يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، هذا كتاب بالعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفوة محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أحييكم أيها الإخوة والأخوات الأعزاء المشاهدين، طلاب وطالبات أكاديمية زاد، بتحية الإسلام، تحية أهل الجنة؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه هي الحلقة العاشرة والدرس العاشر من التفسير، وكنا قد وصلنا وإياكم إلى سورة القارعة، وموعدنا اليوم مع هذه السورة العظيمة. هذه السورة مكية بالإجماع، أجمع العلماء على أن سورة القارعة مكية.
﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 1-11].
القارعة هي الساعة التي يقرع قلوب الناس هولها، وعظيم ما ينزل فيها من البلاء عندها. والقارعة من أسماء القيامة، وتسمى الطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية، وما إلى ذلك. ما القارعة؟ مر معنا في تفسير ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ هذا الاستفهام: "القارعة ما القارعة؟" و"وما أدراك ما ليلة القدر؟"، "ما القارعة؟" استفهام تعظيم وتفخيم لشأن تلك الساعة؛ فأي شيء الساعة التي يقرع الخلق هولها! فما أعظمها وما أفظعها، كقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾، وهذا أيضًا كما مر بنا من تفسير القرآن بالقرآن.
لذلك ذكر الله عز وجل في بيان معنى الحاقة، وفي بيان معنى الطامة، وفي بيان معنى الصاخة، ما يكون في القارعة وغيرها من هذه الأسماء. وهنا قاعدة يذكرها أهل التفسير: "كلما تعددت الأسماء عظم المسمى". فالله جل جلاله له أسماء عدة فدل ذلك على عظمته، والقيامة لها أسماء عدة فدل ذلك على عظمتها، والقرآن له أسماء عدة فدل ذلك على عظمته، والنبي ﷺ له أسماء عدة فدل ذلك على عظمته ﷺ.
لذلك قال الله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾، بدأت أوصاف الطامة التي هي الحاقة وهي القارعة. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾، أظهرت لمن يرى، وبرزت الجحيم لمن يرى. ﴿أَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا بِهَا حَتَّىٰ يَرَوْا السَّاعَةَ جِئَتَ الْحَقُّ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُعْثِرَتِ الْجِبَالُ بَعْثًا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾، هي القارعة وهي الحاقة، أي أنا مرساها فيما أنت من ذكراها، إلى ربك منتهاها، إنما أنت منذر من يخشاها، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها.
ثم قال في السورة التي بعدها: ﴿عَبَسَ * فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾، وهي الطامة وهي القيامة، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾؛ لذلك قال العلماء: كلما ازداد الهول، تخلص المرء من الأدنى في الأدنى، حتى يبقى مع من التصق به ثم يفر منه. فإذا جاءت الصاخة، يوم يفر المرء من أخيه -إنه بعيد قليلاً عن أخيه- يفر منه، ثم أمه وأبيه، ثم صاحبته التي هي زوجته وبنيه، كلما ازداد الهول كلما أسرع الفرار. ﴿لِّكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾. لذلك يا أيها الإخوة، في أي وصف للقيامة أو للصاخة نجد القرآن يتكلم عن الفريقين، أحوالهما وصفاتهما، ثم يتكلم عن مصيرهما.
هنا في هذه السورة الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، أي ما أعلمك وما أشعرك يا محمد أي شيء القارعة؟ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾، أن يكون الناس كالفراش الذي يتساقط في النار من بعوض ونحوه، مبثوثًا أي مفرقًا منتشرًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾، وهذا أيضًا من تفسير القرآن بالقرآن.
وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾، أي تكون الجبال كالصوف المنفوش الذي شرع في الذهاب والتمزق. ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، رجحت حسناته على سيئاته، وتوزن بميزان له كفة ولسان، توزن فيه الصحف المكتوب فيها من الحسنات والسيئات، أعاننا الله وإياكم على ذلك اليوم، اللهم رجح بحسناتنا على سيئاتنا يا رب. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، أي في الجنة، في عيش مرضي يرضاه لصاحبه.
وقال بعض أهل البلاغة في هذه الآية بلاغة عظيمة؛ فإن الله قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ ولم يقل "مرضية"، وإن كان بعضهم يقولهما بمعنى واحد، لكن هذه من لطائف البلاغة؛ فهو في عيشة رضيت بولي الله، فكأنه مكافأة لها لا هي مكافأة له، فهو في عيشة راضية به، هذا قاله بعض البلغاء. فهو في عيشة راضية على كل حال، هو راضٍ بها وهي راضية به، جعلنا الله وإياكم من أهل هذه العيشة الراضية المرضية.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، هنا الانتقال إلى الصنف الآخر كما ذكرت لكم، ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾؛ من خفت موازينه معناه أي من رجحت سيئاته على حسناته فـأمه هاوية، أي فهو ساقط هاوٍ برأسه في نار جهنم، أعاذنا الله وإياكم. وقيل الهاوية اسم من أسماء النار، فهي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها كما يأوي إلى أمه في الدنيا.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾، الأصل "ما هي" بدون التاء المربوطة التي تقرأ هاء، لكن دخلتها تسمى هاء السكت، وهو سؤال للتهويل والتعظيم، وقد ذكر في القرآن كثيرًا، مثل قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾، وهكذا فهو السؤال للتهويل والتعظيم، أي وما أدراك ما هي تعظيم وتهويل. ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي شديدة الحرارة، أعاذنا الله وإياكم منها.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم»، قالوا: والله إنها كانت لكافية يا رسول الله، قال: «فإنها فضلت عليها بستة وستين جزءًا، كلها مثل حرها» متفق عليه. اللهم أجرنا من النار.
نستكمل بإذن الله بعد هذا الفاصل؛ هناك فرق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم، فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد. قال النبي ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وبالرحلة يلقى الطالب العلماء، ويتنوع المشايخ، ويقارن بين...
ويجدد نشاطه ويزيد خبراته. قال الشعبي: «لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه رأيت أن سفره لا يضيع». وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة؛ إذ قال: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60].
ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهرا في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيرا على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم، فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا».
حياكم الله مجددا. ما مر بنا هو التفسير الإجمالي لهذه السورة، ونريد أن نعرج معكم على بعض الفوائد في هذه السورة. دليل على أن يوم القيامة فيه موازين، وقد جاء في بعض النصوص أنه ميزان، فهل هو واحد أم متعدد؟
قال بعض أهل العلم إنه واحد، وإنما جمع باعتبار الموزون؛ لأنه يوزن فيه الحسنات والسيئات، وتوزن فيه حسنات فلان وفلان، فهو مجموع باعتبار الموزون لا باعتبار الميزان، وإلا فالميزان واحد. وقال بعض أهل العلم إنها موازين متعددة؛ لكل أمة ميزان ولكل عمل ميزان، فلهذا جمعت. قال شيخنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «والأظهر والله أعلم أنه ميزان واحد».
والفائدة الأخرى أن الإنسان إذا تساوت حسناته وسيئاته فإنه قد سكت عنه، ولكن بين الله تعالى في سورة الأعراف أنهم لا يدخلون النار، وإنما يحبسون في مكان يقال له الأعراف التي باسم سورة الأعراف. قال الشيخ السعدي رحمه الله: «واختلف أهل العلم والمفسرون من هم أصحاب الأعراف؟ وما أعمالهم؟ والصحيح من ذلك أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا رجحت سيئاتهم فدخلوا النار، ولا رجحت حسناتهم فدخلوا الجنة، فساروا في الأعراف».
ثم إن الله تعالى يدخلهم برحمته الجنة، فإن رحمته سبقت وتسبق وتغلب غضبه، ورحمته وسعت كل شيء. كان يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «اللهم إني شيء ارحمني، يا من وسعت رحمتك كل شيء». فسبحان من قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 156]. ما أطيب هذا القول من عمر بن عبد العزيز؟ اللهم إنا شيء ارحمنا يا من وسعت رحمتك كل شيء.
أما بعض التفصيل وبعض الفوائد حول هذه السورة، فإن الله عز وجل حين قال: ﴿الْقَارِعَةُ﴾، ما القارعة؟ أي القيامة والساعة. وذكرنا لكم أن هذا قول عامة المفسرين؛ وذلك أنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب قرعتهم القارعة، وفرقتهم الفاقرة، وفقرتهم الفاقرة، أي إذا وقع بهم أمر فظيع. قال ابن أحمر: وقارعة من الأيام لولا سبيله ... مول زاحت عنك حينا
وقال آخر: متى تقرع بمروتكم نسوؤكم ... ولم توقد لنا في القدر نار
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الحج: 48]، وهي الشديدة من شدائد الدهر. أما الاستفهام الذي ذكرناه لكم "ما القارعة"، فمعناه أي شيء هي القارعة؟ وكذا "وما أدراك ما القارعة" كلمة استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كما قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: 1-2] على ما تقدم وذكرناه لكم.
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: 4]. فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾، فقول "يوم" هنا منصوب على الظرف، تقديره: تكون قارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. قال قتادة: الفراش الطير الذي يتساقط في النار، والسراج الواحد فراشة. وقال أبو عبيدة: وذكرت لكم كتاب أبي عبيدة وهو "مجاز القرآن" للتذكير. وقال الفراء في كتابه "معاني القرآن" إنه الهمج الطائر من بعوض وغيره، ومنه الجراد، ويقال هو أطيش من فراشة.
وقال الشاعر: وقد كان أقوام رددت قلوبهم ... إليهم وكانوا كالفراش من الجهل
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أو قد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذهبن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي». وهذه من رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا. قال تعالى في موضع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] أي متفرق، والمبثوث هو المتفرق والمنتشر. وإنما ذكر على اللفظ كقوله تعالى: ﴿كَأَعْجَازِ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾، ولو قال المبثوثة فهو كقوله تعالى: ﴿كَأَعْجَازِ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
وقال ابن عباس والفراء: كالفراش المبثوث أي كغوغاء الجراد يركب بعضها بعضا، كذلك الناس يوم القيامة يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا، نسأل الله السلامة. وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: 5]، أي كالصوف يوم فاشوه باليد، أي تصير هباء وتزول هذه الجبال العظيمة تزول وتكون هباء، كما قال جل ثناءه في موضع آخر: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾. وأهل اللغة يقولون العهن هو الصوف المصبوغ، وقد مضى بيانه فيما سبق.
فأما من ثقلت موازينه، تقدم القول في الميزان، وأن له كفتان ولسان توزن فيه الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات، وذكرنا لكم أنه قيل إنه ميزان واحد وكيل عبر عنه بالجمع، وقيل إنه عدة موازين أو لكل حادثة ميزان كما قلنا قبل قليل.
قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 7] أي عيش مرضي يرضاه صاحبه، وذكرنا لكم نكتة البلاغيين قبل قليل، أي فاعلة للرضا. وبالمناسبة، هناك كتاب جميل أصله رسالة ماجستير اسمه "النكت في القرآن الكريم" مجلد واحد، أظن هذه الرسالة عراقية المنشأ، فهذه الرسالة من أجمل الرسائل في لطائف ونكت القرآن الكريم، مجلد واحد لكنه جميل جدا؛ مثلا فيه لماذا قال الله هنا هكذا؟ ولم يقل هكذا؟ لماذا قال ذلك؟ ولم يقل ذلك؟ فهي من أجمل الكتب، اسمها "النكت في القرآن الكريم" لأبي فضال المجاشعي، توفي قرابة أربعمئة سنة، وحققت في بغداد.
فقوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي عيش مرضي يرضاه صاحبه أي فاعله، وهو اللين والانقياد لأهله. وقيل فالفعل للعيشة لأنها أعطت الرضا من نفسها وهو اللين والانقياد. العيشة، كل كلمة في العيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا كالفرش المرفوعة، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع كهيئتها. ومثل الشجرة فرعها، ذلك أيضا من الارتفاع، فإذا اشتهى ولي الله ثمرتها تدلت إليه يتناولها ولي الله قاعدا وقائما، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾، وحيثما مشى أو ينتقل من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث يشاء علوا وسفلا، كقوله تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهُ تَفْجِيرًا﴾، إن يشيروا فيجري من غير أخدود حيث شاء من قصوره وفي مجالسه، فهذه الأشياء كلها عيشة قد أعطت الرضا من نفسها فهي فاعلة للرضا، وهي أنذلت وانقادت بذلا وسماحة.
ومعنى ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ يعني جهنم. وسماها أما لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: الأرض معقلنا، وكانت أمنا، فيها مقابرنا وفيها نولد.
نستكمل بإذن الله بعد الفاصل: به تنكشف الكربات، وتستنزل البركات، وتستجلب الرحمات؛ إنه الدعاء. مخ العبادة، وباب الخير والسعادة. وللدعاء آداب، منها: توحيد الله تعالى والإخلاص له في الدعاء، إطابة المأكل والملبس، استقبال القبلة ورفع اليدين، حضور القلب مع اليقين في الإجابة، الثناء على الله تعالى قبل الدعاء بما هو أهله، الصلاة على النبي ﷺ، التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، الإكثار من المسألة والإلحاح فيها، إخفاء الدعاء وعدم الجهر به، الجزم في الدعاء وقوة اليقين، وعدم استعجال الإجابة.
ومن الأمور المعينة على إجابة الدعاء: تحري الأوقات والأماكن الفاضلة والأحوال المناسبة. فمن الأوقات الفاضلة: وقت السحر، الثلث الأخير من الليل، آخر ساعة من يوم الجمعة، وقت نزول المطر، عند سماع الأذان، وبين الأذان والإقامة. ومن الأماكن الفاضلة المساجد عموماً والمسجد الحرام خصوصاً.
ومن الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء: دعوة المظلوم، دعوة المسافر، دعوة الصائم، دعوة المضطر، دعوة الوالد لولده، ودعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب. قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].
حياكم الله من جديد، وصلنا وإياكم إلى قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾، وذكرنا لكم أن معنى أمّه -نسأل الله السلامة- أي جهنم، وسماها أماً لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه، وهذا كما ذكرنا لكم هو قول ابن زيد، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: الأرض معقلنا، وكانت أمنا، فيها مقابرنا، وفيها نولد. وسميت النار هاوية؛ لأنه يهوي فيها مع بُعد قعرها، ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار.
وقال قتادة: معنى ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ أي فمصيره إلى النار. وقال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. وقال الأخفش: أمه مستقرة. ولو لاحظتم هذه المعاني كلها متقاربة، لذلك كان هذا من خلاف التنوع لا التضاد؛ لذلك قال القرطبي: وكلها معانٍ متقاربة، والهاوية المهواة، وقيل هوت أمه فهي هاوية أي ثاكلة، والمهوى والمهواة ما بين الجبلين تسمى هاوية، ونحو ذلك. وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في أثر بعض.
ثم قال الله عز وجل: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي شديدة الحرارة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما ناركم هذه التي يوقد ابن آدم إلا جزء من سبعين جزءاً من حر جهنم»، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله! قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، كلها مثل حرها». وهذا من أعظم الأحاديث ومن أخوف الأحاديث.
وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: إنما ثقل ميزان من ثقل ميزانه؛ لأنه وضع فيه الحق، وحق لميزان يكون فيه الحق أن يكون ثقيلاً، وإنما خف ميزان من خف ميزانه؛ لأنه وضع فيه الباطل، وحق لميزان أن يكون فيه الباطل أن يكون خفيفاً. وهذا من أجمل الآثار عن أبي بكر رضي الله عنه.
وبالمناسبة، سألت أحد مشايخنا: لماذا ذكر الإمام النووي في رياض الصالحين -وهو من أشهر كتبه- أحاديث الجنة وأوصاف الجنة ولم يذكر أوصاف النار؟ قال: ذكرها ولكنه أسماها بكتاب الخوف، فذكر الأحاديث التي تخوف من النار في كتاب الخوف في رياض الصالحين، وذكر في آخره الأحاديث التي ترغب في الجنة في كتاب الرغائب.
وهذا الكتاب بالمناسبة أيها الإخوة، رياض الصالحين، قال شيخنا الشيخ ابن عثيمين في شرح مقدمة الأربعين النووية: الإمام النووي قال ولعل الإمام النووي قد استجمع في كتابه رياض الصالحين مكامن الإخلاص، أو قال كلاماً نحو هذا؛ فعلاً لم ينتشر كتاب في الآفاق بعد كتاب الله مثل كتاب رياض الصالحين، يفهمه العالم والعامي والبسيط، والرجل العادي والرجل الراعي، كل يفهم هذه الجملة. وانتقى فيه الإمام النووي فضائل الأعمال، وجمع فيه بين أحاديث الترغيب بدون خلاف وبدون أقوال، وإنما سرد أحاديث النبي ﷺ سرداً.
فأنا أوصي بهذا الكتاب أن يقرأ في كل بيت، وأن يقرأه كل إمام على جماعة مسجده، وقد كان أعلامنا لا يتركون رياض الصالحين بعد صلاة العصر. ومثله أيضاً كتاب المتجر الرابح للدمياطي، توفي قرابة السبعمئة وعشرة، وهذا أيضاً من أفضل الكتب في فضائل الأعمال. وكذلك الترغيب والترهيب للمنذر، وهذا أيضاً من أفضل الكتب، وقد أخرجت الصحيح من الضعيف من هذا الكتاب. فأنا أوصي نفسي وإياكم بالإكثار من قراءة أحاديث الترغيب والترهيب؛ لأنها تنشط للوعد بالله، وتخوف من الوعيد، وبها تزداد الرغبة في الطاعة وتنفر النفس من المعصية.
فعلم الفضائل أيها الإخوة لا يقل أهمية عن علم المسائل؛ لذلك كان علم الحديث بين علم الفضائل وعلم المسائل، وحري بالمسلم أن يجمع بين العلمين، كما قال في حديث معاوية رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وسمعت شيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله يقول: معنى هذا الحديث أن من لم يرد الله به خيراً لم يفقهه في الدين، لذلك أوصي نفسي بالإكثار من علوم المسائل وتعلمها، والإكثار من علوم الفضائل وقراءتها.
وليس المطلوب أيها الإخوة أن نكون قد سمعنا هذا الحديث أو لم نسمع به قبل ذلك، لكن العبرة: هل عملنا بهذا الحديث أم لم نعمل؟ لذلك كانت عائشة لعروة بن الزبير تقول: هل علمت بكل ما عملت من خبر رسول الله ﷺ؟ فكان يقول: بعد يا أماه، فتقول له: إذاً أنت لم تعمل. لأن العبرة من العلم العمل، ثم الدعوة إلى الله، ثم الصبر على الأذى في سبيل الله.
إلى هنا تقريباً انتهى تفسير هذه السورة، أعيد تلاوتها عليكم لنقررها في أنفسنا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 1-11].
أسأل الله عز وجل في نهاية هذه الحلقة وهذا الدرس المبارك أن يجعل اجتماعنا مرحوماً وتفرقنا من بعده معصوماً، وألا يجعل فينا من لا شقي ولا محروماً. بسم الله خير الأسماء، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، بسم الله الكافي، بسم الله الشافي، بسم الله المعافي، بسم الله على كل شيء أعطيناه ربنا. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر مما نخاف ونحذر.
عز جارك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله غيرك. نعوذ بك من كل جبار عنيد، ومن كل شيطان مريد، ومن شر قضاء، ومن شر كل دابة أنت آخذٌ بناصيتها، يا عظيم السلطان، يا قوي الأركان، يا شديد البرهان. حسبنا الله وكفى، سمع الله لمن...
وصلى الله وسلم على نبينا محمد. يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً...
د. سلطان العتيبي