الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل التعليق على رسالة شيخ الإسلام، رسالة العبودية لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى. تفضل غازي.
نعم، أحسن الله إليك شيخ. قال رحمه الله: وهو سبحانه وحده الغني عن كل ما سواه، ليس له شريك يعاونه، ولا ضد يناوئه ويعارضه. قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38]. وقال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: 17].
وقال تعالى عن الخليل: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 78-79]. وحاجه قومه قال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 80-82].
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن هذه الآية لما نزلت، شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله، أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: «إنما هو الشرك، ألم تسمع إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]».
وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين، حيث بعث وقد طبقت الأرض دين المشركين. قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]. فبين عهده بالإمامة لا يتناول الظلم، فلم يأمر سبحانه وتعالى أن يكون الظالم إماماً، وأعظم الظلم الشرك. وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120].
والأمة هو معلم الخير الذي يؤتم به، كما أن القدوة الذي يقتدى به. والله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 135-136].
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم خير البرية، فهو أفضل الأنبياء بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خليل الله تعالى. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: «إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً»، وقال: «لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله» يعني نفسه.
وقال: «لا تبقين في المسجد خوخة إلا سدّت، إلا خوخة أبي بكر»، وقال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». وكل هذا في الصحيح، وفي أنه قال ذلك قبل موته بأيام، وذلك من تمام رسالته؛ فإن في ذلك تمام تحقيق خلته لله التي أصلها محبة الله تعالى للعبد ومحبة العبد لله، خلافاً للجهمية.
وفي ذلك تحقيق توحيد الله، وأن لا يعبدوا إلا إياه، رداً على أشباه المشركين، وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق رضي الله عنه حقه، وهم أعظم المنتسبين للقبلة إشراكاً بعبادة علي وغيره من البشر. والخُلة هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه.
ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون قلب متيم إذا كان متعبداً للمحبوب، والمتيم هو المتعبد، وتيم الله عبد الله. وهذا على الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ولهذا لم يكن له صلى الله عليه وسلم من أهل الأرض خليل؛ إذ الخُلة لا تحتمل الشركة، فإنه كما قيل في المعنى: قد تخللت مسلك الروح مني، وبذا سمي الخليل خليلاً.
بخلاف أصل الحب، فإنه صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: «اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما»، وسأل عمرو بن العاص رضي الله عنه: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة»، قال: فمن الرجال؟ قال: «أبوها»، وقال لعلي رضي الله عنه: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، وأمثال ذلك كثير.
وقد أخبر تعالى أنه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب المقسطين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص، وقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54]. فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين وبمحبة المؤمنين له، حتى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165].
أما الخُلة الخاصة وقول بعض الناس إن محمداً حبيب الله وإبراهيم خليل الله، وظنه أن المحبة فوق الخلة؛ قول ضعيف، فإن محمداً أيضاً خليل الله كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المستفيضة. وما يروى أن العباس يحشر بين حبيب وخليل وأمثال ذلك، فأحاديث موضوعة لا تصلح أن يعتمد عليها.
وقد قدمنا أن محبة الله تعالى هي محبته ومحبة ما أحب، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار».
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من كان في هذه الثلاث وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئاً أو اشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك. واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى، ومن قال إن اللذة إدراك الملائم كما يقول من يقول من المتفلسفة والأطباء، فقد غلط في ذلك غلطاً بيناً؛ فإن الإدراك يتوسط بين المحبة واللذة.
فإن الإنسان مثلاً يشتهي الطعام، فإذا أكل وحصل عقيب ذلك اللذة، فاللذة تتبع النظر إلى الشيء، فإذا نظر إليه التذ به، واللذة التي تتبع النظر ليست نفس النظر وليست هي رؤية الشيء، بل تحصل عقيب رؤيته، وقال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: 71].
وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام من فرح وحزن ونحو ذلك، يحصل بالشعور بالمحبوب أو الشعور بالمكروه، وليس نفس الشعور هو الفرح ولا الحزن. فحلاوة الإيمان متضمنة من اللذة والفرح بما يجده المؤمن. والواجد حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتفريقها، ودفع ضدها.
فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما تقدم. وتفريقها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار.
فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب المؤمنين الذين يحبهم الله؛ لأنه أكمل الناس محبة لله وأحقهم بأن يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله، والخُلة ليس لغير الله فيها نصيب، بل قال: «لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً»، علم ما زيد مرتبة الخُلة على مطلق المحبة.
والمقصود هو أن الخُلة والمحبة لله تحقيق عبوديته، وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، وأن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إدلال لا تحتمله الربوبية، ولهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده بمسألة المحبة، فقال: أمسكوا عن هذه المسألة، لا تسمعها النفوس فتتدعى.
وكره من كره من أهل المعرفة والعلم أن يجالسوا أقواماً يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية. وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد.
ولهذا وجد في المتأخرين من بسط فيه دعوة المحبة حتى أخرج ذيول ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوة التي تنافي العبودية وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله، فيدعي أحد دعوى وتتجاوز حدود الأنبياء والمرسلين، أو يطلب من الله ما لا يصلح بكل وجه إلا لله، لا يصلح للأنبياء ولا للمرسلين.
وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ، وسبب ضعف تحقيق العبودية التي بينها الرسل وحررها الأمر والنهي الذي جاؤوا به، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته. وإذا ضعف العقل وقلص العلم بالدين، وفي النفس محبة طائشة جاهلة، انبسطت النفس بحمق في ذلك؛ كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله، ويقول: أنا محب، فلا أؤخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها عدوان وجهل.
فهذا عين الضلال، وشبيه بقول اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]. قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [المائدة: 18]. فإن تعذيبه لهم بذنوب يقتضي أنهم غير محبوبين ولا منسوبين إليه من نسبة البنوة، بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون.
فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه، ومحبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان، ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغض منه ذلك، كما يحب منه ما يفعله من الخير؛ إذ حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه.
أحسنت، أحسنت. الآن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر مرتبة إبراهيم الخليل عليه السلام، وذكر مرتبة النبي عليه الصلاة والسلام، وتكلم عن المحبة، والمحبة لا بد أن تكون كاملة وعظيمة لله سبحانه وتعالى. فلما نتكلم عن العبادة، فالعبادة عبارة عن كمال الذل مع كمال الحب. الشيخ الآن يريد أن يقرر أهمية المحبة ومركزية المحبة وأصل المحبة في العبادة.
فتكلم عن مرتبة إبراهيم الخليل وكذلك مرتبة النبي عليه الصلاه والسلام، وأنه كذلك خليل لله سبحانه وتعالى، والله لم يتخذ من البشر خليلاً إلا هذين الخليلين، محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام. ثم ذكر بعد ذلك تعامل النبي عليه الصلاه والسلام مع أبي بكر وكذلك المحبة لعائشة ومحبته للحسن ومحبته لأسامة. أما الخُلة فليست للبشر، إنما هي فقط لله سبحانه وتعالى.
ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي، إذاً لم يتخذ النبي عليه الصلاة والسلام خليلاً غير الله سبحانه وتعالى، لاتخذت أبا بكر. ثم بعد ذلك الشيخ بين أن هذا الأصل العظيم قد يغلو فيه بعض الأشخاص. هل المحبة فيها غلو؟ لا ليس فيها غلو، لكن في التعامل مع الحق قد يكون غلو.
تقول لي كيف يعني؟ أقول لك: هل نحب الله نهاية؟ لا، أعظم البشر محبة لله هم أنبياء الله، وأعظمهم على الإطلاق محمد وإبراهيم الخليلان عليهما السلام. ﴿ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ﴾، منها: ﴿أَن يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا﴾، فتكلم هنا عن المحبة أنه لا بد من وصول المحبة إلى هذه الدرجة، لا يكفي أصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله عليه الصلاة والسلام أحب للإنسان من نفسه التي بين جنبيه. ﴿لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّىٰ أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
وكذلك لا بد أن تثمر هذه المحبة عملاً؛ أن يحب العبد لله سبحانه وتعالى. فإذا وصل العبد إلى تمام هذا الأمر لن يحب إلا لله، ولن يبغض إلا لله؛ لماذا؟ لأن الحب تمكن منه تمكناً عظيماً، فأصبح هذا الإنسان مراده موافقاً لمراد الله سبحانه وتعالى، أصبح هواه مع ما يريد الله سبحانه وتعالى، كما يروى في الحديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به.
الأمر الثالث: يكره ما يكره الله سبحانه وتعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار. واضح؟ طيب، أين المشكلة التي وقعت في المحبة؟ وقعت المشكلة في المحبة لما تم تفكيك العبادة، فأصبح الشخص يأخذ المحبة لكن ما يأخذ الخوف، يأخذ المحبة لكن ما يأخذ الرجاء، فهو الآن يريد أن يعبد الله سبحانه وتعالى فقط بالحب. هذا الحب إذا ما كان مع خوف ورجاء سيجعل هذا الإنسان يخطئ في الفعل بحجة أنه يحب.
وهذا الذي وقع عند من؟ عند غلاة الصوفية، هذا الذي وقع عندهم هذا الإشكال، لذلك قالوا: من عبد الله سبحانه وتعالى بالحب فهو زنديق. كيف زنديق وهو يعبد الله بالحب؟ مع أن الحب هو أعظم الأركان الثلاثة، أركان العبادة ثلاثة: حب ورجاء وخوف، أعظم الثلاثة.
لماذا من عبد الله بالحب هو زنديق؟ لأن هذا سيفعل ما يفعله من المعاصي والكفريات، بل قد يدخل في الربوبية كما ذكر هنا بحجة أنه يحب. ثم بعد ذلك ذكر الشيخ هنا معنى يدل على فهمه الكبير لهذه المعاني، قال: مثال الإنسان الذي يحب، كيف الشخص لما يحب لكن من غير أن تصل المحبة عنده أن يوافق المراد، المراد هنا يخالف بحجة أنه يحب، ويخطئ بحجة أنه يحب. فهنا قد يقع هذا الشخص بالكفر، وقد يقع هذا الشخص بالكبائر، وقد يقع بهذا النوع من المعاصي بحجة أنه يحب، فيتضخم عنده باب الحب ويضمر عنده باب الرجاء والخوف.
هذا الإنسان لم يعد يخاف من النار. لماذا الله إذا يذكر النار؟ لماذا الله يذكر النار حتى نخاف؟ لماذا الله سبحانه وتعالى ذكر الجنة حتى نرجو؟ فباب الجنة والنار، الخوف والرجاء، يضمر عنده وقد يزول، فيبقى عنده فقط الحب. هذا الحب سيوقعه بالخروج عن الطريق. فليست المشكلة الآن بذات الحب، لكن المشكلة في طريقة التعامل وإلغاء ما يحبه المحبوب. لو كان الحب صادقاً، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. إذاً هذا هو الحب الصادق. أما حب اليهود والنصارى فليس حباً صادقاً: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]. كيف أحباؤه؟ أنتم تعرفون بكتبكم بأن هذا النبي هو خاتم الأنبياء، لماذا ما تتبعونه؟ إذاً هذا الحب زيف ليس حقيقياً. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، هذه علامة المحبة الحقيقية: أن يكون مع المحبة اتباع، وعدم وجود الاتباع هذا دليل على عدم الصدق في المحبة. فالمحبة ليست صادقة، المحبة مدعاة.
لذلك تجد هؤلاء، يعني هذا قسم من الناس هم صوفية، وهم الكثرة في الأزمنة المتأخرة، يقعون بمخالفات كثيرة وشنيعة، على اختلاف نوع المخالفات، قد تصل إلى الكفر وقد تكون من البدعة، وسبب ذلك عدم وجود الخوف والرجاء؛ يعني لم يكن المراد مطابقاً للمراد، إنما فقط يدعون المحبة. فتجد واحداً قد يقف مع الزنادقة، بل يكفي أن الدول الكفرية الكبرى اختارتهم حتى يمثلوا الإسلام. لماذا هذا كله؟ لأن هؤلاء يعرفون بأنهم لن يقيموا حكم الله سبحانه وتعالى، أنهم فقط يدعون الحب الكاذب. وفي الموالد وفي هذه المواطن، تجد الواحد منهم يدعي هذه المحبة، لكن هذه المحبة ليست محبة صادقة.
كان أحد العلماء المعاصرين من آل البيت دعي في إحدى الملتقيات، وكان وافق هذا اليوم يوم المولد النبوي، وكان الذي دعاه من هؤلاء، ينتسب لهؤلاء، وكان يعادي أهل الحديث، ويرى طبعاً الحديث يرى من هذا الاحتفال بدعة وتعظيم يوم لم تعظمه الشريعة الإسلامية، هذا في مضاهاة ليوم الفطر والأضحى. القصد من ذلك أنه قال: ومن حسن الحظ أن بيننا اليوم رجلاً من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، فليتفضل الشيخ فلان حتى يرد على هذه الفرقة التي من صفتها كذا وكذا وكذا، وهو أصلاً من هؤلاء، هم من أهل الحديث. يقول: وقد كنت حضرت أبياتاً أبين فيها المحبة الحقيقية والاتباع الحقيقي، يقول: لما جاء هذا الموقف قلت: هذه فرصة أني ألقي هذه الأبيات. فقام هذا الشيخ وصلى وسلم، حمد الله سبحانه وتعالى وأثنى عليه، ثم صلى وسلم على نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، ثم قال:
وقفت بباب الله أرجو دخوله فقيل وما قدمت لله صافياً فقلت سليل المصطفى وابن عمه ولي أمل في أن أحط رحاليا قالوا وما الأنساب والفعل سيء وبيت المنى قد أضحى من الخير خاوياً وهل تنفع الأنساب في موقف القضاء إذا ما وقف الديان في الجمع قاضياً
ثم التفت إليهم قال: فلو أن رسول الله عاد إليكم، لنادى ثم نادى ثم صاح منادياً: يا أمة الإسلام أين شريعتي؟ وأين تعاليمي؟ وأين مباديا؟ تقيمون للذكرى بطبل وراية، وذكراي أن تمضوا كما كنت ماضياً. وأن تجعلوا الأحياء درساً يفيدكم، ويجعلكم سادة الكونيا. جهادي لكم درس وتعليمي لكم هدى، وخير الهدى هداي لمن جد راجياً.
القصد من ذلك أن هذا الرجل يبين لهم حقيقة الاتباع، حقيقة الحب. شخص يدعي محبة النبي عليه الصلاة والسلام ولا يتبعه؛ مر النبي عليه الصلاة والسلام على أحد أصحابه وكان قد أسبل إزاره، فقال له عليه الصلاة والسلام: «ارفع إزارك». قال: يا رسول الله، إني أحمش الساقين، إني أحمش الساقين، فقال له عليه الصلاة والسلام: «أما لك فيّ أسوة؟». قال: فنظرت إلى إزاره فإذا هو إلى نصف ساقه. فالقصد من ذلك أن المحبة تدعو إلى اتباع، أما المحبة من غير اتباع فهذه ليست محبة حقيقية، إنما هي محبة مدعاة.
هؤلاء المشكلة الموجودة عندهم أنهم يزعمون الحب والشيطان يفتح لهم هذا الباب ويعيشون معه، ولا يخافون من النار ولا من العقوبة ولا من غضب الله سبحانه وتعالى. لذلك لا تتحرك قلوبهم خوفاً من الله، فالواحد منهم ما يخاف ولا يخشى، نسأل الله السلامة والعافية. والصحابة كان الواحد منهم يخاف أن يكون منافقاً، أما هؤلاء لا يخطو في بالهم النفاق، لماذا؟ لأن باب الخوف غير موجود، فهنا يكون الاضطراب. ليس هذا هو الإيمان وليست هذه العبادة التي يريدها الله سبحانه وتعالى، ونحن عبيد، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، وهذه الآية هي التي شيبت النبي عليه الصلاة والسلام، فاستقم كما أمرت لا كما أردت، هؤلاء كما أرادوا ليس كما أمر الله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى يذكر هذا وهذا وهذا حتى نفهم المراد، حتى نعبد الله كما يريد أن نُعبد.
إبراهيم عليه السلام ينقل محمد بن إسحاق بن يسار بأنه كان يسمع خفقان قلبه من شدة خوفه من الله، وهو كذلك خليل الله. انظر كيف جمع بين الخوف، ربي قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]. إبراهيم الخليل يخاف، نعم يخاف، نعم يخاف. هو لم يتكئ كما يتكأ هؤلاء على محبة، هو يخاف ولا يأمن مكر الله سبحانه وتعالى، ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99]. القصد من ذلك أن الإسلام هكذا دين مجموع، وابن تيمية هنا يريد أن يبين أن العبادة الحقيقية عبارة عن خوف وعبارة عن رجاء وعبارة عن حب. أما أنك تأخذ الرجاء لوحده، هنا الشخص سيرتكب ما يرتكبه من الذنوب والمعاصي بحجة أن كرم الله واسع وأن رحمة الله سبحانه وتعالى واسعة، وهذا فعل المرجئة.
أما شخص آخر مقابله يأخذ الخوف لوحده، فقط الخوف وتحذير الناس وتخويف الناس من غير فتح باب الرجاء، فهذا يوقع الخوف بفعل الخوارج، لماذا؟ لأنه سيتضخم عنده هذا الباب، فيتخذ القرارات ويحكم على الناس بناء على خوفه وليس بناء على نص الدين. الشرع والدين الإسلام لابد أن يؤخذ كما هو، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]. الإسلام حب وفيه رجاء وفيه خوف، وهذه عبادة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، عبارة عن خوف وعبارة عن حب وعبارة عن رجاء.
المشكلة عند هؤلاء بعدما بين ابن تيمية أصل المحبة، وأن مع المحبة لابد من وجود الذل، كمال الحب مع كمال الذل، أما فقط أخذ الذل من غير الحب هنا يكون فيه قصور ونقص. فابن تيمية يريد أن يبين هذا المعنى. ثم ابن تيمية يتوسع في الحديث عن هذه، ويعلق ويرد في السياق على الرافضة، والآن هو هنا يقرر أصل المحبة أو طبيعة المحبة وعلاقتها مع العبادة. بالسياق يرد على الرافضة في الثناء على أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك بالسياق يتوسع في الرد على هؤلاء الذين هم أكثر ناس في زمانه. والعالم لابد أن يستحضر المذهب المنتشر في زمانه، وأن يتقصد في الرد أكثر من غيره، ولما يأتي شخص بعد ذلك لابد أن يستحضر بأن هذا العالم تقصد هذا المذهب لانتشاره في زمانه، قد لا يكون منتشراً في زمانه فيتعامل معه تعاملاً مختلفاً عن تعامل ذلك العالم. لكن هل هذا المذهب ما زال منتشراً؟ نعم ما زال منتشراً، بل هو الغالب، وهم الأكثر إلى الآن. نعم ليست لهم الغلبة بالصوت العالي بسبب وجود القوة الإسلامية أو الصبغة الإسلامية؛ الماضية كانت سلفية أو من أهل الحديث، لكن هم لهم صوت، ولهم تأثير، فلذلك لا بد كذلك من العناية بهذا الأمر، ولكن ليس على حساب المذاهب المؤثرة أكبر منهم، إنما لا بد أن نستحضر هذه الموازنات في حال تعليمنا وتوجيهنا للناس، وكذلك في حال دعوتنا وتعلمنا وتعليمنا، والله أعلم.
قال رحمه الله: ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها، كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه وعدم تداويه منه لصحة مزاجه، ولو تدبر الأحمق ما قص الله في كتابه من قصص أنبيائه، وما جرى لهم من التوبة والاستغفار، وما أصيبوا به من أنواع البلاء الذي فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم، لعلم بعض ضرر الذنوب بأصحابها ولو كان أرفع الناس مقاماً. فإن المحب للمخلوق إذا لم يكن عارفاً بمحابه ولا مريداً لها، بل يعمل بمقتضى الحب وإن كان جهلاً وظلماً، كان ذلك سبباً لبغض المحبوب له ونفوره عنه، بل سبباً لعقوبته. وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعاً من أمور الجهل بالدين، إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله، وإما من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها، كقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحداً فأنا بريء منه، فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحداً من المؤمنين يدخل النار فأنا منه بريء؛ فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار، والثاني جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار، ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد، وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين، وإما كذب عليهم وإما غلط منهم.
ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلبه وفناء، يسقط تمييز الإنسان أو يضعف حتى لا يدري ما قال، والسكر هو لذة عدم التمييز، ولهذا كان من هؤلاء من إذا صحا استغفر من ذلك الكلام. والذين توسعوا من الشيوخ في سماع قصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذر والغرام، كان هذا مقصدي، لأن هذا الجنس يحرك ما في القلب من الحب كائناً ما كان، ولهذا أنزل الله محنة يمتحن بها المحب، فقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. فلا يكون محباً لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية. وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته صلى الله عليه وسلم، ويدعي من الحالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكرها، حتى قد يظن أحد سقوط الأمر وتحليل الحرام له وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته.
بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله الجهاد في سبيله، والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به وكمال بغض ما نهى الله عنه، ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54]. ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها، وعبوديتها لله أكمل من عبودية من قبلهم، وأكمل هذه الأمة في ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن كان بهم أشبه كان في ذلك فيه أكمل. فأين هذا من قوم يدعون المحبة؟ وفي كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب، وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده، فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان؛ ولا يمكن أحد أن يحب كل موجود، بل يحب ما يلائمه وينفعه ويبغض ما ينافيه ويضره، ولكن استشهدوا بهذا الضلال على اتباع أهوائهم، ثم زادهم انغماساً في أهوائهم وشهواتهم، فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة، زاعمين أن هذا من محبة الله. ومن محبة الله بغض ما يبغضه الله ورسوله، وجهاد أهله بالنفس والمال.
وأصل ضلال أن هذا القائل الذي قال إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، قصد بمراد الله تعالى الإرادة الكونية في كل الموجودات. أما لو قال مؤمن بالله وكتبه ورسله هذه المقالة فإنه يقصد الإرادة الدينية الشرعية التي هي معنى محبته ورضاه، فكأنه قال: تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله، وهذا معنى صحيح، فإن من تمام حب الله ألا يحب إلا ما يحبه الله؛ فإذا أحببت ما لا يحب كانت المحبة ناقصة. وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محباً له، بل محباً لما يبغضه. فاتباع هذه الشريعة والقيام بالجهاد بها من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه، وبين من يدعي محبة الله ناظراً إلى عموم ربوبيته أو متبعاً لبعض البدع المخالفة لشريعته، فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله، بل قد تكون دعوى هؤلاء شراً من دعوى اليهود والنصارى لما فيه من النفاق الذي هم به في الدرك الأسفل من النار، كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شراً من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم، وبالتوراة والإنجيل من الترغيب بمحبة الله ما هم متفقون عليه، حتى إن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس؛ الإنجيل أعظم وصايا المسيح أن تحب.
الله بكل قلبك وعقلك ونفسك، والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة، وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك، وهم براء من محبة الله إذ لم يتبعوا ما أحبه، بل اتبعوا ما أسخط الله وكرروا رضوانه فأحبط أعماله؛ والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم.
وهو سبحانه يحب من يحبه؛ لا يمكن أن يكون العبد محبًا لله والله تعالى غير محب، وبقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له، وإن كان جزاء الله لعبده أعظم؛ كما في الحديث القدسي عن الله تعالى أنه قال: «من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة».
وقد أخبر الله سبحانه أنه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب الصابرين ويحب التوابين ويحب المتطهرين، بل هو يحب من فعل ما أمر به من واجب ومستحب؛ كما في الحديث الصحيح: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به».
وكثير من المخطئين الذين ابتدعوا أشياء في الزهد والعبادة وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة الشريعة وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك، ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها، ولو صدق لم يكن قائلها معصوماً، فيجعلون متبوعهم شارعين لهم ديناً كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم ديناً.
ثم إنهم ينتقصون العبودية ويدعون أن الخاصة يتعدونها كما يدعي النصارى في المسيح والقساوسة، ويثبتون للخاصة من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه والقسيسين والرهبان إلى أنواع أخر يطول شرحها في هذا الموضع.
وإنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وتحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك، وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل؛ فالدنيا ملعون فيها إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع.
فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله، بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله، وأن يكون موافقاً لمحبة الله ورسوله الواجب والمستحب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]، فلا بد من العمل الصالح الواجب والمستحب، ولا بد أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى؛ كما قال: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
وهذا هو الأصل، هو أصل الدين وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين، وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وإليه دعا الرسول وعليه جاهد وبه أمر وفيه رغب، وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه، والشرك غالب على النفوس، وكما جاء في الحديث هو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل.
وفي حديث آخر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله، قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم».
وكان عمر يقول في دعائه: «اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً».
وكثيراً ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله وعبوديتها له وإخلاص دينها له؛ كما قال شداد: يا نعايا العرب، إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية، وقيل لأبي داود السجستاني: وما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة.
وعن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الحرص على المال والشرف في إفساد الدين أشد من إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم، وذلك بين؛ فإن الدين السليم لا يكون مع هذا الحرص، وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته له، لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدمه عليه.
وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]، فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنع عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنع عن محبة غيره؛ إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسر ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ومحبته له وإخلاصه الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله بصيرًا منيباً إلى الله، خائفاً منه، راغباً راهباً؛ كما قال تعالى: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 33].
إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه أو حصول مرغوبه، فلا يكون عبد الله محباً إلا بين الخوف والرجاء؛ كما قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57].
وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتذبه ربه، فأحيا قلبه واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله؛ فإن فيه طلباً وإرادة وحباً مطلقاً، فيهوى كل ما يسنح له ويتشبث بما يهوى كالغصن أي نسيم مر به عطفه وأماله؛ فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً.
وتارة تجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق، وتارة يستعبده الدرهم والدينار وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه ويتبع هواه بغير هدى من الله، ومن لم يكن خالصاً لله عبداً له، فقد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له؛ فإذاً يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعاً.
وإذا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين فكان من الغاوين إخوان الشياطين، فصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه، فالقلب إن لم يكن حنيفاً مقبلاً على الله معرضاً عما سواه، وإلا كان مشركاً؛ قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32].
أحسنت، أحسنت. هنا الشيخ الآن يتكلم عن توجيه القلب لله سبحانه وتعالى، وأن العبد إذا لم تخلص إرادته لله سبحانه وتعالى لا بد أن يميل بنسبة تقصيره إلى غير الله سبحانه وتعالى؛ لذلك ليس من الأمر السهل أن يتجرد الإنسان، فتجريد الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى صدق معه سبحانه وتعالى.
والإنسان إذا ما كان صادقاً ليس مصاباً أنك تجيبها على أسئلته أو على ما يريده، إنما لا بد أن تعيده إلى أصل هذا المعنى، والله سبحانه وتعالى لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]، فهذا يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فالقلب لما تتم تزكيته يستوعب التوجيه ثم يعان على تطبيقه، أما الشخص إذا ما تمت تزكيته سيأخذ العلم لكن العلم لا ينفعه، لماذا؟ لأن إلى الآن القلب ما أخلص، إلى الآن القلب ما تجرد.
ولذلك نحتاج إلى جهد كبير حتى نقرر هذا المعنى في نفوس الناس، أول شيء في أنفسنا نحن؛ لأن الإنسان واهم من ظن بأنه قد وصل إلى التجرد التام والكامل، بل لم يزل النبي عليه الصلاة والسلام يزكي الصحابة رضي الله عنهم حتى مات، واستمر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يزكون أنفسهم وغيرهم حتى لقوا الله سبحانه وتعالى، فعملية التزكية ليس لها مدة معينة ثم تنتهي وتنقضي، كما أن العلم لا ينتهي.
التزكية أعظم من العلم؛ تزكية القلب وتجريد الإنسان نفسه من هواه هذا أعظم، ويحتاج إلى مجاهدة كبيرة، ويحتاج إلى استمرار حتى يستقيم القلب وحتى ما يميل الإنسان إلا إلى مراد الله سبحانه وتعالى.
أما إذا لم يكن الإنسان بهذه الصورة وهذه الطريقة، فهذا الإنسان قد -والعياذ بالله- يقع في المعصية ويقع في محبة الثناء ولو بالباطل، فيحب الذي يثني عليه ولو كان خطأً، ويبغض الذي ينصح، لماذا؟ لأن هذا الإنسان ما زال هواه حاضراً.
الآن عندنا رجلين: رجل يثنى عليه ورجل ينصح، هذا الإنسان يحب من؟ هل الذي يثني عليه أو الذي ينصحه؟ يحب الذي ينصحه إذا كان متجرداً؛ لماذا؟ لأن الذي ينصح يكمل. طيب الشخص الآخر يحب الذي يثني عليه ولو كان في الباطل؛ لأنه يريد هواه، إلى الآن هو ما تجرد، إلى الآن هواه ما زال يريد، ويحتاج الإنسان إلى جهد كبير حتى يتجرد، فذاك تدين قليل والديانة ليست كثيرة في البشر، أصحاب الديانة الكاملة أو العالية قليلون في البشر.
والإنسان حتى أقرب لكم الصورة، يعيش وله أكثر من محرك، المحرك المسلم هو الإسلام، لكن ليس كل الناس يحركهم الإسلام، لماذا؟ لأن الاستسلام إلى الآن ما أصبح كاملاً عند الإنسان، فهذا الإنسان يحركه الإسلام مع هواه، هذا الهوى عبارة عن مراده أو عبارة عما تشرب في بيئته وثقافته، فهذا الإنسان لما يضغط قد تظهر عنده هذه الأهواء وليس الإسلام، ذاك ما يعرف دين الإنسان إلا في الشدة، هل هو هواه ولا الذي يريد الله سبحانه وتعالى؟ ما الذي سيفعله هنا يظهر دين الإنسان.
لذلك قالت أم عائشة رضي الله عنها عن زينب لما وقعت حديث الإفك، وكانت هي التي تساميني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: عصمها الله بدينها، وقالت: عصمها الله بالورع، لماذا؟ كانت امرأة دينة صالحة، قالت: أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً، هذا هو الدين ليس الهوى، هذا هو الدين.
لكن هل كل الناس يصلون هذه المرتبة؟ يحتاج الإنسان جهد كبير حتى يصل إلى أن يكون هواه موافقاً لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. إذا توسع الهوى على الإنسان أو لم يتجرد الإنسان من هواه، هنا سيستعبد الذي يميل إليه؛ بعض الناس يميل إلى الصور المحرمة، بعض الناس يميل إلى الدرهم والدينار، بعض الناس يميل إلى الشرف والرئاسة، ستستعبده هذه المعاني، بخلاف العبد الذي لا يستعبد إلا الله أو لا يقوم إلا بما يريد الله، هذا كل ما يؤثر فيه، لماذا؟ لأن هواه لا ينصرف إلا إلى المراد فقط.
هذا ما يقصد شيخنا رحمه الله تعالى رحمة واسعة؛ يريد أن يبين حقيقة العبادة، حقيقة هذه العبادة كيف تكون، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري