دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 17 | منزلة السماع وحكم الموسيقى والغناء

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل التعليق على هذا الكتاب، مدارج السالكين، وكنا قد توقفنا عند منزلة السماع. وقبل أن نتكلم عن منزلة السماع، في اللقاء الماضي تكلمنا عن منزلة الرياضة، وذكرنا بأن الشخص يحتاج أن يروض نفسه حتى تستقيم له نفسه.

والإنسان مثاله مثال الثمرة، أول ما تظهر تحتاج إلى إصلاح وعناية وتهذيب حتى تستوي وتكون صالحة وناضجة. كذلك الإنسان، إذا ما روض نفسه وهذبها وعودها الخير، لا بد أن تقود نفسه إلى ما تشتهي وتريد. فالإنسان يحتاج إلى رياضة؛ تعويد وتدريب حتى تستقيم معه النفس، وإذا لم يروض نفسه الترويض الكافي، لا بد أن تظهر المساوئ النفسية والأخلاق غير السوية.

هل معنى هذا أن مساوئ النفس ممكن تذهب؟ أقول لك مستحيل، لكن فرق كبير جداً بين شخص يحتاج إلى ضغط كبير حتى تخرج هذه المساوئ، وبين شخص بمجرد أن يتم التأثير عليه أو ضغطه ضغطاً يسيراً تخرج منه المساوئ النفسية. بمعنى أن النفس مثالها مثال المزرعة بها ثعابين؛ بعض الناس يكون الثعبان يطل من خارج المزرعة، هو من غير شيء أصلاً نفس ظاهرة وصاحب هوى عال، والهوى عند هذا الإنسان قوي. وشخص آخر تكون الحية والثعبان بعد ألف كيلو، فيحتاج إلى ضغط كبير وكبير حتى يصل في النهاية إلى الألف.

الترويض ماذا يصنع؟ يسحب هذا الثعبان، فبدل أن يكون عند حد المزرعة، يرجع كيلو ثم ثم حتى يصبح بعيداً، حتى يصبح هذا الإنسان الذي ينظر إليه يقول: هذا الإنسان لا حظ عنده، أي لا نفس له، لا نصيب لنفسه. فهذا الإنسان فقط يريد ما يريد الله سبحانه وتعالى؛ هذا هو الصديق. لذلك الوصول وبلوغ هذه المرتبة العالية يحتاج إلى مجاهدة كبيرة وليست قليلة، والصدق ما يثبت إلا مع المجاهدة، والمجاهدة هذه هي الترويض.

فلما يأتيك موقف من المواقف وتنجح فيه، تكون عندك قوة على اجتياز موقف أعلى منه وأصعب منه، فترتقي في مرتبة الصديقية وتروض النفس عندك. لكن لما تسقط دائماً، يعني تعبد الله سبحانه وتعالى العبادات التي لا تكون فيها منازعة نفسية، لكن لما تأتي عند المنازعة النفسية، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [الحجرات: 3]، تسقط دائماً، أقول لك هنا صعب أنك تصل لهذه المرتبة، مرتبة الصديقية، لا يمكن؛ لأنه الصدق ما يأتي إلا مع المجاهدة.

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]، هؤلاء صدقوا بماذا؟ لما جاءت لحظة صعبة، أثبتت النفس فيها الصدق. لكن هذا الصدق الذي أثبتوه في هذه اللحظة كان بعد فتن كثيرة وكبيرة، فتن يومية، كانوا يروضون أنفسهم على اجتيازها حتى حصلوا قوة إيمانية معينة وتهذيباً نفسياً معيناً استطاعوا لما جاءت المواقف الثقيلة أن يفوزوا بها.

فالقصد أن هذه منزلة الرياضة تحتاج منا إلى وقفة، قد تكون أطول من التي وقفناها في اللقاء الماضي، لكن كان الحديث في المنزلتين اللتين قبل منزلة الرياضة أخذ جل الدرس، ولا يستطيع شخص أن يتكلم عن كل شيء؛ مشكلة هذه المجالس أنها ضيقة فلا يستطيع الشخص أن يتوسع فيها التوسع الكبير. لكن القصد هذه الإشارات توصل الإنسان إذا استوعب الإنسان هذه المعاني، ثم سعى في التطبيق، وليس بمجرد العلم المعرفي النظري. هذا الباب التنظير فيه ليس كبيراً، إنما الكبير هو التطبيق، لكن التطبيق يكون موافقاً للتنظير. أما أنك هكذا تكثر من القراءة ثم لا تطبق، لما يأتي الموقف ما تستفيد كثيراً ولا تنتفع بما تقرأ وتتعلمه، وبالتطبيق يفتح عليك هذا الباب وتفهم هذه الحدود وهذه المعايير.

إذاً هذا ما يتعلق بمنزلة الرياضة. اليوم معنا منزلة السماع، بعد منزلة الرياضة، تكلم الإمام عن منزلة السماع، وأطال النفس نوعاً ما بالحديث عن هذه المنزلة. منزلة السماع؛ ما المراد بالسماع؟ كلمة السماع معناها الغناء. كلمة الغناء كلمة مجملة، فلما تقرأ أو تسمع كلمة الغناء، الغناء يأتي بمعنى الحداء والشعر والقصائد، ويأتي بمعنى الأناشيد -وأصل الأناشيد هي قصائد وأبيات-، ويأتي بمعنى الغناء الذي يكون على ألحان الأعاجم وليس على ألحان العرب، ويأتي بمعنى الكلام المصحوب بالموسيقى أو أدوات الطرب؛ هذه كلها يشملها اسم ومصطلح الغناء والسماع. لذلك وقع الاضطراب والخلاف في فهم السماع المذموم من السماع الممدوح، والسماع المباح من السماع المحرم.

لما نرجع في التاريخ وننظر متى بدأ السماع في الأمة الإسلامية؟ السماع كان موجوداً قبل الأمة الإسلامية، يعني قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام، الغناء كان موجوداً. وفي زمان عائشة رضي الله عنها وأرضاها، لما خفضنا بنات أخيها -أي أختنا- وبكين، قالت: ادعوا فلاناً المغني ليغني لهن، فلما دعوه أخذ ينشد ويغني ويهز رأسه وله شعر طويل، فلما رأته أم عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: أخرجوه، شيطان، شيطان! فطردوه. هذا لم يستعمل آلات موسيقى، ولكن عبرت عن الذي فعله بأنه غناء، وكذلك بأنه شيطان.

وكذلك لما كانت عائشة رضي الله عنها في يوم العيد وعندها جاريتان صغيرتان من جواري الأنصار تغنيان بما كانت تقوله الأنصار في يوم بعاث -الأوس والخزرج-، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام في يوم العيد والجواري تغني، فاضطجع النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينظر إليهن، فدخل الصديق ونظر إلى هذا المشهد، فقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وغضب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعهم يا أبا بكر، إن اليوم عيد». وانصرف الصديق، ولم يقطع هذا الغناء ولكن أقره النبي عليه الصلاة والسلام على أنه مزمار شيطان.

وكانت الحبشة تغني في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام أو تنشد، وكانت عائشة تنظر إليهم وهم يلعبون بالحراب، فجاء عمر وحصبهم بالحصا، فقال: «خلِّ عنهم يا عمر، إن اليوم عيد، وهذا عيدنا أهل الإسلام»، قال: «حتى تعلم يهود بأن في ديننا فسحة». والأولى قالها لأبي بكر. القسم من ذلك أن حكم الغناء كان مستقراً عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فكانوا يعرفون بأنه لا يجوز وأنه محرم، والآيات في هذا كثيرة.

فمثلاً الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: 61]، السمود الغناء في لغة حمير كما يقول ابن عباس. وكذلك: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6]، لهو الحديث يقول ابن مسعود إنه الغناء. وكذلك: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64]، صوت الشيطان هو الغناء. وكان يقول كذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «صوتان ملعونان، صوتان أحمقان فاجران: رنة عند مصيبة، ونغمة عند نعمة». والشيطان طلب من الله سبحانه وتعالى بأن يكون له قرآن، فكان قرآنه هو الغناء. القصد من ذلك أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لم يكونوا يحضرون هذه المجالس، إنما كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم سماعهم هو القرآن الكريم.

وكان كذلك النبي عليه الصلاة والسلام، بل هذا الذي أمر الله سبحانه وتعالى به: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يطلب من بعض أصحابه كابن مسعود بأن يقرأ عليه القرآن، فقال: يا رسول الله، أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». فقرأ سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال: «حسبك»، قال: فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان. هذا هو السماع الذي أمر الله سبحانه وتعالى به.

والروح لها ثلاثة مداخل، تسكر روح الإنسان أو عقل الإنسان فتتمكن منه النفس ولا يكون للعقل أي أثر؛ المدخل الأول: النظر، والمدخل الثاني: السمع، والثالث: شراب المسكر. فالشخص الذي يشرب الخمر، لذة الخمر المطربة تنزع عقله، فيقول ويفعل وهو لا يشعر، أو قد يشعر لكن لا يستطيع أن يسيطر لقوة حضور النفس.

كذلك النظر، الشخص لما ينظر إلى الصورة الجميلة الحسنة، هنا يغيب عند العقل ويضعف، فيصاب بهذا النوع من السكر، وهذا أشد من الخمر؛ لأن الخمر إذا صحى منه ذهب أثره، لكن هذا لا يذهب أثره بالعادة. لذلك الذي يشاهد -العياذ بالله- الأفلام الإباحية وينظر إليها، لا يكاد ينجو من هذه الأفلام إلا الفرد بعد الفرد. لذلك شخص قبل أن ينظر إلى هذه المشاهد هو في سلامة لا يعدلها شيء، لكن بعد ما ينظر إلى هذه المشاهد يحتاج إلى مجاهدة عظيمة جداً حتى ينجو، وإن صدق مع الله سينجيه الله سبحانه وتعالى ويدخل في قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [الحجرات: 3].

كذلك الموسيقى، وهذا الثالث: السماع. السماع، نفس الإنسان فيها لذة، نفس الإنسان تميل إلى الفرح وتميل إلى الحزن، فإذا أتيت بنغمات أو هذه المقامات الموسيقية عندهم، المقامات التي تستثير الحزن بالإنسان، تجده يبكي، لماذا بكى؟ فقط من أجل -كما كان يحدثني أحد الأشخاص- يقول بأن الأناشيد الآن للأسف أغلبها فيها آهات، حتى الكلمات ما تدري سبحان الله كيف دخل الشيطان حتى في مقاطع المشايخ الذين يحرمون الموسيقى، والآهات لا تكاد تجد مقطعاً إلا وفيه آهات، وهذه الآهات حكمها حكم الموسيقى.

والعجيب أن الناس ينظرون فقط إلى الأثر، الأثر الآن، انظروا إلى دقة ابن القيم رحمه الله تعالى في شرحه لهذه المعاني العظيمة، هل الأثر الآن متعلق بالإيمان أو متعلق بحظ النفس الذي ذكرته قبل قليل؟ يعني الشخص الآن لما يسمع إلى أنشودة أو يستمع إلى موعظة ومع هذه الموعظة هذه الآهات المبكية والحزينة، هل الآن هو بكى من أجل الكلام الذي قاله أو من أجل الآهات؟ الآهات هذه حظ النفس الموجودة كما خلقها الله سبحانه وتعالى. الإنسان لما تأتي بأصوات تستثير فيه الطرب والفرح تجده يبتسم ويضحك. وتعرفون قصة الفارابي، كيف الفارابي لما دخل على قوم وكان هو متقناً للموسيقى وغنى لهم بطريقهم، فضحكوا وفرحوا، ثم غنى لهم بصورة أخرى فبكوا وحزنوا، ثم غنى لهم بصورة ثالثة فناموا وخرج.

وابن تيمية له كلام نفيس هنا في مسألة السماع ذكر في مجموع الرسائل الكبرى، وابن قيم عامة كلامه هو أخذ من ابن تيمية رحمه الله تعالى، حتى القواعد ذكرها هنا هو أخذها من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. فالقصد من ذلك أن شيخ الإسلام ذكر بأن الذي أجاز الموسيقى من هؤلاء هم الملاحدة والزنادقة مثل ابن سينا والفارابي وابن الراوندي. وكان يقول ابن الراوندي: اختلف الفقهاء في حكم الموسيقى ما بين حاكم عليه بالكراهة والتحريم أو بالإباحة، وأنا أحكم عليه بالوجوب! فالقصد من ذلك أن الموسيقى أو الغناء يؤثر في الإنسان، فحظ النفس يستثار بهذه الطريقة، لذلك تجدون الشخص يسمع موسيقى دائماً يكون متحركاً فيها، دائماً يكون متهيجاً، أثر الموسيقى يصنع بالإنسان هذا الهيجان، لكن أثر القرآن يصنع فيه السكون، الإخبات، الطمأنينة.

وابن قيم عقد في هذا الكتاب العظيم الكلام على مسألة السماع، وهذا ألفه بعد مدارج السالكين رحمه الله تعالى، فصل بين ذوق الصلاة وذوق السماع، فيقول: هل عندكم يا معشر من يسمع الغناء والموسيقى من مثل هؤلاء الذين يتلذذون بالصلاة؟ هل الذي يتلذذ بالصلاة، ما الذي تثمر الصلاة في هذا الإنسان من السكينة والطمأنينة والإخبات إلى آخره، هل الذي يسمع الموسيقى عندكم يصل فيه الحال إلى هذا؟ إذاً لماذا ما يصل؟ لأن هذا حظ النفس، أي حظ هنا؛ الخطاب ليس متعلقاً بالعقل أبداً، إنما متعلق بماذا؟ بحظ النفس الذي يوجد فيها. فحظ النفس هذا الذي يحب الطرب، أو هذا لا بأس به إذا كان الكلام مباحاً، وسياتينا تفصيل هذا إن شاء الله.

ولكن لما يكون شخص متعلقاً بهذا بالصورة المحرمة كعامة الأغاني والموسيقى المتعلقة بالحديث مثلاً عن تشبيب في النساء أو المردان أو الحديث عن هذا ما يهيج بالنفس، هذه المعاني طبيعي أن هنا النفس تكون ماذا؟ متهيجة دائماً، وهذه كما قال الفضيل بن عياض وقبله ابن مسعود قال: الغناء رقية الزنا. لماذا؟ لأن الغناء يستثير في النفس هذه المعاني، فتجد هذا الغناء أو هذه الموسيقى التي دائماً تكون عن العشق وعن كذا وكذا تحمل شخصاً على الوقوع في المحرم.

القصد من ذلك أن منافذ النفس ثلاثة التي تسكر العقل وتجعل الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى عقله فيتهيج: الخمر والشراب المسكر، والنظر المحرم، والسماع المحرم. هذه الثلاثة، لما نأتي عند السماع المحرم، السماع المحرم الذي أكثر العلماء من الحديث عنه هو السماع المتعلق بالصوفية، وليس الصوفية المتقدمة، إنما الصوفية المتأخرة. نعم هو بدأ في بغداد وفشا وانتشر فيها في زمان الشافعي، فخرج الشافعي من بغداد ولما ذهب قال: خلفت في بغداد شيئاً يصدون به الناس عن القرآن الكريم، التغبير، وكان عبارة عن قضيب يأخذونه ويضربون به، يعني صورة بسيطة من الموسيقى، ليس مثل الآن آلات الموسيقى المتطورة الموجودة، إنما صورة بسيطة، وهذا السماع بالنسبة للشافعي يصدون الناس به عن القرآن الكريم.

وكذلك حكم العلماء عليه بالتحريم، بل نقل الإجماع وبعضهم أحصى خمسين إجماعاً، وابن تيمية رحمه الله تعالى تكلم في هذه المسألة لما سئل في المجلد الثاني من مجموع الرسائل الكبرى، تكلم عن حكم الموسيقى وذكر فيه الإجماع وهو مسبوق بذلك. فالقصد، ولم يبح من السلف الصالح الموسيقى أو الغناء إلا ما يروى عن إبراهيم بن سعد في المدينة، والعنبري في البصرة فقط، أما البقية كلهم مطبقون على حرمة الغناء والموسيقى.

المتعلق بالسماع هو السماع الذي يتقرب به الناس إلى الله. تقول لي كيف؟ أقول لك هذه المشكلة كانت موجودة في زمان ابن تيمية وابن القيم، وفشت عند الصوفية المتأخرة، والتي صنف القشيري كتابه الرسالة وذكر هذا السماع الذي يتقرب العبد به إلى الله، وقبله ابن طاهر، وابن طاهر كان له قول في هذا شهير، وكذلك الصوفية المتأخرة؛ فأصبحوا يرون بأن السماع يتقرب به العبد إلى الله سبحانه وتعالى، أي السماع المحرم. لماذا؟ يقول لك بأن هذا السماع يستثير في الإنسان هذه المعاني. وبعض الزنادقة من هؤلاء يرون بجواز النظر إلى الصورة المحرمة، ويستدلون بهذه الصورة المحرمة على عجيب خلق الله وقدرة الله سبحانه وتعالى في صنع وتصوير هذا الإنسان وهذه المرأة بهذه الصورة، وكيف أن هذه الصورة تدل على كذا، وكيف بعضهم يقول: نستحضر الحور العين.

وابن القيم يقول: نسي بأن هذا الأمر، وابن القيم ما ينفي هذا الشيء، يقول قد يكون هذا الأمر لكن هذا مثل مثال الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]. يعني في منافع، لكن الإثم والمضار أكبر بكثير، لا تقاس هذه بهذه. فممكن هذا الإنسان يتأثر، لكن هذا أثر عارض، ثم يذهب ويبقى في النفس هذا المعنى الذي استقر بها والتحمت به، فيبدأ هذا المعنى أو هذا الضغط النفسي يطلب من الإنسان السماع الثاني والسماع الثالث والسماع الرابع، فيضمر عنده الشاهد ويقوى في النفس داعي الحرام. انظر كيف الإمام هنا يبين هذا المعنى الدقيق المتعلق بنفس الإنسان؛ هؤلاء يدخل عليهم الشيطان من هذا الباب. ثم ابن القيم من فتح الله سبحانه وتعالى عليه، قال بأن الشيطان هنا ما يتدخل، إنما يترك النفس مقبلة في هذا الباب، لماذا؟ لأن النفس فيها هذا الداعي، فما تحتاج إلى الشيطان، فالنفس تجتمع على الصوت المحرم، فلما تجتمع على الصوت المحرم النفس تدفع الإنسان إلى الوقوع بهذا المحرم أو عاقبة هذا المحرم؛ فعاقبة هذا السماع ستوقع الإنسان بإعطاء النفس ما تشتهيه وما تريده من هذا السماع.

ثم يقول: هل هذا الكلام الذي فيه استثارة للنفس وذكر هكذا صور النساء والمردان إلى آخره، هل هذا مثل الأناشيد التي كانت تقال في زمان النبي عليه الصلاه والسلام؟ مثل ما كان يقول عبد الله بن رواحة: خلوا بني الكفار عن سبيله، اليوم نضربكم على تنزيله، ضربا يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن خليله. هل هذا مثل ما كان يقول حسان بن ثابت؟ هل هذا مثل ما كان يتغنى به الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قبل المعارك: أنا الذي عاهدني خليلي، ونحن بالسفح لدى النخيل، ألا أقوم الدهر في الكيول، أضرب بسيف الله والرسول. شتان بين هذا وبين هذا؛ يستثير في الإنسان شجاعة ومروءة والمعاني الشريفة والكريمة، وهذا يستثير فيه المعاني السيئة ورديئة. القصد أن الإشكال وقع هنا بالاشتباه، والاشتباه هذا ليس كبيراً، لكن المشكلة لما لا تكون النفس مقبلة على الحق، أي نفس الإنسان هو لا يريد، أو يريد أن يحلل، هنا تقوى عنده الشبهة فيتأول، والشبهة هذه تكون أصلها شهوة.

وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أثر الشبهة والشهوة، هناك شهوة الشخص يريدها، هذه الشهوة لما تكون موجودة عند الإنسان تأتيه الشبهة أن الصحابة كانوا ينشدون الشعر، وهذا الإنشاد كان يسمى الغناء، إذاً ما وجه التحريم؟ هذا مثال مثال الذي يقول لك أن البيع جائز والربا مثل البيع، هذا قول اليهود، هذا قول الكفار: ﴿وَقَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. ابن القيم يضرب مثالاً يقول: هذا الذي يقول هذا الأمر، هذا مثال الشخص الذي يأكل التمر ثم يأتي بالماء ويشربه يقول والخمر هو عبارة عن تمر وماء، لكن هل أثر الماء بعد التمر الذي يجتمع في البطن مثل التمر لما يتخمر؟ هذا مثل هذا بالضبط، ولكن الناس هنا تحرم وهنا تجوز؛ لماذا حرمت هنا وجوزت هنا؟ لوجود الشهوة وشبهة بسيطة، لكن لما تقوى الشهوة تجعل الشبهة كبيرة، ثم تنقلب هذه الشبهة وتصبح حلالاً، وتصبح حكماً قاطعاً، يعني هذا الإنسان يعتقد اعتقاداً جازماً بأن هذا جائز وليس محرماً، ولو أتيت بمن أتيت من علماء الإسلام يقول لك أن هؤلاء لم يقل بهذا، بل يتأول حتى كلام علماء الإسلام.

لماذا؟ يقول لك هذا حتى من ضمن شبهاتهم الشهيرة أن هذا مثل صوت الطيور، الآن الطيور لما تغرد ألا يؤثر في النفس؟ هذه الطيور، هذه الأصوات الحسنة، النفس تحب هذه الأصوات الحسنة، فما الفرق بين هذا وبين هذا؟ انظروا كيف يقيس! طيب هل هذه الأصوات الحسنة الموجودة في الكون في صورة الطيور إلى آخره تحدث في الإنسان هذه المعاني؟ أبداً، إذاً هذه المعاني ثمرة هذه المعاني ونتيجة الوقوع بالمحرمات. وابن القيم يقول: إن أتيتمونا بعالم واحد أتيناكم بألف عالم، يعني جئتم بعالم واحد يجيز هذا، نحن نأتيكم بألف عالم يحرم هذا، ومن أولى بالاتباع؟ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو فلان وفلان وفلان من أئمتكم؟ وهو قد يكون معذوراً هذا الشخص لما تقوى عنده الشبهة، قد يكون هو بذاته معذوراً، لكن هل معنى هذا أن هذا القول صواب؟ ولما يأتي شخص ويقول بأن هذا يجوز، طيب لماذا؟ وتقول بعض العلماء أجاز، بعض العلماء كفر، الذي أجاز الغناء لم يقل حتى أنه فقط محرم، مثل قدامة المقدسي، ابن قدامة كان يرى بأن الذي يستحل الغناء ويقول بأن الغناء حلال كافر، وكذلك ابن عبد ابن حنفية، وكذلك من الشافعية ومن المالكية، وإجماعات العلماء كثيرة في تحريم الغناء والموسيقى. لماذا تترك هذه الإجماعات وتأتي بابن حزم المدرس؟ حتى ابن حزم رحمه الله تعالى لم يجز هذه الصورة، أي امرأة تقوم امرأة فاتنة جميلة وتقول هذا، لم يجز ابن حزم. فالقصد من ذلك بل نقل فيه ابن حزم رحمه الله تعالى في المحلى نقل التحريم في هذه الصورة.

فيأتي شخص ويأخذ قولاً في صورة معينة، ثم يركب من خلال هذا القول الصورة للمعاصر الحديث اليوم، المرأة تخرج لابسة شبه عارية وتتكلم فيما يثير النفوس، وكذلك شخص هو من أشباه الرجال وهو كلامه كله عبارة عن عشق وغزل إلى آخره، ثم تقول أن هذا يجوز؟ من عنده أدنى بصيرة، أدنى عقل، أدنى معرفة، يقول لك أن هذا قطعاً يقيناً لا يجوز. وهل هذا مثل سماع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؟ لما كانوا يجتمعون، عمر بن الخطاب كان يقول لأبي موسى الأشعري: ذكرنا بالله، فيقرأ أبو موسى الأشعري القرآن الكريم. هل هذا مثل هذا؟ لا يستويان. القصد من ذلك أن السماع كان له صورتان عندهم؛ الصورة الأولى سماع المتدينين، وأقصد بالمتدينين هنا الذين يتقربون إلى الله فيما يزعمون الزنادقة بالسماع المحرم، أما السماع الثاني هو سماع الفساق، وهو أخف من الأول، الذين يسمعون الموسيقى والغناء المحرم من أجل طرب النفس، هؤلاء يعلمون بأنه حرام، يعني شخص قد يكون واقعاً بهذا الحرام ويعلم بأنه حرام، أيسر بكثير من أنه يقول بأنه حلال أو يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذا الفعل وهذا الصنيع.

فالقصد من ذلك أن النصوص في هذا ثابتة وواضحة وصحيحة في تحريم النبي عليه الصلاة والسلام الغناء، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما جاء في حديث هشام بن عمار يرويه البخاري معلقاً بصيغة الجزم عن أبي عامر ومالك الأشعري أنه قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». وكثرة المؤلفات في الحديث عن هذا الأمر خاصة في زمان ابن القيم رحمه الله تعالى وابن تيمية، فكان للصوفية سلطان، وأقصد بالصوفية الصوفية الغالية، أن الصوفية لها أكثر من قسم، ما ذكرنا هذا عدة مرات، فالصوفية الغالية كان لها سلطان وكانوا يتقربون بهذه الصورة ولهم كلام طويل في هذا. وأكثر الأئمة من رد عليهم ابن القيم لما ألف هذا الكتاب، كتاب الكلام في مسألة السماع كان في سنة 740، طاف جماعة من الناس على العلماء وأخذوا يسألونهم عن حكم السماع، فسألوا سبعة من العلماء وأفتوهم، ثم كان الثامن ابن القيم، وأطال النفس رحمه الله تعالى في الحديث عن هذه المسألة، وأجاب عن جميع هذه الشبهات، وعقد مناظرة بين صاحب القرآن وصاحب الغناء، وصاحب القرآن القشيري، وهذه رسالة كتاب الرسالة للقشيري هو الكتاب الأول المعتمد عند الصوفية، وذكر فيه القشيري حل السماع وذكر كذلك أدلتها، فابن القيم أخذ هذه الأدلة ورد عليها، وبلغت الشبهات 29 شبهة، فرد ابن القيم على جميع هذه الشبهات بعدد من الوجوه، وعامة ما ذكره أصله ما ذكره أخذه من شيخه ابن تيمية.

وكذلك تلميذه ابن رجب سئل عن مسألة السماع فألف كذلك رسالة في السماع، والمؤلفات كثيرة جداً بالعشرات، بل هي تربو وتزيد على 50 مؤلفاً في السماع وحكم السماع. وكثرت كذلك المؤلفات في زماننا المتعلقة بحكم الموسيقى إلى آخره، لوجود جماعة من العلماء والدعاة وطلاب العلم أفتوا بجواز هذه الموسيقى، والعجيب أن هؤلاء كلهم منتمون للأئمة الأربعة، المذاهب الفقهية الأربعة، هم من أشد الناس نفرة من الظاهرية، ومع ذلك لما أتت هذه المسألة يستدلون بابن حزم الظاهري. ومن المعاصرين الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، هو شيخ الآن حي كبير في السن، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظه ويبارك فيه، هو كان على مذهب ابن حزم أظنه ما زال، ولكن بعدما كبرت سنه وضعفت نفسه قال: أشهد الله بأن الغناء لا يورث خيراً، إنما يورث النفاق، يعني هو كان شديداً في حتى رد عليه العلماء في وقته لما كان ينشر هذه الأقوال، رد عليه العلماء في وقته وبينوا له حرمة الغناء إلى آخره، فهو كان مصراً على قوله، لكن لما كبر قال: أشهد الله بأن النفاق ما وجد فيه خيراً، بأن الغناء ما وجد به خير.

وكما قال ابن مسعود، وصدق ابن مسعود هم الأئمة الكبار، قال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل". لماذا هؤلاء صحت عندهم العقول؟ شوف هذا كلام نفيس والله، أولئك نفر أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فتحت قلوبهم بالقرآن وليس بالأناشيد ولا بالغناء، يعني هؤلاء الأصل عندهم، أصل تلقيهم كان القرآن الكريم، القرآن يثمر. الإنسان من حيث هو إنسان، التذوق الموجود عنده من أين يأتي؟ الذوق هذا منه حسي ومنه معنوي، الذوق الحسي يأتي من البيئة، يعني شخص يأكل طعاماً معيناً فيعتاد على هذا الطعام فلا يحب أن يأكل طعاماً مخالفاً للذوق الذي اعتاد عليه، هذا الذوق الحسي. لكن الذوق المعنوي من أين يأتي عند الإنسان؟ الشخص لما يسمع شيئاً يطرب له، هذا الطرب له تجسم معلومة في الفلك مثلاً يطرب لها، ثانٍ يسمع معلومة في الرياضيات يطرب لها، ثالث في الطب، يأتي من خلال ماذا؟ من خلال امتلاء الإنسان، هذا الإنسان امتلأ بماذا؟ امتلأ بالقرآن والسنة، سيطرب لكل أو سيستلذ بكل ما يورث القرآن والسنة، شخص امتلأ بالغناء والموسيقى سيكون طربه ولذته في كل ما يورث أو ما يؤثر في هذا الشيء.

الصحابة صحت عندهم العقول، فكانوا أكمل الناس عقولاً، وهذه العقول ملئت بالكتاب والسنة فكان السماع الذي يطربون له ويرتضون به هو القرآن والسنة، لكن لما انحرفت العقول وأصبح الشخص يأخذ القرآن والسنة وغير القرآن والسنة أشياء أخرى، فامتلأ هذا بهذا، أصبح الوجدان يتأثر أو الذوق يتأثر في مثل هذه الأشياء، فممكن يتأثر بها، ممكن يبيع هذه الأمور، لكن الذي امتلأ بالكتاب والسنة ما تنشرح نفسه لهذه الأشياء. ويكون الحديث عن القصائد إلى آخره إذا كان يفعل، مثلاً الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينشدون الشعر عند النبي عليه الصلاه والسلام ويأخذون في أمر، هذا كان حظ نفس مجرد ويكون في الأمور المباحة، فيضيقون دائرة المباح حتى يبقى الشيء اليسير، هذا الشيء اليسير هو المتعلق بحظ النفس البشرية ولكن في الأمور المباحة، ليس بالغناء المحرم، ليس بالموسيقى التي تثير ما يوقع الإنسان في المحرمات.

إذاً الغناء المحرم ينقسم إلى قسمين كبار، القسم الأول المتعلق بالموسيقى، كل أدوات الطرب محرمة إلا الدف، إلا الدف في الأعراس وكذلك للنساء. أما بقية أدوات الموسيقى فالنبي عليه الصلاه والسلام نهى عن ثمن الكوبة، الكوبة الطبل، وحرم الكوبة عليه الصلاه والسلام. والقسم الثاني من الغناء المحرم الذي تكون كلماته نفسها محرمة، يعني نفس هذا الكلام يكون هذا حتى لو ما كان غناء وما كان فيه إنشاد يكون محرماً، لكن هذا لما يكون على صورة مثل ما فعل ذلك الرجل إذا دخل على عائشة رضي الله عنها وأرضاها وعن أخيها كذلك، وكان يهز شعره، هذا كذلك محرم. فالغناء الذي يكون معه موسيقى حتى لو كان الكلام مباحاً، الموسيقى نفسها محرمة، حتى لو ما كان معها كلام، مجرد الموسيقى هذه محرمة، لما تستثير في النفس من هذه الدواعي، وكذلك ولما يمتلئ أو النفس تعتاد وتدمن.

الموسيقى يعسر عليها أن تسمع القرآن، ويصعب عليها جداً، وإذا قرأت القرآن كما ذكر هنا ابن القيم ما ترك شيئاً. بعض الناس يقول لك: طيب، في بعض القراء كان يسمع موسيقى، لا شك أن هذه زلة وهذه هفوة ولا تجوز، وهذا قال ليس بحجة أصلاً في الدين، حتى يأتي شخص ويقول قال فلان إنه سمع كذا، وهذا لا شك بأنه لا يجوز. لكن كذلك الشخص لما يذكر هنا، تجده يذكر وهو بارد، لا تصل معاني القرآن إلى قلبه وإلى نفسه، لماذا؟ لأن الموسيقى والغناء أصبحا حاجزاً، ولا يجتمع في قلب الإنسان الموسيقى مع القرآن الكريم والغناء المحرم مع كلام الله. لماذا؟ لأن كلام الله يدعو إلى الخشوع، كلام الله يدعو إلى الإخبات والطمأنينة، أما الموسيقى فإلى الهيجان.

إذا كان الكلام مباحاً لا بأس به في المواطن التي تحتاج النفس فيها مثل السفر، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يسمع ويطلب من بعض أصحابه أن ينشدوه شعر أمية بن أبي الصلت، قال فأنشدته مائة قافية، فلا بأس به. كذلك كانوا لما كانوا يحفرون الخندق كانوا يقولون: «واللهم لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الألى قد بغوا علينا، وإن أرادوا فتنة أبينا». هكذا كانوا يرفعون أصواتهم ومعهم النبي عليه الصلاة والسلام «نحن الأنصار والمهاجرة»، الأبيات التي كانوا يقولونها، فكانوا ينشدون هذه في وقت العمل، هذا لا بأس به وهذا يعطي نشاطاً وقوة. لكن أن يكون هذا مكان القرآن الكريم، هذا حتى المباح الإكثار منه يجعل الشخص لا يسمع القرآن، وأنتم تجدونه، انظر الذي يسمع نشيد، انظر كم ساعة تسمع نشيد وكم ساعة تسمع القرآن الكريم، ولماذا يشق عليّ كثيراً لما تسمع القرآن؟ لأن النشيد موجود. هل هي محرمة؟ لا، ليست محرمة، لكن كثرتها تجعل القلب يصدأ، فهي تسمعها في لحظات معينة لا بأس، أما الغناء الذي يستثير في النفس مثل ما ذكرت معاني الفسوق والفجور إلى آخره، فهذا لا يشك عاقل بأنه محرم، وانظر إلى عاقبة هذا.

ثم ذكر ابن القيم ثلاث قواعد كلها أخذها من ابن تيمية، القاعدة الأولى: هل الذوق والوجد هذا هو الحاكم أو محكوم عليه؟ يعني ذوق الإنسان من خلاله نحكم على شيء بالصحة والخطأ، أو هو لا بد أن نحاكمه إلى شيء آخر؟ من الذي يحكم على الذوق؟ الكتاب والسنة. فنرجع إلى الكتاب والسنة وننظر ما الذي قاله القرآن الكريم وما الذي قالته سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا هو الحكم، ليس ما يجده الإنسان من نفسه، وإن كان يجد هذا ويرى بأنه يدفع إلى كذا وكذا فهذا لا شك بأنه باطل على النفس. كبار الصوفية إذا كانوا يجزون هذا من المتقدمين ثبت عنه مثل الجنيد بأنه رجع وندم على هذا، بل قبل الجنيد هو سيد الطائفة، قبل الجنيد ما كان الفضيل بن عياض ولا أبو سليمان الداراني ولا إبراهيم بن أدهم إلى آخره كانوا يفعلون ويصنعون هذا الأمر. لكن هذه المشكلة الكبيرة التي تقع عند الناس يأخذون أصل شيء ثم يتوسع عندهم ثم الشيطان يسحبهم إلى باب هكذا بعيد، وكثير نحن في زماننا هذا ما زالت الصوفية التي تتقرب بالرقص إلى آخره موجودة وعندهم مثل هذا، ولا شك هؤلاء في ضلال بعيد وكبير.

ولكن السواد الأعظم من الناس اليوم عندهم مشكلة بالموسيقى عموماً والأغاني عموماً، والشخص لما يدمن الموسيقى والأغاني يصعب عليه جداً أن يسمع القرآن، ويثقل كثيراً، فتجد الشخص لما يقف بالصلاة عشر دقائق يتعب، هو نفسه هذا ممكن يدندن ساعات طويلة. كان حديث أحد المشايخ يقول: مرة صليت بالناس وقرأت فيهم سورة الفجر، يقول بعد الصلاة قام شخص في المسجد وعاتبني عتاباً شديداً: "أطلت علينا ونحن لسنا في رمضان"، من هذا الكلام، كان في صلاة العشاء أو كان في صلاة المغرب، يقول فرجعت بعد ذلك، وكان في عرس، يقول رأيته هو في العرس، أنا دخلت العرس سلمت عليهم، هو كان شاعراً، اللي يسمونه "القلطة" اللي يقول، فذهبت ونمت وقمت إلى صلاة الفجر، يقول ذهبت إلى المسجد وهو ما زال واقفاً ومعه الميكروفون ويقصد، ست ساعات ربما أو سبع ساعات هو واقف يقصد، وما احتمل عشر دقائق سورة الفجر! لماذا؟ لأنه اعتاد، الإنسان هذا خطر كبير، لذلك أنا أدعو كل من أدمن سماع الموسيقى أن تبادر قبل أن تتمكن أكثر، ما تمكنت نعم متمكنة، لكن إذا جهدت نفسك ستنفر منها مثل ما نفر منها شيوخ الطائفة هؤلاء ومثل ما ينفر منها الصالحون.

شوفوا يا شباب، نفس الإنسان ملذاته تقسم إلى قسمين، قسم من الملذات يفرض الإنسان فيه المجاهدة حتى يلقى الله، مثل النظر للمحرم، فرضك المجاهدة ما في شيء آخر، لازم تجاهد حتى تلقى الله، تبتعد حتى تنجو وحتى ما تستثير النفس عندك، هذا لن يذهب، يعني لن تأتي لحظة تقول بأن النظر المحرم لا تجد معه لذة، هذا مستحيل، لكن هذه اللذة لا قيمة لها مقارنة بلذة الإيمان التي سيعيشها الإنسان ويذوقها إذا غض طرفه وبصره عن المحرم. النوع الثاني من اللذات لذات وهمية ليست حقيقية، أنت الذي دمرت نفسك لما جعلت النفس تعتاد عليها، مثل المخدرات، المخدرات ما الفائدة فيها؟ الذي يأكل المخدرات هذا، لو الذي يتعاطى المخدرات -نسأل الله أن يحمينا وإياكم من رب العالمين- لو ما تعاطى المخدرات، هل يصبح معه شيء؟ طيب الآن الشخص لما تقول المخدرات ماذا يفعل؟ يفر منها، لماذا؟ يقول لك مضرة وكذا ولا توجد منها فائدة. كذلك السماع، السماع من هذا القسم، إذا اعتاد على سماع الموسيقى وسماع هكذا المحرمات، هو الآن النفس اعتادت وتشبث هذا النوع من الكلام في نفسه، فأصبح يطرب لما يسمع، ولما تأتي في كلام الله سبحانه وتعالى ما يتأثر كثيراً، فبقي يسمع دائماً هذا، طيب ما الحل؟ الحل أن تجاهد نفسك. ابن القيم ذكر حلاً، ذكر هنا في الكلام عن السماع وفصل فيما لم يذكره إلا إجمالاً في مدارج السالكين، ذكر بأن المتعبد الصالح لما رأى هؤلاء تمكنت منهم هذه الأهواء أو هذا المعنى، أخذ يخرجهم تدريجياً، فانتقل من هذا الكلام إلى كلام آخر وتدريجياً حتى يخف عندك هذا الشيء.

لكن الإنسان إذا زاحم هذا النوع من الغناء والموسيقى بكلام الله سبحانه وتعالى، في البداية يتأذى، لماذا يتأذى؟ لأن الشخص لما يعتاد على الظلام ثم مباشرة يدخل عليه النور يشعر بأيش؟ بالألم، ثم بعد ذلك يعتاد يرجع إنساناً طبيعياً. كذلك هنا، الشخص الذي اعتاد المحرم تكون نفسه قد تشبثت بهذا المحرم، هذا المحرم تشبثت النفس فيه لأنك سمحت للنفس بأن تتعاطاه، لو ما سمحت للنفس لن تتأثر فيه، يعني لو من البداية ما تسمع موسيقى لن يسبق القرآن إلى قلبك كما سبق للصحابة، نفسنا تنفر، لماذا؟ لأنها اعتادت على سماع كلام الله سبحانه وتعالى بخلاف من اعتاد على هذا. كذلك يشاهد الأفلام ويشاهد هذا، كله تستطيع أنك تخرج منه، ليس فقط تخرج بل ستنفر منه، تقول لي كيف نفسي متعلقة به؟ أقول لك التعلق هذا سببه أنك سمحت لها وهو متمكن في نفسك بصورة معينة أو بكمية معينة، إذا جاهدت نفسك على الخروج واستعنت بالله، وأنت الآن مثالك مثال تسلق جبل يخرج من هذا الوحل، وصلت إلى قمة الجبل لن تقبل بالرجوع إليه، بل ستنفر وتتعجب كيف كنت في السابق تسمع ذلك. تجدون الآن بعض الناس إذا سمع الموسيقى مباشرة يكش، لماذا؟ النفس تنفر لا تحب سماع هذا النوع من الكلام أو من القصائد الحرام، فالنفس تكش تنفر منها، وبعض الناس ما يتأثر، لماذا؟ لأن هو ما يعني إلى الآن ما تمكن هذا الأمر منه، أي كلام الله سبحانه وتعالى وحديث النبي عليه الصلاة والسلام الثالث هو الذي يطرب له، السماع هذا النوع من السماع القصد الذي يطرب الآن، لو جاهد نفسه بسماع القرآن الكريم يوم مع يوم، القرآن سيخرج هذا الإدمان، يعني النفس تبدأ تدريجياً تنقى وتتطهر بشرط أن تجاهد بشرط أن تستمر. مع الاستمرار ستلاحظ بأن النفس تغيرت وأصبحت تنفر من هذا الكلام وتستلذ وتستمتع لما تسمع كلام الله سبحانه وتعالى.

إذاً ما يتعلق بمسألة سماع الغناء هو ينقسم من هذين القسمين، ومن كان يتقرب إلى الحكام أو إلى السلاطين في الوقت الذي كانت فيه الصوفية ظاهرة -يعني في القرن الخامس والسادس إلى آخره وقبله- مثل بعض العلماء الذين أنكر عليهم قدامى الناصحين، ابن قدامة الحنبلي لما دخل على الناصر صلاح الدين الأيوبي وسأله صلاح الدين عن حكم سماع العود فأجازه، فأخبر بأنه يجوز وأن هذا مثال مثل الحداء وغيره كان موجوداً في زمان النبي عليه الصلاة والسلام، فأنكر عليه ابن قدامة المقدسي إنكاراً شديداً، وذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في ذيل الطبقات الإنكار الذي أنكره ابن قدامة، ورد ابن قدامة رحمه الله تعالى، وكان ابن قدامة شديداً بل كان يكفر من يجيز، ويقول ابن قدامة إنه كان يعرف أنه حرام ولكنه أراد أن يتقرب إلى السلطان، بغض النظر عن صحة هنا اتهام ابن قدامة الله أعلم، ابن الحنبلي كان عالماً لكن هذا الإفتاء من ابن الحنبلي لا شك بأنه محرم ولا يجوز. ومثل ما ذكرت هذا الأمر كان موجوداً عندهم حتى انتشر في ذلك الزمان، لذلك كثرت المؤلفات في الحديث عن السماع.

ونحن في زماننا اليوم في العقود الماضية أكثر المشايخ جزاهم الله خيراً من بيان حكم الموسيقى إلى آخره، وبعض الناس قد يظن بأن حكم الموسيقى والغناء هذا من الأمور العادية، هي بذاتها ليست كبيرة، لكن أين المشكلة؟ فيما تورثه، في عقبتها. لكن هنا ذكر ابن القيم من ضمن القواعد، ذكرها كذلك ابن تيمية قبله وأخذها من شيخ الإسلام، بأنك إذا أردت أن تنظر هذا الفعل حلال أو حرام، انظر إلى عاقبته. الآن الذي يسمع الموسيقى والغناء، العاقبة ما هي؟ الغزل والعشق، هل العاقبة... العاقبة هذا المجموع إذا يسمعون إلى هذه يصل بهم هذا إلى أي شيء؟ واضح، فهنا العاقبة تكشف لك الحكم. كذلك الشخص لما يقول لك نظر، ما المشكلة بالنظر؟ أقول لك المشكلة بالنظر أنه بريد الزنا، وكثرة النظر سيوقعك في النهاية في الزنا، ثم سيفسد عندك المجتمع، ثم عندك شخص لن يقبل بزوجته، هنا لما لا تغض المرأة بصرها ولا الرجل بصره ويعتاد الشخص على النظر، هنا لن تقبل المرأة بزوجها، ولا يقع المشكلات ثم الطلاق، ثم انظر كيف الشريعة الإسلامية حسمت مواد هذه الأسباب من البداية، لأن هذه توصل في النهاية إلى هذه المقاصد الشنيعة.

فالشريعة جاءت بسد هذه الذرائع وإغلاقها، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ الله لما ينزل مثل هذه الأحكام هو ما يعرف خلقه سبحانه وتعالى؟ هو الخالق ويعرف الإنسان ويعرف نفس الإنسان ويعرف النفس هذه كيف تسحب الإنسان إلى حالات ما تخطر في باله، وإذا لم تسحب شخصاً هي في المجموع ستسحب. يعني شخص يقول أنا ما تأثرت، طيب والألف؟ أنت كم نسبتك من الألف؟ وهل يتم إباحة هذا الشيء من أجل فلان أو فلان؟ والألوف المؤلفة فهم يأخذون هذا ذريعة إلى الوقوع في المحرمات، لا شك بأن من عنده بصيرة وأدنى معرفة في آثار هذه الأدوات الموسيقية وكذلك هذا الكلام المحرم الفاحش، ومعرفة بسيطة بالإنسان، يعرف بأن نفس الواقع لا يحتاج أن نقول معرفة، كذلك نفس الواقع يعرف بأن هذا لا يمكن أن تأتي الشريعة الإسلامية بإباحته وإجازته. ومقارنة هذا وقياس هذا على الطيور وعلى هذه الأصوات، هذا لا شك بأنه من أعجب القياس، وهذا مثال مثال من يقيس الماء والتمر على الخمر ويقيس البيع على الربا، وهذا فعل من ليس عنده إيمان وتقوى وصلاح.

أما من عنده إيمان وتقوى وصلاح فلا يقول هذا، وإن قالها فهذه زلة، هذا القسم قد يقولها بعضهم فتكون زلة من زلات العلماء التي لا يجوز أن تتبع، ويمتحن الإنسان ويختبر بزلات العلماء. فشخص لما يكون هو ضد الظاهرية في كل شيء ثم لما يأتي في المسألة يقول لك ابن حزم قال، ثم يأخذ كلام ابن حزم ويوسع من كلام ابن حزم، ثم هذا لا شك بأنه ليس فعل الذين آمنوا، وليس فعل من يخاف الله سبحانه وتعالى، ومن يعلم بأن هناك يوم قيامة سيُسأل فيه عن كل كلمة يقولها، عن كل فعل يفعله. ولما أفتى بعض المعاصرين -نسأل الله السلامة والعافية- بجواز الموسيقى والغناء، وهو ليس من العلماء ولا حتى من طلاب العلم، إنما مناكفة فقط لمن كان يحرم الموسيقى والغناء، كان الناس والفساق يضعون الموسيقى ويمرون على بيته ويعلون صوت الموسيقى، وكتبوا في خلف السيارة أن هذه كلها في عنق فلان الفلاني، نسأل الله السلامة والعافية. فالذي يجيز للناس هذا يشيعه ويبيح لهم ويفتح لهم ويذكر مثل هذه الشبهات مثل الزمان الذي نحن نعيش فيه اليوم، زمان الكلام وزمان محبة المخالفة إلى آخره، الكل سيُسأل، القائل سيُسأل والسامع سيُسأل، وأين ينجي العبد قول فلان وقول فلان؟ فاتباع زلات العلماء لما تجتمع للإنسان توبقه، نسأل الله السلامة والعافية. إذاً هذا بعض ما يتعلق في هذه المسألة، مسألة السماع وحكم الموسيقى.

والغناء، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.