دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث والأخير من مجالس التعليق على رسالة لطيفة جامعة في أصول الفكر المهمة لفضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى. وكنا قد علقنا على ما جاء في أول هذه الرسالة من تعريف أصول الفقه، ثم الأحكام التي يبنى عليها الفقه، ثم الأدلة التي يدور عليها الفقه، وذكر في ضمنها دلالات الألفاظ.

سنتكلم اليوم على مجموعة من القواعد الفقهية والقواعد الأصولية التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى باقتضاب ها هنا، وإن كانت القواعد الفقهية غالبًا لا يذكرها الأصوليون في كتبهم الأصولية، وإنما يذكرونها في كتب خاصة بالقواعد الفقهية. وهناك فرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية؛ فالقواعد الفقهية تجمع فروعًا وتتعلق بالفروع، مثل ما سيذكره هنا: «اليقين لا يزول بالشك»، هذا يجمع فروعًا فقهية ويتعلق بالفرع الفقهي. لكن القواعد الأصولية، مثل: «الأمر يقتضي الوجوب»، هذا يتعلق بالدليل من الكتاب والسنة، فما يتعلق بالأدلة ونحوها فهي قاعدة أصولية، وما يتعلق بالفروع هي قاعدة فقهية.

أحسن الله إليكم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه ولسائر المسلمين.

أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله تعالى: «فصل: قواعد وضوابط فقهية أخذها الأصوليون من الكتاب والسنة». أخذ الأصوليون من الكتاب والسنة أصولًا كثيرة بنوا عليها أحكامًا كثيرة جدًا ونفعوا وانتفعوا بها، فمنها: «اليقين لا يزول بالشك»، أدخل فيه من العبادات والمعاملات والحقوق شيئًا كثيرًا، فمن حصل له الشك في شيء منها رجع إلى الأصل المتيقن.

وقالوا: «الأصل الطهارة في كل شيء»، و«الأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه»، و«الأصل براءة الذمم من الواجبات ومن حقوق الخلق حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك»، و«الأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم من حقوق الله وحقوق عباده حتى يتيقن البراءة والأداء».

أحسنت، هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الأصوليين أخذوا من الكتاب والسنة أصولًا كثيرة بنوا عليها أحكامًا كثيرة جدًا، فإذاً القواعد الفقهية هذه أخذها الأصوليون من الكتاب أو السنة. ولذلك فهناك مسألة يبحثها من يتكلم في القواعد: هل القاعدة الفقهية دليل يحتج بها أو لا يحتج بها؟ نقول هي حقيقة يحتج بها من حيث إنها مأخوذة من الكتاب والسنة، فهي يحتج بها من هذه الدلالة من هذا الوجه؛ يعني أنها لما أخذنا الكتاب والسنة فيحتج بها، واحتجاجنا بها لا احتجاجًا بلفظ القاعدة وإنما احتجاجًا بالنصوص المأخوذة منها.

يعني قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، هل نقول هذه دليل؟ لا، هي حقيقة الدليل هي الأدلة التي أخذت منها هذه القاعدة. فلذلك القاعدة لا يحتج بها لذاتها، وإنما يحتج بها بناءً على أنها أخذت من نصوص الوحيين. ولذلك بعض القواعد لم يأخذها الفقهاء من نصوص الوحي، ولكن باستقراء نصوص الشريعة، فهي أقل درجة من القواعد التي أخذت من نصوص الوحي.

ذكر لك مجموعة من القواعد، القاعدة الأولى: «اليقين لا يزول بالشك»، يعني إذا صار عندنا أمر متيقن وجاءنا أمر مشكوك فيه، فإنا نأخذ باليقين وندع الشك. هذه القاعدة أخذت من أدلة، من أظهرها قوله ﷺ في حديث عبد الله بن زيد: «إذا شك أحدكم هل أحدث أو لا فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» أو كما قال ﷺ.

هنا عندنا الأصل في المصلي أنه متطهر، فإذا مثلاً أحس بغازات في بطنه وشك هل خرج منه الحدث أو لا، فنقول عندنا يقين وهو أنك متطهر، وعندنا أمر مشكوك فيه وهو أنك أحدث، فلا تلتفت للشك وابقى على اليقين وهو يقين الطهارة؛ لذلك قال: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». فإذا سمع صوتًا أو وجد ريحًا، فهنا غلب على ظنه أنه أحدث فينصرف، وغلبت الظن هنا تقوم مقام اليقين.

والشك المراد به التردد بين أمرين، سواء كان التردد متساويًا أو هناك راجح ومرجوح، فلا يزول اليقين بالشك. لكن عندنا غلبة الظن، وعندنا يقين وشك، وغلبة الظن هذه إذا كانت قوية ممكن أن ترتقي إلى اليقين، مثل ما جاء في الحديث: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»؛ هو شك، لكن لما وجد الريح هنا غلب على ظنه أنه أحدث، فهنا يترك اليقين الذي هو الأصل ويأخذ بغلبة الظن لأنها هنا قائمة مقام اليقين.

وذكر المؤلف رحمه الله أن هذه القاعدة تأخذها في العبادات والمعاملات والحقوق بين الخلق، فهي قاعدة من القواعد الكبرى التي يستعملها الفقهاء رحمهم الله تعالى كثيرًا. في العبادات كما مثلنا في الطهارة، في الصلاة أيضًا لو أنه لما انتهى من الصلاة شك هل قرأ الفاتحة في الركعة الرابعة أو لا، فهنا نقول: لا تلتفت لهذا الشك، والأصل أنك قرأتها.

وفي الحقوق سيذكر بعض الأمثلة بعد قليل، قال: «فمن حصل له شك في شيء منها رجع إلى الأصل المتيقن»، ثم ذكر لك أشياء من الأصول المتيقنة التي يبنى عليها؛ قال لك مثلاً: «الأصل الطهارة في كل شيء»، فإذا وجدت ماء وأردت أن تتوضأ منه وشككت هل طرأت عليه نجاسة أو لا، فنقول: الأصل الطهارة. وجدت أرضًا وأردت أن تصلي فيها وشككت هل طرأت عليها نجاسة أو لا، أو أردت أن تصلي في سجادة وشككت هل طرأت عليها نجاسة أو لا، فالأصل أنها طاهرة، وهكذا.

«الأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه»، وطبعًا نجاسته في هذا يعود إلى الطهارة، يقول: «الأصل الطهارة إلا ما دل الدليل على نجاسته»، فنقول فيه إنه مثلاً لو جاءنا مما دل الدليل على نجاسته البول -أكرمكم الله- فالبول دل الدليل على نجاسته، لكن لو جاءنا شيء لا نعلم هل هو طاهر أو لا، فنقول الأصل فيه الطهارة. «الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه»، لو جاء شخص وقال مثلاً: ما الدليل على جواز أكل الحلوى؟ يعني لو افترضنا أنه ما الدليل على جواز أكل الآيس كريم؟ فنقول نحن نتمسك بالأصل، الأصل الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وهذه سيقت مساق الامتنان فتدل على ذلك.

الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه. فنقول: إذا دل الدليل على تحريم شيء فأخذنا به، لكن إذا لم يدل الدليل على تحريمه فنقول: معنا أصل الإباحة. فلذلك إذا أردت أن تأكل شيئاً من الأشياء التي لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ، أو تشرب شيئاً لم تكن من الأشياء الموجودة في عهد النبي ﷺ، فنقول: إذا اختلف فيها شخصان؛ واحد قال إنها مباحة والثاني قال إنها محرمة، فنقول: من قال إنها مباحة هذا معه الأصل، ومن قال إنها محرمة هذا عليه الدليل، فإذا أتانا بدليل على تحريمها أخذنا به، وإذا لم يأتنا بدليل على تحريمها فالأصل فيها الإباحة.

مما يترتب على هذه القاعدة: الأصل براءة الذمم من الواجبات ومن حقوق الخلق حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك. الأصل براءة الذمم من الواجبات، يعني لو أن شخصاً مثلاً شك هل كان عليه صلوات لم يصلها أو لا، نقول: الأصل براءة الذمة. حائض طهرت وقالت: أنا نسيت، هل الوقت الذي جاءتني فيه الدورة مثلاً وقت العصر هل أنا صليتها أو لا؟ نقول: الأصل براءة الذمة حتى تتيقن أنها صلتها.

والأصل براءة الذمة من حقوق الخلق؛ شخص قال: أنا أقرضت فلاناً ألف ريال، والثاني منكر، من الذي معه الأصل؟ الذي معه الأصل منكر لأن الأصل براءة الذمة، فالذي يدعي الإقراض نطلب منه أن يأتي ببينة لأنه يدعي خلاف الأصل.

وقال: والأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم من حقوق الله وحقوق عباده. شخص مثلاً نام عن صلاة الفجر ثم استيقظ في الضحى، ولما جاءت صلاة الظهر شك هل صلى الفجر لما استيقظ الضحى أو لا؟ فنقول: أنت عندك يقين أنك لم تصلِّ في وقتها، وعندك شك أنك قضيتها، فالأصل انشغال الذمة، فعليك أن تأتي بها. وكذلك في حقوق العباد، لو قال مثلاً محمد: أنا أقرضت أخي زيداً عشرة آلاف ريال قبل سنة، لكني نسيت هل أنا سددتها أو لا؟ فنقول: الأصل عدم السداد. يقول: والأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم، يعني إذا انشغلت الذمة فالأصل أنها عليك حتى تؤديها.

فمعرفة الأصول في كل شيء تفيدك كثيراً، ولذلك قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في مقدمة منظومته في القواعد الفقهية والأصول: واعلم بأن العلم بحور زاخره *** لن يبلغ الكادح في آخره وبعد فالعلم بحور زاخره، لن يبلغ الكادح فيه آخره، لكن في أصوله تسهيلاً لنيله فاحرس تجد سبيلاً، فاغتنم القواعد الأصولا فمن تفته يحرم الوصول.

ولذلك من ضبط الأصول التي يذكرها الفقهاء والأصوليون انضبطت له مسائل كثيرة وانضبط له فقهه، وهذه فائدة تعلم القواعد الفقهية والأصولية وعلم أصول الفقه؛ أن ينضبط فقه الفقيه.

ومنها: أن المشقة تجلب التيسير، وبنوا على هذا جميع رخص السفر والتخفيف في العبادات والمعاملات وغيرها. هذه من القواعد الفقهية الكبرى؛ أن المشقة تجلب التيسير، إذا وجدت المشقة جاء التيسير. ودل على ذلك أدلة منها قوله تعالى: ﴿لَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6]، ﴿وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وأدلة أخرى من الكتاب والسنة.

فإذا وجدت المشقة نزل التيسير، وأحياناً تجد العبادة مخففة من الأصل، مثل مسح الرأس في الوضوء؛ مخفف لم يشرع غسله وإنما شرع مسحه، ولم يشرع التكرار وإنما شرع المسح مرة واحدة. وبنوا على هذا جميع رخص السفر، فالمسافر لما كان سفره سبباً للمشقة جاءه التيسير، فخفف عليه في القصر، وفي الجمع بين الصلتين المجموعتين بين الظهرين والعشائين، وخفف عليه أيضاً في المسح على الخفين ثلاثة أيام.

والمشقة التي تجلب التيسير هي المشقة الزائدة على المعتادة، أما المشقة المعتادة فإنها لا تجلب التيسير؛ يعني لا نخفف بسبب مشقة معتادة. يعني لو أن شخصاً قال: رمضان يوافق فصل الصيف وأنا أجوع في نهار الصيف، وهو شخص شاب صحيح ليس مريضاً، فنقول: هذه مشقة معتادة فلا تجلب التيسير، يعني لا نخفف عليك ونقول يجوز لك أن تفطر وتقضي في الشتاء، لا هذه مشقة معتادة. وكذلك لو أن شخصاً توفرت فيه شروط وجوب الحج؛ مسلم، مكلف، حر، وعنده استطاعة، وإذا كانت امرأة عندها محرمها، فشروط وجوب الحج متوفرة، لكن قال: الحج دائماً زحام، وأنا أخشى أنني وأنا أمشي في الحج أسقط، أخشى أن يأتيني مشقة من الشمس والحج فلذلك لن أحج وسأنيب عني، نقول: لا، وهذا وهو صحيح معافى، فنقول: هذه مشقة معتادة لا تجلب التيسير. إذاً المشقة التي تجلب التيسير هي المشقة الزائدة على المعتادة.

ومنها قولهم: لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة. فالشارع لم يوجب علينا ما لا نقدر عليه بالكلية، وما أوجبه من الواجبات فعجز عنه العبد سقط عنه، وإذا قدر على بعضه وجب عليه ما يقدر عليه وسقط عنه ما يعجز عنه، وأمثلتها كثيرة جداً. وكذلك ما احتاج الخلق إليه لم يحرمه عليهم، والخبائث التي حرمها إذا اضطر إليها العبد فلا إثم عليه، فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة والمحظورات العارضة، والضرورة تقدر بقدرها تخفيفاً للشر، فالضرورة تبيح المحرمات من المآكل والمشارب والملابس وغيرها.

وهذا دل عليه أدلة كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فإذا وجد عجز سقط الوجوب؛ أحياناً يسقط الوجوب سقوطاً تاماً وأحياناً يسقط إلى بدل، وإذا وجدت ضرورة أبيح المحرم بقدر هذه الضرورة.

قال: فالشارع لم يوجب علينا ما لا نقدر عليه بالكلية، فتجدون الواجبات هذه كلها باستطاعة الناس في الجملة. وما أوجبه من الواجبات فعجز عنه العبد سقط عنه؛ يعني مثلاً الصيام أوجب الله عز وجل علينا الصيام، إذا عجز عنه العبد بالمرض مثلاً، نقول: هذا المرض إذا كان مرضاً مرجو البرء فإنه يفطر ويقضي، وإذا كان مرضاً غير مرجو البرء -كما قال الأطباء إن هذا المرض لا يشفى منه صاحبه فيما وصل إليه علمنا في الطب، وإن هذا يؤثر على صومه، أو كبر الشخص كبراً يعجز أو يشق معه الصيام عليه- فإنه هنا لا يجب عليه الصوم، وإنما يطعم عن كل يوم مسكيناً، ويستدل عليها بالآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وبالقاعدة: لا واجب مع...

العجز، قال: «وإذا قدر على بعضه وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما يعجز عنه». مثلا في الصلاة، يستطيع الشخص الصلاة جالسا، فنقول لا تسقط عنه الصلاة بالكلية، وإنما يصلي جالسا، ويستطيع الصلاة واقفا، لكن في السجود لا يستطيع؛ مثلا أجرى عملية في عينيه وقال له الطبيب لا تسجد لمدة شهر مثلا، فإنه هنا يصلي واقفا، لكن في السجود يومئ بالسجود، وهكذا فهو قدر على بعض العبادة فيأتي بما يقدر عليه منها.

قال: «وكذلك ما احتاج الخلق إليه لم يحرمه عليهم». القاعدة تقول: لا محرم مع الضرورة، وهنا قال: «ما احتاج الخلق إليه»، فالحاجة إذا كانت حاجة ماسة وعامة للخلق فإنها قائمة مقام الضرورة، كما قرر شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله تعالى.

ولذلك من أمثلتها إباحة بيع العرايا، وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بمثله من التمر خرصا، وهذا الأصل هو بيع مزاحمة وهو من بيوع الربا، لكن لما وجدت الحاجة إليه عند الفقراء أباحه النبي ﷺ، والفقهاء قيدوه بقيود. فهنا الحاجة ماسة، وهي ليست ضرورة لكنها حاجة ماسة، وتعلقت بجملة من المسلمين، فأبيحت استثناء من الأصل.

قال: «والخبائث التي حرمها إذا اضطر إليها العبد فلا إثم عليه»، فالضرورات تبيح المحظورات؛ المحظورات الراتبة والمحظورات العارضة. يعني عندنا المحرمات إذا اضطر العبد إليها، مثلا شخص اضطر إلى الاستفادة من مال غيره فيجوز له ذلك؛ شخص في الصحراء وتعطلت سيارته وهو قريب من مزرعة شخص، وهذا الشخص ليس موجودا في المزرعة فاستفاد من مائها مثلا، هنا نقول يجوز له ذلك، لأنه اضطر إليها. وطبعاً هل لابد أن يعطيه مقابلا أو له أن يستفيد دون مقابلة؟ هذه مسألة خلافية، لكن الكلام على جواز انتفاعه بمال غيره عند الاضطرار. الأصل أن مال المسلم المعصوم محرم، لا يجوز له أن يأخذه بدون استئذانه، لكن هنا جاز له ذلك لوجود الضرورة.

قال: «فالضرورة تبيح المحظورات الراتبة»، المحظورات الراتبة الدائمة مثل مال الغير، «والمحظورات العارضة» التي حرمت لسبب، مثل الصيد على المحرم؛ لو أن محرما أصابته مجاعة ووجد صيدا فهل يجوز له أن يصيد ويأكل من هذا الصيد لدفع ضرورة الجوع؟ نقول نعم يجوز له ذلك، ويدفع فدية الصيد، فهنا أبيح المحظور العارض الذي هو الصيد المحرم بسبب الضرورة.

قال: «الضرورة تقدر بقدرها»، وهذا من القواعد التي تتعلق بالانتفاع بالمحرم عند الضرورة. الضرورة تقدر بقدرها تخفيفا للشر؛ يعني لا يجوز له مثلا في المحرم إذا صاد أن يأكل فوق ما يشبعه، يأكل ما يسد حاجته فقط، لكنه إن يتزود منه قد يحتاجه لاحقا، فالضرورة تقدر بقدر لأنها أبيحت لأجل هذه الضرورة، فإذا زالت الضرورة رجع التحريم.

قال: «فالضرورة تبيح المحرمات من المآكل والمشارب والملابس وغيرها»، فكل ما حرم في الأصل فإنها تبيحه الضرورة، لكن كما قال المؤلف رحمه الله: «إن الضرورة تقدر بقدرها».

أحسن الله إليكم، ومنها: «الأمور بمقاصدها»، فيدخل في ذلك العبادات والمعاملات. وتحريم الحيل المحرمة مأخوذ من هذا الأصل، وانصراف الألفاظ الكنايات والمحتملات إلى الصرائح مأخوذ من هذا الأصل، وصورها كثيرة جدا. هذه من القواعد الكبرى؛ أن الأمور بمقاصدها، يعني إذا فعل الإنسان شيئا فإننا ننظر إلى مقصده ونحكم عليه من خلال مقصده، ودليل ذلك قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات».

فيدخل في ذلك العبادات والمعاملات؛ في العبادات مثلا إذا أراد أن يصلي بنية أن في الركعتين أن يصليهما تحية المسجد فلهما، ونوى أن يصليهما راتبة الفجر فلهما، ونوى أن يصليهما فريضة فلهما، والنية لابد أن تتقدم على العبادة. وفي المعاملات مثلا، إذا نوى في تعامل ما أن يكون هذا التعامل حيلة على الربا فيحرم، وإن نوى بيعا مجردا لم ينوِ التحيل على الربا فيباح. ولذلك يقول المؤلف رحمه الله: «تحريم الحيل مأخوذة من هذا الأصل». فأحيانا الإنسان يحتال، يفعل شيئا ظاهره الإباحة لكن يريد التوصل به إلى محرم.

مثلا من سافر في رمضان جاز له الفطر، لكن من سافر في رمضان لأجل أن يترخص بالفطر فنقول يحرم عليه ذلك، هو تحيل لأجل أن يسقط الواجب فيحرم عليه السفر ويحرم عليه الفطر. والتحيل على الربا أيضا يحرم؛ المعاملة التي فيها حيلة على الربا والإنسان إنما دخلها لأجل أن يحتال على الربا، يغطي الربا بتعامل ظاهره الإباحة وباطنه الوصول إلى الربا، فهذا يحرم وهو أشد من الربا الصريح والعياذ بالله، يحرم هذا الباب من قاعدة الأمور بمقاصدها فهو مقصده الوصول إلى الربا.

قال: «وانصراف ألفاظ الكنايات والمحتملات إلى الصرائح من هذا الأصل»، وهي كثيرة جدا؛ إن الألفاظ التي يطلقها الناس في العقود قد تكون محتملة للشيء. مثلا في كلام الفقهاء في الوقف يقولون: من ألفاظ الكناية للوقف «تصدقت»، فلو قال تصدقت بهذه البرادة -برادة الماء- نقول: إذا كان قصد الوقف فإنه يكون وقفا، وإذا لم يقصد الوقف فإنها تكون صدقة تطوع ليست صدقة جارية مستمرة. وكذلك ألفاظ الطلاق؛ لو لم يقصد تلفظ لفظا محتملا للطلاق وغيره، لكنه يقول إننا لم نقصد الطلاق، طبعا غير لفظ الطلاق، ليس لفظا صريحا، مثلا قال: «حرمت زوجتي علي» أو «زوجته حرام عليه»، هي تحتمل الطلاق وتحتمل غيره، فهنا نقول: إذا كان ناويا للطلاق فإنها تكون طلقة لأن الأمور بمقاصدها، وإذا لم ينوِ الطلاق فإنها لا تكون طلاقا لأن الأمور بمقاصدها.

أحسن الله إليكم، ومنها: «يختار أعلى المصلحتين ويرتكب أخف المفسدتين عند التزاحم»، وعلى هذا الأصل الكبير تنبني مسائل كثيرة، وعند التكافؤ «فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح». أحسنت، هنا هذه قاعدة المصالح والمفاسد، وهي قاعدة كبيرة كما قالها المؤلف رحمه الله تعالى، تكلم عليها الفقهاء رحمهم الله تعالى، وتكلم عليها الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله كلاما كبيرا في كتابه القواعد الكبرى، وشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله.

تكلموا عليها في كتبهم بكلام جيد؛ فالشريعة إنما قامت على تحصيل المصالح وتكميلها، وتقليل المفاسد ودرئها.

وذكر لك المؤلف رحمه الله تعالى هنا ثلاث قواعد، يقول فيها: يختار أعلى المصلحتين إذا وجدت مصلحتان، يعني فعل فيه مصلحة وفعل آخر فيه مصلحة، فيختار أعلاهما. فتقدم مثلا مصلحة الواجب على مصلحة السنة؛ فمثلاً حضرت لصلاة الفجر وقد أقيمت الصلاة وأنت لم تصلِّ رتبة الفجر، هنا وقت صلاة الفريضة وأنت لم تصلِّ النافلة، تقدم ماذا؟ تقدم الفريضة، مصلحة الفريضة أعلى من مصلحة النافلة. ولو كان هناك أيضًا واجب يقدم على واجب، مثلاً مصلحة الواجب المعين بالشرع يقدم على الواجب بالنذر؛ فلو أن شخصًا نذر أن يصلي ركعتين واستيقظ لصلاة الفجر قبل أن تطلع الشمس بدقائق، فهنا نقول: يقدم واجب صلاة الفجر على واجب صلاة النذر.

والقاعدة الثانية: يرتكب أخف المفسدتين عند التزاحم. فإذا وجدت مفسدتان، يفعل هذه أو هذه، فنقول يرتكب أخفهما عند التزاحم. فمثلاً قد يكون ارتكابه للأخف واجبًا، وإن كان مفسدة لكن هو يدفع بها مفسدة أكبر منها؛ لو أن ظالمًا كان يبحث عن إنسان ليقتله، فجاء هذا الإنسان الذي يبحث عنه واختبأ عند صاحبه، فجاء هذا الظالم يسأل عن طريقه على بيت صاحبه وقال له: "أعندك فلان؟"، فهنا عنده مفسدة الكذب أو مصلحة الصدق، لكن سيهلك صاحبه، فنقول: يرتكب مفسدة الكذب؛ لأن مفسدة الكذب أهون من مفسدة قتل صاحبه، ويمكن أن يستعمل التورية والتعريض.

والقاعدة الثالثة: عند التكافؤ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ إذا كان في الشيء مصلحة لكن يترتب عليه مفسدة، فنقول درء المفسدة أولى من جلب المصلحة. وهذا دل عليه القرآن عز وجل؛ يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]. الآن سب آلهة المشركين مصلحة، لكن كون المشركين يسبون الذات الإلهية جل وعلا، هذه مفسدة؛ فدرء المفاسد يكون بأن ندرأ سبهم ونترك سبهم لله عز وجل، ونترك سب آلهة المشركين.

نعم، أحسن الله إليكم، ومن ذلك قولهم: لا تتم الأحكام إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها. وهذا أصل كبير بُني عليه من مسائل الأحكام وغيرها شيء كثير؛ فمتى فُقد شرط العبادة أو المعاملة أو ثبوت الحقوق لم تصح ولم تثبت، وكذلك إذا وجد مانعها لم تصح ولم تنفذ. وشروط العبادات والمعاملات كل ما تتوقف صحته عليها، ويعرف ذلك بالتتبع والاستقراء الشرعي.

وبأصل التتبع حصر الفقهاء فرائض العبادات وشروطها وواجباتها، وكذلك شروط المعاملات وموانعها. والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، فيستفاد من حصر الفقهاء شروط الأشياء وأمورها أن ما عداها لا يثبت له الحكم المذكور.

من القواعد أن الأحكام لا تتم إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها؛ فمثلاً الصلاة لا تصح إلا إذا وجدت شروطها، مثل استقبال القبلة، والنية، وستر العورة، إلى آخره، وأيضًا أركانها وواجباتها، وانتفت موانعها من المبطلات. فإذا وجدت الصلاة كاملة من هذه صحت الصلاة، لكن إذا نقصت بعض الشروط كأن لم يتوضأ، أو لم يستقبل القبلة وهو يعلم مكانها، أو لم يستر عورته مع قدرته على سترها، فهنا الصلاة غير صحيحة. أو ترك الركوع في أحد الركعات متعمدًا، فالصلاة هنا غير صحيحة لترك بعض شروطها أو أركانها أو واجباتها. وكذلك لو أحدث قبل نهاية الصلاة؛ هنا أتى بالشروط لكن الشرط لم يستمر فصار مانعًا من صحة الصلاة.

يقول: "فمتى فقد شرط العبادة أو المعاملة وثبت الحق لم تصح ولم تثبت". مثلاً في المعاملات، في البيع من الشروط أن يكون العاقد جائز التصرف؛ فلو كان الذي باع السلعة مجنونًا لا يصح العقد، ولو كان الذي باع السلعة صغيرًا وكان في غير المحرات ولم يكن بيعه هنا لتجربة رشده من عدمه، فإن هذا لا يصح.

ثم ذكر لك أن شروط العبادات والمعاملات كل ما تتوقف صحتها عليها؛ فإذا قال لك شروط صحة الصلاة كذا، وشروط صحة الصوم كذا، وشروط صحة الحج كذا، فالمراد بشرط الصحة أي ما تتوقف صحته عليه. لكن انتبه، هناك شروط صحة وهناك شروط وجوب؛ فمثلاً كون الإنسان صحيحًا -أي غير مريض- في الصيام هذا شرط وجوب وليس شرط صحة، بمعنى أنه يصح أن يصوم المريض. وكذلك كون الإنسان مستطيعًا للحج هذا شرط وجوب وليس شرط صحة، بمعنى أنه لو حج وهو فقير وتحمل الديون في ذمته فإن حجه صحيح. لكن مراده هنا شروط الصحة هي التي إذا فقدت لم تصح العبادة أو المعاملة.

كيف يعرف أن هذا شرط أو لا؟ يعرف ذلك بالتتبع والاستقراء الشرعي. قد يقول قائل: كيف الفقهاء قالوا مثلاً نواقض الوضوء تسعة، أو شروط الصلاة كذا، أو واجبات الصلاة ثمانية، أو شروط وجوب الحج خمسة، كيف حصروها؟ نقول: هل وجد في النص في القرآن أو في السنة الحصر؟ نقول لا، الحصر جاء بالتتبع والاستقراء؛ يعني استقرأوا نصوص الكتاب والسنة ووجدوا أنه يشترط لصحة الصلاة كذا وكذا بدليل الآية الفلانية والحديث الفلاني وهكذا، واستقرأوا ذلك فحصروها، وذلك من باب تقريب العلم لطالبيه، وإلا فلو تجد في كلام الصحابة والتابعين هل يقولون شروط الصلاة كذا وشروط صحتها كذا؟ لا، هذا جاء من الفقهاء المتأخرين لتقريب العلم لطالبه.

وذلك قال بأصل التتبع: "حصر الفقهاء فرائض العبادات وشروطها وواجباتها وكذلك شروط المعاملات وموانعها". والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، يعني ما أنهم حصروه فهذا الدليل على أنهم لا يرون ما سواه شرطًا أو واجبًا أو مانعًا أو نحو ذلك. فلو مثلاً نواقض الوضوء قالوا ثمانية، ولو جاء ناقض تاسع فنقول: بما أنه لم ينصوا عليه وليس في معنى أحد هذه النواقض الثمانية، فبناءً على كلام الفقهاء ليس ناقضًا. وتقول سكتوا عنه؟ نقول نعم، حصرهم دليل على أن ما سواه ليس ناقضًا؛ ولذلك قال: "فيستفاد من حصر الفقهاء شروط الأشياء وأمورها أن ما عداها لا يثبت له الحكم المذكور".

نعم، أحسن الله إليكم، ومن ذلك قولهم: الحكم يدور مع علته ثبوتًا وعدمًا، فالعلة...

الكاملة التي يعلم أن الشارع رتب عليها الأحكام؛ متى وجدت وجد الحكم، ومتى فقدت لم يثبت الحكم.

أحسنت. يقول من ذلك قولهم: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. مثلاً علة القصر هي السفر، فقصر الصلاة علته هو السفر، فالقصر يدور مع السفر وجوداً وعدماً؛ وجد السفر فهنا يوجد القصر، انتهى السفر انتهى القصر.

فمثلاً لو أن شخصاً سافر إلى مكة لمدة يومين، سافر السبت ويرجع الاثنين، فنقول من حين يخرج له أن يقصر، طبعاً بشرط أن لا يكون إماماً مقيماً. يوم الاثنين، إذا صلى الظهر وهو في طريق الرجوع من السفر، نقول له إن يقصر لأن الحكم يدور مع علته، وحكم القصر يدور مع علته وهي السفر. وإذا وصل إلى بلده ولم يصل الظهر، فهنا إذا أراد أن يصلي الظهر يصليها تامة؛ انتفت العلة وهي السفر فينتفي الحكم وهو القصر.

وهكذا في كل حكم عُلل بعلة، إذا وجدت العلة وجد الحكم؛ مثلاً الخمر حرم لعله الإسكار، فإذا صار الخمر خلاً وانتفى الإسكار فإنه ينتفي التحريم.

أحسن الله إليكم. ومن ذلك قولهم: الأصل في العبادات الحظر إلا ما ورد عن الشارع تشريعه، والأصل في العادات الإباحة إلا ما ورد عن الشارع تحريمه. لأن العبادة ما أمر به الشارع، أمر إيجاب أو استحباب، فما خرج عن ذلك فليس بعبادة. ولأن الله خلق لنا جميع ما على الأرض لننتفع به بجميع أنواع الانتفاعات إلا ما حرمها الشارع علينا.

أحسنت، هذا ضابط وأصل جيد في العبادات والمعاملات، أو نقول في العادات. في العبادات الأصل فيها المنع والحظر، أي المنع والتحذير، فلا نأتي بعبادة إلا وقد شرعها الله لنا. فمثلاً شرع لنا إذا عطسنا أن نقول: «الحمد لله». شخص يقول: أنا إذا تجشأت سأقول: «الحمد لله» قياساً على العطاس، فيقولها دائماً مستمراً، فنقول: هذا غير مشروع؛ الأصل في العبادات الحظر. طبعاً كونه يقولها أحياناً إذا تجشأ يقول: «الحمد لله على نعمه الشبع»، هذا لا بأس به، لكن كونه يربط الحمد بالتجشؤ ويجعله مثل الحمد للعطاس، نقول: لا، هذا لم يرد به الشرع.

فالأصل في العبادات الحظر. مثلاً شخص قال: أنا النبي ﷺ شرع لنا إذا دخلنا المسجد نصلي ركعتين تحية المسجد، أنا سأجعلها في البيت، كلما دخلت بيتي سأصلي ركعتين تحية البيت. فنقول: الأصل في العبادات الحظر، كونه يصلي يكثر من التطوعات؛ لأن النبي ﷺ قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم تتخذوها قبوراً»، هذا لا بأس به، يكثر من تطوعات البيت، لكن يجعل على نفسه أمراً شبه لازم أنه كل ما دخل بيته يصلي ركعتين، يجعله كتحية المسجد، هذا هو الأمر غير المشروع.

فلذلك إذا اختلف اثنان في شرعية عبادة، فنقول للذي يدعي شرعيتها: الدليل. وفي العادات بالعكس؛ الأصل في العادات الإباحة إلا ما ورد عن الشرع تحريمه. فإذا وجدت عادة، مثلاً عادة في الزواج عند أهل بلد ما، فلو جاء شخص وقال إن هذه لم تكن على عهد النبي ﷺ ولا على عهد صحابته الكرام إذاً فهي بدعة محرمة، نقول: لا، هذه تفعل على سبيل العادة، فإذا لم يكن هناك دليل على تحريمها فهي في الإباحة.

لكن لو كان هناك دليل على تحريمها؛ مثلاً عادة تفعل في الزواج في بعض البلدان أن الزوج يدخل عند النساء الأجنبيات ويجلس في مقعد بجانب زوجته وأمامه النساء الأجنبيات كاشفات، فهنا نقول: هذه العادة محرمة؛ لماذا؟ ورد الدليل على تحريمها، ورد الدليل على تحريم النظر للنساء الأجنبيات والاختلاط بهن. لكن لو جاءت عادة ليس فيها أمر محظور، فنقول: الأصل فيها الإباحة.

وقد ذكر لك الدليل على ذلك، وهو أن الأصل في العادات الإباحة؛ وأشار إليه بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]. لذلك قال: وإن الله خلق لنا جميع ما على الأرض لننتفع به بجميع الانتفاعات، هذا دليل على أن الأصل في العادات الإباحة، وما قبله هذا الدليل على النص في العبادات الحظر؛ لأن العبادة ما أمر به الشارع، أمر إيجاب أو استحباب، فما خرج عن ذلك فليس بعبادة.

أحسن الله إليكم. ومنها: إذا وجدت أسباب العبادات والحقوق ثبتت ووجبت إلا إذا قارنها المانع. قال هذا من القواعد: إذا وجدت أسباب العبادات والحقوق ثبتت ووجبت إلا إذا قارنها المانع. مثلاً سبب العبادة وجد وقارنه المانع؛ في الزكاة سبب العبادة مثلاً بلوغ النصاب، لكن وجد المانع وهو الدين على الشخص المزكي، والدين استغرق النصاب، فهنا نقول لا تجب الزكاة لوجود المانع وهو الدين.

وفي الميراث مثلاً، وجد سبب الإرث وهو وفاة المورث، لكن اقترن المانع وهو مثلاً وفاته كانت بسبب قتل الوارث له، فنقول هنا وجد المانع فانتفى الحكم. ولذلك قال: إذا وجدت أسباب العبادات والحقوق ثبتت ووجبت، الأصل أنها تثبت بثبوت أسبابها إلا إذا قارنها المانع؛ هنا اقترن وفاة المورث بقتل الوارث له فلا يثبت الحكم، واقترن بلوغ النصاب وحولان الحول بوجود المانع وهو الدين على المزكي فلا يثبت الحكم.

أحسن الله إليكم. ومنها: الواجبات تلزم المكلفين، والإتلافات تلزم المكلفين وغيرهم. فمتى كان الإنسان بالغاً عاقلاً وجبت عليه العبادات التي وجوبها عام، ووجبت عليه العبادات الخاصة إذا اتصف بصفات من وجبت عليهم بأسبابها. والجاهل غير مؤاخذ من جهة الإثم لا من جهة الضمان في المتلفات.

أحسنت، الواجبات تلزم المكلفين، والإتلافات تلزم المكلفين وغيرهم. المكلف من هو؟ قال لك: البالغ العاقل، التكليف يكون بالبلوغ والعقل. والبلوغ يذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن البلوغ يحصل بأحد ثلاثة أشياء: بلوغه خمس عشرة سنة، أو إنبات الشعر الخشن حول القبل، أو نزول المني. وتزيد المرأة أمراً رابعاً وهو نزول دم الحيض.

فهذا بالبلوغ، والعاقل معروف. فإذا قال لك الفقهاء المكلف، يقصدون البالغ العاقل؛ فإذا كان الإنسان بالغاً عاقلاً لزمته الواجبات الشرعية: صلاة، زكاة، صوم، حج. لكن يقول لك: الواجبات التي وجوبها عام؛ متى كان الإنسان بالغاً عاقلاً وجبت العبادات التي وجوبها عام مثل الصلاة والصوم، هذه وجوبها عام تلزم كل مكلف. لكن التي وجوبها خاص؛ مثل الزكاة لابد أن يكون الإنسان عنده مال يخرج منه الزكاة، فهذه وجوبها خاص. والحج أيضاً لابد أن يكون...

الإنسان مستطيعًا عنده زاد وراحلة، هذه وجوبها خاص، فلا بد أن يكون بالغًا عاقلًا لديه الأسباب الأخرى. هذه في التكاليف، لكن الإتلافات؛ يقول الإتلافات لا ننظر هل هو مكلف أو لا. معذرة، العبادات الخاصة مثل الحج، لكن عندنا الزكاة، الزكاة هذه لا ينظر فيها للتكليف على قول جمهور أهل العلم رحمهم الله.

الإتلافات يقول تجب على المكلفين وغيرهم؛ فلو أن صغيرًا أتلف زجاجة سيارة جيرانهم فإنها تلزمه، يلزمه ضمانها، لا نقول هذا صغير سقط عنه الضمان، لا، يلزمه الضمان. وإذا قال الناس والجاهل غير مؤخذين من جهة الإثم، يعني مما يرتفع به الإثم النسيان والجهل، لكنه لا يرتفع به ضمان المتلفات؛ فالإتلاف يلزم الصغير والمجنون والناسي والجاهل وغيرهم، لأن هذا من باب ضمان المتلفات، يقولون هو من باب ربط الأسباب بمسبباتها، فإذا وجد المسبب ثبت السبب، نعم، فإذا وجد السبب ثبت المسبب، ولا ننظر إلى العذر الذي اقترن بالشخص المتلف.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، أصل قول الصحابي، وهو من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا ومات على الإيمان. إذا اشتهر ولم ينكر، بل أقره الصحابة عليه، فهو إجماع. فإن لم يعرف اجتهاره ولم يخالفه غيره، فهو حجة على الصحيح. فإن خالفه غيره من الصحابة، لم يكن حجة.

لما انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر بعض القواعد الفقهية وذكر قبلها الأدلة المتفق عليها، ذكر هنا دليلًا حصل فيه الخلاف وفيه نوع تفصيل، وهو قول الصحابي. فسر الصحابي الذي اختلف في قوله هل هو حجة أو لا، بأنه من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا ومات على الإيمان. فلا بد أن يجتمع بالنبي ﷺ، ولا بد أن يكون مؤمنًا، ولا بد أن يموت على الإيمان. فخرج بذلك من لم يجتمع بالنبي ﷺ، أو اجتمع به ﷺ وكان كافرًا ثم أسلم لاحقًا، أو لم يرَ النبي ﷺ، فهذا كله ليس من الصحابة. ومن رأى النبي ﷺ ثم ارتد -والعياذ بالله- فهؤلاء كلهم ليسوا من الصحابة.

يقول: قول الصحابي إذا اشتهر ولم ينكر، بل أقره الصحابة عليه، فهو إجماع. يعني لو أن مسألة قالها عمر في مجمع من الصحابة ولم ينكرها عليه أحد، فإنها تكون إجماعًا. قال: فإن لم يعرف اجتهاره، هذه الحالة الثانية، إذا لم يعرف اجتهاره ولم يخالفه غيره، فهو حجة على الصحيح، يعني أنه أنزل من درجة الإجماع واعتبر حجة، وهذا كثير تجدونه مثلا في الكتب التي ينقلون فيها أقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ يقولون هذا قول مثلاً لعلي وعثمان ولم يعرف لهما مخالف، وهي مسألة ليست من المسائل التي تشترط الإجماع، وإنما هي أقل من ذلك، هو دليل من الأدلة، لكن لو كان إجماعًا فإنه لا يجوز مخالفته.

قال: فإن خالفه غيره من الصحابة، هذه الحالة الثالثة؛ إذا وجدت مسألة قال بعض الصحابة بقول، وقال آخرون بقول آخر، فإنه لا يعد حجة ولا إجماعًا، وإنما هو قول يستأنس به، فينظر فيما يقوي أحد القولين. مثل مسائل كثيرة، مثل مسألة إرث الجد مع الإخوة، بعض الصحابة قالوا يرث الإخوة مع الجد، وبعضهم قالوا لا يرث، فإنه لا يكون إجماعًا ولا حجة، لكن ينظر للنصوص الأخرى.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، قواعد وضوابط فقهية متنوعة. ذكر جملة من المسائل الأصولية، قال: الأمر بالشيء نهي عن ضده، إذا أمر الله عز وجل بشيء، فإن هذا من جهة المعنى نهي عن ضد ذلك الشيء، فإذا أمر الله عز وجل مثلا بالصلاة، فإن هذا نهي عن ترك الصلاة. والنهي عن شيء أمر بضده، إذا نهى الله عز وجل مثلا عن الزنا، فإن هذا أمر بالعفاف.

قال: ويقتضي الفساد، يعني النهي عن شيء هذا يقتضي الفساد، هذا هو الأصل أن النهي يقتضي الفساد، إلا إذا كان النهي عائدًا إلى أمر خارج عن المنهي عنه، مثل لو أن النبي ﷺ نهى عن لبس الحرير، وصلى شخص وعليه عمامة حرير، فنقول إن هذا النهي عاد لأمر خارج، يعني لا علاقة له بالصلاة وتصح الصلاة، ولكنه... قال: إلا إذا دل دليل على الصحة، فإذا دل دليل على الصحة، صحة المنهي عنه، فإنه لا يقتضي الفساد.

ومثاله تلقي الركبان، كما قال النبي ﷺ: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار». يعني الذين يتلقون الركبان خارج السوق ويشترون منهم بسعر أرخص، ثم يدخلون به للسوق فيبيعونه بسعر السوق، فإن صاحب السلعة الأصلي الذي باعها خارج السوق لو أتى السوق ووجد أنه غُبن في البيع، فله أن يفسخ بيعه مع صاحبه الذي اشترى منه خارج السوق، وهذا الدليل على صحة ذلك البيع وإن كان منهيًا عنه.

قال: والأمر بعد الحظر يرده إلى ما كان عليه قبل ذلك، يعني إذا وجد حظر -نهي- ثم جاء بعده أمر، فإن الأمر بعد الحظر يعود حكمه إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإذا كان حكمه مباحًا قبل الحظر يكون الأمر بعد الحظر مباحًا. مثلاً الصيد مباح، فنهي المحرم عن الاصطياد، ثم جاءت الآية: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]، هنا الأمر بالصيد لمن أحل من إحرامه يحمل الإباحة؛ لأنه كان مباحًا له قبل أن يحرم أن يصيد. لكن لو كان مستحبًا، مثل وطء الزوجة مستحب، نهي عن وطئها حال الحيض ثم أمر بوطئها إذا طهرت: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222]، فإنه يرجع الحكم إلى الاستحباب، وربما يرتقي إلى الوجوب إذا كان يكفها عن المنكر.

قال: والأمر والنهي يقتضيان الفور، يعني إذا أمر الله عز وجل بأمر أو نهى عن نهي، فإن الأصل فيه أنه على الفور، لابد أن يلتزمه الإنسان فورًا ولا يؤخره، هذا هو الأصل إلا إذا دل دليل على جواز التراخي، مثل قضاء رمضان؛ قضاء رمضان أمر الإنسان إذا كان عليه قضاء من رمضان أن يقضي، لكن القضاء ليس على الفور، بل على التراخي، له أن يؤخر القضاء إلى رمضان القادم. قال: ولا يقتضي الأمر التكرار.

إلا إذا عُلِّق على سبب؛ فيجب أو يستحب. مكتوب هنا أن يستحب، أو على الصواب يستحب عند وجود سببه. يعني الأمر إذا أمر الله عز وجل بشيء لا يقتضي التكرار إلا إذا عُلِّق على سبب، مثل الصلوات الخمس؛ كل صلاة أوجبت إذا وجد سببها وهو الوقت، فهنا الوقت سبب يتكرر، فيتكرر الوجوب بتكرر السبب. لكن إذا كان لم يتكرر، مثل الحج، أوجب وجاء النص على أنه يجب مرة واحدة، فهذا لا يقتضي التكرار.

قال: فيجب أو يستحب عند وجود سبب؛ يعني مثل دخول المسجد مشروع عنده تحية المسجد، فإذا تكرر دخوله جاء مرة أخرى، فنقول لا يكتفى بالصلاة الأولى إلا إذا كان خروجه وعودته قريبة فإنه يكتفى.

قال: الأشياء المخير فيها إن كان للسهولة على المكلف فهو تخيير رغبة واختيار، وإن كان لمصلحة مَن ولي عليه فهو تخيير يجب تعيين ما ترجحت مصلحته. يعني الإنسان إذا كان مخيراً بين أشياء، فهل هو مخير أن يأتي بما شاء أو لا بد أن يختار الأفضل منها؟ نقول ذكر المؤلف إن هذا له حالتان: إن كان الإنسان مخيراً لنفسه، وهذا التخيير لأجل التسهيل، فإنه له أن يأتي بما شاء، تخيير رغبة؛ مثلاً فدية الأذى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، له أن يأتي بالصيام ثلاث أيام أو يطعم ستة مساكين، هو مخير بما شاء.

لكن إذا كان التخيير لمصلحة مَن ولي عليه، فيجب أن يختار الأصلح؛ يعني مثلاً إنسان ولي على يتيم، واليتيم لديه سيارة زائدة عن حاجته ورثها عن أبيه، الولي هنا ليس مخيراً أن يفعل بالسيارة ما شاء؛ لو كانت السيارة له لان فعل بها ما شاء، لكن سيارة اليتيم ليس مخيراً أن يفعل بها ما شاء، بل الأصلح له أن يبقيها له، أو الأصلح له أن يبيعها ويستفيد من قيمتها، فهنا تخييره تخيير مصلحة.

قال: ألفاظ العموم. ذكر لك القاعدة هذه: ألفاظ العموم هي كل وجميع، يعني إذا جاءت "كل" فهي لفظ عموم يدل على العموم، مثل: «كل مسكر خمر». و"جميع"، والمفرد المضاف، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]، المفرد المضاف هذا يشمل جميع النعم.

والنكرة في سياق النهي، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾ [القصص: 88]، هذه نكرة في سياق النهي تعم كل شيء لا يُدعى مع الله. وكذلك في سياق النفي: «لا إله إلا الله»، نفي، و"إله" هنا نكرة في سياق النفي تعم كل المعبودات. أو النكرة في سياق الاستفهام: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: 3]، تعم جميع مَن يُدعى أنه خالق. والنكرة في سياق الشرط، والمعرف بالدالة على الجنس أو الاستغراق، هذه كلها تفيد العموم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ...﴾ [الأحزاب: 35] إلى آخره، هذه كلها تفيد العموم، وهذا يفيدك في نصوص الوحيين؛ إذا جاءت آية أو حديث فيها أحد هذه الألفاظ فإنها تدل على العموم.

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. إذا جاءنا لفظ عام لكنه ورد على سبب خاص، فهل العبرة بعموم اللفظ أو خصوص السبب؟ يعني مثلاً في كفارة المجامع في نهار رمضان، جاءت على سبب وهو الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان، هل نقول إن هذا الحكم لهذا الأعرابي فقط؟ أو الظهار جاء لسبب وهو الذي ظاهر من امرأته، هل نقول إنها تختص بالمظاهر فقط؟ لا، نقول العبرة بعموم اللفظ، فكل من جامع في نهار رمضان يأخذ حكم ذلك الأعرابي، وكل من ظاهر من امرأته يأخذ حكم الصحابي الذي ظاهر من امرأته.

قال: ويراد بالخاص العام. يعني قد يأتي لفظ خاص ويراد به العموم، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، الخطاب موجه للنبي ﷺ، لكن حكمه للعموم. وقد يراد العكس، يأتي اللفظ العام ويراد به الخاص، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173]، "الناس" القائل واحد، و"الناس" أبو سفيان وأصحابه، وليس الناس كلهم، فهذا لفظ عام أريد به الخصوص. لكن الأصل في اللفظ الخاص أن يراد به أنه خاص، والأصل في اللفظ العام أن يراد به العموم، لكن إذا وجدت القرائن التي تدل على أن الخاص يراد به العام أو العام يراد به الخاص فنحمله على ذلك؛ يعني القرينة في آية الطلاق «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن» أن الخطاب لمجموع الأمة.

قال: وخطاب الشارع لواحد من الأمة أو كلام في قضية جزئية يشمل جميع الأمة وجميع الجزئيات، دليل على الخصوص. يعني أن الأصل أن خطاب الشارع لواحد يشمل جميع الأمة، فإذا أمر النبي ﷺ أحد الصحابة بشيء مثل المسير في صلاته، قال له: «إذا قمت إلى صلاتك فاستقبل القبلة فكبر»، هل هذا أمر له وحده؟ لا، هذا أمر لجميع الأمة. وكذلك كلام النبي ﷺ لشيء الأصل أنه لجميع الأمة، إلا إذا دل دليل على الخصوص، مثل حديث أبي بردة في الأضحية بالجدعة، قال: «ضحِّ بها ولن تجزئ عن أحد بعدك»، وكذلك عدة شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين، فهذا دل دليل فيه على الخصوص.

قال: فعله ﷺ الأصل فيه أن أمته أسوته في الأحكام إلا إذا دل دليل على أنه خاص به، يعني إذا فعل النبي ﷺ فعلاً فالأصل عدم الخصوصية، والأصل أننا نفعله. ولذلك لما سئل النبي ﷺ عن رجل قبل امرأته وهو صائم هل يبطل وضوءه؟ قال النبي ﷺ: «إني لأقبل وأنا صائم»، فقال له القائل: لست مثلنا يا رسول الله، أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال النبي ﷺ: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي». فهذا دليل على أن الأصل في أفعال النبي ﷺ أنها ليست خاصة به إلا إذا دل دليل على الخصوص، مثل آية الواهبة: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50].

قال: وإذا نفى الشارع عبادة أو معاملة فهو لفسادها، أو نفى بعض ما يلزم فيها. فلا تنفى لنفي بعض مستحباتها؛ يعني إذا نفى الشارع عبادة أو معاملة فالأصل أنها إذا نفيت نفي الشيء فالأصل أنه ينفى لفساده، مثل «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، الأصل أنه تنفى الصحة.

«الكمال لا صلاة بحضرة طعام»؛ فينفي للصحة وقد ينفي للكمال. وهناك مرتبة سابقة وهي نفي الوجود، عندنا نفي الوجود ونفي الصحة ونفي الكمال. الأصل في النفي أن يحمل على نفي الوجود، مثل: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ نفي وجود جميع ما يعد من دون الله، هنا نفي وجود، يعني نفي استحقاق. فإن لم يمكن نفي الوجود ننتقل إلى نفي الصحة، مثل: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، فإن دل دليل على الصحة انتقلنا إلى المرتبة الثالثة وهي نفي الكمال؛ مثل: «لا صلاة بحضرة طعام وهو يدافعه الأخبثان».

ثم قال: تنعقد العقود وتفسخ بكل ما دل على ذلك من قول أو فعل، العقود والفسخ ليس لها صيغة محددة، فإذا تراضى الطرفان على صيغة جاز لهما ذلك في العقد والفسخ، ولا يتعبدون بلفظ محدد؛ فمثلا في البيع لو قال: بعتك أعطيتك مقابل كذا ونحو ذلك، صح هذا العقد وكذلك في الفسخ.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن المسائل الفقهية قسمان: قسم مجمع عليه وقسم مختلف فيه. فالمجمع عليه يحتاج إلى تصور وتصوير، يحتاج إلى أن تتصورها في الذهن وتصورها لغيرك، تتصورها جيدا في ذهنك، ثم تحتاج إلى إقامة الدليل عليها، ثم تحتاج إلى أن تحكم عليها بعد التصوير والاستدلال.

مثلا من المسائل المجمع عليها وجوب الصلوات الخمس؛ تتصور الصلوات الخمس أن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، تقيم الدليل عليها من الكتاب والسنة، ثم تحكم عليها بعد أن تقيم الدليل، بعد التصوير والاستدلال. مثلا الربا، تفهم المقصود بالربا، تقيم الدليل عليه، ثم تنزل الدليل على الحكم الذي تصورته؛ هذه المجمع عليها.

أما المختلف فيها فتحتاج إلى الخطوات الثلاث، وتحتاج إلى خطوة رابعة وهي أن تجيب على دليل المنازع. وهذه يقول لك هذه في المجتهد والمستدل، لكن المقلد وظيفته السؤال. يعني عندنا مجتهد، هذا لا بد إذا جاءته مسألة خلافية أن يجتهد ويستدل لما يرجحه ويجيب عن دليل المخالف؛ يعني مثلا جاءته مسألة الوضوء من لحم الإبل، يبحث في الأدلة يجد هناك أدلة تدل على الوجوب وهناك أدلة لا تدل على الوجوب، فيوازن بين هذه الأدلة، ثم يرجح أحد القولين، ثم يجيب على أدلة القول الآخر.

هذا في المجتهد المستدل، أما المقلد الذي لا يستطيع أن يوازن الأدلة ونحوها، فهذا واجبه سؤال أهل العلم. قال: «والتقليد قبول قول الغير من غير دليل»، وهذا لمن لا يستطيع أن يصل إلى الحق بنفسه فإنه يجب عليه أن يسأل. قال: «فالقادر على الاستدلال عليه الاجتهاد والاستدلال، وأما العاجز فعليه التقليد والسؤال»، كما قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. فهذا الدليل على أن الإنسان إذا كان لا يعلم، اللي هو المقلد، يسأل أهل الذكر، أما إن كان عنده قابلية العلم والوصول إلى الحق فإنه يجب عليه أن يصل إلى الحق بنفسه.

ثم ختم المؤلف رحمه الله تعالى رسالته في قوله: «والله أعلم، وصلى الله على محمد رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا». هذا، وأسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

ويبدو أنه حصل خلل في آخر نصف ساعة من هذا اللقاء، لعله يستدرك إن شاء الله يكون مسجلاً. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.