دخولتسجيل الدخول

التعليق على رسالة العبودية 03

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نسمي الله سبحانه وتعالى ونكمل التعليق على رسالة العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

قال رحمه الله: والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد ولها أصلان: أحدهما أن لا يعبد إلا الله، الثاني أن لا يعبده إلا بما أمر وشرع، لا يعبده بغير ذلك من الأهواء والظنون والبدع. قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]، وقال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125].

فالعمل الصالح هو الإحسان، وهو فعل الحسنات؛ والحسنات هي ما أحبها الله ورسوله، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب. فما كان من البدع في الدين التي ليست في الكتاب ولا في صحيح السنة فإنها، وإن قالها من قالها وعمل بها من عمل، ليست مشروعة؛ فإن الله لا يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح. كما أن من يعمل ما لا يجوز كالفواحش والظلم، فليس ذلك من الحسنات ولا من العمل الصالح.

أما قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، فهو إخلاص الدين لله وحده. وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، قال: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.

فإن قيل: فإذا كان جميع ما يحبه الله داخلاً في اسم العبادة، فلماذا عطف عليها غيرها؟ كقوله في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، وقوله للنبي: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]، وقول نوح: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]، وكذلك قول غيره من الرسل؟ قيل: هذا له نظائر، كما في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، والفحشاء من المنكر.

وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]، وإيتاء ذي القربى هو من العدل والإحسان، كما أن الفحشاء والبغي من المنكر. وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: 170]، وإقامة الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب. وكذلك قوله عن أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90]، ودعاؤهم رغباً ورهباً من الخيرات.

هذا الباب يكون تارة مع كون أحدهما بعض الآخر، فيعطف عليه تخصيصاً له بالذكر لكونه مطلوباً بالمعنى العام والمعنى الخاص. وتارة تتنوع دلالة الاسم بحال الانفراد والاقتران؛ فإذا أفرد عم، وإذا قرن بغيره خص، كاسم الفقير والمسكين؛ لما أفرد أحدهما في مثل قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273]، وقوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]، دخل فيه الآخر، ولما قرن بينهما في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]، صار نوعين.

وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، بل يكون من هذا الباب، والتحقيق أن هذا ليس لازماً. قال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: 7]. وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة؛ تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى.

وتارة لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم، كما في قوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 2-4]؛ فقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يتناول كل الغيب الذي يجب الإيمان به، لكن فيه إجمال، فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.

وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب، وبالإخبار بالغيب وهو ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: 45]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: 170]، وتلاوة الكتاب هي اتباعه والعمل به. كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121]، قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه ويؤمنون بمتشابهه ويعملون بمحكمه، فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها، لكن خصها بالذكر لمزيتها.

وكذلك قوله لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]، وإقامة الصلاة لذكره من أجل عبادته. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]؛ فإن هذه الأمور هي أيضاً من تمام تقوى الله.

وكذلك قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]؛ فإن التوكل هو الاستعانة وهي من عبادة الله، لكن خصت بالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصها، فإنها هي العون على سائر أنواع العبادة، إذ هو سبحانه لا يعبد إلا بمعونته.

إذا تبين هذا فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته. ومن توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه، أو أن الخروج عنها أكمل، فهو من أجهل الخلق بل من أضلهم. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 26-28].

وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 88-95].

وقال تعالى في المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: 59]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 19-20].

وقوله تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 172-173]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 37-38]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 205-206].

وهذا ونحوه مما فيه وصف أكابر الخلق بالعبادة وذم من خرج عن ذلك متعدد في القرآن، وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. وقال تعالى لبني إسرائيل: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [العنكبوت: 56]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾ [الزمر: 11-15]. وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله، كقول نوح ومن بعده عليهم السلام في سورة الشعراء وغيرها: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾.

وفي المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري». وقد بينا أن عباده المخلصين هم الذين ينجون من السيئات التي زينها الشيطان. قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39-40]. قال تعالى: ﴿قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 41-42].

وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]. وقال في حق يوسف: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: 159-160].

وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99-100]. وبالعبودية نعت كل من اصطفى من خلقه بقوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: 45-47]، وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17]، وقال عن سليمان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]، وعن أيوب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: 44].

وقال عنه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ [ص: 41]، وقال عن نوح عليه السلام: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3]، وقال عن خاتم رسله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]، وهو أولى القبلتين وقد خصه الله بأن جعل العبادة فيه بـ 500 ضعف، والمقصود بمضاعفة الحسنات هو المسجد الأقصى الذي حرقه اليهود عليهم لعنة الله، ويظن البعض أن المسجد الأقصى هو الصخرة والقبة المحيطة بها وليس كذلك.

وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: 19]، وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ [البقرة: 23]، وقال: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ﴾ [النجم: 10]، وقال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]، ومثل هذا كثير متعدد في القرآن.

فصل في التفاضل في الإيمان؛ إذا تبين ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلاً عظيماً، ويتفاضلون في حقيقة الإيمان، وينقسمون فيه إلى عام وخاص، ولهذا كانت إلهية الرب لهم فيها عموم وخصوص.

أحسنت بارك الله فيك. ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هنا أن العمل لا يقبل إلا بشرطين اثنين: الشرط الأول أن يكون العمل خالصاً لله سبحانه وتعالى، والشرط الثاني أن يكون هذا العمل موافقاً لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه بيان العبادة المقبولة. فالعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد، ولها أصلان: الأول ألا يعبد إلا الله، والثاني أن لا يعبده إلا بما أمر وشرع. فلا بد أن يكون العمل خالصاً وموافقاً لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم بعد ذلك شرع الشيخ وبين بأن مثل هذه الأسماء لما يعطف الخاص على العام يكون له عدة مقاصد، وليس معنى هذا أن هذا الخاص خارج عن المسمى العام، إنما يكون هنا العطف مقصوداً. وهذا الباب الذي ذكره شيخنا باب عظيم من فقه كثير من المعاني التي يختلف فيها الناس.

وشيخنا يبين بأن هذا العطف يكون لأسباب، فمنها ما يكون هذا العطف مقصوداً لبيان أهمية هذا الخاص، وليس أن هذا الخاص لا يدخل في الحكم العام كما يظن البعض؛ فمثلاً لما يقول شخص: أكرموا الطلاب وأكرم زيداً، وزيد هو بالأصل من الطلاب، لماذا تم تخصيص زيد هنا؟ لبيان الأهمية؛ وذكر الخاص بحكم يوافق العام يراد منه الأهمية وليس مجرد التخصيص. وقس على ذلك أن الله سبحانه وتعالى يذكر عموم عبادة معينة، ثم يقرن أو يعطف هذه العبادة على كلمة العبادة، فيكون المراد إبراز هذا النوع من العبادة، وأن هذه العبادة العامة المجملة لا تقوم إلا لما تتحقق هذه العبادة الخاصة؛ فهذه العبادة الخاصة تقوي العبادة العامة.

من ذلك: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، التوكل على الله سبحانه وتعالى يقوي جميع العبادات، فتقوى العبادة لما يقوى فيها عبودية التوكل. كذلك الله سبحانه وتعالى لما يذكر الصلاة، فلما تقوى الصلاة تقوى جميع العبادات؛ فبعض العبادات تكون هكذا لها مزية على غيرها بتقوية جميع العبادة. فأي عبادة يحسن الشخص فيها تقوي بقية العبادات، لكن بعض العبادات يكون لها أثر كبير على باقي العبادات، منها الصلاة، ومن العبادات العملية الزكاة، وكذلك عبودية الاستعانة والتوكل.

لذلك الله سبحانه وتعالى ذكرها بسورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ أي لا يمكن أن نعبدك إلا أن تعيننا على هذه العبادة، فلا نستعين إلا بك، فالعبد إذا ما استعان بالله سبحانه وتعالى ستضعف عنده العبادة ولا بد.

ستضعف عنده العبادة ولا بد. كيف ستضعف عنده العبادة والاستعانة من العبادة؟ نحن نتكلم عن نوع من أنواع العبادة الذي يؤثر في جميع العبادات، فمثلاً القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، والصلاة عبادة، والدعاء عبادة. هذه العبادات إذا ما كان معها توكل على الله لن تستطيع أن تقيمها كما يريد الله سبحانه وتعالى. هنا العطف ليس المقصود منه إخراج هذه العبادة عن العبادة، إنما المقصود منه بيان أهمية هذه العبادة.

وكذلك ذكر هنا بأن بعض الأسماء لها معنى في حال الانفراد ولا معنى في حال الاقتران، وضرب مثلاً في الفقير والمسكين؛ فالفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. وكذلك كلمة الإسلام والإيمان؛ إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. والمقصود هنا بالاجتماع إذا افترقا اجتمعا؛ أي أن كل كلمة من هذه الكلمات يشمل ما تدل عليه الكلمة الأخرى؛ فلما يذكر إيمان هكذا مطلقاً أو مجرداً عن قرنه بالإسلام يشمل الإسلام، ولما يطلق الإسلام يشمل الإيمان. لكن لما يطلق الإسلام مع الإيمان يكون للإسلام معنى وللإيمان معنى. هذا باب شريف جداً من يعتني به الشخص.

ثم قالوا قد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، بل يكون من هذا الباب، أي الباب الذي قبل، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. فقال: والتحقيق أن هذا ليس لازماً. قال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]، وجبريل وميكال يدخلون في ملائكة الله سبحانه وتعالى، وهكذا. ثم ذكر قال: وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة؛ تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، مثل هنا جبريل عليه السلام وكذلك ميكائيل، فهو أفضل الملائكة، وهكذا في بقية العبادات.

وذكر شيخنا أمثلة على هذا، ثم بعد ذلك بين بأن أنبياء الله سبحانه وتعالى كلهم كانوا يوصفون بالعبادة، وكان الله يثني عليهم بأنهم عبيد له. لماذا ذكر الشيخ هذا المعنى البين والظاهر من القرآن الكريم؟ لكن لماذا ذكره هنا؟ لأن الشيخ الآن في سياق الرد على الصوفية؛ الذين كانوا يرون أن الشخص قد يخرج عن العبادة، ويكون هنا خروجاً من العبادة إما بالإخلاص أو الخروج عن الشرع، فالشخص ممكن يصل إلى حالة تسقط عنه التكاليف. وعند غلاة هؤلاء بأن آخر وهو خاتم الأولياء أعظم من خاتم الأنبياء. وليس كلهم يقولون هذا، لكن عند الغلاة. وليس من الصواب أن يحمل كلام جميع الصوفية على قول غلاتهم، فالصوفية مراتب مثل ما ذكرنا في اللقاء الماضي، وليسوا على مرتبة واحدة. فالمقصود من ذلك هنا أن أشرف وصف ممكن يوصف به العبد هو العبودية؛ أنه عبد الله سبحانه وتعالى.

نعم، الله وصف أنبياءه كلهم بأنهم عبيد له. ما معنى كلمة عبيد له؟ ما ذكر الشيخ قبل ذلك، بأنهم كانوا من أخلص الناس، بل هم أخلص الناس لله سبحانه وتعالى في عبادتهم، وكذلك كانوا لا يخرجون عن تنفيذ مراد الله سبحانه وتعالى. أما الذي يقول بأن الشخص قد يسقط عنه هذا المراد أو يضيق معنى العبادة ويصغر معنى العبادة ويخرج بعض ما أمر الله سبحانه وتعالى به من العبادة، فليس هذا فعل أنبياء الله سبحانه وتعالى. إنما أنبياء الله كانوا عبيداً؛ أي مذللين خاضعين محبين معظمين مجلين لله سبحانه وتعالى، وكانوا منفذين لأمر الله سبحانه وتعالى.

فاستطرد شيخنا لتقرير هذا المعنى الذي قد يغفل عنه من يضمر عنده معنى العبادة على حساب معاني أخرى، مثل ما ذكرنا في اللقاء الماضي؛ فقد يكون عنده شهود الحقيقة وهكذا الإيمان بالربوبية العامة والقضاء والقدر، هذه المباحث العقدية المهمة قد يشهدها ولا يشهد العبادة ولا يشهد معنى العبادة، فيحدث عنده نوع تضخم في هذا الباب على حساب العبادة. فيأخذ منها، تقول لي هذا الكلام صعب جداً، أقول لك لأنك ما عشت مع هؤلاء. فلذلك هذا الأمر، لكن ترى لا يكاد يسلم الإنسان من تضخم شيء معين عنده، لذلك الشخص يحتاج دائماً أن يجدد إيمانه وأن يجدد توحيده وأن يجدد إسلامه. وكان شيخنا يقول رحمه الله تعالى، شيخ الإسلام يقول: وإني ما زلت أجدد إسلامي. ما الذي يقصده في يجدد إسلامه؟ يعني كان يكفر؟ لا، لكن مقصوده أن الله يثبته، وأيضاً يجدد استحضار إيمانه ومعاني الدين، يجدد نفس استشعار النفس هذه المعاني وإدراكها؛ حتى ما يتوسع عنده باب على حساب باب، وحتى ما يعتاد شيئاً فيضمر عنده هذا الأمر أو يقع فيه بعض الخطأ بحيث لا يشعر. والله أمر الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]. هذا ليس أمراً سهلاً، فيحتاج الإنسان دائماً أن يجدد إيمانه وأن يجدد إسلامه، والمقصود به هذا المعنى وليس أنه يكون وقع بالكفر وعاد، هكذا لا، ليس هذا هو القصد.

ثم ذكر الشيخ بعد ذلك أن أنبياء الله سبحانه وتعالى كانوا يفتتحون دعوتهم بالدعاء إلى عبادة الله، كقول نوح ومن بعده في سورة الشعراء وغيرها: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59]. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له». والوقفة مع هذا الأمر الواضح والبين كذلك هو أن العبد لا بد أن يكون أول ما يدعو إليه هذا الأمر، ولا يغفل عن هذه الكلمات. نحن في زمان تم تشويه مثل هذه العبارات والكلمات، وليس من الصواب أن نسقط هذه العبارات، وليس من الصواب أن نجعل عبارات أخرى مكان هذه العبارات، بل أن نعيد أذهان الناس وأفهام الناس إلى نفس المعنى الذي جاء به الدين. وكذلك يستشعر العبد أنه عبد الله سبحانه وتعالى، وأن كل ما يفعله يكون لله سبحانه وتعالى، ولا بد أن يجعل كلمة العبادة مقدمة على بقية الكلمات؛ مقدمة على كلمة طلب العلم، مقدمة على كلمة الدعوة، مقدمة على كلمة الصلاة، مقدمة على بر الوالدين. كلمة العبادة هذه لا بد تكون مقدمة عندك؛ لأن الله سبحانه وتعالى يريد منك عبادة معينة في كل لحظة وفي كل حين. نحن نعيش فوق الأرض، نعيش في قدر معين وواقع معين، هذا القدر الله يريد منا عبادة معينة محددة. والسعيد من أصاب بالعبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منه في كل لحظة وفي كل حين.

ثم قال بعد ذلك: ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش. إن أعطي رضي، وإن منع سخط».

هنا قال قبل ذلك: إذا تبين ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلاً عظيماً، وهو تفاضل في حقيقة الإيمان. الآن أدخل كلمة الإيمان بعد كلمة العبادة. انظر الآن كيف يشرح الشيخ هذا؛ يعني هذا الأمر الذي يتفاضل الناس فيه تفاضلاً عظيماً، وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص، ولهذا كانت إلهية الرب لهم فيها عموم وخصوص. ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش». والنقش إخراج الشوكة من الرجل، والمنقاش ما يخرج به الشوكة. وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه، ولم يفلح؛ يعني كونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال. وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي، وإذا منع سخط، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: 58]، فرضاه لغير الله وسخطه لغير الله.

وهذا حال من كان متعلقاً برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط. فهذا عبد ما يهواه من ذلك وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فمن استرق القلب واستعبده فالقلب عبده. ولهذا يقال: العبد حر ما قنع، والحر عبد ما طمع. وقال القائل: أطعت مطامعي فاستعبدتني، ولو أني قنعت لكنت حراً. ويقال: الطمع غل في العنق، قيد في الرجل، فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل. ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الطمع فقر واليأس غنى، وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عنه. وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه، فإن الأمر الذي ييئس منه لا يطلبه ولا يطمع فيه، ولا يبقى قلبه فقيراً إليه ولا إلى أن يفعله. وأما إذا طمع في الأمر من الأمور ورجاه فإن قلبه يتعلق به، فيصير فقيراً إلى حصوله وإلى من يظن أنه سبب في حصوله. وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك. قال الخليل عليه الصلاة والسلام: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17]. فالعبد لا بد له من رزق وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبداً لله فقيراً إليه، وإذا طلبه من مخلوق صار عبداً لذلك المخلوق فقيراً إليه.

ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل وإنما أبيحت للضرورة، وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة من لحم». وقال: «من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو خموشاً أو كدوشاً في وجهه». وقوله: «لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع». وهذا المعنى في الصحيح، وفيه أيضاً: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب ويحتطب خيراً له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». وقال: «ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك». فكره أخذه مع سؤال اللسان واستشراف القلب. وقال في الحديث الصحيح: «من يستغن يغنه الله، ومن يستعف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر». وأوصى خواص أصحابه ألا يسألوا الناس شيئاً. وفي المسند لأبي بكر كان يسقط الصوت من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شيئاً. وفي صحيح مسلم وغيره عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعه في طائفة وأسر إليهم كلمة خفية: ألا تسألوا الناس شيئاً، فكان بعض أولئك النفر يسقط الصوت من يد أحدهم ولا يقول لأحد: ناولني إياه.

وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 7-8]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». ومنه قول الخليل: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، ولم يقل فابتغوا رزقاً عند الله؛ لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر، كأنه قال: لا تبتغوا رزقاً إلا عند الله. وقد قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32]. والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه ودفع ما يضره، وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله، فلا يسأل رزقه إلا من الله، ولا يشتكي إلا إليه. كما قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]. والله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل؛ وقد قيل إن الهجر الجميل هو هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق. ولهذا قيل لأحمد بن حنبل في مرضه: إن طاوساً كان يكره أنين المريض ويقول إنه شكوى، فما أن أحمد حتى مات. وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل، فإن يعقوب قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 83]، وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل، فمر بهذه الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف. ومن دعاء موسى: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك. وفي الدعاء الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي.

وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي. اللهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح به أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.

وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته قويت عبوديته له وحريته مما سواه. فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه. كما قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره.

فكذلك طمع العبد في ربه ورجاؤه له يوجب عبوديته له، وإعراض قلبه عن الطلب من الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لا سيما بحيث يكون قلبه معتمداً إما على رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على سادته وكبرائه كمالكه وملكه وشيخه ومخدومه وغيرهم ممن هو قد مات أو يموت. قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 58]. وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه ويرزقوه أو أن يهدوه، خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان بالظاهر أميراً لهم، مدبراً لأمورهم، متصرفاً بهم. فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر.

فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له، يبقى قلبه أسيراً لها، تحكم فيه وتتصرف بما تريد. وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها ومالكها، لكنه في الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، ولا سيما إذا علمت بفقره إليها وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تتحكم فيه تحكم السيد القائد الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه، بل هو أعظم. فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن؛ فإن من استعبد بدنه واسترق وأسر لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب الذي هو ملك الجسم رقيقاً مستعبداً متيماً لغير الله، فهذا هو الذل والأسر والعبودية الذليلة لمن استعبد القلب.

وعبودية القلب وأسره يترتب عليها الثواب والعقاب. فإن المسلم لو أسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائماً بما يقدر عليه من الواجبات. ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه فله أجران. ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك. وأما من استعبد قلبه فصار عبداً لغير الله فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس. فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس».

وهذا لعمرو الله إن كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة امرأة أو صبي فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب. وهؤلاء عشاق الصور من أعظم الناس عذاباً وأقلهم ثواباً، فإن العاشق للصورة إذا بقي قلبه معلقاً بها مستعبداً لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضرراً عليه مما يفعل ذنباً ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه. وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين، كما قيل: سكران سكر هوى وسكر مدامة، ومتى إفاقة من به سكران؟ وقيل: قالوا جننت بمن تهوى، فقلت لهم العشق أعظم ما بالمجانين. العشق لا يستفيق الدهر صاحبه، وإنما يصرع المجنون في حينه.

ومن أعظم أسباب هذا البلاء إعراض القلب عن الله، فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أمتع ولا أطيب. والإنسان لا يترك محبوباً إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه أو خوفاً من مكروه، فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح أو بالخوف من الضرر. قال تعالى في حق يوسف: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. والله يصرف عن عبده ما يسوءه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله. ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له بحيث تغلب نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا علاج. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]. فإن الصلاة فيها دفع مكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل محبوب وهو ذكر الله، وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه.

فإن ذكر الله عبادة القلب لله مقصودة لذاتها، ومن دفع الشر عنه فهو مقصود لغيره على سبيل التبع. والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فإنها تفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل. ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ [الأعلى: 14-15]، وقال: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30]. وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَّىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: 21]. فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج أقوى تزكية للنفس، وبين أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك.

وكذلك طلب الرئاسة والعلو في الأرض، قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات ويعفو عما يجترحونه ليطيعوه ويعينوه، وهو بالظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم. والتحقيق أن كليهما فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله، وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق كان بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترق واستعبد للآخر، وهكذا أيضاً في طلب المال، فإن ذلك المال يستعبده ويسترق.

أحسنت، الآن الشيخ رحمه الله تعالى بعدما ذكر عبادة، انتقل بعد ذلك إلى تفاضل الناس في العبادة، وبين الشيخ رحمه الله تعالى بأن الشرك في هذه الأمة كما جاء في الحديث أخفى من دبيب النمل، ثم ذكر حديث: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم». وهذا الحديث المراد به هنا عبد الدينار وعبد الدرهم، أي الذي يكون أسيراً للمال، الذي يكون أسيراً لهواه. فهنا محبة الشخص لشيء لا يحبه الله سبحانه وتعالى أو ضعف محبة العبد لربه سبحانه وتعالى، لا بد أن تنصرف هذه المحبة إلى شيء آخر يعلق به، وهذا الشيء الآخر قد يكون مثل طلب الرئاسة والجاه والسلطان، أو قد يكون من أجل طلب المال، أو قد يكون تعلقاً بالصور المحرمة. هذا التعلق لماذا يبتلى به الإنسان؟ لأنه لم يحب الله سبحانه وتعالى الحب المانع من هذا التعلق.

شوف يا شباب، القلب عبارة عن إناء مليء بالعاطفة، القلب فيه خوف ورجاء وطمع وحب، هذا الخوف والرجاء والطمع لا بد أن يصرف كله لله سبحانه وتعالى، لما يصرف كله لله سبحانه وتعالى يبقى الحد الطبيعي في الإنسان، وهذا الحد الطبيعي في الإنسان لا يضر هذا الأصل. الذي يكون حب الله سبحانه وتعالى عظيم، مثل ما كان يقول داود عليه السلام: «اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من أهلي ومالي ومن الماء البارد على الظمأ». هنا لما يملأ القلب بهذا النوع من المحبة، القلب ما ينصرف، فيكون الحب الطبيعي ما يضر الإنسان، «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة». العين ما تقر إلا عند أعظم المحبوبات، هنا لما تقر العين بالصلاة يبقى محبة الطيب ومحبة النساء هذه محبة فطرية طبيعية. إذا زادت عن حدها ستأخذ من المحبة الإلهية من حب الله سبحانه وتعالى.

فهنا العبد لا بد أن يسعى جاهداً لملء قلبه من هذه المحبة، إذا امتلأ القلب من حب الله سبحانه وتعالى وجلاله لن ينصرف القلب لغيره. والدنيا عدوة الآخرة، فبقدر تعلق الشخص بالدنيا لا بد أن يأخذ هذا من رصيد الآخرة شاء أم أبى، ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا. فالشخص إما أن يكون من أبناء الآخرة أو يكون من أبناء الدنيا، إما أن تحب الله سبحانه وتعالى وتحب غيره، إما أن تعظم الله أو تعظم غيره، إما أن تخاف من الله أو تخاف من غيره، وهذا معنى كلام ذكره ابن القيم في مقدمة الوابل الصيب لما قال: من أحب غيره عذب به ولا بد، ومن خاف غيره سلط عليه، العقوبة تكون من جنس نفس العمل.

فهنا العقوبة تنزل على الإنسان من جنس نفس الخطأ الذي هو وقع فيه، وهذا القلب ينصرف، فالعاطفة هنا طبيعية جداً، الشخص ما ينفعل للأمور المتعلقة بالدين، وهذا الذي يشتكي منه أكثر الناس، يقول لي: ما أجد في قلبي حباً كبيراً، ما أجد في قلبي لم يأتِ، صلى الله عليه وسلم، لم يأتِ عشر ذي الحجة، هذه مواسم الطاعات، ما يشعر بأن قلبه ينفعل، سبب عدم انفعال القلب هو وجود التسريب في القلب، انظر قلبك إلى أين ذهب؟ من الذي أخذ هذا الحب الذي ما يستحق؟ من الذي أخذ هذا الخوف؟ من الذي تعلقت عليه لما أردت أن تقضي بعض الحوائج؟

ثم بعد ذلك عرج في السؤال وبين كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أغلق سبحان الله هذا كلام نفيس، وهذا يدل على فهم عظيم لهذا الرجل، فهم للإنسان، هو فاهم الأحاديث هذه وفاهم الإنسان، ففاهم أن الإنسان لما يغلق هذا الباب يبقى هذا الأمر عنده وافياً كاملاً ما ينصرف، لما يفتح باب السؤال عند الإنسان فلان أعطني كذا، فلان افعل لي كذا، فلان، يعتاد الشخص هذا الاعتياد على السؤال يصرف التعلق القلبي، فيبدأ الإنسان يتعلق بغير الله سبحانه وتعالى. لذلك هنا قال: وأمر أصحابه بعدم سؤال الناس، حتى كان الصديق من شدة تحريه كما يروى عنه في المسند والحديث فيه كلام أنه إذا سقط سوطه ما يقول للشخص أعطني، إنما ينزل هو ويأخذ سوطه. طيب لماذا هذا كله؟ حتى يغلق هذا الباب عليه، حتى ما يسأل أحداً، حتى ما ينصرف القلب ولو كان انصرافاً ما يراه الإنسان بعينه المجردة، لكن هذا من دقة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وتحريهم الكبير، وهذه الأبواب مؤثرة بالتوحيد.

والناس يغفلون أن الأعمال والحديث الواردة الكثيرة، مثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من فرج على مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عليه كربة من كرب الآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة»، هذا الباب بينه وبين التوحيد ارتباط وثيق، لأن هذا الإنسان يقع عليه كربة ممكن يقوى عنده هذا البلاء حتى يبدأ يتهم القدر، ويبدأ يطعن بكذا وكذا وكذا، ويصل إلى سوء الظن بالله سبحانه وتعالى ظن الجاهلية. فالإنسان لما ينفس عنه لما يفرج عنه ما تصل النفس إلى هذا الحد، إنما إيش؟ كذلك تعزية المسلم، لماذا أجر التعزية عظيم؟ لأنه يحمي الإنسان، فالإنسان في هذه الحال يكون في بلاء كبير والنفس قد تثور عليه وتسقط إيمانه والعياذ بالله، فيقع في كلمة أو في قول ما يعذر فيه، فلما يأتي شخص وينفس عنا ويخفف عنا يحمي توحيده، يحمي إيمانه.

كذلك هنا الشخص لما يسأل الناس ويعتاد السؤال القلب ينصرف إلى هذا المسؤول ويتعلق به ويبدأ يلوم اللوم الكبير إذا ما فعل كذا، هذا كله كاشف عن وجود انصراف في القلب، نسأل الله السلامة والعافية. أما الشخص إذا كان يسأل السؤال الذي لا يجد به ضرراً وغير التعلق، إنما فقط يسأل عن شيء هو يحتاجه من غير أن يكون متعلقاً بهذا الإنسان، فهذا لا به شيء من السعة، وإن كان بعض العلماء كذلك حتى هذا الباب يضيقونه جداً. هذا المعنى شريف جداً، لذلك الإنسان ينبغي أن إنما يحرص على شيء من أمور الدنيا الحرص المبالغ فيه، ولا يتعلق قلبه بهذه الأشياء، إنما يفعلها من غير أن يتعلق بها، والقناعة تنجي الإنسان من الوقوع في مثل هذه البلاءات. طيب هذا ما يتعلق بهذا المجلس، والله أعلم وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.