الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة هذا الكتاب "مدارج السالكين" للإمام ابن قيم الجوزية، واليوم إن شاء الله تعالى ستكون معنا منزلة الحزن.
هذه منزلة ذكرها الهروي بأنها من منازل السائرين إلى الله سبحانه وتعالى، واعترض ابن القيم رحمه الله تعالى على الهروي في هذه المنزلة، ورأى بأن هذه المنزلة ليست من المنازل التي يحبها الله سبحانه وتعالى، وليست من المنازل التي يطلب من العبيد سلوكها؛ إنما الحزن لم يأت في القرآن الكريم إلا منفياً أو منهياً عنه. كان بودي أن أسير بهذا الكتاب، لكن الكلمات التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى تحتاج حقيقة إلى وقفات. نحن بين حدين؛ بين حد يسحبنا حتى ننتهي ويكون العرض متوسطاً أو إجمالياً نوعاً ما، وبين حد يطلب منا التفصيل. وهذه المنزلة من المهم الحديث عن نفس قضية الحزن؛ فأنا أحببت أن أطرح كلام ابن القيم وأبين طبيعة الحزن الذي يعتري النفس البشرية.
كيف يعتريها؟ لا يستطيع الإنسان أن ينفك عن الحزن، لكن الحزن غير محمود في الإسلام، وكيف عالج الإسلام قضية الحزن؟ الحزن، كل إنسان عنده قلب يحزن ويفرح، هذا أمر طبيعي، لكن هذا الحزن كيف يتمكن من الإنسان؟ هل هو يتمكن من غير تدخل من الإنسان، أو أن الإنسان عنده قدرة على إخراجه، وعنده قدرة على دفعه، وعنده قدرة على التقليل من أثره؟ هذا الذي أريد التكلم عنه. الحزن ليس من المنازل المحبوبة، وليس من المنازل المأمور العبيد أن يسلكوها، ليس مثل الخشوع، ليس مثل الإخبات، ليس مثل الصبر، ليس مثل الصدق والشكر إلى آخره.
لكن الحزن طبيعي جداً أن يعتري الإنسان في سيره إلى الله سبحانه وتعالى، فالشخص الذي يسير إلى الله هو أي إنسان في هذه الحياة يعتريه الحزن؛ لماذا؟ يموت له قريب فطبيعي يحزن، يصاب بكذا وكذا فيحزن، ويتعرض إلى كذا فيحزن، هذا أمر طبيعي. والحزن يعظم عند الإنسان بقدر عظمة هذا الشيء عند الإنسان، وبقدر قوة نفس الإنسان وضعفها. شخص يصاب بمصيبة، وهذا الثاني يصاب بنفس المصيبة، هذا يحزن حزناً كبيراً وقد يموت بسبب الحزن، وهذا قد لا يحزن وقد يكون حزنه يسيراً وبسيطاً ليس كبيراً؛ لماذا؟ لأن النظرة اختلفت. هذا إنسان فقد من المال كذا، وهذا فقد من المال كذا، هذا عنده إيمان وهذا ما عنده إيمان؛ الذي عنده إيمان يقابل هذا الوارد عليه بالإيمان فيدفعه بالإيمان فيعان بإذن الله، بل قد يصل أحياناً في بعض المواقف إلى أنه يسعد.
فشخص يتخلى عن كل ماله والنبي عليه الصلاة والسلام يقول له: «ربح البيع أبا يحيى»؛ يعني افرح على هذه التضحية. معنى الوضع الطبيعي أن هذا الإنسان ما الذي يحدث معه؟ يصاب بألم كبير لأن هذا المال عبارة عن عشرين سنة عمل، فهذه الأيام كلها ذهبت هباءً منثوراً، والنبي عليه الصلاة والسلام يبين له بأن هذا ربح وليس خسارة، هذا عظيم. فالآن صهيب الرومي كيف سينظر أو كيف ستكون حاله بعد فقد هذا المال؟ فرح! كلما يتذكر هذا الموقف يشعر بماذا؟ بفرح وسرور؛ لماذا؟ لأن هذا الموقف يقدم ويقرب إلى الله سبحانه وتعالى. أما الشخص الآخر الذي يفقد ماله ولا يستشعر هذه المعاني، ممكن يورث هذا الحزن الكبير، وهذا الحزن يصل بالإنسان إلى درجة الانتحار، ويصل به إلى حال أن تتغير نفسه.
عليه، الحزن لما يقوى على الإنسان يضطرب. الإنسان كائن ضعيف، وعقل الإنسان مرتبط بنفسه ارتباطاً لا يمكن أن يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، هذه النفس لا تدري كيف تؤثر على العقل، لكن النفس هذه لما تطغى طغيان قوي، أو لما تستثير على الإنسان استثارة قوية، قد تذهب عقله، وقد يكون ذهاب العقل مرحلياً يعني مدة معينة في حال غضب هذا الإنسان الشديد، أو حزن هذا الإنسان الشديد، أو فرح هذا الإنسان الشديد فيفعل أشياء غير محسوبة، وقد يصل التأثير إلى أن يفقد العقل تماماً. كيف الإنسان يخاف خوفاً شديداً ثم فجأة يصبح مجنوناً؟ كذلك شخص يحزن حزناً شديداً ولا يرجع كما كان، هذا الإنسان خلاص الحزن يغير طبع هذا الإنسان، يغير خلق هذا الإنسان، ويتاثر العقل تبعاً لهذا التغير.
الإسلام لا يريد منا أن نحزن، لذلك إذا مات الميت، العزاء كم يوم يكون؟ ثلاثة أيام، بعد هذا ما يجوز؛ لماذا؟ حتى ما يتمكن منك الحزن، لازم تخرج من هذه الحال لأننا لسنا مخلوقين من أجل الدنيا، نحن لسنا مخلوقين من أجل هذه الحياة الدنيا، وليس من الصواب أن تجعل هذه الواردات تقطعك. مشكلة الحزن أنها تقطع الإنسان وتفتت عزمه، والعبد وهو يسير إلى الله سبحانه وتعالى يسير بالأوقات، فلما يأتي الحزن يأخذ منك أربع ساعات، يأخذ منك عشر ساعات، يأخذ منك كذا وكذا من الأوقات، يأخذ منك شهراً، هذا الوقت الذي يأخذه الحزن هذا يقطعك عن الله سبحانه وتعالى. إذاً كيف تكون هذه المنزلة من منازل السائرين؟ كيف تكون هذه منزلة من منازل العبيد الذين يريد الله سبحانه وتعالى منهم أن يعبدوه؟ لا يمكن، هذا اعتراض ابن القيم رحمه الله تعالى لأن الحزن موقف، والحزن لا توجد فائدة منه، لا توجد فائدة منه. الحزن، شخص لم يحزن ثم ماذا؟ لا يوجد شيء.
لذلك من المرات لما عرض على أحد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم الطعام وكان قد مات قريب له، فقال له: "كل"، قال له: "كل"، وذكر بأن هذه الطريق كلنا سائرون عليه، إذاً لماذا نتوقف؟ لكن أحياناً يغلب الحزن الشخص ولا يستطيع، فيذهب شيء من وقته أو يتعامل معه تعاملاً نفسياً صرفاً، وهذا ينبغي على الشخص أن يقلل منه بغاية ما يستطيع؛ يعني لا تجعل أوقات الحزن هذه تأخذ منك، لا تجعلها. لذلك لما ننظر في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، أنا أحب أربط كل شيء بالسيرة لأن فيها كل شيء، النبي عليه الصلاة والسلام كان يحزن بنص القرآن الكريم، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 97]. كلام كثير يتعرض له النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الكلام ما كان يقال له قبل أن يبعث، وأصبح الآن هذا الرجل الشريف العظيم بأبي أمي عليه الصلاة والسلام يقال عنه كذا وكذا وكذا، هذا كله يؤثر بشخص، يؤثر فيه تأثيراً كبيراً، هذا التأثير كيف عالجه القرآن الكريم؟
الصلاة، الصلاة لها أثر عظيم، «أرحنا بها يا بلال»، كان إذا حزبه أمر، شيء يحزن النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا يفعل؟ يصلي. طيب إيش علاقة الصلاة بالهم؟ الصلاة ارتباط مع الله سبحانه وتعالى، هذا ارتباط يقشع الحزن ويخرجه. فقط هذا؟ لا، أعظم من هذا أن هذا الوقت إذا ما فعلت فيه شيئاً سيذهب منك وسيؤثر عليك. والإنسان إذا فكر التفكير الذي لا يؤثم، يعني شخص فقد شيئاً من المال، أو حصلت له مشكلة، ماتت مثلاً قريبته، أو مات قريبه، أو حصل له أي شيء، فقد وظيفته، لما يفكر التفكير السلبي ما الذي يستفيد منه؟ لا شيء، ثم هذا التفكير يضره أو ينفعه؟ يضره، يفتت من عزمه. الصلاة، هذا كله غير موجود بها، وما يقطعك هذا التفكير وهذا أعظم شيء عن الله سبحانه وتعالى؛ يعني بدل أن تفكر ثلاث ساعات وأربع ساعات، قم صلِّ، هذه الصلاة تبدد هذا الحزن وتخرجه وتجدد نفسك، وكذلك تأخذ الأجر عليها، فما قطعت عن الله سبحانه وتعالى، يعني ما قطعت في سيرك إلى الله سبحانه وتعالى.
الشيطان حريص أن يوقعك بالحزن، الشيطان حريص، بل أنا أقول لكم حتى بالذنب، بالذنب تحزن، احزن بس اجعل الحزن دافعاً للعمل، الحزن طاقة نفسية، الحزن طاقة نفسية. يعني الصحابة الذين لم يجدوا ما ينفقون في يوم تبوك، ما استطاعوا أن يذهبوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً. هذا الحزن اعتراهم سبب ماذا؟ عدم القدرة على الجهاد في سبيل الله والإنفاق مع النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الحزن، هذا الحزن محمود بذاته؟ لا، لكن سبب الحزن هنا المحمود وهو الحزن على فوت الطاعة، فيؤجر الإنسان لأن في قلبه إيماناً، ليس بالحزن بذاته إنما بالسبب. ثم بعد ذلك هذا الحزن لما وقع، لما لم أستطع أن أفعل، ماذا فعلت بعد ذلك؟ هل استثمرت الوقت هذا بعمل صالح؟ بعمل خير؟ فكان الحزن دافعاً نفسياً قوياً قوياً لك حتى تكثر من الطاعات، هنا كذلك يكون محموداً، ما يثمر الحزن، لكن نفس الحزن هو ليس منزلة؛ لأن الحزن قاطع، الحزن قاطع، ليس منزلة من المنازل التي يقع فيها السالكون أو يستقر فيها السالكون أو يحرص عليها السالكون.
القصد من ذلك أن الحزن يعتري الإنسان ويصيب الإنسان، لكن كيف يتعامل الإنسان معه؟ عندنا عدة طرق، الطريق الأول الصلاة، هذا أعظم ما يفعل الإنسان، كان إذا حزبه أمر صلى، «أرحنا بها يا بلال»، «وجعلت قرة عيني في الصلاة». ومن يدخل في السيرة النبوية لا يجد النبي عليه الصلاة والسلام كثير التفكير، انظر، يعني سبحان الله السيرة شيء، الإسلام هذا مختلف تماماً عن الذي يفهمه أكثر الناس، هذا الإسلام هذا يعني تقول طيب كيف أخطط؟ أقول لك واردات قلبية، تسأل هكذا، هذه هدايات ربانية، وسأذكر كلام ابن القيم، لكن أنا قلت دعني أجعل هذا المجلس فقط للحديث عن هذه المعاني. ولكن كان بودي أن آخذ كذلك المنازل التي تليه، لكن خلاص نأخذ هذا المجلس في هذه المعاني العظيمة حتى نكشف شيئاً مما لا يتعامل الأشخاص معه كما هو، كما هو النبي عليه الصلاة والسلام.
انظر إلى يومه، كيف كان يومه؟ متى الوقت كان يفكر فيه؟ قبل النوم؟ الواحد يفكر صح قبل أن ينام، النبي عليه الصلاة والسلام كم كان يقرأ من القرآن الكريم قبل أن ينام عليه الصلاة والسلام؟ لم يكن عنده أذكار النوم، وكان جاء في بعض الآثار والأحاديث أنه كان يقرأ سورة الإسراء، وكذلك هو يكون مع أهله. طيب متى يكون وقت التفكير؟ وباقي اليوم وين الساعة التي تكون فيها وقت التفكير؟ أين هو وقت التفكير إذا كان موجوداً عنده؟ ثم لما يستيقظ من نومه ماذا يفعل؟ يصلي، كم كان يصلي عليه الصلاة والسلام في اليوم؟ كم ساعة كان يصلي عليه الصلاة والسلام؟ أربع ركعات فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يوتر بثلاث، تقول له يا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، إذاً كم كان يصلي عليه الصلاة والسلام؟ ثم بعد ذلك يخرج صلاة الفجر، ويستغفر الله ثم ينام في وقت السحر، ثم يخرج إلى صلاة الفجر فيصلي عليه الصلاة والسلام ركعتين ثم يضطجع، ثم بعد ذلك يصلي الفجر، ثم يذكر الله حتى تخرج الشمس صفراء.
فحياة النبي عليه الصلاة والسلام كانت كلها حياة عملية. طيب هو كانت تعتريه هذه العوارض التي كانت تعتريه؟ كان النبي عليه الصلاة والسلام يصدها بماذا؟ بالعبادة رقم واحد، اثنين بالانشغال، فما يوجد تفكير سلبي، لا يوجد. لما تنظر في بلاءات... أنا بودي لو أحد يقرأ السيرة النبوية ويستخرج بلاءات النبي عليه الصلاة والسلام، يعني منذ بعث عليه الصلاه والسلام، منذ قال له أبو لهب: تبا لك، هذه الكلمة هذه أول كلمة، هذا أول بلاء وقع له، أول بلاء طبعاً بعد ما أتاه جبريل وغطى، لكن أول بلاء بالدعوة كان "تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا"، من قول أبي لهب "تبا لك"، طبعاً قبل ذلك كانت هناك اجتماعات خاصة لكن ما كانت كثيرة، لكن هذا بلاء العام ثم إلى ممات النبي عليه الصلاة والسلام.
انظر كم بلاء مر عليه، والله البلاء الواحد لما تتفكر فيه تقول كيف الإنسان يعيش؟ ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان ضحوكاً، ضحوكاً يعني كثير الابتسام، "ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم". طيب كيف شخص تمر عليه كل هذه البلاءات ومع ذلك يتبسم؟ كيف هذا الأمر؟ كيف يحدث؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام تعامل مع هذه الحوادث والوقائع التعامل المذكور بالسيرة النبوية، يسبونه يشتمونه وتقول المجرمة الخبيثة: "مذمماً أبينا، ودينه قلينا"، فالنبي عليه الصلاة والسلام يبتسم، يقول: «ألا ترون كيف يصرف الله عني هذا؟ قريش يشتمون مذمماً وأنا محمد». انظر وكيف كان عليه الصلاة والسلام ينشغل، وكيف كان يخرج أحياناً إلى هذه التلاع، يبدو إلى هذه التلاع.
وكذلك مهيئ الله للنبي عليه الصلاة والسلام من أصحاب صادقين كانوا يعينون النبي عليه الصلاة والسلام ويقفون معه، فكانت تسر عليه الصلاة والسلام أسارير وجه النبي عليه الصلاة والسلام لكلمات الصحابة، وكان عمر يقول: "والله لأضحكن رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وكان هناك رجل لقب حمار واسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، ما كان يغضب لهذا اللقب، فكان هذا يضحك النبي عليه الصلاة والسلام، يعني هذا الرجل كان مع النبي عليه الصلاة والسلام دائماً يضحكه، وكذلك زوجات النبي عليه الصلاة والسلام كيف كنّ، كيف كانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها لما كانت تسلي النبي عليه الصلاة والسلام، كيف كانت خديجة قبل ذلك رضي الله عنها وأرضاها كيف كانت تسلي النبي عليه الصلاة والسلام وكيف...
النبي ﷺ أثنى هذا القسم، المرأة العجوز التي إذا أذيت أو أذيت قالت: «والله لا أذوق غمضًا حتى ترضى»، وأخذت بيد زوجها. فالقصة من ذلك أن النبي ﷺ كان يتعامل بهذه الطريقة، والله قدر له مثل هذه الأسباب.
عندنا رقم واحد: الصلاة والعبادة. رقم اثنين: أن يكون الشخص دائمًا منشغلًا، ففي الوارد هذا لا يتمكن. كيف يحدث الحزن؟ الحزن يحدث موقفًا فيصيب الإنسان، وعندما يصيب الإنسان، يبدأ عقل الإنسان بالتفكير. عندما يفكر يستقر، ولو لم يفكر لما استقر.
مثلاً، تمشي واحد "سبك" أو أخبرك شخص، أو قيل لك، أو بلغك بأن شخصًا قال عنك كذا وكذا. طبعًا لا يفترض أن ينقل الأصحاب عن أصحابهم، وهذا الذي ينقل الكلام ليس صديقًا صالحًا للصحبة. لكن لماذا يؤذيك؟ لماذا تنقل؟ لو لم تنقل هذا الكلام لما حزنت ولا عرفت هذا الشيء. لكن المصيبة أن الشخص ينقل الكلام لغيره، ولا حتى يتأول فيه، بل بعض الناس كثيرًا ما يتأولون، كأن يقول: "أقول كذا" حتى يكون على بينة. لماذا يكون على بينة؟ هل سيثمر هذا الشيء من العمل؟
كثير من الكلام لو لم يُنقل لبقي في مكانه، لأنه ليس كلامًا حقيقيًا، إنما كلام نفسي، قيل من أجل أن يقال، ونفس هذا الشخص تود أن ذاك لا يدري أنه قال عنه كذا وكذا، فماذا تنقل؟ هذا الكلام نميمة.
القصد من هذا الكلام أن هذا الإنسان لو حدث معه شيء، شخص قال له كلمة أو استمع لكلمة أو بلغته هذه الكلمة، فهو بين خيارين: خيار يخرج من هذا الواقع بسرعة، فلا يكون أثر الحزن طويلًا، ممكن الحزن يأخذ ربع ساعة ثم ينتقل ويصبح ماضيًا ثم ينسى، وهو أصلاً لا يتذكر أنه في مرة من المرات حدث معه هذا الشيء إلا إذا كان شيئًا كبيرًا جدًا، ومع ذلك يخرج منه بإذن الله.
لكن إذا لم يتعامل بهذه الطريقة، وإنما ورد عليه هذا الوارد ثم أخذ يفكر، هذا الوارد الصغير يصبح كبيرًا ويستقر في نفس الإنسان، فيعيش الحزن، فلما تنظر إليه تشعر به حزينًا. الحزن أصبح خلقًا ملتحمًا فيه لا يخرج منه، دائمًا حزين، لماذا؟ لأنه سمح للحزن بأن يتمكن منه، لكن لو لم يسمح، لو انشغل، لو خرج من هذا الواقع، مستحيل يستقر الحزن ولا يتمكن منه.
وهذا فقه تعامل الإنسان مع نفسه. لا تذهب إلى مكان تؤذى فيه، لذلك جاء في الحديث: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه»، أن يتعرض من البلاء لما لا يطيق. لماذا تذل نفسك؟ لماذا تريد تغيير نفسك وخلقك؟ إذا استمر هذا يغير خلق الإنسان، ثم يصبح هذا الوارد خلقًا، فيصبح هذا الإنسان من صفة الحزن، فكل من يجسد ذلك تجده حزينًا ولا يطيق، والحياة ليست بهذه الطريقة، والإسلام لا يريد منا أن نكون بهذه الصورة ولا بهذه الطريقة.
هذه الأمور كلها تعود إلى شيء متعلق بعلاقة العبد مع ربه، وهذا هو الأصل، ومن فتح الله له هذا الباب فقد فتح له بابًا عظيمًا جدًا من الخير، بابًا عظيمًا من التفريغ النفسي. الشق الثاني يتعلق بانشغال الإنسان، والشق الثالث يتعلق بالدائرة المحيطة بالإنسان من أصدقاء وأصحاب، وكذلك الزوج أو الزوجة، فهذا لا شك أن له أثرًا عظيمًا جدًا في إخراج الإنسان من الدائرة التي هو فيها.
وكذلك حرص الإنسان على أن يتشبه بهؤلاء الأشخاص الذين لا يستقر عندهم الحزن، ويكون حديثهم يخرجهم دائمًا، لا يجعل الإنسان يعيش دائمًا مسكينًا أو ضعيفًا، فهذا الشعور قاتل. حتى لو كان الإنسان حقيقة بهذه الطريقة، لا تعش به بهذه الطريقة؛ لأن الإنسان يخادع نفسه، وخداع النفس محمود في هذه الحالات لأنه ما يجعلك تفقد وقتك ولا صحتك. أما إذا سمحت لهذه الأمور أن تتمكن منك فلا شك بأنها تؤثر على الإنسان.
ثم لما ننظر بعد ذلك إلى الأحاديث النبوية في تعزية المصابين، كم أجر الذي يعزي المصاب المسلم عظيم جدًا؟ وكم أجر الذي يدخل السرور على المسلم؟ أعظم الأعمال أو أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم. تصور أن تخرج الإنسان من هذه الدائرة! كم الأحاديث الواردة في التيسير على المعسر؟ كم الأحاديث الواردة في الشفاعة؟ كم حديثًا واردًا في قضاء الحاجات؟ أحاديث كثيرة.
لماذا تخرج هذا الإنسان من الدائرة التي هو فيها؟ فلما يخرج منها لا تتمكن منه، ولا تقطعه، ولا تتسبب له بأمراض، ولا تأخذ منه أوقاتًا طويلة. وأنتم أكيد رأيتم أو سمعتم أشخاصًا خمس سنوات حزين، تأتيه مشكلة ثم لا يقدر له أحد أن يأتي لينقذه منها، وهو نفسه لا يقاوم نفسه، فيجلس طول عمره بهذه الطريقة، خمس سنوات أو سبع سنوات يبقى هكذا. بينما هذا الإنسان لو كان هناك شخص من البداية وقف معه أو أخذ بيده، ممكن في البداية لا يتحمل، أحيانًا يكون في الشباب الثقل نفسه عليه كالعاجز، يحتاج أحدًا يحمله.
أحيانًا تكون المصيبة على الإنسان بهذه الصورة، وهذه تحتاج من الصديق أو الأخ أو القريب أن يحمله ويخرج هذه الحموله النفسية الكبيرة، فتقل، ثم يتكئ عليه، يكون مثل العكاز له. فاجعله يتكئ عليه، لا تحمله أنت بالكامل، لأنك لو حملته ستبقى عمرك كله تحمله، وهذا ينجو من هذه المشكلة بهذه الطريقة. الآن خرجت منه ٢٠٪ من المحموله، أنت تستطيع الآن أن تقوم وتمشي وأنا معك آخذ بيدك، فيبدأ يقل تدريجيًا حتى يرجع كما كان، حتى تقول إن هذا الإنسان لم يسبق أن مرت به مصيبة.
لماذا هذا؟ لأن الحديث النبوي يحضنا ويحثنا على أن نتعامل مع الناس بهذه الطريقة، وأن نفرج عن الناس مثل هذه الكروبات، وعلى أن نخرج هذه الحموله من الأشخاص. قبل فترة كان هناك شخص تزوج، وسبحان الله زوجته لم تكن جيدة مع هذا الإنسان فطلقها، ثم بعد...
ذلك أخذ على نفسه بأنه لن يتزوج، وجلس أكثر من 14 عامًا ما تزوج، حتى أتاه رجل، انظروا، أتاه رجل، رآه ودخل عليه مدخلًا صحيحًا؛ سلم عليه وقال: «إلى متى أنت ماكث بهذه الطريقة وجالس بهذه الصورة؟ والله الكل يتمناك». بدأ يعيد له الثقة بنفسه، ثم قال: «ليش كل النساء بهذه الصورة ولا هذه الطريقة؟» وهكذا وهكذا.
هنا الإنسان يكون ضعيفًا، فماذا يفعل الشخص لما يكون في مثل هذه المقامات؟ أنا لماذا أقول هذا الكلام يا إخوان؟ نحن مطالبون بأن نعبد الله سبحانه وتعالى، نحن مطالبون بأن نسير في هذه الحياة في المدة الزمنية التي نحن الآن نختبر فيها فوق الأرض أن نعبد الله كما يريد الله منا أن نعبده.
هذا الباب من أعظم أبواب العبادة: «من يسر على مسلم يسر عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة». تصور، كربة هذه في الدنيا، كرب الدنيا كلها لا تساوي شيئًا من كربة واحدة من كرب القيامة، فكيف هذا الإنسان الذي يفرج كربة؟ كم أجر يوم القيامة وكم كرب القيامة! والله في عون العبد ما كان العبد في عون الله.
تصور الله يكون في عونك! باب عظيم جدًا بالخير، وهكذا هو الإسلام. الإسلام ليس عبارة عن عبادة خاصة تنعزل عن الناس وتنكفئ، لا، إنما تسير بين الناس بيدك. لابد أنك تفهم هذا الشيء وتستوعبه.
القصد من ذلك أن هذا الرجل أتاه ودخل عليه مدخلًا صحيحًا، ثم هذا الإنسان في هذه الصورة ترى يكون مستسلمًا، فلا تنتظر من هذا الإنسان أن يبادر إذا كنت أنت في مقام المصلح، مقام الشخص الذي يريد أن يخرج هذا الإنسان من الحزن العظيم الذي تمكن منه. فقال هذا الرجل مباشرة: «على يدك خلاص، أنا مسلم أمري كله لله سبحانه وتعالى وأنت سبب، افعل الذي أنا... خلاص أنا معك».
هذا الإنسان كيف تتعامل معه الآن؟ أنت مؤتمن، خلاص الآن لابد أنك تسعى جاهدًا، وتحتسب في هذا، وهذا باب عظيم في الخير. القصد من ذلك أن هكذا يكون التعامل؛ كثير من أقاربنا وأصحابنا يعانون من الحزن ونحن نعلم بأنه يعاني من حزن، لكن قد لا نكون بادرنا وهذا يكون تقصيرًا.
تريد أن تسير إلى الله سبحانه، تريد أن تكون ممن يسير في هذا الطريق، ممن يريد أن يكون ممن يعبد الله سبحانه وتعالى على الهدى والبصيرة؟ أخرج الناس من الحزن. الحزن بذاته ليس منزلة، لكن إخراج الناس من الحزن هذا من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى.
خلاصة هذه الكلمة: أن الإنسان هناك أمور متعلقة به هو يتعامل فيها مع نفسه ويتفاعل فيها مع نفسه حتى يخرج من هذه الدائرة التي هو يوقع نفسه فيها أو هو الذي قبل بأن يكون واقعًا فيها. والدائرة الثانية: إذا كنت أنت تعرف هؤلاء، تسعى جاهدًا في إنقاذ الناس من هذه الحفرة التي يكونون هم موجودين فيها وواقعين بها.
انتهينا من هذا الكلام، فهمنا الحزن، وأن الحزن منهي عنه ومنفي كذلك؛ الحزن لم يأتِ فيقال إلا منهي عنه أو منفي. والحزن الشيطان يريد أن يوقع العبد فيه. والشريعة الإسلامية أغلقت جميع الأبواب المتعلقة بالحزن، حتى العزاء، حتى في العزاء الحزن الطبيعي يقف الذي يقع عند الإنسان. الشريعة لا تريد أن يبقى، إنما تريد أنك تدفعه وتخرجه منك حتى لا يتمكن حتى لا يقطعك عن السير إلى الله سبحانه وتعالى، فتذهب هذه الساعات والأيام والشهور والناس تسير في طريقها إلى الله، وهذا الإنسان جالس في الحزن.
يأتي عندنا سؤال: الحسن البصري بعدما مات رؤي في منام فقيل له: «ما صنع الله بك؟» فقال: «بلغني الله درجة المقربين»، فقيل له: «بما؟» فقال: «بالخوف والحزن». ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، وذكر ابن سليم، فقيل للحسن البصري: «ما بلغ بك؟» فقال: «بغلس المقربين»، فقيل له: «الحسن البصري قال فوقي بسبعين درجة؟» فقيل له: «بما؟» فقال: «بالخوف».
إذن الحسن البصري بلغ هذه المرتبة بالخوف والحزن. الخوف واضح، لكن ما المراد بالحزن؟ الحسن البصري وابن سيرين كلهم كانوا في البصرة، وكان لهذا وذاك طلاب وأصحاب في صلاح السلف، والحسن البصري كان دائمًا حزينًا، كان يغلب عليه الحزن، فما كان حتى يتكئ وكان يقول: «لا يتكئ إلا آمن، وأنا لست بآمن». أما ابن سيرين فكان في الليل يبكي وفي النهار يضحك، يعني ابن سيرين من طبعه هكذا الابتسام والضحك إلى آخره، والحسن البصري لا، إنما كان دائمًا حتى إذا مر على الناس يضحكون يقول: «كيف يضحك هؤلاء وهم لا يعرفون هل هم من أهل الجنة أو من أهل النار؟».
يعني الحسن البصري كان هكذا يتعامل، وابن سيرين كان يبتسم ويضحك في النهار، لكن جاء الليل يبكي ويخشع. أي الخلقين أشبه بالنبي ﷺ؟ ما رأيكم؟ الذي يقول الحسن البصري، أقول لك النبي ﷺ كان ضحوكًا، وكان النبي ﷺ يبتسم، وما رئي إلا تبسم، وكان يقول: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، وكان يقول ﷺ: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعكم منهم بسط الوجه وحسن الخلق». فكان النبي ﷺ يدفع إلى هذا الخلق، يدفع إلى هذا الخلق، ويريد من الصحابة أن يتشبهوا، أن يكون هذا خلقًا من أخلاقهم الملازمة.
في الطرف المقابل، ألم يقل النبي ﷺ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفراش، ولا خرجتم إلى الأسواق تجارون»؟ كيف نجمع بين هذا وبين هذا؟ أقول لك: الجمع بينهما يقوم على ركنين أساسيين، ركز بالله عليك بهذا الكلام، هذا كلام يكشف لك أو تفهم من خلاله مواقف في السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، وقبل ذلك مواقف الصحابة، ولا تجزع عليك إن فهمت هذا الكلام كما هو.
الركن الأول المتعلق بنفس الأحوال أو الحالات: فالله سبحانه وتعالى لا يريد منا أن نتبسم في كل شيء أو أن نضحك في كل شيء، إنما في مواقف؛ مواقف جدية، ومواقف لابد أن تكون جادًا فيها وهذا لا يوجد به ضحك. فما يأتي شخص مثلاً يضحك في الطلاق أو يضحك في الزواج؟ يضحك؟ هذه لا يوجد بها ضحك ولا ابتسام، إنما هذه مواقف لابد أن تكون جادًا فيها، هذه هزلهن.
وجدهن كله جد، ما فيها هزل، وفي مواقف ليس من الصواب أن تتعامل مع الناس هكذا وأنت متقطب، والوجه عبوس، بينما «تبسمك في وجه أخيك صدقة»؛ في التعامل مع الناس إلى آخره، الأصل أن يكون في تبسم.
إذا اتفقنا الآن أن الركن الأول هناك مواقف يكون فيها الأصل الجدية، ومواقف الأصل فيها التبسم والتلطف، انتهينا منها. الشق الثاني، وهذا هو الذي يكشف لك، الشق الثاني هنا نفس خلق الإنسان؛ الإنسان أحياناً تغلب عليه نصوص بعض البشر، يغلب جانب الخوف، هو هكذا طبعه، دائماً يأخذ بالاحتياط والخوف عنده يكون ثقيلاً. هذا الذي يغلب عليه الخوف يكون الغالب عليه الجدية. هل الغالب عليه الهزل والابتسام والضحك، أو غالب عليه يكون الخوف والحذر؟ وطبيعي لأنه يغلب عليه هذا الجانب.
قسم آخر من الناس يغلب عليه جانب الرجاء، وهو يصلح أكثر من الخوف، وهذا يصلح الخوف أكثر من الرجاء؛ فطبيعي جداً أن هذا الإنسان في تعامله يظهر عليه ثمرة الخوف، وهذا يظهر عليه ثمرة الرجاء، فهذا يغلب عنده باب حسن الظن. ليس معنى يغلب عنده أنه يدخل في أمن مكر الله، أنا لا أتكلم عن الدائرة المحسومة، إنما أتكلم عن الدائرة المتعلقة بنفس الإنسان وطبيعة الإنسان، ولا تدخل في دائرة المخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى.
الآن لما يكون عندنا طريق، عندنا خوف وعندنا رجاء، هذا الطريق بعض الناس يكون قريب من الخوف لكن هو في الطريق، وبعض الناس يكون قريب من الرجاء لكن هو في الطريق. المشكلة أن تخرج من هذا الطريق؛ فيعظم عندك الرجاء حتى تأمن بمكر الله، أو تخرج من هذا الطريق فيأمن عند الخوف حتى تقنط من رحمة الله، وهذا لا يجوز، لكن ما دام الشخص في هذا الطريق فبعض الناس يميل إلى كذا وبعض الناس يميل إلى كذا بطبيعة خلق الله له.
بعض الناس يحب أن يبتسم أو أن يتحدث أو يتبسط، وهذا موجود؛ انظروا إلى الصحابة، أليس في الصحابة رجل مثل هذا كان يضحك، النبي ﷺ وهذا من أهل بدر؟ وفي المقابل هناك شخص ما يبتسم، أو ما يغلب عليهم التبسم أو ما يكون عندهم تبسط عالٍ، إن هذا الرجل يحب الباطل، ولكن مع ذلك عمر بن الخطاب كان يقول: «والله لأقولن كلمة تضحك رسول الله ﷺ»، لكن عمر هو شخصيته جادة بالأصل، وليس شخصية فيها التوسع في هذه الأشياء، واضح، لكن مع ذلك ضبط الميزان.
هذا الإنسان يميل إلى كذا وهذا الإنسان يميل إلى كذا. الحسن البصري من طبعه أنه يميل إلى الاحتياط ويميل إلى الخوف. الخوف الزائد والاحتياط الكبير يورث عند الإنسان شيئاً من الحزن، لكن الحزن بذاته ليس مقصوداً. فالحسن البصري بلغ هذه المرتبة من الخوف والحزن، ليس المقصود هنا بالحزن الذي يوقف الإنسان، إنما المقصود هنا بالحزن ماذا؟ الذي يثمر عنده العمل، فهو يتذكر الذنوب الماضية فيحزن، فيكون هذا الحزن قوياً عنده، ليس بذاته إنما هذا الحزن يثمر عنده الإكثار من الطاعات، لأنه قصر في موقف أو يتذكر موقف فيكون هذا الباب قوياً عنده.
فهذا الحزن أثمر عنده هذه الأعمال، لكن ليس الحزن بذاته يساوي الخوف أبداً، وليس هذا هو المقصود؛ أنه بلغ هذه المرتبة من أجل أن هذا الحزن كان كثيراً عنده، لكن لما أثمر الحزن من الاحتياط والخوف من الوقوع في المعصية، ولما أثمر من الاستكثار من الطاعات، هذا هو المقصود بالحزن. ولكن الحزن بذاته أن الشخص يجلس ويحزن ثم يقع في ذنب، ثم يجلس ولا يعمل ولا يصلي، كما يفعل اليوم بعض الأشخاص؛ لم يقع بذنب والذنب مكتوب على بني آدم، طيب أذنبت فماذا؟ قم صلِّ، إن الحسنات يذهبن السيئات. يجلس خلاص أنا وقعت في ذنب، ويجلس أربع ساعات، خمس ساعات، ممكن أسبوع أو أسبوعين، ثم قد يصل به الأمر حتى يترك الاستقامة.
ماذا تتعامل في هذه الطريقة؟ أسبوعين هذه من سنضيعها، إذا أذنبت قم الآن وصحح عزمك، امشِ وسِر في الذنب، أوقف الحزن كذلك، فهو موقف لك، أنت لم تنتهِ؛ إذاً قم افعل كما فعل آدم عليه السلام، «فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه»، أخذ آدم يتوب إلى الله سبحانه وتعالى. افعل كما فعل يونس عليه السلام: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، وصلى في بطن الحوت، قم قل هذه الكلمات وصلِّ حتى تعود إلى الطريق، أما أن تتوقف وتجعل الحزن يتمكن منك ثم يقعدك ويسقطك، فهذا ليس من الدين في شيء، وهذا المقام ليس من المنازل التي يحب الله سبحانه وتعالى من الإنسان أن يسلكها.
إذاً ما يتعلق باختلاف السلف في المواقف، أحياناً الشخص قبل أن يموت تجده يفرح، من السلف الصالح لماذا يقول: «أتدرون إلى من أذهب؟ إلى الله سبحانه وتعالى»، يقول: «ممن لم أجد الخير إلا منهم»، هذا حسن ظن. وشخص آخر من السلف الصالح يبكي ويخاف، لماذا تخاف؟ يقول: تذكرت قول الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47]، فخوف من الله سبحانه وتعالى. هذا غلب عنده جانب الخوف، وهذا غلب عنده جانب الرجاء وحسن الظن، لكن لم يخرجوا من الدائرة.
لماذا هذا غلب عنده هذا وهذا غلب عنده هذا؟ يصلح هذا ويصلح هذا، هكذا تفهم مواقف السلف، وتعرف كيف كان عثمان بن عفان يتاجر، ولماذا أبو الدرداء توقف عن التجارة وانقطع عنها؟ عثمان التجارة لم تدخل قلبه، أبو الدرداء شعر بأن التجارة بدأت تؤثر عليه في فكره وفي حياته، وهو غير محتاج لها، إذاً أغلق الباب وانشغل في باب آخر.
الإنسان لابد أن يكون بصيراً في نفسه حتى يعرف كيف يتعامل مع نفسه، هل يستنكف هذا ولا هذا؟ وهل يغلب عنده هذا الباب أو هذا الباب؟ ولا يخرج من هذه الدائرة، ولا يأتي ويستدل بموقف أو حال لشخص لا تنطبق على شخص آخر، فهذا من الخطأ. دعوني أختم هذه الكلمة بقراءة كلام ابن القيم هنا، وبدي أن أعلق عليه، كلام نفيس جداً.
ذكر ابن القيم هنا في صفحة 176 من المجلد الثاني لما قال: «وأما معارضات المقاصد، فهو أصعب ما على القوم، وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوق كل ضرورة؛ فإن الصادق يتحرى في سلوكه كله أحب الطرق إلى الله، فإنه سالك به وإليه، فيعترضه طريقان لا يدري أيهما أرضى لله وأحب إليه؛ فمنهم من يحكم العلم بجهده واستدلاله، فإن عجز فتقليدًا، فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يحكم له به القدر، ويخلي باطله من المقاصد جملة، ومنهم من يلقي الكل على شيخه إن كان له شيخ، ومنهم من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء ثم ينتظر ما يجري به القدر.
وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرض علمًا ومعرفة، فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب، فإن تساوى عندهم الأمران قدموا أرجحهما مصلحة؛ ولترجيح المصالح رتب متفاوته، فتارة تترجح بعموم النفع، وتارة تترجح بزيادة الإيمان، وتارة تترجح بمخالفة النفس، وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى بها لا تحصل من غيرها، وتارة تترجح بأمنها من مفسدة لا تؤمن في غيرها؛ فهذه خمس جهات من الترجيح، قل إن تعدم واحدة منها.
فإن أعوزه ذلك كله، تخلى عن الخواطر وأطرح جملة، وانتظر ما يحركه به محرك القدر، وافتقر إلى ربه افتقار مستنزل ما يرضيه ويحبه، فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارًا ثانيًا خشية أن تكون تلك الحركة نفسية أو شيطانية لعدم العصمة في حقه، واستمرار المحنة بعده ما دام في عالم الابتلاء والامتحان، ثم أقدم على الفعل؛ فهذه نهاية ما في مقدور الصادقين.
ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة؛ ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك: «إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر»، يعني أهل الجهاد، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].
هذا كلام عالم مفتوح عليه، يقول لك أنت الآن ترى الكلام نفيسًا. الشخص الذي يريد أن يسير إلى الله، وهو في حال سيره، يعرض له أكثر من عمل؛ عندي درس، وعندي بر والدين، عندي عمل هنا وعمل هناك، ماذا أفعل؟ يقول بعض الناس يتكئ على العلم، لكن العلم ما يكشف كل شيء، العلم ممكن يظهر لك بعض الموازنات، لكن ليس جميع الموازنات. أحيانًا في اللحظة هذه الله يريد منك كذا، قد يكون من حيث الأصل هذه العبادة أفضل، لكن في هذا السياق هذه العبادة أفضل، فهل أفعل هذا ولا أفعل هذا؟ أقدم هذا ولا أقدم هذا؟ هنا يضطرب الإنسان.
يقول ابن القيم: بعض الناس يتكئ على العلم، وإذا ما وجد تقليدًا، أو أعجزه كذلك من يقلد، جلس ينتظر قدرًا، وقد يخلي باطنه من المقاصد جملة؛ يعني هو خلاص لا يريد كذا ولا كذا، هو الآن صفى نفسه، يريد أن يقول: يا ربي أنا أريد أن أعبدك، تريدني في هذا المكان أو هذا المكان؟ تريد مني أعمل هذا العمل أو هذا العمل؟ أنا ليست لي إرادة، لأنه لو كانت عنده إرادة لمالت نفسه إلى شيء معين، وهذا كثير في الناس، وهو الغالب؛ أن الشخص يريد شيئًا معينًا وهذا الأمر تضخم عنده، فدائمًا يستدل بأهمية العبادة القاصرة أو أهمية العلم.
ليس المقصود العلم ولا هذه العبادة، إنما المقصود هنا، فإحيانًا يلتبس على الإنسان هذا الشيء بسبب إحضاره لنفسه، بخلاف الشخص الذي يجرد نفسه والذي يتعامل مع الله على أنه عبد؛ طلب العلم عبادة، الصلاة عبادة، الدعوة عبادة، بر الوالدين عبادة، هذه كلها عبادات. العبادة أفعلها، أحيانًا لا تستطيع دائمًا أن ترجح، فإحيانًا يكون طلب العلم الآن أفضل من الجلوس مع الوالدين.
وتجدون العلماء السلف إذا أراد العالم أن يسافر في طلب العلم والوالدة منعته، تجدون قسمين: قسم يسافر ويقول إن هنا لا طاعة، لماذا؟ مع بر الوالدين، طبعًا يقول إن هنا طالب العلم قد يكون فرضًا أو قد يكون واجبًا فيقدم طلب العلم، وهذا من الأقوال التي يقولها جماعة من العلماء، ويميلون إلى أن الأب إذا لم يكن محتاجًا إلى ابنه فهنا يسافر، أما إذا كان محتاجًا فالأمر مختلف. والقسم الآخر يقول: لا، لزمت أمي وجلست عند والدتي، فبارك الله لي، يقدم هذا.
في بعض المحطات أو السياقات أو الوقائع يشتبه الأمر عند الإنسان؛ ذاك ابن تيمية لما كان في مصر، وما كان فيها سبع سنوات وتأخر عن والدته، وكان مستشعرًا عظم بر الوالدين والوالدة حية، ووالد شيخ الإسلام كان مات، فأرسل لها يقول: أنتِ أعظم من جميع أمور الدنيا وكثير من أمور الآخرة، لكن أحيانًا تكون بعض أمور الآخرة مقدمة خاصة عند عدم الحاجة. لكن هل هذا بالأصل الذي يستدل به؟ لا.
كيف نفرق؟ أقول لك في بعض الصور يصعب عليك أن تفرق بالعلم، تحتاج إلى هداية، تحتاج إلى إيمان، تحتاج أن تقول: يا ربي أنا لا أعرف، تصلي وتدعو. فالقصد هنا ابن القيم يقول: فإن عجز عن الاجتهاد وعن التقليد... وهذه المسائل من ضمنها لا تستطيع أن تعطي فيها حكمًا عامًا. في بعض المسائل لا تستطيع، الوالدة مثلا تريدك ليس لأجل شيء، لكن فقط تريدك لأنك مفتوح عليك في العلم، أو لأنك شخص تستطيع أن تبر أمك وهي بحاجة لك، هنا تكون الموازنة.
انظروا مثلًا يوسف عليه السلام، أرسل من يأتي بيعقوب لكن هو ما ذهب، لماذا يوسف عليه السلام ما ذهب؟ إنما بعث بقميصه، أليس المفترض أنه يذهب وهذا أعظم؟ لكن هو مسؤول، لو ذهب يوسف ما الذي يقوم بالأمور العامة للأمة؟ فهنا تكون مشكلة، وهذا الموطن يحتاج إلى هداية عظيمة، لأن الكثير من الناس في زماننا هذا لا يعظمون الوالدين كثيرًا للأسف، فأصبح عندهم حق الوالدين ليس كبيرًا، بينما هو في الأصل أعظم من الجهاد في سبيل الله، والعلم من الجهاد لكن في بعض الحالات يكون الجهاد أعظم.
من نقدم هذا ولا هذا؟ متى نقدم هذا؟ يحتاج إلى بصيرة. ابن القيم يشرح هذه المسائل، يقول إذا أنت عندك ميول نفسية، يعني أنت لست متجردًا...»
تريد أن تطلب العلم والبر ليس كبيراً عندك، لن تهتدي؛ لأنك غير قاصد الحق، أنت قاصد هواك، تريد أن تسد هذا الأمر الموجود عندك. لكن لو قصدت ما عند الله ستفعل حتى لو كان الأمر على خلاف هواك، وعلى خلاف أصلًا ليكون عندك هوى؛ لماذا؟ لأنك تريد عبادة، أنت ما الذي تريد من طالب العلم؟ تريد من طالب العلم أن تعبد الله سبحانه وتعالى، فهنا يكون القدر مطابقًا للشرع، هنا يكون القدر بالنسبة لك مطابقًا، أنت تنفذ ما يريد الله سبحانه وتعالى في كل لحظة وفي كل حين.
القصد أن هذا القسم يقول لك إن قسمًا يجتهد أو يقلد، ثم فإن عجز عنهما سكن، ينتظر ما يحكم له به القدر، ويخلي باطل المقاصد جملة. ومنهم من يلقي الكل على شيخه، بعض الناس هكذا: شيخ ويسأل الشيخ، وإن كان له شيخ. ومنهم من يلجأ إلى الاستخارة، هذا قسم، هذا الموفق يلجأ للاستخارة والدعاء، الاستخارة والدعاء، ثم ينتظر ما يجري به القدر بعد الاستخارة.
الآن العبد لما يستخير هو الآن يقول: يا رب، أنا لا أعرف، أنا أريدك يا رب، أنا أريد الوصول إليك ولا أدري هذا الطريق أفضل أو هذا؟ الأسئلة كثيرة تأتي، شخص عندي محظن يريد مني ومحظن ثاني هل الأفضل؟ أنا لا أعرف، يعني عندما تسألني أنا ليس عندي إجابة لأن هذا شيء غيبي لا أستطيع أن أرجح فيه. بل أنا عندما يقع معي، ووقع معي شخصيًا هذا الأمر كثيرًا، ليس مرة واحدة، كثيرًا؛ والله إن بعض المشاه يقول لي هذا الكلام، وأنا وقع معي، لا يكاد يمر علي فترة إلا ووقع معي هذا الشيء.
هذه أسئلة أصلاً، هذا الباب ليس باب سؤال، هذا الباب باب دعاء؛ لأن البشر ما عندهم قدرة على إظهار هذا الشيء لك، هم لا يستطيعون. هذا الباب باب غيبي، ما تدري أنت هل البركة هنا ولا البركة هنا؟ هل الأفضل هنا ولا الأفضل هنا؟ ما تدري، لكن وكل الله، ثم بعد ذلك ينتظر ما يجري به القدر.
هذه ستأتي من الشباب؛ كيف أعرف؟ أقول لك: تصلي وتستخير، هذا الآن تصوب به غيرك، ليس عندي غير ذلك، لا تجد إجابة أصلاً. أنت الآن مستخير الله في كل شيء، وموكل الله سبحانه وتعالى في كل شيء، وسالك الطريق الشرعي، تجتهد الآن في إصابة الحق بالعلم، بالسؤال، بالاستخارة، وتصفية النفس. أنت الآن عبد موفق، أنت الآن عبد تسير على الطريق الصحيح، أما غير ذلك فلا يوجد، لا تنتظر من أحد، لكن أهم شيء نفسك، ما تدخل نفسك؛ لأنك إذا أدخلت النفس خسرت.
أنا أقول لك إياها لأنك إذا أدخلت النفس وكلت إليها، فلا؛ أنت اجتهادك العقلي سيكون مبنيًا على رغبتك النفسية، تترك ما توفق لذلك. الذي يتجرد، يتجرد هذا هو الصادق الكامل، يتجرد التجرد الكامل، هذا هو الذي يعني أبو بكر الصديق: جهاد، صلح، رجوع، ما صار قتال، عادي، ولا تغير به ولا شيء، لم يتغير به أي شيء؛ لماذا؟ لأنه يقول: هذه كلها عبادة.
الآن أنت لما تأخذها بالـ... نحن خرجنا الآن من أجل أن نعتمر ثم رجعنا بصلح، ظاهره مع استثارة نفسية في بيعة عدم انفرار أو البيع على الموت، هنا يدخل العقل بقوة. أبو بكر الصديق ما دخل العقل ولا شيء، يقول لك: الآن أليس هذا نبي عليه الصلاة والسلام؟ أليس هذا أمر الله؟ لسنا عبيدًا؟ بس، هذه معادلته، ومعادلته التطبيقية ليست فقط النظرية. لذلك ممكن العمل يصل درجة الإيقاف، قصرت ما قصرت، خلاص. في فتح ما أدري كيف، أنت تسألني سؤالًا لا أعرفه، نحن عبيد في شيء قد يكون... كيف ما ندري، وكل الله سبحانه وتعالى. الذي وكل الله هو السعيد: ﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9]. حتى في العبادة، بل هي أولى ما تتخذ فيه، تتخذ الله فيه وكيلاً والله توفق.
ثم قال: «وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم بطلب الأرض علمًا ومعرفة». أصحاب العزائم الذين يريدون أن يصلوا إلى الله سبحانه وتعالى، هذا لا يتكئ، لا يسأل، ثم يمضي. بعض الناس هكذا، ليس صادقًا، أصحاب العزائم يريدون التطبيق، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.
الآن بدل ما عنده ظن، يسير مع الظن الغالب، لماذا؟ يقول لعل هذا هو الأصح، فانتساو عندهم الأمران، يعني هو الآن ما شك، يدور أرجحهما مصلحة. الآن يدخل التقدير العقلي: أيش الأفضل هنا؟ في 50 وهنا في 10؟ لا، الـ 50؛ انظر متى أتت الـ 50، متى أتى الترجيح العقلي؟ بعد ما بذل كل ما يستطيع يأتي الآن الترجيح، أما ليس من البداية تقول له هنا أكثر.
قال: ولترجيح المصالح رتب متفاوته، فتارة تترجح بعموم النفع، هنا أفضل لأن العدد أكبر، وإذا ترجحت المصلحة العامة مع الخاصة تقدم المصلحة العامة، إذاً هنا ممكن يكون الخير، لكن ليس هو من البداية يفعل هذا الشيء. وتارة تترجح بزيادة الإيمان، وتارة تترجح بمخالفة النفس؛ زيادة الإيمان يعني هو الآن يقول لك إن هذا العمل يزيد فيه الإيمان أكثر، فيرجح بناءً على هذا المقصد، لكن هذا متى يكون؟ بعد ما يبذل كل ما يستطيع.
وتارة تترجح بمخالفة النفس؛ النفس تريد كذا، هو يخالف نفسه ويفعل الذي لا تريده حتى يسلم من هوى نفسه، وهذه السلامة بحد ذاتها خير. «إذا دعتك نفسك إلى الكلام لا تتكلم، وإذا دعتك إلى السكوت تكلم»، كما كان يقول السلف. هذا متى يكون؟ في الأمور التي فيها اجتهاد واحتمال، لكن إذا وجب عليك الكلام تكلم، إذا وجب عليك السكوت اسكت، إذا ظهرت لك الميزة بالكلام أو بالسكوت افعلها، إذا ما ظهرت افعل خلاف نفسك وخلاف هواك.
وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى بها لا تحصل من غيرها، وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها؛ يعني هذا العمل أو هذه العبادة يكون معها مصلحة أخرى ممكن تحصلها، وتترجح بأمنها من الخوف من مفسدة، يعني لن تكون فيها مفسدة، تخاف أن هذا العمل ممكن يكون مع مفسدة أو ممكن يقع في مفسدة، فتكون آمن من استجلاب هذه المفسدة، يكون هذا العمل تغلبه لأنه لا توجد معه مفسدة. طبعًا الفقي يدخل الآن بالتفاصيل الدقيقة التي تقع عند هؤلاء الأشخاص الذين بلغوا هذه المرتبة، يعني الفقيه الآن يتكلم عن شيء وقع معه هو.
والآن يتكلم عن شيء هو عاشه، هل أفضل أقول كذا ولا أفعل كذا؟ ثم كيف يتعامل مع نفسه؟ هو يتكلم بهذه الطريقة التي من البداية نفسه حاضرة؛ هذا كل الكلام ما يفهمه، وأصلا هذا الكلام ليس له لأن هذا سيذهب مع نفسه، سيذهب مع السد، يعني هو سيأخذ الأدلة التي توافق ميوله فيستدل بها.
مرة تكون جالسا مع طلاب علم ودعاة ووقع بينهم خلاف، هذا يعظم الدعوة وهذا يعظم طلب العلم، وكان الدعوة وطالب العلم بينهم تنافر؛ هذا يقول الأول الدعوة ويستدل بالنصوص الواردة في فضل الدعوة، وهذا يستدل بالنصوص الواردة في فضل العلم. وقع بينهم، فأنا دخلت بينهم وقلت: يا جماعة ما في خلاف، يعني أنتم لماذا الذي يقوله أنت ما تخالفه وأنت تقوله ما يخالفه؟ فنظر إليه هكذا: بعض طلاب العلم، لماذا صرت معنا ضدنا؟ ما صرت معنا ضدكم؟ ثم لما تكلمت -والله الحمد لله فضل الله سبحانه وتعالى أنه ضبط الأمر- قلت مثالكم لما خرجنا حتى قلت له: هذا الشخص أنت مثالك مثال قطار وهذا قطار، فالقطارين سيستضمان، لازم السكة هذه، ولأن ما في خلاف أصله، لكن أنت معظم العلم لأنك داخل فيه أنت داعية، وهذا معظم الدعوة لأنه منشغل بالدعوة، فهنا الطبيعي الإنسان من حيث إنسان يتضخم عند هذا الباب.
لكن في الحقيقة في الدين، الشخص هو طالب علم وهو داعية وهو عابد، يعني كل نوع من هذه الأنواع وثغر من هذه الثغور هو عبادة من العبادات في سياقها؛ فقد يكون في السياق الآن الدعوة ليس طالب العلم، وقد يكون في سياق هذا طالب علم وليس داعية، إذا العبادة هي العبادة ولكن صورتها قد تتغير. ففي الحقيقة ما كان يوجد بينكم خلاف، لكن أنت عظمت هذا على الحساب.
هذا إذا كان يقول ابن سيرين ويبين للناس أهمية طلب العلم، ويبين بأن الخوارج ما خرجوا على الناس إلا بسبب الجهل، فكانوا أصحاب عبادة لكن لم يكونوا أصحاب علم. وكذلك كان شعبة بن الحجاج يبين للطلاب يقول: هل أنتم منتهون عن كتابة الحديث فإنه يشغلكم عن الصلاة وعن الصوم؟ يعني الآن يكشف لهم أهميته. فانظر الآن هل هناك تعارض؟ لا، ليس هناك تعارض، لكن أحيانا الشخص يتضخم عند هذا فيحتاج إلى أن يجمع بينه وبين هذا حتى يصنع صناعة الشمولية الإسلامية.
ثم قال: فهذه خمس جهات من الترجيح، إن تعدم واحدة منها في الموقف الذي أنت واقع فيه صعب أن يكون عندك مرجح من هذه المرجحات؛ هل أفضل كذا ولا كذا؟ فتنظر لعموم النفس، تنظر إلى زيادة الإيمان، تنظر إلى مخالفة النفس وهكذا. ثم قال: فإن أعوزه ذلك كله، تخلى عن التفكير، يعني الترجيح الذهني بعد ما انتهينا غير موجود، ماذا تفعل؟ توقف وانظر إلى السماء: يا رب أنا ما أعرف، أنا أريد أن أعبدك، فافعل كما فعل زيد بن عمرو بن نفيل لما قال: «يا ربي إني أريد أن أعبدك لكني لا أعرف كيف أعبدك، وإن كنت قد حرمتني من هذا الغير فلا تحرمني منه». وابنه سعيد بن زيد بن عمرو من العشرة المبشرين بالجنة، وزيد بن عمرو بن نفيل يبعث بين النبي ﷺ وعيسى عليه السلام لأنه فعل كل ما يستطيعه.
الله يريد منا أن نصدق الله، لا يريد منا أن نتعامل مع الدين تعامل الشخص الذي يسأل أسئلة باردة؛ لما يتحدث عند أمور الدنيا لا يجعل الشخص يسأل كم الراتب وكم يوم الدوام وهذه الجامعة كيف؟ ويسأل أسئلة كأنه مخلد في الأرض، ولمّا يأتي عند أمور الآخرة لا يتعامل تعامل العبد المفتقر إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن تعامل العبد هكذا يكون عنده الأمر عادي، هذا لا يهدي إذا لم تكن الآخرة أظم عندك، وإذا لم يكن الله معظماً في قلبك، وإذا لم تكن تتعامل مع الله تعامل دائما العبد الذي يريد أن يصل إليه.
هذا لن يصل، هنا يقول: انظر دقة الكلام، وانتظر ما يحركه به محرك القدر. الآن سيكون القدر بالنسبة لهذا الإنسان هو القدر الخير، الآن سيأتي القدر الذي يوجه هذا الإنسان؛ هذا هو توجيه: «كلا إن معي ربي سيدي»، كيف ما أدري، أنا فعلت، يريد الله مني الآن أنا دعوت وفعلت واجتهدت، يفتح الله له البحر، ييسر الله لك الأمر، يهديك؛ يقع في قلبك شيء من إلهام، هذا الإلهام ذكرناه في بداية المجلد الأول لما تكلمنا عن الإلهام، ينقسم إلى قسمين؛ الآن يأتيك إلهام أنك تُهدى، تشعر بأن لهذا الطريق أفضل شيء من الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: إذا جاءته الحركة، الآن هو شعر بأن قلبه بدأ يميل إلى عمل من الأعمال أو إلى نشاط من الأنشطة، خلاص الآن هذا العمل أفضل، هذا الثغر أفضل، بدأ يميل. طيب، هذا ميلان ممكن يكون من الشيطان، ممكن يدخل لك الشيطان خاصة إذا كان العبد صاحب مقام، الشيطان يريد أن يسقطه، يريد أن يأخذ منه أي شيء، وممكن يكون كذلك من الميول النفسية التي أنت الآن ما خرجت منها لأنك تحب هذا الشيء فتميل له. قال: إذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقاراً ثانياً؛ لماذا الافتقار الثاني؟ يقول: خشيته أن تكون تلك الحركة نفسية أو شيطانية، يخاف أن تكون هذه الحركة بسبب نفس أو بسبب شيطان، لعدم العصمة في حقه واستمرار المحنة بعدوه ما دام في عالم الابتلاء والامتحان، ثم أقدم على الفعل.
خلاص الآن، بدل «كل ما يستطيعه»، فانظر الاستخارة الثانية تكشف لك ذلك رغبة العبد في الوصول إلى الله سبحانه وتعالى. قال: فهذا نهاية ما فيه مقدور الصادقين؛ أي الذي يفعل ويتعامل مع الله بهذه الصفحة، هذه الصفحة التي يمتثلها في حياته، هذا يصل إلى أعلى مراتب الصديقية، بس بشرط أنه يطبقها في حياته، يكون تطبيقاً وليس مجرد تنظير؛ هذا هو الذي يصيب الصديقية العالية.
نسأل الله أن يبلغنا وإياكم هذه المرتبة العالية المنيفة، والله مراتب عالية ما يوفق لها إلا النادر، الواحد بعد الواحد، من الناس: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: 69]. هذا أبو بكر الصديق، يعيش مع الصديق، وانظر إلى مواقف الصديق تعرف كلام القيم هنا، تعرف كيف الصديق بلغ.
هذه المرتبة، وكيف وصل إلى أن يكون الصديق الأكبر رضي الله عنه، وعاش مع مواقفه.
أسأل الله أن يبلغنا وياكم. هذا ما يتعلق بهذه المنزلة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري