دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعهم طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد بالعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفيه، محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.

حياكم الله أعزائي المشاهدين والمشاهدات، حياكم الله طلاب وطالبات أكاديمية زاد في المستوى الرابع. مرحبا بكم في الحلقة الحادية عشرة من دروس التفسير، وكنا قد وصلنا وإياكم إلى سورة التكاثر. وهذه السورة سورة مكية، ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 1-8].

أخرج مسلم في صحيحه رحمه الله عن مطرف بن عبد الله، عن أبيه، قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، قال: يقول ابن آدم: ما لي، مالي؟ قال: «وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت». وهذا الحديث وارد في تفسير هذه السورة بمناسبة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها.

أما المعاني الإجمالية، فإن الله عز وجل ابتدأها بهذا الخبر: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، أي شغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها والتكاثر فيها من الأموال والأولاد والجاه والقبيلة عن طلب الآخرة وابتغائها. ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، أي فتمادى بكم حب الدنيا والانشغال بها حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها ودفنتم فيها.

ثم قال: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وكلا من كلمات الردع والزجر، فهي ردع وزجر لهم عن التكاثر، وتنبيه على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة، فيه وعيد شديد. ثم كرر الردع والزجر على وجه التغليظ والتأكيد؛ إذ يستفاد من تكرار الردع والزجر أمران: الأمر الأول التغليظ، والأمر الثاني التأكيد على هذا المضمون وهذا المعنى.

﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فهو وعيد بعد وعيد، أي سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نزل بكم الموت. ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، أي علما يقينيا، فأضاف العلم إلى اليقين. وقوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾، أي لو تعلمون علم اليقين وأنتم في الدار الآخرة، وإن قيل: لترون الجحيم بعيون قلوبكم قبل الموت وتتصورون أمر القيامة وأهوالها، وقال بعضهم: هذا إذا كان المؤمنون على الصراط فإنهم يرون الجحيم تحتهم، أعاذنا الله وإياكم منها.

ثم قال تأكيدا على ذلك: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾، أي ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليوم، وهي المشاهدة والمعاينة، كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرَفًا﴾ [الكهف: 53]، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن. ثم قال جل جلاله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، والنعيم هنا كل شيء من لذة الدنيا، وسنأتي إلى تفصيل بعض تلك الملذات، ولكنه في القول الجامع أن النعيم كل شيء من لذة الدنيا من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، وترو من الماء البارد؟» وهذا الحديث أخرجه الترمذي وصححه الشيخ الألباني رحمه الله.

في هذه السورة فوائد، من الفوائد أن البرزخ وحياة القبر مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية؛ لأن الله سماهم زائرين، قال: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، ولم يقل أقمتم فيها، ولم يسمهم مقيمين، قال: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فهي زيارة، وبعدها دار المقر وهي الدار الآخرة. ويذكر عن بعض الأعراب أنه سمع قارئا يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فقال: والله ما الزائر بمقيم، والله لنبعثن، فاستنبط البعث من لفظ الزيارة؛ ما دام أن القبور زيارة إذا فهي ليست دار إقامة، فاستنبط منها هذا الأعرابي أنها دار مرور، أن الدنيا والبرزخ دار مرور وعبور، والآخرة هي دار الإقامة. وفي هذا تنبيه لما يقوله بعض الناس عند قولهم: انتقل إلى مثواه الأخير ويقصد القبر، وهذه العبارة ليست صحيحة أبدا، فالقبر ليس المثوى الأخير، بل هو أول مراتب ومنازل الآخرة وليس آخرها.

ومن الفوائد أيضا إخواني وأخواتي أن المؤمن والكافر كل يسأل عن النعيم، لكن المؤمن يسأل سؤال تذكير بنعمة الله عز وجل حتى يفرح، ويعلم أن الذي أنعم عليه في الدنيا ينعم عليه في الآخرة، بمعنى أنه إذا تكرم بنعمته عليه في الدنيا تكرم عليه بنعمته في الآخرة. أما الكافر فإنه يسأل سؤال تقريع وتنديم على ما فات.

هذه السورة أيها الإخوة أيضا من الفوائد المذكورة أن الله عز وجل ذكر فيها بعض درجات اليقين، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. ذكر ابن القيم وغيره من العلماء أن درجات اليقين ثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. ومثلوا لها بأمثلة؛ فلو قال رجل: لو قالت الشمس في الخارج، لأصبح عندنا علم اليقين أن الشمس في الخارج، ثم لو نظرنا من النافذة ورأيناها بأعيننا فأصبح عندنا عين اليقين لأننا رأيناها بالعين، ثم إذا خرجنا وشعرنا بحرها وحميمها وتصبب منا العرق، كان هذا حق اليقين.

إذن، عين اليقين هو علم اليقين وحق اليقين. ومثاله لو قال رجل: عندي عسل، لأصبح عندنا علم اليقين أن عنده عسل، ثم لو رأيناه بأعيننا فقال: هذا هو، لأصبح عندنا عين اليقين على هذا العسل، ثم إذا تذوقناه أصبح حق يقين أن هذا عسل؛ هذه من اللطائف التي يذكرها العلماء.

ونستأنف بإذن الله بعد الفاصل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ ذَلِكَ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59]. الحجاب شعار المؤمنات وزي العفيفات الطاهرات، وتحبيب الفتاة في ارتدائه سهل يسير، لكنه يحتاج إلى بضع خطوات؛ منها أن يبدأ الوالدان مع ابنتهما في التزام الحجاب بالتدرج منذ الصغر، فقد تتشكل لديها مع الوقت قناعات خاطئة تصعب معالجتها.

أن يغرسا في ابنتهما نبتة المراقبة والخشية، ويرسخا في ذهنها أن الله يرضى عن المرأة العفيفة المحتشمة المطيعة لأوامره. أن يظهرا إعجابهما بالحجاب، وذلك بالحديث عنه كثيرا أمامها، مع ذكر صفاته ومحاسنه. الحرص على أن تصاحب الابنة الفتيات الصالحات المحجبات، فالصحبة الصالحة لها أكبر أثر في السلوك والأخلاق. أن يمنح الوالد الأم فرصة اصطحاب ابنتها لدروس العلم وحلقات القرآن.

أن تكون محجبة أثناء ذلك، مما يعودها ارتداء الحجاب. استخدام الهدية والمكافأة التشجيعية، دام الفتاة أن المكافأة الكبرى إنما هي في تحصيل مرضات الله تعالى.

حياكم الله من جديد في هذا المقطع، بإذن الله سنتكلم بشيء من التفصيل، سواء التفصيل التحليلي أو الموضوعي عن سورة التكاثر. لما ابتدأها الله بقوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، فإن معنى ألهاكم: شغلكم، شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله حتى متم ودفنتم في المقابر.

وقيل معنى ألهاكم يعني أنساكم، والتكاثر هو من الأموال والأولاد كما مر معنا قبل قليل في بيانه. وقيل إن التكاثر من المكاثرة؛ قال مقاتل وغيره: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا.

وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في حيين من قريش، بني عبد مناف وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عائدا، فكثر بنو عبد مناف سهما، ثم تكاثروا بالأموات فكثرتهم سهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ أي بأحيائكم فلم ترضوا حتى زرتم المقابر مفتخرين بالأموات.

وروى سعيد عن قتادة قال: كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعز من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلها. وعن عمرو بن دينار حلف أن هذه السورة نزلت في التجار، أي في تكاثرهم. وعن شيبان عن قتادة قال: نزلت في أهل الكتاب. وعلى كل حال فاللفظ يعم ذلك كما ذكر القرطبي، الآية تعم جميع ما ذكر وغيره من التكاثر.

وذكرنا لكم حديث مطرف عن أبيه في صحيح مسلم، قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، قال يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس.

وقال أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهب لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». فهذا من التكاثر؛ لأن ابن آدم لو كان له وادٍ لتمنى أن يكثر له واديا آخر، ولو تمنى ثانيا نتمنى ثالثا وهكذا، ولا يملأ فاه إلا التراب بالموت، ويتوب الله على من تاب.

لذلك قال ثابت عن أنس عن أبي: كنا نعد هذا من القرآن حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. قال ابن العربي: وهذا نص صحيح مليح غاب عن أهل التفسير فجهلوا، والحمد لله على المعرفة. وبالمناسبة كتاب ابن العربي هو "أحكام القرآن" كتاب مطبوع جيد رحمه الله، وهناك أيضا وهو في الفقه المالكي، وأيضا كتاب بنفس الاسم "أحكام القرآن" للكيا الهراسي وهو في الفقه الشافعي، وأيضا "أحكام القرآن" بنفس الاسم للجصاص وهو في الفقه الحنفي؛ ففي كل فقه كتاب يسمى بأحكام القرآن.

وقال ابن عباس: قرأ النبي ﷺ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، قال: تكاثر الأموال جمعها من غير حقها ومنعها من حقها وشدها في الأوعية، حتى زرتم المقابر أي حتى أتاكم الموت فصرتم في المقابر زوارا ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار. يقال لمن مات: قد زار قبره. وقيل أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات على ما تقدم وذكرنا لكم القصة في الحيين من قريش. وقيل هذا وعيد أي أشغلتكم بمفاخرة الدنيا حتى تزور القبور فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله عز وجل. وبالمناسبة لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة، لم يأت لفظ المقابر إلا في هذه السورة.

وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي، يقول القرطبي رحمه الله: لأنها تذكر الموت والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها. قال النبي ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة». وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «فإنها تذكر الموت»، وفي الترمذي عن بريدة: «فإنها تذكر الآخرة»، وهو حديث حسن صحيح عند الترمذي، وفيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ «لعن زوارات القبور». وقال في الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت، قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.

وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن. قال القرطبي: زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء؛ أما الشابات فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك وجائز لجميعهن ذلك إذا انفردن للخروج عن الرجال، ولا يختلف في هذا، ويقول في هذا إن شاء الله.

والذي عليه علماؤنا منع النساء من زيارة القبور لما يحدث فيه من الفتن، ولما قد يكون فيه من التسخط والتجزع، وذلك للضعف والعطف الذي جعله الله في قلوب النساء أكثر من الرجال. وأما موضع وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال والنساء ألا يحل ولا يجوز؛ فبين الرجل يخرج ليعتبر فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس، فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور، والله أعلم.

قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أن يكثر من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات وموتمي البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين. فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسى قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين بها على دواء داءه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه.

فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت وانجلت به قساوة قلبه فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه واستحكمت فيه دواعي الذنب، فإن مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير، وفي مشاهدة من احتضر وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة، فلذلك كان أبلغ من الأول. قال النبي ﷺ: «ليس الخبر كالمعاينة».

فأما الاعتبار بحال المحتضرين فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعات من الساعات، وأما زيارة القبور فوجودها أسرع والانتفاع بها أليق وأجدر، فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب.

ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط؛ فإن هذه حالة تشاركه فيها بهيمة، ونعوذ بالله من ذلك. بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح قلبه، أو نفع الميت بما يتلوه عنده من قرآن ودعاء. ويتجنب المشي على المقابر والجلوس عليها، ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضًا وأتاه من تلقاء نفسه؛ لأنه في زيارته كمخاطبته حيًا. ولو خاطبه حيًا لكان الأدب استقباله بوجهه، فكذلك ها هنا.

ثم يعتبر بمن صار تحت التراب وانقطع عن الأهل والأحباب بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر، فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه. فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه ودرجة من أقرانه الذين بلغوا الآمال وجمعوا الأموال، كيف انقطعت آمالهم ولم تغنِ عنهم أموالهم، ومحى التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم. عسى الله أن يعيننا وإياكم على ذلك.

ونستكمل بإذن الله بعد فاصل حدثًا عظيمًا وقع بعد ستة عشر شهرًا من الهجرة، تحديدًا في منتصف شهر رجب من السنة الثانية للهجرة؛ حيث أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. فاتخذ أعداء الإسلام من هذا الحدث ذريعة للطعن فيه؛ فقال المنافقون: ما لهم كانوا على قبلة زمانًا ثم تركوها؟ وقال اليهود: لو ثبت محمد على قبلتنا لاتبعناه. وقال المشركون: رجع إلى قبلتنا ويوشك أن يرجع إلى ديننا.

وهنا ظهر تسليم المؤمنين لله تعالى، فالعبرة بطاعته لا بالجهة. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أَهْدَى مِمَّنْ كَانَ عَلَى قِبْلَتِهِ﴾ [البقرة: 142]. إن المشرق والمغرب لله، لماذا يعترضون على توليتكم قبلة داخلة تحت ملكه؟ لقد كان هذا امتحانًا للناس ليتميز الصادق في إيمانه من الكاذب. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143].

وقد سارع الصحابة رضي الله عنهم بالاستجابة؛ فبعد أن أخبروا بتحويل القبلة استداروا إلى الكعبة مباشرة وهم في الصلاة، بعد أن كانت وجوههم إلى الشام. إن استقبال القبلة هو صورة باهرة لوحدة الأمة وتوحيدها، وفي تحويلها مخالفة لأهل الكتاب، وإظهار الاستقلال في الأمة الإسلامية في عقيدتها، وهو مقصد شرعي عظيم. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: 60].

حياكم الله من جديد، وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر. والتمام على هذا: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي سوف تعلمون عاقبة هذا. ثم ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ وعيد بعد وعيد، قاله مجاهد. ويحتمل أن يكون تكراره كما ذكرنا لكم قبل قليل للتأكيد والتغليظ وهو قول الفراء.

وقال ابن عباس: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبر، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة؛ إذا حل بكم العذاب الأول في القبر والثاني في الآخرة، فالتكرار للحالتين. وقيل: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عند المعاينة أن ما دعوتكم إليه حق، ثم ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عند البعث أن ما وعدتكم به صدق.

وروي عن زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه قال: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة، فأشار إلى أن قوله ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. وقيل: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا دخلكم الموت، وجاءت رسل تنزع أرواحكم، وجاءكم منكر ونكير، وحاط بكم هول السؤال وانقطع منكم الجواب.

فتضمنت السورة القول في عذاب القبر، وهناك كتاب للقرطبي وهو كتاب مطبوع مشهور اسمه "التذكرة"، بسط فيه أهوال ذلك وإثبات ذلك والرد على من تكلم في عذاب القبر. الإيمان به واجب، أي بما يكون في القبور، والتصديق به لازم حسب ما أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه؛ ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به، ويفهم ما آتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة.

ومذهب أهل السنة والجماعة من أهل الملة يقول الإمام القرطبي -وقد ذكرنا ذلك في كتاب التذكرة كما قلت لكم-: وقيل ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عند النشور أنكم مبعوثون، ثم ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في القيامة أنكم معذبون. وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث وحشر وسؤال وعرض إلى غير ذلك من أهوالها وأفزاعها. وقال الضحاك: ﴿أَلَا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني الكفار، ثم ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وكذلك كانت تقرأ بالتاء والثانية بالياء.

أما قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، أعاد "كلا" وهو زجر للتنبيه لأنه عقب كل واحد بشيء آخر، كأنه قال: لا تفعلون فإنكم تندمون، لا تفعلون فإنكم تستوجبون العقاب. وإضافة العلم إلى اليقين كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: 95]. وقيل اليقين ها هنا الموت كما قال قتادة، وقيل البعث؛ لأنه إذا جاء زال الشك، أي لو تعلمون اليوم من البعث ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور وانشقت اللحود عن جثثكم كيف يكون حشركم لشغلكم ذاك عن التكاثر بالدنيا.

وقيل: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي لو قد تطايرت الصحف فشقي وسعيد. وقيل إن "كلا" في هذه المواضع الثلاثة بمعنى "ألا"، وقال الفراء: هي بمعنى "حقًا"، وكل ذلك قد ذكر.

أما قوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾، هذا وعيد آخر وهو على إظمار القسم، أي لترون الجحيم في الآخرة. فالتأكيد هنا يفيد القسم، والخطاب هنا للكفار الذين وجبت لهم النار، وقيل هو عام للكفار وغيرهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]؛ أي على الصراط فوق جهنم، فهي للكفار دار وللمؤمنين ممر، أجارنا الله وإياكم. وفي الصحيح سيمر أولهم على الصراط كالبرق، ثم كالريح، ثم كالطير.

﴿لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي مشاهدة. وقيل هو إخبار عن دوام مقامهم في النار، أي هي رؤية دائمة متصلة، والخطاب على هذا للكفار. وقيل معنى ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي لو تعلمون اليوم في الدنيا علم اليقين فيما أمامكم مما وصفت، ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ بعيون قلوبكم؛ فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن تتصور لك القيامة وقطع مسافاتها، ثم ﴿لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي عند المعاينة بعين الرأس، فتراه يقينًا لا تغيب عن عينك.

ثم ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ في موقف السؤال والعرض. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر... وهذه القصة.

أعجب القصص، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟»، قالا: «الجوع يا رسول الله». قال: «وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجن الذي أخرجكما».

فقاما معه، فأتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته المرأة قالت: «مرحباً وأهلاً». فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين فلان؟»، قالت: «يستعذب لنا الماء». إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: «هذا الأنصاري، الحمد لله، ما أحد يوم أكرم أضيافاً مني».

فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: «كلوا من هذه»، وأخذ المدية، أي السكين. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياك والحلوب»، أي لا تذبح الحلوب. فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا.

فلما شبعوا ورووا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: «والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة؛ أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى هذا النعيم». وفي رواية أنه أخذ قطعة من لحم الشواء وجعلها في خبز، وأعطاها الخادم وقال: «اذهب بها إلى فاطمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنها لم تصب من هذا منذ زمن»، وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال في رواية: «هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد ورطب وماء بارد». وهذا الرجل الذي فاز بضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه هو الهيثم بن التيه رضي الله عنه وأرضاه.

وأما النعيم الذي سنسأل عنه أيها الإخوة، أيها الأخوات، سنسأل عن كل نعيم؛ نعيم الصحة، ونعيم الأمن، ونعيم البدن، ونعيم الإدراك بالحواس، ونعيم الولد، ونعيم الغداء، ونعيم العشاء، ونعيم كل نعيم أنعم الله به عز وجل علينا.

فلنحذر أيها الإخوة من الإسراف، ولنحذر من التبذير، ولنتأدب بهذه الصورة علماً وعملاً ودعوة إلى الله. أسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.