دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 15 | منزلة التذكر

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل التعليق على مدارج السالكين، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند منزلة التذكر، وما زلنا في هذه المنزلة، وفي هذا اللقاء عندنا عدة وقفات في هذه المنزلة.

الوقفة الأولى متعلقة بالعيش مع أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته. الله سبحانه وتعالى أنزل هذا الكتاب العظيم حتى يدلنا عليه، حتى يعرفنا من هو سبحانه وتعالى، وذكر هنا ابن القيم رحمه الله تعالى ما ذكره له شيخ الإسلام من قوله: كان شديد اللهج بقوله: «يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت»، وكان يذكر بأن اسم الله سبحانه وتعالى الحي والقيوم لهما من التأثير الشيء العجيب. هذا الباب فتحه ابن تيمية لابن القيم، وحقيقة هذا الباب هناك قصور كبير جداً في التعامل معه، والناس يتعاملون مع هذا الباب تعاملاً غير التعامل الذي ينبغي أن يتعاملوا معه فيه، وهذا من الأبواب الكبيرة التي أغلقها الشيطان على الناس، إلا من عصم الله سبحانه وتعالى من فتنة الشيطان.

الحديث عن هذا الباب حديث طويل، وربما تكلمت عنه في عدد من المواطن، لكن الذي أريد الآن أن أذكره مناسباً للحال، أن التعرف على أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته، والعيش مع هذه الأسماء وحسن دعاء الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء، يحتاج من الإنسان أن يعطيها أولوية. الشخص ممكن يتشتت في كثير من المشاريع والأعمال والنشاطات إلى آخره، وفي ظل انشغاله في هذه المشاريع والأعمال والعلوم التي يتعلمها، ينسى هذا العلم الذي هو أصل العلوم على الإطلاق، الذي هو من أجله نزل القرآن الكريم، والذي ارتباطه بالقرآن الكريم أو بشرع الله سبحانه وتعالى وكذلك بقدر الله ارتباط وثيق.

فالله سبحانه وتعالى لما يختم الآيات باسم أو باسمين من أسمائه، الله يريد أن يعرفك من هو، يريد أن تعرف من هو الحليم، من هو العزيز، من هو الحكيم، من هو الغفور، من هو أرحم الراحمين، من هو شديد العقاب، وهكذا. فالله سبحانه وتعالى لما يختم هذه الآيات يختمها حتى تعرف من هو الله سبحانه وتعالى، من هو العزيز، من هو المتصف بهذه الصفات. لذلك الشخص لما يحفظ القرآن الكريم ويقرأ القرآن الكريم كثيراً، ربما يمر على هذه الآيات ويكون حريصاً دائماً على ضبط المتشابه إلى آخره، ويغفل بأن الله هنا يقول عليم خبير، هنا يقول حكيم عليم، هنا يقول هذا مقصود، هذا مقصود. إذا لم تستوعب هذين الاسمين في السياق، وليس الاستيعاب العام؛ هذا الباب لا يؤخذ من الكتب المصنفة بالأسماء الحسنى.

يأتي شخص ويقرأ كتاب العالم الفلاني أو الشيخ الفلاني إلى آخره في معنى اسم الله الرحيم، معنى اسم الله الرحمن؛ ينتفع انتفاعاً عاماً وليس انتفاعاً خاصاً. انتفاع خاص تدخل في قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق: 33]، لماذا قال الرحمن هنا؟ واضح هنا تنتفع، هنا تعرف لماذا إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، لماذا قال غفور رحيم؟ لماذا أيوب عليه السلام قال: ﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]، لماذا اختار هنا أرحم الراحمين؟ وهكذا، فلما تبدأ وتستنطق مثل هذه المعاني، هنا يبدأ هذا الباب يفتح للإنسان ويعيش الإنسان معه.

والناس يتفاوتون تفاوتاً عظيماً جداً في فقه هذا الباب، وأصل هذا التفاوت مبني على صدق هذا الإنسان وعلى تملق العبد لربه سبحانه وتعالى وحسن التجائه به، والعيش الدائم مع القرآن الكريم، والنظر إلى استعمال القرآن الكريم لهذه الأسماء، وكذلك النظر إلى أنبياء الله سبحانه وتعالى كيف استعملوا هذه الأسماء، كيف استعمل عيسى عليه السلام اسم الله العزيز والحكيم، وإبراهيم استعمل اسمي الله سبحانه وتعالى الغفور الرحيم، لماذا؟ ما الذي تغير؟ هذه الطريقة في التعامل مع أسماء الله سبحانه وتعالى تبدأ تكشف للإنسان هذه المعاني، ويبدأ هذا الإنسان يعيش مع أقدار الله سبحانه وتعالى من خلال أسمائه سبحانه وتعالى.

فلما تقع النازلة هو يعرف الآن أي اسم يعيش معه، لما يغفل وينسى أي اسم يعيش معه، لما يحدث كذا وكذا أي اسم يعيش معه، لما يريد أن يدعو الله سبحانه وتعالى أي اسم يختار؟ وما هو الأمر الذي ستدعو الله سبحانه وتعالى فيه الآن؟ تريد أن تدعو الله سبحانه وتعالى بذرية، ماذا قال زكريا عليه السلام؟ أي اسم اختار؟ ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89]، انظروا أي اسم اختار! لما تأتي وتنظر إلى دعوة إبراهيم عليه السلام بأن يرزق بأبناء، كيف كان يدعو الله سبحانه وتعالى، وكذلك دعوات الأنبياء وهكذا. فالقصد من ذلك أن كل اسم له موطن يدعو العبد به موطن أقوى من غيره. الذي يعيش مع أسماء الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة، هذا يفتح له هذا الباب؛ إذا ما أعطى الشخص هذا الباب أهمية، يعني هو في قلبه هذا الباب غير مهم كثيراً أو يتعامل معه تعاملاً عاماً، ما يفتح له هذا الباب، ما يفتح له هذا الباب سر من أسرار الله سبحانه وتعالى، وهذا الباب عطاء إلهي وكرامة ربانية، وهذا الباب هو الذي يفتح للعبد باب العلم بالله، والذي هو أشرف العلمين على الإطلاق.

ألا تتعجبون لما تقرؤون في كتب السير وتنظرون رجلاً مثل سفيان الثوري وهو من هو بالمنزلة والرفعة والعلم حتى كان يلقب بأمير المؤمنين بالحديث، يجلس مع الفضيل بن عياض، وسفيان من نعومة أظفاره يطلب العلم وهو من أعلى الناس في زمانه، ويجلس مع الفضيل بن عياض الذي كان له ماضي معين، وكان يجلس معه ويتمنى الجلوس معه والاستفادة منه وينتفع بعلمه؟ أي علم ينتفع منه سفيان؟ هل كان سفيان يستفتي الفضيل في العلم بأمر الله؟ أبداً، إنما كان ينتفع منه بالعلم بالله سبحانه وتعالى.

اجتمع مرة سفيان الثوري والفضيل بن عياض فتذاكرا في الليل فبكيا، فقال سفيان: إني لأرجو أن تكون هذه الليلة أعظم ليلة نلقى الله سبحانه وتعالى بها يوم القيامة، لماذا؟ لأنه جلس مع رجل عابد صالح وذكر الله سبحانه وتعالى وبكى. فقال: ترجو هذا؟ الفضيل يقول لسفيان: أما أنا فإني أخاف أن تكون هذه الليلة هي أشأم ليلة. فتعجب سفيان، انظروا هذا الرجل العالم الكبير يتعجب، فرد عليه فقال: لما؟ فقال: ألم تتزين لي وتزينت لك، فأخرجت أفضل ما عندك وخرجت أنا أفضل ما عندي، فرأيتني ورأيتك؟ فبكى سفيان. هذا الباب فقهه بهذه الطريقة عطاء إلهي وكرامة ربانية، ولا كيف رجل مثل الفضيل بن عياض كان له ماضي كذا وكذا، ثم بعد ذلك يصبح بهذه المنزلة؟

كيف فُتح له هذا الباب؟ لما تأتي عند معروف الكرخي، لما تأتي عند بشر الحافي، هؤلاء لم يكونوا من العالمين بأمر الله، يعني هؤلاء لم يكونوا ممن درس أو تعلم العلم الشرعي التفصيلي، لكن هو عنده باب العلم بالله عالٍ، الذي هو أشرف العلمين على الإطلاق. طيب هو كيف فُتح له هذا الباب وكيف عاش معه فيه؟ هذا هو الذي يعيش مع القرآن الكريم ويطلب أن يتعلم هذا العلم يفتح له، لكن الذي ينشغل بالعلم الآخر على حساب هذا العلم، على حساب يعني يعطي هذا أكثر من هذا بالأهمية، ما يفتح له كثيراً في هذا الباب. فالجمع بينهما لا شك أن هذا هو الكمال، الجمع بين العلم بالله والعلم بأمر الله هذا هو الكمال، وهؤلاء هم العلماء الكمل، لكن قصدي من ذلك أن العلم بالله سبحانه وتعالى أشرف من العلم بأمر الله سبحانه وتعالى، والله لما أنزل هذا الكتاب العظيم أراد أن يعرفنا من هو، بل حتى نفس الأحكام الشرعية القصد أو من ضمن مقاصدها أن تعرف من هو الله سبحانه وتعالى، كثيراً ما تختتم بأسماء الله سبحانه وتعالى حتى تعرف هذا المعنى الشريف والمنيف والعالي.

فهنا ابن تيمية رحمه الله تعالى كان يذكر الله كثيراً بعد صلاة الفجر أو بعد أذان الفجر، يذكر الله كثيراً بـ «يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت» ويقول: إني أرى لهذين الاسمين أثراً عظيماً. ابن القيم أخذ من ابن تيمية هذا المعنى الشريف والمنيف، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام»، «ألظوا» أي أكثروا أدمنوا بـ «يا ذا الجلال والإكرام». فالذي يكثر من هذين الاسمين «يا ذا الجلال والإكرام»، ثم يدعو الله، هذا كيف سيكون أثر دعائه وكيف ستكون حياة قلبه؟ أنا أعرف إحدى النساء قبل أن تدعو تذكر الله ألفي مرة بـ «يا ذا الجلال والإكرام»، ألفي مرة تقول «يا ذا الجلال والإكرام»، ثم تسأل الله سبحانه وتعالى بالذي تريده، فيقع دعاؤها. طبعاً هذا غير حياة قلبها؛ يعني استجابة الدعاء شيء، ونفس حياة القلب الذي يفتح الله سبحانه وتعالى للإنسان فيه بسبب الارتباط الوثيق بالله سبحانه وتعالى هذا شيء آخر. فالقصد من ذلك هنا الوقفة الأولى متعلقة في منزلة التذكر مما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى شارحاً كلام الهروي، هذا المعنى معنى العيش مع أسماء الله سبحانه وتعالى.

المعنى الثاني والوقفة الثانية التي نريد أن نقف عندها هنا: الانتفاع بالموعظة أو الانتفاع بالذكرى، لا يكون الانتفاع بالذكرى والموعظة إلا عند المفتقر إليها. الشخص محتاج إلى أن يتذكر، هذا لما يسمع الموعظة يتذكر، لما يكون الشخص صاحب حياة قلب، قلبه حي، هذا ما يحتاج إلى موعظة طويلة. من الذي يحتاج إلى الموعظة الطويلة؟ الذي قلبه بدأ يتغير، هذا يحتاج إلى موعظة طويلة حتى يصل أثر الموعظة إليه، بخلاف صاحب القلب الحي، هذا قد تعتريه الغفلة أحياناً لكن هذه الغفلة تقشع بأدنى موعظة. لذلك بعض الناس ما يحتاج في الأسبوع كله إلا إلى موعظة يسيرة، والباقي يكون قلبه حياً حاضراً معه في تنفيذ المراد، البعض لا يحتاج إلى أكثر من ذلك، وهكذا فالناس يتفاوتون بقدر حياة قلوبهم وافتقارهم لهذه الموعظة.

كذلك من ضمن المعاني المهمة التي يتكلم عنها هنا الإمام شارحاً كلام الهروي في تأثير الموعظة في نفوس الناس، نفس الواعظ لما يكون هذا الإنسان الذي يقوم بتوجيه الناس ممتثلاً لما يقوله، هذا يكون تأثير موعظته أقوى من الذي لا يكون بهذه الصورة وهذه الحال. وهنا وقفة، وقفة متعلقة بنفس المتحدث، ووقفة متعلقة بنفس المتلقي. أما بالنسبة للمتلقي فخذ الكلام بعيداً عن قائله، مر مرة عبد الله بن المبارك على رجل مجنون فتكلم بكلام نفيس بحكمة، فأخذ المحبرة وأخذ يكتبها، فقيل له في ذلك، فقال: جوهرة في مزبلة. جوهرة نعم، خرجت من شخص غير صالح ولكن هي الكلام نفسه، وهذا هو أرقى الناس وأعلى الناس في التأثر، هو ينظر للكلام بعيداً عن نفس القائل، هذا الآن نصيحة موجهة لمن؟ للمتلقي للمستمع، إذا أتاك شخص ما نصحك أو سمعت نصيحة معينة وإن كان الأسلوب غير مناسب، انظر إلى نفس الكلام ودع عنك نفس المتكلم.

لكن بالنسبة للمتكلم، صدقك مع الله سبحانه وتعالى هو الذي يبلغ كلامك. لذلك كان يقول بعض من كان في العراق في أيام أويس القرني رحمه الله تعالى، وكان ناس يجتمعون في الكوفة وكانوا يتحدثون في المساجد، وكانوا يتحدثون والناس يجلسون هكذا في المساجد، ويأتي من يذكر، فكان يأتي رجل إذا جلس وذكر الناس تأثر الناس أكثر من غيره، فسأل هذا الرجل قال: من هذا الذي إذا تكلم وقع كلامه في قلوبنا هذا الموقع؟ فقيل: هذا أويس القرني. لماذا هذا الرجل لما يتكلم بهذا الكلام يقع كلامه في النفوس ما لا يقع كلام غيره؟ لأن هذا الرجل كلامه يخرج من قلبه إلى القلب مباشرة، والكلام مثال الرصاصة والقلب هو المدفع، فالمدفع لما يكون قوياً الرصاصة تخترق القلوب وتؤثر فيها، لكن لما يكون المدفع ضعيفاً هنا لا يكون تأثير كبير، وليس التأثير هنا متعلقاً بنفس البيان والفصاحة أبداً، إنما بنفس الصدق والإخلاص، هذا الذي يقر في القلوب.

وكان يقول كما ذكر هنا الإمام مستشهداً فيما يريد أن يقرره قول شعيب عليه السلام نبي الله شعيب عليه السلام لما قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88]، أي هو أول الممتثلين لما يقوله، وهذا هو الواجب، الواجب على الشخص أن يبدأ بالامتثال ثم بعد ذلك ينصح الناس، وتأثر الناس بالأفعال أكثر بكثير من تأثرهم بالأقوال. فلما شخص يفعل المعروف ويجتنب المنكر هنا الناس يتأثرون بفعله أكثر من تأثرهم بنفس قوله، القصد من ذلك أن الناس طبيعة البشر يتأثرون بنفس الفعل، فإذا رأوك تقول كلاماً ثم رأوك تخالف ما تقوله طبيعي أنهم ما يتأثرون، وأكثر الناس ما يفصلون بين نفس الكلام ونفس الفعل.

الآن نحن انتقلنا من المتلقي إلى الملقي أو المتحدث. أيها المتحدث، الناس لا يفصلون ما بين فعلك وقولك، إنما يجعلون هذا مع هذا؛ فلذلك إذا أردت أن تؤثر في الناس، لا بد أن تسعى جاهداً لامتثال ما تقوله. الشق الأول من النصيحة المتعلقة بنفس المتحدث هو علاقتك مع الله سبحانه وتعالى. هذا الدين يا إخوان محمي بالله، ليس بالدعاة؛ الدعاة سبب، هؤلاء الدعاة إذا لم تكن معهم بركة ولم يكن معهم صدق، لا يكون لهم التأثير الكبير في حفظ تصورات الإسلام والدين، لأن الله هو الذي يبلغ. الله سبحانه وتعالى هو الذي يبلغ، الداعية يبدأ ويمتثل، فإذا صدق مع الله سبحانه وتعالى وأحبه الله سبحانه وتعالى بلغ عنه. لكن إذا لم يصدق مع الله سبحانه وتعالى ولم يصل درجة عالية في محبة الله سبحانه وتعالى، هذا الداعي يتكلم لكن كلامه لا يكون له ذاك الأثر الكبير. هذا المعنى الأول والمهم أن يفهم الداعية إلى الله سبحانه وتعالى هذا الأمر.

لذلك لا تحرص كثيراً على تنميق عباراتك، أو تحرص كثيراً على النظر مثلاً إلى فعل كذا أو فعل كذا، أنتقي كذا أو أقول كذا إذا كان الأمر طبعاً فيه اجتهاد، إنما احرص كثيراً على تصفية قلبك، احرص كثيراً على تصفية القلب وعلى تنقية القلب، وأنك ما تريد من كلامك هذا إلا الله سبحانه وتعالى. لا تنظر إلى المتلقي، إنما انظر إلى الله سبحانه وتعالى؛ ماذا يقول عنك لما تقول هذا الكلام؟ الناس ينظرون إلى لسانك وإلى الكلمات تخرج منك، لكن الله ينظر إلى قلبك، الله ينظر إلى قلبك سبحانه وتعالى. فهنا الشخص إذا أصلح العلاقة بينه وبين الله سبحانه وتعالى، هذا الإنسان يعان وهذا يوفق وهذا يبارك له فيما يقول، والله سبحانه وتعالى يبلغ عنه. هذا الشق المتعلق بالبركة الذي هو الأصل، أما الشق الثاني المتعلق بنظر الناس، فالناس مفطورون مثل ما ذكرت على المقارنة بين فعلك وقولك؛ قلت كذا وفعلت كذا، يصدمون يتركون، هكذا هم البشر. لذلك من المهم جداً أنك تعتني بامتثال ما تقوله.

يأتي شخص يقول: أنا مقصر، لا أذكر. ليس معنى هذا أنك تتكئ على هذا الأمر، ليس معنى هذا أنك الآن تبلغ ثم تقول أنا مقصر؛ ما تسعى جاهداً إلى راب هذا الصدع ما بين قولك وفعلك، بل اسعَ جاهداً إلى أن يكون فعلك مطابقاً لقولك، فإن لم يكن مطابقاً فليكن قريباً، ثم هذا الفاصل حاول أن ترابه بدعاء الله سبحانه وتعالى، بصدقك مع الله، بمحبتك لله سبحانه وتعالى، بأنك تتعامل مع الله سبحانه وتعالى بأنك تريد أن تبلغ الدين، لست قاصداً أن الناس يقولون عنك كذا وكذا أو ينظرون إليك بكذا وكذا. هذا كلام خطير؛ عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه لما غشي عليه، فقالت إحدى نسائه وهي على رأسه: واكذا واكذا، أثنت عليه، فسمع من يقول له وهو في هذه الغشية من الملائكة: أنت كذا؟ هل أنت كذا؟ فخاف لما استيقظ.

الإنسان أحياناً الناس يقولون عنه كذا وكذا، كما مر أحد العلماء مرة على الناس فقالوا: إن هذا يصلي الليل كله، هو لم يكن يصلي كله إنما كان يصلي بعض الليل، لكن لما رأوا نور وجهه فقال: الناس يقولون عني كذا؟ فذهب وصلى الليل. طبعاً هذه القصص وأمثالها كثيرة عند السلف رضي الله عنهم ورحمهم، لكن القصد من هذا الكلام كله أن الإنسان يسعى جاهداً أن يرأب هذا الصدع، أما بأن يطابق فعله بقوله وهذا هو الأصل، لكن هذا قد لا يتأتى للإنسان، بل لا يتأتى له في كثير من الأحيان. وسئل سعيد بن جبير وكذلك مالك بن أنس: هل الرجل يعظ غيره بما لا يفعل؟ قال: ويلك، ود الشيطان لو ظفر منك بهذه، ومن يفعل بكل ما يقول؟ لكن ليس معنى هذا أن هو يذكر ويعتاد على تذكير الناس ثم هو لا يبالي بهذا الشيء، لا، لكن معنى هذا أن الشخص يسعى جاهداً للامتثال والتطبيق بغاية الوسع والإمكان، وكذلك دعاء الله سبحانه وتعالى وسؤال المغفرة في التقصير، ويثبت لله بأنه قاصد من هذا التذكير هو أن يحفظ الدين.

وهذه الموازنة دقيقة جداً يا شباب، هنا شخص ممكن تغلب نفسه فيتوقف، ما يتكلم، يقول لك إن الدين يمنع، ممكن أحياناً يفعلها شخص أحياناً، لكن لا يكون هذا الأصل عنده، لكن أحياناً نفسه لما تتفلت عليه تفلت كبير وما تعطيه، ويدخل معها بصراع ممكن أحياناً، لكن الأصل هو أن يذكر، الأصل أن يعلم الناس، الأصل أن يوجه الناس، وهذا التقصير يعتذر فيه إلى الله سبحانه وتعالى، ويثبت لله بأني يا ربي أنا أريد أن أبلغ دينك، وهذا التبليغ مع تقصيري لا تحاسبني يا ربي على تقصيري، وأعني على سد هذا التقصير وامتثال ما تريد مني. شوف يا إخوان، الداعي إلى الله سبحانه وتعالى قلبه لا يجعله ملكاً للناس إن قالوا كذا فعلوا كذا، إنما ليجعله ملكاً لله سبحانه وتعالى، كما هو حقيقة، هو لما يذكر الناس ويعلم الناس ويعظ الناس، الناس يقولون كذا وكذا، صح، وهذا ممكن يؤثر فيه فيتكئ على هذا التذكير، لكن هو في نظر الله سبحانه وتعالى موقوت؛ لأنه هو أصلاً مقصر ويعرف بأنه مقصر ويعرف بأنه مذنب، فهنا بدل أن ينظر إلى الناس ينظر إلى الله سبحانه وتعالى، يقول: يا ربي هذا التقصير سامحني فيه، يجعل تذكيره يزيد خوفه، هذا قصدي؛ يجعل تذكيره للناس فيما هو مقصر مما يزيد خوفه، وليس مما يعظم رجاءه، مما يزيد باب الخوف عنده، كمية الخوف من التقصير، وأن الله سيسألني يوم القيامة عن تقصيري في هذا الأمر. لكن هذا ما يحمله كله على عدم البيان والتبليغ، بل يبين ويبلغ الناس بغاية ما يستطيعه، هذه هي الموازنة في هذا الأمر.

كذلك من ضمن الوقفات المهمة التي ذكرها الإمام رحمه الله تعالى: قصر الأمل، الشخص إذا أراد أن ينتفع بالذكرى التي حصلها من خلال التذكر، عليه أن يقصر الأمل. أن يقصر الأمل يعني هو ما يعيش أنه سيعيش حياة طويلة، هكذا إذا أراد أن يتحصل على ذكرى، على تذكر، على المعنى هذا الذي وصل له، إذا أراد أن ينتفع به لا بد أن يقصر الأمل؛ لأن إذا ما قصر الأمل الدنيا تفتنه، الدنيا تفتن هذا الإنسان فيبدأ يعيش ويفكر بأنه سيفعل كذا ويفعل كذا ويفعل كذا، والموت أقرب من طول الأمل، الموت أقرب مما يريده وما يشتهيه هذا الإنسان. لذلك كان النبي عليه الصلاه والسلام يزهد أصحابه كثيراً في الدنيا ولا يعطي الدنيا أكبر من حجمها، وكان يتعامل معها تعامل الشخص الذي لا يبالي بها. ومن ضمن أساليب النبي عليه الصلاه والسلام في تقصير الأمل للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وتسديدهم في الدنيا، لما مر عليه الصلاه والسلام ومعه جماعة من أصحابه على جدي أسك، أسك قصير الأذن أو مقطوع الأذن وهو ميت، فقال عليه الصلاه والسلام: «أيكم يشتري هذا بدرهم؟» فقالوا: يا رسول الله، والله لو كان حياً لكان عيباً فيه، فكيف وهو ميت؟ فقال: «الدنيا أهون على الله من هذا عليكم»، يعني لا قيمة لها.

ومر مرة عليه الصلاه والسلام على عبد الله بن عمرو بن العاص وكان يصلح جدار بيت لهم، قدواها ضعف عجيب في المشهد هذا، فكان النبي عليه الصلاه والسلام لما مر ورآهم هكذا يعملون لإصلاح البيت، فقال عليه الصلاه والسلام: «ما أرى الأمر إلا أقصر من هذا»، يعني ماذا؟ أنتم الآن تعملون، هذا الوقت الذي تنفقونه في إصلاح البيت وتعمير البيت، الموت أقرب، الموت أقرب، هذا الوقت من سيعوضكم عليه؟ هذا الوقت في هذه الأوقات، هذه الأنفاس يسأل عنها العبد يوم القيامة ويحاسب عليها العبد يوم القيامة، وهي التي من خلالها يستطيع العبد أن يصيب الدرجات العالية في الجنة، وهكذا. فقصد من ذلك أن مثل هذا الأمر مهم جداً، كذلك أن يعيش الإنسان معه قصر الأمل، الإنسان إذا عاش وسمح للدنيا بأن تتمكن منه ما يستطيع يعمل، الإنسان من الذي يعمل؟ هو الذي لا يفكر بالدنيا، هذا هو الذي يعمل، أما الذي يفكر وأني سأبني البيت الفلاني وسأشتري السيارة الفلانية وسأصنع، يعني عنده هكذا هوس في هذه الأمور، هذا بقدر تعلقه بهذه الأشياء يكون طول أمله يطول عنده الأمل، ولا يظن الإنسان بأنه يستطيع أن يحمي قلبه من هذا المرض.

تقول: ماذا أقول لك؟ كن حذراً إلى أن تموت، كن حذراً إلى أن تموت، والله مثل هذه الأمور أنا رأيت أشخاصاً كانوا يعملون ومحبين جداً وعندهم لهم إلا كذا، لكن تدريجياً بدأت الدنيا تسحبهم، ثم تغيرت عندهم تصورات؛ لأن الإنسان كان ضعيفاً، ليس قوياً. الإنسان الآن تجلس في مجلس تسمع قصر أمل وذكر هذه الملذات والموت، فخلاص تفكر فقط بالآخرة، تخرج من هذا المجلس الذي فيه التذكير بهذه المعاني العظيمة وتخالط الناس؛ هذا يتكلم عن التجارة، هذا يتكلم عن المال، هذا يتكلم عن كذا، ثم ماذا؟ يبدأ هذا الأمر يقوى، ثم تتقلب وتنقلب عندك التصورات، فتبدأ بدل أن تكون تعمل في هذا تعمل ثم تصبح الآخرة العكس، يعني تصبح الآخرة ولا تنسى سلبك من الآخرة وليس من الدنيا، فتصبح الآخرة خلاص مجرد هكذا على هامش، ثم يفجع الإنسان بالموت. لذلك النبي عليه الصلاه والسلام نبهنا للطريقة التي من خلالها يكون الأمل دائماً عندنا غير طويل، دائماً قصير، ما هي؟ أكثر من ذكر هادم اللذات. هادم اللذات؛ تريد تفعل كذا، تتذكر الموت تقول: هذا الله ما يحب لماذا أن أفعله؟ خلاص، افعل كذا، هكذا هذا الإنسان الذي يعيش في حياته كلها بهذه الطريقة، ويكون هكذا دائماً متيقظاً ودائماً حذراً، هذا هو الذي يحمى، أما غير ذلك ما يستطيع؛ لأن الإنسان كان ضعيفاً، مثلاً لما تسمع أهل الدنيا، اسمعهم يتحدثون في مجلس واحد فقط، يهدم عنده ما بناه، يعني ربما بشهر أو بشهرين، مجلس واحد فقط، وكلكم ربما رأى هذا الشيء، تجلس في مسجد أو في مجلس فيه ذكر الله سبحانه وتعالى، ثم تجلس مع أناس يتكلمون عن الدنيا وعن العمل وعن كذا وعن كذا، وأنت غير محتاج لهذا الشيء كله، فتدخل معهم فتدريجياً تبدأ تعظم عندك هذه الأشياء.

نسأل الله السلامة والعافية، وتنسى وتنسى، وهذه من أساليب الشيطان قوية في التأثير على الناس. لذلك النبي عليه الصلاه والسلام بين لنا أهمية هذا المعنى وحذرنا من طول الأمل، بل قال عليه الصلاه والسلام بأن ابن آدم يكبر ويكبر معه اثنان: حب الدنيا وطول الأمل، يعني تصور إنساناً يكبر عمره 50 سنة وطول الأمل يزيد عنده، يعني ابن العشرين طول الأمل عنده أقصر من ابن الخمسين، يكبر ويكبر معه، يكبر ويكبر معه هذا المرض، هذا الأمر العجيب، هذا الخطر الذي يقع عند الإنسان. فذاك الإنسان دائماً يعيش مع الله سبحانه وتعالى ودائماً يعيش بأنه ابن الآخرة ليس ابن الدنيا. هذا قصر الأمل يجعلك تنتفع بالذكرى. الكلام طبعاً كله في منزلة التذكر، أنت الآن تسمع موعظة تتذكر بها، هذا التذكر تنتفع منه لما ما يكون عندك أمل طويل، وتحصل المعنى الذي هو في باطن هذا التذكر، فيتمكن عندك، فيتمكن عندك هذا المعنى. أما إذا كان أملاً طويلاً، ما الذكرى؟ ما يكون أثرها كبيراً، وثمرة الذكرى لا تكون عظيمة ولا كبيرة، هذه هي المشكلة.

لكن قصر الأمل لا يجعل الإنسان دائماً ينتفع بهذه المواعظ، هو نفس ما يحصله من هذه المواعظ يبدأ يرتقي معه ويرتقي منه حتى يصل إلى عالي المعاني، فيعظم عنده الإيمان، ويعظم عنده التقوى، ويعظم عنده الصلاح، وهكذا هذه المعاني الشريفة الإيمانية. وهكذا كذلك من ضمن المعاني المهمة جداً المتعلقة بمبحث التذكر، مسألة التذكر والعيش مع القرآن؛ فذكر هنا أنما تشتن الفكرة أي تحصل الفكرة، الفكرة ثمرة الذكرى، وكذلك العكس، نحن ذكرنا في اللقاء الماضي العلاقة بين التذكر والتفكر، فالآن الشخص لما يتذكر يحصل الفكرة، ثم بعد ذلك يرتقي ويبدأ يعالج ويصحح هذه الفكرة؛ الفكرة الكبيرة التي تحصل من هذه الذكرى لا بد أن يكون معها عيش مع القرآن الكريم وتأمل في القرآن كما ذكر هنا. تقول: كيف يعني؟ أقول لك عندنا رجلان، رجل استمع لموعظة، تأثر، حصل من خلال هذه الموعظة إيمان، حصل مثلاً رجاء، حصل خوف، لأن الإيمان عبارة عن ماذا؟ عبارة عن أعمال قلبية، عبارة عن حب، عن رجاء، عن خوف، عن توكل، حصل هذا التوكل، حصل هذا الرجاء، وحصل هذا الخوف. هذا الخوف والرجاء والتوكل الذي أخذ من خلال الموعظة، الشخص الآخر يكون أخذ له أكبر منه، هي نفس الموعظة لكن هذا تأثر تأثراً عظيماً جداً، وحصل ثمرة الذكرى هذه كانت في نفسه أكبر بكثير من هذا، لماذا؟ لأن هذا عنده قصر أمل، أما هذا ما عنده قصر أمل، هذا تأثر تأثراً.

يعيش الإنسان مع القرآن الكريم، فكم مرة عاش مع مواعظ الأنبياء ومواعظ القرآن؟ فلما تأتي موعظة من هذه المواعظ، يحدث من التفاعل ومن المعاني الإيمانية والقلبية ما لا تحدثه الموعظة نفسها مع الشخص الآخر الذي لا يكون قلبه عنده هذا الاستعداد ولا هذا العيش مع القرآن الكريم. لذلك انظروا في شخص يعيش كل يوم مع القرآن الكريم، كل يوم عنده ساعة أو نصف ساعة يقرأ فيها كتاب الله سبحانه وتعالى ويتأمل ويطبق، وشخص آخر ما عنده عيش مع القرآن الكريم ولا عنده مجلس تفسير ولا عنده قراءة لكلام الله سبحانه وتعالى الوجه المأمور به. هذا الإنسان الأول تجد المعاني عنده جلية واضحة وتجده يرتقي بسرعة، أما هذا فلا يرتقي؛ نفس الموعظة يسمعها هذا ويسمعها هذا، هذا يتأثر بها وينتفع بها انتفاعاً عظيماً ويرتقي بها، أما هذا فيكون أثر الموعظة عليه أقل بكثير من الشخص الأول.

وكذلك هذا الشخص لما يكون كثير العيش مع القرآن الكريم، تبدأ عنده هذه المعاني التي يأخذها من كتاب الله سبحانه وتعالى تنمو عنده سريعاً، فهذا الإنسان لما يسمع الموعظة ويتذكر يحصل الفكرة، ثم إذا تذكر مرة أخرى ينمي هذه الفكرة ويصلحها، وهكذا فيبدأ يرتقي. لذلك الذي يظن بأنه سيصل إلى العلم بالله سبحانه وتعالى من غير القرآن الكريم، هذا إنسان واهم؛ بل العيش مع القرآن، أي تأمل القرآن الكريم، أي تعلم القرآن كما تعلمه الصحابة. وهذا الأمر لا شك أننا تكلمنا عنه كثيراً وسنتكلم عنه كذلك كثيراً، ولكن مع ذلك التطبيق قليل جداً جداً جداً، مع أن المفروض أن الكلام الكثير يثمر التطبيق، لكن مع ذلك التطبيق ليس كبيراً. لماذا؟ ما السبب هنا؟ الشيطان واقف بالمرصاد، فإذا ما استوعبت أن هذا هو المشروع رقم واحد في التعلم، ما تستطيع؛ فهذا المشروع لا يقبل أن تجعله رقم اثنين، لا يقبل، هو هكذا، ما يقبل أن تجعل شيئاً قبله في قلبك.

الآن في قلبك عندك مشروع في طلب العلم الفلاني، ودراسة الفكر الفلاني، ودراسة هذا كله موجود عندك، طيب كم منزلة تعلم القرآن الكريم في قلبك؟ العيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى رقم اثنين، ما تأخذه ولا تعطاه لأنك ما قدرته حق قدره، لكن إلى الآن ما أعطيت هذا الكتاب حقه، أعطيت كتاب العلم الفلاني العلم الفلاني أكثر من القرآن الكريم، فلذلك صعب عليك أن تقرأ في التفسير الموصل إلى العيش مع القرآن الكريم، وسهل عليك أن تقرأ بعلوم الآلة وبعلوم كذا وكذا وكذا وبالفكر إلى آخره. هذه علامة ليست علامة خير كبير، بل علامة سوء، نسأل الله السلامة والعافية وعلامة حرمان كبير ليس قليلاً.

الأمر الثالث المتعلق بهذا المبحث، الذي هو متعلق بحماية الفكرة وتحصيل ثمرة الموعظة وثمرة الذكرى، قصر الأمل العيش مع القرآن الكريم، هنا قال التأمل في القرآن، الثالث قواطع القلوب، مفسدات القلب عن تحصيل هذه الفكرة أو حماية هذه الفكرة، وذكر هنا الهروي خمساً، وابن القيم كثيراً ما كان يذكر هذه المفسدات الخمس: خلطة الناس وطول الخلطة، وكذلك التمني، والتعلق بغير الله، وكثرة النوم، وكثرة المطعم الشبع. هذه الخمس هي المداخل، هي مفسدات القلب وهي كذلك القاطعة للقلوب عن الانتفاع بما يسمع وما يتعظ به.

نأخذها هكذا على عجالة، الأول الخلطة، ما أثر الخلطة على القلب؟ أنت الآن جالس في المسجد أو جالس في المنزل تقرأ مثلاً القرآن الكريم، أو تقرأ في كتاب، وجامع همك، العزم الآن مجموع على إتقان والعيش مع الذي تقرأه، يأتيك اتصال أو يزورك شخص، ممكن يأخذ منك خمس دقائق فقط، بعد خمس دقائق هل ترجع مثل الأول؟ لماذا؟ لأن الفكر تشعب، القلب كان مجتمعاً أما الآن فالقلب تفرق، كم تحتاج حتى تعيد قلبك؟ هذه هي المشكلة، هذا حتى لو كان بالمباح؛ لأن القلب جامعه ليس سهلاً، القلب جامعه يحتاج إلى وقت، فلما يجتمع القلب على العيش مع السورة الفلانية أو العيش مع الآية الفلانية أو العيش مع حديث النبي عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى وقت، فتجد أول دقائق تجمع القلب ثم بعد عشر ربع ساعة تبدأ تندمج، لكن لما يأتيك هذا العارض أو القاطع، المشكلة ليست بالوقت، أكثر الناس يحسبونها وقتياً هي ليست وقتياً هي متعلقة بالعزم متعلقة بالهم، فهذه الخلطة تؤثر على القلب فتفرق القلب، فلما يتفرق القلب تريد أن تجمع معه مرة أخرى ما يجتمع معك كما اجتمع في المرة الأولى، هذه هي المشكلة.

فطول خلطة الناس يؤثر على قلب الإنسان حتى لو لم يكن بالحرام، طبعاً لو كان بالحرام لا شك أن تأثيره يكون عظيماً جداً على نفس الإنسان ويصدئ قلب الإنسان ويحتاج إلى توبة واستغفار حتى يرجع قلب المادة القلب كما كانت، لكن حتى لو ما كان بهذا، لو كان طول شخص يجلس مع الناس من غير حاجة للجلوس معهم، هذه مفسدة. وأنا والله أنصح كل شخص أن يحسن توزيع وقته، كان نبي الله داوود عليه السلام يقسم وقته إلى أربع ساعات أربع ساعات، هذا التقسيم من نبي الله داوود عليه السلام مهم جداً أن نأخذ منه، ونبي الله داوود عليه السلام كان يذكر النبي عليه الصلاة والسلام من عبادته وكان أعبد الناس، كان النبي عليه الصلاة والسلام لما كان يثني على صلاة نبي يثني على صلاة داوود عليه السلام، ولما كان يثني على صيام نبي يثني على صيام داوود عليه السلام.

فالإنسان يحتاج إلى وقت الاستجمام وهذه من الساعات نبي الله داوود عليه السلام، ولكن هذه ساعة الاستجمام التي ما تكون الساعات الثلاث قبلها إلا بهذه الساعة، هذه تحتاج أنك تعرف كيف تقدرها ومع من تعطيها، هذا أمر مهم وله شرح طويل، لكن دعونا نأخذ هكذا المعنى المناسب للمقام، الإنسان إذا كان مجتهداً وكان عنده وقته منصرفاً للعمل الحقيقي والعيش مع القرآن وهكذا، النفس تضيق عنده حتى ما تأخذ إلا حظها، فالنفس هنا لن تطلب إلا حظها لن تطلب ما هو أكثر من ذلك، هذا الإنسان لما تضيق على نفسه أو لما هو يستعمل طاقته والنفس تتعب، لما تتعب النفس يحتاج إلى أن يريح هذه النفس، هذا هو المباح. إذا زاد على ذلك داخل بفضول المباح، هذا الفرق بين المباح وبين فضول المباح؛ المباح نفس محتاجة إليه، لكن فضول المباح نفس غير محتاجة إليه، وهذا الفضول المباح يجعل الإنسان يعتاد عليه، فلما يعتاد عليه يصعب عليه أن يخرج منه، ذاك الشخص في بداية شبابه ليضيق هذه الدائرة، وهنا إذا ضيقها سيستمتع بالجلسات هذه التي سيستمتع بالمباح، لكن أو سيسعد، سيسعد في المباح ويكون له أجر فيه لأنه ينوي فيه الخير، لكن لما يعتاد على المباح كل يوم أربع ساعات يشاهد الجوال والمقاطع وما أدري إيش العامة هكذا ويجلس مع الناس كل يوم، هذا هنا النفس تعتاد فتصبح هذه عادة عند الإنسان وهذه العادة تأخذ منك أربع ساعات كل يوم ثلاث ساعات، يعني وقتك يذهب وقلبك يصدأ.

فما يكون عيش هذا الإنسان وحضور قلبه مع الدين مثل حضور قلب الشخص الذي ما يفتح لنفسه هذا الباب، ما يفتح لنفسه هذا الباب. طيب هل معنى هذا الشخص يعتزل الناس تماماً حتى يكون قلبه رقيقاً وحتى هذا الإنسان ما يتأثر؟ أقول لك هذا ليس من الدين في شيء، هذه الرهبانية ليست من الدين في شيء، المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، يعني شخص يخالط الناس من أجل نصح الناس والله يريد منه أن يخالط هذا أعظم من الذي يجلس في بيته، أعظم. طيب تقول لي هذا الذي جالس في بيته ممكن يكون خشوعه أكبر وتأثره، أقول لك الآن ليست تذكرون ذكرناها في المجلد الأول، هو ذكر ابن القيم كلاماً جميلاً جداً، ما هي أعظم العبادات أو أفضل العبادات، فذكر الكلام ثم قال الذي يمتثل أمر الله في كل لحظة وفي كل حين، فالذي يجمع قلبه على طاعة الله سبحانه وتعالى أو يفرق قلبه في طاعة الله سبحانه وتعالى هذا هو الأفضل، وليس الذي يجمع قلبه دائماً، وهذا معنى عالٍ والله نفيس وشريف، يعني ممكن شخص الآن عنده هكذا رقة ويريد أن يفعل كذا لكن الله يريد منه الآن أن يفعل كذا، هذا الثاني يمكن ما يرق قلبه معه لكن الله يريده، حتى لو ما رق القلب الله يريده ويكون أعظم بالأجر.

فالقصد من ذلك حتى يفهم هذا الباب ويضبط ونحن في سياقه الآن نتكلم عن تفرق القلب وعن قطع هذه الموانع للقلب من الانتفاع بما يسمع وما يتعظ به، فعندنا المانع الأول الذي يمنع القلب من تمام الانتفاع من هذه الذكرى وتذكر واجتناء هذه الفكرة والانتفاع بها هو طول الخلطة؛ الخلطة الزائدة، يعني يجلس يخالط من أجل لا شيء، يجلس من أجل لا شيء، طيب لماذا هذه جلسة لا ينبغي أن تضيع في هذه الطريقة، لكن أصل الخلطة لابد منها. ثم الناس يتفاوتون في تقدير الوقت الذي يخالطون الناس فيه والذي لا يخالطون الناس فيه، ثم ذكر هنا ابن القيم واستطرد بمعنى كذلك جميل جداً ونفيس متعلق بإذا ابتلي الإنسان بهذه الخلطة، الآن الشخص ليس دائماً هو يملك وقته، أحياناً تجبر أن تجلس مع أناس لا تريد تجلس معهم، ماذا تفعل؟ يقول لك اقلب هذا المجلس إلى ذكر، اقلب هذا المجلس إلى ذكر. وابن الجوزي كان له كلام طريف يقول بأن أحياناً شخص يأتون ناس هو يكون مشغولاً في أشياء، فيقول يستعملهم معه، يبرون له الأقلام ويربطون معه، لكن الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى كان لا يميل إلى قول الجوزي هذا ويعترض عليه، يقول ليس مصاب تعامل الزوار وضيوف بهذه الطريقة خاصة إذا أنهم يتأثرون، فالقصد من ذلك أن هنا اقلب المجلس إلى ذكر، حاول هذا المجلس الذي أنت مجبر على الجلوس فيه أن تقلبه إلى ذكر.

طيب ما تستطيع، أحياناً ما يستطيع الشخص أن يكون في مجلس هو ابن القيم هذا واعٍ، ابن القيم رحمه الله تعالى واعٍ الإنسان ومدرك أن شخصاً قد يكون في مقام ما يسعه يتكلم، الموجود أكبر منه وهكذا، ما يسمحون له بأنه أن يشارك أو يتكلم أو لا يقوى على هذا الأمر، ماذا يفعل؟ يقول يترحل بقلبه، يترحل بقلبه ويعتزل هذا المجلس بقلبه ويذكر الله سبحانه وتعالى بقلبه وبلسانه حتى يحمي قلبه من أن يتأثر بهذا المجلس، وهذا كذلك كلام عالٍ ونفيس من الإمام رحمه الله تعالى.

الأمر الثاني أو المفسد الثاني الذي هي القلب والقاطع، التمني، التمني هو أن شخصاً هكذا يدرس يقول أنا سأفعل كذا وأفعل كذا وأفعل كذا، سأطلب علم الحديث وأقرأ كتاباً فلاني وفلاني وبالفقه سأقرأ كذا وكذا وهكذا، يبدأ يتمنى يتمنى يتمنى ثم فجأة لا لطلب الحديث ولا لطلب، صح ولا لا؟ وهذا كثير ولا قليل؟ هذا كثير جداً، كم واحداً أنا سمعته وأنتم سمعتموه يقول بأني أريد أن أصبح شيخ الإسلام أو مثل شيخ الإسلام ثم هو لا أصبح ما أصبح، الشخص الذي هو ما تقدم ولا فعل شيئاً وهذا كله من الشيطان، الشيطان هذا الباب قوي جداً به. طيب تقول لي هذا الباب الغالب يقع فيه ما الحل؟ أقول لك الحل العمل، هذا الباب عدوه العمل، عدو الأمنيات الأعمال، تقول لي كيف يعني؟ أقول لك الذي يتمنى الفارغ؛ شخص ما عنده شيء يقول أنا سأصبح كذا وسأصبح كذا، هذا هكذا، طيب هذا الكلام الذي قلته ماذا فعلت؟ مقارنة بما تقول فعلك كيف هو؟ حل هذا القضاء على باب الأمنيات الفاسدة، هذا باب الرجاء المذموم وليس المحمود، هذا الرجاء أصبح كذا، هذا القضاء عليه العمل فقط، لا يوجد شيء ثاني. يعني ايش؟ يعني أنت لما تقع عندك هذه الأمنيات وتغلب عليك أقول لك اترك الأمنيات واعمل، إذا ما عملت سقطت بالاختبار.

هنا احمل نفسك، لا تسمح لعقلك لفكرك بأن يسحبك، شوف يا إخوان موازنة التطبيق العمل مع الفكر والعقل لابد أن تكون منضبطة عند الإنسان، الفكر مثالي إذا ما كان معه عمل، والعمل من غير تفكير يصبح واقعياً ويحرم الإنسان من كثير من الأمور التي ممكن هو يطبقها، لذلك الموازنة بين هذا الباب باب الفكر مع باب التطبيق والعمل مهم جداً أن تكون عندنا. تقول لي طيب فسر أكثر، أقول لك لا يوجد أفضل من النبي عليه الصلاة والسلام في التطبيق والامتثال، كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل؟ لما تدخل في حياة النبي عليه الصلاة والسلام تجد أن حياته عملية، تجد حياة النبي عليه الصلاة والسلام كانت عملية، وكان بدل أن يفتح باب الفكر هذا الكبير كان يقرأ القرآن، فكان يصلي في الليل عليه الصلاة والسلام، وكان عليه الصلاة والسلام قبل أن ينام يقرأ القرآن، فما كان باب الفكر كما يقول بعض الناس إن إذا فكرت كثيراً، هذا كلام غير صحيح، الفكر له حد، الفكر له حد، وهذا الدين أصلاً محمي.

بالبركة مثل ما ذكرت، فالعبد هنا لا حرج بأنه يفكر، ولا بد أن يفكر ويستشير، لكن باب التفكير وباب الاستشارة لا بد أن تكون منضبطة بنفس الأمر الذي تريد أن تفعله، والوقت محسوب عليك. أما الشخص الذي هكذا دائما تكون عنده أماني وعنده أحلام وعنده سأفعل كذا وفي كذا، يومك ماذا فعلت فيه الآن؟ نحن الآن في آخر الليل، نحن الآن في آخر اليوم، اليوم ماذا فعلت؟ حاسب نفسك اليوم، هذا هو أنت، دعك من الأماني؛ الأماني الكبيرة هذه هي عبارة عن هذه الأيام، هذه الأيام هي أنت في المستقبل. هذه الأيام إذا ما كان بها شيء، هذا كله من الشيطان، فلا تجعل الشيطان يلعب بك كثيراً، لا تسمح للشيطان بأن يبدأ يلعب بك كثيراً.

الوقت يمشي ويمضي ويسير وأنت معزول تفكر بأني سأفعل كذا وسأكون كذا، هذا كله من الشيطان؛ لذلك الإنسان يقطع هذا الباب بالعمل. العمل إذا قطع بالعمل ينضبط عنده باب الفكر، يعني هو إذا كان عاملاً الفكر يكون له نسبة معينة فيضبط عنده، أما غير ذلك يعيش هكذا بأماني وأحلام كثيرة، وهذه الأماني والأحلام تأخذ منه وقته وتجعله يعيش بوهم. يعيش بوهم فما يستفيد كثيراً مما يسمعه، لأنه هو في عالم غير العالم الذي يتكلم فيه، أو هو في عالم آخر، فما ينتفع كثيراً، وهذا كثير جداً في الناس، ومن فتش في نفسه وجد أن عنده هذا الباب فيه شيء من التوسع إلا من يعصم الله سبحانه وتعالى بامتثال أوامره دائماً.

هناك قصة شهيرة تذكر عن جحى بأنه كان جالساً مرة في بيته ومنزله، وكان فوق جرة عسل وكان معه عصا. فكان جالساً ويفكر يقول: الآن هذه جرة العسل آخذها وأبيعها في السوق بسعر كذا، ثم أشتري بهذا المال كذا وأفعل كذا، ثم ثم ثم، ثم أفتح محل العسل؛ يعني الجرة أثمرت ايش؟ في محل للعسل، ثم بعد ذلك أبدأ بالعسل، ثم ثم أتزوج، هو هذا كله وهو مضطجع على فراشه، قال: ثم أتزوج، ما أتزوج، يعني أرزق بأبناء، ثم أربي هذا الابن، ثم يكبر الابن، ثم هذا الابن لما يكسب شيئاً في البيت مثلاً أو يقع بخطأ أؤدبه بهذه العصا. ورفع العصا وضرب الجرة، لكن هو ما كان يستشعر الجرة، هو كان يفكر، عاش بوهم يفكر بهذا الابن الذي يريد أن يعاقبه أو أن يؤدبه، فضرب بهذه العصا الجرة وانكسرت الجرة، وسقط العسل على وجهه، وانتهى حلمه كله. هذا حال كثير جداً من الناس، يعيش أحلاماً كثيرة.

سبحان الله، أذكر أيام المدينة كنا نذهب أيام الحفظ القديم، يعني سبحان الله العظيم، فكانت دورة الحفاظ يحفظون منهم من يحفظ القرآن الكريم أو يراجعه، ومنهم من كان يحفظ السنة كتب السنة. فكان الكثير من المشاركين لما ينظرون من يحفظ إلى كتب السنة يقول: بأني أنا السنة القادمة بإذن الله، بإذن الله أبدأ بالبخاري، وبعضهم يقول: لا، السنة القادمة أثبت حفظي والسنة التي تليها أبدأ بالبخاري ومسلم. ذهبت السنة والسنتين والأربع والعشر وذهبت السنوات هذه كلها، ولا حفظ البخاري ولا حفظ مسلماً، وهذا هو الغالب وهذا أمر متكرر، والسعيد من حماه الله سبحانه وتعالى من شر الأماني الكاذبة، من شر الأماني هذه التي تجعل الإنسان يعيش مع هذه الأماني وهذه الأحلام الكبيرة.

القاطع الثالث: التعلق بغير الله؛ التعلق بغير الله سبحانه وتعالى مرض فتاك، ولا يكاد يسلم منه أحد، لماذا هذا؟ ما السبب؟ السبب في ذلك أن التعلق بغير الله سبحانه وتعالى لا بد أن يصيب الإنسان إذا ما تعلق بالله، هذه المعادلة؛ تقول لي فسر أكثر، أقول لك: القلب هذا مفطور على الحب ومفطور على البغض، وروح الإنسان تتعلق من غير استئذان الإنسان، القلب لا بد أن يملأ، هو هكذا، هو مخلوق حتى يملأ، وروح الإنسان تتعلق من غير أن تستأذن الإنسان؛ عامة الحب قسري جبري، يعني يقع رغماً على الإنسان وليس باختياره، عامة الحب بهذه الطريقة. هذا التعلق الذي يكون بغير الله سبحانه وتعالى يمنع الإنسان من الانتفاع. وابن القيم له كلام نفيس جداً ذكر في مقدمة الوابل الصيب يقول فيه: من تعلق بغير الله عذب به، ولا الجزاء من جنس العمل. فهنا التعلق بغير الله سبحانه وتعالى يجعل الإنسان ما ينتفع بهذه المواعظ، وهذه ذكرى؛ لماذا؟ لأن قلبه منصرف إلى غير الله سبحانه وتعالى، فنفس هذه الكلمات ونفس هذه المعاني الإيمانية العظيمة الشريفة المنفعة، نفس هذه الآيات العظيمة التي تطرق الأسماع ما تصل إلى القلوب لأن القلب أصلاً مملوء، هذه المشكلة؛ فالقلب إما أن يملأ بحب الله سبحانه وتعالى وتعظيمه وإجلاله، أو يملأ بغير الله سبحانه وتعالى، وهذا المرض فتاك.

وفي الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، شوف هذه حلاوة الإيمان، هذه ما تكون لمن يتعلق بغير الله، مستحيل ما يستطيع، الذي يجد حلاوة الإيمان هو الذي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، هذه تصل محبة الله في قلبه ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام في قلبه إلى درجة أنه لا يفكر مع أحد، لا يفكر معهما بأحد من الناس، خلاص أصبح حب الله سبحانه وتعالى والنبي عليه الصلاة والسلام أعظم من كل أحد، هذا هو الذي يذوق حلاوة الإيمان. وذكر هنا كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى وذكر ذلك كلام بعض السلف تمر في القلب بلحظات يقول: إن كان أهل الجنة يعيشون مثل هذا فهم في هكذا نعيم. وكان يقول إبراهيم بن أدهم: نحن في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف، وكان يأكل كسر الخبز. طيب كيف هذا الشيء؟ ثم عقب على هذا الكلام النفيس بقوله: إن من جرب عرف. من وصل لهذه المعاني وفتح الله عليه بها يعرف صدق هذا المعنى، صدق هذا المعنى؛ هذا الباب لا يكون إلا لمن يملأ قلبه بتعظيم الله سبحانه وتعالى وحب الله سبحانه وتعالى.

والله سيختبر الإنسان قبل أن يصل إلى هذه الحال، بل كذلك هذا الإنسان سيختبر بعد ما يصل إلى هذه الحال، تقول لي كيف؟ أقول لك: الكثير يطلب العلم وفي طريقه إلى الله سبحانه وتعالى القلب هذا في مفاسد في نجاسات، في تعلق بفلان في محبة لكذا، محبة للصور، محبة للمال، هذا تعلق، وهذا هو التعلق، والتعلق هذا يجعل الشخص يعبد هذا الشيء: تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، يعني يأسره. فهذا الإنسان إذا نقى قلبه دائماً يقشع هذه الآثار، هل هو سهل؟ لا والله مو سهل، لأن هذا قلب، القلب ما تستطيع عليه، القلب مو مثل الجوارح، الإنسان ما يستطيع عليه، لازم الله يعينه، لكن الله سبحانه وتعالى ما يفتح للإنسان هذا الباب حتى يكون مثل داود عليه السلام.

داود عليه السلام تزوج من مئة امرأة وداود ملك، وكان يقول: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من الماء البارد على الظمأ. انظر كلمات داود العظيمة الشريفة عليه السلام، هذه الكلمات العالية من داود الذي ملك والذي عنده كذا وكذا، هذا يعان، هذا يجعل الله محبته في قلبه بهذه المرتبة وهذه الحال. أما الشخص إذا ما كان بهذه الطريقة هذا ما يعطى؛ يعني لا يأتي شخص ويسأل أسئلة كثيرة: كيف أحب الله؟ هل أنت صادق في محبتك لله؟ هل تريد؟ سيعينك، ما تريد لن تعان. طيب، أريد، ماذا أفعل؟ أقول لك ماذا تفعل: أكثر من ذكر الله، هذه علامة إرادتك صادق ولا غير صادق، أكثر من ذكر الله، اذكر الله كثيراً، كذلك تأمل في كتاب الله سبحانه وتعالى وعش مع القرآن الكريم، وعش مع كتاب الله سبحانه وتعالى المنظور، وكذلك كتاب الله المنظور أي الكون، تأمل في السماوات، تأمل في الأرض، هذه كلها تعظم المحبة في القلب. عش مع أسماء الله سبحانه وتعالى، هذا كله يعظم الله سبحانه وتعالى في قلبك، هذا هو صدق إرادتك، يعني هذا هو تصديق الإرادة، أما غير ذلك هذا كلام أماني، أنت إلى الآن ما جاهدت نفسك على هواها وما جاهدت نفسك على الوصول لهذه المرتبة، يعني ما زال الهوى متعلق بفلان وفلان، أو متعلق بكذا وكذا من الأمور، متعلق بالجامعة، متعلق بالشهادة، يعني شخص متعلق بالاختبارات ويقول لك: عندي اختبارات وعادي تفوت الصلاة، ما يتأثر، أي حب هذا؟ هذا أي تعلق بالله؟ يعني شخص لما يفوت اختبار أو يسقط في المادة أو أنه مثلاً يتأخر ممكن يبكي وتفوت صلاة الفجر أو صلاة الظهر أو تكبيرة الإحرام وكأن لم يكن شيء، ثم يقول لك: نريد نطلب العلم، أي طلب علم؟ أي حب لله سبحانه وتعالى؟ كيف؟ أنت تعرف الإيمان نفسه في خلل، ليس حلاوة الإيمان المراتب العالية لا، نفس الإيمان نفسه في خلل كبير وليس قليل.

فانظروا سليمان عليه السلام ملك، سليمان هو أعظم الملوك، ملك الدنيا أربعة، أملكهم سليمان، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ [ص: 35]. سليمان عليه السلام لما كانت تحمله الريح مر على زراع حراث فنظر إليه والريح تحمله، فقال: لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، فحملت الريح هذه الكلمات إلى سليمان، فنزل له سليمان عليه السلام وأقبل عليه وقال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود. انظر هذا الملك العظيم يعرف الموازنات، يقول: تسبيحة واحدة سبحان الله هذه يقبلها الله أعظم من كل هذا الملك. فالقصد من هذا الكلام كله أن التعلق بالله سبحانه وتعالى ليست كلمات تقال، إنما أفعال تفعل، والله سيختبرك وينظر لك هل تصدق ولا ما تصدق، هذا الاستمرار في إثبات الصدق؛ الله سبحانه وتعالى يعين العبد على أن يملأ قلبه بمحبته، يعني لما يدعو مثل ما دعا هنا داود عليه السلام، لما يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، لما يبادر لامتثال أمر الله سبحانه وتعالى، هذا ثبات الصدق هنا تعان، هنا تعطى المحبة، أما ذلك ما تعطى والقلب هنا ينصرف، والقلب مثل ما ذكرت مفطور، يعني القلب يريد، القلب الله سبحانه خلقه حتى يملأ، أصدق الأسماء حارث وهمام، حارث من الحركة، وهمام أن الشخص يهم يريد، هذا الهم مصدره ايش؟ الحب أو البغض، هذا مصدرها، فالإنسان مفطور على أن يحب وأن يبغض، إذا ما أحببت الله ستحب غيره، إذا ما أحببت الله محبة عظيمة ستحب غير المحبة، هكذا هذه هي المعادلة، هذه المعادلة؛ لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بين بأن أعظم الناس محبة له من يتمنى أن يراني بأهله وماله، تجدونه: «أعظم أمتي حباً من يتمنى لو رآني بأهله وماله». تصور عندك أربعون ابناً ومتزوج وعندك الأموال الطائلة والكثيرة، نظرة واحدة للنبي عليه الصلاة والسلام تساوي هذا كله، مستعد؟ أو كلام؟ إذا كنت مستعد أنت الآن من أعظم الناس محبة له عليه الصلاة والسلام.

فالقصد من هذا الكلام أن هنا التعلق بغير الله سبحانه وتعالى هذا يقع عند الإنسان، طيب ما هو الحل؟ الحل أنك تملأ قلبك من التعلق بالله سبحانه وتعالى، تملأ قلبك من محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام، حتى يكون القلب مستعداً لتقبل العظة والموعظة والنصيحة والذكرى. هذا القلب مملوء، هذا لما تدخل الآيات والمواعظ والنصائح فيه تعمل عملها فيه، تؤثر تأثراً عظيماً، فينتقل هذا الإنسان من حال إلى حال فيجتني ثمرة هذه التذكرة، هذه الفكرة، يحصل هذه الفكرة، ثم يبدأ ينتقل وينتقل وهكذا، وهكذا مثل ما ذكرنا في مقدمة هذه المنزلة، كلام الحسن البصري: لم يزال القوم ينتقلون من التذكر إلى التفكر، ومن التفكر إلى التذكر، حتى ناطقوا هذه القلوب، حتى نطقت، حتى فتحت هذه القلوب بهذه الطريقة. إذاً هذا الأمر الثالث أو المفسد الثالث والقاطع الثالث.

القاطع الرابع الذي ذكر الشبع: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه». فشخص لما يشبع تقع عنده مشكلتان: المشكلة الأولى الثقل تبلد، لماذا؟ هو قوى البدن على حساب الروح، والروح علوية سماوية والبدن سفلي أرضي، هو قوى البدن وأثقل البدن على حساب الروح، فالروح تكون ضعيفة ليست قوية، فهذا الإنسان لا يتقبل كما يتقبل الشخص الذي تكون روحه قوية وحاضرة وليست ثقيلة. الأمر الثاني: أنه فتح الشرايين والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فهو يسر للشيطان وسمح للشيطان بأن يؤثر عليه، سمح للشيطان بأن يؤثر عليه.

هذه الوقفة أو القاطع الرابع المفسد الرابع، الخامس: النوم، طول النوم. الإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى ضعيف وهذا الإنسان يحتاج مفتقر إلى النوم، وأفضل النوم نوم داود عليه السلام، لأن أفضل الصلاة صلاة داود، كان ينام ثلث الليل ويقوم، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، هذا النوم هنا يكون من ست إلى ثمان ساعات، هذا النوم الطبيعي، بعض البشر ما يحتاج هذا الوقت يكون أقل، لكن عامة البشر الوقت الذي يحتاجون إليه من ست إلى ثمان ساعات، هذا الوقت الذي يحتاجون إليه. الإنسان لما يكثر من النوم، سبب الإكثار من النوم أحد ثلاثة أمور: إما مرض يحتاج أن يعالج ويذهب وينظر.

ما هو الخلل الموجود في بدنه حتى يعالج هذا المرض؟ أو يكون بسبب العين، فالعين مرض روحي، والمرض الروحي يتسبب بالنوم الطويل؛ فالإنسان لا يريد أن ينام وينام فيغلب النوم ويكون ثقيلاً دائماً. هذا يحتاج إلى رقية، وهذا يحتاج إلى رقية وقراءة للقرآن الكريم، وسيشفى بإذن الله ويقل عنده النوم.

أو يكون بسبب الكسل، فما عنده هدف في الحياة فدائماً ينام هكذا. هذا الإنسان لا بد أن يعالج نفسه، ويعرف بأنه يعيش من أجل أن يموت حتى يبعث. فأنت الآن لماذا تستعجل النوم؟ لماذا تكثر من هذا النوم؟ خذ من النوم بالقدر الذي تحتاج إليه فقط، ولا تزد على ذلك. إذا زاد الإنسان من النوم ما الذي يحدث عنده؟ ثقل، فيكون هذا الإنسان دائماً خامل، فما يكون عنده استعداد لتقبل المواعظ وكذلك النصائح، ويتذكر ما يقوله الصالحون.

وهكذا فالنوم يمنعه من كثير من هذه الفوائد، فيقطعه النوم عن الانتفاع بهذه المواعظ، وكذلك يقلل الوقت الذي من خلاله يرتقي في هذه المدارج. هذه الخمسة الإنسان لا بد أن يعالجها، ويستعين بالله سبحانه وتعالى بضبطها؛ فإذا ضبطها تكون قوة الإنسان في تقبل الموعظة والذكرى أقوى بكثير من غيره.

وكذلك طبعاً اجتناب الذنوب والمعاصي والابتعاد عنها لا شك هذا مؤثر. أبو الدرداء كما جاء في مسند أحمد كان يعظ أحد إخوته فلم يتأثر، فكرر عليه حتى تأثر؛ يعني أطال، فقال: كان ينفعك أو كنت تتأثر بما هو أقل من هذا، وكما قال: لماذا الآن طالت المدة؟ يعني في السابق كان يتأثر بأول ما ينصحه، لكن الآن نحتاج إلى وقت أطول، السبب أنه كان مسارعاً بالفتنة. فهنا المسارعة بالفتنة تجعل القلب، فالميزان كله متعلق بالقلب؛ القلب إذا كانت حياته قوية يكون التأثر قوياً، وإذا كان القلب ليست مادة الحياة فيه قوية، وليس حي القلب وليست حياته قوية وحاضرة، هكذا يكون التأثر بقدر حضور القلب.

التأثر يكون بقدر حضور القلب، يعني هذه هي المعادلة. هذا بعض ما يتعلق في مجلس اليوم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.