دخولتسجيل الدخول

التعليق على رسالة العبودية 02

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحييكم الإخوان جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم.

قال رحمه الله: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة فيشهدها لا يشهد إلا هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية التي يشترك في شهودها وفي معرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر، بل وإبليس. معترف بهذه الحقيقة، قال إبليس: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: 36]، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39]، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]، وقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62]، وأمثال هذا من الخطاب الذي يقر فيه بأن الله ربه وخالقه وخالق غيره.

وكذلك أهل النار قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: 106]، وقال تعالى عنهم: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۖ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام: 30]. فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها ولم يقم بما أمر الله به من الحقيقة الدينية التي هي عبادة متعلقة بألوهيته وطاعة أمره وأمر رسوله، كان من جنس إبليس وأهله. فإن ظن مع ذلك أنهم إلى المعرفة والتحقيق الذين سقط عنهم الأمر وأنه أي الشرعيان، كان من أشر أهل الكفر والإلحاد. وما ظن أن الخضر وغيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك كان قوله هذا شر من أقوال الكافرين لله ورسوله، حتى يدخل في النوع الثاني من معنى العبد وهو العبد بمعنى العابد، فيكون عابداً لله لا يعبد إلا إياه، فيطيع أمره وأمر رسله، ويوالي أولياءه المؤمنين المتقين ويعادي أعداءه. وهذه العبادة متعلقة بالإلهية تعالى، ولهذا كان عنوان التوحيد لا إله إلا الله، بخلاف من يقر بالربوبية ولا يعبد أو يعبد معه إلهاً آخر.

الوقفة الأولى عندنا قول المصنف رحمه الله تعالى: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة فيشهدها لا يشهد إلا هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية التي يشترك فيها وفي شهودها وفي معرفتها المؤمن والكافر. الآن الشيخ يرد على من يعظم توحيد الربوبية على حساب توحيد الألوهية، والعلاقة بين الربوبية والألوهية هو أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية؛ بمعنى الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى هو الرب، هو الخالق، هو الرازق، إلى آخره من خصائص الربوبية، يستلزم من هذا الشخص الذي آمن بأن الرب يملك هذه الخصائص أن يوحد الرب سبحانه وتعالى بالعبادة، فيحبه ولا يحب غيره ما يحبه، ولا يحب إلا ما يحبه، ويعظمه ويجله ويخاف منه ويرجوه وهكذا.

إذا توسع الشخص في شهود الحقيقة الكونية وفي شهود الإرادة الكونية، هنا قد تأخذ هذه الإرادة الكونية من نفس الإرادة الشرعية، كيف يعني؟ يعني الشخص الآن يشهد أن هذا الكون لا يجري فيه إلا ما قضاه الله وقدره، فماذا نفعل هنا؟ الإجابة عليه من خلال الحقيقة الشرعية من خلال نفس معرفة أمر الله سبحانه وتعالى الشرعي وليس الكوني. الحقيقة الكونية الله سبحانه وتعالى لا يشترط بأنه يحب كل ما يجري كوناً، لكن كل ما يجري كوناً هو وفق إرادة الله، ولابد من التفريق بين المحبة وبين الإرادة، فالله سبحانه وتعالى قضى وقدر بوجود الكفر، لكن الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده الكفر، والله لا يحب الكفر.

هنا إذا ما استوعب الشخص هذه العلاقة ستتوسع عنده الحقيقة الكونية على حساب الحقيقة الشرعية، ماذا سيفعل؟ سيقول بأن كل ما يجري من كون بكون الله سبحانه وتعالى، ليس يريدها الله، إنما يحبه الله؛ هو لا شك أنه يريده سبحانه وتعالى ولا أحد يلزم الله سبحانه وتعالى بشيء، ولكن هل الله يحب هذا الشيء أو لا يحبه؟ كيف نعرف هذا؟ نعرفه من خلال الحقيقة الشرعية، نعرفه من خلال نفس الأحكام الشرعية. فإذا ما فرقنا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية هنا يقع عند الشخص الخطأ والخلل في فهم النصوص. إذا ما ضبط شخص هذه المعاني تتوسع عنده؛ يعني الآن شخص يؤمن بربوبية الله سبحانه وتعالى، هذا الإيمان بالربوبية يستلزم ويلزمك أيها المؤمن بهذا النوع من الربوبية أنك توحد الله، وأنك تفعل ما يريد الله سبحانه وتعالى منك.

هنا الناس أقسام، والصوفية مروا بثلاث مراحل، الصوفية الأولى التي كانت في زمان السلف الصالح، صوفية لا إله إلا الله، يعني هم كانوا يوحدون الله سبحانه وتعالى، وكان مبحث توحيد الألوهية منضبط عندهم، ولكن كانوا أصحاب عبادة أكثر من كونهم أصحاب علم، مثل إبراهيم بن أدهم، مثل أبو سليمان الداراني، وهكذا، هذه الشريحة كانوا عباداً والجنيد، هؤلاء كانوا عباداً، فكان مبحث توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية منضبطاً عندهم، وكان التصوف عندهم عبارة عن الإكثار من العبادة، وليس عبارة عن إغلاق أو تحقير من شأن توحيد الألوهية وعدم الاهتمام والمبالغة بالعناية به، إنما كان عندهم الزيادة في العبادة على حساب الزيادة في العلم. فكثير من هؤلاء كان عندهم علم بالله، وهذا أشرف نوعي العلم، ولكن لم يكن عندهم العلم بأمر الله.

والعلماء ثلاثة، منهم من يكون عالماً بالله ليس عالماً بأمر الله، هذا مثال معروف الكرخي، مثال الفضيل بن عياض، مثال هذا القسم من العباد؛ الجنيد، أبو سليمان الداراني، إبراهيم بن أدهم، بشر الحافي، هذا عنده العلم بالله ولكن لم يكن عالماً بأمر الله أي لم يكن متخصصاً بطلب الحديث وهكذا. القسم الثاني من العلماء هو الذي يجمع بين الأمرين، هو العالم بالله والعالم بأمره، مثال الإمام أحمد بن حنبل، الإمام مالك، الإمام الشافعي، الإمام البخاري وهكذا، هذا قسم ثانٍ ونوع ثانٍ من العلماء. النوع الثالث العالم بأمر الله وليس العالم بالله، يعني عنده علم لكن ما عنده عمل، هذا هو العالم الفاسق، هذا هو العالم الفاجر، نسأل الله السلامة والعافية.

الصوفية الأولى صوفية لا إله إلا الله كان عندهم زيادة في العبادة على حساب العلم، هل هذه مذمومة أو ممدوحة؟ هي بالأصل ممدوحة ليست مذمومة إذا كان هذا تخصص الإنسان وهذا الذي يستطيع عليه، والناس بعد الزمان الأول منهم من كانت عنده زيادة بالعلم، منهم من كانت عنده زيادة بالعبادة أو زيادة بالعمل. ويقول ابن الجوزي رحمه الله في الخاطر أنه من السلف لم يتقن موازنة العلم مع العمل إلا ثلاثة، الحسن البصري، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، قالوا: ولو ربع بسعيد لما بعد، أي بسعيد بن المسيب، فهنا صارت زيادة، لكن ليس معنى كلمة زيادة أن هذا الشخص خرج عن الاستقامة على أمر الله، لا، لكن هذا الإنسان أصبح تخصصه عملياً فأصبح العلم عنده أكثر، وهذا رأى بأنه لا يميل إلى العلم أو لا يستطيع على العلم كما يستطيع على العبادة، فأصبحت عنده العبادة أكبر وأكثر.

بعد هذا الزمان أو القرون المفضلة بدأ تدريجياً حتى تشكل النوع الثاني من الصوفية، وهي صوفية لا رب إلا الله، أي الصوفية التي عظمت من شأن توحيد الربوبية خاصة مبحث القضاء والقدر على حساب توحيد الألوهية، فأصبح الإيمان بتوحيد الربوبية متسعاً، اتسع هذا الإيمان أي لم يأخذ نفس حقيقته نفس المجال أو الحد الذي وضع فيه الدين، فأخذ نوعاً ما من توحيد الألوهية، فأصبح هذا القسم من الناس يشهد الحقيقة ويرى بأن خواص الناس وأفضل الناس وأعلى الناس هو من يشهد ربوبية الله سبحانه وتعالى، ويكون هناك نوع استسلام للقضاء والقدر الزائد، ومعنى كلمة الزائد هنا أي على حساب نفس العمل للإسلام. فأصبح هؤلاء نوع زيادة في الإيمان هنا بشهود الحقيقة، وأن شهود الحقيقة حقيقة أعظم عندهم مما جاء به الدين وهكذا، على حساب نفس التوحيد الإلهي، فأصبحت هناك زيادة مع وجود توحيد الإلهية عندهم ومع إقرارهم بتوحيد الإلهية ومع صلاتهم ومحبتهم وتعظيمهم لله سبحانه وتعالى والى آخره ما يتعلق بتوحيد الألوهية، لكن توحيد الربوبية توسع عندهم وأخذ مساحة معينة من توحيد الألوهية.

القسم الثالث هم الذين جاءوا بعد الغزالي مثل ابن الفارض وابن سبعين وابن عربي، هؤلاء أصحاب وحدة الوجود والحلول والاتحاد، هؤلاء الذين أسقطوا التكاليف، فتوسع عندهم توحيد الربوبية حتى وصل بهم الحال إلى إسقاط توحيد الألوهية، فأصبحوا يرون بين العبد رب والرب عبد، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من الضلال، نسأل الله السلامة والعافية. فوصل بهم الحال إلى هذه المرتبة، في المرحلة الثانية وكذلك في الثالثة بدأوا يستدلون بالخضر، ولكن لا يوجد من أتباع المرحلة الثانية من يرى بأنه يجوز لأحد أن يخالف شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، أي ممن يعظم شأن الحقيقة ولكن لا يسقط توحيد الألوهية، لا يتعامل مع هذه القضية قضية الخضر وعدم اتباعه لموسى عليه السلام بالصورة التي يتبعها أصحاب المرحلة الثالثة. فالصوفية في المرحلة الثانية صوفية لا رب إلا الله بدأت قضية الخضر عندهم تتسع وأن الخضر حي ولم يمت وكرامات الأولياء هذا الأمر بدأ يظهر بنسبة معينة.

أما بالنسبة لصوفية لا موجود إلا الله، الصوفية الثالثة، هؤلاء هم الذين بدأوا يستدلون بالخضر وأنه يجوز للشخص أن يخالف شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وتسقط عنه التكاليف، وإذا وصل شخص إلى الحقيقة هنا خلاص ليس عليه عبادة، فبدأ عندنا تكون الشريعة لها ظاهر وباطن، تكون الشريعة لها ظاهر، وهذا موجود عند الرافضة، ولا يوجد فرق كما قال بعض العلماء بين الصوفية والرافضة في الصوفية النهائية، وليس صوفية أبو حامد الغزالي وصوفية كذلك الهروي إلى آخره، إنما صوفية ابن فارض وابن سبعين وهؤلاء بينهم وبين الرافضة أو من يتعبد بهذه الطريقة إلا فقط تعظيم الصحابة وإجلال الصحابة. إذا توسع عندهم هذا الأمر حتى وصل الحال بالصوفية أي الصوفية الأخيرة إلى أنهم كانوا يعتقدون بأن أصحاب الصفة كانوا يقاتلون مع الكفار يوم أحد، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون النتيجة للكفار يوم أحد وهؤلاء لا يخالفون إرادة الله سبحانه وتعالى، نسأل الله السلامة والعافية. وبلغ عندهم الأمر إلى أن يكون خاتم الأولياء أعظم من خاتم الأنبياء وهكذا، فوصل بهم الشطح إلى مرتبة عالية، لكن صوفية الهروي وصوفية الغزالي إلى آخره ما وصل بهم الأمر إلى هذه الحال، إلا أنهم عظموا من شأن توحيد الربوبية على حساب نفس التوحيد الإلهي. وهذا له تفصيل لكن هذا كله من باب التقريب. والشيخ هنا الشيخ ابن تيميه رحمه الله تعالى كان يرد على هذين النوعين، فابن تيمية رحمه الله تصدى لهذين النوعين وكان يستدل بالنوع الأول، بأن النوع الثاني والنوع الثالث من الصوفية لم يكونوا على هدي الجنيد وعلى هدي كذلك أبي سليمان الداراني وإبراهيم أدهم وهكذا.

قال رحمه الله: وهذه عبادة متعلقة بالألوهية لله تعالى، ولهذا كان عنوان التوحيد لا إله إلا الله، بخلاف من يقر بالربوبية ولا يعبد أو يعبد معه إلهاً آخر. فالإله هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك، وهذه عبادة هي التي يحبها الله ويرضاها وبها وصف المصطفين من عباده وبعث بها رسله. وأما العبد بمعنى المعبد سواء أقر بذلك أو أنكره فهذا المعنى يشترك به المؤمن والكافر، وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة بعبادة الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها الله.

هنا تفسير إله ابن تيمية رحمه الله، فسر الإله هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك. من أين أتى ابن تيمية لهذا التفسير؟ من خلال اللغة وكذلك من خلال نفس الشرع، ففي اللغة الإله هو المعبود، وكذلك له تصريفات عديدة؛ فمثلاً يقول الشاعر: ألهت إليكم بأمور تنوبني وجدتكم كراماً أماجداً، هنا ألهت إليكم أي لجأت إليكم، وكذلك وله الفصيل بأمه أي تعلق بأمه وهكذا. وكذلك يقول الشاعر: أعجلنا الآلهة أن تغيب الآلهة أي الشمس، فيؤخذ من هذا أن الإله يستفاد منه معنى الارتفاع وكذلك معنى الحب وكذلك معنى التعظيم ومعنى الثبات وعدم التغير بالمعنى طبعاً الشرعي وهكذا.

وكذلك من ننظر في نصوص القرآن الكريم نجد بأن اسم الله سبحانه وتعالى الله يكون معه الحب ويكون معه التعظيم والإجلال لله سبحانه وتعالى، ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13] أي تعظيماً أو رجاءً وخوفاً وهكذا. فلما ننظر في نفس الاستدلال القرآني وذكر النصوص القرآنية نجد بأن الإله يكون معه تعلم الله أن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم لرب العالمين، إذ نسويكم هنا التسوية بماذا؟ بالمحبة بالتعظيم، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165].

الإله هو المعبود، كما يقول ابن عباس رضي الله عنهما. ويستفاد من هذه الكلمة معاني الارتفاع والثبات والمحبة والتعظيم والرجاء والخوف. وهنا الشيخ فسر الإله من خلال استعمال العرب لهذه الكلمة، وكذلك من خلال النصوص الشرعية التي تذكر مع الإله. ثم قال بعد ذلك: وهذه العبادة هي التي يحبها الله ويرضاها، وبها وصف المصطفين من عباده، وبها بعث رسله.

أما العبد فهو بمعنى المعبد، سواء أقر بذلك أو أنكره؛ فهذا المعنى يشترك فيه المؤمن والكافر. فالعبادة هي التي يحبها الله سبحانه وتعالى، وهي التي أمر بها رسله. ما المراد بالعبادة؟ تفصيل العبادة في القرآن الكريم: الله أمر بالصلاة إذاً الله يحب الصلاة، أمر بالزكاة إذاً الله يحب الزكاة، أمر ببر الوالدين إذاً الله يحب بر الوالدين، وهكذا.

أما كلمة العبد فهي كلمة مجملة مشتركة يدخل فيها المؤمن والكافر؛ لأن العبد هو الذليل، العبد هو الخاضع، والكل خاضع لله سبحانه وتعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 93-94]. فإبليس عبد، وجبريل عبد، فالكل يأتي يوم القيامة عبداً خاضعاً لأمر الله سبحانه وتعالى. هنا العبد بمعنى الخضوع وعبودية القهر وعدم القدرة على الخروج عن قدر الله سبحانه وتعالى الحاكم لعباده.

بالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة في عبادة الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها ويكرمهم بجنته، وبين الحقائق الكونية التي يشرك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر. التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس والكافرين من رب العالمين. ومن اكتفى ببعض الأمور دون بعض، أو في مقام دون مقام، أو حال دون حال، نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص من الحقائق الدينية.

هذا مقام عظيم غلط فيه الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان ما لا يحصيه إلا الله الذي يعلم السر وأخفى. وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر رحمه الله فيما ذكر عنه؛ فبين أن كثيراً من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا؛ فإن انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق. الرجل من يكون منازعاً للقدر إلى من يكون موافقاً للقدر، والذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الذي أمر الله به ورسوله.

لكن كثيراً من الرجال غلطوا فيه؛ فإنهم قد يشهدون ما يقدر على أحد من الناس من الذنوب أو ما يقدر على الناس من ذلك بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جارٍ من مشيئة الله وقضائه وقدره، داخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته؛ فيظن الاستسلام لذلك موافقته ورضاه ونحو ذلك ديناً وطريقة وعبادة. فيضاهئون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]، وقالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: 47]، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ [الزخرف: 20].

ولو علموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ونصبر على موجب المصائب التي تصيبنا من الفقر والمرض والخوف. قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]. قال بعض السلف: الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 22-23].

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوباً عليَّ؟ قال: نعم. قال: فحج آدم موسى».

وآدم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر ظناً أن المذنب يحتج بالقدر؛ فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، ولو كان هذا عذراً لكان عذراً لإبليس وقوم نوح وكل كافر. ولا موسى لام آدم لأجل الذنب، فقد تاب إلى ربه فاجتباه، ولكنه لامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة؛ ولهذا قال: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فأجابه آدم أن هذا كان مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق. فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدراً، وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له؛ فإنه من تمام الرضا بالله رباً.

أما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر، ويصبر على المصائب. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غافر: 55]، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]، وقال: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]. وقال يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].

وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الكفار والمنافقين، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله، ويحب في الله ويبغض في الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ...﴾ [الممتحنة: 1]. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4]. وقال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22].

وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: 35]، وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: 19-22].

وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: 29]. وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: 75]. وضرب الله مثلاً رجلين: أحدهما لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم؟ وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 20].

ونظائر ذلك ما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل، والطاعة والمعصية، والبر والفجور، وأهل الهدى والضلال، والغي والرشاد، والصدق والكذب. فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سوى بين الأصناف المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق، حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين الله وبين الأصنام، كما قال تعالى عنهم: ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98].

بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود، وجعلوا ما يستحق العبادة والطاعة هو كل موجود، إذ جعلوه وجود المخلوقات. وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد؛ وهؤلاء لا يطلبون الكفر لأنهم لا يشهدون أنهم عباد الله، لا بمعنى أنهم معبدون، ولا بمعنى أنهم عابدون؛ إذ يشهدون أنفسهم هم الحق، كما صرح بذلك طواغيتهم كابن عربي صاحب الفصوص، من الملحدين المفترين، وأمثاله؛ ويشهدون أنهم هم العابدون والمعبودون. وهذا ليس شهود الحقيقة الكونية ولا الدينية، بل ضلال؛ مع شهود الحقيقة الكونية حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وموعود للخالق، إذ وجود هذا ووجود هذا عندهم واحد.

الشيخ رحمه الله تعالى يبين بأن الخطأ الذي وقع عند هؤلاء هو التوسع في مبحث القضاء والقدر. فلما رأوا بأن كل ما يجري بكون الله سبحانه وتعالى هو بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، توسع عند هؤلاء الأمر حتى أخذ يأخذ من بعض حقائق الدين الأخرى. فقسم من هؤلاء وصل به الحال إلى أنه يرى بأن الذنوب والمعاصي هي مكتوبة بقضاء الله وقدره، والله يحب الذنوب والمعاصي والعياذ بالله؛ لأنهم لا يفرقون بين الإرادة الشرعية وبين الإرادة الكونية، فيجعلون الإرادة الكونية معها المحبة الإلهية. والله سبحانه وتعالى قد يقضي شيئاً كوناً ولكن لا يحبه سبحانه وتعالى شرعاً.

فهؤلاء لما وصلوا إلى مبحث القضاء والقدر أمسكوا وتوقفوا عنده. فكيف الآن سنتعامل مع هذا المبحث إذا كان هذا الذي يقع بهذا الذنب وهذه المعصية هذا كله مكتوب عند الله سبحانه وتعالى ومقضي ومقدر؟ هنا توقفوا عند هذا وأمسكوا عنده، ثم بعد ذلك منهم من بدأ يتوسع حتى استدل بقصة آدم مع موسى عليهما السلام.

موسى عليه السلام لم يكن اعتراضاً على ذنب آدم، إنما اعتراض على الذنب الذي تسبب بالخروج من الجنة، فقال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فرد آدم عليه السلام وقال: هذا الذنب هل كان مكتوباً عليَّ أو لا؟ فقال: نعم مكتوب عليك. فآدم حج موسى عليه السلام. هل هنا استدلال آدم بأن هذا الذنب مكتوب عليَّ إذاً خلاص أنا أستسلم لهذا الذنب، وما دام هذا الذنب مكتوباً عليَّ إذاً أنا أؤمن بالقضاء والقدر بأن الذنب مكتوب؟ نعم، طيب هل المعنى هذا أني لا أتوب؟ هل معنى هذا أني لا أقاوم المعصية؟ هل معنى هذا أني لا أجتهد في عدم الوقوع بها؟ لا شك الجواب لا؛ لأن آدم عليه السلام هو نفسه تاب وأناب إلى الله سبحانه وتعالى ورجع إلى الله سبحانه وتعالى.

إذاً هنا القضاء والقدر هذا المبحث لا يجوز الاستدلال به على الوقوع بالذنوب فقط. لا يجوز، لكن نعم شخص ممكن يقع بذنب ثم بعد ذلك يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، فيستدل مثل ما استدل آدم عليه السلام؛ أو أن شخص يستدل بهذا الأمر في المصائب. فالله سبحانه وتعالى قضى وقدر كل ما يجري في كونه. فإذا استدل الشخص بالقضاء والقدر على المعصية لا يجوز، لكن على المعصية التي تاب منها يجوز، وكذلك على المصيبة يجوز.

إذا لم يستوعب الشخص هذا المعنى وتوسع عند هذا المبحث مبحث القضاء والقدر والنظر إلى شهود ربوبية الله سبحانه وتعالى وكمال ملكه وسلطانه، ممكن يسقط عنده شيء من الحقائق الشرعية. فلا بد أن يأخذ في المقابل الحقيقة الشرعية، وأن يواجه قدر الله سبحانه وتعالى بقدر الله سبحانه وتعالى الذي يحبه الذي هو شرعه. ذكر الشيخ رحمه الله تعالى كلمة الشيخ عبد القادر الجيلاني وهي قوله: "إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا؛ فإن انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق".

أقدار الله سبحانه وتعالى التي كتبها وقدرها بنفس مراد الله سبحانه وتعالى الذي أمرني بأن أقوم به؛ فينزل الأمر أو القدر أو الواقع، والله سبحانه وتعالى مع كل واقع يريد منك عبادة معينة محددة. طيب ما هي العبادة التي يريدها الله مني أفعلها؟ هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر. أما أن شخصاً ينزل عليه واقع معين هو لا يقابل هذا الواقع بمراد الله سبحانه وتعالى الشرعي، هذا لم يؤمن بالقضاء والقدر الذي أنزله على نبينا صلى الله عليه وسلم، إنما هذا أمر وهمي. أتمنى ألا نخرج من هذه المجالس إلا ونحن متقنون ومستوعبون لطبيعة الحقائق الدينية، فكل حقيقة دينية لها حد، إذا توسعت هذه الحقيقة ستأخذ من حقيقة أخرى. الحل أنك تسلم.

لامر الله سبحانه وتعالى ولشرع الله سبحانه وتعالى كما أراد الله، فاستقم كما أمرت؛ هنا تأخذ الإسلام كافة، هنا تفهم، لكن إذا توسع عندك مبحث على حساب مبحث، قد -لا، بل ستخطئ قطعا-. وهؤلاء انظروا كيف بدأ يجري معهم الشيطان ويتجارى معهم حتى أوصلهم الشيطان إلى أن ينكروا وجود المعبود سبحانه وتعالى، ليس فقط التقليل من شأن توحيد الإلهية، إنما نفس توحيد الإلهية لم يعد موجودا عندهم. وهو أقسام شتى، فقسم يفسر الإله بالرب مثل ما ذكرنا، وقسم يتوسع عند هذا الأمر حتى ينظر بأن هو الإله، ويلتحم عند الإله بالمعبود، فيصبح هو نفس الإله هو المعبود، والمعبود هو الإله.

كما قال قائلهم: يا ليت شعري فمن المكلف، الإله رب والإله عبد والعبد إله. كما قال في ليت شعري من المكلف، إذا كان نفس الإله هو المعبود والمعبود نفس الإله هو العبد والعبد هو كذلك الإله أو المعبود، نسأل الله السلامة والعافية. لكن هكذا الشيطان يجري بالإنسان إذا ما استوعب الإنسان وأخذ الإسلام كما أخذ الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم. إذا هنا الشيخ يريد أن يقرر أهمية هذه المعاني، وأن يبين بأن الحقيقة الشرعية أو توحيد الإلهية لا بد أن يقابل قدر الله سبحانه وتعالى الكوني بأمر الله سبحانه وتعالى الشرعي، وهكذا نجمع بين الحقيقة أو بين القدر والشرع، وأكثر الشيخ رحمه الله تعالى من الحديث عن هذه المواضيع في الكثير من كتبه لشدة الالتباس التي وقع في زمانه رحمه الله تعالى.

قال الشيخ رحمه الله: وأما المؤمنون بالله ورسوله، عوامهم وخواصهم، الذين هم أهل القرآن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس»، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». فهؤلاء يعلمون أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأن الخالق سبحانه بائن للمخلوق، ليس حالا فيه ولا متحدا فيه ولا وجوده وجوده، والنصارى إنما كفرهم الله إذ قالوا بالحلول واتحاد الرب بالمسيح خاصة، فكيف من جعل ذلك عاما في كل مخلوق.

ويعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله ونهى عن معصية الله ومعصية رسوله، وأنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، وأن على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره ويستعينوا به على كل ذلك، كما قال في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. ومن عبادة الله وطاعة أمره: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان، والجهاد في سبيل الله عن الكفر والنفاق؛ فيجتهدون في إقامة دين الله مسلمين له، رافعين بذلك ما قدر من السيئات، دافعين بذلك ما قد يخاف من ذلك، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل، ويدفع الجوع المستقبل بالأكل.

وكذلك إذا آن أوان اللبس دفعه باللباس، وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه. كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقي بها، أترد من قدر الله شيئا؟ فقال: «هي من قدر الله». وفي الحديث أن الدعاء والبلاء يلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض. فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله، وكل ذلك من العبادة.

وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية ولربوبيته تعالى لكل شيء يجعلون ذلك مانعا من اتباع الأمر الديني الشرعي على مراتب في الضلال. فأولاهم يجعلون ذلك مانعا مطلقا عاما، فيحتجون بالقدر بكل ما يخالفون به الشريعة، وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى ومن جزء قول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ [الزخرف: 20]. هؤلاء من أعظم الأرض تناقضا، بل كل من احتج بالقدر متناقض؛ لأنه لا يمكن أن يقر كل آدمي على ما يفعل، فلا بد إذا ظلمه ظالم أو ظلم الناس ظالم وسعى في الأرض بالفساد وأخذ يسفك دماء الناس، ويحل الفروج ويهلك الحرث والنسل، ونحو ذلك من أنواع الظلم التي لا قوام للناس فيها، أن يدفع هذا القدر ويعاقب الظالم بما يكف عدوانه وأمثاله.

فيقال له: إن كان القدر حجة، فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، فإن لم يكن حجة، فبطل أصل قولك أن القدر حجة. أصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا القول ولا يلتزمونه، وإنما هم يتبعون آراءهم وأهواءهم، كما قال به بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري؛ أي مذهب وافقوا تمذهبوا به.

ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة، ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه فعلا وأثبت له الصفات، أما من شهد أن مخلوقه أو أنه مجبور على ذلك وأنه ضرور متصرف به كما يحرك سائر متحرك، فانتفى عنه الأمر والنهي والوعيد. وقد يقولون: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف، ويزعمون أن الخاطر سقط عنه التكليف بشهود الإرادة. فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة الذين شاهدوا الحقيقة الكونية فشاهدوا أن الله خلق العباد وأنه مريد ومدبر جميع الكائنات، وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علما وبين من يراه شهودا، فلا يسقطون التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط، ولكن يسقطونه عمن يشهد فلا يرى لنفسه فعلا أصلا. وهؤلاء يرون الجبر وإثبات القدر ما يمحو التكليف على هذا الوجه. وقد وقع طائفة من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد في ذلك، وسبب ذلك أنه ضاق نطاق ما كون العبد يؤمر بما يقدر عليه بخلافه، كما ضاق نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية على ذلك. ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعيين دون القضاء والقدر الذين هم إرادة الله العامة وخلقهم للعباد، لا أثبتوا القضاء والقدر مع نفي الأمر والنهي في حق من شهد القدر، إذ يمكن نفي ذلك مطلقا، وقول هؤلاء شر من قول المعتزلة، ولم يكن من السلف من هؤلاء أحد. وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي محجوبا إلى الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية، ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه، وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، فاليقين عندهم معرفة هذه الحقيقة.

وقول هؤلاء كفر صريح، وإن وقع فيه طائفة لم تعلم أنه كفر، فإنه قد علم بالاضطرار من الدين أن الأمر والنهي لازمان لكل عبد ما دام عقله حاضرا إلى أن يموت، لا يسقطان عنه لا بشهود القدر ولا بغير ذلك. فمن لم يعرف ذلك عرفه وبين له، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فإنه يكفر. وقد كثرت مثل هذه المقالات في المتأخرين، وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة بينهم. وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله، ومضادة لدينه، ومشاقة له، وتكذيب لما جاء به في حكمه، وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجتهد.

هذا هو الذي عليه طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وطريق أولياء الله المحققين، وهو في ذلك بمنزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه للاستغناء عنها بما حصل، أو أن الخمر حلال لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر، أو أن الفاحشة حلال له لأنه صار كالبحر لا تكدر ذنوبه، ونحو ذلك. والغالب أن المشركين الذين كذبوا الرسول يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله، فهذا دأب من المشركين، أما أن يحتجوا بالقدر وأما أن يجمع بين الأمرين، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28].

وقال تعالى عنه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]. وقد كفر المشركين بابتداعهم من الدين الذي فيه تحليل الحرام، وافترائهم على الله ما لم يشرع بما لم يشرع، في قوله: ﴿وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 138].

وكذلك في سورة الأعراف قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 27-33].

وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوه من البدع حقيقة، كما يسمون ما يشهدون من القدر حقيقة، وطريق الحقيقة عندهم هو سلوك لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع، بل بما يراه ويذوقه ويهواه بقلب ما فيه من غفلة عن الله جل وعلا ونحو ذلك، وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقا، عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم وجعل ما يرونه وما يهوونه حقيقة، ويأمرون باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله، نظير ابتداع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المخالفة للكتاب والسنة حقائق عقلية يجب اعتقادها دون ما دلت عليه السمعيات من الكتاب والسنة.

ومن يعلم بالكلية فلا يتدبرون ولا يعقلون، يقولون نفوذ معنى الله مع انتفاء نقيض مدلوله، وإذا حقق على أن هؤلاء ما يزعمونه من نظريات مخالفة الكتاب والسنة وجدت جهالات واعتقادات فاسدة، وكذلك أولئك إذا حقق عليهم ما يزعمونه من حقائق وجد قولهم مخالفة الكتاب والسنة وجدت منهم، وهي التي يتبعها أعداء الله، وأصل ذلك تقديم على شرع الله، وتقديم اتباع الهوى على اتباع الله؛ فإن الذوق راشد ونحو ذلك، أو بحسب ما يحب العبد، وكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته وهواه، فهو الإيمان لهم من الذوق والوجد، مثل ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا».

الكفر والبدع والشهوات كل بحسبه، قيل لسفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء؟! فذكر أنهم قد أشربوا في قلوبهم كفرهم أو نحو هذا من الكلام. فعباد الأصنام يحبون الله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، وقال: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50]، وقال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾ [النجم: 23]. ولهذا هؤلاء يغرمون بسماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان، بل يشرك فيها محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان. هؤلاء الذين يتبعون أذواقهم، قوم مبتدعة من غير اعتبار بذلك الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فكل من لم يبعث الله به رسوله من عبادة الله وحده وطاعة الله وطاعة رسوله لا يكون متبع لدين شرعه الله أبدا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].

ومن كان متبعا هواه من غير أمر الله، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]. وهم في ذلك تارة يكونون على بدع يسمونها حقيقة يقدمونها على ما شرعه الله، وتارة يحتجون بالقدر كونا على الشريعة كما أخبر الله به عن المشركين. ومن هؤلاء طائفة هم أعلاهم عندهم قدرا، هم متمسكون بما اختاروا بأهوائهم من الدين، في أداء الفرائض المشهورة واجتناب المحرمات المشهورة، لكن يضلون بترك ما أمر به من الأحكام التي هي عبادة، مؤمنين أن من شهد القدر أعرض عن ذلك من جعل التوكل منهم الدعاء منهم ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة، بناء على أن من شهد بالقدر علم أن ما قدر سيكون، فلا حاجة إلى ذلك، وهذا ضلال مبين؛ فإن الله قدر أشياء بأسبابها، كما قدر الشقاوة والسعادة لأسبابها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الجنة، خلق لها أهلها وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلق النار، خلق لها أهلها وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل النار يعملون».

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأن الله كتب المقادير، فقال: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء». فكل ما أمر الله به عباده من أسباب وعبادة، والتوكل مقرون بالعبادة، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]، وفي قوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: 30]، وقول شعيب: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات فتنقص بقدر ذلك، ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خوارق عادات، مثل مكاشفة واستجابة دعوة ومخالفة للعادة ونحو ذلك، ما يشتغل أحدهم بهذه الأمور عما أمر.

به من العبادة الشكر ونحو ذلك، فهذه الأمور ونحوها كثيراً ما تعرض لأهل السلوك والتوجه، إنما ينجو العبد منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت، كما قال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة. وذلك أن السنة كما قال مالك: مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.

القصد هنا أن الشيخ رحمه الله تعالى بين بأن سبب ضلال هؤلاء على اختلاف نسبة الضلال الموجودة عندهم هو الهوى والجهل، فانظروا كيف يجري الهوى بصاحبه حتى يبعد عن الحق الذي يحب الله سبحانه وتعالى، فبقدر ما عند الإنسان من الهوى والضلال يكون الضياع. فالإنسان إذا ما جرد نفسه من هواها لا بد أن يضل؛ لماذا؟ لأن النفس تحب شيئاً، وبعد ما تحب هذا الشيء تأنس به وتتذوق هذا الشيء، فيحدث عندها وجد وذوق، فبعد ذلك يأتي الإنسان ويستدل بالنصوص الشرعية على خلاف المراد.

وهؤلاء على أقسام: فمنهم من يحرف النص بناء على ذوقه ووجده وحبه، والمرجع هو الهوى، فيكون الهوى هو القائد، الهوى هو الذي يقلب هذه النصوص ويحرف هذه النصوص عن نفس المكان الذي وضعها الله سبحانه وتعالى فيه، أو يعرض الشخص عنها بالكلية إذا كان الهوى عنده عالياً جداً وقوياً بحيث إن الإنسان لا يكون عنده شيء من المحبة والتعظيم لله سبحانه وتعالى، إنما الهوى يكون هو المسيطر عليه، فهذا قد يعرض عن النصوص ولا يكون عنده من التعظيم والإجلال للنصوص ما يحمله على التعرف على المراد.

الذي ينجو من هذه الأمراض هو الذي يتجرد من الهوى، ولا يكفي ذلك؛ بل لا بد أن يكون معه العلم، لذلك قال الإمام أحمد عن رجل صالح لما سئل عن عبد الوهاب الوراق، قالوا: إنه قليل العلم، قال: إنه رجل صالح، مثله يوفق إلى إصابة الحق. هذا المعنى يفهمه الإمام أحمد ويفهمه أئمة الإسلام، ويفهمه الإمام مالك لما يقول: ليس العلم بالرواية، إنما هو نور يقذفه الله في قلب العبد، وشرطه الاتباع. هذا النور هو عبارة عن إيمان، عبارة عن تجرد من الهوى، يعني هذا الإنسان منقاد لأمر الله سبحانه وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن المؤمن: «كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد».

لماذا؟ هو مسلم لأمر الله، لم يعد له هوى، لم يعد له هوى إلا ما يوافق الشرع، ويروى في الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». فهذا الإنسان ما يهوى إلا ما يحب الإسلام، ما يهوى إلا ما يريد الله سبحانه وتعالى، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]. كيف يكون السجن محبوباً إلى الإنسان؟ لأن هذا الذي يحب الله سبحانه وتعالى، هذه مرتبة عالية جداً بالتجرد لله سبحانه وتعالى.

والإنسان المؤمن لما يكون بهذه الطريقة يكون هواه تبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحب إلا ما يحب الله سبحانه وتعالى، هذا هو الذي يهدى، هذا هو الذي يحمى بإذن الله، ولا يكون لنفسه عليه سلطان. لكن لما يكون للهوى حظ، والإنسان لم يتجرد، يعني الآن التزكية الإيمانية لم تجرد هذا الإنسان من هواه ولم يستقم على أمر الله سبحانه وتعالى الاستقامة التامة والكاملة، هذا لا يمكن أن يتبع ما جاء به النص مئة بالمئة، إنما لا بد أن تقع عنده نوع مخالفة، وسبب ذلك أن هواه موجود.

والهوى هو أصل كل ضلالة، القصد من ذلك أن هؤلاء ضلوا بسبب الهوى أولاً، ثم بعد ذلك بسبب الجهل، فلم يتبعوا النصوص كما أمرت النصوص به، إنما اتبعوا ما يظنون أنه حق. وهؤلاء انقسموا إلى قسمين: منهم من تضخمت عنده الحقيقة الكونية حتى وصلت به إلى نوع مخالفة، وقد يكون هو صاحب محبة لله وصاحب تعظيمات عظيمة للدين، لكن عنده جهل. وقد يكون الشخص من ضلال الفساق الذين لا توجد عندهم محبة ولا تعظيم، فيقع في الحلول والاتحاد إلى آخره من الضلالات.

القصد من هذا الكلام كله أن كلام الإمام ابن تيمية هنا يريد أن يعيد الشخص إلى نفس الحقيقة التي إذا التزمها الشخص سينجو بإذن الله، ما هي الحقيقة؟ أنك تجرد نفسك من هواها ولا يكون هواك إلا تبعاً لما جاء به الإسلام، وكذلك أن تتعلم العلم كما تعلم الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم. هنا ينفعك العلم، لكن قبل ذلك ما ينفعك العلم، وسيكون العلم بالنسبة له حجة يستدل بها على باطله.

لكن الشخص كان معتصماً بأمر الله سبحانه وتعالى، ويبحث عن العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منه في كل لحظة وفي كل حين، ويعلم بأن القرآن الكريم نزل حتى يبين لنا الطريق الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، ولا دخل لعقولنا ولا لنفوسنا في تحديد الطريق، إنما الله هو الذي وضع الطريق، إنما الواجب علينا فقط أن نعرف الطريق وأن نتبع ما أمره الله سبحانه وتعالى، ولا نسمح للعقل بأن يخرج عن هذه الدائرة، ولا للنفس بأن تخرج عن هذه الدائرة، إذا خرجنا ولو قيد أنملة لا بد أن يقع عندنا شيء من التأول وشيء من المخالفة.

لذلك هنا ذكر كلام الزهري رحمه الله تعالى بأن الاعتصام بالسنة نجاة، وكذلك قول مالك بن أنس رحمه الله تعالى بأن السنة مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، أي سلم من ركب السفينة. طيب كيف نركب سفينة في صحراء؟ الله يأمر نوحاً عليه السلام بأن يصنع سفينة، ومن آمن معه، فالناس يضحكون عليهم، لا عبرة لكلام الناس، إنما العبرة بنفس أمر الله سبحانه وتعالى. فهنا الشخص إذا سلم لدين الله ونظر ورجع إلى القرآن الكريم والسنة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وحرص على اتباع الحق وجرد نفسه من هواها، هنا يبصر الحق بإذن الله ويصيب أمر الله سبحانه وتعالى، ولا تقع عنده مثل هذه الأخطاء التي وقعت عند هؤلاء وأهل البدع.

وقد توصل الشخص مثل ما ذكر هنا الإمام إلى الكفر، بل قد يكون الشخص أشر من اليهود والنصارى إذا ما استوعب مثل هذه الأمور، فالأمر مطلعه وبدايته نفس تجريد النفس من هواها، ثم بعد ذلك تحصيل العلم، فاعلم أنه لا إله إلا الله. بهذه الطريقة ينجو الإنسان، وكل ضلال يوجد في البشر سببه إما الهوى أو الجهل. لذلك الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العظيم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]، عندهم علم لكن عندهم هوى طاغٍ، هوى عالٍ، فضلوا عن علم، هؤلاء اليهود.

ثم قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، لا علم عندهم، عندهم عبادة لكن ما عندهم علم، فضلوا وأخطؤوا الطريق الموصل إلى الله سبحانه وتعالى. فنحن نسأل الله سبحانه وتعالى بأن يهدينا الصراط المستقيم، أي الذي لا هوى مع السالك فيه ولا كذلك جهل، إنما ما يجمع الشخص بين العلم الذي يحب الله سبحانه وتعالى وكذلك التجرد من الهوى. ولا يظن الشخص أن هذه المعاني تحتاج إلى توسع في طلب العلم أو أن شخصاً يكون قارئاً قراءة كبيرة، هذه معاني بينة جداً في الدين وظاهرة، هذه المعاني أظهر من الصلاة، كيف أن صلاة الظهر أربع ركعات وصلاة العصر أربع ركعات، وهكذا، هذه معانٍ ظاهرة وبينة.

كذلك المعاني المتعلقة بالتوحيد هي معانٍ بينة وظاهرة جداً وليست معاني خفية، ولكن المشكلة كلها بالهوى، أو الجهل الكبير جداً الذي الإنسان لا يسعى للتعرف على الحق. ومرة من المرات كنت جالساً مع أحد الأشخاص في أحد البلدان، وكان رجلاً عامياً متديناً، والله إن قال كلاماً مركباً لا يقوله العلماء إلا من يفتح الله عليه، وسبب هذا هو أنه صاحب تجرد وعنده علم، هذا يكشف؛ هذا هو الذي يصيب الحق، هذا يصيب الحق ولو كان عامياً. تعجبت من تركيبه للمعاني، شخص ممكن يصيب معنى أو معنيين، لكن يكون معنى مركباً ويقوله بسياق واحد، هو أصلاً إنسان عادي، لكنه محب معظم لله سبحانه وتعالى، أقصد عادي بالعلم يعني بكثرة المعلومات، ليس عادي بمعنى أنه ليس عابداً، لا هو عابد، لكن ما عبادته عنده هكذا تحصيل علمي بسيط ليس كبيراً جداً، فعرف المراد، عرف كيف يطبق.

وكذلك شخص آخر من أهل الصلاة والمسجد ورجل كبير في السن، كان يستدل بقضايا التوحيد على الواقع الذي يعيش فيه، ربما الكلام لا يعرفه أكثر طلاب العلم أو الكثير من طلاب العلم؛ لماذا؟ لأن هذا مع تجرد، هذا ليس مع هوى. فالإنسان لا بد أن يجرد نفسه من هواها، وكذلك أن يتبع الطريق، وأن يعتصم بكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يلتفت لغير هذين المصدرين العظيمين.

طيب نقف عند هذا، نقف عند هذا إن شاء الله تعالى، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.