الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم، أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
نكمل التعليق على هذا الكتاب العظيم، كتاب مدارج السالكين. وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند نهاية منزلة التوبة، وذكرنا الفصل الذي عقده ابن القيم رحمه الله تعالى في مقدمة المجلد الثاني في حديث عن مشاهد الخلق في حال المعصية أو عند الوقوع في المعصية.
ثم انتقل بعد ذلك الإمام إلى منزلة أخرى وهي منزلة الإنابة. والله سبحانه وتعالى أثنى على صفوة خلقه بأنهم منيبون إليه، فقال سبحانه وتعالى في وصف خليله ونبيه إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: 75]. والإنابة المراد بها الرجوع والعودة إلى الله سبحانه وتعالى، وهي تدخل في منزلة التوبة أو في معنى التوبة من حيث هذا القصد؛ فالتوبة هي الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى بفعل المأمور وترك المحظور.
وكذلك هنا منزلة الإنابة، فالعبد المنيب هو العبد الراجع، أو العبد كثير العودة إلى الله سبحانه وتعالى، أي العبد الرجاع إلى الله. والإنابة تنقسم إلى قسمين: إنابة لربوبيته، وإنابة لألوهيته. أما الإنابة للربوبية فهذه إنابة جميع المخلوقات، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الزمر: 8]، فهذا حال كل من يمسه الضر، وهذه هي الإنابة العامة أو العودة العامة.
أما الإنابة الخاصة فهي إنابة المحبة. وهناك فرق كبير بين الشخص الذي يعود إلى الله سبحانه وتعالى بسبب البلاء، وبين الشخص الذي يعود إلى الله سبحانه وتعالى لأنه قصر في حقه. فالإنابة الأولى هي إنابة الضر، وهي عامة الخلق وكذلك عامة أهل الإيمان. أما الإنابة الثانية فهي إنابة المحبة، وهي إنابة الأنبياء؛ فالله سبحانه وتعالى لما ذكر هنا إبراهيم عليه السلام قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾، وكذلك ذكر داود عليه السلام: ﴿وَدَاوُودَ إِذْ أَنابَ﴾، فالعودة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى هي إنابة المحبة.
ولا يستحق العبد اسم المنيب إلا لما تتضمن هذه العودة عدة أمور: الأول المحبة، والثاني الخضوع، والثالث الإقبال، والرابع الإعراض عما سوى الله سبحانه وتعالى. هذه الأربعة إذا اجتمعت اكتملت إنابة العبد إلى الله سبحانه وتعالى، فأصبح هذا العبد منيبًا محبًا، منيبًا لألوهية الله سبحانه وتعالى.
والفارق بين النوعين من الإنابة حتى لا يشتبه الأمر: النوع الأول هو الإنابة إلى الربوبية، فالعبد لما يقع عليه بلاء أو مصيبة، يريد أن يخرج من هذا البلاء ويعلم بأنه لا يستطيع إخراجه منه إلا الله سبحانه وتعالى، فيلجأ إلى قوة الله، وإلى عموم سلطان الله وربوبيته، والقصد في هذا اللجوء هو أن يرتفع عنه الضر.
أما النوع الثاني من الإنابة فهي الإنابة إلى ألوهية الله سبحانه وتعالى؛ فالعبد لما يقع في ذنب أو معصية يستحي من الله، وكيف فرط في طاعة الله سبحانه وتعالى وعصى الله وهو العظيم القوي الجبار الرحيم الحليم؟ فهنا تثمر عنده هذه المعصية أو هذا البلاء هذا المعنى، فيحمل هذا المعنى على العودة إلى الله رجوع المحب له سبحانه وتعالى، رجوع الخائف منه، رجوع المحتاج إليه، ورجوع المفتقر إليه، فتكون الإنابة معها معاني الحب والخوف والرجاء.
ثم بعد ذلك ننتقل إلى وقفة ثانية متعلقة بكلام الإمام هنا، وهي حديث الإمام رحمه الله تعالى عن حال الإنسان الذي يجد لذة المعصية في قلبه ولكنه يقاومها ويجاهدها. عندنا شخصان: الشخص الأول يترك المعصية مع المجاهدة، والشخص الثاني يترك المعصية لعدم محبته للمعصية، وهذا فصل نفيس جدًا، وأتمنى أن تتأملوا معي وتقفوا عند كلام الإمام هنا العالي والنفيس.
الإنسان حياته كلها مجاهدة، ولكن النفس تستقيم تدريجيًا. فبينما يجاهد الشخص نفسه على ترك الأفلام أو المباريات، قد نجد شخصًا آخر نفسه أصلًا لا تميل إلى مشاهدة هذه الأشياء، أو تجاوز هذه المرحلة واستقامت نفسه، فصارت نفسه تدعوه إلى ترك هذه المشاهدة، فيكون منشغلًا بالعبادة والطاعة، يسعد لما يقرأ القرآن الكريم ويسعد لما يقوم ويصلي، وقد جعل قرة عينه في الصلاة.
أما العبد الثاني، فنفسه تشتهي المعصية وتريدها، وفكره يكون مشوشًا، فهو الآن لا يريد لهذه المعصية أن تستقر، فماذا يفعل؟ يجاهدها ويقاومها، فتكون الساعات التي تمر على هذا العبد ساعات مجاهدة، أما العبد الآخر فالساعات التي تمر عليه هي ساعات طاعة وتلذذ بالطاعة وعدم انصراف للمعصية.
الإنسان يمر بهذين الحالين، فإذا جاهد نفسه وصدق مع الله سبحانه وتعالى بالمجاهدة، رفع الله سبحانه وتعالى إليه مرتبة أن تعينه نفسه على ترك المعصية. فمن يسمع الأغاني والموسيقى وهو يعرف أنها حرام، ماذا يفعل؟ هل يستسلم؟ إذا استسلم فهذا لا يعاني، أما إذا جاهد نفسه وتركها وجعل مكان الموسيقى القرآن الكريم، فمع المجاهدات تبدأ النفس تدريجيًا في إخراج حب هذا الذنب، فمتى خرج حب الذنب من النفس استقامت على الطاعة وأصبحت نفسًا مطمئنة. فهذا الإنسان بعد مدة من الزمن، عندما يقال له المعصية الفلانية، تنفر منها نفسه ولا تحبها، لأنه وجد سعادته في الطاعة.
فالحالة الأولى حالة المجاهدة، والحالة الثانية حالة التمتع والتلذذ بالطاعة. وانظروا كيف الإمام -والله أعلم- خلص من خلال حديثه عن هذه المسألة إلى بيان مرتبة الصديقية ومرتبة الشهداء. فأنظر هنا لما قال عن أي الحالين أكمل، بين أن الحال الأكمل هو حال الذي لا تشتهي نفسه لذة المعصية، وإنما تلتذ نفسه بالطاعة، فهذا الإنسان منشغل بتحقيق العبادة، أي منشغل بالغاية. أما الأول فمنشغل بالوسائل، وضرب مثلًا جميلًا؛ قال إن هذا الإنسان الذي نفسه غير متعلقة بالمعصية ولا تفكر بها، مثله مثل الذي يطوف حول البيت فهو الآن يحقق العبادة. أما الثاني، فمثله مثل الشخص الذي يريد الوصول إلى البيت، فهو في الطريق يجاهد نفسه على صعوبة هذا الطريق، فيقتل هذه الدابة لما تعرض له ويحاول أن يسير.
الحر الشديد وهكذا حتى يصل إلى البيت، فهذا مأجور ولا شك، ومن أجر المجاهدة عظيم عند الله سبحانه وتعالى. لكن هذا ليس مثل هذا، فالذي جاهد هو مأجور أجرًا عظيمًا على المجاهدة، ولكن الذي عاش مع الطاعة والذي ألذت نفسه بالطاعة هذا أجر أعظم بكثير من أجر هذا الشخص الذي يجاهد نفسه على هذا الأمر.
لذلك الإنسان إذا استطاع أنه ما يفتح أبواب الشيطان عليه فلا يفتح؛ لأنه سيضطر أن يجاهد بعد ذلك، ومجاهدته الآن أيسر بكثير من المجاهدة التي سيخوضها بعد ما تتشبث نفسه في المعصية. النفس فيها ميول: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8]، فالنفس فيها ميول المعاصي، لكن هذه المعصية إذا تشبثت وتمكنت يصعب على الإنسان أن ينزعها، يحتاج إلى مجاهدة، وهو يجري على هذه المجاهدة وله أجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى في هذه المجاهدة، ولكن ليس مثل ذاك الشخص الذي أخذ يعمر هذه الساعات وهذه الأيام وهذه الأشهر في الطاعة.
والإنسان لابد أن يجاهد، يعني مجاهدة لن تأتي مرحلة لا تجاهد فيها، هذا غير موجود. ولكن فرق كبير بين شخص حياته كلها مجاهدة على ترك ذنب، وبين شخص حياته تلذذ بالطاعة؛ تلذذ بالصلاة، تلذذ بقراءة القرآن، فرق كبير بين حال هذا الإنسان وحال هذا الإنسان. لذلك الإنسان لابد أن يسعى جاهدًا للتخلي عن المعاصي، وأن لا تحكم المعصية، وسيعام بإذن الله، وترون هذا الشيء في أنفسكم.
إذا كان العبد مستقيمًا على الطريق الذي نصبه الله سبحانه وتعالى، سيلاحظ في البداية بأن نفسه متشبثة بمجموعة من المعاصي، ثم مع المجاهدة تبدأ النفس تنفر من هذه المعصية، وتنفر من هذه المعصية، وتنفر من هذه المعصية، فتبدأ النفس تتخلى عن هذه المعاصي، بل النفس لا تحب هذه المعصية خلاص تكره المعصية.
ما الذي يبقى من المعاصي يستمر مع الإنسان في المجاهدة؟ الذي تميل له النفس بطبعها، أي المعصية التي تكون ضعيفة النفس عندها بسبب ضعف الإنسان الفطري والغريزي فيها، هذه المجاهدة مستمرة معه إلى أن يلقى العبد ربه. آخر مرتبة يصل إليها العبد في المجاهدة هو أن يتعامل مع الله سبحانه وتعالى بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس؛ هذه أعلى المراتب على الإطلاق.
لذلك العبد إذا وصل لهذه المرتبة، وقريب منها هو الآن بلغ درجة عالية، لكن قليل قليل من الناس من يفوز بهذه الحالة؛ أي يصل إلى درجة أن يتعامل مع الله سبحانه وتعالى من غير أن ينظر إلى أحد من البشر: ماذا قال عني فلان؟ ما الذي سيقول فلان؟ أبدًا لا يبالي ولو خسر أقرب الناس إليه إذا كان هذا مراد الله سبحانه وتعالى.
ونتعامل مع الخلق بلا نفس، لا يرى نفسه فضلًا عليهم ولا علوًا عليهم، إنما يكون متواضعًا تواضعًا كبيرًا. فهنا يجتمع في العبد المحبة العالية والعظيمة لله سبحانه وتعالى التي تنسيه محبة أي محبوب آخر، ولو كان نفس الإنسان أو أقرب الناس إليه، وكذلك تجتمع عند العبد التواضع العالي بحيث إنه ما يرى لنفسه فضلًا على الآخرين، إنما هو يتعامل مع الناس على أنه أقل منهم، فهو يتعامل مع الناس بناءً على أمر الله سبحانه وتعالى، فلا يجد لنفسه ذاك العلو الذي يشمخ فيه على الناس أو يعلو فيه على الناس.
لذلك ابن تيمية من درره في الوسطية قال في أوصاف أهل السنة والجماعة بأنهم لا يستطيلون على الخلق بحق ولا بغير حق؛ بغير حق واضح، يعني ما يتكبرون عليهم ولا يستطيلون عليهم، ويأخذون منهم شيء ليس لهم، لكن بحق، كيف ما يأخذ حقًا كاملًا؟ "ما استقصى كريم قط" يقول السلف الصالح: "ما استقصى كريم قط"، الكريم ما يستقصي، يأخذ حقه. هذه أعلى المراتب على إطلاقها، هنا يجتمع في العبد المحبة العالية والتواضع العظيم.
ويروى بأن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم عليه السلام: «أتدرى يا إبراهيم لماذا اخترتك؟ لماذا اصطفيتك؟»، قال: «لما يا ربي؟»، قال: «لأنه لم يحبني من خلق أحد محبتك إياي». وكذلك قال الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام فيما يروى: «أتدرى يا موسى لماذا اصطفيتك؟»، قال: «لما يا ربي؟»، قال: «لم يتواضع».
وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «إنكم لتغفلون عن أعظم العبادة»، وقال: «أفضل العبادة»، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: «التواضع، التواضع». وقال: «إن من التواضع أن يجلس الشخص في المجلس الدون، بأن لا يرى لشخص له هكذا مزية، فضيلة أو مزية عن الناس بحيث إنه لابد أن يجلس في صدر المجلس أو شرف المجلس، الرضا بالدون من شرف المجلس».
فالقصد من هذا الكلام أن الإنسان إذا وصل هذه الحال هو الآن قد وصل إلى أعلى الدرجات بإذن الله، لكن إذا ما وصل إليها فما زال أمامه الطريق، يعني طويل، والعبد يسعى جاهدًا لتحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى حتى يصيب هذه المراتب العالية، مرتبة الصديقية.
ثم قال بعد ذلك الإمام -طبعًا المهم مرتبة المجاهدة وطريقه، ليس مرتبة المجاهدة عن طريق المجاهدة، وأجر العبد الذي يجاهد نفسه على فعل الطاعة وكيف أن هذه المرتبة ترقى بعد ذلك حتى توصل إلى الصديقية- يقول هنا الإمام رحمه الله تعالى: "وما يحصل المطمئن من الأحوال والعبودية والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسه في ذات الله تعالى، وإن كان أكثر عملًا، فقد قدر عمل المطمئن المنيب بجملته وكيفيته أعظم، وإن كان هذا المجاهد أكثر عملًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
فما سبق الصديق الصحابة بكثرة عمل، وفيهم من هو أكثر صيامًا وحجًا وقراءة وصلاة منه، ولكن بأمر آخر قام به قلبه، حتى إن أفضل الصحابة -يقصد عمر- يسبقه ولا يراه إلا أمامه، ولكن عبودية مجاهد، مجاهد نفسه على لذة الذنب والشهوة، قد تكون أشق، ولا يلزم من مشقتها تفضيلها في الدرجة، فأفضل الأعمال الإيمان بالله، والجهاد أشق منه وهو تالٍ في الدرجة، ودرجة الصديقين أعلى من درجة المجاهدين والشهداء.
وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه رحمه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر عنده الشهداء فقال: «إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفراش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته». فالقصد من ذلك أن الإيمان بالله أعظم. وممكن هكذا ناخذ وقفة هنا: الأعمال عند الله لا تُفضل بالمشقة، إنما تُفضل بالحب، أعظم ما يوضع في الميزان يوم القيامة حب الله سبحانه وتعالى، والخوف من الله، ورجاء الله سبحانه وتعالى، هذه المعاني الإيمانية هي أعظم ما.
يوضع في الميزان، هذا أعظم من الجهاد، أعظم من جميع الأعمال. هذه هي أعظم الأعمال على الإطلاق، فالشخص قد يكون قد يمات على فراشه كما مات الصديق، الصديق مات على فراشه ويكون أعظم عند الله سبحانه وتعالى من جميع الشهداء. فالقص من ذلك أن الإيمان هو الأصل؛ الإيمان يصل العبد إلى محبة الله، وإلى الخوف من الله، وإلى رجاء الله سبحانه وتعالى. هذا هو الأصل، وهذا أعظم ما يصل إليه العبد.
ثم قال بعد ذلك في الفصل: «قالوا من علامات إنابة ترك استهانة بأهل الغفلة والخوف عليهم مما فتح لك باب الرجاء» إلى آخره. قال بعض السلف: «لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الخلق في ذات الله، ثم تقبل على نفسك فتكون لها أشد مقتا». وهذا الكلام يقوله ابن القيم، وهنا لا يعلم معناه إلا الفقيه في دين الله تعالى؛ فإن من شهد حقيقة الخلق وعجزهم وضعفهم وتقصيرهم، بل تفريطهم وإضاعتهم لحق الله وإقبالهم على غيره، وبيعهم حظهم من الله بأبخس الثمن من هذا العاجل الفاني، لم يجد بدا من مقتهم ولم يمكنه غير ذلك البتة. ولكن إذا رجع إلى نفسه وحاله وتقصيره وكان على بصيرة من ذلك، كان لنفسه أشد مقتا واستهانة، فهذا هو الفقيه.
هذا كلام يحتاج إلى شرح، هذا كلام يتطلب شرحًا. ولا أدري، هذه المجالس المشكلة ما تكفي أن نتكلم عن كل شيء، لأن هذا الكلام هو نهاية العلم. فالعبد إذا دق علمه بالله سبحانه وتعالى -أقصد أنه أصبح ينظر بنور البصيرة وبمنظار البصيرة واكتمل عنده الإيمان أو قوي عنده الإيمان- يفهم هذه المعاني. لذلك هنا قال: «لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الخلق في ذات الله». كيف يعني؟ الآن العبد يعرف من هو الله سبحانه وتعالى، ثم ينظر إلى العباد كيف يتعاملون مع الله. فهنا لما ينظر إلى هؤلاء العباد الضعفاء المساكين يتعاملون مع الرب الملك الغني العظيم الحليم الرحيم سبحانه وتعالى بهذه الصورة، طبيعي أن يمقتهم، هنا يقع في نفسه مقت لهؤلاء: تتعاملون مع الغني كيف؟ تتعاملون مع العظيم كيف؟ تتعاملون مع من أسداكم هذه النعم العظيمة بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ فهنا يقع في نفسه هذا المقت.
لكن لا تأخذ هذا المشهد لوحده من غير أن تأخذ مشهد الرحمة. استحضر عظمة الله سبحانه وتعالى واستحضر المشهد الثاني؛ ضعف الإنسان. ضعف الإنسان يجعلك ترحم وتتعامل معهم تعامل الطبيب، تعامل العبد المشفق عليهم من العقوبة والمشفق عليهم مما يفعلونه. وهكذا، فلما تنظر إلى الإنسان وضعفه تتعامل وتنظر له من عين الرحمة، ولكن لما تنظر إلى منزلة الله وعظمة الرب سبحانه وتعالى وجلاله، وأنه لا يستحق الرب سبحانه وتعالى أن يتعامل معه بهذا الطير، ومن أنت أيها الإنسان حتى تتعامل مع الملك السيد العظيم سبحانه وتعالى بهذه الصورة، تنظر إليه النظرة الثانية، هنا تستقيم النظرة؛ فتكون تمقت العباد في ذات الله سبحانه وتعالى لأنك تعرف منزلة الله، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعصى، وكيف يعصيه العبد بهذه الطريقة؟ فهذا كله تعظيم لله سبحانه وتعالى.
ثمرة التعظيم والنظرة الثانية ضعف الإنسان، فتنظر له نظرة الرحمة، فتجمع بين هذه النظرة وهذه النظرة، فتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وكذلك تكون حريصًا على هدايتهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 169]. كحديث عن أن جاءهم من النار، الحمد لله الذي أنقذه به من النار؛ هكذا تتوازن نظرة العبد.
لكن نحن الآن في سياق الحديث عن هذا المعنى، أي مقت الخلق، ثم بعد ذلك تقبل على نفسك فتكون أشد لها مقتًا. لماذا لأمرين اثنين؟ الأول: حتى لا يأكلك العجب، حتى لا تُدلي على الله سبحانه وتعالى بعملك. الأمر الثاني: أنك تعرف نفسك، وكل ما فعلته هو حق أقل بكثير مما ينبغي عليك أن تفعله، فهنا تكون كراهيتك لنفسك وإزراؤك لها أعظم من الآخرين؛ لأنك تعرف بأن جرمك كبير، وهكذا تتعامل مع نفسك.
ثم قال بعد ذلك، انظر الآن لما تكلم؛ قال كلام الهروي: «وأما الاستقصاء في رؤية علل الخدمة، فهو التفتيش عما يشوبها من حظوظ النفس وتمييز حق الرد منها من حظ النفس». هذه تحتاج إلى وقفة طويلة. كذلك قال: «ولعل أكثرها أو كلها أن تكون حظًا لنفسك وأنت لا تشعر». فلا إله إلا الله، كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة وأن تصل إليه!
وإن العبد ليعمل حيث لا يراه بشر البتة وهو غير خالص لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقًا وهو خالص لوجه الله، ولا يميز هذا من هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدويتها وعللها. فبين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب، فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة، ولا خوف، ولا رجاء، ولا زهد في الدنيا، ولا رغبة في الآخرة، ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل، ولا قوة في أمره. فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق ورأى الحق والباطل وميز بين أولياء الله وأعدائه، فأوجب له ذلك المزيد من الأحوال.
الآن العمل، إذا أردت أن تعرف بركة العمل انظر إلى الأثر عليك. الآن تعمل عملًا لله سبحانه وتعالى، تصنع مشروعًا، تعمل هكذا، تؤلف كتابًا، تلقي محاضرة، تصلي، تعمل عملًا بعد العمل؛ هل تشعر أنك بدأت ترتقي؟ هل الديانة عندك بدأت تعظم، النور هذا بدأ ينتشر في جوفك وأصبحت تميز ما لا تميز قبل ذلك؟ هل البصيرة عندك بدأت التقوى أو لا؟
هذه الآن المسافة بين العمل وبين القلب. بعض الناس عمله كثير لكن لا يصل أثر العمل؛ لماذا؟ العمل فيه مشكلة. العمل مدخول، لكن العمل لما يكون صالحًا، الشخص يتصدق بدينار، دينار بدرهم، مبلغ يسير، لكن مع هذا التصدق هناك استحضار لعطية الله، هناك استشعار. فهذا العمل يصل إلى القلب، فلما يصل إلى القلب يستنير القلب؛ فينظر إلى ما لا كان ينظر إليه قبل ذلك، فتعظم عند المحبة، وتعظم عند الرجاء، وتعظم عند الخوف من الله سبحانه وتعالى. وكذلك التمييز؛ يميز بين مراتب الناس، فلا يتعامل مع الشيخ المشهور على أنه بالضرورة أفضل من هذا العبد المغمور؛ لا، هذا العبد المغمور الذي الناس لا يلتفتون إليه، قد يكون هذا هو المقصود في هذا العصر، بأن منزلته منزلة أوس بن حجر، خاصة يكون شخص أدى وعمل بالإسلام ومع...
ذلك ما حصل شيء والناس تنفر منه، لكن هذا لأن مشهور يقبلون عليه، لا هذا الكلام غير صحيح. قد يكون هذا أعظم عند الله، قد يكون هذا الشخص منزلته عند الله عالية منيفة وأنت ما تعرف.
دخل مرة محمد بن المنكدر في المسجد وكان جالسا فيه، فدخل رجل اسكاف، اسكاف يصلح النعل، عبد فقير مسكين لا يلتفت إليه أهل المدينة ولا ينظرون إليه مثل ما ينظرون إلى محمد بن المنكدر هذا العالم الكبير الجليل. قال محمد بن المنكدر: استسقى أهل المدينة فلم يسقوا، وهو كان جالسا في المسجد، فدخل هذا العبد ولم ينظر إلى أحد في المسجد في الظلام وصلى ثم دعا الله سبحانه وتعالى وقال: «أي ربي، إن أهل المدينة مدينة نبيك ﷺ استسقوك فلم تسقهم، أقسمت عليك يا ربي أن تسقيهم». قال: والله ما أنزل يديه إلا وتلبدت السماء بالغيوم ونزل المطر.
يقسم على الله! كيف يقسم على الله سبحانه وتعالى؟ فخرج هذا العبد وتبع محمد بن المنكدر حتى عرف مكانه. ثم جاء في اليوم الذي يليه، هو اسكاف يصلح النعل ويعرف من هو محمد بن المنكدر، وهذا الإنسان عند الناس غير مغمور، عند الناس لا قيمة له، مدفوع بالأبواب، لو شفع ما شفع، لو خطب ما ينكح. فقال له محمد بن المنكدر وسلم عليه، فبادر بالسلام والإجلال والإكرام. فقال له: «أنا صاحبك البارحة». قال: ماذا تقصد؟ قال: «أنا صاحبك البارحة لأن رأيتك لما دخلت المسجد ودعوت وكذا». فغضب الرجل غضباً شديداً، ثم قال محمد بن المنكدر: وخرج من المدينة فلم أره بعد ذلك.
انظروا، هذا الإنسان مغمور بين الناس، لكن هذا كم بينه وبين الله سبحانه وتعالى؟ هذا الإنسان يعيش مع البشر، والناس لا يعرفون منزلته ولا قيمته، لكن هو عند الله سبحانه وتعالى صاحب مرتبة عالية ونيف، هذا مذكور في السماء بذكر حسن وعطر، هذا عند السماء يعرفون، الملائكة تعرفه. القسم من ذلك أن هذه المسافة التي بين العمل وبين القلب ما تقطع إلا بالإخلاص، ما تقطع إلا بإثبات المحبة، ما تقطع إلا بالاستشعار؛ الاستشعار أنك تعمل هذا العمل وتقول: يا رب تقبل مني هذا العمل، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].
ثم بين القلب وبين الرب مسافة، الآن الأول من العمل إلى وصوله إلى القلب، ثم الآن من القلب إلى الرب سبحانه وتعالى مسافة، قالوا وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية العمل ونسيان المن وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرى العجب، ومن رحمة الله سترها على أكثر العمال، إذ لو راوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها من اليأس والقنوط والاستحسار وترك العمل.
الله أكبر، هذا كلام عالي. الآن ابن القيم يقول بأن بين القلب وبين الرب مسافة. الآن شخص يؤدي هذه الأعمال، هذه الأعمال يسوقها هذا الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، هو الآن لما عمل هذا العمل ماذا وقع في قلبه؟ موقع عجب وإدلال: يا ربي أنا فعلت كذا، يا ربي أنا قمت بكذا وكذا، يا ربي أنا كذا، هو يشعر هكذا بينه وبين نفسه بأنه ما أحد يعمل إلا هو، يعمل ولكن كل الناس تركوا التعليم وطلب العلم، أنا الوحيد الباقي، أنا ما بقي معي إلا قلة، ويدخل في مشروع مثلا في مئة واحد يبقى هو معه اثنين، فيبقى هو ثم العمل كله يقوم عليه، هكذا يتعامل مع الله سبحانه وتعالى بأنه أنا الوحيد الذي بقيت. وعجيب، ينسى أن هذا هو فضل الله، يعني لست أنت، إنما هو سبحانه وتعالى الذي أعطاك، فكيف تقابل عطية سبحانه وتعالى ومنته وإجلاله وكرمه بهذه الطريقة في التعامل؟
هذا من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية العمل، يعجب هكذا: عندي عمل مسجل فيه ألف شخص، مئة شخص، ولما يتكلم يتكلم هكذا علواً. قالوا نسيان المن؛ ينسى بأن هذا كله فضله سبحانه وتعالى وهذا كله عطاؤه. ذاك الله سبحانه وتعالى يبتلي إذا حب العمل ابتلاه، أوقف عمله خلاص، يصاب العمل بالجمود. لماذا؟ ارجع إلى الله، لم تعد تتعامل مع الله، تعامل العبد: «يا داوود، كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك، وأصبحت تدخل علي دخول العبيد على الملوك». هذا الذي يريده الله، يعني الله يعطيك ويكرمك سبحانه وتعالى، ثم الله يبتلي ويرسل له الرسل والنذر، يتوقف العمل، يتعطل العمل، ثم هو هذا المسكين إذا نسي النسيان الكبير وضرب على قلبه، يبدأ يبحث عن الأسباب والوسائل ثم يلوم.
ثم أنت المقصود، أنت يونس عليه السلام، أنت الآن أنت المقصود، ليس في القرية ولا الناس، البحر لما تلاطمت أمواجه ليس المقصود أن يلقى بالمتاع، إنما المقصود أن هذا العبد يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو المقصود. وهذا لا بد أن يعرض لك أيها العامل، لا بد أن يعرض لك هذا كثيراً وليس قليلاً، فاعرف المراد، اعرف تعامل مع الله سبحانه وتعالى، واعرف رسائل الله سبحانه وتعالى لك.
لما هم أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى بأن يجمع أخطاء سفيان الثوري، وكان قصده من جمع أخطاء سفيان هو أن يبين الخطأ في سفيان حتى لا يقع الناس فيه، لكن هذا فيه زيادة، قال: «فعقرني كلب، والله ما عقرني قبل ذلك، فعلمت بأن هذا بسبب همي أن أجمع أخطاء سفيان». انظروا إلى بصيرة هذا العالم! كيف أنني أريد أجمع أخطاء رجل صالح، لكن هنا جمع الأخطاء كان فيه زيادة، ليست من أجل تمحيص السنة أو من أجل لا، إنما هنا زيادة، اعتاد على جمع الأخطاء، اعتاد على النقد وعلى استخراج العلل، وهكذا فأصبح هناك زيادة حتى يبرز للناس أن سفيان الثوري عنده كذا وكذا من الأخطاء.
لماذا تبرز الأخطاء إذا ما كانت هناك مصلحة؟ فهنا لما عقر الكلب، علم بأن هذه رسالة إلهية، هذا الفهم هو فهم أهل الإيمان، أهل الإيمان يفهمون هذه المعاني. القصد أن الله يبتلي هذا الإنسان، فإن فهم هذه الرسائل عاد ورجع وأناب مثل داوود عليه السلام، علم أنما فتن، ﴿إِنَّا فَتَنَّا هُمْ فَتْنَةً﴾ [الأعراف: 168]، فاستغفر ربه وأناب، علم بأن هذه الفتنة وقعت بسبب تقصير، إذاً لا بد أن أرجع، الآن الله يريد مني أنا، لا يريد مني أن أكلم الناس، يريد مني أنا أن أقوم أصلي، أنا أقوم أدعو، أنا أقوم أعود إليه وألجأ إليه سبحانه وتعالى.
ثم قال: انظروا الآن، انظروا هذا المعنى الشريف للمنيف العادي، ثم بعد ذلك انظروا كيف ينتقل ويقول: ﴿وَمَن رَّحِمَهُ اللَّهُ سَاتَرَهَا﴾ على أكثر أعماله. لماذا؟ لأن هذه الأعمال لو عملت عملاً مدخولاً، أي مردوداً، فإن العبد يتوقف عن العمل فيصيب ماذا؟ اليأس والقنوط. لا، اعمل وصحح عملك، لا تتوقف.
انظروا إلى الميزان يا إخوان، لا تتوقف عن العمل لأن عملك مدخول، بل تب إلى الله وصحح هذه الأعمال. الإنسان الآن كم سنة يعمل؟ ممكن هذه الأعمال أكثرها ما قُبلت، ولو كُشف له هذا الحجاب لمكن يترك العمل، لكن استمر وصحح؛ لأن الإنسان هنا إذا ترك العمل يصاب باليأس والقنوط، وهذا يصاب بما هو أعظم من هذا.
الناس بين ثلاث أحوال: أما يأمن بمكر الله -والعياذ بالله- وهذه مرتبة قد توقع هذا الأمن في كبائر، وقد توقع الشخص بالكفر والعياذ بالله. وفي المقابل، اليأس والقنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى، وهذا كذلك قد يوقع الشخص بالكفر. والمرتبة الوسط هي الجمع بين الرجاء والخوف، وهذا هو الذي يريد الله سبحانه وتعالى منك.
هنا هذا الإنسان مردود عمله، وممكن يتوقف عن العمل. يُنقل عن أحمد بن مسكين -وهذه قصة مشهورة ذكرها الرافعي رحمه الله تعالى- بأن رجلاً كان يقال له أحمد بن مسكين، وقد افتقر وذهب يطلب المال، فأتى رجل وسأل: أين أحمد بن مسكين؟ فعرض له فأعطاه المال، فرجع واشترى رغيفين من الخبز وانتقل إلى بيته ليطعم أولاده.
فلما رجع في الطريق، رأى امرأة ومعها ابنتان، فلما رأت الرغيف سألته أن يعطيها، وذكرت له بأنها وابنتيها منذ مدة لم يأكلوا الطعام، فرقق له الحال وأعطاهم الرغيفين ولا يملك شيئاً غيرهما. فلما أعطاهم الرغيفين، قامت المرأة ودعت له وبكت.
يقول أحمد بن مسكين: بعد ذلك نمت ورأيت في المنام أن القيامة قد قامت، فيؤتى بأعمال يوم القيامة لتُعرض، فإذا بالعمل مدخول، فيُكتب تحت العمل: مدخول، فيُرمى به. يقول: حتى ثقلت السيئات، ولم يعد عندي أعمال صالحة، فقنت بدخول النار. فجاء بالرغيفين ووُضعا في الميزان، فاعتدلت الكفة وتساوت الحسنات مع السيئات، بل إن الحسنات ثقلت حتى اقتربت من ميزان السيئات. ثم أوتي بدعاء المرأة وبدا يثقل ميزان الحسنات حتى اعتدلت الحسنات مع السيئات، ثم أتي بدموع المرأة فوُضعت في ميزان الحسنات، فثقلت الحسنات ودخل الجنة.
القصد من هذا أن الإنسان ما يدري، زفر بن الهذيري رحمه الله تعالى لما مات، قيل له: ما صنع الله بك؟ قال: لولا سنتان لهلك زفر. فكان في آخر سنتين من عمره أقبل على قراءة القرآن، وقبل ذلك كان منشغلاً. وكذلك لما رُئي الخليل بن أحمد الفراهيدي وسُئل عن الأدب والعلم الذي كان ينشغل به، فقال: ما وجدنا نافعاً مثل «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، وكثير مما كنا نتعلمه رأيناه هباءً منثوراً. وفي رواية أنه قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله».
هذا هو الذي يبقى، الباقيات الصالحات. أما كثير ما يظنه الناس علماً أو عملاً أو مثمراً فهو غير مثمر، الذي يثمر هو الذي يبقى. وليس معنى هذا أن يترك الشخص طلب العلم، لكن لا يتوسع الشخص على حساب العلم النافع؛ فالله يريد منك أن تعمل مثل هذه الأعمال.
في المقابل هناك أسوأ القنوط والاستحسار، وترك العمل وخمود العزيمة وفتور الهمة. عندما يكشف الإنسان هذه الأشياء ممكن يترك ولا يعمل ونفسه تفتر عن الاستمرار. ولهذا لما ظهرت رعاية أبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي واشتغل بها العباد، عطلت منهم مساجد كانوا يعمرونها بالعبادة. والطبيب الحاذق يعلم كيف يطب النفوس، فلا يعمر قصراً ويهدم مصراً.
أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي، الإمام أحمد رحمه الله هجر، واختلف العلماء لماذا هجر؛ قيل لدخوله في علم الكلام، وقيل لتقشفه. والحديث عن النفس بما ليس هو من هدي السلف الصالح، وزيادته في هذا الباب، تجعل الإنسان ينشغل بإصلاح نفسه على حساب العمل. وهذه الموازنة بين إصلاح النفس وتزكيتها هو: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2].
هذه المعادلة هي الموازنة بين التعلم وتزكية النفس والعمل والدعوة. والعصر أن الإنسان في خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. هذه الموازنة هي التي ينبغي أن نأخذها من الإسلام. قد يزيد عند شخص باب التزكية فيعظم عنده هذا الباب، فيدخل من خلال تزكية النفس إلى ترك العمل الذي يحب الله سبحانه وتعالى، فلا يحصل التزكية التي يريدها الله.
شرح ذلك في مدارس السالكين، وفي القرآن الكريم، وفي السيرة النبوية؛ ما أستطيع أن أشرحه بكلمات عابرة. مثل قراءة هذه الكتب هي التي نريد من خلالها أن نصل في النهاية إلى ضبط مثل هذه الموازنات. هذه الموازنات ليست نظرية صرفة، بل هي تطبيق في الأفراد، ففرد مع فرد، حتى يستقيم الميزان عند الشخص.
أما الشخص الذي يريد أن يزكي نفسه، فماذا نقصد بالتزكية؟ هل معنى هذا أن نعتزل الناس ونجلس في بيوتنا أو في المساجد ولا نعمل ولا نجاهد ولا ندعو إلى الله بحجة النفس؟ إلى الآن لا شك أن هذا خطأ. وهل معنى هذا أن نخوض المعركة من غير أن نعتني بالتزكية ولا نبالي بقلوبنا؟ هنا لن تستطيع أن تستمر.
ما الحل؟ الحل يا أيها المزمل ويا أيها المدثر: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * أَوْ ن half لَيْلًا﴾، و﴿قُم فَأَنذِرْ﴾. هذا هو الجمع بين هذا وهذا، مع تعظيم الله سبحانه وتعالى في القلب.
والعيش مع القرآن الكريم وهكذا، وتبدأ هذه الأمور تنضبط عند الإنسان. فهذه المعاني مهم جدا أن يستوعبها الشخص في تعامله مع نفسه وكذلك مع غيره.
لذلك انظر كيف أن ابن القيم يدخل من بين العمل والقلب مسافة، ثم بين القلب والرب مسافة، ثم يقول: هذا كله لا يحملك على أن تتوقف عن العمل. لما تعيش مع الإخلاص ودقائق النفوس وعلل النفوس، وإن شخصاً ما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه؛ يقول ابن تيمية: «تظن تفعل لله». فالنفوس تفعل كثير من الأشياء ليس لله سبحانه وتعالى وهي تظن أنها لله. كيف تظن لله وهي ليست لله سبحانه وتعالى؟ لأن النفس تكون لها ميول لهذا الأمر ولها رغبة ما تجردت النفس من هواها.
فهنا كما قال الإمام أحمد رحمه الله: قيل له طلبت العلم لله؟ قال: «لله عزيز ولكن أمر حبب إلي فطلبته». ما معنى هذا الكلام؟ لله عزيز ولكن أمر حبب إلي فطلبته، أي نفس الإمام شريفة، هو نفسه مالت إلى العلم، ليس من أجل العلو على الآخرين، ليس من أجل العجب، هو ما طلب العلم الآن من أجل أن يقول الناس إنه عالم. «لا تطلب العلم لتمار به السفهاء، ولا تجار به العلماء، ولا تطلب العلم لتصرف به وجوه الناس إليك، فمن فعل ذلك فالنار». هو لم يطلب العلم من أجل هذا القصد، إنما طلب العلم لأن نفسه مالت له هذا الميل، وحملها بعد ذلك إلى أن تكون لله سبحانه وتعالى، فالنفس شريفة لأن النفس نفسها كانت شريفة.
من ذلك أن هنا الإنسان ممكن يفعل عملاً ويظن بأنه يفعل لله لكن هو حقيقة ليس لله. كيف أعرف؟ أقول لك: تحت هذا الغطاء الذي هو لله سبحانه وتعالى، لو ترك هذا الطالب تستمر ولا ما تستمر؟ أنت الآن تعمل. مرة يحدثني أحد الأشخاص ويقول بأننا كنا نطلب علم المشايخ، وكان يحضر هو ومعه أحد عشر طالباً، وشخص آخر عادوه؛ صار هكذا خلاف بين الطلاب، وهذا المعلم الذي كان يعلمهم قالوا له: إما نحن أو فلان. طبعاً هو حسبها مادية، تعامل مادي، فاختار هؤلاء الطلبة وما اختار هذا الطالب فاعتذر منه، وصرفه من المجلس فانصرف ذاك الطالب، وبقي هو مع هؤلاء، ثم هؤلاء كلهم أصبح بينهم وبينهم مشاكل ولم يبر إلا هذا الطالب؛ هذا الطالب الوحيد الذي استُبعد لأنه صان شرفه فرجع إليه وأخذ يبر هذا المعلم.
هذا المعلم ما تعامل مع الله، هذا اختبار هنا. التعليم لم يكن لله، ظن بأن جالس يدرس الناس الكتب إلى آخره، لكن هذا التدريس ما كان لله، إنما أجّر طلبه؛ فلذلك إذا قل الطلبة حزنت، إذا ذهب الطلبة الذين تريدهم خلاص تغلق المجلس. أنت ما عملت لله، أنت الآن عملت لهؤلاء، لهذا الإنسان، هذا هو الاختبار. هنا يكشف الله سبحانه وتعالى للعبد حقيقة عمله، ولا بد هذا الإنسان الذي يعمل لله سبحانه وتعالى يعطيه رسائل يبين له. لا يظن الإنسان بأن هنا يعمل الأعمال ثم هو ما يمكن أن يعرف، لا، هنا هناك علامات وهناك قرائن تظهر: هل أنت الآن فعلت هذا لله سبحانه وتعالى أو لغير الله؟
هذا الشيء الإنسان يراه في نفسه، وكذلك الشخص مثل ما ذكر هنا الإمام، أن ما يعتني بتسكين النفس وتدقيق ما يخرج من مساء النفس والنظر في علل النفوس إلى آخره، النظر الذي يحمل الإنسان على ترك العمل. فهنا نحتاج إلى موازنة في تعليم الناس؛ يعني لما نتكلم عن الإخلاص مهم نتكلم عن الإخلاص، نتكلم عن خطر العجب، ونعظم الله سبحانه وتعالى في النفوس والقلوب، لكن مع هذا نراعي حال الناس، ما يكون كلامنا حاملاً لترك الناس؛ لأن إذا تكلمنا بهذه الطريقة وأكثرنا من غير أن يكون مع هذا دفع للعمل والاستكثار وبيان، رحمه الله سبحانه وتعالى، هنا ممكن الشخص يترك -والعياذ بالله- العمل فيتوقف عن العمل ولا يستمر في هذا الطريق، وهذا له شرح.
ثم قال بعد ذلك الإمام ذكر منزلة التذكر: «ثم ينزل القلب منزلة التذكر وهو قرين الإنابة». قال الله تعالى: ﴿مَا تَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ [ق: 3]، وقال: ﴿وَتَذْكِرَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 8]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. ثم قال: «والتذكر والتفكر منزلان يثمران أنواع المعارف وحقائق الإيمان والإحسان، فالعارف لا يزال يعود بتفكره على تذكره، وتذكره على تفكره، حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم».
قال الحسن البصري رضي الله عنه: «ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، ويناطقون القلوب حتى تنطق». ما معنى هذا الكلام العالي والنفيس؟ المقصود هنا أن الإنسان يتفكر في معنى معين، يتفكر في السماوات، يتفكر في آية من القرآن الكريم، التفكر في كتاب الله سبحانه وتعالى المنظور أو المصدور، هذا التفكر يشكل في ذهنه صورة معينة، هذه الصورة مع خطأ الناس ومزاحمتهم ينسى أحياناً، فلما ينسى يسمع آية القرآن الكريم يتذكر المعنى الموجود عنده، فهنا يعود التفكر على التذكر والتذكر على التفكر فيفتح القلب ويعمر القلب بالإيمان.
ركزوا معي الآن، هذا الكلام يقول هنا الإمام كلام عبد مفتوح عليه فتح عظيم، يعني هو الآن ينظر في عين البصيرة، هو وصل إلى درجة إيمانية عالية بدأ يفهم هذا الكلام. لما تقرأ أنت الآن، في كثير منا يقرأ القرآن الكريم الحمد لله، لكن لما نمر على مثل هذه الآيات: الذكرى، والإنابة، والتفكر، ما الفرق بينها؟ تفتح كتب السلف تجد أن المعاني واحدة؛ يعني لما تقرأ في التفسير مثلاً كلمة منيب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾، تجد معاني كثيرة، وكل هذه المعاني تدور حول معنى معين محدد. هنا يأتي الإمام ابن القيم ويجمع معاني كلام السلف، يقول لك بأن كلام السلف رضي الله عنهم ورحمهم تدور حول هذا المعنى. كيف ابن القيم عرف هذا الشيء؟ عرف هذا المعنى لما فتح الله سبحانه وتعالى عليه به، يعني هو الآن لا يتعامل مع نفس ما يقرأ، تعامل الشخص الذي يجمع الكلام؛ لا، هي ليست بالطريقة، لو تجمع ما تجمع لن تفهم، لأن هنا ليست المشكلة في جمع الكلام إنما...
مرتبة إيمانية معينة وصل إليها الإنسان، بدأ يستوعب إطلاق البشر لهذه المعاني؛ فالسلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم وصلوا إلى درجات عالية جدا بفهم الإسلام.
ابن القيم كثيرا ما يذكر، يقول: «الفقيه.. كل الفقيه.. الفقيه في دين الله.. هذه المراتب تحتاج إلى الأبصار، تحتاج أصحاب البصائر، تحتاج إلى كذا..». طيب، هذا ما معناه؟ هذه الكلمات الكثيرة، كم مرة الآن كرر ابن القيم هذه الكلمات؟ لماذا يكررها بهذه الطريقة؟ لأن هو الآن يستشعر بأنه ما يستطيع أن يعبر عن كل شيء، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى أعطاه بيانًا. ابن القيم هنا كم مثل ضرب، حتى يقرب الصورة التي يريد، أو يعجز قلمه عن إيصالها؛ هذا هو الفتح.
طبعًا هذا على مراتب على الإطلاق، وذكر في المقدمة وذكرنا تعليق الإمام لما قال بأن الناس يقرأون كلام السلف لكن ما يستطيعون، وكثير منهم يظن بأن كلمات السلف أو عبادة السلف هي عبادة العوام، ويظنون بأن ما هم عليه من العبادة هي أعظم، هي ليست به الطريقة، لكن هم ما استوعبوا غور كلمات السلف ولم يستوعبوا قبل ذلك نفس الدين؛ لذلك ينظرون لهذا النوع من العبادة الذي ينقل على السلف الصالح بأن عبادة عادية.
هم لا يفهمون كلامهم لأنهم ما استوعبوا هذه المعاني، وابن القيم مفتوح عليه فتح عظيم، وهذا من العلم الذي خبأه الله سبحانه وتعالى لابن القيم رحمه الله تعالى، وأعطاه الله سبحانه وتعالى إياه؛ فكرمه موجود سبحانه وتعالى لهذا الرجل الذي نحسب ونزكي على الله بأنه صدق مع الله سبحانه وتعالى حتى بلغ الله سبحانه وتعالى هذه المراتب التي يفهم الفهم الذي لا يفهم أكثر الناس.
ولما تقرأ في تفسير ابن القيم هنا في الآيات يذكرها، وجمع في كتاب بدا التفسير ثلاث مجلدات، ما يقول أحد؛ كلام الذين يقولون: «ابن القيم هنا لا»، لو تقرأ ما تقرأ من كتب التفسير ما تجد أحدًا يقول مثل ما يقول ابن القيم. هذه فتوح، هذا العلم فتح، هذا ليس علم جمع، هذا ليس علم عبارة عن جمع وكثرة اطلاع فقط، إنما هذا فتح من الله سبحانه وتعالى، عطاء من الرب سبحانه وتعالى لهذا الإمام الجليل.
القصد من ذلك أن الإمام رحمه الله تعالى يتكلم الآن عن التفكر والتذكر؛ الآن تقرأ في القرآن الكريم: ﴿تِلْكَ آيَاتُهُ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القلم: 2]، تبصرة وذكرى لكل عبد، تفهم فهمًا عامًا. ولما تمر كذلك على آيات الفكر والتفكر تمر عليها مرورًا، ثم لما تقرب بالتفاسير تمر هكذا مرورًا سطحيًا، ليس يعني ما تفهم الكلام؛ ما العلاقة بين الفكر والذكر؟ ما العلاقة بين التفكر والتذكر؟
حتى لما يقولون كلام الحسن البصري لما يقول: «ما زال أهل العلم يعودون بالتفكر على التذكر، وبالتذكر على التفكر، ويناطقون القلوب حتى ناطقت». طيب، إيش معنى هذا الكلام؟ حتى لما تقرأ كلام ابن القيم هنا ممكن يكون في نوع إغلاق؛ ليس من ابن القيم، ابن القيم هنا وسع أو بين أو قرب الصورة بما لا تجده في كتاب آخر.
ماذا يقصد ابن القيم هنا؟ يقصد رحمه الله تعالى فيما أفهم أن الإنسان يتفكر، فلما يتفكر هذا التفكر يوصله إلى حقيقة معينة، إلى صورة معينة، ثم بعد ذلك هذا الإنسان ينشغل في الحياة، ينشغل في العمل وهكذا، فتذهب صورة هذا المعنى الموجود عنده. فلما يسمع آية القرآن الكريم يتذكر الصورة الموجودة عنده، ثم لما يتذكر الصورة الموجودة عنده ينظر إلى النقص الذي كان موجودًا فيكمل هذا النقص فيبدأ يرتقي، ثم بعد ذلك يتفكر حتى يحصل معنى جديد، ثم بعد ذلك يتذكر حتى يصلح المعنى الذي حصل من خلال التفكر، وهكذا حتى يفتح القلب.
فلما يفتح القلب يستقر فيه الإيمان، لما يستقر فيه الإيمان يبدأ هذا الإنسان يتذكر، وما يتذكر إلا أولو الألباب؛ يعني هنا أصحاب الألباب وأصحاب العقول، لما تمر عليهم آيات القرآن الكريم يكون تفاعلهم معها أعظم بكثير من تفاعل الذي إلى الآن ما فتح قلبه.
واضح يا إخوان هذا المعنى؟ الآن الإنسان يتفكر في سورة القلم، يتفكر في سورة الإخلاص، يتفكر يعيش مع اسم الله الصمد، يعيش مع ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يعيش مع هذه الآيات تحصل عنده صورة معينة، ثم بعد ذلك هذا الإنسان يعود بهذا التفكر، ثم يأتي هذا الإنسان ويتذكر، فيرجع إلى فهمه للتوحيد ويبدأ يرتقي به ويعلو به، ثم بعد ذلك يتفكر فيحصل معنى جديد، ثم يتذكر فيصلح من حال هذا المعنى ويبدأ يرتقي ويرتقي حتى يفتح هذا القلب وتتمكن من هذه المعاني، حتى هذا الإنسان يفهم ما لا يفهم غيره.
والله رأيت في الحياة أناساً من العباد، ناس صالحين جداً يتكلمون مع الله كأنهم يرونه، يتعاملون مع الله سبحانه وتعالى كأنهم ينظرون إلى الله سبحانه وتعالى، مع أنه شخص واحد منهم، إنسان بسيط.
مرة أحد الأشخاص، كنا نصلي المغرب، وبعد صلاة المغرب بكى إلى صلاة العشاء، هو رجل قوي صلب لكن ما استطاع يتحمل، فحتى الناس بدأوا يهدئونه، فقال: «أبكاني الرحمن، أبكاني الرحمن الرحيم». الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الرحمن الرحيم، يقول: «أبكاني». فسألته: «تعرف الفرق بين بسم الله الرحمن الرحيم وبسم الله الرحيم؟» فقال: «ما أعرف، بس أعرف أنه رحيم وأعرف أن رحمته واسعة وأعرف بأن الله سبحانه رحمني بكذا وكذا وكذا». بدأ يعيش الآن مع اسم الله سبحانه وتعالى الرحمن والرحيم.
وهذا الإنسان لما يتكلم عن الشيطان، لما يتكلم عن الولاية، يتكلم عن الصدق، يتكلم بكلام قريب من كلام ابن القيم، أنا ما سمعت هذا الكلام من العلماء لكن سمعت من أمثال هؤلاء؛ رجل صالح جداً ويتكلم بكلام يفهم شيئاً ما، مثل ما هنا يتكلم ابن القيم. هذه الأبواب ليست عبارة عن معلومات، هذه أبواب نور الله يقذفه في القلب، ولكن يشترط أن يكون حال الإنسان على الاستقامة حتى ما يضلها الشيطان.
ليس معنى كلامي الآن أن هذا الإنسان يكون غاويًا مع الشيطان، لا؛ ابن رجب وابن القيم قبل ابن القيم، وابن تيمية قبل ذلك ذكروا بين العلماء ثلاثة: الأول العالم بأمر الله، وأول شيء العالم بالله والعالم بأمره، هذا أعلى المراتب، هذا أحمد بن حنبل، لكن الثاني العالم بالله وإن لم يكن عالماً بأمره، هذه الشريحة ما زالت موجودة، شريحة بشر الحافي.
هذه الشريحة ما زالت موجودة، والله إني أعرف امرأة أنها قبل أن تستخير تدعو الله وتذكر الله ساعات، ساعات. انظروا إلى الاستخارة، كنت أتعجب من حال هذا النوع من الناس؛ كيف الشخص يستخير ثم بعد ذلك يوجه توجيهًا، يرى في المنام أنه يُكتب له افعل كذا.
لما سألت عن طبيعة الاستخارة التي تستخيرها هذه المرأة، قالت: قبل أن تقول "اللهم إني أستخيرك بعلمك"، تصلي وتذكر الله أربع ساعات، تجي تقول: أستغفر الله، أستغفر الله، الله أكبر، سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، يا ذا الجلال والإكرام، تقولها 2000 مرة. ثم بعد الأربع ساعات هذه تقوم تصلي ركعتين وتقول: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم".
هي الآن تنظر إلى الله، هي تستشهد، هذا مقام المشاهدة؛ أن تعبد الله كأنك تراه، إن لم تكن تراه فإنه يراك. كأنها تشاهد الله، تقول: "يا رب أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن فعلي كذا وكذا خير لي في ديني ودنياي، وعاقبة أمري، فقدره لي ويسره لي وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن فعلي هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي، وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه، واكتب لي الخير حيث كان ثم رضني به".
هذه الاستخارة، ليست مثل استخارة شخص يقوم ركعتين ثم يقول: "اللهم أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم إنك تعلم"، ثم يقول لك بعد ذلك استخرت، وماذا؟ ترى في المنام يقال لها افعلي كذا، أو ترى مكتوبًا في السماء افعلي كذا أو لا تفعلي كذا. هذا الكلام لو ما رأيته في نفسي واستمعت له ممن يقع معه وتكرر عدة مرات، والله ما يصعب علي تصديقه، ممكن لما أقرأ من الكتب أصدقه، لما أقرأ أن ابن تيمية وقع معه كذا، أو قيل في السلف الصالح، نعم ممكن أصدق، لكن ترى في واقعك في حياتك هكذا المشاهدة.
هناك ناس تصل مرتبتهم مع الله إلى هذه الدرجة، مثل هذه النوعية؛ امرأة ابنها عاق وإنسان فاسد، تقول: لم أزل أقوم في ثلث الليل الأخير وأدعو الله كأنها تنظر إليه حتى استقام، حتى أصبح ابني بعد ذلك إذا سمع الأذان يفزع، تقول الآن استقام. كيف هذه علاقتها مع الله سبحانه وتعالى؟ هؤلاء ما عندها حرام ولا تعرف الحرام ولا تأكل الحرام، وتعاملها مع الله تعامل العبد مع الرب، تعامل العبد الضعيف المسكين المنكسر مع الرب.
هؤلاء ممكن الذي يفهم هذا الكلام يفهم معنى قول النبي ﷺ: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟». هؤلاء كما قال نور الدين زنكي لما قيل له ماذا تتم بالفقراء والمساكين، وهو قائد كبير، فقال: "انظر"، ففهم هذا الإمام الكبير أن الله سبحانه يجعلهم سببًا في فتح بيت المقدس وتسهيل الطريق لصلاح الدين، هذه كرامة إلهية. يقول بأن عندي جيشين: جيش من هؤلاء العساكر الذين يقاتلون، وجيشًا أعظم منهم هم هؤلاء أصحاب الليل الذين يصلون في الليل ويدعون، هؤلاء هم الذين يأتي معهم النصر.
إذا وجد الناس هذه الشرائح، وإذا وصلنا في التزكية الإيمانية إلى أن نكون ناسًا بهذه الطريقة في التعامل مع الله سبحانه وتعالى، هنا يأتي النصر، هنا يأتي الفتح، هنا ينتقل واقع الأمة. أما قبل ذلك، فالمشكلة تعود إلى هذا القصد، هنا ابن القيم يتكلم عن التفكر والتذكر؛ فهنا تفكر يصنع عندك صورة معينة، ثم تتذكر فتصلح هذه الصورة وتنميها، ثم يأتي تفكر بصورة جديدة، وهكذا حتى يفتح القلب ويستقر فيه الإيمان.
إذا استقر الإيمان في القلب، هنا يصل العبد إلى المرتبة التي ذكرها هرقل لأبي سفيان، لما قال: "كذلك الإيمان إذا خالط بشاشات القلوب". خلاص، القلب الآن اختلط مع الإيمان فدخل الإيمان القلب وأغلق عليه، فهذا الإنسان ما يترك لو حدث معه ما حدث، لأن هذا العمل نفعه والإيمان تمكن من قلبه تمكنًا كبيرًا.
ننتقل الآن إلى الوقفة الأخيرة؛ لما ذكر هنا الناس الثلاثة، قال ابن القيم: "رجل قلبه ميت، ورجل قلبه حي مستعد لكنه غير مستمع للآيات المتلوة التي يخبر بها عن الآيات المشهودة، ثم قال: والثالث رجل حي القلب، مستعد، تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه وألقى السمع وأحضر قلبه ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه، فهو شاهد القلب، ملقي السمع، ملقن السمع، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة والمشهودة".
"فالأول بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر، والثاني بمنزلة البصير الطامح ببصيرته إلى غير جهة المنظور إليه فكلاهما لا يرى، والثالث بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور إليه وأتبعه بصره". طبعًا هنا يتكلم عن قول الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 36-37].
ثم قال: "فإن قيل فما موقع أو من هذا النظم على ما قررت؟ قيل فيها سر لطيف، ولسنا نقول إنها بمعنى الواو كما يقوله ظاهرية النحاة، فاعلم أن الرجل قد يكون له قلب وقاد مليء باستخراج العبر واستنباط الحكم، فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نورًا على نور، وهؤلاء أكمل خلق الله تعالى وأعظمهم إيمانًا وبصيرة". حتى كان الذي أخبرهم به الرسول ﷺ قد كان مشاهداً لهم، ولكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه، حتى قيل إن مثل حال الصديق رضي الله عنه مع النبي ﷺ كمثل رجلين دخلا دارًا، فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزيئاتها، والآخر وقعت يده على ما في الدار ولم يرَ تفاصيله ولا جزئياته، لكن علم أن فيها أمورًا عظيمة، لم يدرك بصره تفاصيلها، ثم خرج فسأله.
عما رأى في الدار، فجعل كلما أخبره بشيء صدقه لما عنده من شواهد، وهذه أعلى درجات الصديقية. ليست الصديقية -إنما أعلى درجات الصديقية- ولا تستبعد أن يمن الله المنان على عبد بمثل هذا الإيمان، فإن فضل الله لا يدخل تحت حصر ولا حسبان.
فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نور من البصيرة، ازداد بها نورًا إلى نوره. فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب، فألقى السمع وشهد قلبه ولم يغب، حصل له التذكر أيضًا. فإن لم يصبها وابل فطل، والوابل والطل في جميع الأعمال وآثارها وموجباتها.
وأهل الجنة سابقون مقربون، وأصحاب يمين، وبينهما في درجات التفضيل ما بينهم؛ ما حتى إن شراب أحد النوعين الصرف يطيب به شراب النوع الآخر ويمزج به مزجًا.
قال الله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: 6]. وكل مؤمن يرى هذا، ولكن رؤية أهل العلم لون، ورؤية غيرهم لون.
القصد من هذا هنا أن الناس يتفاوتون في هذا الأمر، فإذا الشخص كان له قلب وقاعد، وهذا القلب مستغفر دائمًا ومطمئن دائمًا للإيمان، وهذا القلب صافٍ، هذا الإنسان بمجرد أن يطرق الحق يكون عمل الآيات والأحاديث معه أقوى بكثير من عمل الشخص الذي ليس له هذا القلب.
فالمنتفع هنا اثنان: إما أن يكون له هذا القلب، أو هو يسعى جاهدًا لأن يصل للدرجة، فيكون هو مستمعًا، يعني هكذا يلقي بسمعه، والاستماع مع حضور القلب، يعني مع محاولة إحضار القلب، بخلاف الذي يسمع من غير أن يستمع؛ هذا ينتفع وتؤثر فيه الآيات، لكن تأثير الآيات في هذا غير تأثير في هذا.
القرآن ماء صافٍ، لكن نفس هذا القلب كيف هو؟ هل هذا القلب أرض طيبة جدًا بحيث إنها تثمر، يثمر هذا الماء فيها هذا الثمر الطيب الشهي؟ أو تكون الأرض أقل من ذلك فيثمر فيها لكن ثمر أقل من هذا الثمر؟ وهكذا فعلى حسب حال القلب.
فهنا مثل الضربة المتعلقة بالصديق مع النبي ﷺ، هذا مثل عالٍ جدًا، لذلك الصديق هنا مجرد أن أخبره النبي ﷺ بأي شيء يقول له النبي ﷺ: «صدقت». كيف يقول صدقت؟ هذا القلب الصافي النقي، وهذه المرتبة هي التي يتنافس عليها أهل الصلاح، هذه المرتبة هي التي يتنافس عليها الناس.
لا شك أن هذه عطايا وكرامات إلهية، هبها الله سبحانه وتعالى لمن يشاء من عباده. نقف عند هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري