دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني من مجالس التعليق على رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة للشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى. وكنا قد بدأنا في اللقاء الماضي بأول هذه الرسالة، وتكلم الشيخ رحمه الله تعالى فيها عن الأحكام التي يدور عليها الفقه، وتكلم أولا عن تعريف أصول الفقه، والأحكام التي يدور عليها الفقه، والأدلة التي يدور عليها أيضا الفقه.

ووقفنا على ما ذكره في الأصل في أوامر الكتاب والسنة.

يقول المصنف رحمه الله تعالى: «فصل: الأصل في أوامر الكتاب والسنة أنها للوجوب، إلا إذا دل الدليل على الاستحباب أو الإباحة. والأصل في النواهي أنها للتحريم، إلا إذا دل الدليل على الكراهة».

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل ثلاثة أصول يتمسك بها طالب العلم إذا جاءته الأوامر أو النواهي في الكتاب والسنة، وكذا إذا أراد تأويل كلمة في نصوص الوحيين. عندنا الأصل الأول أن الأصل في الأوامر الوجوب، هذا هو الأصل، فإذا جاءك أمر في الكتاب أو السنة فالأصل أنه يحمل على الوجوب. وما معنى الوجوب؟ ما تقدم معنا في اللقاء الماضي أن الواجب هو ما أثيب فاعله وعوقب تاركه.

والدليل على أن الأصل في الأمر الوجوب أدلة كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. فهدد الله عز وجل من يخالفون أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن تحصل لهم الفتنة، أي الزيغ، أو يحصل لهم العذاب الأليم، وهذا التهديد لا يكون إلا على ترك واجب. ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].

ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، أي ائتوا بها تامة مستقيمة على وجهها، فهذا الأمر أمر للوجوب، فلا يأتي إنسان مثلا ويأتي بالصلاة ويترك بعض أركانها أو بعض شروطها أو بعض واجباتها متعمدا بدون عذر، فنقول هنا أنت لم تؤد الواجب الذي عليك، الواجب الذي عليك أن تأتي بالصلاة على الوجه الأتم بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.

هنا قال: «إلا إذا دل الدليل على الاستحباب أو الإباحة»، فقد توجد صوارف تصرف الأمر عن الوجوب إلى غيره. وعندنا عدة صوارف تصرف الأمر عن الوجوب، لكن المؤلف رحمه الله تعالى اختار اثنين لأنهما هما الأكثران في نصوص الوحيين: تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، وكذا تصرفه من الوجوب إلى الإباحة.

من الأمثلة على الأوامر التي صرفت من الوجوب إلى الاستحباب قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب»، هنا أمر بالصلاة قبل المغرب، يعني صلاة سنة ركعتين قبل المغرب، لكنه قال في الثالثة: «لمن شاء»، فلما أتبعها بكلمة «لمن شاء» دلنا هذا على أن هذا الأمر ليس للوجوب.

وهناك صارف آخر في دليل آخر؛ لو لم يأتِ «لمن شاء»، مثل حديث الأمر بتحية المسجد: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، وفي رواية: «فليصل ركعتين قبل أن يجلس». هذا أمر بتحية المسجد، هل هو على الوجوب؟ جمهور أهل العلم على أنه على الاستحباب. ما الذي صرفه من الوجوب إلى الاستحباب؟ ذكروا صوارف كثيرة، وأهمها حديث الأعرابي الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الواجبات عليه، فقال: «خمس صلوات في كل يوم وليلة»، قال: «هل علي غيرها؟»، قال: «لا، إلا أن تطوع». فهذا دليل على أن هذه الصلاة -أقصد تحية المسجد- والأمر بها ليس على الوجوب.

وهناك أوامر مصروفة من الوجوب إلى الإباحة، ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]. هنا أمر الله عز وجل بعد صلاة الجمعة بأن ننتشر في الأرض ونبتغي من فضل الله، يعني بالبيع والشراء. هل البيع والشراء بعد صلاة الجمعة واجب، بمعنى يجب على الإنسان بعد صلاة الجمعة أن يذهب إلى المحل التجاري فيشتري أو يبيع؟ نقول لا، الأمر هنا على الإباحة.

لماذا صرفنا الأمر هنا من الوجوب إلى الإباحة؟ نقول لوجود الصارف، ما الصارف؟ النهي الذي ورد في الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]، أي اتركوا البيع، فهو نهي عن البيع بعد النداء، ثم أمر به بعد الصلاة، فالأمر به ليس على الوجوب وإنما هو على الإباحة، وهذا يقول بعض أهل العلم إنه أمر بعد نهي.

ومنه أيضا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]، يعني أن المحرم إذا انتهى من نسكه أُمر بالاصطياد. هل الأمر هنا على الوجوب؟ لا، على الإباحة. لماذا حملناه على الإباحة؟ لوجود النهي السابق له في الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ...﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَسْتَحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. فهنا أمر بالاصطياد بعد أداء النسك أو بعد التحلل من النسك، وهذا أمر للإباحة لأنه سبق بنهي.

مثل هذا في تعاملاتنا اليومية؛ لو نهى المعلم طلابه عن الكلام أثناء الشرح، ثم لما انتهى من الشرح قال: «ليتكلم كل منكم مع صاحبه»، هنا هل هذا أمر للوجوب؟ لا، هنا يبيح لهم الكلام لأنه منعهم منه في أثناء الشرح.

أحسن الله إليكم، والأصل في النواهي أنها للتحريم إلا إذا دل الدليل على الكراهة. إذا جاءنا نهي في الكتاب وفي السنة فالأصل أنه للتحريم، ويدل على أن الأصل في النواهي أنها تحمل على التحريم أدلة كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. فأمر الله عز وجل بالانتهاء عما نهانا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر، والأصل في الأوامر الوجوب، فدل على أن النهي يحمل على التحريم.

يجب علينا أن ننكف عما نهانا عنه النبي ﷺ. ومن أمثلة النهي عن التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾؛ هنا النهي عن أكل الربا يحمل على التحريم لا يحمل على الكراهة، لأن الأصل في النهي أنه للتحريم، إلا إذا دل الدليل على الكراهة، فإذا وجد صارف يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة فإننا نحمله على الكراهة.

ومن أمثلة ذلك قوله ﷺ: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول»، هنا العلماء رحمهم الله، أو جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، حملوا الناهي هنا على الكراهة، وذكروا له عدة صوالف، ومن أهمها أنه صرفه عن ذلك حديث طلق بن علي لما سئل النبي ﷺ عن الرجل يمس سوف ذكره في الصلاة، عليه الوضوء؟ قال: «لا، إنما هو بضعة منك»، يعني أنه كعضو من أعضائك؛ إذا مسسته، فدل هذا الحديث على إقرار أن الإنسان يمس ذكره بيده سواء بيده اليمنى أو اليسرى، لأن الحديث مطلق هكذا «ذكره».

طبعًا كما قيل إنه لا يعترض المثال، يعني قد يقول قائل: لا، أصلًا حديث طلق بن علي ضعيف ونحو ذلك، فنحن نقول هذا بناء على ما صححه. وإذا كان عند الفقهاء يقررون قاعدة والاصوليون يقررون قاعدة، يقولون لا يعترض المثال؛ لأن المقصود من المثال التوضيح، توضيح القاعدة، لكن إذا جئنا للمسألة الفقهية قد يناقش في هذا الصارف.

أحسن الله إليكم، والأصل في الكلام الحقيقة، فلا يعتد به إلا المجاز، إن قلنا به، إلا إذا تعذرت الحقيقة. عندنا في الألفاظ قد يستعمل اللفظ في المعنى الذي وضع له، وهذا هو الحقيقة، وقد يستعمل في غير المعنى الذي وضع له لكن لعلاقة بينهما إذا وجدت القرينة التي تدعو إلى إخراج الحقيقة إلى المجاز، وهذا هو المجاز.

مثلاً: إذا قلت رأيت أسدًا في الحديقة، هذا الأصل أنه الأسد الحيوان المفترس، لكن إذا قلت رأيت أسدًا يرمي، فهنا الأسد هو الرجل الشجاع؛ اللفظ الأول حقيقة واللفظ الثاني مجاز، استعمل في غير موضع له، لكن لماذا استعمل لفظ الأسد في الشجاع؟ قالوا لعلاقة بينهما، لأن الأسد من أوصافه الشجاعة. لماذا حملنا الناهي على المجاز في اللفظ الثاني ولا نحمل على الحقيقة؟ قالوا لوجود القرينة وهي قرينة الرمي، فالأسد الحيوان الحقيقي لا يرمي.

وهنا قال لك: إذا جاءنا لفظ محتمل أن يحمل على الحقيقة ومحتمل أن يحمل على المجاز، فإننا في الأصل نحمله على الحقيقة ولا نحمله على المجاز إلا إذا وجدت القرينة. قال: الأصل في الكلام الحقيقة، فلا يعتد به إلا المجاز إن قلنا به، إلا إذا تعذرت الحقيقة. وقوله «إن قلنا به» هذا إشارة إلى الخلاف في حصول المجاز؛ هل في اللغة مجاز أو لا؟ هي مسألة خلافية بين أهل العلم من الأصوليين واللغويين وغيرهم، فيختلفون هل في اللغة أصلًا مجاز أو ليس فيها مجاز، والخلاف طويل فيها.

وبعض العلماء ذكروا أن الخلاف في غير القرآن، أما القرآن فليس فيه مجاز أبدًا. وبعضهم قال بل يوجد مجاز في القرآن لكن في آيات الصفات لا نقول بالمجاز. وسبب الخلاف الشديد بين أهل العلم في ذلك أن أهل البدعة توصلوا إلى بدعتهم في الصفات من هذا الباب، من باب المجاز، فقالوا بالمجاز فأولوا آيات الصفات إلى معانٍ مجازية، ولذلك رد عليهم أهل العلم. وتسلسل ذلك إلى أن أنكر بعض أهل العلم وقوع المجاز في اللغة، وعلى كل حال المسألة مبسوطة في المطولات، ومن أراد الرجوع لها يرجع، والشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله له رسالة خاصة في ذلك بعنوان «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز»، يعني الشيخ الشنقيطي يرى أنه لا مجاز في القرآن، وله رسالة في ذلك.

أحسن الله إليكم، والحقائق ثلاثة: شرعية، ولغوية، وعرفية. فما حكم به الشارع وحده وجب الرجوع فيه إلى الحد الشرعي، وما حكم به ولم يحده اكتفاء بظهور معناه اللغوي وجب الرجوع فيه إلى اللغة، وما لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة رجع فيه إلى عادة الناس وعرفهم. وقد يصرح الشارع بإرجاع هذه الأمور إلى العرف كالآمر بالمعروف، والمعاشرة بالمعروف ونحوهما، فاحفظ هذه الأصول التي يضطر إليها الفقيه في كل تصرفاته الفقهية.

أحسنت، لما تكلم عن الحقيقة والمجاز ذكر لك أن الحقائق ثلاث: حقيقة شرعية، وحقيقة لغوية، وحقيقة عرفية. قال لك الحقيقة الشرعية: ما حكم به الشارع وحده وجب الرجوع فيه إلى الحد الشرعي؛ حكم به الشارع وحده، يعني مثلاً الصلاة بين لنا الشارع معنى الصلاة، وكذلك بين لنا الشارع معنى الوضوء، فإذا جاءتنا في نصوص الوحيين كلمة الصلاة أو كلمة الوضوء فالأصل أننا نحملها على المعنى الشرعي، لأن الصلاة لها معنى في اللغة وهي الدعاء، والوضوء لها معنى في اللغة وهو النظافة. فإذا أتى لفظ الصلاة في الكتاب أو في السنة فالأصل أن تُحمل على الحقيقة الشرعية وهي الصلاة الكاملة، إلا إذا دل دليل على أن المراد أصل اللغة.

وتقدم معنا في اللقاء الماضي مثال على ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]، قلنا المراد بالصلاة هنا الدعاء، وإن كانت وردت في سياق شرعي لكن دل الدليل الشرعي على أن المقصود هو المعنى اللغوي، وهو قوله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صل عليهم».

وأيضًا جاء الحديث في الأمر بالوضوء من لحوم الإبل: «توضؤوا من لحوم الإبل»، هنا يحتمل المعنيين؛ معنى حقيقي في الشرع وهو الوضوء المعروف، ومعنى حقيقي في اللغة وهو التنظف. فهنا تعارض المعنى الشرعي والمعنى اللغوي، فالأصل أن نحمله على المعنى الشرعي فنقول يجب الوضوء من لحوم الإبل. ويدل على ذلك ما يقويه أنه في نفس الحديث سئل النبي ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ».

إذا قلنا المراد النظافة، والإسلام يحث على النظافة، فلا يمكن أن يقول النبي ﷺ: «لا أنت مخير في الوضوء في النظافة وعدمها من لحوم الغنم وأنت مأمور بالنظافة من لحوم الإبل»، وهما ليسا مختلفين في أمر تدنيس اليد وتقذيرها مما يحتاج معه إلى التنظيف؛ فدل هذا على أن المراد بالوضوء هنا المعنى الشرعي.

قال لك: وما حكم به ولم يحده اكتفاء بظهور معناه اللغوي وارجع فيه إلى اللغة؟ عندنا لفظ جاء في الشريعة لكن لم يرد تعريفها في الشريعة، فنرجع فيها إلى المعنى اللغوي، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]. هل جاء في الشريعة تعريف السرقة؟ لا لم يأتِ، إذا نرجع إلى معناها في اللغة، معنى السرقة في اللغة.

أيضاً الثالث: وما لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة، رجع فيه إلى عادة الناس وعرفه. إذا جاءنا لفظ في الشريعة ولكن بحثنا عن معناه في الشريعة ما وجدنا، لا الآية ولا الحديث يفصله، وبحثنا عن معناه في اللغة ما وجدنا ضابطًا يضبطه، فيرجع فيه إلى العرف. مثل لفظ الحرز في السرقة، جاء في حديث: «أن سرق من غير حرز»، أتينا إلى الشريعة ما في شيء يضبط الحرز، أتينا إلى اللغة ما في شيء يضبط الحرز، يقول لك حرز كذا هو هذا حرز كذا هو هذا، فنرجع في تحديده إلى العرف.

إذن هذه الحقائق: ما جاء توضيحه في الشريعة فنرجع فيه إلى المعنى الشرعي، وما لم يأتِ معناه في الشريعة فنرجع فيه إلى المعنى اللغوي، وما لا يوجد له ضابط لا في الشريعة ولا في اللغة فنرجع فيه إلى المعنى العرفي. ولذلك قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في منظومته في القواعد الفقهية والأصولية: وكل ما أتى ولم يحدد بالشرع .. كالحرز فبالعرف أحددي.

ثم قال المؤلف رحمه الله: «وقد يصرح الشارع بإرجاع هذه الأمور إلى العرف كالأمر بالمعروف والمعاشرة بالمعروف ونحوهما»، يعني أنها يرجع فيها إلى العرف. الأمر بالمعروف هو ما عده الناس، أو ما عده في الشرع حسنًا، وعده الناس حسنًا، فهذا رجع فيه إلى العرف. والمعاشرة بالمعروف، يعني تعامل الزوج مع زوجته، نقول أنت مأمور معها بالمعاشرة بالمعروف، كيف المعاشرة بالمعروف؟ نقول هذا يختلف باختلاف أعراف الناس؛ فبعض الأعراف يكون تعامل الزوج مع زوجته بالطريقة الفلانية هذه هي المعاملة المثلى، وبعضهم لا، التعامل يكون بالطريقة كذا هي المعاملة المثلى، فنقول إذا المعاشرة بالمعروف هذا مما يختلف فيه العرف من بلد إلى بلد ومن زمان إلى زمان وهكذا.

قال: «فاحفظ هذه الأصول التي يضطر إليها الفقيه في كل تصرفاته»، يعني أن هذه الأصول مهمة التي ذكرها لك، الأصول الثلاثة: الأصل في الأوامر، الأصل في النواهي، الأصل في الكلام. هذه أصول مهمة فاحفظها وطبقها وانتبه لمحتزاتها ونحو ذلك، فهي أصول مهمة يحتاج إليها كل فقه.

أحسن الله إليكم، فصل: ونصوص الكتاب والسنة منها عام، وهو اللفظ الشامل لأجناس أو أنواع أو أفراد كثيرة، وذلك أكثر النصوص، ومنها خاص يدل على بعض الأجناس أو الأنواع أو الأفراد. فحيث لا تعارض بين العام والخاص عُمِل بكل منهما، وحيث تعارضهما خُصَّ العام بالخاص. ومنها مطلق عن القيود ومقيد بوصف أو قيد.

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن دلالات الألفاظ، وهذا فصل كبير في أصول الفقه، يتكلمون فيه عن دلالات الألفاظ، يعني هذه الألفاظ التي تأتي في نصوص الوحيين، أحياناً يعرض لها ما قد يُفسر ببعض مفهومها أو بما يعممها ونحو ذلك. فيقول لك هذه الألفاظ بعضها عام وبعضها خاص. كيف العام؟ فسره قال: العام اللفظ الشامل لأجناس أو أنواع أو أفراد كثيرة. الشامل لأجناس مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ شامل لأنواع، مثل الرجال قوامون على النساء، الرجال نوع والنساء نوع. شامل لأفراد كثيرة مثل: المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات إلى آخره، فهذا عام. وقال: هذا أكثر النصوص، أكثر النصوص عامة تطبق على جميع الأفراد، في نصوص خاصة.

طيب إذا جاءنا نص عام وخاص فما العمل؟ يقول لك لا يخلو من حالين: إذا لم يوجد تعارض بين العام والخاص فإننا نعمل بكل منهما ولا نخصص العامة بالخاص. نمثل مثالاً من كلام الناس: لو قال مدير المدرسة للمعلم: «أكرم الطلاب المجتهدين»، هذا عام لكل من اجتهد، ثم قال بعدها: «أكرم محمداً»، ومحمد مجتهد، فهل قوله «أكرم محمداً» هذا خاص بمحمد؟ هل نقول قوله «أكرم محمداً» يعني أنه لا يكرم غيره من المجتهدين؟ لا، نقول هنا الحكم الخاص والعام متحد، كلهم فيه أمر بالإكرام، فيكرم الطلاب المجتهدين ويكرم محمداً منهم، وجاء النص على الخاص للاهتمام به.

ومن السنة، جاء في الحديث لما قال النبي ﷺ: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي»، قال فيها: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، جعلت لي الأرض جميع ما تصاعد على وجه الأرض، وفي الحديث الآخر: «وجعلت تربتها لنا طهوراً». هذا خاص، فهل يعني التربة هي نوع من أنواع ما تصاعد على وجه الأرض؟ فهل نقول لا يتيمم إلا بالتراب أو نقول يتيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض؟ طبعاً خلاف بين أهل العلم، لكن من أهل العلم من قال يتيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض؛ لأنه هنا لا تعارض بين العام والخاص، فذكر الخاص يعني ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام، لا يقتضي التخصيص. وهذه قاعدة: ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام لا يقتضي التخصيص، وهي التي ذكرها المؤلف هنا يقول: «فحيث لا تعارض بين العام والخاص عُمِل بكل منهما»، فيقولون يتيمم بالتراب ويتيمم بغيره مما تصاعد على وجه الأرض، لأن الخاص هنا ذكر وهو ذكر بحكم يوافق العام.

طيب قال: «وحيث ظن تعارضهما خُصَّ العام بالخاص»، يعني لو أننا وجدنا العام له حكم يخالف الخاص، فهنا نعمل بالعام فيما عدا الخاص، أما الخاص فنعمل به في حكمه المستقل. مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، والقروء هنا هي الحيض على أحد القولين، هذا المطلقات جميع المطلقات يتربصن يعني يعتدن ثلاثة حيض، جاءت آية أخرى.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]. فهذا حكم للمطلقة التي لم تُمَس، يعني طلقها قبل أن يمسها، فهذه ليس عليها عدة.

هنا هي مطلقة لكن ليس عليها عدة، وهنا تعارض بين حكم العام والخاص؛ العام: مطلقات يتربصن، والخاص هنا: لا تعتد مطلقا. فهل نقول كل المطلقات لا يعتدن؟ لا، نقول فقط التي خُصت هي التي لا تعتد. وتأتينا آية أخرى في الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]. فالمطلقة الحامل إذا عدتها بوضع الحمل فقد خالفت الخاص هنا وخالفت العام، فنقول: إذاً المطلقات جميعاً يعتدن ثلاث قروء، إلا من خُصص، فمن لم تُمَس فلا عدة عليها، والحامل عدتها بوضع الحمل، وطبعا الآيسة والصغيرة عدتها بثلاثة أشهر، وهكذا.

فإذا صار حكم الخاص والعام واحداً فيُعمل بكل منهما، وإذا اختلف الحكم فإنه يخص العام بالخاص؛ فنقول: يُعمل بالعام على عمومه فيما عدا ما خرج بالتخصيص، فلا يُعمل فيه بحكم العام وإنما يُعمل فيه بحكم الخاص.

أحسن الله إليكم، ومنها أيضًا: المطلق والمقيد؛ حيث يكون اللفظ مطلقاً، ثم يقيد بوصف أو قيد معتبر فيُحمل المطلق على المقيد. يقول أيضاً: من نصوص الكتاب والسنة الخاص والعام، ويقول أيضاً: المطلق والمقيد.

المطلق هو اللفظ الدال على فرد غير معين أو أفراد غير معينين، مثل: طالب أو طلاب. والمقيد هو نفسه ما دل على فرد غير معين أو أفراد غير معينين، لكن اقترن بصفة تحدد المراد، كطالب مجتهد مثلاً. فإذا أتانا لفظ مطلق وأتانا لفظ مقيد، فإننا -وحكمهما واحد- نحمل المطلق على المقيد، لكن لو أتانا لفظ مطلق فقط لم يُقيد، فإننا نبقيه على إطلاقه.

مثلاً: قوله تعالى في المحرمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23]. فأم الزوجة حرام على زوج ابنتها سواء دخل بزوجته أو لم يدخل بها؛ يعني أنه لو عقد على زوجة ثم طلقها ولم يمسها، فأم الزوجة تكون محرمة عليه وإن لم يدخل بأمها، بخلاف الربيبة؛ فالربيبة بنت الزوجة هذه لا تكون حراماً على الزوج إلا إذا دخل بأمها، لأنها قيدت في نفس الآية: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]. ومن هذا إذا قلنا المطلق يبقى على إطلاقه، لكن إذا دخله تقييد آخر فإننا نحمل المطلق على المقيد.

مثاله قوله تعالى في المحرمات المأكولات: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3]. الدم هنا مطلق، لكن جاء في آية الأنعام: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145]. هنا قيد بوصف، فهل كل دم محرم؟ لا، نقول الدم المسفوح، فنحمل المطلق على المقيد. وأمثلته كثيرة ولها أحوال، لكن لضيق الوقت نتركها إن شاء الله، وهي أحوال الحمل المطلق والمقيد التي يذكرونها في الكتب الأوسع، لكن من شأن الكتب المؤلفة للمبتدئين ألا يشغلوا بكثرة التفصيلات.

أحسن الله إليكم، ومنها أيضًا: المجمل والمبين؛ فما أجمله الشارع في موضع وبينه ووضحه في موضع آخر، وجب الرجوع فيه إلى بيان الشارع. وقد أجمل في القرآن كثير من الأحكام وبيانتها السنة، فوجب الرجوع إلى بيان الرسول ﷺ فإنه المبين عن الله تعالى. يقول: من نصوص الكتاب والسنة المجمل والمبين.

فالمجمل هو الذي لا يتضح المراد منه، فلا نعمل به إلا إذا بُين. فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43]؛ كيف نقيم الصلاة؟ جاء تفصيل إقامة الصلاة في السنة، ولذلك يقول لك في مواضع كثيرة مجملة في القرآن بينتها السنة، مثل الزكاة؛ ما الأموال التي يزكى منها وكيف تخرج الزكاة وما أنصبتها وما شروطها؟ هذه كلها مبينة في السنة، وفي القرآن جاءت إشارات لها. فالمجمل يُرجع فيه إلى اللفظ المبين، سواء قلنا المبين هو من أصله مبين، أو المبين هو الذي بين ما أجمل. وقد ذكرنا المثال مثل الصلاة والزكاة والحج، كلها أجملت في القرآن وبينت في السنة.

أحسن الله إليكم، ونظير هذا أن منها: المحكم والمتشابه، فيجب إرجاع المتشابه إلى المحكم. يقول: نظير هذا من نصوص الكتاب والسنة محكم ومتشابه. المحكم هو الواضح الدلالة، والمتشابه هو الذي يخفى حكمه على كثير من الناس. والتشابه نوعان: تشابه مطلق يعني يخفى حكمه على كل أحد، وتشابه نسبي يخفى على بعض الناس دون بعض.

يقول: يجب إرجاع المتشابه إلى المحكم، فإذا جاءنا نص متشابه ونص محكم، فنرجع اللفظ المتشابه إلى المحكم، ولا نأخذ بالمتشابه؛ لأن بعض الناس يتبع المتشابهات التي فيها إشكالات ويوجد فيها نصوص في نفس المسألة واضحة فيتبع المتشابه. لا، الواجب إرجاع المتشابه إلى المحكم، ولذلك الله عز وجل يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]. فالذين في قلوبهم زيغ وشك ومرض يتبعون المتشابه.

وهكذا في كل زمان ومكان، ولذلك تجدون بعض من يكتبون في الصحف مثلاً يتبعون بعض النصوص المتشابهة، فيقول: هذا النص يدل على جواز كشف الأجنبية لوجهها، أو هذا النص يدل على جواز الاختلاط بين الرجال والنساء، ويتركون نصوصاً محكمة كثيرة تمنع ذلك. فنقول على فرض أنه يدل على الجواز، فإن هذا نص متشابه وعندنا نصوص محكمة، فلا نأخذ بالمتشابه وندع المحكم.

أحسن الله إليكم، ومنها أيضًا: الناسخ والمنسوخ، والمنسوخ في الكتاب والسنة قليل. فمتى أمكن الجمع بين النصين وحمل كل منهما على حال وجب ذلك، ولا يُعدل إلى النسخ إلا بالنص من الشارع، أو تعارض النصين الصحيحين الذين لا يمكن حمل كل منهما على معنى مناسب، فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم، فإن تعذر معرفة المتقدم والمتأخر رجعنا إلى الترجيحات الأخرى.

أحسنت، هنا يقول: من نصوص الكتاب والسنة الناسخ والمنسوخ. الناسخ هو الذي رفع حكم الدليل الآخر، والمنسوخ هو الذي رُفع حكمه. والنسخ أحياناً يكون للحكم واللفظ، وأحياناً يكون للفظ فقط، وأحياناً يكون للحكم فقط، وهذا تجدونه في الكتب الموسعة أكثر من هذا. فيقول: إذا ذهبنا إلى نصوص الكتاب والسنة المنسوخ...

فيها قليل بالنسبة إلى ما لم ينسخ. من أمثلة المنسوخ مثلا: إباحة أو منع زيارة القبور مطلقا؛ كانت ممنوعة، ثم خُص المنع بالنساء: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، هنا بين أنها نسخت، كان المنع تامًا ثم نُسخ فجاء الأمر بها: «فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». طبعا الأمر هنا للرجال فقط، بدليل أن النساء قد جاء «لعن الله عليه وسلم زوارات القبور»، وفي اللفظ الآخر «زائرات القبور».

وقد يأتي النسخ في الناسخ والمنسوخ في نفس القرآن، يذكر الناسخ ويذكر المنسوخ، مثل آية المصابرة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال: 65]. هنا أمر كل رجل من المسلمين أن يصابر عشرة من الكفار، ثم نُسخ ذلك في الآية التي تليها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: 66]. فجعل الأمر، يعني الوجوب، أن يصابر المسلم شخصين، ولا يجب عليه مصابرة من زاد على ذلك.

إذا أتانا نصان متعارضان؛ التعارض لا يمكن أن يكون من كل وجه إلا في نظر المجتهد، لأن الوحي من الله عز وجل ورسوله ﷺ، ولا يمكن أن يقع بينهما التعارض التام، لكن إذا وجد تعارض في نظر المجتهد فماذا يفعل؟ يقول أولا: ينظر هل فيه إمكانية للجمع بين النصوص أو لا؟ فإذا كانت هناك إمكانية للجمع بين النصوص فهذا أولى من أن ننسخ أحدهما بالآخر؛ لأن الجمع بين النصوص فيه إعمال لكلا الدليلين، أما قول إن أحدهما منسوخ أو أحدهما ضعيف تبطل دلالته، ففيه إبطال للعمل بأحد الدليلين.

جاءت أحاديث في الأمر بالوضوء مما مست النار، قال النبي ﷺ: «توضؤوا مما مست النار»، وجاءت أحاديث في أن النبي ﷺ احتز من كتف شاة وصلى ولم يتوضأ. وجاء في حديث آخر أن من آخر الأمراض من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، لكن هذا الحديث قيل إن أحد الرواة فهم ذلك، وإلا فهو ليس فيه دليل على النسخ. فنقول هنا: النبي ﷺ أمر بذلك، ولكنه في فعله لم يتوضأ مما مست النار، هنا في احتمالات: إما أن نقول أحدهما منسوخ، أو أن نقول أحدهما خاص بالنبي ﷺ والثاني عام، وهذان احتمالان. وفي احتمال ثالث أن نجمع بينهما، فنقول: الأمر بالوضوء مما مست النار هذا أمر صحيح لم يُنسخ، لكنه يُحمل على الاستحباب، بدليل أن النبي ﷺ لم يتوضأ مما مست النار، فدل على أن الأمر على الاستحباب. لأننا لما جمعنا بين النصين فإننا لم نلغِ دلالة واحد منهما، لكن لو قلنا إن أحدهما منسوخ فألغينا دلالة المنسوخ، ولو قلنا إن أحدهما خاص بالنبي ﷺ فإننا حملناه على الخصوصية والأصل التعميم، فإذا جمعنا بينهما على نحو ما ذكر.

قال: «ولا يعدل إلى النسخ إلا بنص من الشارع». متى نقول إن أحد النصين منسوخ؟ عندنا إذا تعارض نصان، فالأولى الجمع، فإذا لم يمكن الجمع فننظر هل يمكن معرفة المتأخر من المتقدم؟ فإذا أمكن فنقول المتأخر ناسخ للمتقدم، وإذا لم يمكن فننظر إلى وجوه المرجحات الأخرى، والمرجحات كثيرة جدا.

هنا يقول لك: لا يعدل إلى النسخ إلا بنص من الشارع، مثل الآية التي قلنا لكم آية المصابرة، أو حديث «كنت نهيتكم عن زيارة القبور»، إلا بنص من الشارع أو تعارض النصين الصحيحين الذين لا يمكن حمل كل منهما على معنى مناسب، فيكون المتأخر ناسخا للمتقدم. يعني إذا وجد نصان صحيحان ولا يمكن أن نجمع بينهما وعرفنا التاريخ، فهنا نقول المتأخر ناسخ للمتقدم. وإذا تعذر معرفة المتقدم والمتأخر؛ يعني عندنا لا أمكن الجمع ولا عرفنا المتقدم من المتأخر، فهنا نجمع أو نرجح، فهذه مرجحات.

مثل أحاديث الوضوء من مس الذكر؛ حديث طلق بن علي: «إنما هو بضعة منك»، وحديث بشرى بنت صفوان: «من مس ذكره فليتوضأ». رجح الجمع من الفقهاء، وهو المذهب عندنا، حديث بشرى بنت صفوان "من مس ذكره فليتوضأ" على حديث طلق بن علي بمرجحات، ومنها أن حديث بشرى بنت صفوان ناقل عن الأصل، وحديث طلق مُبْقٍ على الأصل، والناقل عن الأصل مقدم. يعني عندنا الأصل بقاء الوضوء وعدم انتقاضه، وحديث طلق بن علي موافق لهذا الأصل، وحديث بشرى بنت صفوان ناقل عن الأصل، فيقولون من المرجحات أن الناقل عن الأصل مقدم على المُبْقي على الأصل. والمرجحات كما ذكر المؤلف، وطبعا هنا قال: "ورجعنا إلى الترجيحات الأخرى"، والمرجحات كثيرة جدا ويذكرها الأصوليون في كتبهم الموسعة.

أحسن الله إليكم، ولهذا إذا تعارض قول النبي ﷺ وفعله قُدم قوله؛ لأنه أمر أو نهي للأمة، وحُمِل فعله على الخصوصية له، فخصائص النبي ﷺ تنبني على هذا الأصل. وكذلك إذا فعل شيئا على وجه العبادة ولم يأمر به، فالصحيح أنه للاستحباب، وإن فعله على وجه العادة دل على الإباحة. وما أقر النبي ﷺ من الأقوال والأفعال يُحكم عليه بالإباحة أو غيرها على الوجه الذي أقره.

أحسنت، هنا ذكر لك من المرجحات: إذا تعارض قول النبي ﷺ وفعله فإننا نقدم القول؛ لأنه أمر أو نهي للأمة، ونحمل فعله على الخصوصية له. ومن أمثلة ذلك التي ذكرها بعض الفقهاء: أن النبي ﷺ نهى عن استقبال القبلة أو استدبارها بالبول أو الغائط، ورؤي ﷺ مستدبرا القبلة في البنيان ومستقبلا القبلة في البنيان. مما جمع به على المذهب يقولون: إن النهي هذا في الصحراء، وفي البنيان هذا دليل على جوازه في البنيان، لكن من أهل العلم من قال إن النهي عام في الصحراء والبنيان، وحمل فعله ﷺ على الخصوصية. وكما قلنا هذا مثال للتوضيح، وإلا فمكان مناقشة هذا المثال أو هذا الحكم في الكتب الفقهية أو في الدروس الفقهية. قال: فخصائص النبي ﷺ.

تنبني على هذا الأصل أن هناك خصائص للنبي ﷺ، وهذا صحيح؛ ففي القرآن الله عز وجل أباح له النكاح بالهبة، قال تعالى: ﴿قَالَتْ خَالِصَةٌ لَّكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 50]. أراد النبي ﷺ أن يستنكحها خالصة له من دون المؤمنين، ففيه أحكام خاصة بالنبي ﷺ، وهذا لا ينكر.

وذكر لك استطرادًا فعل النبي ﷺ وتقريره؛ يقول: فعل النبي ﷺ إذا فعل النبي ﷺ شيئًا على وجه العبادة ولم يأمر به، فالثابت أنه للاستحباب، وهذا ما يعبر عنه العلماء بقولهم: «فعل النبي ﷺ المجرد عن الأمر به»، فهذا يحمل على الاستحباب؛ مثل بعض الصفات في الصلاة كالتورك ونحو ذلك، وإن كان قد جاء في النص: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، لكن هذا يخص بالوجوب في الأمور الواجبة التي ذكرها في حديث المسيء في صلاته.

وما فعله على وجه العادة دل على الإباحة؛ فإذا فعل النبي ﷺ شيئًا على وجه العادة فإننا نقول إنه مباح؛ مثل النبي ﷺ كان يطيل شعر رأسه، وهذا على عادة العرب في زمنهم، فنقول هذا مباح، ولا نقول إن إطالة الشعر من المسنونات لأن النبي ﷺ فعله على وجه العادة.

وقال: وما أقر النبي ﷺ من الأقوال والأفعال حكم عليه بالإباحة أو غيرها على الوجه الذي أقره؛ فإقرار النبي ﷺ من الأقوال أو الأفعال حكم عليه بالإباحة، مثل إقراره ﷺ للعزل عن النساء، فهذا دليل على الإباحة، أي أنه غير محرم، وقد يصل إلى الكراهة إذا كان هذا خاصًا بغير إذن الزوجة أو غيرها.

ومثل إقرار النبي ﷺ للصحابي الذي دخل وقال: «الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه»، وذكر أنه قالها في دعاء الاستفتاح، وجاء في حديث آخر أنه قالها شخص آخر في الرفع من الركوع، فالنبي ﷺ أقره وذكر أنه رتب عليه أجرًا، فما دام قد رتب عليه أجرًا فإنه يأخذ حكم الاستحباب.

أحسن الله إليكم، فصل: وأما الإجماع فهو اتفاق العلماء المجتهدين على حكم حادثة؛ فمتى قطعنا بإجماعهم وجب الرجوع إليهم ولم تحل مخالفتهم، ولا بد أن يكون هذا الإجماع مستندًا إلى دلالة الكتاب والسنة.

أحسنتم؛ لما انتهى من الكلام على دليل الكتاب ودليل السنة ومباحث دلالة الألفاظ في نصوص الوحيين، انتقل إلى الدليل الثالث وهو دليل الإجماع. قال: ما المراد بالإجماع؟ الإجماع هو اتفاق العلماء المجتهدين، إذ الإجماع هو اتفاق ليس فيه خلاف من العلماء المجتهدين الذين وصلوا إلى درجة الاجتهاد وليسوا مقلدين، على حكم شرعي لحادثة؛ فإذا اتفق أهل العلم على حكم فإنه يكون إجماعًا، ويجب الرجوع إليه وتحرم مخالفته.

ودل على ذلك أدلة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِّ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. قال: فمتى قطعنا بإجماعهم وجب الرجوع إلى إجماعهم ولم تحل مخالفتهم. والمسائل التي أجمع عليها العلماء رحمهم الله تعالى كثيرة، وأُفرِدَت بالمؤلفات، وعلى أن في بعض ما حُكي فيه الإجماع يوجد فيه الخلاف، لكن الإجماعات المحكية كثيرة.

وقال: ولا بد أن يكون هذا الإجماع مستندًا إلى دلالة الكتاب والسنة؛ فالإجماع وإن كان إجماع قول المجتهدين، وهم غير معصومين، لكنه في الأصل راجع إلى دلالة الكتاب والسنة، قد نطلع على دلالة الكتاب والسنة وقد لا نطلع عليها، وهذا بيناه في اللقاء الماضي.

أحسن الله إليكم، وأما القياس الصحيح فهو إلحاق فرع بأصل لعله تجمع بينهما؛ فمتى نص الشارع على مسألة ووصفها بوصف، أو استنبط العلماء أنها شُرعت لذلك الوصف، ثم وُجد ذلك الوصف في مسألة أخرى لم ينص الشارع على عينها، وجب إلحاقها بها في حكمها؛ من غير فرق بينها وبين النصوص، لأن الشارع حكيم لا يفرق بين المتماثلات في أوصافها كما لا يجمع بين المختلفات.

وهذا القياس الصحيح هو الميزان الذي أنزله الله تعالى، وهو متضمن للعدل، وما يعرف به العدل والقياس أن من يُعدل إليه وحده إذا فقد النص فهو أصل يرجع إليه إذا تعذر غيره، وهو مؤيد للنص، فجميع من نص الشرع على حكمه فهو موافق للقياس لا مخالف له.

هذا الدليل الرابع وهو دليل القياس، وقال لك هنا: القياس الصحيح؛ وذكر القياس الصحيح لإخراج القياس الفاسد. نبين أولًا ماهية القياس؛ قال لك: القياس هو إلحاق فرع بأصل لعله تجمع بينهما. مثلاً، جاء في النصوص أن الحدث ينقض الوضوء، فخروج البول أو الغائط ينقض الوضوء، لكن هل جاء في النصوص أنه ينقض التيمم؟ لا، ما جاء؛ فنقيس نقض البول والغائط للتيمم على نقضها للوضوء.

يقول لك: إلحاق فرع بأصل؛ الفرع هنا هو انتقاض التيمم بخروج البول أو الغائط، والأصل هو انتقاض الوضوء بخروج البول أو الغائط، وإلحاقه طبعًا في الحكم، والعلة الجامعة بينهما هي كون كلا منهما طهارة -على الخلاف في التيمم هل هو مبيح أو رافع- فكلاهما طهارة تبيح الصلاة وغيرها.

القياس أركانه أربعة، فلا بد لكل قياس من وجود هذه الأركان الأربعة: الفرع، وهو الذي تريد أن تقيسه، والأصل، وهو الذي تريد أن تقيس عليه، وهنا الفرع هو انتقاض التيمم بالبول أو الغائط، والأصل هو انتقاض الوضوء بالبول أو الغائط، ثم الحكم، والركن الثالث هو العلة الجامعة بينهما وهي كونهما طهارة.

قال: فمتى نص الشارع... نرجع إلى كلام القياس الصحيح؛ القياس الصحيح هو القياس الذي لا يخالف النص، أما القياس الفاسد فهو الذي يخالف النص؛ يعني لو وجدنا مسألة منصوصًا عليها وخالف بعض الفقهاء هذه المسألة وقاس على مسألة أخرى تخالفها في الحكم، خالف المنصوص في الحكم، فهنا نقول هذا قياس فاسد.

مثلاً: عندنا الأصل في المتلفات أن من أتلف شيئًا مثليًا يضمنه بمثله، هذا هو الأصل ودل عليه نصوص، لكن جاءنا نص في المصراة؛ إذا اشترى غنمًا أو إبلاً مُصراة، والمصراة هي التي لم تُحلب...

قبل البيع، لكي من أراد أن يشتريها يظن أنها ذات در ولبن كثير، يتركها البائع يومين ثلاثة لم يحلبها، فيأتي المشتري ويظن أنها ذات لبن كثير فيشتريها، وإذا هي لبنها قليل؛ هذه هي المصراة.

المصراة جاء في الحديث أنها ترد، ويرد معها صاعا من تمر. كيف لماذا لم يرد اللبن؟ يعني الأصل في اللبن أنه يرد مثله، أو قيمته على الأقل، فالنبي ﷺ قال: «يرد معها صاعا من تمر».

هنا بعض الفقهاء قالوا لا نأخذ بهذا، بل يرد مثلها مثل اللبن أو قيمتها. هنا نقول إنهم يقيسونه على النصوص الأخرى، ونقول لا، هنا قياس فاسد؛ لأنه خالف النص الصريح. متى يقاس؟ يقاس متى نص الشارع على مسألة ووصفها بوصف، أو استنبط العلماء أنه شرع لذلك الوصف، ثم وجد ذلك الوصف في مسألة أخرى لم ينص الشارع على عينها، من غير فرق بينها وبين النصوص، لعلها المنصوص وجب إلحاقها بها في حكمها؛ لأن الشارع حكيم لا يفرق بين المتماثلات في أوصافه، كما لا يجمع بين المختلفة، وهذا مثلنا عليه في انتقاض التيمم؛ انتقض التيمم بخروج البول أو الغائط كذلك.

طبعا قد يقول في قاعدة أخرى إن البدل له حكم المبدل، فنقول نعم، أيضا لا يلزم أن يكون للحكم أو المسألة دليل واحد، قد يكون لها أكثر من دليل. ومثله ما يقيسه الفقهاء، ما يعني الأشياء المسكرة كالحشيش مثلا على الخمر في التحريم وفي الحد، وإن كان هذا التمثيل قد لا يخلو من إشكال؛ لأن الخمر كما جاء في الحديث «كل مسكر خمر»، فنقول هنا إذا كان الحشيش مسكرا فإنه يدخل في مسمى الخمر ولا نحتاج إلى القياس.

قال: وهذا القياس الصحيح هو الميزان الذي أنزله الله، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. فالميزان هو العدل، والقياس الصحيح من الميزان، ولذلك ذكر بعضهم أن الأولى أن يسمى القياس بالميزان، لأنه هو الذي جاءت تسميته في الشريعة، لئلا يوهم أنه يراد به القياس الفاسد. والقياس الصحيح متضمن للعدل، وما يعرف بالعدل والقياس إنما يعدل إليه عند فقد النص.

إذا وجدنا النص لا نحتاج إلى القياس. طبعا القياس ممكن نحتاج إليه مع وجود النص لتقوية دلالته، لكن إذا وجد النص الصريح الصحيح لا نحتاج إلى القياس. فهو أصل يرجع إليه عند تعذر غيره؛ فإذا وجد الكتاب أو السنة والإجماع فلا حاجة إلى أن نبحث عن قياس، لكن القياس نبحث عنه إذا فقد أحد الأدلة السابقة أو كلها. وهو مؤيد للنص، فجميع ما نص الشارع عليه فهو موافق للقياس لا مخالف له.

هذه مسألة يتكلم عليها الفقهاء، وهي هل يوجد في الشريعة شيء على خلاف القياس أو لا؟ مثل المصراة، هل هي على خلاف القياس أو لا؟ مسألة طويلة، وابن القيم رحمه الله سأل شيخه شيخ الإسلام عن ذلك، هل يوجد في الشريعة شيء خلاف القياس؟ فأجابه شيخ الإسلام رحمه الله بجواب موجود في مجموع الفتاوى في المجلد العشرين. لم يذكر في مجموع الفتاوى أن السائل هو ابن القيم، لكن عرفنا أن السائل ابن القيم؛ لأن ابن القيم رحمه الله نقل هذا السؤال وجوابه في إعلام الموقعين، نقله بنصه مع زيادات منه، توضح المقصود، فاستدرجنا به على أن السائل هو ابن القيم رحمه الله. فالشيخ رحمه الله ذكر جملة من المسائل التي ذكر بعض الفقهاء أنها على خلاف القياس، وبين أنه لا يوجد في الشريعة شيء نص على خلاف القياس الصحيح، أما القياس الفاسد فأصلا لا ينظر إليه مع وجود النص. نقف عند هذا ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

يقول: ما الراجح عند أهل العلم في المجاز والحقيقة؟ الطالب لا يحتاج أن يعرف الراجح في كل مسألة خاصة في بداية تعلمه، يحتاج إلى أن يتصور المسألة وحكمها، هذا هو المطلوب منه في البداية: تصور المسألة وحكمها ودليلها، ثم إذا ترقى ينظر إلى مأخذ المسألة ولماذا حصل الخلاف، ثم يترقى ويتبين له الراجح، فلذلك لا نحتاج إلى الترجيح في كل مسألة.

يقول: سئلتم في الدرس الماضي عن الفرق بين الأحكام التكليفية والوضعية، نعم تكلمت عنه لكن انتهى الدرس ولم ينته الجواب، فلذلك أعيده باختصار. الأحكام التكليفية هي الأحكام الخمسة: الوجوب، والتحريم، والإباحة، والندب، والكراهة؛ هذه أعمال كلف بها الإنسان. أما الوضعية فهي أسباب وشروط وموانع، ليست أحكامًا مكلفًا بها، لكنها أوصاف في الفعل، مثل كون وقت المغرب يبدأ عند غروب الشمس، هنا الإنسان لا يكلف بأن يجعل الشمس تغرب أو تزول ونحو ذلك.

يقول: ما العزيمة وما الرخصة وما الفرق بينهما؟ هذه أسئلة خارجة عنه، وإن كانت في الأصول لكنها خارجة عن موضوع الدرس، وإن شاء الله إذا شرحنا كتابًا تكلم فيه المؤلف عن العزيمة والرخصة فرقنا إن شاء الله.

يقول: كيف نفرق بين العام والمطلق؟ الحقيقة الفرق دقيق، حتى الأصوليون أنفسهم في استعمالاتهم أحيانا إذا أرادوا أن يفرقوا يفرقون بينهم، لكن إذا أرادوا في التطبيق يطلقون على العام مطلقا وعلى المطلق عاما، ولذلك هو يحتاج إلى تأمل وتمحيص.

باختصار: العام شامل لجميع ما دخل فيه، مثل «المسلمين والمسلمات والمؤمن»، هذا شامل لكل مسلم ولكل مسلمة ولكل مؤمن ولكل مؤمنة. لكن المطلق ويصدق بواحد، لو قال: «أكرم طالبا»، فالطالب هنا مطلق غير معين غير محدد، فيكتفى بإكرام واحد، لكن لو قال: «أكرم الطلاب»، فهذا عام. هذا توضيح بالمثال.

لبس الخاتم من باب الاستحباب أو الإباحة، هل نقول إن النبي ﷺ لبس الخاتم على سبيل العادة أو على سبيل العبادة؟ يظهر والله أعلم أنه على سبيل العادة، فلا نقول إنه يستحب.

ويمكن أن يقال يستحب لمن احتاجه ليختم به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له إن الملوك لا يقرون اكتامًا إلا مختومًا فاتخذ خاتمًا، فيمكن أن يقال من احتاج إليه يكون مستحبًا في حقه، والعلم عند الله.

يقول: الأمر بعد الحظر للإباحة، هل القاعدة مضطردة؟ طبعًا المؤلف رحمه الله ذكر أن الأمر قد يصرف من الوجوب إلى الإباحة، وذكرنا لكم مثالين كلاهما أمر بعد الحظر. هل كل أمر بعد الحظر يدل على الإباحة أو لا؟ هذه مسألة خلافية بين أهل الأصول.

هناك قول قد يكون هو المضطرد، وهو أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى حكمه قبل الحظر. فمثلاً في الحائض يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]، هنا حظر، فإذا تطهرن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222]. هل نقول إنه إذا طهرت الزوجة إذا طهرن، نقول إنه مباح؟ أو نقول إنه يدور بين الاستحباب والوجوب؟ لأنه من المعاشرة بالمعروف.

يظهر الثاني وأنه بين الاستحباب والوجوب؛ الوجوب إذا كان فيه رفع لحاجة المرأة الماسة إلى الرجل، والاستحباب إذا كان دون ذلك، فهو من المعاشرة بالمعروف، والعلم عند الله.

ويقول: هل توجد كتب أصولية خاصة بمذهب الحنابلة كثيرة؟ كثيرة جداً، كتب أصولية خاصة بمذهب الحنابلة، لا أدري يقصد هل يقصد ألفها الحنابلة؟ كثيرة جداً من المتقدمين والمتأخرين. ومن الكتب المناسبة من المتأخرين المعاصرين كتاب الأصول من علم الأصول للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وكتبهم كثيرة.

والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.