دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 13 | مشاهد الخلق في المعصية

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم.

نكمل التعليق على كتاب مدارج السالكين، وكنا قد توقفنا عند كلام الإمام رحمه الله تعالى: «فصل فيم أشهد الخلق في المعصية». وهذا أول المجلد الثاني من هذا الكتاب، الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا بإتمام قراءته والانتفاع به؛ ففي هذا الكتاب أسرار ومعاني عظيمة وجليلة القدر.

والإمام سعى جاهداً لإيصال هذه المعاني إلى من يقرأ هذا الكتاب، لذلك نجد الإمام هنا بأنه يثني على ما كتبه، ويكرر هذا الثناء بين فينة والأخرى؛ ليدلل على أهمية هذا الكتاب وأهمية العيش مع هذه المعاني، والمعاني التي ذكرها الإمام معاني نفيسة وعالية وتقرب العبد من الله سبحانه وتعالى إن أحسن العبد التعامل معها، كما ذكرها الإمام رحمه الله تعالى.

فيقول هنا بعد ما ذكر هذه المشاهد: «وهذا الفصل من أجل فصول الكتاب وأنفعها لكل أحد، وهو حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ولعلك لا تظفر به في كتاب سواه، إلا ما ذكرناه في كتابنا المسمى بسفر الهجرتين وطريق السعادتين». هذا الثناء لا يطلقه العلماء عادة، خاصة العالم لما يكون من طبعه الشرف، أو من طبعه عدم الثناء على علمه أو على ما كتبه، فلا نجد هذا الثناء يطلق على العلماء الذين هم من هذا الصنف، إلا لما يكون الكلام غالياً ونفيساً، وكذلك لما يغرق الشخص في هذه المعاني.

فلما تقرأ للشيخ الإمام ابن تيمية ما تجد مثل هذه العبارات، وكذلك ابن القيم كثيراً ما يطلق هذه العبارات، فلما تقرأ كتب الإمام ما تجد من ابن القيم يثني على ما يكتبه بهذه الطريقة، لكن في هذا الكتاب نجد هذا الأمر يتكرر. لماذا؟ لأن الإمام هنا وصل إلى حالة روحانية عالية جداً، وهذه الحالة الروحانية تنسي الشخص الكثير، أو يتعامل الشخص معها تعاملاً مختلفاً. وهذا يجده الإنسان لما يغرق في الحديث عن شخص يحبه؛ فلما تجد شخصاً يتعلق بشخص ويحب هذا الإنسان، تجده يتكلم عنه ولا يبالي بما يقوله الناس، لا يكترث ولا يلتفت أصلاً؛ لأنه هنا وصل إلى حال عالية جداً من الإغراق.

فالشيخ هنا رحمه الله تعالى سمى نفسه سمواً عالياً، وهذا السمو ما يصل إليه الإنسان في حياته كثيراً، بل تمر عليه لحظات هكذا في العمر، مراحل قليلة تسمو النفس وتتجرّد إلى هذه الحالة، حتى إن الإنسان بودّه أن الجميع يصلون إلى ما وصل إليه، وهذا من تمام نصحه. فلذلك يطلق بعض العبارات ويقول بعض الكلمات التي ما يطلقها بالعادة، مثل هذه الكلمات: «وهذا الفصل من أجل فصول الكتاب»، هذا المعنى تكرر وكرر هذه الكلمة. «من أجل الفصول وأنفعها لكل أحد، وهو حقيق بأن تثنى عليه الخناصر»، هذه الكلمة عالية، ثم قال: «ولعلك لا تظفر به في كتاب سواه»، أي لم يسبق ابن القيم بالحديث عن هذه المعاني بهذه الطريقة المسبوكة أحد، وكذلك لم يأتِ بعده، لذلك ليس من الصواب أبداً أن يزاحم ابن القيم مع غيره، وليس من الصواب أبداً أن يزاحم هذا الكتاب مع غيره.

وعكس ذلك أن هنا ابن القيم الآن يتكلم عن المشاهد التي يشهدها الناس عند الوقوع في المعصية، وهذه المشاهد نفيسة والحديث عنها عالي، لذلك رأيت أن نمر عليها مشهداً مشهداً بسرعة، وإلا بالأصل أن الإنسان يقرأ هذه المشاهد ويتأملها ويغوص في معانيها ويتفهمها ويعود إليها ألفينة ألفينة حتى تتمكن منه، خاصة مشاهد أهل الإيمان.

المشهد الأول قال: «مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة». فالمشهد الأول مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة، هذا مشهد من يتعامل مع الحوادث على غريزته، وهذا حال من لا يتمكن الإيمان من قلبه، فيتعامل مع النفس أو يسمح للنفس بأن تقوده لما تريد وما تشتهي، والنفس تقود صاحبها بالعادة إلى الشر؛ ﴿وَإِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53].

إذا كان الشخص شريفاً وله هكذا مبادئ أو عزة ويرى بأنه لا ينبغي له أن يفعل كذا، توجد عنده إرادة مقابلة لإرادة النفس؛ فالنفس تجذبه إلى تحقيق الشهوة، وهو يجذبها إلى ما يليق بمقامه. ثم إذا دخل وازع الإيمان يكون بصف هذه الإرادة؛ لذلك يكون يتمكن الإيمان من أصحاب الشرف أكثر من تمكنه من غير أصحاب الشرف، وهذا معنى والله نفيس وعالٍ.

فالنفس تكون لها عدة إرادات، لكن من باب التقريب هنا نقول لها إرادتان: إرادة للمعصية، والنفس تميل بطبعها إلى المعصية وإلى السفول والسقوط والوقوع في وحل المعاصي، فتريد النفس أن تحقق شهوتها، هذا مراد النفس. وفي المقابل، هذا الإنسان لما يكون صاحب مبدأ وصاحب شرف، هذا الشرف يدعوه إلى المكارم فيترفع عن الدنايا. ثم إذا جاء الإيمان، والإيمان يدعو إلى المكارم، يتمكن من صاحب النفس الشريفة أكثر من غيره. لذلك قال النبي ﷺ: «تجدون الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة». فالمعدن الذهبي يتمكن منه الإيمان أقوى من تمكنه من المعدن الفضي.

فالقصد من هذا أن هذا الإنسان نفسه تدعوه إلى الوقوع بالمعاصي والذنوب والشهوات، وفي المقابل شرفه يدعوه إلى الانكفاف عن هذه الأفعال التي لا تليق به وبمقامه وبشرفه. يتدخل الإيمان يكون معه بصفه، فالنفس تجذب، ووازع الإيمان يجذب بالطرف المقابل مع شرف النفس.

أكثر الناس ليس عندهم هذا الشرف، ولا عندهم هذا الإيمان، وابن القيم يتكلم عن صنف من البشر الذين هم الغالب من البشر؛ هؤلاء ما عندهم في هذه الحياة اهتمام إلا من أجل قضاء الوطر، قضاء الشهوة فقط. لماذا تعيش؟ فقط حتى تقضي شهوتك. حتى أني رأيت لي، أو سمعت لأحد المشهورين جداً، لما قيل له: ما هي هواياتك؟ فقال: هوايتي قضاء شهوتي. هذا الإنسان لماذا يعيش فوق الأرض؟ فقط لقضاء الشهوة.

هذا القسم الذي لا يكون عنده لا شرف ولا عنده إيمان، وهذا مشهد الجهال كما قال هنا. هذا الإنسان حاله مثل حال الحيوان، لا فرق بينه وبين الحيوان إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان، ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوة بأي طريقة فضت إليها. هؤلاء على أقسام؛ منهم نفوس -كما قال هنا- كلبية، ومنهم نفوس حمارية، ومنهم نفوس سبعية غضبية، وهكذا؛ هؤلاء على اختلاف طبيعة النفس التي خلقوا عليها. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]، فبعض الناس نفسه مثل الكلب، وبعضهم مثل الحمار، وبعضهم مثل الطاووس، فكل واحد له شهوة. فصاحب النفس الطاووسية يريد أن يحقق العجب بأي طريقة، يريد أن يقول للناس: أنا موجود بأي طريقة، يريد أن يظهر على الناس بأي صورة.

صاحب النفس الكلبية ما يستحي من القبيح ولا يرده شيء، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. دائمًا يلهث، سواء أعطيته أو ما أعطيته، زجرته أو أكرمته، هو هكذا نفسه. وبعض الناس لم يخلق إلا للكد والعلف مثل صاحب النفس الحمارية، شخص ليس مخلوقًا إلا من أجل هذا، فما عنده همة أعلى من هذا، ولا عنده بصيرة ولا عنده هدف في هذه الحياة إلا ما تدعوه نفسه إليها.

والناس يتفاوتون بـ طبائعهم وشهواتهم وضعفهم النفسي، وتكلمنا عن هذا الأمر مرارًا. فالقصد من ذلك أن هذا القسم من الناس لما يكون في المعصية ما يشهد إلا مشهد الحيوانية، يريد فقط أن يحقق شهوته، أيًا كان نوع هذه الشهوة التي تميل إليها النفس. والناس يتفقون في بعض الشهوات ويختلفون في بعضها الآخر؛ فالقسم من الشهوة يتفق الناس فيه، وقسم آخر يختلفون فيه، فهذا يميل إلى كذا وإلى كذا، ولا يريد من هذه الحياة إلا أن يحقق هذه الشهوة، والنفس تدعو إلى المعصية بالأصل.

ثم طبعًا هنا توسع الإمام رحمه الله وذكر أصناف هذه النفوس وهذه الطباع وشبه هذا القسم من الناس بالحيوانات بكلام ذكر بكلام نفيس، ودمج هنا وذكر ما يتعلق بالعين والنفس التي تكون شبيهة بالحياة، وصاحبة النفس الخبيثة التي همها فقط إعطاء الناس العين والحسد وهكذا. ثم ذكر رؤية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وتكلم هنا عن تأويل الرؤى والبقر والغنم إلى آخره.

هذا المشهد الأول، المشهد الثاني هو مشهد رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة، كمشهد الزنادقة والفلاسفة والأطباء الذين يشهدون ذلك من لوازم الخلقة والطبيعة الإنسانية، ولتركيب الإنسان من الطبائع الأربعة ومزاجها واختلاطها يقتضي بغي بعضها على بعض خروجه عن الاعتدال. هذا مشهد الزنادقة من الفلاسفة، هؤلاء الذين يدعون الثقافة سواء كانوا من الأطباء أو كانوا من الفلاسفة، يرون بأن الإنسان لابد أن يفعل هذه الأشياء، ولتركيب الإنسان نفس تركيب الإنسان مفتقر إلى تحقيق الشهوات بهذه الطريقة.

فهؤلاء لما يقع الواحد منهم بالشهوة يقعها بحجة علمية بحجة ثقافية، فهو يستدل على شهوته كما كان يقوله فرويد، وكما يفعله هؤلاء الزنادقة من علماء النفس وعلماء الطبيعة وكذلك الأطباء الذين لا يوجد عندهم رادع إيماني، وتكون النفوس فاسدة فيغطى فساد النفس بـ ثقافة، بـ العلم، بـ المعرفة، بـ دراستهم الإنسان بأن الإنسان مركب من كذا وكذا وهذا التركيب يفتقر إلى كذا وكذا من غير وجود ضابط.

نعم الإنسان يميل إلى الشهوة، والإنسان يحتاج إلى الشهوة، ولكن بأي قدر؟ وكيف نضبط هذا المقدار؟ وإذا زدنا على هذا كيف سيكون الأمر؟ وكيف سيضر هذا بالإنسان؟ ثم في الأسرة ثم في المجتمع، ثم لا يستقيم نظام الناس. هذا كله يحتاج إلى رجوع إلى الوحي والشرع وليس إلى العقل المجرد الذي يغطيه الهوى، فالهوى يغلب العقل.

فالقسم الثالث هم مشهد أصحاب الجبر الذين يرون بأنهم مجبرون على الأفعال، فيقع في هذه المعاصي والذنوب يقول: الله سبحانه وتعالى كتبها عليه، وماذا أفعل؟ وهؤلاء يعذرون إبليس بأن إبليس مجبور على فعله، وأن الله لم يأذن لإبليس بأن يسجد لآدم عليه السلام. وهؤلاء هم شر الناس، وهذا المذهب لا يوجد من يحققه على الحقيقة، فهؤلاء لما يكون الأمر لهم يكونون قدرية، ولما يكون الأمر عليهم يكونون جبرية. فلا وجود لهذا المذهب إلا في الذهن أو مع شهوة الإنسان وميوله، أما لما يكون الأمر على خلاف ميول الإنسان، فالإنسان ما يتعامل معه بهذه الصورة وهذه الطريقة.

ثم المشهد الرابع مشهد القدرية النفاة، الذين يشهدون أن هذه الجنايات والذنوب هم الذين أحدثوها، وأنها واقعة بمشيئتهم دون مشيئة الله تعالى، وأن الله لم يقدر ذلك عليهم ولم يكتبه ولا يشاءه. هؤلاء الذين يرون بأن العبد يخلق فعله، كما هو حال القدرية الأولى والقدرية الثانية وهم المعتزلة، فيرون بأن العبد هو الذي يخلق فعله. أما القدرية الأولى فينكرون العلم والكتابة والخلق والمشيئة، مراتب القدر الأربعة، أما القدرية الثانية وهم المعتزلة، فينكرون المرتبة الثالثة والرابعة وهي الخلق والمشيئة، ويثبتون العلم والكتابة.

وهناك قدرية ثالثة وقع فيها بعض أهل الحديث، وهم الذين يثبتون الطاعة وينفون المعصية، فيقولون الطاعات بقدر والمعاصي ليست بقدر، وهؤلاء لا شك بأنهم ضلال، وهؤلاء هم المجوسية كما أطلق عليهم العلماء، ولأنهم يرون بأن في الكون خالقين؛ فالله يخلق وهم يخلقون، فالله خلقهم وهم يخلقون أعمالهم، وهؤلاء بهم شبه بالمجوس الذين يزعمون بأن الكون له إلهان، إله النور وإله الظلام، وتفصيل هذا في كتب الاعتقاد.

لكن القصد من ذلك أن هؤلاء هم الذين يتعاملون مع الذنوب والمعاصي على أنهم هم الفاعلون لها، وليس أن الله سبحانه وتعالى قدرها عليهم فيقعون بالمعصية، وينزهون الله سبحانه وتعالى عنها ويسمون هذا الأصل بـ التنزيه كما تسميه المعتزلة من أصولهم الخمسة، ولكن هم يقعون بما هو أشد من ذلك وأعظم من ذلك، وهو خرم التوحيد.

لذلك هنا ذكر ابن القيم كلامًا عاليًا جدًا ونفيسًا وعقب عليه بقوله: «ولا يكشف هذه الحقائق إلا أرباب البصائر». يقول: «والشيطان قد رضي منهم بهذا القدر، فلا يأزهم إلى المعاصي ذلك الأز، ولا يزعجهم إليها ذلك الإزعاج»، وله في ذلك غرضان مهمان. تحت كلمة غرضان هذه توضع خطوط، كيف عرفت أن له غرضان؟ هذا هو الفتح، هذا الشيء ابن القيم فهمه؛ فهم حقيقة الشيطان، وفهم النفس الإنسانية والبشرية، وفهم طبيعة هذا المبحث الذنوب والمعاصي، وفهم طرح القرآن الكريم للكفر وللإيمان وللمعصية، وعرف أن الشيطان قصده في هذه الحياة أن يدخلك بالكفر. يا ابن آدم، فهو ما عنده مشكلة يتركك ما تقع في المعاصي، لكن أن تقع بالكفر.

وبعد ذلك من خلال وقوعك بالكفر يجعلك تزهد، تتعامل بـ زهد وطاعات ولا يأزك المعصية حتى يصطاد بك من شاء الله سبحانه وتعالى أن يصطاد. هذا الكلام الذي يفهمه تنحل عنده إشكالات كبيرة جدًا؛ كيف الخوارج كانوا من أعبد الناس وهم خوارج؟ كيف أن الشخص يضحي بنفسه ويموت، ثم بعد ذلك يكون هو من كلاب أهل النار؟ لأن هذا الشيطان هو الذي يأذه ويدفعه. تقول لي: كيف هذا الشيء؟ أقول لك: لو كان من أهل الخير والصلاح لما تعامل بهذه الطريقة، والعبرة كلها بالقرآن والسنة، فالحكم هو القرآن والسنة وليس ما ينطبع في قلب الإنسان. وهذا الباب الذي يفهمه ينجيه الله من فتن لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى، فالناس تتعامل بناءً على الظاهر وليس.

بناءً على نفس المعيار الحقيقي الذي هو معيار الإيمان، هنا الشخص قد يكون من أهل البدع والضلالات، قد يكون من الخوارج، يكون من المعتزلة، ومع ذلك يكون من أزهد الناس، يضحي بما لا يضحي به الإنسان عادةً، فلا تجد كثيرًا من أهل الإيمان يضحون بهذه الطريقة ومع ذلك هذا يضحي.

كيف؟ الشيطان هو الذي يعينه على هذا الشيء بخلاف أهل الإيمان، فأهل الإيمان لا يعانون إلا بالله سبحانه وتعالى، لذلك هم في جهاد. الذي يضحي من أهل الإيمان التضحية الكاملة والوافرة والعالية هذا هو المقدم على غيرهم. أما قد يكون من الضالين، نعم يكون؛ لأن الشيطان ما يكون معهم، أي الشيطان ما يصدهم عن هذه التضحية، بخلاف العبد المؤمن؛ العبد المؤمن لما يقوم للصلاة، لما يقوم لأداء العبادة هو يجاهد نفسه الأمارة بالسوء، يجاهد الشيطان والدنيا، فيكون جهاد كبير، فيستعين بالله سبحانه وتعالى حتى يتجاوز كل هذه العقبات.

بخلاف المبتدع والضال، فالشيطان ما يؤزه ولا يكون في طريقه، فتأدية هذا غير تأدية هذا، والتضحية هذا غير تضحية هذا. فتضحية هذا معها توفيق إلهي عظيم، ومعها صدق من هذا العبد، أما ذاك فتضحيته من غير تدخل الشيطان، فقط هو ينقاد لنفسه، هو قد يكون شجاعًا بالفطرة فيحقق هذه الشجاعة بهذه الطريقة، ولا يكون هذا هو مراد الله سبحانه وتعالى، والعبرة بمراد الله سبحانه وتعالى وليس على خلاف المراد.

لماذا إذاً الله أنزل القرآن الكريم؟ القصد من هذا أن هنا كلامًا نفيسًا يقوله: الشيطان قد رضي منهم بهذا القدر، فلا يؤزهم إلى المعاصي ذلك الأذ، ولا يزعجهم إليها ذلك الإزعاج. وله في ذلك غرضان مهمان: أحدهما أن يقرر في قلوبهم صحة هذا المشهد وهذه العقيدة، وأنكم تاركون للذنوب والكبائر التي يقع فيها أهل السنة، الله أكبر! فدل على أن الأمر مفوض إليكم، واقع بكم وأنكم العاصمون لأنفسكم المانعون لها من المعصية.

يريد الشيطان أن يقرر لهم هذا المعتقد، الآن هؤلاء عندهم معتقد، لكن هذا المعتقد إذا ما تمكن، كيف الشيطان يمكن هذا المعتقد الضال؟ من خلال أنه يتركهم ولا يؤزهم للمعاصي، لا يزين المعصية لهم. فالآن هذا الإنسان الذي ما تزين له المعصية يعان على الذي يريده، بل المعصية لم تزين له، فلما يعان على الذي يريده من الزهد مثلاً ومن كذا وكذا مع ضلال المبدأ وضلال المنطلق وضلال المعتقد، يستقر في ذهن هذا المعتقد، خلاص يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن هذا المعتقد الذي هو الآن عليه هو المذهب الذي يحبه الله سبحانه وتعالى والذي بعث الله به أنبياءه.

انظروا كيف يدخل الشيطان على الإنسان، يدخل الشيطان على الإنسان ويضلله بهذه الطريقة. لذلك الإنسان دائماً لابد أن يعود إلى الله، ودائماً لابد أن يطرح اعتقاداته وأفعاله وتصرفاته وأقواله على كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة النبي ﷺ، ولا يحيد يمنة ولا يسرة؛ فاستقم كما أمرت، ليس كما أردت، كما أمرت. الله أكبر.

ثم قال الغرض الثاني: أنه يصطاد على أيديهم الجهال، فإذا رأوهم أهل عبادة وزهادة وتورع عن المعاصي وتعظيم الله، قالوا: هؤلاء هم أهل الحق. ثم ما كان حال عمرو بن عبيد؟ عمرو بن عبيد كان من أزهد الناس، وكان من أشجع الناس، حتى إنه دخل على أبي جعفر المنصور وقال له: «الظلم ببابك فاش»، أو قال ذلك ابن أبي ذئب، لكن هو قال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ حتى بلغ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ يا أبا جعفر. من يقول هذه الكلمات لأبي جعفر المنصور؟

والإمام أحمد كان يقول: أبو جعفر... من يستطيع على أبي جعفر؟ كان يقول أبو جعفر المنصور ما كان معاوية إلا بعمرو، وما كان عبد الملك إلا بحجاج، وأبو جعفر بأبي جعفر. فالقصد من ذلك أن هذا الرجل عمرو بن عبيد الذي فتن الناس في زمانه كان من أهل العبادة والشجاعة، والشخص لما يجتمع فيه زهد عالي في زمان الناس مع صلاح، مع شجاعة مفرطة في قول الحق، هذا يجذب الناس ويؤثر بالناس تأثيراً عظيماً؛ لأنه جمع بين هذا وبين هذا، ومع ذلك هو من أضل الناس.

وكان يقول: لو اجتمع عندي طلحة والزبير وعلي لما قبلت بشهادتهم، يعني نزلهم منزلة -والعياذ بالله- غير العدول من هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة. انظروا إلى الضلال والفساد ومع ذلك اصطاد الناس وأثر بالناس، لماذا؟ الاجتماع فيه العبادة والزهد مع الشجاعة والقوة. طيب هو كيف وصل لهذه الحال؟ هل بصدقه في التعامل مع الله أو أن الشيطان تركه لما أراد؟

هنا ابن القيم يكشف هذا المعنى، يكشف هذا المعنى ويبين بأنه لا يختلط عليك الأمر، وانتبه أن تنظر إلى حال الإنسان من غير أن تنظر إلى أفعاله العامة هكذا من غير أن تعيد اعتقاداته وتصوراته وما يقوم به إلى نص الكتاب والسنة، فالمعيار بالكتاب والسنة ولزوم الاستقامة أعظم كرامة. ليس هذا الذي نراه، والنبي ﷺ بين للصحابة: «بأنكم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم»، نعم صلاة عظيمة بالدين لكن لا تجعلوا صلاة هؤلاء دليلًا على أنهم على صواب فقط، بل انظروا كذلك إلى بقية الأعمال التي يقومون بها، وكذلك الاعتقادات التي يعتقدونها، فالهوى طاغٍ عند هؤلاء، والشيطان تركهم يصلون ولا تنفعهم هذه الصلاة.

لماذا؟ لأن هذه الصلاة ليست قائمة على توحيد، على إيمان صحيح، على إيمان صافٍ، إنما قائمة على هواه. فهنا يعان الشخص على هذا بسبب ترك الشيطان له، وليس أن الله سبحانه وتعالى حبب الصلاة إليه كما كانت حال النبي ﷺ، ففارق كبير بين هذا وبين هذا.

لذلك قال بعد ذلك: والبدعة عنده آثر وأحب إليه من المعصية. الشيطان يحب البدعة أكثر من المعصية؛ لماذا؟ صاحب البدعة لا يتوب، وصاحب البدعة من شاء الله سبحانه وتعالى به أن يضل، وكذلك صاحب البدعة يخرم الدين ويغير الإسلام، فنفس دين الله سبحانه وتعالى النقي الصافي الذي نزل على النبي ﷺ صاحب البدعة يغيره، ما الكافر لا يستطيع أن يغيره، وصاحب المعصية ما يغيره لأن المعصية تبقى معصية والكل يعرف أنها معصية، لكن البدعة تغير الدين، وتغير الدين، وصاحب البدعة أحب إلى الشيطان من صاحب المعصية.

قال: فإذا ظفر بها منهم اصطاد الجهال على أيديهم، كيف يأمرهم بالمعصية؟ بل ينهاهم عنها، يعني الشيطان ينهى عن المعصية، تصوروا، ويقبحها في أعينهم وقلوبهم. ثم قال: ولا يكشف هذه الحقائق إلا أرباب البصائر. من هو ابن القيم؟ مثل هذه المعاني من ذكرها بهذه الطريقة؛ الذي يفهم هذه الحقائق يستوعب هذا الكلام.

لكن قبل أن يفهم الشخص هذه الحقائق، هذا هو الفتح الذي يقصده ابن القيم؛ أنك ما تجده في كتاب آخر. ثم قال: فصل، المشهد الخامس وهو أحد مشاهد... الآن المشاهد الأربعة هذه كلها مشاهد الضلال والفجار.

ننتقل الآن إلى مشاهد أهل الخير والصلاح لما يقعون بالذنوب والمعاصي. المشهد الأول أو الخامس، والأول لأهل الاستقامة، هو مشهد الحكمة. فهذا العبد الذي يقع بهذه الذنوب والمعاصي، يعرف بأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الخلق سدى ولا عبثًا، وأن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة فيما يقضيه ويقدره.

والله سبحانه وتعالى لما خلق آدم عليه السلام وأمر الملائكة بأن يسجدوا له، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. فلله سبحانه في ظهور المعاصي والذنوب والجرائم وترتب آثارها عليها من الآيات والحكم، وأنواع التعرفات إلى خلقه، وتنويه آياته، ودلائل ربوبيته، ودلائل ألوهيته، ودلائل حكمته وعزته وتمام ملكه وكمال قدرته وإحاطة علمه، ما يشهد به أولو البصائر عيانا ببصائر قلوبهم، فيقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلا، إن هي إلا حكمتك الباهرة وآياتك الظاهرة.

ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدًا شاهد، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. فكم من آية في الأرض بينه دالة على الله، وعلى صدق رسله، وعلى أن لقاءه حق، كان سببها معاصي بني آدم وذنوبهم؛ كآيته في إغراق قوم نوح وعلو الماء على رؤوس الجبال حتى أغرق جميع أهل الأرض ونجى أولياءه وأهل معرفته وتوحيده، فكان في ذلك من آية وعبرة ودلالة باقية على ممر الدهور. وكذلك هلاك قوم عاد وثمود، إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى.

فالقصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى له الحكمة الباهرة في مثل هذه الحالات، فلما تقع الذنوب والمعاصي وتعم، تنزل عقوبات الله سبحانه وتعالى على أصحاب الذنوب والمعاصي، وينجو من الذي تاب من الذنوب والمعاصي، أو الذي لم يقع بها، وهذه كذلك تدل على حكمة عظيمة لله سبحانه وتعالى، وأن الله ما خلق هذا الخلق باطلا، ما خلق هذا الخلق عبثًا.

والناس يتفاوتون في هذا الاستشعار تفاوتًا عظيمًا جدًا وليس قليلًا. فالناس الآن لما يرون مثل أجواء الحروب التي نعيش بها، أكثر الناس يلتفتون للتحليل السياسي وأسباب الظاهرة، ولماذا فعلوا كذا، وهؤلاء قالوا كذا، وأمريكا تريد كذا، وروسيا تريد كذا. طيب، وأين من الذنوب والمعاصي؟ أين هذا المشهد؟ أي مشهد الحكمة؟ أي مشهد من هذه الحروب كلها سببها بالأصل ذنوب بني آدم، سببها بالأصل عدم إنكار المنكر، سببها بالأصل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25].

ثم الله سينجي بعد ذلك، وهذا أمر متكرر عبر التاريخ. ثم الله ينجي سبحانه وتعالى من يصدق معه، ومن يحسن التعامل معه، ومن يستشعر وينظر إلى هذه الآيات العظيمات. طبعًا هذه فتوح وعطايا ربانية، الله سبحانه وتعالى يختص بها من يشاء من عباده.

ثم قال بعد ذلك: المشهد السادس، مشهد التوحيد، وهو أن نشهد انفراد الرب تعالى بالخلق والحكم، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. هنا هذا المشهد السادس؛ أي أن العبد يشهد بأن هذا الكون كون الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الكون ما يقع به إلا ما أراد الله سبحانه وتعالى، وإلا ما قدر الله سبحانه وتعالى.

وكل ملك، كان صالحًا أو طالحًا، لابد أن يقع في ملكه وسلطانه ما لا يريده، بخلاف الرب سبحانه وتعالى، بخلاف ملك الملوك؛ فلا يقع في ملكه وسلطانه إلا ما يريده وقدره وقضاه، نعم قد لا يحبه، ولكن لا يقع إلا ما أراده، إلا ما قدره، إلا ما كتبه. «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر»، فلا يستطيع لا البر ولا الفاجر أن يجاوزوا كلمات الله سبحانه وتعالى.

ثم قال بعد ذلك: وفي هذا المشهد يتحقق العبد مقام «إياك نستعين» علمًا وحالًا، فتثبت قدم العبد في توحيد الربوبية، ثم يرقى منه صاعدًا إلى توحيد الإلهية؛ فإنه إذا تيقن أن الضر والنفع والعطاء والمنع والهدى والضلال والسعادة والشقاء، وكل ذلك بيد الله لا بيد غيره، وأنه الذي يقلب القلوب ويصرفها كيف يشاء، وأنه لا موفق إلا من وفقه الله وأعانه، ولا مخذول إلا من خذله وتخلى عنه، اتخذه وحده إلهًا ومعبودًا، فكان أحب إليه من كل ما سواه.

انظر الآن كيف ارتقى من توحيد الربوبية إلى الألوهية؛ فهو في البداية اعتقد بأن هذا الكون ما يقع فيه إلا ما أراد الله، إلا ما كتبه الله سبحانه وتعالى، والملك ملكه وهو المدبر سبحانه وتعالى، والسلطان سلطانه. بعد هذا يعرف بأن هذا الذي وقع في الذنوب والمعاصي بقدر الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي أقام بالطاعات بقدر الله، وهذا الذي ثبت لما وقعت الفتن بقدر الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي سقط والعياذ بالله وانتكس، أو الذي أصبح من أهل النفاق، أو الذي لم يؤمن ابتداء، هذا كله بقدر الله سبحانه وتعالى.

والآن شاهد مشهد الربوبية انتقل به بعد ذلك إلى مشهد الإلهية، فأخذ يتعبد الله ويتذلل إلى الله سبحانه وتعالى، ويخضع إلى الله سبحانه وتعالى، وينكسر بين يديه حتى يمن عليه بما من على عباده الصالحين: «وأدخلني في عبادك الصالحين»، وهكذا فانتقل من مشهد «إياك نستعين» إلى «إياك نعبد»، فهو استعان بالله سبحانه وتعالى على عبادته، استعان بالله على عبادته. وهذا تعليق على هذه المواطن تفصيلًا يحتاج إلى مجالس كثيرة، لكن القصد من ذلك فقط هو تقريب الصورة.

ثم قال: المشهد السابع، مشهد التوفيق والخذلان. هذا المشهد مندرج في المشهد الذي قبله، لكن هنا أفرد الإمام من أجل الحاجة إلى إظهاره، وأحيانًا يوجد العلماء بعض التقسيمات من أجل الحاجة فقط، وإن كانت هي مندرجة بالأصل في غيرها، وليست قسيمة لها، ولكن يتم إفرادها فقط للحاجة إليها.

مثل ما تم إفراد توحيد الحكم في هذا العصر، وتوحيد الحكم يرجع إلى توحيد الربوبية باعتبار أن الله سبحانه وتعالى هو الحكم، ويرجع كذلك إلى توحيد الإلهية باعتبار إفراد العبيد لله سبحانه وتعالى بهذا الأمر، وكذلك يرجع إلى توحيد أسماء الله وصفاته باعتبار أن الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحكم. فالقصد من ذلك هنا يتم الإفراد من أجل إظهار هذا المعنى.

وهذا الأمر دارج، ولا يعني خطأ كبيرة فيه كما يفعل من لا يفهم مثل هذه المسائل بطريقة تقسيم العلماء. فالتقسيم هو موصل للمعاني، والتقسيم أصله أنه يكون موصلًا للمعنى. فالعبد، فالطالب، لابد أن يستوعب هذا المعنى، ويعرف أن المصطلحات تكون مطابقة للمضمون.

بالتقسيمات بعد ذلك يكون من أجل إفراد معاني معينة من أجل الحاجة إليها. فمثلاً لو وقع الإلحاد وانتشر وعم عند الناس، لاحظت مثلاً بإفراد مؤلفات بعنوان توحيد الخلق أو توحيد الخالقية، من أجل إبراز هذا المعنى أو هذا الفرد من أفراد التوحيد، ولا يجيء شخص يقول بأن هذا زائد وهذا أتى به كما يقول الكثير، الله المستعان.

فالقصد من ذلك هنا أن المشهد السابع هو مشهد التوفيق والخذلان، وهو من تمام هذا المشهد، وأفرد هنا للحاجة لشهود العبد هذا المعنى. فالموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى، والمخذول من خذلته ذنوبه ومعاصيه. وهذا المشهد الذي أحسن ابن القيم حقيقة في إفراده بهذه الصورة، حتى يتأمل العبد ويعيش معه، ويعرف من هو. فالعبد إذا ما عرف من هو، لن يعرف من هو الله سبحانه وتعالى.

ذكر ابن القيم شيئاً من هذا بعد عدة مشاهد، لكن قصد من ذلك أن هذا العبد الذي يشهد هذا المشهد، مشهد التوفيق ومشهد الخذلان، لن يكون له إلا أن يدعو الله سبحانه وتعالى أن يثبته؛ فيقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك»، ويكون دعاؤه: «يا حي يا قيوم، يا بديع السماوات، ويا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين».

يُحكى عن نبينا داوود عليه السلام، قرأ في الكتب التي عنده فوجد بأن الله سبحانه وتعالى أثنى على إبراهيم وعلى إسحاق وعلى يعقوب، فقال: «أي ربي ذهب آبائي بالفضل كله»، فقال: ﴿إِنِّي ابْتَلَيْتُهُمْ كَمَا ابْتَلَيْتَ أَصْحَابَ الْأُحْدُودِ﴾ [القلم: 44]، فقال: «أي ربي ابتلني». فالله سبحانه وتعالى قدر له وقت البلاء فقال: سأبتليك في ساعة كذا، في يوم كذا، في شهر كذا. فلما جاء هذا اليوم اعتزل داوود الناس حتى يعبد الله سبحانه وتعالى، ونزل عليه البلاء وأخبر الله بأنه سيرفع عنه الحماية، فوقع داوود عليه السلام بما وقع به وتاب إلى الله وأناب بعد ذلك.

فالقصد من ذلك أن هذا كله حتى يرتفع العبد عند الله سبحانه وتعالى. فداوود أراد أن يعيش هذا المعنى كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، ولكن ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]، فأراد أن يرتقي. فالقصد من هذا هنا أن الشخص لما يقع بذنب ومعصية يستحضر بأن هذا سببه هو رفع الحماية الإلهية، وأن الله رفع عنك هذه الحماية، فلما يستشعر الشخص هذا المعنى هنا يعود فيشهد هذا المشهد.

والعبد ما يوفق للخير إلا إذا أراد الله له ذلك، هو يستشعر هذا الشيء، هو لا قيمة له ولا يستطيع أن يفعل إلا ما كتبه الله سبحانه وتعالى. لذلك هنا أحسن ابن القيم لما ذكر هذا المعنى الجميل والجليل والعالي، في سورة الحجرات قال: "واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم"، ثم قال: "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم". هو الذي حبب إليكم الإيمان لستم أنتم. لماذا ما آمن البقية وأنتم آمنتم؟ لأن الله هو الذي حبب إليكم، أي لا تظنوا بأن نفوسكم هي التي قادتكم، انتبه، إنما الذي قادكم إلى الإيمان هو الله سبحانه وتعالى، والذي فتح لكم هذا الباب هو الله سبحانه وتعالى، والذي هداكم إليه وحبب الإيمان، جعلكم تحبون الصلاة، تحبون الذهاب إلى المسجد، قلبك معلق بالمساجد، لست أنت، إنما هو عطاء الله.

فاشكر الله على هذا العطاء واستشعر وانظر إلى هذا المشهد، مشهد توفيق، هذا كله من الله سبحانه وتعالى. بمجرد أن تشعر بأنك أنت صاحب هذا الشيء يسلب منك، ولا يكون هناك فرق كبير بينك وبين الذي ما يدخل المسجد. شخص يأتي من مكان بعيد إلى المسجد ويتقطع قلبه، كبير في السن ترونه، عمره 80 سنة أو 90 سنة، وهكذا ظهره محدودة، ومع ذلك يذهب إلى المسجد ولا يتخلف عن الجماعة، وآخر شاب قوي ليس بينه وبين المسجد إلا أمتار ما يذهب. لماذا؟ توفيق وخذلان، هذا موفق وهذا مخذول، والله أعلم من يستحق التوفيق ومن لا يستحق.

لذلك الله هنا بين للصحابة هذا المعنى، قال: "ولكن الله حبب إليكم"، لا تظنوا بأن نفوسكم هي التي قادتكم، الله سبحانه وتعالى هو الذي من عليكم وجعلكم تحبون الإيمان وزينه في قلوبكم، والله هو الذي كره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. الله أكبر، فضلاً من الله ونعمة، هذا كله فضل من الله سبحانه وتعالى، عطاء منه. فالذي يطلب العلم لا يطلبه من عند قدرته، إنما بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه.

لذلك ابن القيم هنا أحسن لما أفرد هذا المشهد، فأهل الخير والصلاح لما يقعون بالذنوب والمعاصي يعرفون بأن الله سبحانه وتعالى صرف عنهم الحماية، فيرجعون رجوع الخاضعين المنكسرين لله سبحانه وتعالى، ويعلمون بأن الذي يقع بالذنوب والمعاصي ما وقع بها إلا لخذلان الله وعدم قيمته، فلم يبالِ الله به. وكذلك الذي وفق للطاعات يشهد هذه المنة والعطية الإلهية والكرامة الربانية.

ثم قال بعد ذلك رحمه الله تعالى: المشهد الثامن مشهد الأسماء والصفات، وهو من أجل المشاهد، وهو أعلى مما قبله وأوسع، هذا المشهد يحتاج إلى وقفات، وابن القيم أحسن أيما إحسان في الحديث عن هذه المعاني في مجموعة من كتبه. هذا المشهد -كما قال هو لا تحيط به العبارة لكن فقط من باب التقريب- كل ما يقع في كون الله سبحانه وتعالى، وكل ما يقع في قدر الله سبحانه وتعالى، وكل ما نزل في شرع الله سبحانه وتعالى، القصد منه أن تعرف من هو الله جل جلاله.

لذلك لما تقرأ القرآن الكريم وتجد الآيات تختتم باسم أو باسمين من أسماء الله، هذا هو القصد مما تقرأ: هو العزيز الحكيم، هو الغفور الرحيم، هو الحميد المجيد، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 176]. وهكذا، القصد منها أن تعرف من هو الحكيم، من هو الحميد، من هو العزيز، من هو الرحيم، وهو العزيز الرحيم، اجتماع العزة مع الرحمة. لماذا قال هنا كذا؟ لماذا قال عليماً خبيراً؟ هنا تجد الناس يتفاوتون تفاوت عظيم في فهم هذه المعاني، فالكثير ربما يذكر معاني عامة إجمالية، لكن من يفتح الله عليه يوصله إليه سبحانه وتعالى.

ابن القيم ممن فتح الله عليه في هذا الفتح كبير، والله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يلتجئ إليه بأسمائه وصفاته، ولله سبحانه وتعالى عبودية خاصة في كل اسم، وهذه العبوديات لا يمكن أن تشرح تفصيلاً، إنما فقط تقرب، أما أن تشرح تفصيلاً، فهذا مستحيل لأن هذه معاني تعيش القلب.

ويعيش الإنسان معها ويتذوقها. والذي يتعامل، الذي يحسن التعامل مع الله في البداية في هذه الأبواب، يفتح الله عليه حتى يوصل الله إلى هكذا استشعار عالي فيها. وليس الكل والله يفتح عليه هذا الباب، هذا عطاء. هذا العلم هو العلم اللدني، هذا العلم هو الذي يفوز الناس به. هذا هو العلم بالله سبحانه وتعالى الذي هو أجل العلوم على الإطلاق.

فتقع هكذا الحوادث العامة مباشرة يستحضر اسم الله العزيز، يستحضر اسم الله الحكيم، يستحضر اسم الله الرحيم؛ في كل شيء في الحياة يستحضر هذه الأسماء. لأن كل موقف، كل مشهد، يريد الله منك أن تستحضر هذه الأسماء على حسب هذا المشهد. ثم قال في ختام هذا الحديث عن هذا المشهد: «وهذا المشهد أجل من أن يحيط به كتاب أو يستوعبه خطاب. وإنما أشرنا منه إلى أدنى إشارة. تطلع على ما وراءها. والله الموفق المعين».

نعم، صحيح كلامه؛ ما يمكن، يعني ما يستطيع الإنسان إلا فقط أن يفتح هذا الباب، أما أن يوصل كل شيء، هذا لا يمكن. ثم قال: «المشهد التاسع: مشهد زيادة الإيمان وتعدد شواهده». وهذا من ألطف المشاهد، وأخصها بأهل المعرفة. ولعل سامعه يبادر إلى إنكاره ويقول: كيف نشهد زيادة الإيمان من الذنوب والمعاصي؟ ولا سيما من ذنوب العبد ومعاصيه؟ وهل ذلك إلا منقض للإيمان؟ فإنه بإجماع السلف يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

فاعلم أن هذا حاصل من التفاتي العارف إلى الذنوب والمعاصي منه ومن غيره، وإلى ترتب آثارها عليها. وترتب هذه الآثار عليها علم من أعلام النبوة، وبرهان براهين صدق الرسل وصحة ما جاءوا به. القصد أن العبد هنا يعيش مع هذا المشهد، ويستحضر بأن الأنبياء أخبروا عن آثار الأعمال الصالحة، وأخبروا عن آثار الذنوب والمعاصي.

فآثار الأعمال الصالحة توقع للعبد كذا وكذا من الأشياء، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2]. وكذلك قصة أصحاب السبت، كيف أن أصحاب الذنوب والمعاصي كيف وقع بهم البلاء ومسخوا قردة وخنازير؟ وكيف أن الذين كانوا ينهون عن المنكر ولم يقعوا به أنجاهم الله سبحانه وتعالى: ﴿أَن جَلَّنَا الَّذِينَ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165].

كيف أن الله أنجى هؤلاء الذين كانوا ينهون عن السوء، وأخذ الله سبحانه وتعالى الذين ظلموا؟ هذا هو الذي يقصده الإمام هنا. فهؤلاء يستشعرون ويعيشون مع هذا المشهد؛ كيف أن الإيمان له أثر في حفظ هذا العبد وحمايته، وكيف أن الوقوع بالذنوب والمعاصي له الأثر. وهذا تذكر مشهد لطيف وعظيم؛ كيف أن هؤلاء الطغاة الجبارين المتكبرين، كيف الواحد يعلو ويعلو ويعلو ثم بعد ذلك يسقط هكذا بقوة؟ هذا كله سببه الذنوب والمعاصي. هذا هو فرعون، وهذا هو مثال قوم لوط وقوم وهكذا، والمؤتفكة هي مثال قوم نوح وعاد إلى آخره.

هؤلاء الذين وقع بهم هذا الشيء هو نفس الذي وقع لهؤلاء أعداء الأنبياء. وشتان بين هذا الذي يفضخ على رؤوس الملأ على شاة، بعد ما كانوا الحاكم والسلطان والآمر الناهي في هذه البلد! كيف وصلوا إلى الحد الذي أخذهم الله سبحانه وتعالى: «إن الله لا يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت». وهكذا.

ثم قال بعد ذلك في المشهد الذي يليه: «المشهد العاشر: مشهد الرحمة». أو قبل ذلك دعونا نختم ما ذكره هنا الإمام رحمه الله تعالى، قال: «فتقوى شواهد الإيمان في قلبه وبراهينه وأدلته في حال معصيته وفي حال طاعته، وهذا من الذين يكثر الله عليهم الناس، والذي عملوا ويجزيهم بأحسن الذي كانوا يعملون». ثم قال: «وصاحب هذا المشهد متى تبصر فيه وأعطاه حقه، صار من أطباء القلوب العالمين بدائها ودوائها، فنفعه الله في نفسه ونفع به من شاء من خلقه».

أي شخص يكون بصيراً بهذا المشهد، مشهد الإمام وتعدد شواهده، هذا الذي يفهم هذا الكلام ويفهم أثر الذنوب والمعاصي، وكيف أن الذنوب عقوبات، وأن الشخص يستشعر هذا الشيء. فلما يقع بذنب الآن ستكون معه عقوبة، فلما يسبه مثلاً أو يعتدي عليه من لا يعتدي عليه عادة كزوجة مثلاً أو غلام أو خادم إلى آخره، هنا يستحضر بأن هذا بسبب الذنوب والمعاصي. هذا الاستحضار كرامة إلهية، ليس الكل يستحضر.

يقول النبي ﷺ: «تواد اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما». انظر الآن كم شخص وقع بينك وبين إخوانك من أصحابك؟ كثير، والآن في ذهنك طرأت عدة أسماء. هؤلاء مباشرة أنت بادرت وقلت أنه قال لي كذا وأنا قلت له كذا؛ لا ليس بصواب. قبل أن تقول له، هناك ذنب خفي هو الذي تسبب بهذه النتيجة، نسأل الله السلامة والعافية. لكن لماذا ما استشعرت هذا الذنب؟ لماذا ما استشعرت أن الذنب هو الذي يفرق بينك وبين أخيك؟ لماذا لم تعش مع هذا المعنى؟ هذا هو النسيان والغفلة، لذلك يكون الشخص ما يستوعب.

لذلك يا إخوان، الشخص الذي يفهم هذا الكلام لما يأتيه شخص ويسأله ويقول أنا عندي مشكلة كذا وكذا، مباشرة يعيده إلى الأصل، إلى الصلاة، إلى الذنوب والمعاصي. لا يتكلم معه كما أحياناً يفعل الشخص بالأمور العامة؛ لا، العامة هذه تالية، ليست هي الأصل، إنما الأصل هناك ذنب كبير وليس صغيراً هو الذي أوقعك في هذه المصيبة. ما هو الذنب الذي وقعت فيه؟ راجع نفسك وتب إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو العلاج.

لذلك ابن القيم رحمه الله تعالى قال: «صار من أطباء القلوب العالمين بدائها ودوائها، فنفع الله في نفسه». هو في نفسه أولاً لما يقع منه تقصير، كيف أنا وقعت في هذا الأمر؟ نعم أنت قبل ذلك لم تفعل الذي يريد الله منك بكذا وكذا، إذاً طبيعي تقع في هذا الشيء. إذا أنا وقعت في ذنب وهذا الذنب تسبب بعقوبة، إذاً أتوب إلى الله وأرجع إليه وأعود إليه. انظر كيف تعامل مع نفسه، بخلاف الذي كل شيء يلقيه على غيره ولا يستحضر أثر ذنوبه عليه.

وكذلك لما يأتي أحد ويسأله ويقول أنا وقعت لي مشكلة، طيب أنت تصلي؟ ولا عندك مشكلة بالصلاة؟ أه، إيش الذنب الكبير الذي وقعت فيه؟ ارجع، انظر. هنا يكون طبيباً بالقلوب، يعرف كيف يداوي الناس وكيف يضع الدواء على الداء، بخلاف الذي يقول كلاماً عاماً أي شيء يطرأ في ذهنه؛ لا، هي ليست بهذه الطريقة. شوفوا يا إخوان، أحوال الناس أو ما يقع على الناس من أقدار...

لها أسباب. من أقوى الأسباب هو نفس ما وقع فيه من ذنوب ومعاصي، وأحيانا يكون النازل عليه ثقيلًا، وهذا الثقيل سببه ذنب ثقيل إذا كان إنسانًا عاديًا. أما إذا كان إنسانًا عاليًا، فقد يكون الذنب ليس ثقيلًا، قد يكون ذنبًا صغيرًا؛ لماذا؟ لأن العقوبة بقدر المنزلة، أو التربية بقدر المنزلة.

كما وقع مثل يونس عليه السلام؛ كيف خرج يونس مغاضبًا وهو قد دعاه قبل ذلك ثلاثين سنة؟ لكن خرج مغاضبًا ما استأذن الله في الخروج، فأمر الله الحوت أن يبتلعه؛ لماذا؟ للمنزلة العالية. كذلك هنا تضررت.

شخص يتعجب أن عمله يجمد مثلًا، أو أن مشروعه ينتهي؛ ارجع إلى نفسك، لا تعمل اجتماعًا وتقول: «يا شباب ما رأيكم؟»، ليس هذا، المشكلة فيك أنت. أنت غفلت، أنت وقعت في ذنب حرمك؛ الله سبحانه وتعالى ما أراد لمشروعك أو لعملك أن يستمر كما كان أو كما تريد أنت، فلا تلتفت تعاتب الناس، ارجع لنفسك وابدأ بنهيها وازجرها عما وقعت فيه. شوف ما هي المعصية؟ هل غفلت؟ هل وقعت في خطأ كبير أو صغير؟ لا بد أن يكون هناك نتيجة.

موسى عليه السلام لما غضب وألقى الألواح، ارتفعت اثنتان من سبع طوال كما جاء في المسند، أوحى الله إلى موسى ست من سبع طوال. فلما غضب ورأى أن قومه فعلوا ما فعلوا من عبادتهم للعجل، غضب فألقى الألواح، فلما ألقاها ارتفعت اثنتان وبقيت أربع. انظروا، ما هكذا، بل هكذا. فأنت تريد عملًا ولكن أذنبت؛ ارجع.

هذا كلام القيم هنا، والله العظيم نفيس، هذا صار من أطباء القلوب. ليس أي كلام تقوله، ليس أي واحد يأتيك تقول له افعل كذا ولا تفعل كذا، لا؛ افهم هو لماذا وقع في كذا، أعده إلى الأصل، أعده إلى الصلاة، أعده إلى التوحيد، أعده إلى معرفة الذنوب والمعاصي والكبائر، أعده إلى هذه الحقيقة، ثم بعد ذلك تكلم كما تريد وكما تشاء عن النفس، وعن مشكلة النفس، وعن ميول النفس، وعن ضعف الإنسان؛ هذا بعد ذلك، لكن قبل ذلك لا بد أن تبدأ بهذه الحقيقة.

ثم قال المشهد العاشر: مشهد الرحمة. فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظة. نعم، هنا هذا المشهد لطيف، وهو أن الإنسان الذي لا يقع بالذنوب والمعاصي يتعامل مع أصحاب الذنوب والمعاصي تعامل المترفع عليهم، تعامل الذي لا يرحمهم، بخلاف الذي يقع بالذنب ويستشعر أنه وقع في الذنب، فيعرف بأن هذا الإنسان ضعيف، وهذا الإنسان يحتاج إلى تقوية. «لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم»، هذا هو.

يتعامل مع أصحاب الذنوب والمعاصي بتعاملين: التعامل الأول تعامل الأمر والنهي، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والتعامل الثاني تعامل الشفقة والرحمة، يريد أن يخرجه من هذه الدائرة. وليس كما يفعل أحيانًا بعض الأشخاص، إذا دعا الناس أو نصح الناس وقابلوه بشيء من السوء يقول: «خلاص ادخلوا إلى جهنم، أنا الآن أنصحكم وأنتم تقولون لي كذا وكذا»، لا ليس بهذه الطريقة، إنما ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾.

هنا الشخص الذي لم يقع بالمعصية وينظر إلى غيره وقع بها، لا يتعامل تعامل فلان؛ نقول لا ليس كفلان، فلان رفعت عنه الرحمة ورفع عنه التوفيق لأنه لا يستحق أو لأنه وقع بكذا. استشعر أن هذا ضعيف فتعامل معه بهذا التعامل، كما أنك في يوم من الأيام وقع منك هذا الشيء؛ تذكر لما وقعت بكذا وكذا. هذا هو المقصود، لما تقع بالذنب وتتذكر أنك أنت وقعت، إذن غيرك كذلك يقع، وليس أحد معصومًا إلا أنبياء الله سبحانه وتعالى ورسله.

ولما قال يوسف عليه السلام -كما يروى في بعض كتب التفسير أن جبريل عليه السلام قال له: «ولا حين هممت»- فاستغفر يوسف عليه السلام وقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. فالقصد من ذلك أن الإنسان يقع، فيستشعر هذا الشيء، ولما يتعامل مع غيره يتعامل معه تعامل الرحمة. الشخص الآن لما تراه غافلًا عن العبادة وبعيدًا عنها، تتعامل معه تعامل الشخص الذي يريد أن يعالجه ويريد أن ينجيه، ليس تعامل الشخص الذي يريد أن يحكم عليه.

لما قيل لبعض المشايخ المعاصرين: ما حكم الذي لا يصلي؟ فقال: أن تدعوه إلى أن تأخذ بيده إلى الصلاة، إلى المسجد. الخلاصة لو وسعنا بالحكم، ليس معنى هذا عدم الحكم، وليس معنى هذا عدم القول بأن تارك الصلاة كافر، لكن مع قولنا هذا، الدعوة أين هي؟ أن تأخذ بيده وتدعوه وتتعامل معه تعامل الشخص الذي تريد أن تهديه وتخرجه مما هو فيه، وهذا الإنسان مع الشيطان، لماذا تجعله مع الشيطان؟

النبي ﷺ لما نصح اليهودي ودعا إليه، أطاع أبا القاسم فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله» قبل أن يموت، فقال ﷺ: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار». مشهد الرحمة، هكذا؛ الحمد لله الذي أنقذه بي من النار. احكم عليه وقل عنه كافر، ما عندي مشكلة، لكن ادع إلى الإسلام وخذ بيده إلى الخير والصلاح وتعامَل معه هذا التعامل، مع وجود مشهد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه الموازنة مهمة أن يستوعبها الإنسان. هذه المشاهد مثل ما ذكر هنا الإمام: «ما أشهد إلا أهل الخير والصلاح»، ثم قال: «فيورثه ذلك»، هذا مشهد الرحمة.

المشهد الحادي عشر هو مشهد العجز والضعف. مثلما ذكرنا، هذا مشهد العجز والضعف، وأنه أعجز شيء عن حفظ نفسه، لا يستطيع؛ النفس هذه مشكلتها مشكلة الإنسان، إذا ما حماها الله لا يستطيع، إذا ما من الله عليه لا يستطيع لأن نفسه تقوده، فهو يحتاج إلى عناية إلهية، يحتاج إلى انكسار بين يدي الله سبحانه وتعالى، يحتاج إلى رجوع، يحتاج إلى حسن تعامل مع الله سبحانه وتعالى؛ فهذا مشهد العجز والضعف.

الإنسان لما يستشعر يعرف أنه ضعيف جدا، هذا لابد أن تعرفه أيها الإنسان، لكن إذا ما عرفت نفسك لن تعرف ربك. لابد أن تعرف من أنت؛ أنت مخلوق ضعيف خلقت من ماء مهين، ثم بعد ذلك ركبت فيك الشهوة، وركبت فيك دواعي المعصية، ونفس وما سواها: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8].

إذاً كيف يغلب التقوى الفجور؟ باصطفاء الله، بحماية الله، بحفظ الله فقط، ليس شيئاً آخر. لست أنت؛ أنت ما تملك أضعف، إذ بذل الإنسان له حد لا يقوى على المعصية إلا أن يتدخل قدر الله، وقدر الله ما يتدخل إلا إذا بذل الإنسان وأثبت لله سبحانه وتعالى الصدق، هذه هي موازنته العامة والخاصة.

فطلبك للعلم ودعوتك إلى الله، الآن في شخص يقول لك وسائل التواصل شغلتنا، أقول لك لست صادقاً، لن تكون صادقاً إلا ما شغلتك. كيف؟ ليست وسائل التواصل أقوى من الإنسان، أقول لك أقوى من الإنسان لكن تعين عليه إذا صدقت، فهذا هو. فقبل ذلك اصدق مع الله، سيعينك الله سبحانه ولن يجعلها تفتنك، لكن تجعلها تتحكم فيك؛ طبيعي جداً أن تفتنك.

وسعوا دلالة هذا المشهد وأدخلوه في كل شيء في الحياة وفي الوجود. المشهد الحادي عشر هو مشهد العجز والضعف، وأنه أعجز شيء عن حفظ نفسه، وأضعف شيء، وأنه لا قوة له ولا قدرة، ولا حول ولا قوة إلا بربه. فيشهد قلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة، كما جاء في سنن حديث أبي موسى الأشعري: «مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح ظهراً لبطن»، وفي رواية: «في يوم عاصف».

وفي رواية: «لقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذا اجتمعت غلياناً»، قال: فيشهد قلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تسيرها الرياح يميناً وشمالاً. هذا هو الإنسان، ويشهد نفسه كراكب سفينة في البحر تهيج بها الرياح وتتلاعب بها الأمواج، ترفعها تارة وتخفضها أخرى. هذا هو الإنسان.

كيف القلب سيستقر؟ على ماذا هذه الريشة ستستقر؟ على الإيمان أو على النفاق والكفر والعياذ بالله؟ هكذا تتعامل، تشهد بأنك ضعيف ما تملك، ولا تستطيع إلا أن يعينك الله سبحانه وتعالى. هذا المجلس والله لولا أن الله أذن فيه لما كان، وحضورك هذا المجلس لولا أن الله أذن ما يكون، مستحيل.

فتشهد أنه ضعيف، وأن الله سبحانه وتعالى من هذا المشهد -مشهد الضعف- يرفعك إلى مشهد استشعار المنة والعطية والكرامة الإلهية، ويرفعك إلى مشهد الربوبية، ثم يرفعك إلى مشهد الألوهية، وهكذا تتنقل بين هذه المشاهد. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا حتى نلقاه، ولا يحرمنا عطاءه سبحانه وتعالى.

ثم قال هنا: وفي هذا المشهد يعرف نفسه حقاً، ويعرف ربه، وهذا أحد التأويلات للكلام المشهور: «من عرف نفسه عرف ربه». هذه هي من عرف نفسه؛ إذا ما عرفت من أنت لن تعرف من هو الله، وقد ذكرنا هذا في عدد من المواطن. فالإنسان لابد أن يعرف من هو؛ إنسان ضعيف، مخلوق من ماء مهين، وركب فيه شهوة، ولا يعرف إلا النزر اليسير: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78]. ثم بعد ذلك: ﴿وَمَن يُعَمِّرْهُ نُّنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحج: 5]. سبحان الله العظيم، لكي لا يعلم بعد علم شيئاً، خلاص يرجع، هذا هو الإنسان الضعيف ما يملك شيئاً.

فهو كلما الإنسان ارتقى، متى يا ربي أراه استغنى؟ إذا رأى بنفسه هو ما استغنى، بس هو يرى بنفسه استغنى، لكن هذا عرف من هو وتطامن هنا وخضع هنا. هذا المشهد، مشهد الضعف والعجز، ينقله إلى مشهد عظيم جداً، مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار لربه جل جلاله، فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة وافتقاراً تاماً إلى ربه ووليه، ومن بيده صلاحه وفلاحه وهداه وسعادته.

وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها، ما تستطيع العبارة أن تعبر عنها، وإنما تدرك بالحصول؛ فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء، بحيث يرى نفسه كالإناد المردود تحت الأرجل، الذي لا شيء فيه ولا به ولا منه ولا فيه منفعة ولا يرغب في مثله، وأنه لا يصلح للاندفاع إلا بجبر جديد لصانعه وقيمه.

فحينئذ يستكثر في هذا المشهد ما من ربه إليه من الخير، ويرى أنه لا يستحق منه قليلاً ولا كثيراً، فأي خير ناله من الله تعالى استكثره على نفسه وعلم أن قدره دونه، وأن رحمة ربه اقتضت ذكره به وسياقته إليه، واستقل ما من نفسه من الطاعات لربه، ورآها ولو ساوت طاعات الثقلين من أقل ما ينبغي لربه عليه.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن الله عذبني وابن مريم بما جنت هاتان لعذبنا ثم لم يظلمنا شيئاً». هذا هو التوحيد، هذا هو الإيمان، هذا هو الانكسار. وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم». قال: واستكثر قليل معاصيه وذنوبه، فإن الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كله.

فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور، وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه، وما أنفع هذا المشهد له وأجداه عليه. وذرة من هذا ونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم. وأحب القلوب إلى الله تعالى قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة، وملكتُه هذه الذلة، فهو ناكس الرأس بين يدي ربه تعالى، لا يرفع رأسه إليه حياءً وخجلاً من الله تعالى.

قيل لبعض العارفين: «أيسجد القلب؟» قال: «نعم»، يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء، فهذا سجود القلب. فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجود المراد منه. وإذا سجد القلب لله هذه السجدة العظمى سجدت معه جميع الجوارح، وعنا الوجه حينئذ للحي القيوم، وخشع الصوت والجوارح كلها، وذل العبد وخضع واستكان، ووضع خده على عتبة العبودية، ناظراً بقلبه إلى ربه ووليه نظر الذليل إلى العزيز الرحيم.

فلا يرى إلا متملقاً لربه، خاضعاً له، ذليلاً، مستكيناً، مستعطفاً له، يسأله عطفه ورحمته. فهو يترضى ربه كما يترضى المحب الكامل محبوبه، المالك مالكاً له الذي لا غنى له عنه ولا بد له منه، فليس له هم غير استرضائه واستعطافه، لأنه لا حياة له ولا فلاح إلا في قربه ورضاه عنه ومحبته له. يقول: كيف أغضب من حياتي في رضاه؟ وكيف أعدل، أي أميل، عن من سعادتي وفلاحي وفوزي في قربه وحبه وذكره؟ وصاحب هذا المشهد يشهد.

نفسه كرجل كان في كنف أبيه، يغذوه بأطيب الطعام والشراب واللباس، ويربيه أحسن التربية، ويرقيه في درجات الكمال أتم ترقية، وهو القيم بمصالحه كلها. فبعثه أبوه في حاجة له، فخرج عليه في الطريق عدو فأسره وكتفه وشد وثاقه، ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء.

فساموه سوء العذاب وعامله بضد ما كان أبوه يعامله به، فيتذكر تربية والده وإحسانه إليه ألفينة بعد ألفينة، فيهيج من قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله وتذكر ما كان فيه. فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد نحره في آخر الأمر، إذ حانت منه التفاتة إلى نحو ديار أبيه، فرأى أباه منه قريبًا، فسعى إليه وألقى نفسه عليه يستغيث: «يا أبتاه يا أبتاه انظر إلى ولدك وما هو فيه».

ودموعه تستبق على خديه، قد اعتنقه والتزمه، وعدوه في طلبه حتى وقف على رأسه وهو ملتزم لوالده. أمسكوا له، فهل تقول إن والده يسلمه مع هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبين عدوه؟ فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده والوالدة بولدها؟

إذا فر إليه وهرب من عدوه إليه وألقى نفسه طريحًا بباب، يمرغ خده في ثرى أعتابه باكيًا بين يديه يقول: «يا رب، يا رب، ارحم من لا راحم له سواك، ولا ولي له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك، مسكينك وفقيرك وسائلك ومؤمنك ومرجيك، لا ملجأ ولا منجأ له منك إلا إليك، أنت ملاذه، وبك معاده، يا من ألوذ به فيما أؤمله، ومن أعوذ به فيما أحاذره، لا يجبر عظمًا أنت كاسره، ولا يحيي عظمًا أنت جابره».

فإذا استبصر في هذا المشهد وتمكن من قلبه وباشره وذاق طعمه وحلاوته، ترقى منه إلى المشهد الثالث عشر، وهو الغاية التي شمر إليها السالكون وأمها القاصدون، ولحظ إليها العاملون، وهو مشهد العبودية والمحبة والشوق إلى لقائه، والابتهاج والفرح والسرور به، فتقر به عينه ويسكن إليه قلبه وتطمئن إليه جوارحه، ويستولي ذكره على لسان محبه وقلبه، فتصير خطرات المحبة مكان خطرات المعصية، وإرادة التقرب إليه ومرضاته مكان إرادة معاصيه ومساخطه، واللسان والجوارح بالطاعات مكان حركاتها بالمعاصي، قد امتلأ قلبه بمحبته، ولهج لسانه بذكره، وانقادت الجوارح لطاعته.

فإن هذه الكسرة الخاصة لها تأثير عجيب في المحبة لا يعبر عنه، وكل هذا لا شيء بالنسبة لنفس الحقيقة التي يشهدها أصحاب هذا المشهد وهذا المقام. ثم قال: ويحكى عن بعض العارفين أنه قال: «دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه ازدحامًا، فلم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته فإذا هو قد أخذ بيدي وأدخلني عليه».

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: «من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية». وقال بعض العارفين: «لا طريق أقرب إلى الله من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا ينفع مع الإعجاب والكبر عمل واجتهاد، ولا يضر مع الذل والافتقار بطالة».

والقصد أن هذه الذلة والكسرة الخاصة تدخله على الله وترميه على طريق المحبة، فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذا الطريق، وإن كانت طرق سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبوابًا من المحبة، لكن الذي يفتح من طريق الذل والانكسار والافتقار، وازدراء النفس ورؤيتها بعين الضعف والعجز والعيب والنقص والذم، بحيث يشاهدها ضياعًا وعجزًا وتفريطًا وذنبا وخطيئة، نوع آخر وفتحٌ آخر.

ثم قال: «والسّالك بهذا الطريق غريبٌ في الناس، هم في وادٍ وهو في وادٍ»، وهي تسمى طريقة الطير. والسّالك بهذا الطريق غريبٌ في الناس؛ لأن أكثر الناس ما يدخلون من هذا الباب، يدخلون باب العلم والمعلومات والتعليم العام، وأبواب كثيرة من الطاعات، لكن ليس من باب الاستشعار والانكسار والتذلل والافتقار.

وهذا يحمل العبد إلى محبة من نوع خاص، وهذه عطايا وكرامات. وهنا ابن القيم يعيش، وهو يكتب هذا الكلام، سبحان ما فتح عليه، فهو الآن واصل هذه المرتبة ويعبر عن حاله. فلما وصل إلى حال ورأى أحوال الأنبياء وأحوال الصديقين، عرف بأنهم يتعاملون مع الله بهذا الطريق. فلما يقول مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي»، هذه هي الانكسار. وقوله: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»، هذا هو الانكسار.

قال: «والسّالك بهذا الطريق غريبٌ في الناس، هم في وادٍ وهو في وادٍ، وهي تسمى طريقة الطير»، وما المراد بطريقة الطير؟ يقول: «يسبق النائم فيها على فراشه السُّعاة، فيصبح وقد قطع الرّكب، بينما هو يحدثك وإذا به قد سبق الطّرف وفات السُّعاة، فالله المستعان وهو خير الغافرين».

يقصد هنا أن العبد الذي يتعامل مع الله بهذه الطريقة يرتقي بسرعة في مدارج العبودية، فقد يكون أقل من غيره بالعبادة الظاهرة، ولكنه لأنه يشاهد مشهد الافتقار والانكسار، فُتح له مشهد المحبة، حتى لا يحب إلا الله سبحانه وتعالى. «ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، فهذا في وادٍ والناس في وادي، لأنه مع هذا الفعل صدق وحب وتعظيم وانكسار واستشعار.

لذلك قال فيما يروى وذكر هذا ابن القيم، إن داود عليه السلام بعد الخطيئة قال الله له: «يا داود، كنت تدخل عليّ دخول الملوك على الملوك، والآن تدخل عليّ دخول العبيد على الملوك»، والله يريد هذه، عبيدًا على ملوك.

قال وهي تسمى طريقة الطير؛ يسبق النائم فيها على فراشه الساعات، فيصبح وقد قطع الركب، بينما هو يحدثك وإذا به قد سبق الطرف وفات الساعات، فالله المستعان وهو خير الغافرين. وهذا الذي حصل له من آثار محبة، هذا كله من آثار محبة الله له وفرحه بتوبة عبده. يعني هذا وقع بالذنب، وبعد ما وقع بالذنب انكسر. كيف وقع بالذنب وهو يقول: «أنا ما تفوتني صلاة الجماعة، أنا ما تفوتني تكبيرة الإحرام»، كيف فاتتني الآن؟ فين انكسر؟

بعد ما ينكسر، يفتح له هذا الباب، يشهد لله حبه، ويتعامل مع الله تعامل العبد الذي يحب الله سبحانه وتعالى. آثار هذا الشيء أن الله سبحانه وتعالى يحبه؛ لماذا؟ لأن الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلته.

هذا العبد تاب بهذه الطريقة، توبة انكسار وضعف ولجوء إلى الله وافتقار إليه سبحانه وتعالى. هذه تربية الله سبحانه وتعالى لأوليائه بالذنوب والمعاصي، هكذا الله يربيهم؛ فيقع بذنب، ثم الذنب يفتح له هذا الباب، باب الانكسار، باب التوبة والعودة إليه سبحانه وتعالى، فيحصل بعد وقوعه بالذنب من هذه المعاني ما لا يحصله بالطاعة، طبعًا الذنب مع التوبة التي هي بهذه الطريقة.

قال: «ولهذا الذي حصل له من آثار محبة الله له وفرحه بتوبة عبده، فإنه سبحانه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم أعظم فرح وأكمله، فكلما طال العبد منته سبحانه قبل الذنب وفي حال مواقعة الذنب وبعد الذنب وبره به سبحانه وتعالى وحرمه عنه وإحسانه إليه هاجت من قلبه لواعج محبته والشوق إلى لقائه، فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها. وأي إحسان أعظم من إحسان من يبارزه العبد بالمعاصي وهو يمده بنعمه ويعامله بألطافه». إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى.

كانت هناك جارية رومية أسلمت، فلما أسلمت كانت تدعو الله سبحانه وتعالى بحب الله لها، فيقال لها: «لا تدعي الله بهذه الطريقة، إنما ادعيه وسليه بحبك له، وما يدريك بأن الله يحبك؟» فكانت تقول لهم: «بأنه لولا أنه يحبني لما هداني إلى الإسلام، وأنا بالأصل كنت رومية نصرانية». فهي كانت تستشعر هذا المعنى بهذه الطريقة، القصد فقط هنا للاستشهاد، ثم ذكر بعد ذلك ابن القيم الحديث القدسي الشهير.

ثم قال في آخر هذا الفصل: «ولنقتصر على هذا القدر من ذكر التوبة وأحكامها وثمراتها، فإنه ما أطيل الكلام فيها إلا لفرط الحاجة والضرورة إلى معرفتها ومعرفة أحكامها وتفاصيلها ومسائلها. والله الموفق لمراعاة ذلك والقيام به عملًا وحالًا، كما وفق له علمًا ومعرفة».

قال: «والله الموفق لمراعاة ذلك والقيام به عملًا وحالًا»، يعني الله منّ الآن بالعلم والمعرفة كما وفق، بقي الآن التطبيق. فالشخص عرف هذه المسائل، فبعد ما تقع بالذنب والمعصية، كيف ستتعامل مع هذا الباب؟ هل تتمنع؟ ولما تقع كيف تتعامل معه؟ هل فتح لك هذا الباب؟ هذا هنا توفيق من الله سبحانه وتعالى؛ فما خاب من توكل عليه ولاذ به ولجأ إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

نقف عند هذا، والله أعلم وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.