الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني، وأسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل التعليق على هذا الكتاب العظيم والجليل، كتاب مدارج السالكين للإمام ابن القيم. كنا قد توقفنا عند الحديث عن منزلة الاعتصام، ومعنا في هذا اللقاء الحديث عن ثلاث منازل: المنزلة الأولى منزلة الاعتصام، والثانية منزلة الفرار، والثالثة منزلة الرياضة.
المنزلة الأولى منزلة الاعتصام، وكان الإمام الهروي رحمه الله تعالى يقسم كل منزلة من هذه المنازل إلى ثلاثة أقسام أو إلى ثلاث مراتب؛ فالمرتبة الأولى تكون مرتبة العامة، والثانية مرتبة الخاصة، والثالثة مرتبة خاصة الخاصة. وعادة ما ينازع ابن القيم الهروي في المنزلة الثالثة. ويرى ابن القيم أن الحديث عن المنزلة الثالثة الذي هو بعنوان شهود السوى، أي أن الشخص لا يشهد إلا الله سبحانه وتعالى في أعماله، هنا ابن القيم ينازع على هذه المرتبة، وأطال النفس لما تكلم عن الفناء، وذكر بأن الفناء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فناء عن شهود ما سوى الله سبحانه وتعالى، وفناء عن وجود السوى، وفناء عن إرادة السوى، وأن مرتبة خاصة الخاصة متعلقة بالإرادة وليست بالشهود.
لكن الهروي جرى على ما كان يعتقده، وكما قال هنا ابن القيم: رُفع له هذا اللواء أو هذا العلم فشمّر إليه، ولم يبالِ في مخالفة من خالفه فيه. والقصد من ذلك أن ابن القيم رحمه الله تعالى هنا كان يقيم الموازين الدقيقة في ضبط طريقة التعامل مع الله سبحانه وتعالى. والحقيقة أن التعليق على كلام الإمام هنا يحتاج إلى شرح أطول من هذا بكثير، ولكن لا يمكن التعليق على كل ما يذكر الإمام، بل أنا أزعم بأن كثيراً مما ذكر الإمام لا يفقه الإنسان إلا إذا وصل إلى مرتبة قريبة منها، إلى مرتبة يستطيع أن يستوعب ما يقوله ابن القيم رحمه الله تعالى.
أما قبل أن يصل الشخص إلى إدراك هذه المعاني، فسيكون عادة بعيداً عن إدراك غور ما يقوله الإمام، لذلك ابن القيم إذا أعجزه البيان لجأ إلى التنفيس؛ وهذا هو الإنسان، لما يعجز عن أن يبين معنى من المعاني يلجأ إلى الحديث هكذا بالأبيات مثلاً، أو يأتيك بحكاية، أو يقف عند هذا ويقول لك: إذا فتح لك هذا الباب فادخل ولا ترجع بسلام، وهكذا. لماذا؟ لأنه يعجز الإنسان هنا عن البيان؛ فالمعنى لما يتضخم، ولما يدق عند الإنسان، يعسر على اللسان أن يظهره؛ فالمعاني تجتمع في جوف الإنسان، وتكبر وتكبر حتى يعجز اللسان عن إخراجها. فهنا كثير من الناس يصير إلى السكوت، أو إلى ذكر بعض الإشارات، ولا يدخل زيادة في ذلك؛ لأنه إذا وصل الإنسان سيفهم الكلام الذي نقوله، أما إذا لم يصل فليس له أهله.
لذلك ابن القيم هنا ذكر في منزلة الفرار لما تكلم عن المرتبة الثالثة، وعلق على كلام الهروي، ثم ذكر أبياتاً هي من صنعه هو، وبين بأن هذه المعاني لا يفقهها إلا نبي أو صديق؛ أما من سوى ذلك من البشر، وإن كانوا صالحين، فهذا الباب يكون مغلقاً عليهم. لما تكلم عن الحظ، وسنقرأ إن شاء الله تعالى كلام الإمام، فإن بعض الناس يكون حظه هو مراد غيره، وسيأتينا إن شاء الله تعالى الحديث عنه.
لكن دعونا نبدأ في المنزلة الأولى، منزلة الاعتصام. الاعتصام ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون الاعتصام بالله، أو الاعتصام بحبل الله، والنصوص جاءت بهذا وبهذا. أما الاعتصام بالله سبحانه وتعالى فمعناه أن العبد يتكئ على الله، ويحتمي بالله، ويستعصم بالله سبحانه وتعالى. أما الاعتصام بحبل الله سبحانه وتعالى فاختلفت تفسيرات السلف؛ فمنهم من قال: القرآن، وجاء النص بذلك، وكذلك روي عن علي رضي الله عنه وأرضاه وعن جماعة من الصحابة، ومنهم من قال: المراد به الجماعة، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.
تفسيرات السلف تجتمع فيما جاء به الدين، فالدين جاء بأن هذا الأمر منجٍ، وهذا الفعل منجٍ. فكلمة حبل الله تشمل القرآن وما تضمنه القرآن، وما جاء به القرآن. والسلف لما يفسرون، منهم من يفسر تفسير بالمثال، منهم من يفسر بالتقريب، ومنهم من يفسر بجزء المعنى، وهكذا. فيأتي العالم المتأخر مثل ابن القيم وابن كثير إلى آخره، ويجمع تفسيرات السلف حتى يقرب المعنى المطابق للنص أو للفظة أو للكلمة. فلذلك الذي يقرأ تفاسير المتقدمين ويقرأ تفسير الصحابة والتابعين وأتباع التابعين من غير أن يضبط هذه القاعدة، التي ذكرها الإمام ابن تيمية في مقدمة في أصول التفسير وطبقها هو، وكذلك ابن القيم وابن كثير، ربما يفوته كثير من المعاني. من يقرأ زاد المسير من غير أن يعرف هذا الأصل قد يفوته كثير من المعاني المتعلقة بما كان يذكره الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم والتابعون.
الذي أريد أن أقوله هنا في هذه الكلمة أن ابن القيم رحمه الله تعالى لما ذكر كلام الهروي في المرتبة الثالثة، أي اعتصام خاصة الخاصة، بأن هؤلاء يصلون إلى درجة أنهم كأنهم ينظرون إلى الله سبحانه وتعالى، وذكر هنا مصطلح الاستحذاء -والمعلق قال لعله الاستخذاء- وذكر كذلك أن في بعض النسخ المراد بالاستخذاء أي الانكسار والخضوع والذل لله سبحانه وتعالى، أما الاستحذاء فكأنه يقابل الله سبحانه وتعالى. ابن القيم لما علق على هذا النص للهروي ذكر السر الذي من خلاله يفهم هذا الكلام، فذكر بأن هذا الكلام لا يستطيع شخص أن يفقهه وأن يفهمه حق معرفته وحق الفهم إلا لما يعيش مع اسم الله القريب، أو إلا لما يعيش مع اسم الله الباطن، ويعرف معنى قرب الله سبحانه وتعالى.
فالشخص لما لا يستشعر القرب ولا يعيش مع القرب، يتعامل مع الشخص تعامل البعيد. أقرب لكم مثال، أقرب لكم الصورة: الآن شخص جالس في مكان مثل هذا وعنده شخص يحبه، هو يعلم بأنه يحبه لكن هو ما ينظر إليه أو ما يستشعر نظره إليه، كيف سيكون شعوره في التعامل معه؟ له حد معين بالشعور، وهذه المشاعر تتبعها الجوارح. لكن هو لما يكون موجوداً أمامه ويشعر كأنه ينظر إليه، هذا كيف يتعامل معه؟ سيكون تعاملاً مختلفاً. لذلك قلنا هذا اعتصام خاصة الخاصة، أي أن العبد لما يتعامل مع الله سبحانه وتعالى كأنه يراه؛ هذا هو تعامل أهل الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
طيب، إذا كان العبد لم يصل إلى هذه ولا إلى هذه، لا يكون من الخاصة، هو في منزلة أقل من هذه المنزلة، فيكون من مرتبة العامة؛ يعني من يعبد الله سبحانه وتعالى عبادة العامة التي هي يصلي، لكن هو في حال صلاته ما يستحضر أبداً بأن الله سبحانه وتعالى ينصب وجهه قبل وجه عبده إذا هو صلى. بينما علي بن الحسين زين العابدين لما توضأ اصفر وجهه، فقيل له: لما؟ فقال: ألا تعلمون بين يدي من أقف؟ ألا تعلمون بين يدي من أقف؟
طيب، الآن كلنا يتوضأ، كم مرة اصفرت وجوهنا عند الوضوء؟ كم مرة في الصلاة على هذا الوضوء؟ كيف الصلاة؟ لماذا هو اصفر وجهه؟ لأنه يعيش قرب الله سبحانه وتعالى. هذا المعنى الذي أريد أن أوصله؛ هو يعيش بأن الله سبحانه وتعالى قريب منه، ويعيش لما يقرأ مثل حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «إنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». ويستشعر هذا الصحابي هذا المعنى لما يخبره النبي عليه الصلاة والسلام، فكانوا يرفعون أصواتهم بالذكر، فقال: «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».
الواحد الآن لما يستشعر بأن الله سبحانه وتعالى أقرب إليه من عنق راحلته، كيف سيكون تعامله؟ كيف سيكون اعتصامه بالله؟ هل هذا الإنسان الذي يشعر بقرب الله منه سيتجه إلى البشر؟ يعني لما تقع عليه بلايا، هو في حال البلايا يستشعر بأن الله قريب منه، ومع قرب الله يعرف من عظمة الله وقوة الله وجلال الله وملك الله سبحانه وتعالى، هل هذا يميل إلى هذا الإنسان أو يسأل فلاناً أو يتكئ على فلان؟ مستحيل؛ لماذا؟ لأن هذا مستشعر قرب الله سبحانه وتعالى.
طيب يا ابن القيم، كيف نصل إلى هذه المرتبة؟ ابن القيم ما عنده جواب إلا أن يقول لك: لازم تعيش مع اسم الله الباطن، هو الأول والآخر والظاهر والباطن. من الباطن؟ الباطن تفسيره هو القريب. طيب القرب هذا كيف نصل إليه؟ ذكر لك الذكر، أكثر من الذكر؛ ليكون ذكر الله يجري على لسانك، والذكر مع استحضار، حتى يواطئ القلب اللسان. لما يكثر الشخص من الذكر سيأتيه ثمرتان: الأولى أن الله سبحانه وتعالى سيقربه منه، والثاني أن الذكر يوثق المعنى في القلب. هذا من حيث الإنسان هو إنسان؛ الإنسان لما يكثر من ذكر شخص معين هذا الشخص يصبح في قلبه له منزلة معينة، هكذا خلق الله الإنسان. الإنسان عبارة عن بدن وروح ونفس، هذه الروح طريقة التفاعل هي بهذه الطريقة؛ النظر يؤثر على القلب، السمع يؤثر على القلب، اللسان يؤثر على القلب، هكذا.
هذا الشق الأول المتعلق بالإنسان. الشق الثاني المتعلق بالله سبحانه وتعالى هو الأعظم، أي أن هذا العبد لما يذكر الله سبحانه وتعالى، الله سيكشف له هذه الأسرار، أو أن الله سبحانه وتعالى سيقربه له فسيحب الله سبحانه وتعالى. يعني هذا الأمر الثاني متعلق بنفس تعامل الرب مع العبد لما يستجيب العبد لأمر الله سبحانه وتعالى. الأول متعلق بالإنسان من حيث هو إنسان، لكن الثاني متعلق بفتح الله لهذا الإنسان وعطاء الله سبحانه لهذا الإنسان.
فابن القيم يريد أن يوصل القارئ إلى أن هذا المعنى -معنى الاستحضار الذي ذكره الهروي- أنك تكون هكذا كالمحاذي له، فتتعامل معه وتعتصم به كأنك تراه وكأنه هو قريب منك، هذه لا يمكن أن تصل إليها إلا لما يفتح لك ويزال عنك هذا الغطاء. طيب هذا كيف؟ يقول: عش مع اسم الله الباطن، لازم تعيش مع هذا الاسم، وتعيش مع اسم الله القريب، وأن الله قرب، وتعيش مع الآيات المتعلقة بقرب الله والأحاديث المتعلقة بقرب الله سبحانه وتعالى. فمثلاً يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر»، «إن الله سبحانه وتعالى ينزل كل ليلة في السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له». هذا قرب الرب من العبد، وقرب العبد من الرب: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فاسجد واقترب».
فهذا الذي يسجد وهو في سجوده يستحضر أنه قريب من الله سبحانه، هذه أقرب نقطة ممكن تقترب فيها من الله لما تكون في هذا الموطن، موطن الذل والانكسار، موطن السجود. فهنا السجود مع ثلث الليل الآخر، كم يكون القرب؟ هذا العبد الذي يداوم على التعامل مع الله بهذه الطريقة ويستحضر هذه النصوص ويعيش معها، هذا يصل إلى ما يذكره ابن القيم هنا في تفسير كلام الهروي. قبل ذلك لا يمكن؛ يعني قبل ذلك هذا الكلام تقرأه نظرياً، تقرأ كلامه وتتمتع به وتأخذه ذوقياً هكذا، ثم تنشر الكلام هذا، لكن كمشاعر أنك تعيش مع هذا الكلام وأنك تريد أن تصل، لا تمنع منها؛ لأنك محجوب عن هذه المراتب، لأنك ما عشت مع اسم الله القريب، ما عشت مع اسم الله الباطن، ما عشت مع قرب الله، ما أكثرت من ذكر الله سبحانه وتعالى، ما واطأت ذكر اللسان، يعني ما فتحت هذه المعاني للإنسان وهذه المراتب.
هذا الاعتصام بالله سبحانه وتعالى، أما الاعتصام بحبله سبحانه وتعالى فالمتعلق بالعيش مع القرآن، وحبل الله القرآن الكريم هو حبل الله سبحانه وتعالى ممدود، هذا الحبل هو حبل ممدود، الله سبحانه وتعالى مد هذا الحبل للبشر، فالذي يتمسك بالقرآن الكريم هذا ينجو بإذن الله. القرآن كتاب هداية، كتاب نور، الله سماه بأنه فرقان. نحن في هذه الحياة نعيش فتناً عظيمة، ونعيش بلاءات كبيرة، وهذه البلاءات والفتن تحتاج إلى معايير، تحتاج إلى موازين، تحتاج إلى معرفة الطريق الذي يكشف لنا ما يريد الله سبحانه وتعالى منا حتى نعبد الله. طيب كيف نعبده؟ من خلال القرآن الكريم، هذا صراطنا المستقيم.
هذا الكتاب العظيم الذي لا يعتصم به ما يصل إلى الله سبحانه وتعالى. فلا بد أن تصيبك هذه الفتن، هذه الخطاطيف، سهام الشيطان. نحن كل يوم في معركة مع الشيطان، والشيطان يرمينا بسهام تتلوها سهام. هذه السهام، الذي يصد هذه السهام عنك هو القرآن، الدرع الذي يحميك، الذكر. هذا يمنع الشيطان من أن يؤثر عليك. القرآن يكشف لك المراد، يكشف لك المعيار الذي يريد الله منك الآن، ويعينك كذلك على تطبيقه.
لكن المشكلة أن الناس لما يتعاملون مع القرآن ما يتعاملون معه بهذه الطريقة، يتعاملون معه على أنه كتاب للقراءة فقط. كما قال الحسن البصري: اتخذوا تلاوته قراءة، والله أنزل التلاوة ليعملوا به. يعني أنزل الله سبحانه وتعالى هذا الكتاب حتى نتدبر ونفهم ونعمل به، لكن اتخذوا قراءته تلاوة أو اتخذوا قراءته عملاً كما قال الحسن البصري. يعني جعلوا المراد الذي هو التدبر ثم بعد ذلك العمل، جعلوا مكانه القراءة، والقراءة تكفي عن هذا. القراءة مهمة، لكن القراءة من أجل أنك تعيش معها، أنك تفهم الكلام، أن تصل إليه، ثم أنك تطبقه في حياتك. هم اتخذوا تلاوته عبارة عن قراءة فقط.
فالذي يعتصم بالقرآن الكريم، القرآن يكشف لك كل شيء، ويبين لك أن المنجي من هذه الفتنة هو كذا، والمنجي من هذه الفتنة هو كذا. ولو أنك تعاملت مع هذه الفتنة بكذا ستنجو، وهكذا؛ يكشف لك القرآن الكريم هذه المعاني العظيمة. لكن الذي يتعامل مع القرآن بهذه الصورة، أما الذي لا يعتصم بكتاب الله سبحانه وتعالى فلا بد أن يضل، لا بد أن يصيبه ضلال وتوهان. ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52].
الله سبحانه وتعالى أنزل هذا الكتاب على النبي عليه الصلاة والسلام حتى يدله إلى الطريق الذي يوصل إليه، هذا قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بعد ما بعث النبي عليه الصلاة والسلام ما زال القرآن موجوداً بين أيدينا، ونستطيع أن نقرأ هذا القرآن كما قرأه السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، وننتفع بهذا الكتاب. لكن الشخص يحول بينه وبين القرآن حوائل كثيرة، من ضمنها مثلاً القراءة في غير القرآن الكريم أو في غير كتب التفسير، والذي يقرأ في التفسير يقرأ قراءة الرسم وليس قراءة التدبر والتأمل، إنما قراءة الشخص الذي يريد أن يأخذ الظواهر وليس الذي يأخذ نفس الحقائق، هنا يمنع الإنسان ولا يصل إلى القرآن الكريم، وهو لا يتمسك حقيقة بحبل الله سبحانه وتعالى إنما يكون له حظوظ وله نوازع إلى آخره، فهذه كلها تمنعه من الوصول إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وإلى مراده سبحانه وتعالى.
إذاً هذا ما يتعلق بمنزلة الاعتصام، المنزلة الثانية منزلة الفرار. الله يقول: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]. ولما ذكر الله سبحانه وتعالى ذكر الطلب أو الأمر من العباد في الذهاب إليه أتى بمصطلح الفرار، ولما ذكر الجنة قال: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: 133] وقال: ﴿سَابِقُوا﴾ [الحديد: 21]، لكن لما ذكر الله سبحانه وتعالى أتى بمصطلح الفرار. لماذا الفرار؟
الجنة أتى فيها بالمسارعة والمسابقة لما فيها من كرامات، لما فيها من نعم، لما فيها من عطيات. فالجنة هي سلعة الله سبحانه وتعالى الغالية، الجنة الله سبحانه وتعالى جعلها ثواباً لعباده المؤمنين. لكن لما قال ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، ففروا إلى الله يتضمن معنيين اثنين: الأول السرعة الزائدة، والثاني الخوف. الجنة لا يجب معها خوف، سارعوا إلى الجنة ليست مسارعة خوف إنما مسارعة رغبة.
أما الفرار، مصطلح الفرار يتضمن السرعة الزائدة، يعني فروا أسرع من سارعوا، أسرع من سابقوا، ويتضمن كذلك معنى الخوف، فالشخص ما يفر إلا لما يخاف، يفر من الأسد، يفر من الجيش، يفر من القوي، لماذا؟ خوف. وهنا يكون الفرار ليس فقط لتحصيل المرغوب بل لعدم وقوع البلاء عليه. فالفرار من المرغوب، هنا ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي فروا من غضب الله سبحانه وتعالى إلى نعيم الله سبحانه وتعالى، فروا من عقوبة الله سبحانه وتعالى. فهنا مصطلح الفرار فيه شوق زائد، وكذلك فيه خوف.
فهنا الفرار إلى الله سبحانه وتعالى يكون بامتثال المأمور وترك المحظور، وأتى بمصطلح الفرار لأن هذا المصطلح مثل ما ذكرت يتضمن الشوق، فيكون الشخص لما يفر إلى الله سبحانه وتعالى هو مستحضر الآن بأنه يذهب إلى الله سبحانه وتعالى، فيريد أن يسارع وأن يبذل كل ما يستطيعه حتى يصل إلى مطلوبه سبحانه وتعالى.
والأمر الثاني الفرار، الخوف، الهرب من النار، من غضب الله سبحانه وتعالى، فهو لا يريد أن يقع في جهنم، لا يريد أن يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، فهو يفر من الله إلى الله، أعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، فيفر من الله إلى الله، يفر من غضب الله إلى رضوان الله، يفر من عقوبة الله، من نار الله، إلى تحصيل مرضاة الله سبحانه وتعالى، والنعيم الذي أعده الله سبحانه وتعالى له. فمصطلح الفرار يتضمن هذا المعنى. ابن القيم لما تكلم هنا عن الفرار قسم الفرار إلى ثلاثة أقسام، الذي أريد أن أقف عنده هنا المتعلق بالفرار ما ذكره من الحظوظ، فدعونا نقرأ كلام الإمام هنا رحمه الله تعالى لما ذكر بأن فرار الخاصة قال: من الخبر إلى الشهود، ومن الرسوم إلى الأصول، ومن الحظوظ إلى التجريد.
يعني أنهم لا يرضون أن يكون إيمانهم مجرد خبر، حتى يترقوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه، فيطلبون الترقي من علم اليقين بالخبر إلى عين اليقين بالشهود، كما طلب إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه ذلك من ربه إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]. فطلب إبراهيم عليه السلام أن يكون اليقين عياناً والمعلوم مشاهدة.
وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بالشك في قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» حيث قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، وهو صلى الله عليه وسلم لم يشك ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنما عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة، وهذا أحد الأقوال في الحديث. وفيه قول ثانٍ أنه على وجه النفي، أي لم يشك إبراهيم حيث قال ما قال، ولم نشك نحن.
ثم قال: وهذا القول صحيح أيضاً، أي لو كان ما طلبه للشك لكنا نحن أحق به منه، لكن لم يطلب ما طلب شكاً وإنما طلبه طمأنينة. وأنا على القول الأول أن إبراهيم عليه السلام أراد أن يرتقي من علم اليقين إلى عين اليقين حتى يعظم عنده الإيمان، فهو لم يشك أصلاً، يعني هو هنا أراد أن يرتقي بالشهود. فكان عنده علم يقين، لكن لما رأى إلى صنع الله سبحانه وتعالى وكيف أن الله سبحانه وتعالى جمع هذه العظام وهذا الريش ثم نفخ فيها الروح وطارت هذه الطيور، هذا انتقل إلى عين اليقين، هذا عين اليقين أعلى بالإيمان، هذا على القول الأول.
القول الثاني إنما طلبه طمأنينة، العلم وجودي والطمأنينة نفسية، تعرف يعني مرات لما يقال لك بأنك تخاف على ابنك مثلاً أنه وقعت عليه مصيبة، أو واحد ممن تحبه وهكذا، ثم يقال لك هو بخير حال، الآن أصبح عندك علم، صح؟ لكن النفس ممكن ما زالت لم تطمئن، لكن لما تراه تطمئن، هذه هي الطمأنينة. يعني العلم لم يتغير، الذي تغير هو أن هذا الإنسان اطمأنت نفسه، فالنفس ارتاحت، العلم متعلق بالعقل والمعرفة والذهن، أما الطمأنينة متعلقة بالنفس، فقد يسلم العقل لكن النفس تبقى مضطربة، تبقى متحركة، فالإنسان يحتاج أن يطمئن نفسه.
ثم قال: ومن الرسوم إلى الأصول، فإنه يريد بالرسوم ظواهر العلم والعمل، وبالأصول حقائق الإيمان ومعاملات القلوب وأذواق الإيمان ووارداته، فيفر من أحكام العلم والعمل إلى خشوع السر والعرفان، فإن أرباب العزائم في السير لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها. هذا كلام نفيس جداً جداً جداً.
الآن عندنا قسمين من الناس، عندنا قسم من الناس يعتني بالرسوم، والرسم إما أن يكون بالعلم أو يكون بالعمل، بالعلم يعني هو يعتني بالعلم الظاهر. فعلى سبيل المثال لما تدخل مثلاً في علم التفسير، عندنا رسوم، رسوم إيش؟ مناهج المفسرين، منهج ابن كثير في كذا، منهج ابن جرير في كذا، منهج الطاهر بن عاشور، هذا اسمه الرسوم، هذا اسمه رسم العلم. في جميع العلوم هناك رسوم، وهناك حقائق، أي نفس الوصول إلى حقيقة العلم ومعرفة نفس المعنى، هذه حقيقة العلم، والأول رسم العلم. بالعمل كذلك، الرسوم أي أن الشخص يعتني فقط بظاهر العمل، فهو لما يصلي يصلي فقط حتى تسقط الصلاة عنه، لكن الصلاة هذه لها لب، لها روح، لها خشوع، هذا الخشوع والروح والعيش في الصلاة والذكر، هذا كله ما يعيش معه، فهو يعتني بالرسم.
هنا الإمام يقول: ومن الرسوم إلى الأصول، يعني الانتقال من العلم الذي لا ينفع إلى العلم الذي ينفع، والانتقال من الصورة الظاهرة إلى الحقيقة الباطنة.
الآن عندنا قسمين، عندنا قسم اعتنى بالأمور الظاهرة، وقسم مقابل له أسقط الأمور الظاهرة، حتى إن بعضهم أسقط حتى الصلاة، قال: إن لب الصلاة الخشوع إذاً نعتني فقط بالقلب من غير الصلاة. طبعاً هذا فعل الزنادقة من الصوفية، كما ذكر هنا الإمام. وهؤلاء الذين توسعوا بعد ذلك، وذكرنا لكم أن الصوفية يمرون بثلاث مراحل: المرحلة الأولى الصوفية الأولى صوفية لا إله إلا الله، صوفية صالحة، بشر الحافي، معروف الكرخي، الفضيل بن عياض، وهكذا. الصوفية الثانية صوفية لا رب إلى الله الذين كانوا يعتنون بمشهد الربوبية مثل الهروي هنا ومن كان معه، وكذلك الغزالي. وكذلك الصوفية الثالثة صوفية لا موجود إلا الله، هؤلاء أصحاب الحلول والاتحاد وأصحاب وحدة الوجود، مثل ابن عربي الزنديق وابن الفارض والتلمساني إلى آخره.
هنا ابن القيم رحمه الله تعالى قال: وهذا القدر هو الذي فات الزنادقة وقطاع الطريق من المنتسبين إلى طريقة القوم، فإنهم لما علموا أن حقائق هذه الأوامر هي المطلوبة لا روحها ولا صورها ولا أشباحها ولا رسومها، قالوا: نجمع هممنا على مقاصدها وحقائقها ولا حاجة لنا إلى رسومها وظواهرها. فهؤلاء كفار زنادقة منافقون، أي هؤلاء الذين خالفوا أمر الله صراحة. وأولئك الذين اعتنوا بالرسوم سواء بالعلم أو بالعمل قال: مقصرون غير كاملين.
يعني قد يوجد عندنا قسم كبير من العلماء وطلاب العلم يعتني فقط بالرسم على حساب حقيقة العلم وحقيقة العمل وروح العمل، وفي المقابل هؤلاء لما رأوا أولئك تركوا نفس العلم الذي أمر الله به، وكذلك نفس العمل الذي أمر الله به واكتفوا بما يزعمون بأنه هو القصد، فضلوا وأضلوا، لأنهم لم يعتصموا بحبل الله سبحانه، ولم يفروا إلى الله، إنما فروا إلى نفوسهم وجعلوا الشياطين تتمكن منهم.
هذا المعنى عالٍ جداً، وخلاصة هذا الأمر ما قاله بعد ذلك: والقائمون بهذا وهذا، الذين يرون أن الأمر متوجه إلى قلوبهم قبل جوارحهم، وأن على القلب عبودية في الأمر كما على الجوارح، وأن تعطيل عبودية القلب بمنزلة تعطيل عبودية الجوارح، وأن كمال العبودية قيام كل من الملك وجنوده بعبوديته، فهؤلاء خواص أهل الإيمان وأهل العلم والعرفان. أي أن على القلب عبودية وعلى الجوارح عبودية، فالملك مسؤول وكذلك الجنود مسؤولون، إسقاط دور الجنود أو دور الملك ليس هذا هو ما جاء به الدين، فالإسلام له ترتيب وميزان في هذه العلاقة.
فالإسلام أمر بالصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2]، وكذلك أمر بتعظيم الله سبحانه وتعالى وإجلال الله سبحانه، لكن الثقل الأكبر في عبادة القلب وليس في عبادة الجوارح، وليس من الصواب أن يحمل الإنسان جوارحه أكثر مما يعطيه قلبه إلا بالفرائض والنوافل المتأكدة. تقول لي فسر أكثر، أقول هذا الكلام له شرح، الآن إذا أردنا أن نتربى تربية إيمانية إسلامية تامة وكاملة، التربية الإسلامية التامة والكاملة نستطيع.
أن نقربها هناك أوامر الآن تفعلها؛ ما في شخص يقول أريد أن أرجع إلى مرحلة الدعوة المكية قبل أن تفرض الشرائع والشعائر فأبدأ أزكي قلبي بالإيمان وأعمر هكذا وأجرد نفسي من حظوظها إلى آخره، ثم بعد ذلك أصوم رمضان بعد 10 سنوات. أنا لن أصوم رمضان بعد 10 سنوات، سأصوم رمضان! أقول لك هذا فعل الزنادقة، هذا الذي يقوله كافر.
تقول لي كيف الصحابة هكذا تربوا؟ أقول لك الدين في بداية نزوله كان يربي الصحابة الأوائل بطريقة معينة محددة. ثم بعد ذلك استتم هذا الأمر حتى اكتمل بنيان الإسلام. نحن المراد منا الآن أن نأخذ هذا البنيان الذي تم وكمل، كما أخذ الصحابة الذين أسلموا بعد ذلك. تقول لي طيب والذي مضى؟ أقول لك تلك المرحلة ذهبت وانقضت. طيب تقول لي كيف أستفيد منها؟ أقول لك استفد منها من خلال الموازنات؛ يعني كما أن الدين عظم من شأن القلوب لنعظم القلوب، ما نجعل الجوارح هي الأصل. لكن الدين في صورته التي تمت وكملت اليوم ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]. الله سبحانه فرض أركان، بني الإسلام على خمس: صلاة، زكاة، حج، صيام. هذه كلها مفروضة عليك، فلا بد أن تفعلها وأن تقوم بها، ومع قيامك بها لا بد أن تقوي الإيمان في قلبك حتى تزيدك هذه الأعمال إيمانًا.
لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا». إيمانًا واحتسابًا متعلق بالقلب؛ إيمانًا أي اعتقادًا جازمًا بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي فرض، وهذا متعلق بالقلب، والناس يتفاوتون بهذا بقدر ما عندهم من تعظيم وإجلال وخوف وخشية من الله سبحانه وتعالى ومحبة. واحتسابًا أي أن هذا الشخص لما يصوم يحتسب، أي مستحضر بأن هناك أجر يوم القيامة ﴿إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ﴾. الذي يصوم رمضان بهذه الطريقة، هذا الصيام يزيد إيمانًا. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، إذا يزيدك إيمانًا.
لكن إذا ما كان عندك هذا، ربما صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا تعب وسهر؛ يقوم الليل ما ينتفع، يصوم ما ينتفع. لماذا؟ لأنه حمل الجوارح من غير أن يعتني بقلبه. والموازنة الدقيقة في هذا الأمر هو أن ما جاءت الأوامر بفعله بالجوارح نفعله، ولا نتركه، وما فتح على العبد فيه ليتشبث به؛ يعني شخص فتح عليه بالصيام، صم وأحضر قلبك، واعتن بقلبك، لكن إياك أن تنهك بدنك في الجوارح التي لم تفتح عليك من غير أن تعتني بقلبك، سيكون حملك كله على البدن، والنفس ما تعطي الإنسان، فما تصل المعاني إلى القلب. واضح؟ ولا أفصل أكثر؟
أتمنى أن تستوعبوا هذا المعنى جيدًا لمن يريد أن يصل إلى التربية العالية، كما وصل إليها الصحابة. شوفوا يا شباب، الصحابة بـ 20 سنة وصلوا إلى ما وصلوا إليه. الله سبحانه وتعالى يثني على صحابي ثلاث سنوات فقط إسلامه، صحابي ست سنوات يهتز له عرش الرحمن. طيب لماذا؟ الإيمان كيف وصل لهم؟ لأنهم أخذوه بالطريقة القرآنية. الآن المشكلة عندنا أننا نريد أن نربي أنفسنا ونربي غيرنا، ولا نعتني بالطريقة القرآنية، نعتني بكتب المربين، نقرأ كتب تربية وكلها كتب عبارة عن وسائل. القرآن ميزان دقيق في التربية، يقول لك هنا جاهد، هنا افعل كذا، هنا احمل نفسك على كذا. وكذلك الله كثيرًا ما يعظم نفسه في القرآن الكريم. الشافعي يقول: كلام الأئمة أي الإجماع كله شرح للسنة، والسنة كلها شرح للقرآن، والقرآن كله شرح لأسماء الله وصفاته.
يعني هنا الأسماء والصفات هي المقصودة. الأسماء والصفات كم مرة ذكرت في القرآن الكريم؟ كثيرة جدًا، غالب الآيات تختتم بهذه الأسماء والصفات. لما يأتي أمر الله سبحانه للإنسان يكون معه أسماء وصفات؛ يعني تعظيم إيماني قلبي مع مجاهدة في الجوارح لتحقيق هذا المعنى حتى يرتقي بالإيمان. لكن لما نبعد باب الأسماء والصفات من الإيمان، وفقط يكون الكلام الجوارح الجوارح الجوارح، هنا الجوارح تنهك، والجوارح ما تعطي الإنسان لأن القلب غير مساعد لها، القلب غير مساعد. لذلك لما انظروا إلى ابن البصير سعيد بن المسيب لما قال له مولاه: رأيت أناسًا في المسجد النبوي يصلون من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، يصلي أحدهم الظهر ثم لا يزال صاف قدميه إلى صلاة العصر، قال: ليست هذه بالعبادة. الآن هذه صلاة، نعم صلاة، بس ليست بهذه الطريقة. إنما العبادة.. ثم فسر معنى العبادة وارجعوا إلى النص ولا أريد أن أقوله.
هذا هو الفهم، هذا هو العلم، هذا الذي يريد ابن القيم أن يوصله إلينا. ابن القيم هنا كلامه ينقسم إلى قسمين كبار؛ قسم متعلق بالمعاني العامة والواضحة والبينة والعظيمة في الإخلاص، في التجرد، في الشكر إلى آخر هذه المعاني الكثيرة. وقسم ثان ميزان دقيق جدًا؛ هو عالم، وكذلك واعٍ للصوفية، هو مدرك أن الأمة الإسلامية تفرقت وابتعدت، وأن الميزان الآن الشخص -يا شباب- لما يدخل في معركة يكون الناس منقسمين فيها إلى 100 قسم، وهو يريد أن يوقف الناس عند الوسط، يعاني معاناة كبيرة جدًا؛ كيف الآن يضبط طلاب العلم والعلماء حتى يبين لهم أنكم زدتم في هذا الباب، وتوسعتم في الرسوم كثيرًا كثيرًا، فلا تظنوا بأن هذه ستنفعكم يوم القيامة، هذه زيادة على مراد الله سبحانه وتعالى، وإن كان هذا من العلم الذي لا يضر لكنه ما ينفع، بل ليست هذه العبادة التي الآن الله يريدها منك.
فقد تطلب العلم في كتاب معين وتقرأ كتابًا، لو قرأت غيره لكان أفضل، ولو ما عرفت هذا وعمرت هذا القلب بهذه العبادة لكان أعظم. يعني ابن القيم يريد أن يضبط هذه الموازين الدقيقة جدًا، وابن القيم لا يريد أن يعطي كلامًا عامًا في القسم الثاني من كلامه، وهو كثير في هذا الكتاب، إنما يريد أن يقربك حتى يوصلك إلى نفس المعيار. ثم هؤلاء الذين توسعوا بالعبادة حتى أوصلت غلاة هؤلاء الذين أسقطوا العلم إلى -والعياذ بالله- زندقة وإلى آخره، وكذلك من توسع مثل الهروي هنا رحمه الله تعالى في مشهد خاصة الخاصة في شهود السوى؛ ابن القيم يريد أن يضبط هذا المعيار كذلك، يريد أن يقرب هؤلاء حتى يوصلهم إلى نفس المعيار الديني؛ يعني يريد أن يبين لهم نفس العبادة التي يريدها الله سبحانه وتعالى؛ فالقلب عليه عبادة والجوارح عليها عبادة.
من السهل عند الخلافات الثنائية هذه أن الشخص يرجح كذا أو كذا، يرجح العلم أو يرجح العمل، يرجح الجوارح أو القلب؛ هذا ككلام عام سهل، وككتطبيق كذلك ليس بالأمر الصعب، لكن لما تريد أن تضع الميزان، تريد أن تبين أن القلب حظه كذا وكذا، وعبودية القلب كذا وكذا، وعبودية الجوارح كذا وكذا، وفي هذه اللحظة الآن نريد أن ندمج بين هذا وهذا، هذا هو الذي يروم ابن القيم أن يوصله إلى القارئ. ولكن هذا صعب وشاق، لذلك يعجز، لذلك يقف اللسان. ذكر هنا بعد ذلك ومن الحظوظ إلى التجريد؛ بعدما ذكر هنا يريد الفرار من حظوظ النفس على اختلاف مراتبها، فإنه لا يعرفها إلا المتمكن بمعرفة الله ومراده وحقه على عبده، وما إلى نفوسهم وأعمالهم وآفاتها. وربما مطالب عالية لقوم من العباد هي حظوظ لقوم آخرين، يستغفرون الله منها ويفرون إليه منها، يرونها حائلا بينهم وبين مطلوبهم.
يقول هنا: وربما مطالب عالية لقوم من العباد هي حظوظ لقوم آخرين. يعني قسم من العباد يرى بأن هذا أعلى ما يمكن أن يصل إليه، القسم الثاني يرى بأن نفس هذه العبادة فيها حظ نفس كبير، هو هذا معنى كلام: حسنات الأبرار سيئات المقربين. فالأبرار لما يفعلون عبادة معينة بالنسبة للمقرب هذه العبادة.. يعني كيف ألقى الله بها؟ يعني هذا الإنسان الذي يحرص مثلاً على الصف الأول على تكبيرة الإحرام، حسن؟ حسن. الثاني يقول لك أنا كيف أدخل المسجد بعد الأذان؟ ويأتي بعد الأذان. يعني مرة كنا نتحدث مع أحد المشايخ يقول كان عندي عامل يعمل معه، هذا يقول ما يدخل المسجد إلا قبل الأذان. يقول مرة كنا في طريق في السيارة وكان الطريق مزدحمًا، والشيخ هذا إمام مسجد، يقول اقترب وقت الأذان وبين الأذان والإقامة نصف ساعة، يقول فلما اقترب وقت الأذان، والله بدأ يتنهد! يقول أنا خفت، يقول ثم بدأ يشمر عن ثوبه، عن أكمامه، بدأ يضطرب، يقول فقلت له: يا فلان ماذا بك؟ فقال: الصلاة! خلاص اضطرب ولم يعد يسيطر على نفسه. يقول قلت: باقي نصف ساعة! يقول: لا، أنا ما أدخل المسجد بعد الأذان، أنا لا أدخل إلا قبل الأذان. يقول فلما رأيت وزاد اضطرابه والطريق مزدحم يا أخي، قلت له: إذا تريد أن تفتح الباب وتنزل وتذهب إلى أي مسجد قريب اذهب. والله بمجرد ما قلت له هذا الكلام فتح الباب وجرى! لا يريد أن يقول المؤذن الله أكبر وهو لم يدخل المسجد. تصور هذا في زماننا هذا.
طيب هذا الإنسان لما تأتي بشخص آخر يذهب إلى المسجد قبل الإقامة بدقيقة، أو تفوت أحيانًا تكبيرة الإحرام إلى آخره ولا يشعر؛ هذا كيف ينظر إلى هذا؟ الأول الذي هو حريص على الأذان، ليس تكبيرة الإحرام، الأذان! هذا بالنسبة له ما فعل هذا مصيبة وكارثة. فالقصد هنا هذا كلام الإمام رحمه الله. لذلك قال هنا: وبالجملة فالحظ ما سوى مراد الله الديني منك كائنًا ما كان، ما بين حظ محرم إلى مكروه إلى آخر ما ذكر. ثم قال بعد ذلك: وأما تجريد عبادته على مراده من عبده، قال: فتلك منزلة لم يعطها أحد سوى نبي وصديق من البشر. يعني هنا عجز. خلاص.
يعني هو يعبد الله سبحانه وتعالى العبادة التي يريدها الله منه سبحانه تامة وكاملة، يعني لا حظ له يخالف الحظ، الذي ينزل هذه المرتبة لأن الحظ ينقسم لقسمين كما ذكر ابن القيم هنا: حظ يعين الشخص وحظ يمنعه. هذا الحظ الذي يمنعه هو غير موجود عنده أبدًا، إنما فقط مراد الله سبحانه. يعني هو كما ذكر هنا عن الجميل قال: لا أريد إلا الذي يريد. أنا لا عندي إرادة إلا إرادته، يعني لا أريد إلا مراد الله، أنا لا أريد أن أفعل إلا الذي يريده الله سبحانه وتعالى مني، هؤلاء هم. لذلك هنا قال: هؤلاء سوى نبي أو صديق من البشر، يعني هذه المرتبة خاصة للأنبياء والصديقين، بس، ليست للآخرين.
ثم قال: فبالجملة فصاحب هذا التجريد لا يقنع من الله بأمر يسكن إليه دون الله، ولا يفرح بما حصل له دون الله، ولا يأسى على ما فاته سوى الله، ولا يستغني برتبة شريفة وإن عظمت عند الناس، فلا يستغني إلا بالله، ولا يفتقر إلا إلى الله، ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله، ولا يحزن إلا على ما فاته من الله، ولا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجاب الله عنه، فكله بالله وكله لله وكله مع الله، وسيره دائمًا إلى الله. قد رفع إليه علم فشمر إليه، وتجرد له مطلوبه فعمل عليه، تناديه الحظوظ إليه وهو يقول: إنما أريد من إذا حصل لي حصل لي كل شيء، وإذا فاتني فاتني كل شيء. فهو مع الله مجرد عن خلقه، ومع خلقه مجرد عن نفسه، ومع الأمر مجرد عن حظه؛ أعني الحظ المزاحم للأمر. وأما الحظ المعين على الأمر فإنه لا يحطه تناوله عن مرتبته ولا يسقطه من عين ربه.
وهذا أيضًا موضع غلط فيه من غلط من الشيوخ، وظنوا أن إرادة الحظ نقص في الإرادة، والتحقيق فيه أن الحظ نوعان: حظ يزاحم الأمر، وحظ يؤازر الأمر فينفذه؛ فالأول هو المذموم، والثاني ممدوح، وتناوله من تمام العبودية، فهذا لون وهذا لون. ثم ذكر بعد ذلك منزلة الرياضة، وأجمل كلام هنا عن منزلة الرياضة بتمرين النفس، فالإنسان يحتاج دائمًا أن يعود نفسه على الاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى، ويعود نفسه على تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى، وإذا قال له شخص إن الله يريد كذا أو يحب كذا، وعلم بأن هذا هو مراد الله، ما تحتمل نفسه أن يرد على هذا، يعني لا يكون.
إذا كان هذا أصغر منه سناً، أو كان هذا الإنسان أقل منه علماً إلى آخره، إذا أخبره بأمر يحبه الله فيستجيب لله سبحانه وتعالى وينفذ أمر الله ولا يبالي في سبيل ذلك؛ دائماً يعود؛ لأن الرياضة هنا ترويض للنفس، والنفس شاقة. واهم من ظن بأنه لا هوى عنده، النفس لها هوى، والهوى يكون للوطن، ويكون للجنس. شيخنا المعلمي من طلابه ما ذكر يقول بأن في بعض النساء يملن إلى ترجيحات عائشة رضي الله عنها وأرضاها الفقهية في مناقشتها مع الصحابة لأنها أنثى. تصور إلى أي درجة! وأحياناً شخص يميل إلى كون هذا من قبيلته أو هذا من عشيرته أو هذا من بلدته، ولا يتجرد إلا الصافي والنقي جداً من النص. الوصول إلى درجة أن العبد لا يريد إلا الله وأنه لا يميل.
كما كان عمر بن الخطاب، تلك قوة نفس كما قال عنه الحافظ إبراهيم. انظر كيف أن أبناءه لما أتوا من العراق وتاجروا بأموال الصدقة فردوها إلى بيت المال، حتى شكوا ذلك إلى عثمان وأدخلوا عثمان يقضي بينهم. وانظر ولما حضرته الوفاة أدخل ستة، ما أدخل سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ولا عبد الله بن عمر. هذه من يفعلها؟ هذه يفعلها عمر. القصد أن هذا التجرد الكبير من شخص ما بس ينقاد للحق ويكون نفسه ما تميل إلا إلى الحق، يعني النفس ما يتعلق بها أي شيء غير الحق، هذه مرتبة منيفة جداً وعالية وتحتاج من الإنسان رياضة قطعاً. تحتاج أن الشخص دائماً يعود نفسه على الاستجابة، ودائماً يعود نفسه على تنفيذ المراد، ودائماً يعود نفسه بأنه ما يميل إلا مع مراد الله سبحانه وتعالى، وأنه دائماً يحقق الذي يريده الله سبحانه وتعالى منه.
هذا هو الذي يوفق إلى الوصول إلى مراتب عالية، أما إذا ما كان بهذه الطريقة فالصديقية والمراتب هذه يكون بينه وبينها مفاوض؛ هو فقط يتكلم عنها كلاماً، مجرد كلام، ويقرأ ومعنى الصديق وهكذا تعاريف تكون رسوماً، لكن كتطبيق عملي هذه المرتبة لازم الله يعين الإنسان. والله سبحانه وتعالى يفتح للإنسان هذه الأبواب لما ينظر إلى صدق الإنسان، يعني الإنسان حقيقة يريد أن يصل إلى هذه الموعظة ولا يتعلق إلا بالله، ولا يريد إلا ما عند الله. ولو نصح الصغير ولو كلم سيستجيب إذا كان ما يوجد حائل بينه وبين الانتفاع بالموعظة، وهذا شاق جداً. الشخص ممكن يستجيب لشخص أعلى منه.
لكن لما يأتيك الأمر من شخص أصغر منك، أو شخص أقل منك نسباً، أو أقل منك مرتبة اجتماعية، أو يكون عاملاً مثلاً هكذا عندك، هل تتعامل معه مثل ما تتعامل؟ هل تفعل مثل ما كان يفعل عمر أن يقرب خباباً وبلالاً، ويقول أبو بكر: «سيدنا وأعتق سيدنا» يعني بلالاً؟ عمر يقول سيدنا، أي نعم، يقول سيدنا بلال؛ لأن بلالاً له مقامات. فهنا التعامل بهذه الطريقة. ولما أتوا؛ انظروا لهذا المشهد العجيب، كان جماعة من مسلمة الفتح ممن أسلم بعد فتح مكة من كبار العرب كبار قريش؛ أبو سفيان وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، هؤلاء العلية، كانوا واقفين بباب عمر، فلم يدخلهم عمر، وأذن للضعفاء الذين لا أنساب لهم عالية، إلى خباب وإلى عمار وإلى بلال، فدخلوا. فتعجب هؤلاء، وقال بعضهم: يدخل هؤلاء ونحن نقف عند الباب؟ فرد عليهم سهيل بن عمرو وقال: إنهم أسرعوا وأبطأتم. والله ما فاتكم من الأجر أعظم مما ترونه في هذه الحياة. يعني هؤلاء استجابوا، أما أنتم ما استجبتم. وانظروا إلى عمر كيف الآن يقدم هؤلاء ولا يبالي بهؤلاء علية القوم؛ لا يبالي، إنما هو الذي يقوده فقط أمر الله سبحانه وتعالى.
الذي يريد أن يفهم هذا المعنى ينظر إلى الصحابة، لينظر إلى تطبيقات الصحابة رضي الله عنهم. هذه المعاني ما تشرح بالعبارات، ما تشرح بالتعاريف، إنما بالتطبيقات العملية. فانظر إلى سيرة الصديق، وانظر كيف لما كان يقول له علي رضي الله عنه وأرضاه: "ولكن كنا نرى أن لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حظاً" أو قال: "حقاً" فبكى. ومباشرة بكى، قال: "والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من صلة قرابتي". هذا التطبيق.
عمر كذلك، لما رد عليه العباس لما أراد أن يقتل أبا سفيان، وقال له: "لو كان من بني عبد مناف. لو كان من بني عدي لما قلت لك ما قلت، لكن علمت أنه من بني عبد مناف". فردع عمر، فقال عمر: "يا عباس، والله لإسلامك أحب إلي من إسلام أبي الخطاب لو أسلم". طيب لماذا؟ يقول: "لأنه أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم". هذا التعود، إنه وصل إلى درجة أنه لم يعد عنده حظ، خلاص هواه تبع لما جئت به، أصبح حظه هو فقط تنفيذ مراد الله سبحانه وتعالى والإجابة لأمره سبحانه وتعالى. إذاً هذا بعض ما يتعلق بدرس اليوم، والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري