دخولتسجيل الدخول

شكر الله

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة، وعلى فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

أما بعد، فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78].

وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، قالت: فقلت يا رسول الله، لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟». وفي صحيح مسلم من حديث صهيب بن سنان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».

أيها الإخوة الكرام، كلامنا في هذه الخطبة المباركة هو عن الشكر وعن شكر الله عز وجل، وهو نوع من الذكر. والحديث عن شكر الله في الحقيقة هو حديث عن كرم الله وعن فضله على عباده المؤمنين، بل على خلقه، ومهما تكلمنا عن كرم الله وجوده وفضله على عباده، لا يمكن أن يحصي ذلك أحد، ولو اجتمع الخلق كلهم، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: 27]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].

كم من نعم الله على عباده؟ هل نتكلم عن نعمة الإيجاد، أو عن نعمة الرزق، أو عن نعمة الأبصار أو الأسماع أو الصحة، أو الأمن أو الإسلام وكفى به من نعمة؟ مهما تكلم الإنسان لا يمكن، بل لو اجتمع الخلق كما ذكرت لكم؛ لو كانت الأقلام كالأشجار وكانت الأحبار كالبحار واجتمع الخلق لمدح الله، لم يبلغوا في مدحه سبحانه وتعالى.

الله سبحانه وتعالى هو الذي سخر كل شيء لنا، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. كم من الآيات؟ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 12]. ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: 13]. ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 14]. ﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 15-17]. ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: 18].

لذلك العلماء تعجبوا في هذه الآية: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، بينما الآية الأخرى تقول: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]. قالوا: من نعمة الله على عبده أنه أعلمه بأنه مقصر عن معرفة نعمة الله، ولذلك متى استشعر الإنسان أنه لا يستطيع شكر نعمة الله مهما فعل، فهنا قد شكر الله. لذلك جاء في بعض الآثار في مسند الزهد لأحمد وغيره أن موسى قال: يا ربي، كيف أشكرك وأصغر نعمة منك علي لو قرنت بعملي كله لما كان عنده شيء؟ فقال: الآن شكرتني. وقال داود عليه السلام: يا ربي، إن شكري لنعمتك لنعمة تحتاج مني إلى شكر! فقال: الآن شكرتني.

ولذلك بعض العلماء الكبار كان يقول في مقدمة كلامه: اللهم إني أحمدك على ما أسديت إلي من نعمتك، وعلى ما أزلت عني من نقمتك؛ على أني لم أكن أهلاً للأولى وكنت بالثانية أولى. لولا فضل منك سابق، حمد الحامد وراءه يقطف، وإن أعنق فكأنه مصفود يرسف، وكرم باسق شكر الشاكرين ينوء تحته بجناح مهيض، وإن حلق فكأنه لاصق بالحضيض. يعني مهما زاد الإنسان في الشكر، مهما عظمت نعمة الله على عبده، وهذا الشكر فضله عظيم عند الله سبحانه وتعالى، مهما تكلم الإنسان في فضل الشكر ففضله أعظم من ذلك. ويكفي من فضله أنه سبب لرضوان الله على العبد، ورضوان الله أعظم من كل شيء.

فلنتأمل في هذه الآيات، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72]. الجنة بالنسبة للدنيا، لا شيء، ما مثل الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع. طيب، إذا كانت الدنيا بالنسبة لهذه الجنة العظيمة كالقطرة بالنسبة للبحر، والله سبحانه وتعالى يذكر الجنة ويقول: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، فرضوان الله أكبر من الجنة وأفضل من الجنة. ولذلك جاء في الحديث في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: يقول الله سبحانه وتعالى لأهل الجنة: يا أهل الجنة! هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربي وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم شيئاً أفضل من ذلك؟ فقالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً. رضوان الله أعظم من كل شيء.

فلنتأمل هذا الحديث في صحيح مسلم من حديث أنس قال: إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها. وفي الحديث الآخر قال: مات ولد عبد من عباد الله، فيقول الله للملائكة: قبضتم صبي عبدي؟ قبضتم ثمرة فؤاده؟ يقولون: نعم، فيقول: ماذا قال؟ قالوا: حمدك واسترجع، فقال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد. والحمد هو أول شيء يفتتح به أهل الجنة الجنة، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 73-74]. هذا أول كلمة يقولونها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. وآخر دعواهم ما هو؟ هو الحمد أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 9-10].

الحمد مرتبط بالجنة، فالحمد والشكر لله عمل عظيم، وهو يكون بثلاثة أشياء: بالقلب، تعلم في قلبك أن هذه النعمة التي علي، سواء كانت نعمة دينية أو دنيوية؛ النعمة الدينية كالصلاة والزكاة والأعمال الخيرة وحفظ القرآن والعلم، هذا نعمة من الله سبحانه وتعالى، ولا تستطيع أن تعبد الله إلا بكرم منه سبحانه وتعالى، وهذه النعمة أفضل النعم، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. فالنعمة الدينية أولى النعم بالشكر، ثم تأتي النعمة الدنيوية، وأيضاً الشكر والاعتقاد في القلب أنه من الله من كرم الله لي، ليس بحولي ولا بقوتي؛ هذا إنما هو قول الفسقة والفجرة: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]، هكذا يقولون. أما الصالح الذي يشكر الله في أي نعمة تمر عليه سواء دينية أو دنيوية، فيعلم أنها من كرم الله عليه وليس بحوله ولا بقوته.

ونحن نتعجب في هذه الأعصار، نرى الناس باهون بالنعم الدنيوية -نسأل الله العافية والسلامة- وكأنها من جهدهم ومن قوتهم، وكأنها من حصافتهم وذكائهم، وهذا إنما هو صنيع أهل الفسق والفجور الذين يغضب الله عليهم. بل إن شكر النعمة سبب لزيادتها: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. فالشكر شيء قلبي يأتي عن طريق القلب، وعن طريق اللسان، وعن طريق الجوارح. في القلب بأن تعلم أن هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى ليس بقوتك ولا بحولك، وأي نعمة تصل إليك فهي بكرم الله سبحانه وتعالى فتحتاج إلى شكر. وقول بعض الناس: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، أحياناً يستدلون بهذه الآية، نعم حدّث بنعمة ربك، فلترَ أثر نعمة الله عليك، كما جاء في السنن والمسند، وكذلك رواه البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم، من حديث عبد الله بن عمرو قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده».

وفي الحديث الآخر، حديث ابن نضلة دخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أظنه مالك، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم في ثياب رثة، ثياب دون، فقال: ألك مال؟ قال: نعم. قال: من أي المال لك؟ قال: عندي من الإبل والبقر والغنم والرقيق. قال: فإذ أنعم الله عليك، فليُرَ أثر نعمة الله عليك. لكن هذه الرؤيا -بنعمة ربك فحدّث- هذه مشروطة بشروط: أولاً، أن تتيقن في داخل قلبك أنها من الله من كرم الله، وأنك بصنيعك هذا تشكر الله عليه، لست تفعله تباهياً؛ فإن فعلته تباهياً فقد كفرت بنعمة الله -نسأل الله العافية والسلامة-. هذه من الأمور التي ينبغي أن يتنبه لها الناس. والشكر باللسان بالثناء على الله وبحمده سبحانه وتعالى، ومن ذلك شكر الناس: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله». وفي الحديث وكذلك في الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: 14]. هم السبب في إيجادك، فتشكر لهم أيضاً. وهكذا الشكر بالجوارح بالقيام بالطاعة واستغلال ما أنعم الله عليك من النعم في طاعة الله.

الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً» بالعمل. و﴿قَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ هذا يدلنا على عظمة هذا المقام، مقام الشكر، كما يقول أهل العلم: الشكر منزلة عالية جداً، ولذلك قال الله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، الذي يشكر الله حقيقة قليل. بل إن الشيطان قد أقسم لله أنه سيقف على طريق عباده المؤمنين، وقال العلماء إن ذلك الطريق أو الصراط الذي سيقف عليه الشيطان هو صراط الشكر أو طريق الشكر، قال تبارك وتعالى: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17].

فلذلك أيها الإخوة الكرام، علينا من الإكثار من شكر الله سبحانه وتعالى على كل نعمته. إن رأيت نفسك ذكياً في الحساب فاشكر لله فإنه من كرم الله لك، يزيدك الله. إن رأيت أن الله أسبغ عليك من نعمه فاشكر الله، يزيدك الله. الله سبحانه وتعالى يزيد من نعمة. إن رأيت أنك حفظت كتاب الله فاشكر الله على ذلك، يزيدك الله حفظاً ويجعلك تقوم بحق كتاب الله سبحانه وتعالى، وهكذا ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، ذكر بعض أهل العلم أن ابن السماك، وهو أحد شيوخ الإمام أحمد، كان جالساً عند هارون الرشيد، وهو واعظ ورجل من الصالحين، فقال له: عظني. وكان في يد هارون الرشيد كأس من الماء، فقال له: أرأيت لو مُنعت هذا الكأس، هذه الشربة، بكم تفديها؟ قال: بملكي كله. وهارون له الدنيا كلها تقريباً. فقال: أرأيت إن حُبست هذه الشربة فلم تخرج، بما تفديها؟ قال: بملكي كله. قال: أرأيت ملكك كله لا يسوى شربة ماء ولا خروجها؛ لا يعدل الشرب ولا يعدل خروج الشربة، فهذه نعمة الله على عباده المؤمنين.

والنبي صلى الله عليه وسلم لما في حديث معاذ المشهور، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «والله إني لأحبك». يعني هذه الكلمة يقولها النبي لأحد الأجلاء، معاذ بن جبل، يحلف النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لأحبك، أي منزلة هذه لهذا الرجل العظيم؟ فقال معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا والله إني لأحبك. فقال: «يا معاذ، فإني أوصيك: لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». يعني خصّه بهذه الوصية، وهذا الحديث عجيب جداً، وهو له فيه لطيفة في هذا الحديث، وهو أن أهل المحدثين أو أهل الحديث يروونه بسند مسلسل بكلمة «إني لأحبك» وبالوصية إلى يومنا هذا، لا زال الشيوخ يروون هذا الحديث وكل واحد يقول لتلميذه ويخبر تلميذه أن شيخه قال له ذلك، يعني له طرق كثيرة. منها أبو نعيم الأصفهاني يحدث بهذا الحديث عن محمد بن أحمد بن الحسن، وهو المشهور بابن الصواف، قال له: والله إني لأحبك، فأوصاه بنفس الوصية. وهذا يرويه عن شيخه بشر بن موسى، وشيخه بشر بن موسى عن أبي عبد الرحمن المقرئ عبد الله بن يزيد، وأبو عبد الرحمن المقرئ يروي عن حيوة بن شريح، وحيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم التجيبي وهو...

وعقبة بن مسلم التجيبي، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، وأبو عبد الرحمن الحبلي يرويه عن الصнуبري عبد الرحمن بن عسيلة، وهو عن معاذ، وكل واحد منهم يقول الآخر اتباعًا للنبي ﷺ: «والله إني لأحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

فأنا أوصيكم كما أوصى هؤلاء العلماء تلاميذهم، وكما أوصى الأقران أقرانهم، والأصحاب أصحابهم، لا ندع في كل صلاة أن نقول: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

ثم اعلموا عباد الله أن الله سبحانه وتعالى أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وذلل بكم أيها المؤمنون من جنته وأنسه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتتاه.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم إنا نسألك خشيتك بالغيب والشهادة، ونسألك كلمة الإخلاص في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع.

نسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم انصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر المستضعفين من المسلمين يا رب العالمين، كن لهم نصيرًا وظهيرًا يا حي يا قيوم. اللهم أعنهم على عدوهم وعلى من ظلمهم، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين، ويا ذا القوة المتين، ويا راحم المساكين.

اغفر لنا ولوالدينا ولوالديهم، لهم حق علينا ولمن وصانا واستوصانا بالدعاء. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

اذكروا الله الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. أقم الصلاة.