دخولتسجيل الدخول

الدعاء

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة، وعلى فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير الذي رواه الخمسة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.

أيها المؤمنون، هناك آيات وأحاديث في دعاء الله سبحانه وتعالى وفي فضل الدعاء. ونحن تكلمنا في الخطبة عن فضل الذكر، والدعاء نوع من الذكر، فالدعاء هو العبادة، وهو سلاح المؤمن، وله شأن عظيم. أتهزأ بالدعاء وتزدريه، وما تدري بما صنع الدعاء؟ سهام الليل نافذة ولكن لها أمد، وللأمد انقضاء. الدعاء به تتغير الأرض، وبه يتغير الكون، وبالدعاء تنزل الملائكة، وبالدعاء تأتي النصرة. دعا النبي صلى الله عليه وسلم، وكم من الآيات والأحاديث في ذلك.

الدعاء لا يكلف الإنسان شيئاً، ولا يحتاج إلى وسائط؛ لا يحتاج إلى أن يتوسط عند أحد. هؤلاء البشر إذا تولى أحد منهم منصباً عالياً كوزير أو نحوه، ما استطاع الناس أن يصلوا إليه إلا بالشفاعات. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. والعجيب في هذه الآية لفتة عجيبة جداً؛ دائماً في القرآن يأتي لفظ السؤال، يسألونك ماذا ينفقون؟ يسألونك عن الأهلة، يسألونك عن الشهر الحرام، فإذا سألوا عن الأحكام فهناك وساطة؛ قل يا محمد كذا وكذا. لكن لما جاء سؤال رب العالمين قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾؛ ما قال فقل إني قريب، إشارة إلى أن دعاء الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى واسطة، لا يحتاج إلى شفيع؛ مباشرة تدعو الله سبحانه وتعالى. وهذا من كرمه سبحانه وتعالى، وهو يحب من عباده أن يدعوه، بينما البشر يغضبون من دعاء الناس إذا سألهم أحد. في الحديث: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، والشاعر يقول: لا تسألن بني آدم حاجة، وسل الذي أبوابه لا تحجب، الله يغضب إن تركت سؤاله، وبني آدم حين يسأل يغضب.

والله سبحانه وتعالى يريد من عبده الإلحاح، عليه أن يلح ويدعو ولا ييأس. ولذلك جاء في الصحيحين: «لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، وليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له». اللهم اغفر لي؛ يجزم المسألة ويحسن ظنه سبحانه وتعالى. وهكذا لا يتعجل، ويقول كما في صحيح مسلم: «لا يعجلن أحدكم يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي، فإن الله سيستجيب له أو سيدخر له عنده». وفي حديث أبي سعيد في المسند وغيره قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخرها له عنده». ولذلك قال الصحابة: يا رسول الله إذا نكثر؟ قال: «الله أكثر». وفي المستدرك حديث شبيه بهذا، وهو لا بأس به في الشواهد وخصوصاً في فضائل الأعمال، أن الله سبحانه وتعالى يدعو بعبده يوم القيامة فيقول: أما إنك ما دعوتني دعوة إلا أجبتك إياها، أليس دعوتني في يوم كذا لغم كذا وكذا؟ وتسألني أن أفرج عنك ففرجت عنك؟ فيقول: نعم يا رب. قال: أليس دعوتني في يوم كذا وكذا لغم نزل بك فلم ترجه؟ قال: نعم يا رب. قال: فإني أعطيت بها كذا وكذا في الجنة. قال: فيتمنى العبد أنه لم تجب له دعوة في الدنيا. ولذلك ندعو الله ونكثر من الدعاء، لكن نتأدب بآداب الدعاء.

من أهم الآداب أن الإنسان يتعلق بربه في الرخاء حتى يجيبه الله في شدته؛ تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة. لا تجلس هكذا لاهياً وغافلاً، فإذا أصابك ضر قلت: يا رب، يا رب، ثم إذا ذهب الضر يرجع الإنسان إلى ما كان عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. فنكثر من الدعاء ونلح، يقول ابن الجوزي رحمه الله عليه: إذا جلست في الظلام بين يدي الملك العلام، فاستعمل أخلاق الأطفال، فإن الطفل إذا طلب شيئاً فلم يُعطَ بكى حتى يأخذه؛ نستعمل أخلاق الأطفال نبكي بين يدي الله سبحانه ونلح في الدعاء. لا تيأسن وإن طالت مطالبة، إذا استعنت بصبر أن ترى فرجاً.

وكما ذكرت ندعو الله في الرخاء حتى يغيثنا الله في الشدة. وتعلمون قصة يونس عليه الصلاة والسلام؛ قصة ذكرها الله في كتابه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: لن نضيق عليه، ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقصته مشهورة، هو أرسل إلى أهل نينوى، فدعاهم إلى الله وكلما دعاهم أبوا ولجوا في كفرهم، فعند ذلك غضب عليهم وتوعدهم بالعذاب بعد ثلاث وخرج من قريته مغاضباً. هؤلاء الناس لما رأوا أن النبي خرج من قريتهم تيقنوا العذاب وأنه نبي صادق، خرج الشيوخ والأطفال والرجال والنساء وأخرجوا الإبل والبقر والغنم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، رغت الإبل وخارت البقر وثغت الغنم، وصاروا يتضرعون حتى رفع الله عنهم العذاب. ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾.

يونس عليه الصلاة والسلام لما ذهب مغاضباً، كان في سفينة مع قوم فلج بهم البحر واضطربت بهم السفينة، فقالوا: نلقي بعضنا في البحر نتخفف منه، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس عليه الصلاة والسلام. فقالوا: هذا رجل صالح، فأعادوا القرعة فوقعت عليه. ففي الثالثة وقعت عليه كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. فعند ذلك ألقى بنفسه وكان الله قد أمر حوتاً أن يأتي، فالتقم يونس عليه الصلاة والسلام، وأمر الله الحوت أن ليس لك رزق، وإنما بطنك له سجن؛ لا تهشم له عظماً ولا تجرح له لحماً. فدخل في بطن الحوت فذهب به الحوت إلى قاع البحر في ظلمة؛ يقول ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل. ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ﴾. والله سبحانه وتعالى شبه أعمال المشركين بظلمة ذلك البحر كما قال تبارك وتعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾.

ويونس عليه الصلاة والسلام في بطن الحوت وفي الليل وفي قاع البحر، لما استقر الحوت سمع صوتاً، فقال: ما هذا الصوت؟ فأوحى الله إليه هذا تسبيح حيوانات البحر تسبح الله، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. فعند ذلك ماذا قال؟ ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.

أختم بهذا الحديث في المسند وغيره وسنن الترمذي، من حديث سعد بن أبي وقاص يقول: مررت على عثمان بن عفان في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فسلمت عليه في المسجد فوالله ما رد علي السلام، فذهبت إلى عمر وقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى إلى عثمان يسلم عليه فلا يرد علي السلام، أحدث شيء في الإسلام؟ قال: لا، إني مررت على عثمان وسلمت عليه فلم يرد علي السلام. فاستدعاه عمر وقال: إن سعداً مر عليك فلم ترد عليه السلام. قال: بل فعلت، ثم تذكر عثمان وقال: أستغفر الله، نعم مررت علي، كنت أفكر في كلمة كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخبرنا بها، فكلما تذكرتها غُشي علي حتى لا أدري ما حولي. فقال: نعم أنا أعرفها. يقول سعد: حين جاءنا ذلك الأعرابي وكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخبرنا بدعوة من دعا بها استجاب الله له، فجاء أعرابي فأشغله عنا حتى ذهب النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذت أتبعه فخشيت أن يدخل منزله فضربت برجلي على الأرض، فقال: «مه يا أبا إسحاق؟» قلت: نعم يا رسول الله. قال: «ما عندك؟» قلت: يا رسول الله، إنك قلت لنا كيت وكيت وجاءك الأعرابي فأشغلك. قال: «نعم، دعوة أخي يونس ما دعا مؤمن بها إلا استجاب الله له: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين».

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً».

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه وجنبنا ما تبغضه وتأباه. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الإخلاص في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهديين، لا ضالين ولا مضلين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا في سوريا وفي العراق وفي جميع بلدان المسلمين يا رب العالمين. اللهم عليك بالطغاة فإنهم لا يعجزونك. اللهم يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالاً لما يريد، نسألك بعزتك التي لا ترام، وملكك الذي لا يضام، ونورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تغيث المسلمين، يا مغيث أغث المسلمين، يا مغيث أغث المسلمين. اللهم إنا نسألك الخير في الدنيا والآخرة، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]. ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم ولمن له حق علينا ولمن وصانا بالدعاء يا رب العالمين.

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وأقيموا الصلاة.