقع بها اضطراب كبير ووقع بها طعن؛ هذا يتهم هذا بأنه مرجئ، وأن هذا قول مرجئة، وهذا يتهم هذا بأن قوله قول الخوارج وهكذا، وسبب ذلك إما النقص في فهم نفس المعاني أو بسبب الهوى؛ فالهوى يعالج بالتجرد، ولكن نقص العلم يعالج بالعلم. وهذا أمر كثير وليس قليلاً، بل وقع بين نفس الممثلين لمنهج أهل السنة والجماعة، أي ليس بين طلاب العلم الصغار مثلاً أو بين الناس الذين يمثلون مذهب أهل السنة والجماعة، بل بين نفس الممثلين لمذهب أهل السنة والجماعة وقع عندهم خلاف كبير، وهكذا وقع بينهم ردود وبعضهم في بعض بسبب عدم تحقيق مثل هذه المسائل، وهذا لا شك بأنه خطأ ويحتاج مثل ما ذكرت إلى مراجعة من هؤلاء وإلى فهم نفس العبادة التي جاء بها الدين والارتباط الحقيقي بالقرآن الكريم؛ والذي يرتبط بكتب العلماء ولا يرتبط بالقرآن الكريم فهذا لن يفهم العبادة، لأن الله سبحانه وتعالى يذكر العبادة في سياقات معينة، وينوع الله سبحانه وتعالى في الإطلاق.

فمثلاً لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]، ولما يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الملكين إذا سألا الميت فيقول له: «من ربك؟»، فيقول: «ربي الله»، ففسر هنا الرب بالإله، ففسر الرب بالإله؛ فهنا تفسير الرب لهذا المعنى؛ هل الرب يطابق الإله كما يقول المتكلمون، أو أن هنا التفسير القصد منه شيء آخر؟ إذاً هنا يُطلق توحيد الربوبية توحيد الألوهية، يُطلق لكن باعتبار ماذا؟ التضمن أو باعتبار المطابقة؟ فتوحيد الألوهية كما نعرف يتضمن توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية وليس باعتبار مطابقة؛ فاسم الرب ليس هو اسم الإله؛ فالإله هو المعبود، والرب هو المالك، السيد، الخالق، أو المصلح للشيء وهكذا؛ وفرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38] وهكذا، فيبدأ الإنسان يثور هذه المعاني، أما إذا اقتصر فقط على القراءة من كتب العلماء لن يفهم العبادة بدقتها، والعلماء يفهمونها وابن تيمية يفهم هذا الشيء ولكن لما يبين هو طبيعي يبين الأصول، فيبين الإله معناه المعبود بحق، فيأتي الشخص المتأخر ويكون غير مستوعب لنفس الإطلاقات القرآنية فيبدأ يتكلم ويطعن ويبني ويفسر توحيد الربوبية بالألوهية باعتبار كذا وليس بالمطابقة، هذا إشكال كبير جداً واقع عند المتأخرين وما زال هو منتشراً وفاشياً، ومن يدخل في التفاصيل لابد أن يقع عنده مثل هذه الإشكالات إذا ما استوعب التفاصيل، أما إذا وقف شخص على ساحل المسائل العامة هكذا فالأمر يكون سهلاً معه ويسيراً، لكن إذا دخل الشخص بالتفاصيل هنا يقع عنده الإشكال.

طيب، ما هي المنهجية التي ستكون في قراءة هذه الرسالة اللطيفة؟ سنعلق عليها تعليقاً عاماً وإجمالياً، وننظر إلى فقه الإمام ابن تيمية في تفسيره للعبادة ونظره لها رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فابن تيمية قرأ القرآن الكريم وعاش مع كتاب الله سبحانه وتعالى ونظر كذلك في فقه الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهو ممن فتح الله عليه بفهم مثل هذه المسائل بعد ما استوعب هذه المسائل وهي وجدت صورة العبادة في ذهنه؛ كيف استخرج ابن تيمية هذه المعاني من الصورة الموجودة في ذهنه؟ ابن تيمية لم يكتب كل شيء موجود عنده، ابن تيمية لم يكتب كل شيء وهو جميع الفهم الموجود عنده حول هذه المسألة، إنما هو ذكر هكذا كلمات عامة توضح العبادة العامة، وهذا الذي كان موجوداً مثل ما ذكرت في زمان ابن تيمية؛ فابن تيمية المشكلة التي وقعت ما بينه وبين المخالفين له في نفس أصل كلمة العبادة وفي نفس توحيد العبادة الذي هو توحيد الألوهية، فابن تيمية قام بإجلاء هذا المعنى وببيانه رحمه الله تعالى ببيان عام وعظيم. فدعونا نعيش مع كلام الإمام رحمه الله تعالى، وننظر إلى فقه الإمام وفهمه لهذه الكلمة العميقة في الدين. تفضل يا غازي.

نعم، أحسن الله إليك يا شيخ. بسم الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله، نستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد، فقد سئل شيخ الإسلام وعلم الأعلام ناصر السنة وقامع البدع أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله عن قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] فما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في الدنيا والآخرة أم فوقها شيء من المقامات؟ وليبسط لنا القول في ذلك.

فأجاب رحمه الله: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله. وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59]. وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم من قومهم، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]. كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 51-52].

وجعل ذلك لازماً لرسوله إلى الموت كما قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]. وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 19-20]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]. وذم المستكبرين عنها بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6]. وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. ولما قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39-40]، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]. وقال في وصف الملائكة بذلك: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 26-28].

وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 88-95]. وقال تعالى عن المسيح الذي ادعي فيه الإلهية والبنوة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: 59]. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في.

الحديث الصحيح: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله». وقنّعه الله بالعبودية بأكمل أحوالها، فقال في الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: 1]. وقال في الإيحاء: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ﴾ [النجم: 10]. وقال في الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: 19]. وقال في التحدي: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23].

فالدين كله داخل في العبادة، وقد ثبت في الصحيح أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام، فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً». قال: «فما الإيمان؟» قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: «فما الإحسان؟» قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ثم قال في آخر الحديث: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم». فجعل هذا كله من الدين.

والدين يتضمن معنى الخضوع والذل؛ يقال: دِنتُ فلانًا أي أذللته فذلَّ. ويقال: يدين لله، أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له؛ فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له. والعبادة أصل معناها الذل أيضاً، يقال: طريق مُعبَّد، إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب؛ فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له.

فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق، وآخرها التتيم؛ يقال تيم الله أي عبد الله؛ فالمتيم مُعبَّد لمحبوبه. ومن خضع لإنسان محبةً له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه. ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله، وكل ما أُحبَّ لغير الله فمحبته فاسدة، وما عُظِّم بغير أمر الله فتعظيمه باطل.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24]. فجنس المحبة تكون لله ولرسوله، كالطاعة فإن الطاعة لله ولرسوله، والإرضاء لله ولرسوله، والله ورسوله أحق أن يرضوه، والإيتاء لله ولرسوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 59].

ذكر الإمام رحمه الله التفسير أو معنى كلمة العبادة، وقال: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث إلى آخره عبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين إلى آخره، كذلك عبادة. ثم بعد ذلك بيَّن أن الدين يدخل في العبادة؛ فدين الله سبحانه وتعالى الذي هو الإسلام بمراتبه الثلاث كلها من العبادة، فالإسلام والإيمان والإحسان هذه مراتب العبادة لله سبحانه وتعالى.

وبيَّن أن الدين يتضمن معنى الخضوع والذل، وكذلك كلمة العبادة أصل معناها الذل أيضاً، يقال: طريق مُعبَّد إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام. إذاً كلمة الدين معناها أو أصلها يدل على الخضوع، والدين يشمل كل ما جاء في القرآن الكريم وكذلك على لسان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ...﴾ [البقرة: 177]. إذاً كلمة البر هي الدين.

هذه المعاني التي نريد أن نثورها في قراءة هذه الرسالة حتى نفهم عمق هذه المعاني، وحتى لا يقع الخلل الكبير في فهم هذا الكلام، وكذلك الحكم على كلام الآخرين؛ فكلمة البر جاءت بمعنى الدين الكامل، سواء كان متعلقاً بالقلب أو اللسان أو الجوارح، وكذلك كلمة البر جاءت بمعنى حسن الخلق. والكلمة «حسن الخلق» جاءت، وكلمة الخلق تدل على الأخلاق التي يتصف بها الإنسان، ولكن أعلى الأخلاق أن يتخلق الشخص بالقرآن الكريم، والقرآن الكريم جاء بالاعتقادات وجاء بالأقوال والأفعال. وتقول أمنا عائشة لما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم: «كان خلقه القرآن». إذاً كان النبي صلى الله عليه وسلم دينه القرآن، وخلقه القرآن، فسُقيت كلمة الخلق بالدين، والله يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. كلمة الخلق تأتي بمعنى الاتصاف بالصفات الحسنة الجميلة كالشجاعة مثلاً والكرم والجود إلى آخره، وكذلك تأتي بمعنى كلمة الدين.

إذاً كلمة الخلق تأتي بهذا المعنى، وسقف الأخلاق هو الدين، وهنا العبادة مثل الدين، فتتطابق كلمة الدين في هذا السياق. وكذلك كلمة العبادة مثلاً مع التوحيد، نقول بأن العبادة أشمل من التوحيد، أو التوحيد أشمل من العبادة؟ التوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى بما يستحقه، وكلمة العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ فالله يحب التوحيد، ويحب الصلاة، ويحب الزكاة؛ إذاً هنا العبادة تكون أشمل من كلمة التوحيد. ولكن لما نأتي ونقول: توحيد الألوهية إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، هذا قسم من أقسام التوحيد؛ فالعبادة في هذا السياق تكون جزءاً من التوحيد أو قسماً من التوحيد. وفي سياق آخر يكون التوحيد شرطاً لصحة العبادة؛ فمثلاً الصلاة ما تقبل إلا مع التوحيد، والصلاة عبادة، ولكن إذا لم يفرد العبد ربه بالصلاة ما تقبل منه هذه الصلاة، فتكون كلمة التوحيد هنا شرطاً لصحة العبادة.

وهكذا فالإنسان يعمق فهمه لمثل هذه الكلمات الجليلة والعظيمة في الدين. ثم قال الإمام هنا رحمه الله تعالى: لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب. إذاً هنا هناك زيادة؛ فالعبادة الخاصة بالله سبحانه وتعالى لا يكفي فيها الذل كما يفسر عامة المتكلمين، إنما لا بد أن يكون مع الذل والخضوع الحب، فلا بد أن يوجد الحب وإلا لم تكن عبادة شرعية؛ فشخص يصلي لله أو يصوم لله خوفاً من غير محبة في قلبه لله سبحانه وتعالى هذه ليست عبادة، فلا بد من وجود الحب لله سبحانه وتعالى.

إذاً هذه زيادة في تعريف العبادة، فوجود الحب مع الذل مع امتثال أمر الله سبحانه وتعالى تكون هذه العبادة. وبعض المعاصرين يزيد كلمة «غاية» فيقول لك: امتثال خطاب الشارع المتضمن غاية الحب مع غاية الخضوع، ولا يكتفي بذكر كلمة الحب وكلمة الخضوع بل يزيد كلمة غاية، لماذا؟ احترازاً ممن يحب غير الله أكثر من الله، فهذا يكون قد وقع بالشرك؛ فإذا أحب العبد غير ربه أكثر من الله سبحانه وتعالى فهذا وقع بشرك المحبة، وإذا خاف من شخص أكثر من الله سبحانه وتعالى هذا يكون قد وقع بشرك الخوف.

إذاً العبادة التي يقبلها الله سبحانه وتعالى لها عدة أركان: الأول أن يكون بها حب وخضوع، وأن يصل الحب إلى الذروة، فلا يحب أحد غير الله أكثر من الله سبحانه وتعالى. هذا الركن الأول. الركن الثاني: أن العبادة عبارة عن باطن وظاهر، هي مركبة من أعمال ظاهرة وأعمال باطنة؛ فالأعمال الباطنة مثل تعظيم الله سبحانه وتعالى، وحب الله، وإجلال الله، والخوف من الله، وخشية الله، ورجاء الله سبحانه وتعالى، وهكذا أعمال القلوب. وكذلك أعمال ظاهرة مثل الصلاة، الصيام، الزكاة، وهكذا.

الأمر الثالث: العبادة التي يقبلها الله سبحانه وتعالى، والتي يدخل العبد بها الدين، لا بد أن تكون عن اختيار وليست عن إجبار وإكراه؛ فالعبادة التي يكون بها إجبار وإكراه هذه ليست بعبادة مقبولة، فشخص يقوم يصلي خوفاً من القتل أو يصلي خوفاً من أن يقال للناس عنه إنه لا يصلي، وهكذا، أو يصلي بسبب إلزامه بشيء معين، فهذا لا تقبل منه هذه العبادة. فلا بد من وجود الاختيار، أما الإكراه فلا يجوز، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]. فشخص إذا كان يصلي لله أو يعبد الله سبحانه وتعالى من غير اختيار هذه لا تسمى عبادة.

إذاً هذه الأركان الثلاثة إذا وُجدت وُجدت العبادة المقبولة، فيقبل الله سبحانه وتعالى من نفس القائم بهذه العبادة، أما إذا لم توجد فلا يقبل. وتَعظُم منازل الناس عند الله سبحانه وتعالى بقدر التحقيق القلبي للعبادة؛ فبقدر التعظيم والخوف والرجاء والخشية من الله سبحانه وتعالى تعظم منزلة العبد عند الله سبحانه وتعالى. فيعمل اثنان نفس العمل، ولكن أحدهما يكون أعظم من الآخر بكثير بسبب وجود نفس التعظيم، نفس الحب، نفس الخوف، وهكذا. ويتفاوت الناس تفاوتاً عظيماً جداً بتحقيقهم للعبادة، وكذلك يتفاوت الناس بمعرفة العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منهم في نفس اللحظة التي يعيشونها. وبقدر علم الشخص بما جاء بالكتاب والسنة يكون تحقيقه للعبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منه. فإذا كان بصيراً بنفس النصوص الشرعية فهو يعرف أن الله الآن يحب منه كذا، والآن الله يحب منه كذا؛ فالآن الله يحب منه أن يدعو في ساعة الجمعة الأخيرة مثلاً، والله سبحانه وتعالى يحب منه في يوم الجمعة أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي وقت السحر أن يستغفر الله، وقبل الشروق والغروب يسبح الله سبحانه وتعالى وينزه الله.

إذاً بقدر تحقيق الشخص وفهمه ومعرفته لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يكون تحقيقه للعبادة. إذاً نأخذ مما ذكر الآن عدة أمور؛ الأمر الأول: تفسير ابن تيمية للكلمات، انظروا كيف فسَّر الآن العبادة، وكيف فسَّر كلمة الدين، وكيف ذكر الآن العبادة بأنها تدخل مع الدين أو تطابق الدين، وأصل معناها الذل، لكن هناك زيادة وهي زيادة المحبة. من أين أتى ابن تيمية بكلمة المحبة؟ الحب نهايته ذل، لذلك ذكر الترتيب: التتيم، ثم بعد ذلك أو أول مراتب الحب العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب، علاقة ثم صبابة ثم غرام وهكذا، في آخر الكلمات التتيم. وبعضهم يزيد على كلام ابن تيمية هنا ويقول: إن بعد التتيم العبودية، أو أن يكون الشخص عبداً لمن أحب، وابن تيمية هنا يفسر التتيم بالعبد، يفسر كلمة تتيم بأنه أصبح عبداً، ومعنى كلمة تتيم أن أصبح هذا الإنسان متيماً به، أي ملتصقاً به، فلا يمكن لهذا الإنسان أن يخالفه؛ أي وصل به الحب إلى درجة أنه انقاد له انقياداً كاملاً، هذا الانقياد الكامل هو العبادة. فهذا أصبح مُعبَّداً لمن يحبه.

فنهاية الذل السمع والطاعة المطلقة، ونهاية الحب السمع والطاعة المطلقة كذلك؛ فهنا يلتقي الحب مع الخضوع، فيكون المحب خاضعاً. أما إذا وُجد معنى الخضوع فقط من غير وجود معنى الحب فهذه ليست بالعبادة الشرعية التي يقبلها الله سبحانه وتعالى. والبعض يفسر كلمة عبادة -وهذا عند المتكلمين وكذلك عند علماء اللغة- بمعناها اللغوي، لكن ابن تيمية هنا يضيف المعنى الشرعي؛ فالله سبحانه وتعالى ما يقبل من العبد عبادة إذا ما كان الله سبحانه وتعالى هو المحبوب الأول عنده. إذاً هذا الأمر الأول.

والأمر الثاني يتعلق بمثل ما ذكرت: معنى العبادة العام والشامل، فالعبادة تشمل العبادات الباطنة وكذلك الظاهرة بشتى أقسامها وأنواعها، وضرب ابن تيمية أمثلة كثيرة، وفي القرآن الكريم بيان تفصيل هذه العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى من عبيده. وكذلك في القرآن الكريم بيان أنواع العباد؛ فالكل عبد الله سبحانه وتعالى، ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 93-94]. فالجميع لا يخرجون عن عبودية الله سبحانه وتعالى، لكن أي نوع من أنواع العبودية؟ النوع المتعلق بالربوبية؛ فالكل مقهور لقدر الله سبحانه وتعالى، فلا يستطيع أن يخرج من كون الله سبحانه وتعالى، ولا قدر الله سبحانه وتعالى، فالجميع عبيد له، لكن هذه العبودية ليست عبودية تشريف.

والنوع الثاني من العبادة: عبادة التشريف، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: 19]، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6]، هذه عبودية التشريف، وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام في القرآن الكريم: القسم الأول المقربون، والقسم الثاني الأبرار، والقسم الثالث الظالم لنفسه.

نعم، قال رحمه الله: وأما العبادة وما يناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك فلا تكون إلا لله وحده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64].

﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]. فالإيتاء لله وللرسول كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].

وأما الحسب وهو الكافي فهو الله وحده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]. أي: حسبك وحسب أتباعك من المؤمنين الله. ومن ظن أن المعنى حسبك الله والمؤمنون معه فقد غلط غلطًا فاحشًا كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36].

وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد الذي عبده الله فذلله ودبره وصرفه. وبهذا الاعتبار فالمخلوقون كلهم عباد الله، الأبرار منهم والفجار والمؤمنون والكفار وأهل الجنة وأهل النار، إذ هو ربهم كلهم ومليكهم؛ لا يخرجون عن مشيئته وقدرته وكلماته التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر، فما شاء كان وإن لم يشاءوا، وما شاءوا إن لم يشاء لم يكن، كما قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83].

فهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومقلب قلوبهم ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره ولا مالك لهم سواه ولا خالق لهم إلا هو، سواء اعترفوا بذلك أم أنكروا، وسواء علموا ذلك أم جهلوه. لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك وآمنوا به، بخلاف من كان جاهلًا بذلك أو جاحدًا له مستكبرًا على ربه، لا يقر ولا يخضع له مع علمه بأن الله ربه وخالقه؛ فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبوله والجحد له كان عذابًا على صاحبه، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]. وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33].

فإذا عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه محتاج إليه، عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله. وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يضيع أمره وقد يعصي وقد يعبده مع ذلك وقد يعبد الشيطان والأصنام، ومثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار ولا يصير بها الرجل مؤمنًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. فإن المشركين الذين كانوا يقولون إن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25]. وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84-89].

أحسن الله إليك، الآن الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى يبين ويريد أن يؤصل الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. ويعلم الإمام رحمه الله تعالى بأن المخالفين له يقرون بهذا إقرارًا عامًا، ولكن الإشكال عندهم باللبس الذي وقع لديهم في تحرير معنى كلمة الله، وكذلك تحرير معنى كلمة الرب، وكذلك تحرير الإيمان، وكذلك تحرير العبادة، وصرفهم العبادة لغير الله سبحانه وتعالى مع بعض الشبهات الموجودة عندهم.

فابن تيمية يريد أن يقرر ويبين لهم ويعيدهم إلى هذا الأصل، بأن المشكلة ليست بصرف العبادة الآن إلى الأصنام أو إلى الأولياء، إنما بنفس صرف العبادة؛ فلا فرق بين صرف الاستغاثة لغير الله سبحانه وتعالى سواء كان هذا المصروف له جبريل عليه السلام، أو كان نبيًا من الأنبياء، أو كان صنمًا من الأصنام. والمشكلة ليست الآن بكون هذا رجل صالح وهذا رجل طالح، أو كون هذا بر وهذا فاجر، إنما المشكلة بنفس صرف العبادة وبنفس توجيه هذه العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. فالنصارى كفروا بسبب غلوهم بعيسى عليه السلام، وهو نبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى، فنفس إيصالهم عيسى عليه السلام لمرتبة الإله هذا شرك، سواء الذي تم إيصاله إلى مرتبة إله صالح أو طالح هذا غير معتبر.

فابن تيمية هنا يريد أن يقرر في هذه الرسالة اللطيفة معنى الربوبية، وأن هناك فارقًا بين الربوبية وبين الألوهية؛ فهذا التوحيد الذي تقولون وتزعمون بأنه توحيد النبي صلى الله عليه وسلم، هذا توحيد نفس كفار قريش، فهم كانوا يقولون مثل الذي تقولون، لكن المشكلة عندكم في هذا النوع الثاني من التوحيد الذي أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن على الأنبياء حتى يبينه.

فتوحيد الربوبية يقر ويسلم الناس له تسليمًا فطريًا، ولم تكن معارضة الكفار للأنبياء بتوحيد الربوبية في الأصل، إنما بتوحيد الألوهية. نعم عندهم نوع عدم تسليم لتوحيد الربوبية لكن كانوا يقرون به إجمالًا، أما توحيد الألوهية فهذا الذي لم يسلموا به؛ نفس التعظيم لله، نفس الخوف من الله، نفس الاستسلام والانقياد لأمر الله سبحانه وتعالى، هذا هو توحيد الألوهية، هذا لم يسلموا به. أما توحيد الربوبية فكانوا يقرون به إجمالًا.

هنا ابن تيمية يريد أن يؤصل ويبين بأن توحيد الربوبية الكل مسلم به تسليمًا عامًا وإجماليًا، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾، فهم كيف جمعوا الآن بين الإيمان وبين الشرك؟ الإيمان العام بالربوبية ولكن هم يشركون بتوحيد الألوهية، فيصرفون العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. وهناك نوع ارتباط بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فإذا تم الإخلال بتوحيد الألوهية لا بد أن يترتب معه إخلال بشيء من توحيد الربوبية، ويكون لهذا تفصيل إن شاء الله تعالى في المجالس القادمة. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.