دخولتسجيل الدخول

التعليق على رسالة العبودية 04

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فأحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. عندكم التعليق على رسالة العبودية لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تفضل يا غزيع.

أحسن الله إليك شيخ، قال رحمه الله: وهكذا أيضاً طالب المال؛ فإن ذلك المال يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: منها ما يحتاج إليه العبد كطعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة الحمار الذي يركبه، والبساط الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته، من غير أن يستعبده؛ فيكون إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً.

ومنها ما لا يحتاج العبد إليه، فهذا لا ينبغي له أن يتعلق قلبه به؛ فإذا تعلق قلبه به صار مستعبداً له، وربما صار معتمداً على غير الله؛ فلا يبقى معه حقيقة العبادة لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة». وهذا هو عبد هذه الأمور؛ فإنه لو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاها إياه رضي، وإذا منعه إياها سخط.

وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله تعالى. وهذا هو الذي استكمل الإيمان، كما في الحديث: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان». وقال: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار».

فهذا وافق ربه فيما يحبه وما يكرهه؛ فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأحب المخلوق لله لا لغرض آخر؛ فكان هذا من تمام حبه لله، فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب؛ فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل القيام بمحبوبات الحق لا لشيء آخر، فقد أحبهم لله لا لغيره. وقد قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]. ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].

فإن الرسول لا يأمر إلا بما يحب الله، ولا ينهى إلا عما يبغضه الله، ولا يفعل إلا ما يحبه الله، ولا يخبر إلا بما يحب الله التصديق به؛ فمن كان محباً لله لزم أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر، ويطيعه فيما أمر، ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله فيحبه الله. وقد جعل الله لأهل المحبة علامتين: اتباع الرسول، والجهاد في سبيله، وذلك لأن الجهاد حقيقة الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ودفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان.

وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24]. فتوعد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد.

بل قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال: فوالله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال: «الآن يا عمر».

فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حب ما يحب وبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الكفر والفسوق والعصيان. ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات؛ فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات، فإذا كان العبد قادراً عليها حصلها، وإن كان عاجزاً عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك، كان له أجر كأجر الفاعل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». وقال: «إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم»، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر».

والجهاد هو بذل الوسع وهو كل ما يملك من القدرة في حصول محبوب الحق، ودفع ما يكرهه الحق؛ فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلاً على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه. ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالباً إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة؛ فالمحبون للمال والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا مع ما يصيبهم من الضرر في الدنيا والآخرة. فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذوو الرأي من المحبين لغير الله مما يحتملونه في سبيل حصول محبوبهم، دل ذلك على ضعف محبتهم لله، إذا كان ما يسلك أولئك بنظرهم هو الطريق الذي يشير به العقل.

ومن المعلوم أن المؤمن أشد حباً لله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. نعم، قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقاً لا يحصل بها المطلوب؛ فمثل هذه الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة، فكيف إذا كانت المحبة فاسدة والطريق غير موصل! كما يفعله المتهورون في طلب المال والرئاسة والصور من حب أمور توجب لهم ضرراً ولا تحصل لهم مطلوبهم، وإنما المقصود الطرق التي يسلكها العقل السليم لحصول مطلوبه.

نعم، أحسنت بارك الله فيك. هنا الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى يبين بأن الإنسان إذا أراد أن يثبت محبة الله سبحانه وتعالى لا بد أن يقاوم المكروهات. وهذا المعنى الذي ذكر شيخ الإسلام هنا قد يبدو للإنسان بأنه ظاهر وبين وسهل، ولكنه في العقيدة صعب جداً، ويدل على ذلك ذكر حديث عمر هنا؛ فلما يقول عمر بن الخطاب وهو من هو في المنزلة والرفعة والديانة: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك».

هذا الحديث يحتاج إلى وقفة؛ كيف عمر بن الخطاب يقول: أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي؟ مع أن الذي يتبادر إلى الذهن ولو كل واحد منا سئل لقال: لا شك بأن الله سبحانه وتعالى والرسول عليه الصلاة والسلام أحب إلينا من كل شيء. لكن هل حقيقة نحن وصلنا إلى هذه المرتبة أو إلى الآن ما وصلنا إليها؟ ما الذي يكشف وصول الإنسان إليها أو لا؟ هو نفس التضحية، نفس العمل. فإذا كنت دائماً تعمل الأعمال السهلة الميسرة القريبة من النفس ولا تعمل الأعمال التي بها مشقة وبها تعب وبها حصول المكروه، فهذا دليل صريح على عدم بلوغ المحبة إلى الادعاء الذي تدعيه. فالإنسان يدعي ولكن المواقف تكشف صحة هذا الادعاء.

فهو ابن تيمية ذكر هذا الحديث الذي هو وارد عن عمر رضي الله عنه كما في الصحيح، ثم بعد ذلك بين بأن علامة الحب لله سبحانه وتعالى وللنبي صلى الله عليه وسلم تكون بموافقة واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه تحتاج إلى وقفة، والثانية الجهاد. تقول لي: كيف يكون الأول الموافقة والاتباع؟ أقول: كون الاتباع يعني هو الإنسان ما يدخل وهذا شاق جداً، يروى في الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به»، أن يكون هوى الإنسان تابعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ليس مسهلاً إنما يحتاج إلى مجاهدة، وهذا هو المعنى الثاني.

فهنا أن يكون شخص متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام فعل كذا إذاً أنا أفعل كذا كما فعل عليه الصلاة والسلام. هنا قد يفعل الشخص هذا الأمر بالأمور القريبة، لكن بالأمور التي تحتاج إلى مشقة أو مجاهدة يصعب علينا. وتريدون أن تعرفوا شيئاً من هذا؟ انظروا مثلاً إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ فكان يقول لما كان يتخفى من الوالي وتخفى في منزل ثلاثة أيام، ثم طلب منزلاً آخر فقيل له في ذلك، فقال: لا ينبغي أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في الرخاء ولا يتبع في الشدة.

من الإنسان الذي يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في الرخاء وفي الشدة؟ من الإنسان الذي يتبع النبي عليه الصلاة والسلام في حال ميلان هواه إلى ما جاء به النبي، وإلى عدم ميلان هواه إلى ما جاء به الدين؟ هنا يكشف صدق إيمان هذا الإنسان وصدق حب هذا الإنسان. وكذلك الأمر الثاني المتعلق بالجهاد، ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾. لماذا جهاد؟ لماذا بالذات خص هذه العبادة؟ لأن هذه العبادة معها كره نفسي، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾، فالنفس تكره هذا الشيء. طيب هذا الكره الذي تكرهه هل ستفعل لله أو لا؟ ستؤول وتتعذر وتأتي بما تشاء وتحب من المعاذير، هنا يكشف الإنسان.

ثم ابن تيمية هنا بين بأن الله سبحانه وتعالى فطر هذه الحياة على هذه الحقيقة؛ فالإنسان الذي يريد المعالي لا بد أن يقتحم المكروهات. شخص يريد أن يصل إلى الملك والسلطان، ويحصل الملك والسلطان، اقرؤوا في كتب التاريخ وانظروا كيف شخص يحصل الملك والسلطان، هل يحصل بالساهل أو معه بذل عظيم جداً؟ قد يقتل أقرب، بل هو قد يقتل هو وقد يقتل أقرب الناس إليه. كذلك الذي يحصل المال، كذلك يحصل المال، الآن لما تدخلون مع أصحاب الدنيا من يريد أن يحصل المال تجدون بأن هذا الشخص يبذل بذلاً عجيباً ويجتهد اجتهاداً غريباً في تحصيل المال، حتى أن بعضهم ما كان ينام، حتى كان يحدثني أحد هؤلاء يقول: أنا كنت أدخل المحل قبل صلاة الفجر ولا أخرج إلا بعد العشاء بكذا ساعة يومياً. طيب هذا كم ساعة ينام؟ وأين وقت الفسحة ووقت خلطة الناس إلى آخره؟ غير موجود. هذا هو طريق تحصيل المال؛ فطريق تحصيل المال، تحصيل السلطان لا بد معه من بذل ومكروه.

كذلك نيل حب الله سبحانه وتعالى وحب النبي عليه الصلاة والسلام لا بد أن يكون معه من مجاهدة. لذلك الله سبحانه وتعالى هنا قال: ﴿وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾، فالجهاد في سبيل الله علامة كاشفة قوية على صدق اتباع هذا العبد وصدق امتثال هذا العبد لأمر الله سبحانه وتعالى ومحبته له سبحانه وتعالى. وقبل ذلك ابن تيمية كذلك بين بأن المال ينقسم إلى قسمين: قسم يحتاج الإنسان إليه بمأكله ومشربه ومنكحه، والقسم الثاني الذي لا يحتاج الإنسان إليه. ابن تيمية يقول لك هذا القسم الثاني لا تتعلق به ولا تمل إليه، والأول أرغبه من الله سبحانه وتعالى واطلبه منه وتعامل معه تعامل كذا وكذا، مثل ما ذكر تعامل الحمار أو تعامل الكنيف؛ لماذا؟ حتى ما يتعلق القلب.

فابن تيمية هنا واعٍ ومدرك إدراكاً عجيباً وعالياً جداً لطبيعة النفس البشرية، أن هذه النفس تتعلق؛ فممكن اليوم تحب فلاناً ثم غداً تحب فلاناً أكثر من فلان، النفس أو القلب ما يثبت على شيء، إنما هو سمي قلباً لكثرة تقلبه. ويروى في الحديث بأن النبي عليه الصلاه والسلام قال كما جاء في سنن ابن ماجه: «لقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذا استجمعت غلياناً»، كيف القدر لما يصل درجة الغليان الماء داخل القدر كيف هكذا يتحرك؟ هكذا قلب الإنسان. وكذلك جاء في حديث أبي موسى رضي الله عنه وأرضاه بأن مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح ظهراً لبطن، جاء مرفوعاً وموقوفاً عنه رضي الله عنه وأرضاه.

القصد من ذلك أن قلب الإنسان هو بهذه الطريقة، هذا القلب سيستقر على ماذا؟ هل سيستقر على الموافقة أو على المخالفة؟ هذا يحتاج إلى بذل كبير من الإنسان حتى يستطيع الإنسان أن يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى، وأن يثبت ويصدق في محبته لله سبحانه وتعالى. إذاً هنا الإمام رحمه الله تعالى واعٍ ومدرك لمثل هذه المعاني المتعلقة بنفس الإنسان، وكذلك فهمه لهذه النصوص الشريفة التي تدل على أن هذا الباب يحتاج إلى بذل كبير واجتهاد حتى يثبت فيه صدق الإنسان وتعرف محبة الإيمان، محبتك لله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام.

مثل ما قالت في المواقف التي تكون معها منازعة نفسية، أما المواقف التي لا توجد معها منازعة فهذه مواقف سهلة ليست كاشفة. لكن المواقف الكاشفة هي التي معها منازعة، هذه تكشف حول الإنسان وتكشف مدى محبته لله سبحانه وتعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام.

نعم، أحسن الله إليك شيخ، قال رحمه الله: وإذا تبين هذا؛ فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وفضله عما سواه. والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلة.

فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحده، وبحبه والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه. وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة، وهذا فلا يحصل له إلا بإعانة الله له، فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك إلا الله. فهو دائم مفتقر إلى حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]؛ فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادة لله، فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب.

ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله، بحيث يكون الله هو غاية مراده ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله؛ لا يحب شيئا لذاته إلا الله. ومتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة لا إله إلا الله، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله، وكان فيه من نقص التوحيد والإيمان، بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك. ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعينا بالله متوكلا عليه مفتقرا إليه في حصوله لم يحصل له؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فهو مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسؤول المستعان به المتوكل عليه. فهو إلهه الذي لا إله غيره، وهو ربه الذي لا رب له سواه، ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين. فمتى كان يحب غير الله لذاته أو يلتفت إلى غير الله أن يعينه، كان عبدا لما أحبه وعبدا لما رجاه بحسب حبه له ورجائه إياه. وإذا لم يحب أحدا لذاته إلا الله، وأي شيء أحبه سواه فإنما أحبه له، ولم يرج قط شيئا إلا الله. وإذا فعل ما فعل من الأسباب أو حصل ما حصل منها، كان مشاهدا أن الله هو الذي خلقها وقدرها وسخرها، وأن كل ما في السماوات والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه ومسخره، وهو مفتقر إليه؛ كان قد حصل له من تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك. والناس في هذا على درجات متفاوتة لا يحصي طرقها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم، أتمهم عبودية لله من هذا الوجه.

وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره، فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له متكبر. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الجنة لا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، كما أن النار لا يخلد فيها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ فجعل الكبر مقابلا للإيمان؛ فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته». فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة، ولهذا جعلها بمنزلة الرداء كما جعل العظمة بمنزلة الإزار. ولهذا كان شعار الصلاة والأذان والأعياد التكبير، وكان مستحبا في الأمكنة العالية كالصفا والمروة، وإذا علا الإنسان شرفا أو ركب دابة ونحو ذلك، وبه يطفأ الحريق وإن عظم، وعند الأذان يهرب الشيطان. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

وكل من استكبر عن عبادة الله لابد أن يعبد غيره؛ فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أصدق الأسماء حارث وهمام»؛ فالحارث: الكاسب الفاعل، والهمام: فعال من الهم، والهم هو الإرادة. فالإنسان له إرادة دائمة، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب وهو منتهى حبه وإرادته. فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبدا لذلك المراد المحبوب؛ إما المال، وإما الجاه، وإما الصور، وإما من يتخذه إلها من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان، وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أربابا، أو غير ذلك مما عبد من دون الله. وإذا كان عبدا لغير الله يكون مشركا، وكل مستكبر فهو مشرك.

ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارا عن عبادة الله وكان مشركا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 23-24] إلى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 27] إلى قوله: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]. وقال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: 39]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: 4]. وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14]. ومثل هذا في القرآن كثير، وقد وصف فرعون بالشرك في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127].

بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله كان أعظم إشراكا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرا وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركا بما استعبده من ذلك. ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا لله، ولا يبغض شيئا إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله. فكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات، وبكمال العبودية لله تكمل تبرئته من الكبر والشرك. والشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود؛ وقال تعالى في النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]. وقال في اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]. وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146]. ولما كان الكبر مستلزما للشرك والشرك ضد الإسلام، وهو الذنب الذي لا يغفره الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48].

كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره لا من الأولين ولا من الآخرين؛ قال نوح: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72]. وقال في حق إبراهيم: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 130-131] إلى قوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]. وقال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]. وقال موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: 44]. وقالت بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111]. وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]. وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: 83].

فذكر إسلام الكائنات طوعا وكرها لأن المخلوقات جميعها متعبدة له التعبد العام، سواء أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مدبرون، فهم مسلمون له طوعا وكرها؛ ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاء وقدر وقضى، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم، يصرفهم كيف يشاء، وخالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم. وكل ما سواه فهو مربوب مصنوع مفطور فقير محتاج معبد مقهور، وهو سبحانه الواحد القهار، الخالق البارئ المصور، وهو إن كان قد خلق ما خلقه بأسباب فهو خالق السبب والمقدر له، وهو مفتقر إليه، وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل خير ولا دفع ضرر، بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه، وإلى ما يدفع عنه الضد الذي يعارضه ويمانعه.

نعم أحسنت، بارك الله فيك. ننتقل الآن؛ ابن تيميه رحمه الله تعالى لبيان المانع من تحقيق العبودية التامة والكاملة لله سبحانه وتعالى، وذكر الكبر، ثم قرن بعد ذلك بين الكبر والشرك بالله سبحانه وتعالى. وانظروا معي كيف أن الإمام رحمه الله تعالى كان يبين مثل هذه المعاني، وهذا يدل على وضوح المعنى وليس المصطلح فقط وليس اللفظ عند الشيخ رحمه الله تعالى؛ فلما يتكلم عن الشرك والكبر ويقول بأن الكبر مستلزم للشرك، ويقول بأن الجنة لا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، كما أن النار لا يبقى فيها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ فجعل الكبر مقابل الإيمان؛ بأي اعتبار؟ باعتبار أن الشخص المتكبر يكون معه من العلو على غيره، وهذا لا يحق إلا لله سبحانه وتعالى فقط؛ فالله سبحانه وتعالى من أسمائه المتكبر، ولا يجوز لأحد من البشر أن يتسمى بهذا الاسم. وبقدر ما عند الإنسان من الكبر يكون ما عنده من النقص في العبودية؛ فالإنسان لما يتكبر على غيره تنقص عبوديته. لذلك الله قال في كتابه العظيم مبينا حال ووصف أهل الإيمان: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].

وجاء وذكر عن إبراهيم عليه السلام كما ذكر أبو نعيم في الحلية، وذكر ابن رجب في مجموعة من كتبه، بأن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم عليه السلام: أتدري لماذا اصطفيتك؟ قال: لما؟ قال: لأنه لم يحبني أحد من خلقي كحبك إياي. وجاء أنه قال لموسى عليه السلام: أتدري لماذا اصطفيتك؟ فقال: لما يا ربي؟ قال: لأنه لم يتواضع أحد لتواضعك. وكان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة»، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: «التواضع». وكان يقول كذلك: «إن من التواضع الرضا بدون من شرف المجلس». فالتواضع عبادة عظيمة جدا تقرب العبد من الله سبحانه وتعالى، وهي قريبة من الافتقار والانكسار؛ فالشخص لما يكون مفتقرا ومنكسرا وكذلك متواضعا، هذا أدعى إلى أن يستقر في قلبه الإيمان، بخلاف المتكبر.

ولما ننظر في حال من أشرك من المشركين عامة؛ من أشرك، هل هو إنكار وجود الله، أو سبب شركه معنى وقع في القلب منع من دخول الإيمان فيه؟ لا شك من الثاني. طيب ما هو الأمر الذي وقع فيه إبليس عليه السلام حتى منعه من أن يسجد لآدم؟ قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾، كبر. فالذي جعل إبليس يكفر بالله هو الكبر؛ فالكبر يوصل إلى الشرك والعياذ بالله. كذلك فرعون، لماذا فرعون لم يؤمن بموسى؟ الله يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾، طيب لماذا ما آمن؟ كبر؛ كيف أنا أؤمن بموسى وهو سيد مصر؟ هو الذي كان يحكم هذه البلاد كلها، وهذه الأنهار تجري من تحت، أفلا تبصرون؟ كبر. لماذا ما آمن أبو جهل ولم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم، ألم يكن يعلم بأنه نبي؟ بلى، يعلم بأنه نبي عليه الصلاة والسلام، لكن ما الذي منعه؟ الكبر.

في أربعة بيوت من بيوت العرب، منها بيت بني مخزوم. البيت هذا كان به كبر؛ لذلك قال الوليد بن المغيرة ما قاله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: 18-22]. لماذا قال هذا؟ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11] يتهدد الأصمع، لأنه كان يرى بأنه هو الوحيد على أحد التفاسير؛ بمعنى أن قريشًا كلها كانت تدفع، يجتمعون حتى يدفعوا المال الذي تحتاجه قبيلة قريش، وهو يدفع كما يدفعون، فعنده هذا الطغيان. كبر، هذا الطغيان كبر يمنع دخول الإسلام فيه، فالشخص إذا ما تواضع وما انكسر يمنع هذا الوصف من أن يدخل في قلبه الإيمان. وإذا كان مؤمنًا بالأصل ثم تكبر، ينقص من إيمانه بقدر حصول هذا المعنى في قلبه، نسأل الله السلامة والعافية.

ثم انظروا الآن من فتح الله سبحانه وتعالى عليه؛ هذا رجل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كيف يجمع بين هذه الأمور؟ فيذكر الشرك والعلاقة بين الشرك والكبر، ثم يذكر من الذي كان أخص أوصافه الشرك، ومن الذي كان أخص أوصافه الكبر. ذكر اليهود والنصارى، والنصارى الأصل فيهم الشرك؛ لأن فيهم تواضع، لكن المشكلة عندهم الجهل، فلذلك يشركون وهم جهال جهلاء. بخلاف اليهود؛ اليهود كانوا يعلمون ولكن المشكلة عندهم ماذا أعددت له؟ لما جاء حيي بن أخطب مع أخوه ياسر بعد ما نظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ياسر لحيي سيد بني النضير: ماذا أعددت له؟ قال: عداوته ما بقيت. وقبل ذلك قال هو، وتسمع هذا كله أمنا من صفية زوج النبي عليه الصلاة والسلام. طيب لماذا قال ماذا أعددت له؟ قال عداوته. لماذا عداوته؟ كبر، كبر، كيف يكون من هؤلاء وكيف يسبقون؟ استخرج له فالكبر خطير، الكبر خطير، الكبر يمنع مثل ما ذكرت من حلول الإيمان في قلب الشخص.

وهنا اليهود هم أشد الناس أو أكثر الناس كبرًا بسبب ما عندهم من علم. والعلم أحد أمرين: إما أن يحمل الشخص وأن يدخل إلى الدرجات العالية بالجنة، وأن يكون هو تحت الأنبياء والصديقين، وأكمل العلماء هم الأنبياء، ولا يكون صديق صديق حتى يتم علمه خاصة بالله سبحانه وتعالى. أو والعياذ بالله يكون أول من تسعر به النار، لماذا؟ لغير الله. نعم لغير الله، هو مع هذا يكون فيه كبر، يطغى على الناس ويستطيل على الناس بما عنده من علم. هذا كانت تفعل اليهود، ذاك يقول سفيان: من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى. الذي يفسد من العلماء يكون معه كبر شبيه بكبر اليهود، وهذا الأمر خطير ويحتاج من الشخص إلى مراجعة إيمانه دائمًا.

ثم بعد ذلك بين هنا وقال الشيخ رحمه الله تعالى: إن الكبر ينافي حقيقة العبودية، كما ثبت في الصحيح النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: يقول الله: «العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته». فالعظمة والكبرياء من الخصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة. ما الفرق بين الكبرياء والعظمة؟ العظمة أنك عظمة النفس، والكبرياء أني أفرض عظمتي على الآخرين. طيب، يلا من يعرف؟ الكبرياء أني أكبر من كل شيء وأعلى على كل شيء، والعظمة على نفسه. طيب فكروا في الأسبوع القادم أسمع منكم الإجابة، ابحثوا في الفرق بين العظمة والكبرياء.

ثم قال بعد ذلك يا شيخ، وكذلك هذا معنى مهم جدًا يكشف لك الآن فهم هذا الرجل. ولابن تيمية تفصيل أكثر من هذا، يقول هنا الشيخ رحمه الله تعالى: أصدق الأسماء حارث وهمام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أصدق الأسماء حارث وهمام». قال: فالحارث الكاسب الفاعل، والهمام فعّال من الهم، والهم أول الإرادة. فالإنسان له إرادة دائمًا، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته. هذا له شرح، هذا كلام عالٍ، وذكر ابن تيمية في النبوات وفصل فيه، وابن تيمية نقل عنه وفصل كذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، لكن ابن تيمية كلامه مركز.

فهنا يقول لك إن كل إنسان طبيعي جدًا إذا كان إنسان ليس مشلولًا، لا بد أن تحرك جوارحه، وحركة الجوارح إما أن تكون حركة عبثية أو أن تكون حركة مقصودة. الحركة المقصودة لا بد في النهاية لها من منتهى، يعني لماذا تحركت؟ لماذا ذهبت إلى كذا؟ لماذا فعلت كذا؟ لما في النهاية لا بد أن هناك قصد. كذلك الهم القلب طبيعي مفطور على الحب وعلى البغض، فكل إنسان عنده قلب لا بد أن يحب ولا بد أن يبغض، فهو يهم يعني يريد أن يفعل الشيء، والهم أول الإرادة. الهم في البداية يكون خاطرًا وهاجًا في الأخير، لكن يبدأ الإنسان في دخوله في حيز الإرادة أو قبل الفعل بالهم، والهم الجازم. هذا الهم لماذا وقع؟ وما هو المنتهى؟ ما الذي تريده مما هممت؟ هممت أن أطلب العلم، هممت بأن أقرأ، هممت بأن أفعل كذا؛ هذا الهم في حياتك نهايته تحقيق شيء معين محدد، ما هو؟ لماذا؟ هل فعلت هذا من أجل ابنك؟ طيب، هل كل شيء في حياتك من أجل ابنك تفعله؟ إذا ابنك هو المقصود بالحياة. هل فعلت هذا كله من أجل زوجك؟ إذا زوجك هو المقصود. هل فعلت هذا من أجل الله؟ إذا الله سبحانه وتعالى هو المقصود، فحركاتك تنتهي إلى ماذا؟ همك ينتهي إلى ماذا؟ واضح.

فهنا أصدق الأسماء حارث وهمام، لأن هذا وصف يقع على جميع البشر ممن هو إنسان سوي، يهم يعني يحب ويبغض، وكذلك جوارحه تتحرك؛ ففي النهاية هناك قصد. بعضنا قصد المال فمعبوده هو المال، فلا يتحرك إلا إذا قيل له بأن هذا المشروع يدر مالًا، فإذًا هذا يعبد المال. بعض الناس لا، قصده رضا شخص معين، إذا ما كان الأمر في رضا عزيمتها تفت عند العزيمة، فما يفعل هذا الشيء، لماذا؟ لأن هناك قصد، وهكذا هذا هو الإنسان. القصد من ذلك أن هنا نهاية المرادات مراد واحد، نهاية الأفعال قصد واحد، هذا القصد من هو؟ يكشف لك من أنت. إذا أشكل عليك معرفة حبك الحقيقي، تريد أن تعرف من تحب حقيقة، انظر من أكثر شيء تذكره بالخير، من هذا هو الذي تحب؟ أكثر واحد من الذي تنشط نفسك لما تعلم بأنه يحب هذا الشيء، هذا هو الذي تحبه، فهل هنا نشاط النفس مع حركة الجوارح من أجل هذا الشيء؟ هذا هو الشخص الذي أنت تقصده وتحبه أكثر من غيره.

وهكذا فالقصد من ذلك أن هنا الشيخ رحمه الله تعالى يبين بأن الإنسان بطبعه يهم، بطبعه يسعى من أجل أن يحقق شيئًا معينًا، وإذا ما كان المراد هو الله سبحانه وتعالى والمحب لذاته، فالله سبحانه وتعالى هنا لا بد أن تنقص عبودية العبد، ولا بد كذلك أن يبتلى هذا العبد بشيء من هذا البلاء المتعلق بالقلب بسبب محبته لغير الله سبحانه وتعالى. طيب، هذا ما يتعلق بدرس اليوم، لكم إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.