يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد صافي بالععلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أعزائي المشاهدين والمشاهدات، أيها الإخوة والأخوات طلاب أكاديمية زاد، مرحباً وسلاماً بكم في مادة التفسير وإلى حلقة جديدة بإذن الله مع تفسير سورة العاديات. سورة العاديات سورة مكية، ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحاً * فَٱلۡمُورِيَاتِ قَدۡحاً * فَٱلۡمُغِيرَاتِ صُبۡحاً * فَأَثَرۡنَ بِهِ نَقۡعاً * فَوَسَطۡنَ بِهِ جَمۡعاً * إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلۡخَيۡرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمۡ يَوۡمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾.
هذه السورة سورة مكية كما أسلفنا، ابتدأها الله عز وجل بالقسم بالعاديات. فقال جل جلاله: ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحاً﴾، يقسم بالخيل إذا أجريت في سبيل الله وهي تطبح، والضبح هو الصوت الذي تصدره الخيل من صدرها حين تعدو. وقوله تعالى: ﴿فَٱلۡمُورِيَاتِ قَدۡحاً﴾، أي الخيل الموريات التي تضرب بحوافرها الحجارة فتوري وتشعل وتقدح ناراً من شدة العدو والجري، تقدح ناراً حين تضرب حوافرها في الحجارة، فهذا معنى ﴿فَٱلۡمُورِيَاتِ قَدۡحاً﴾ أي تقدح النار.
والمغيرات صبحاً، المراد بالإغارة على الأعداء بالخيل في سبيل الله وقت الصباح، صبحاً أي وقت الصباح، وهو أفضل وقت لأنهم في غفلة ونوم، أي العدو لأن العدو في غفلة ونوم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير صباحاً ويتسمع أذاناً، إن سمع أذاناً أمسك أي أنها ديار مسلمين، وإلا أغار صلى الله عليه وسلم.
فأثرن به نقعاً، أي اثارت وهيجت بحوافرها النقع، والنقع هو الغبار كما تعلمون وسوف نفصل هذا بإذن الله. فوسطنا به جمعاً، أي توسطوا بالخيول صفوف وجموع الأعداء، هذا معنى فوسطنا به جمعاً أي جمع العدو توسطته خيول المسلمين.
إن الإنسان لربه لكنود، هذا هو المقسم عليه أو جواب القسم، إن الإنسان لربه لكنود هذا هو المقسم عليه. أي أن الإنسان لنعم ربه لجحود كفور يجحد نعمة الله عليه، هذا معنى كنود. وانه على ذلك لشهيد، أي أن الإنسان كونه على كونه جحوداً كفورا هو شهيد على هذا على فعله هذا.
وإنه لحب الخير لشديد، الخير هنا المال. المقصود به المال كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيۡراً﴾ الوصية، أي إن ترك مالاً. فالإنسان لحب الخير لحب المال لشديد وحرصه عليه وبخله به لشديد. ثم قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ﴾، أي أثير وأخرج ما فيها من الموتى، وهذا استفهام.
أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، أي أفلا يعلم إذا أثير وأخرج ما فيها من الموتى. وحصل ما في الصدور، أي أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم وفي قلوبهم من النيات. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمۡ يَوۡمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾، أي عالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون مجازيهم عليه سبحانه وتعالى، إن ربهم بهم يومئذ في يوم القيامة لخبير عالم خبير بما كانوا يصنعون ويعملون مجازيهم عليه. هذا هو التفسير الإجمالي لهذه الآيات.
ونأخذ أيضاً هنا أبرز الفوائد في هذه السورة؛ مر بنا أن الله جل جلاله له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للعبد إلا أن يقسم بالله أو بصفاته. الله هنا يقسم بخيله في حال صهيلها وغبارها وقدح حوافرها النار من الحجر فقال: ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحاً﴾. وكما اقسم بحياة محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وغير ذلك، اقسم هنا بالخيل في سبيل الله.
لكن هنا أيضاً فائدة: ما الفرق بين الكنود والشكور؟ الفرق بين الكنود والشكور؛ الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان. هذا الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، والشكور الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة، هذا في علم الفروق.
ومن أراد التبحر في علم الفروق فهناك كتاب الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، مجلد ليس بالكبير فيه أشياء عجيبة ومفيدة ومثيرة جداً في الفروق بين الألفاظ اللغوية. وفي قوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ﴾، جعل الله عز وجل العمدة ما في الصدور، لذلك إن الله لا ينظر إلى أشكالكم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم فهي العمدة والمعتمد عند الله جل جلاله، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9].
وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، أي فسرنا قوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ﴾ بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، أي تكشف سرائر الأنفس والقلوب. لأنه في الدنيا يعامل الناس معاملة الظاهر، لكن في الآخرة العمل على ما في القلب، ولهذا يجب علينا أن نعتني بقلوبنا.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة كثيرة على مثل هذا، أي أن العبرة عند الله ليست بالأشكال ولا بالمال ولا بالجمال ولا بالعيال، ولكنها بما في القلوب وبما في الصدور من الإيمان والعمل الصالح. لذلك كان أبو لهب وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم وسمي بأبي لهب لشدة جماله، فكأن الناظر في وجهه يرى اللهب يخرج من وجنتيه لشدة جماله، فهو كان ذا جمال وعيال ومال وشرف وسؤدد وشيخ قبيلة، لكنه بشر بالنار وهو يمشي على الأرض.
لذلك قال الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: 1-5]، بشر بالنار وهو يمشي على الأرض. وأما بلال الحبشي الرجل الأسود الذي يقول عنه عمر: سيدنا أعتق سيدنا، يعني أبو بكر أعتق بلالاً، فقد بشر بالجنة وهو يمشي على الأرض.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سمعت خشخشةك»، وفي رواية: «دف نعليك في الجنة يا بلال»، بشر بالجنة وهو يمشي على الأرض وذلك بالإيمان والعمل الصالح وبما في الصدور والقلوب، فهذا هو المعتمد عند الله جل جلاله. أحسن الله لنا ولكم الظاهر والباطن، ونستكمل بإذن الله بعد الفاصل.
لم يكن العرب أهل علم بالحساب، ففي التقويم الشهري كانوا يعتمدون سير القمر ومنازله لحساب الأشهر. فجاء الإسلام وأقره لوضوحه وسهولة الأخذ به، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]. فهو المعتبر في توقيت الفرائض من صيام وزكاة وحج، وبه تحسب الأعياد، وهو المعتمد في عدد النساء كثلثة أشهر وأربعة أشهر وعشراً أيام، والكفارات كشهرين متتابعين، وكحول زكاة المال كلها بالأشهر القمرية.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. قال ابن تيمية: فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور؛ لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار. قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمى عليكم الشهر فعدوا».
وأما التقويم السنوي فلم يكن للعرب قبل الاسلام تقويم خاص بهم يجمعهم كما عند الأمم الأخرى، فكانوا يؤرخون بالحوادث الفريدة والوقائع المشهورة عندهم كحادثة الفيل وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اعتمد التقويم بأشهره القمرية المعروفة لدى العرب على أن تكون بداية التاريخ من السنة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة؛ لأن الهجرة بداية عز الإسلام وقوته، فكان اختياراً مسدداً.
فعن سهل بن سعد قال: ما عدوا من مبعث النبي ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة. واستقر الرأي على أن يكون أول السنة شهر الله المحرم، بعد أن ينتهي الناس من موسم الحج ويستريحوا من عناء السفر بعده، وابتدأ العمل بالتقويم الهجري عام سبعة عشر هجرياً. فالعمل بالتقويم الهجري تمسك بالشرع واعتزاز بالهوية وتميز واستقلالية.
حياكم الله من جديد في هذا المقطع. نريد أن نفصل فيما سمعنا من إجمال في تفسير هذه السورة، سورة العاديات، إحدى عشرة آية وهي مكية كما ذكرنا لكم في قول الجمهور. قوله تعالى: ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحاً﴾، والعاديات ضبحاً أي الأفراس تعدو كذا قال عامة المفسرين وأهل اللغة، أي تعدو في سبيل الله فتطبح.
قال قتادة: يطبح إذا عَدت أي تحمحم. وقال الفراء: الضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدون. وقال ابن عباس: ليس شيء من الدواب يطبح غير الفرس والكلب والثعلب. وقيل كانت تكعم لئلا تسهل فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة، وهذه معاني مجتمعة في الصوت الذي تصدره الخيل حال العدو.
قال ابن العربي: اقسم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: 1-2] على قول أن ياسين من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم والراجح أنه من الأحرف المقطعة، وأقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72]، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها وقدح حوافرها النار من الحجر فقال: ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحاً﴾ الآيات الخمس.
وقال أهل اللغة: وأصل الضبح والضباح للثعالب، فاستعير للخيل وهو من قول العرب ضبحت النار إذا غيرت لونه إذا غيرت لونه ولم تبالغ فيه. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى أناس من بني كنانة يعلم خبرها، وكان استعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري وكان أحد النقباء، فقال المنافقون: إنهم قتلوا. فنزلت هذه السورة إخباراً للنبي صلى الله عليه وسلم بسلامتها وبشارة له بإغارتها على القوم الذين بعث إليهم.
وممن قال إن المراد بالعاديات الخيل: ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد. والمراد من لم يعرف، وفي الخبر قال: الخيل التي يغزو عليها المؤمنون، قال مسلم الغازي: ففيه شعبة من شعب النفاق، من لم يعرف حرمة فرس الغازي ففيه شعبة من النفاق هكذا قيل في الأثر. وسميت العاديات لاشتقاقها من العدو وهو تباعد الأرجل في سرعة المشي تباعد الأرجل في سرعة المشي.
أما قوله تعالى: ﴿فَٱلۡمُورِيَاتِ قَدۡحاً﴾، قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيل حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها. وروي عن ابن عباس وعنه أيضاً: أورت بحوافرها غباراً وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدح النار، فالمراد قدح النار وإنما ذلك في الإبل. وروي عن ابن نجيح عن مجاهد ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحاً﴾ ﴿قَدۡحاً﴾ قال: قال ابن عباس هو في القتال، وهو في الحج عن ابن مسعود أنها الإبل تطأ الحصى فتخرج منها النار.
وأصل القدح الاستخراج، ومنه قدحت العين إذا أخرجت منها الماء الفاسد، واقتدحت بالزند، واقتدحت المرق أي غرفته. والراجح كما ذكرنا لكم أنه وارد في الخيل لا الإبل ولكنه من الأقوال المذكورة، والخيل من شدة عدوها تقدح النار بحوافرها تضرب حوافرها في الحجر فتقدح النار ويخرج شرره، وهذا من قوتها ومن جمال الخيل التي أبدعها الله جل جلاله.
قوله تعالى: ﴿فَٱلۡمُغِيرَاتِ صُبۡحاً﴾، الخيل تغير على العدو عند الصبح عن ابن عباس وهو أكثر المفسرين، وكانوا إذا أرادوا الغارة سروا ليلاً ويأتون العدو صبحاً لأن ذلك وقت غفلة الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصصافات: 177]، وهذا من الاستشهاد أيضاً بالقرآن.
قوله تعالى: ﴿فَأَثَرۡنَ بِهِ نَقۡعاً﴾، أي غباراً يعني الخيل تثير الغبار بشدة العدو في المكان الذي أغارت به. قال عبد الله بن رواحة: عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع من كنفكداء. والكناية في به، يعني فأثرن به، هذه به والكناية في به ترجع إلى المكان أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة. وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عمن لا يجري له ذكر بالتصريح، كما في قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32] علم المعنى أن المراد حتى توارت الخيول بالحجاب.
وقيل ﴿فَأَثَرۡنَ بِهِ نَقۡعاً﴾ أي بالعدو نقع، وقد تقدم ذكر العدو. وقيل أيضاً من معاني النقع: لعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع وهو الذي تكلمنا عنه سابقاً، ففي الصحاح أن النقع الغبار والجمع نقاع، والنقع محبس الماء وكذلك ما اجتمع في البئر منه.
قال القرطبي رحمه الله: وقد يكون النقع رفع الصوت، ومنه حديث عمر حين قيل له إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد، فقال: وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن وهن جلوس على أبي سليمان ما لم يكن نقع ولا لقلقة. قال أبو عبيد: يعني بالنقع رفع الصوت، هذا أحد معاني النقع وهو رفع الصوت على هذا رأيت قول الأكثرين من أهل العلم يقوله القرطبي رحمه الله.
وهذا الأثر من أجمل مدائح خالد بن الوليد من عمر رضي الله عنه كيف يتأسى على موته ويقول لا بأس على النساء أن يسفكن من دموعهن. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أحد عن حمزة: مر على بيوت الأنصار فما من بيت إلا وفيه بكاؤون، فكان يجلس في داره صلى الله عليه وسلم ويقول: لكن حمزة لا بواكي له، لكن حمزة لا بواكي له.
سمع سعد بن معاذ رضي الله عنه مقولة النبي صلى الله عليه وسلم فجمع نساء الأنصار قريباً من حجرات النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لتبكين حمزة لتبكين حمزة، كل ذلك يريد أن يسلي ويسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: ﴿فَوَسَطۡنَ بِهِ جَمۡعاً﴾، أي فوسطن بركبانهن العدو، أي الجمع الذي أغاروا عليه. ويقال: وَصَدت القوم أسطهم وسطاً وسطة أي صرت وسطهم. وقرأ علي في رواية عنه فوسطنا بالتشديد وهي قراءة قتادة وابن مسعود بالتشديد والتخفيف، وهما لغتان بمعنى واحد فوسطنا أي جئنا وسط العدو.
أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ﴾، هذا جواب القسم كما قلنا، أي طبع الإنسان على كفران النعمة. قال ابن عباس: لكنود لكفور جحود لنعم الله، أجارنا الله وإياكم، وكذلك قال الحسن. وقال يذكر المصائب وينسى النعم، أخذه الشاعر فنظمه في نظم جميل: يا أيها الظالم في فعله والظلم مردود على من ظلم، إلى متى أنت وحتى متى تشكو المصيبات وتنسى النعم.
فعلاً كثير من الناس يشكو المصائب وينسى نعم الله عليه، ونعم الله لو أعددناها فلن نحصيها، لذلك يا أيها الإخوة فلنغمس المصائب بالنعم، ولنغمس الأتراح بالأفراح، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
روى أبو أمامة الباهلي قال: قال صلى الله عليه وسلم، وروي عن ابن عباس قال: «ألا أنبئكم بشراركم؟ من يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده»، وفي رواية: «منع رفده، وجلد عبده».
قال ابن عباس: الكنود بلسان كندة، والعاصي بلسان ربيعة ومضر، والكفور بلسان كنانة، والبخيل السيء. ثم قيل: وهو الذي يكفر باليسير ولا يشكر الكثير. وقيل: الجاحد للحق. وقيل: إنما سميت كندة كندة لأنها جحدت أباها. وقال إبراهيم بن هرمة الشاعر: دَعِ البُخَلاءَ إِنْ شَمَخُوا وَصَدُّوا .. وَذِكْرَى بُخْلِهِمْ غِنًى كُنُودُوا
وقيل: الكنود من كندا إذا قطعت، كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر، ونواصل بعد الفاصل بإذن الله.
هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أي حلول لسد هذه النفقات؟ أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانة؟ فلتسأل نفسك: هل سأقترض لأمر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي سأقترض سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد الدين؟ وكم سيستغرق من الوقت؟
واعلم أن الدين وإن كان جائزاً إلا أن أمره خطير، ولذلك عاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ على من مات وعليه دين، فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية؛ لأن الدين يصيب بالهم والغم، وقد يوقع في الكذب وإخلاف الوعد والمشكلات الأسرية.
ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجراً عظيماً على تفريج كربة مسلم. ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة، ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين؛ ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».
بشرى جنازة أكاديمية، علمك الأزهار في البستان، حياكم الله من جديد. وصلنا معكم إلى التفصيل في قول الكنود، وكما ذكرنا لكم إن معظم اختلاف المفسرين هو من اختلاف التنوع، وقليلاً ما يكون في خلافهم خلاف التضاد.
وهذه المعاني لكنود سواء؛ قيل الجاحد، أو البخيل، أو الذي يذكر الإساءة وينسى النعم كلها، معانٍ متقاربة. فكان مما قيل إن الكنود الذي يكفر باليسير ولا يشكر الكثير، وقيل الجاحد للحق، وقيل إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها، وقيل الكنود من كندا إذا قطع كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر. ويقال كندا الحبل إذا قطعه، فهذا يدل على القطع، والمراد هنا كندا يكند كنوداً أي كفر النعمة وجحدها فهو كنود. ويقال امرأة كنود أي جحود لزوجها.
وقال ابن عباس: الإنسان هنا الكافر، يقول إنه لكفور، ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال المبرد: الكنود المانع لما عليه. وقال أبو بكر الواسطي: الكنود الذي ينفق نعم الله في معاصي الله، وهذا من أجمل الأقوال. وقال أبو بكر الوراق: الكنود الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه. وقال الترمذي: الذي يرى النعمة ولا يرى المنعم. وقال ذو النون المصري: الهلوع والكنود هو الذي إذا مسه الشر جزوع وإذا مسه الخير منوع، وقيل هو الحقود الحسود، نعوذ بالله، وقيل هو الجهول لقدره.
يقول الإمام القرطبي: هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود، وهذا الذي ذكرته لكم إن هذا من اختلاف التنوع؛ لذلك جمعه القرطبي في قوله: "هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود". وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم معنى الكنود بخصال مذمومة هي التي ذكرناها قبل قليل وأحوال غير محمودة.
وفعلاً لا يبقى مقال مع مقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما ذكرنا لكم إن المصدر الأول لمصادر التفسير هو القرآن الكريم، فإذا جيء بتفسير القرآن من القرآن فلا قول بعده، وإن لم يكن فمن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا قول لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [الشرح: 7]. أي: وإن الله عز وجل ثناؤه على ذلك لابن آدم لشهيد، روى منصور عن مجاهد وهو قول أكثر المفسرين، وهو قول ابن عباس، وقال الحسن وقتادة: "وإنه" أي وإن إنساناً لشاهد على نفسه بما يصنع.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8]. و"إنه" أي إن الإنسان من غير خلاف لحب الخير أي المال، ومنه قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 181]، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، أي مالاً. "الشديد" أي قوي في حب ما له، وقيل: شديد أي بخيل، ويقال للبخيل شديد ومتشدد، كما قال طرفة: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي .. عقيلة مال الفاحش المتشدد
يقال اعتامه واعتماه أي اختاره، والفاحش البخيل أيضاً. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 163] أي البخل. قال ابن زيد: سمى الله المال خيراً، وعسى أن يكون شراً وحراماً، ولكن الناس يعدونه خيراً فسماه الله خيراً لذلك. سماه الله على الأصل أنه خير، ولكن بإمكان الإنسان أن يستعمل ما له في الخير كما استعمله سليمان وذو القرنين، وبإمكانه أن يستعمله في الشر كما استعمله قارون وهامان وغير ذلك، واستعمله الصحابة في رفعة الدين وإعلاء كلمة الله.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: 9]. قوله تعالى "أفلا يعلم" أي ابن آدم، "إذا بعثر" أي أثير وقُلب وبُحث فأُخرج ما فيها. قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع جعلت أسفله أعلاه، فهكذا يخرج الله الموتى والمثاقيل من الأرض فتبلى هنالك السرائر، ويحصل ما في الصدور، أي يُميَّز ما فيها من خير وشر، كذا قال المفسرون.
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 11]. أي: عالم لا يخفى عليه خافية، هو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو عالم بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى أنه يجازيهم في ذلك اليوم، أي في يوم القيامة. فركز وذكر "يومئذ" أي يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] أي يوم القيامة، يوم الجزاء، وهو جل جلاله.
ما كل الأيام كأيام العيد وعرفة وعاشوراء وغيرها، ولكن ذكر هذا اليوم لأنه أعظم الأيام، وأطول الأيام؛ هذا اليوم الذي يتمنى الإنسان أن يفتدي ببنيّه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعًا ثم ينجيه.
﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ * وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ * إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: 11-18]. جعلنا الله وإياكم منهم.
إذن هذا هو التفصيل في تفسير هذه السورة، نقرر معانيها في أنفسنا باستذكار هذه السورة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 1-11].
أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العلم حجة لنا وإياكم، وأن لا يجعله حجة علينا، وأن يجعله سبب سرور وفرح وسعادة ونجاح وحفظ من شياطين الإنس والجن لنا ولكم وللمشاهدين والمشاهدات. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً.
د. سلطان العتيبي