دخولتسجيل الدخول

ذكر الله

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة وعذاب أليم، وعلى فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

أما بعد؛ فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة المتفق عليه: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه». ويقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في صحيح البخاري: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت». وقد رواه الإمام مسلم بلفظ آخر.

وأيضاً في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «سبق المفردون»، قالوا: يا رسول الله، وما المفردون؟ قال: «الذاكرون الله كثيراً والذاكرات»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

أيها الإخوة الكرام، الكلام عن ذكر الله بالحقيقة لا تتسع له خطبة ولا خطبتان ولا أكثر من ذلك؛ فهو الكلام عن الله سبحانه وتعالى وعن ذكره، وذكر الله سبحانه وتعالى أكبر، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].

ذكر الله من أجله وجدت الدنيا، فإذا لم يبقَ في الدنيا من يقول الله الله، أقام الله القيامة. لذكر الله تقام الشرائع: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]؛ إقامة الصلاة من أجل ذكر الله، والصوم من أجل ذكر الله، والحج من أجل ذكر الله: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]، ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198].

كم من الآيات! وكم من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم! يقول: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «ذكر الله». وقال معاذ رضي الله عنه في آخر الحديث وهو حديث أبي الدرداء: «ما من عمل أنجى من عذاب الله من ذكر الله». هذا الحديث في الموطأ لكنه في الموطأ موقوف، وفي السنن والمسند مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

أيها الإخوة الكرام، ينبغي لكل واحد منا أن يكون له وِرد يذكر الله فيه، يخلو بربه سبحانه وتعالى. نحن لو تدبرنا بعض الآيات التي قرأتها أو بعض الأحاديث؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]. نتصور معنى هذه الآية: فاذكروني أذكركم، يريد الله يذكرك! اذكر الله يذكرك الله.

نحن لو ذكرنا واحداً من عظماء الدنيا، حاكماً أو شخصاً عظيماً -وما في الدنيا عظيم- لفرح الإنسان فرحاً عظيماً وأخذ يردد. ربما لو قال له الحاكم هذا فلان من خيرة الناس، وهو ابن الوطن، وهو الشجاع، وهو كذا وكذا، لصارت الأشعار تقال في هذا الشخص لأن فلاناً ذكره. فكيف بأن يذكرك ملك الملوك؟ العظيم الرب سبحانه وتعالى، مالك الأكوان، الملك الديان يذكرني! نعم.

ولذلك أُبيٌّ لما قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾»، قال يا رسول الله، وسماني؟ قال: «نعم»، فبكى أُبيٌّ. الله سماه! ولذلك في الحديث: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني». بالله عليكم، هل يمكن أن يفوت شخص جلوس أو معية شخص عظيم من العظماء الذين يحبهم؟ قيل له: عندك موعد مع الشخص الفلاني، مع الحاكم الفلاني، في اليوم الفلاني وفي الساعة الفلانية ولا تتأخر، هل يتأخر؟ وهو رجل مثله. وفي هذا الحديث: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني».

ولذلك العارفون، إذا خلا الواحد منهم بربه سبحانه وتعالى غاب عن الدنيا، بل وكانوا مع الناس غيباً عن الدنيا. يقول أحدهم: جسمي معي، غير أن الروح عندكمُ فالجسم في غربة، والروح في وطنِ فليعجب الناس مني، أن لي بدناً لا روح فيه، ولي روح بلا بدنِ

والآخر يقول: ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي وجعلت جسمي حيث كان جليسي فالجسم مني للجليس مؤانسٌ وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي

إذا جلس الإنسان يذكر ربه، وكم من الفضائل في ذكر الله سبحانه وتعالى! من قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، والشمس تطلع على الدنيا كلها بما فيها من الملك، وما فيها من الأموال، وبما فيها من الأشياء. سبحان الله أحب من ذلك كله. وفي الحديث الآخر: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض».

وفي الحديث الآخر: جماعة من الصحابة مجتمعون، عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن أبي عميرة، فقال عبد الله بن أبي عميرة: لقد سمعت معاذاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان إحداهما ليس لها نهاية دون العرش، والأخرى تملأ ما بين السماوات والأرض: لا إله إلا الله، والله أكبر». فبكى ابن عمر بكاءً شديداً حتى خضلت لحيته، قال: والله إنا لنعلقهما ونألفهما، يعني نحب هاتين الكلمتين، وهو بكى فرحاً لكثرة ما يرددها رضي الله تعالى عنه.

فمهما كانت الدنيا سبحان الله لا يمكن أن تقاس بها الدنيا. ولذلك لما مر سليمان عليه الصلاة والسلام بذلك الإسرائيلي الذي يحرث أرضه، فرأى سليمان في ملكه وجنوده من الجن والطير والإنس فهم يوزعون، قال: سبحان الله! ما أعظم ما آتى الله آل داود، أو نحو هذه العبارة. فسمعها سليمان عليه الصلاة والسلام فرجع، وجاء الرجل وهو ترتعد فرائصه، فقال: ماذا قلت؟ قال: ما قلت شيئاً. قال: إنما قلت سبحان الله ما أعظم ما آتى الله آل داود. قال: والله إن كلمتك هذه التي قلتها سبحان الله أعظم عند الله من ملك آل داود. فقال الرجل: فرج الله عنك كما فرجت عني، فرج الله عنك كما فرجت عني؛ إما لأنه كان خائفاً، وإما لأنه يعني بين له أن كلمة سبحان الله أعظم من هذا الذي تراه.

فأنت عندك شيء غالٍ جداً، فلا تأسَ على الدنيا، ولا تهتم بهذه الدنيا، فالله سبحانه وتعالى هو أحق من ذُكر، وهو أحق من عُبد، وهو أحق من لُجئ إليه. إليك وإلا لا تُشدُّ الركائبُ ومنك وإلا فالمؤمِّل خائبُ إليك وإلا لا تُشدُّ الركائبُ ومنك وإلا فالمؤمِّل خائبُ وفيك وإلا فالغرامُ مضيَّعٌ وعنك وإلا فالمُحدِّثُ كاذبُ

الناس يتكلمون عن محبوبين، ألا يكون الله عندنا أحب من كل شيء؟ إذا كان الله عندنا أحب من كل شيء أكثرنا ذكره. وفي ذكر الله القلوب تطمئن: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. القلوب الصحيحة الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب. ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. طمأنينة مع الوجل! عجيب في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني خافت وذرفت دموعها، وفي الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. هل رأيتم قلباً خائفاً ومطمئناً في نفس الوقت؟ إنما ذلك بذكر الله سبحانه وتعالى؛ تخاف من الله وهي مطمئنة لما عنده سبحانه وتعالى.

ويحضرني في الجمع بين هاتين الآيتين قول أحد العلماء، يقول في أبيات له جميلة جداً، وموضع الشاهد منها بيتان لكني سآتي بالأبيات كلها من باب الفائدة: يقول لنا: من الموت نفر بعدي، والموت نعمة على العباد، فهو انتقال طيب الأرواح إلى بلاد الأمن والأفراح. الموت هو انتقال طيب الأرواح إلى بلاد الأمن والأفراح، هذه الدنيا بلاد المحن، فهو انتقال فراقٍ لدار المحن، ولا يباليان بذاك الكرب، فإنه منقطع بالقرب. والعيش إن طالما طاب وانقضى، فإنما هو كبرقٍ لاح ومضى. ولو رأى البارئ للأبرار خيراً بطول العيش داراً، كان رسوله به أولى بغير شك، ولكن ليس في ذلك خير، وليس يختار لنفسه الذي اختار للحبيب، وهو قد اختار له ما عنده سبحانه مما له أعدَّ، على الخلود بين أطواد الذهب، فضةٌ تذهب أينما ذهب، فشجعنَّ نفسك الخوّارة، وارض بما العدل الحكيم اختاره.

وحسن ظنك بالمولى كريم، غافر ذنب صاحب الذنب العظيم، فهو بسقي الكلب سامح التي قد كثرت ذنوبها وجلت، وقاتلٌ عنه قد عفا لما تندم على ما أسلف، لكنه بنافع السعي أمر، كما نهى عن كل ما فيه ضرر، فليس لله على العباد حقد فينتقم للأحقاد، وهو مخوف عند عارفيه -هذا موطن- وهو مخوف عند عارفيه، لكن كخوف الابن من أبيه، ليس كخوف رجل مدلج في البادية من اللصوص والسباع. ليس خوفه كالذي يخاف من اللصوص والسبع، وإنما كخوف الابن من أبيه؛ لأنه يرجو والده.

فالخوف من الله سبحانه وتعالى معه طمأنينة، ولكن هذه الطمأنينة في القلب بذكر الله لا يمكن أن تأتي هكذا اعتباطاً، لا بد أولاً من تعظيم أمر الله، وذكر الله وأنه مقدم على كل شيء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 9]. وكما كان الصحابة رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، والآيات في هذا كثيرة.

والأمر الثاني: لا بد من إكثار الذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]. فلا بد لنا أن يجعل كل واحد منا لنفسه وِرداً، يخلو به فيه مع ربه سبحانه وتعالى، يجلس في ناحية المسجد يذكر الله. كان الصحابة منهم من يذكر الله من الصباح حتى طلوع الشمس إلى أن تشرق، ومنهم من يذكر الله سبحانه وتعالى من العصر حتى تغرب الشمس، أنت مع ربك، أنت جليس ربك، الله معك في هذا الذكر الذي تقوم به، فلما العجلة؟ ولما عدم الأنس؟ اترك هذه الدنيا واجعل لنفسك من ذكر الله نصيباً، لعل الله سبحانه وتعالى أن ينور هذه القلوب، ويغير هذه القلوب التي قست، وإنما رقتها بذكر الله سبحانه وتعالى، وإنما خشوعها بذكر الله سبحانه وتعالى، وإنما طيب الدنيا بذكر الله سبحانه، ولذلك قال بعض السلف: ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا الآخرة إلا بعفوه، ولا الجنة إلا برؤيته. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛ ذكر الله مهما تكلمنا فيه فالكلام فيه يطول في الحقيقة، ولكن هناك أشياء كثيرة، كثير منا يريد طمأنينة القلب، كثير منا يريد الخشوع في الصلاة، كثير منا يريد حل مشاكله، يريد الحرز من الشيطان؛ كل ذلك بذكر الله.

التحصن من الشيطان إنما هو بذكر الله كما جاء في الحديث المشهور، حديث يحيى بن زكريا عندما أمره الله بخمس كلمات، وهو في المسند وسنن الترمذي وابن ماجه، ومن هذه الخمس كلمات قال: ذكر الله. ثم مثل هو مثل على كل المسائل، أولها قال: «آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئاً، وإنما مثل ذلك مثل رجل أغار من حَرٍّ ماله من خالص ماله ورقَه أو فضتَه عبداً مملوكاً، ثم أعطاه وخوّله وقال: اعمل، فصار العبد يعمل ويعطي غير سيده، هذا المشرك». ثم ذكر الصلاة، ثم ذكر الصيام، ثم ذكر الصدقة، ثم ذكر الذكر وقال: «اذكروا الله كثيراً، فإنما مثل الذاكر كمثل رجل أراد أن يدركه عدوه سراعاً فهرب منهم وتحصن في حصن حصين»، فمن اشتغل بذكر الله فقد تحصن في حصن حصين من الشيطان.

فحصن الله من الشيطان ومن المعاصي هو ذكر الله، ولين القلب في ذكر الله، والخير كله في ذكر الله. وقد يرى الإنسان مع كثرة ذكره لله سبحانه وتعالى أحوالاً تقوي إيمانه وترفع يقينه، كما حصل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. أُسيد بن حضير كان يقرأ القرآن في بيته في الليل، هذا في الصحيحين، قرأ فجالت فرس عنده مربوطة، فقرأ فجالت الفرس مرة أخرى، فقرأ فجالت الفرس مرة أخرى، قال: وتذكرت يحيى ابنه وكان قريباً منها خشيت أن تطأه، فذهبت إليها ورفعت رأسي فإذا مثل الظلة فيها أمثال السرج أو المصابيح وارتفعت في السماء، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قال له فجالت الفرس، قال: اقرأ ابن حضير، قال: يا رسول الله قرأت ثم الفرس، قال: اقرأ يا ابن حضير، قال: قرأت يا رسول الله ثم جالت الفرس، قال: اقرأ يا ابن حضير، قال: يا رسول الله تذكرت يحيى فقمت إليه، قال: والله يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لو قرأت لبقيت على بيتك حتى يراها الناس في الصباح، هذه الظلة التي فيها الملائكة وفيها المصابيح. وهذا في الصحيحين، وقد حدث في هذه العصور أمثال ذلك كثير مما سمعناه وربما شاهدناه، فالشاهد من الكلام أن

الله به شيء عظيم، لكننا قد نكون غفلنا عن ذلك من هذه الدنيا التي نراها حولنا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا، وأن يصلح أحوالنا، وأن يشغلنا بذكره، ولا يشغلنا بغير ذكره.

ثم اعلموا عباد الله أن الله سبحانه وتعالى أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وثلث بكم أيها المؤمنون من جن وإنسه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه.

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الإخلاص في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.

اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين. اللهم اجعلنا لك من الذاكرين، اللهم اجعلنا لك من الشاكرين، الأواهين، المنيبين، المخبتين، يا رب العالمين. اللهم وأصلح المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح شأن المسلمين يا رب العالمين.

اللهم كن لهم نصيراً ولا تكن عليهم ظهيراً يا رب العالمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. اللهم انصر الإسلام وأهله، وأذل الشرك وأهله يا رب العالمين.

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. اذكروا الله الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وأقم الصلاة.